← Тараджим

Тараджим · id 7512

أعلام السيرة النبوية في القرن الثاني للهجرة

فاروق حمادة

Полный текст (68 стр.). Показаны 36–68 · переход к 41.

стр. 36

الدور الثالث: وبعد أن استوى علم السيرة وتدوينها على ساقه تابعت طائفة أخرى المسيرة فتلقت ما دونته الطبقة السابقة، وأضافت إلى عملهم شيئاً جديداً قوّاه ونمّاه، ومن أبرز هؤلاء الأعلام: (١) محمد بن صالح بن دينار، (٢) وأبو معشر السندي، (٣) وعبد الملك بن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم. أما: ١- محمد بن صالح بن دينار أبو عبد الله المدني مولى عائشة بنت جزء أم عمر بن قتادة بن النعمان المتوفى ١٦٨هـ (١) . فقد رأى سعيد بن المسيب، وروى عن سعيد بن إبراهيم، وعاصم بن عمر بن قتادة ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري، ويزيد بن رومان وموسى ابن عقبة وجمع غيرهم وروى عنه الواقدي، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، والدراوردي وغيرهم وثقه أحمد بن حنبل، وأبو داود، وابن حبان والعجلي وقال أبو حاتم الرازي: شيخ ليس بالقوي، ولا يعجبني حديثه، وضعفه الدارقطني. قال محمد بن سعد (٢) : كان جيد العقل، قد لقي الناس، وعلم العلم والمغازي وقال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد قال: قال لي أبي: إن أردت المغازي صحيحة، فعليك بمحمد بن صالح ابن دينار التمار، وكان ثقة قليل الحديث، توفي وهو ابن بضع وثمانين سنة،

стр. 37

وقد روى حديثه أصحاب السنن الأربعة وقد استفاد منه ابن سعد في طبقاته انظر ٤/١٢، ١٣، ٣٤، ٣٧، و١/٢١٠، ٢١٦، ٢١٩، ٢٢١. وبالرجوع إلى تاريخ الطبري الذي استفاد من أكبر قدر من المصادر التي سبقته وجدت أنه اقتبس عدة نصوص عنه، منها: ما يتعلق بالوحي كما في ٢/٣٨٦، وفي التأريخ بالهجرة ٢/٣٩٠، وفي غزوة بدر ٢/٤١٩، وفي غزوة بني قينقاع ٢/٤٨٠، وفي أخبار عمر ٤/٢١٣، ٢٢٠، وفي خبر غزوة ذات الصواري ٤/٢٨٨، وأخبار عثمان ٤/٣٥٩، وأخبار خروج الأشراف بفخ في عهد العباسيين ٨/١٩٢، ١٩٣، ١٩٥، ١٩٨. ويبدو أن شأنه كان عظيماً في تَقَصِّي روايات السيرة وتدقيقها إذ يرجع إليه الواقدي ويسأله ويؤكد محمد بن صالح له الأخبار التي يرويها أو التي يسمعها. ويتبين ذلك مما روي عن الشعبي أن إسرافيل قرن برسول الله صلى الله عليه وسلمقبل أن يوحى إليه ثلاث سنوات قال الواقدي: فذكرت ذلك لمحمد بن صالح ابن دينار فقال: والله يابن أخي لقد سمعت عبد الله بن أبي بكر بن حزم، وعاصم بن عمر بن قتادة يحدثان في المسجد، ورجل عراقي يقول لهما هذا، فأنكراه جميعاً وقالا: ما سمعنا ولا علمنا إلا أن جبريل هو الذي قرن به، وكان يأتيه بالوحي من يوم نبئ إلى أن توفي ﷺ . وفي طبقات ابن سعد ١/١٩١، ذكر هذا الخبر بسنده إلى الشعبي ثم قال: فذكرت هذا الحديث لمحمد بن عمر فقال: ليس يعرف أهل العلم ببلدنا أن إسرافيل قرن بالنبي ﷺ . وإن علماءهم، وأهل السيرة منهم يقولون: لم يقرن به غير جبريل من حين أنزل عليه الوحي إلى أن قبض ﷺ . ومن هذا النص الهام يتبين أن الواقدي قد عدّ شيخه محمد بن صالح من

стр. 38

علماء المدينة ومن أهل السيرة. ويستفاد منه كذلك أن علم السيرة له علماؤه المشهورون به، منهم محمد ابن صالح بن دينار، وطبقة شيوخه عبد الله بن أبي بكر بن حزم، وعاصم بن عمر ابن قتادة. ويبدو من خلال النصوص التي اقتبست عنه أن الواقدي كان يرجع إليه ليعرض عليه المعلومات والأخبار التي يتلقاها ليثبتها له ويبين وجه الصواب فيها.. وهذا يدل على جليل مكانته في هذا العلم، ويدل على تطور علم السيرة في هذه المرحلة بالرجوع إلى أناس عرفوا بذلك. وقد كان يروي بالأسانيد أحياناً. ٢- أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن السندي ثم المدني مولى بني هاشم المتوفى ١٧٠هـ (١) . رأى أبا أمامة بن سهل بن حنيف المتوفى سنة ١٠٠هـ وحدّث عن التابعين؛ محمد بن كعب القرظي، ونافع مولى ابن عمر، وهشام بن عروة، ومحمد بن المنكدر، وسعيد بن المسيب، قال الذهبي: وفيه بعد، وسعيد المقبري، وغيرهم. روى عنه جمع، منهم: سفيان الثوري ومات قبله، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الرزاق الصنعاني، والليث بن سعد، وأبو نعيم الفضل بن دكين،

стр. 39

والواقدي، وابنه محمد بن أبي معشر، هو آخر من روى عنه، وغيره. وثَّقة جمع، وضعفه آخرون من قبل حفظه. قال أبو زرعة الدمشقي: سمعت أبا نعيم الفضل بن دكين يقول: كان أبو معشر كيساً حافظاً، وقال هشيم: ما رأيت أحداً أكيس من أبي معشر. وقال يحيى بن معين: ضعيف يكتب حديثه في الرقائق، وكان رجلاً أمياً يُتقى أن يروي من حديثه المسند. وضعفه البخاري، وأبو داود، والنسائي وغيرهم. قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي وذكر مغازي أبي معشر فقال: كان أحمد بن حنبل يرضاه ويقول: كان بصيراً بالمغازي. وقال أبو حاتم: كنت أهاب حديث أبي معشر حتى رأيت أحمد بن حنبل يحدِّث عن رجل عنه أحاديث فتوسعت بعد في كتابة حديثه. قال الخليلي: أبو معشر له مكان في العلم والتاريخ، وتاريخه احتج به الأئمة، وضعفوه في الحديث. وذكره ابن البرقي فيمن احتملت روايته في القصص، ولم يكن متين الرواية. قال ابن عدي: حدَّث عنه الثوري وهشيم، والليث بن سعد وغيرهم من الثقات وهو مع ضعفه يكتب حديثه. أما علمه بالمغازي فشهد له بتبريز فيها غير واحد، وناهيك بأحمد بن حنبل. قال الفضل بن هارون البغدادي: سمعت محمد بن أبي معشر، قال: كان أبي سندياً أخرم خياطاً، قالوا: وكيف حفظ المغازي؟ قال: كان التابعون يجلسون إلى أستاذه فكانوا يتذاكرون المغازي، فحفظ. وابنه محمد هذا حدّث عنه بالمغازي وكان خاتمةَ من حدث بها عنه، وذلك لأنه عمِّر نحواً من مائة سنة، وتوفي سنة سبع وأربعين ومائتين، وهو صدوق أخرج له الترمذي عن أبيه.

стр. 40

وقد اشتهر بعلم المغازي وذاع صيت تأليفه، وكان أبرز رجال هذه الطبقة في هذا العلم، ومن أقدم من رجع إليه واغترف منه محمد بن سعد في طبقاته الكبير؛ إذ جعله واحداً من أركان كتابه الأربعة، وهم شيخه الواقدي، وابن إسحق، وموسى بن عقبة وأبو معشر، ويشير إليهم بأهل العلم بالسيرة، أو رواة المغازي، ويجعل إجماعاً، ويقارن بين رواياتهم، وقد كان كتابه حاضراً بين يديه إذ قال (١) : يزيد بن المزين ابن قيس بن عدي بن أمينة بن جدارة، هكذا قال محمد بن عمر، وقال موسى بن عقبة، ومحمد بن إسحق، وعبد الله ابن محمد بن عمارة الأنصاري: هو زيد بن المزيد، ولم يذكره أبو معشر في كتابه. وهذا دليل على أن كتابه بين يديه ويتتبع روايات الأربعة ويقارن بينها، ويضيف إليهم: عبد الله بن محمد بن عمارة الأنصاري، وكتابه في نسب الأنصار. والمقارنة الآن بين هؤلاء جديرة للخروج بنتائج جد دقيقة، ولكنها تحتاج إلى بحث خاص يخرجنا عن موضوعنا هذا. وهذا الكتاب "المغازي"، قد ذكره له ابن النديم في الفهرست بقوله: عارف بالأحداث والسير، وله من الكتب، كتاب المغازي (٢) وقد كان من الكتب التي حملها معه الخطيب إلى دمشق، وسماه المغازي (٣) واقتبس منه غير واحد من الأئمة كابن عبد البر في الاستيعاب، واستفاد منه بواسطة ابن أبي

стр. 41

خيثم (١) من المتأخرين الحافظ ابن حجر في فتح الباري، وسماه السيرة (٢) وغير هؤلاء كثيرون يطول ذكرهم. أما منهجه في هذا الكتاب فمن خلال المنقول عنه يتبين لي أنه لا يختلف عن الكتب الأخرى التي صنفت في هذه الفترة، منه ماهو بالأسانيد، ومنه ما هو بغير أسانيد كان يتتبعها أبو معشر من أفواه الرجال، من التابعين وأبنائهم، والعهد قريب أو من سماعاته من شيوخه الذي اهتبلوا بهذا الأمر. ٣- عبد الملك بن محمد أبي بكر بن محمد بن عمر بن حزم، أبو طاهر المتوفى ١٧٦هـ (٣) . كان قاضياً ببغداد لهارون الرشيد، روى عن أبيه، وعمه عبد الله بن أبي بكر، روى عنه سريج ـ بالسين المهملة والجيم ـ بن النعمان الجوهري، وعبد الله بن صالح العجلي، وعبد الله بن وهب المصري. كان جليلاً من أهل بيت العلم والسير، والحديث، ووثقه غير واحد، قال سريج بن النعمان: قدم علينا بغداد فأقام بها، وكتبنا عنه المغازي عن عمِّه عبد الله بن أبي بكر. ويمكن أن يكون هذا الكتاب: إما كتبه عن عمِّه عبد الله، أو أن يكون مصنفاً له، وقد أكثر الروايات فيه عن عمه عبد الله. ويرجح أن يكون مصنفاً له قول ابن النديم في الفهرست: عبد الملك بن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم الأنصاري توفي سنة ست وسبعين ومائة

стр. 42

ببغداد وكان قاضياً بها لهارون، وله من الكتب: المغازي. وخلاصة هذه الحقبة – التي امتدت من منتصف القرن الثاني لتشمل الربع الثالث منه مع وفاة عبد الملك بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم المتوفى سنة ١٧٦هـ- وجود جيل من الرواد الذين كانوا يتتبعون أخبار السيرة، وأبرزهم على الإطلاق هو أبو معشر نجيح السندي، وقد كان له نشاط مذكور وكان أثره في مؤلفات السيرة واضحاً جداً.

стр. 43

الدور الرابع: وقد انتقل تدوين السيرة إلى جيل جديد في الربع الأخير من القرن الثاني الهجري ومطلع القرن الثالث، وكان منهم أعلام: (١) هشيم بن بشير، (٢) وإبراهيم بن سعد أبو إسحق، (٣) وعلي بن مجاهد، (٤) ويحيى بن سعيد الأموي، (٥) وإبراهيم بن محمد، (٦) والوليد بن مسلم، (٧) وعبد الله بن وهب المصري، (٨) وعبد الرزاق الصنعاني، ويبلغ الأمر قمته عند (٩) محمد بن عمر الواقدي المتوفى ٢٠٧هـ. ١- أما هشيم بن بشير بن أبي حازم الواسطي، أبو معاوية المتوفى ١٨٣هـ (١) . ولد سنة أربع ومائة، وأخذ عن الزهري، وعمرو بن دينار بمكة، وهما أكبر شيوخه، ولم يكثر عنهما، وروى عن أيوب السختياني، وسليمان التيمي، ويحيى بن سعيد الأنصاري وحميد الطويل، والأعمش وغيرهم. وأخذ عنه: شعبة، ومالك، والثوري ومحمد بن إسحق وهم أكبر منه ومن أشياخه، وروى عنه خلق كثير منهم: ابنه سعيد، وابن المبارك ووكيع، وأحمد بن حنبل. قال محمد بن سعد: كان ثقة كثير الحديث، ثبتاً يدلس كثيراً فما قال في حديثه: أخبرنا فهو حجة، ومالم يقل فيه أخبرنا فليس بحجة. وسكن ببغداد، ونشر بها العلم وصنف التصانيف، وكان كثير الحديث، وأثنى عليه الأئمة في حفظه وتثبته، وإمامته، وكان من أوائل المصنفين في

стр. 44

السنة. أما كتابه في السيرة فقد ذكره له الزركلي في الأعلام (١) نقلاً عن التبيان لابن ناصر الدين، ولم أعثر حتى الآن على أثر له، ولم أجد له في طبقات ابن سعد ولا تاريخ الطبري رواية في السيرة إلا نصاً واحداً في الوفاة النبوية وله روايات قليلة جداً في تعيين الذبيح، وصفة عثمان، وبيعة الزبير ﵄. وقد عدّ هشيم من أوائل المصنفين وأنه أول من صنف بواسط كما ذكرت في غير هذا الموضع (٢) . ومما يؤكد أن لهشيم بن بشير كتباً قول محمد بن سعد في طبقاته (٣) في ترجمة شجاع بن مخلد الفلاس أبي الفضل البغوي المتوفى سنة ٢٣٥هـ: روى عن هشيم عامة كتبه، وشجاع بن مخلد ثبت، قلت: وقد أخرج له مسلم وأبو داود وغيرهما. ٢- إبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري أبو إسحق المدني، نزيل بغداد المتوفى ١٨٣هـ (٤) . روى عن أبيه قاضي المدينة، وعن ابن شهاب الزهري، ويزيد بن الهاد، وصالح بن كيسان، ومحمد بن إسحق، وعدد من الناس، وروى عن هشام بن عروة حديثاً واحداً، وروى عنه: شعبة، ومالك والليث، وهما أكبر منه،

стр. 45

ويعقوب، وسعد ولداه وابن مهدي، والطيالسي، وأحمد بن حنبل، والقعنبي، وخلق غيره. وقد وثقه وأثنى عليه غير واحد من الأئمة؛ أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والعجلي، وأبو حاتم، وابن خراش، وأخرج حديثه الجماعة. قال البخاري (١) : قال لي إبراهيم بن حمزة: كان عند إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحق نحو سبعة عشر ألف حديث في الأحكام سوى المغازي. أما كتابه في المغازي فقد رواه عنه أحمد بن محمد بن أيوب البغدادي، قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: كان أحمد بن حنبل يقول: لا بأس به ويحيى بن معين يحمل عليه، وكتب عنه، ورأيته يقرأ عليهم كتاب المغازي عن إبراهيم بن سعد. ورواه عنه ابنه يعقوب بن إبراهيم بن سعد كما ذكر ذلك ابن سعد في طبقاته (٢) ونقل عنه من طريق صاحبه نوح بن يزيد المؤدب قال: سئل إبراهيم بن سعد كم نزّل النبي صلى الله عليه وسلمفي الأرض؟ قال ثلاثاً (٣) ، ونقل عنه نصاً آخر بواسطة ابنه يعقوب في الوفاة النبوية (٤) ، ومواطن أخرى.

стр. 46

٣- علي بن مجاهد بن مسلم بن رفيع الكابلي، أبو مجاهد الرازي، قاضي الريّ المتوفى بعد الثمانين ومائة (١) . روى عن الثوري، ومحمد بن إسحق، ومسعر بن كدام، وأبي معشر المدني، ويونس بن أبي إسحق، وإبراهيم بن إسماعيل بن مجمع الأنصاري، وجرير بن عبد الحميد وهو من أقرانه، وغيرهم. وروى عنه: أحمد بن حنبل، وجرير بن عبد الحميد وهو من أقرانه، ومحمد بن حميد الرازي وغيرهم، قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل، وقيل له: علي بن مجاهد الرازي؟ قال: كتبت عنه، ما أرى به بأساً. وقال علي بن الحسين بن حبان: وجدت في كتاب أبي بخط يده عن يحيى بن معين، قال علي بن مجاهد، رأيته على باب هشيم، ما أرى به بأساً، ولم أكتب عنه. وقال صالح جزرة: سمعت يحيى بن معين، وسئل عن علي بن مجاهد، فقال: كان يضع الحديث، وكان قد صنف كتاب المغازي، وكان يضع للكلام إسناداً وفي رواية: للكل إسناداً. وكذلك كذبه يحيى بن الضريس، وقال: لم يسمع من ابن إسحق. وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ ابن حجر: متروك، وقال: ليس في شيوخ أحمد أضعف منه، وقد أخرج له الترمذي في جامعه حديثاً عن محمد بن حميد الرازي. ولا نعلم عن كتابه هذا شيئاً إلا أنه من خلال النص المتقدم يتبين أن بعضه بإسناد، وبعضه بغير إسناد، كبقية كتب السيرة في هذا العصر.

стр. 47

٤- إبراهيم بن محمد بن الحارث أبو إسحق الفزاري المتوفى ١٨٦هـ (١) . الإمام الكبير الحافظ شيخ المجاهدين. حدّث عن أبي إسحق السبيعي، وهشام بن عروة، وحميد الطويل، وسليمان بن مهران الأعمش، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك بن أنس، وغيرهم. وحدّث عنه الأوزاعي والثوري وهما من شيوخه، وعبد الله بن المبارك، وعبد الملك بن حبيب المصيصي، ومحبوب بن موسى الفراء، ومعاوية بن عمرو الأزدي، وخلق كثير. وثقه جمع كبير من الأئمة، فقال أبو حاتم: الثقة المأمون الإمام. وقال النسائي: ثقة مأمون، أحد الأئمة. قال العجلي: كان ثقة، صاحب سنة صالحاً، هو الذي أدب أهل الثغر، وعلمهم السنة، كان يأمر وينهى، وإذا دخل إلى الثغر رجل مبتدع أخرجه، وكان كثير الحديث، وكان له فقه. وكان الأوزاعي يقول: حدثني الصادق المصدوق، أبو إسحق الفزاري. صنف الفزاري كتاباً سمّاه: السير، وقد نال ثناء جمع من الأئمة وعلى رأسهم: الشافعي إذ قال: لم يصنف أحد في السير مثل كتاب أبي إسحق. وأملى كتاباً على ترتيب كتابه. وقد روي عنه واقتبس الأئمة من طبقة تلاميذه ومن تلاهم. وقد أنقذنا قسماً من هذا الكتاب بفضل من الله تعالى عن نص قديم جداً كتب في الأندلس سنة ٢٧٠هـ على رقّ غزال.

стр. 48

أما منهج كتابه: فقد صاغه صياغة بين الفقه والحديث والسيرة، إذ استوعب قسطاً غير قليل من أحداث السيرة النبوية، ولكنها مبوبة على مباحث فقهية مثل: نبش القبور والركاز، ونفل السرايا، وسهمان الخيل، وردّ المسلم على المسلم، والغلول وعدم قتل الوفد وقتل المسن والمريض والجريح والمختل وأمان الرجل. والمرأة والعبد ونصب المنجنيق وحفر الخندق والسلب، والنهي عن الهبة. ويذكر بالأسانيد النصوص وجلُّها مرفوع، وبعضها موقوف، وبعضها مقطوع، وفيها الصحيح وفيها الحسن وفيها الضعيف وليس فيها شيءٌ مما يحكم عليه بالوضع. ثم يتبع ذلك بنصوص فقهية ومسائل عن الأوزاعي وأكثر من ذلك، والثوري فهو مفيد جداًّ في السيرة، ولكنه ليس خاصا بها، بل نجد السيرة النبوية منثورة في ثناياه، ولو استطعنا الوصول إلى نسخة كاملة من هذا الكتاب لكان من أجلّ المصنفات في السيرة النبوية، والفقه والحديث. ٥- يحيى بن سعيد بن أبان الأموي، أبو أيوب الكوفي المتوفى ١٩٤هـ (١) . روى عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة، ويزيد بن عبد الله ابن أبي بردة، والأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد، والثوري، وخلق سواهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وإسحق بن راهويه، وأبو عبيد القاسم بن سلاّم، وابنه سعيد بن يحيى، وخلق.

стр. 49

وقد وثقه غير واحد منهم أحمد وابن معين، والنسائي وأبو داود والدارقطني، وابن حبان، وغيرهم، وروى حديثه الجماعة كلهم. وقد حمل المغازي عن ابن إسحق، وقال أبو بكر بن أبي خيثمة عن سعيد ابن يحيى بن سعيد الأموي، قال: قال أبي: كان محمد بن سعيد أخي، والعوفي سمعوا المغازي سماعاً من ابن إسحق، فأما أنا وأبو يوسف ـ يعني القاضي ـ وأصحاب لنا عرضاً إلا الشيء يمرّ. وقد أكثر المصنفون النقل عن مغازي الأموي فبعضهم ينسبه إلى يحيى بن سعيد، وبعضهم ينسبه لولده سعيد. فالذهبي في سير أعلام النبلاء (١) : قال: وفي مغازي يحيى بن سعيد الأموي، والنص في الاستيعاب عن الأموي دون تحديد. وقال في ترجمته من «النبلاء» و «تذكرة الحفاظ» : وهو والد سعيد بن يحيى صاحب المغازي وعزا الكتاب في ترجمة ابن الشجري من النبلاء، لابنه (٢) . وقد اقتبس منه ابن عبد البر في الاستيعاب في مواطن عديدة ومنها ٢/٤٠ في ترجمة سعد بن عبادة. وابن تيمية في كتابه «الصارم المسلول» أخذ منه نصاً بقوله: قال سعيد بن يحيى الأموي في مغازيه: حدثني أبي عن المجالد بن سعيد عن الشعبي ... وبهذا نسب الكتاب للابن. وقد ورد في جزء المالكي ضمن أسماء الكتب التي ورد بها الخطيب دمشق باسم مغازي سعيد. وهو من مرويات ابن خير الإشبيلي في فهرسته، وعزاه للابن

стр. 50

بقوله (١) : كتاب السير، لسعيد بن يحيى الأموي، حدثني بها أبو الحسن علي بن عبد الله بن موهب ﵀، قال: نا أبو العباس أحمد بن عمر بن أنس العذري، قال: نا أبو الحسن علي بن بندار القزويني، وأبو ذر عبد بن أحمد الهروي، قالا: نا أبو بكر بن شاذان، قال: نا أبو عبد الله أحمد بن المغلس البغدادي عن يحيى بن سعيد. واستمد منه ابن سيد الناس في عيون الأثر (٢) وفي بعض المواطن يطلق القول، وفي بعضها يعزو الكتاب للأب، وبعضها للابن. وكذلك الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٣) يعزوه تارة للأب وتارة للابن وإذا كان الأب من رواة المغازي عن ابن إسحق، ومن أهل العناية بهذا العلم، فلا أستبعد أن يكون في الموضوع تصنيفان، تصنيف للأب يحيى بن سعيد، ثم زاد الابن عليه روايات أخرى وإضافات عن أبيه وعن شيوخ آخرين. أما منهج هذا الكتاب فمِن تَتَبُّعِ النصوص المقتبسة عنه نجد أن جلها جاء بالأسانيد، وبعضها مرسلة، وبعضَها من سياق المصنف، وبهذا فهو سائر في سياق كتب السيرة التي سبقته وعاصرته. ٦- الوليد بن مسلم القرشي، أبو العباس الدمشقي المتوفى ١٩٥ (٤) هـ.

стр. 51

الإمام، عالم أهل الشام، روى عن خلق منهم: محمد بن عجلان، وابن جريج والأوزاعي، وعفير بن معدان، وحريز بن عثمان، والثوري، ومالك والليث، وابن لهيعة وغيرهم. وارتحل في الحديث والسنة، وصنف التصانيف، وتصدر للإمامة وكان من أوعية العلم، ثقة حافظ. روى عنه الليث بن سعد، وبقية بن الوليد، وهما من شيوخه، وابن وهب، وابن حنبل، ومحمد بن مصفى الحمصي، ومحمود بن غيلان، وخلق كثير آخرهم حجاج بن الريان الدمشقي المتوفى ٢٦٤هـ. وثقه جمع من الأئمة، قال محمد بن سعد: كان الوليد بن مسلم، ثقة كثير الحديث والعلم. وقال الفسوي: سألت هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم، فأقبل يصف علمه وورعه، وتواضعه. قال ابن جوصا الحافظ: لم نزل نسمع أنه من كتب مصنفات الوليد بن مسلم صلح أن يلي القضاء، ومصنفاته سبعون كتاباً. وقال صدقة بن الفضل: ما رأيت رجلاً أحفظ للحديث الطويل، وأحاديث الملاحم من الوليد بن مسلم، وكان يحفظ الأبواب. وقال علي بن المديني: ما رأيت في الشاميين مثل الوليد بن مسلم، وقد أغرب أحاديث صحيحة لم يشركه فيها أحد. ووصفوه بأنه كان بارعاً في حفظ المغازي، وقد أخرج حديثه البخاري ومسلم انتقاء، وبقية الستة. أما كتابه في السيرة، فقد ذكره له غير واحد من المصنفين الأقدمين، ومنهم: ابن النديم في كتابه الفهرست، فقال: الوليد بن مسلم من أصحاب

стр. 52

السير والأحداث وله من الكتب كتاب المغازي (١) . وقد كانت هذه السيرة من مرويات ابن خير الإشبيلي فقال (٢) : كتاب سير الوليد بن مسلم عن الأوزاعي، حدثني به أبو محمد بن عتاب ﵀، قال: أخبرني أبي ﵀، قال: نا بها أبو القاسم خلف بن يحيى، قال: قرأت على أبي المطرف عبد الرحمن بن عيسى بن مدراج، قال: نا أبو عمرو عثمان ابن عبد الرحمن، قال: نا محمد بن وضّاح، قال: نا أبو العباس الوليد بن مزيد ابن مسلم، قال: سألت أبا عمرو الأوزاعي ﵀. أقول: إما أن يكون كتاباً في السير مزج فيه نصوص السيرة بالفقه، على طريقة أبي إسحق الفزاري، ولاسيما أن أبا إسحق الفزاري من شيوخه، وإما أن تكون النصوص فيه من طريق الأوزاعي، أو أكثرها. وأرجح أن يكون هذا كتاباً آخر غير المغازي النبوية. وقد اقتبس الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٣) من كتاب له اسمه الجهاد. أما كتابه في المغازي فقد كان من مصادر عدد من المصنفين في السيرة، منهم: ابن سيد الناس في عيون الأثر (٤) والذهبي في كتابه السيرة النبوية (٥) . ومِن تَتَبُّعي للنصوص المقتبسة عنه لاحظت أنها منقولة بالأسانيد، وجلها منقول عن ابن لهيعة عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير، وليست مقصورة على هذا المصدر، بل له أسانيد أخرى، تدرس وتناقش وتقابل بغيرها.

стр. 53

٧- عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي، أبو محمد المصري المتوفى سنة ١٩٧هـ (١) . أحد أعلام الفقه والحديث، روى عن ابن جريج، ويونس بن يزيد ويحيى ابن عبد الله المعافري، وحيوة بن شريح، وعمرو بن الحارث، ومالك والليث، وابن لهيعة، وحرملة بن عمران، وسلمة بن وردان وعبد الرحمن بن زياد الإفريقي، وخلق كثير، إذ طلب العلم في حداثته وله نحو من سبعة عشر عاماً، ولقي بعض صغار التابعين، ونقل عنه أنه سمع ثلاثمائة وسبعين شيخاً، وكان من أوعية العلم ومن كنوز العمل. وروى عنه خلق من الجلة الكبار، منهم الليث بن سعد شيخه، وعبد الرحمن بن مهدي وأصبغ بن الفرج، والحارث بن مسكين، وسحنون بن سعيد، ويحيى بن يحيى الليثي، ويونس بن عبد الأعلى وغيرهم. قال أحمد بن صالح حدث ابن وهب بمائة ألف حديث، ما رأيت أكثر حديثاً منه وقع عندنا سبعون ألف حديث عنه. قال الذهبي: كيف لا يكون من بحور العلم، وقد ضم إلى علمه علم مالك والليث ويحيى بن أيوب وعمرو بن الحارث وغيرهم. وكان يسمى ديوان العلم، قال ابن حبان: ابن وهب هو الذي عني بجمع ما روى أهل الحجاز، وأهل مصر، وحفظ عليهم حديثهم، وجمع وصنف وكان من العبّاد. قال أبو زرعة الرازي (٢) : نظرت في نحو ثمانين ألف

стр. 54

حديث من حديث ابن وهب بمصر، وفي غير مصر، ما أعلم أني رأيت حديثا لا أصل له. وقد جمع حرملة حديث ابن وهب كله إلا حديثين أحدهما تفرد به أبو الطاهر بن السرح، وهو حديث أبي هريرة مرفوعا: "كل بني آدم سيد، فالرجل سيد أهله والمرأة سيدة بيتها". والثاني، تفرد به الغرباء، وهم سبعة ذكرهم ابن عدي (١) ، وهو حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا: "لا حليم إلا ذو عثرة، ولا حكيم إلا ذو تجربة". وقد أخرج الأئمة الستة وغيرهم حديثه. وعُدَّ عبد الله به وهب من المكثرين في التصنيف، قال القاضي عياض (٢) : وألف تواليف كثيرة جليلة المقدار عظيمة المنفعة، منها سماعه من مالك ثلاثون كتابا.. وكتاب المغازي. وذكره له الذهبي في سير أعلام النبلاء (٣) . وكتابه الجامع مشهور مطبوع. وكتابه المغازي حمله إلى الغرب تلميذه سحنون، فقد جاء في ترجمة سحنون، أنه كان إذا قرئت عليه مغازي ابن وهب تسيل دموعه، وإذا قرئ عليه الزهد لابن وهب يبكي (٤) . وجاء في ترجمة إبراهيم بن المنذر عند الخطيب في تاريخ بغداد بسنده إلى عثمان بن سعيد الدارمي قال: رأيت يحيى بن معين كتب عن إبراهيم بن المنذر الحزامي أحاديث ابن وهب ظننتها المغازي (٥) . وقد اقتبس منه القاضي

стр. 55

عياض في «الشفا» ، ومن طريقه ابن سيد الناس في عيون الأثر في فنون المغازي والسير (١) . كما استفاد منه الذهبي في السيرة النبوية (٢) . ومن خلال النصوص المقتبسة يتبين أن الكتاب بالأسانيد، ولكن هل كله مسند؟ أستبعد ذلك لأن طبيعة الموضوع تفرض التوسع وإلا بقي الكتاب ضامراً محدوداً. ٨- عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري، أبو بكر الصنعاني المتوفى سنة ٢١١ هـ (٣) . عالم اليمن، والحافظ الكبير ولد سنة ست عشرة ومائة، وارتحل إلى البلدان، وروى عن جمع من الكبار منهم: هشام بن حسان، وعبيد الله بن عمر وأخيه عبد الله، وابن جريج، ومعمر -وأكثر عنه- والأوزاعي، والثوري ومالك وخلق غيرهم. روى عنه شيخه سفيان بن عيينة، ومعتمر بن سليمان، وطائفة من أقرانه وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وإسحق بن راهويه، وابن المديني، وخلق غيرهم، وآخر من روى عنه إسحق بن إبراهيم الدبري. وأثنى على علمه وفضله، جمع من الأئمة، قال قرينه هشام بن يوسف: كان عبد الرزاق أعلمنا

стр. 56

وأحفظنا. وقد ملأ حديثه الكتب والدواوين، وروى له الستة وغيرهم، ونسب إلى شيء من التشيع. قال ابن عدي: ولعبد الرزاق بن همام أصناف في حديثه كثير، وقد رحل إليه ثقات المسلمين، وأئمتهم وكتبوا عنه، ولم يروا بحديثه بأسا إلا أنهم نسبوه إلى شيء من التشيع. وقال ابن حبان: كان ممن جمع وصنف وحفظ وذاكر وكان ممن يخطئ إذا حدث من حفظه على تشيع فيه. وله من التصانيف: المصنف وهو كتاب كبير ضم عدا جامع معمر من الحديث تسعة عشر ألف حديث وأربعمائة وثمانية عشر حديثا. وذكر غير واحد في جملة مصنفاته المغازي، ومنهم ابن النديم في الفهرست (١) واقتبس منه ابن عبد البر في كتابه: الدرر في اختصار المغازي والسير (٢) . وكان كتاب المغازي هذا من الكتب التي ورد بها الخطيب دمشق (٣) . واقتبس منه المقدسي في المغني وذكره السخاوي في ((الإعلان بالتوبيخ)) (٤) . أما عن منهجه فيه فيبدو أنه لا يخرج عن نسق كتابه المصنف، وكتاب أبي إسحق الفزاري أو قريب منه.

стр. 57

٩- محمد بن عمر بن واقد الأسلمي الواقدي، المديني، القاضي المتوفى سنة ٢٠٧هـ (١) . آخر الكبار المؤسسين لعلم السيرة النبوية، سمع من صغار التابعين، ومن بعدهم بالحجاز والشام، وغير ذلك، وحدث عن محمد بن عجلان، وابن جريج، ومعمر بن راشد، والأوزاعي، وهشام بن الغاز، ومالك، وخلق كثير.. روى عنه كاتبه محمد بن سعد، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو حسان الحسن بن عثمان الزيادي، والحارث بن أبي أسامة، وغيرهم. قال كاتبه محمد بن سعد: كان عالما بالمغازي، والسيرة والفتوح والأحكام واختلاف الناس واجتماعهم على ما اجتمعوا عليه. وقد فسر ذلك في كتب استخرجها، ووضعها وحدث بها. قال الخطيب البغدادي: قدم الواقدي بغداد، وولي قضاء الجانب الشرقي فيها، وهو ممن طبق شرق الأرض وغربها ذكره، ولم يخف على أحد -عرف أخبار الناس- أمره، وسارت الركبان بكتبه في فنون العلم من المغازي والسير، والطبقات، وأخبار النبي ﷺ ، والأحداث التي كانت في وقته، وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلموكتب الفقه، واختلاف الناس في الحديث وغير ذلك. وكان كريماً جواداً مشهوراً بالسخاء. وقد وقف الناس من الواقدي مواقف متباينة

стр. 58

فمنهم من قواه، ومنهم من ضعفه حتى اتهمه غير واحد بالوضع في الحديث. ولكنه في المغازي والسير والأحداث غير مدفوع عن ذلك، بل له بها مزيد عناية واختصاص، وهو فيها رأس وله مكانة. قال إبراهيم الحربي: سمعت المسيبي يقول: رأيت الواقدي يوماً جالساً إلى أسطوانة في مسجد المدينة، وهو يدرس، فقلنا: أي شيء تدرس؟ فقال: جزءاً من المغازي. وقلنا له يوما: هذا الذي تجمع الرجال تقول: حدثنا فلان وفلان، وجئت بمتن واحد، لو حدثتنا بحديث كل واحد على حدة، فقال: يطول، قلنا له: قد رضينا، فغاب عنا جمعة، ثم جاءنا بغزوة أحد في عشرين جلد، فقلنا: ردنا إلى الأمر الأول. أقول: ولا غرابة في ذلك، فقد كان واسع الرواية بمنهج متميز، كشف عنه بقوله: ما أدركت رجلاً من أبناء الصحابة، وأبناء الشهداء، ولا مولى لهم إلا سألته هل سمعت أحداً من أهلك يخبرك عن مشهده وأين قتل؟ فإن أعلمني مضيت إلى الموضع فأعاينه، ولقد مضيت إلى المريسيع فنظرت إليها، وما عملت غزاة إلا مضيت إلى الموضع حتى أعاينه (١) .ومن كان هذا همه ووكده فلا غرابة أن يكون عنده ما ليس عند غيره. قال ابن كثير، وهو الماهر العارف بهذا الشأن: والواقدي عنده زيادات حسنة وتاريخ محرر غالبا، فإنه من أئمة هذا الشأن الكبار، وهو صدوق في نفسه مكثر (٢) . وقال الذهبي: والواقدي وإن كان لا نزاع في ضعفه فهو صادق اللسان كبير القدر (٣) . وقال بعد أن استعرض ما قاله مادحوه وقادحوه (٤) : "وقد

стр. 59

تقرر أن الواقدي ضعيف يحتاج إليه في الغزوات والتاريخ، ونورد آثاره من غير احتجاج، أما في الفرائض فلا ينبغي أن يذكر فهذه الكتب الستة، ومسند أحمد، وعامة من جمع في الأحكام نراهم يترخصون في إخراج أحاديث أناس ضعفاء، بل ومتروكين، ومع هذا لا يخرجون لمحمد بن عمر شيئا، مع أن وزنه عندي أنه مع ضعفه يكتب حديثه ويروى، لأني لا أتهمه بالوضع، وقول من أهدره فيه مجازفة من بعض الوجوه، كما أنه لا عبرة بتوثيق من وثقه -وهم تمام عشرة محدثين-، إذ انعقد الإجماع اليوم على أنه ليس بحجة، وأن حديثه في عداد الواهي". أما كتابه المغازي، فقد شاع عن مصنفه منذ تأليفه، وتلقفته الأجيال وحلقات الدرس في طول العالم الإسلامي وعرضه عبر العصور، وقد وصلنا الكتاب كاملا مطبوعاً. أما عن منهجه فيه: فقد بدأ بتسمية رجاله الذين كتب عنهم، وبلغ عددهم خمسة وعشرين شيخاً، ومنهم من هو معروف بالعلم، والسيرة خاصة، ومنهم من هو غير معروف، ومنهم المقبول، ومنهم غير المقبول، ومنهم من له مصنف في السيرة النبوية، ومنهم من لا يعرف بذلك. وهؤلاء المجهولون هم الذين كان يتتبعهم الواقدي ليسمع منهم ما أثروه وسمعوه من آبائهم وأجدادهم، ولهذا وصف الواقدي بأنه يروي عن كل ضرب، وقد حاول تلميذه محمد بن سعد انتقاء بعض الروايات التي كان يجمعها وأن تكون أخباره عن المعروفين. وأحياناً يطوي مع هذا العدد الكبير من الشيوخ

стр. 60

ذكر عدد آخرين، فيقول: فكل قد حدثني من هذا بطائفة، وبعضهم أوعى لحديثه من بعض، وغيرهم قد حدثني أيضا، فكتبت كل الذي حدثوني، وكان يؤكد بأن من ينقل عنهم من أهل المعرفة بهذا الشأن، كما في قوله وحدثني عبد الله ابن أبي الأبيض عن جدته وهي مولاة جويرية -كان عالما بحديثهم (١) . وكان يكرر في كثير من الغزوات والسرايا ذكر الشيوخ الذين حدثوه، وأحياناً يزيدون وأحياناً ينقصون، ولكنه دائما يجمع خلاصة ما سمع، ويقول: فكل قد حدثني بطائفة من هذا الحديث، وغيرهم ممن لم أسم، فكتبت كل ما حدثوني. ويقول أحياناً: وغير هؤلاء ممن لم يسم أهل ثقات، فكل قد حدثني بهذا الحديث بطائفة وقد كتبت ما حدثوني (٢) . وقد بدأ بالسرايا والغزوات النبوية، ولم يعرض فيه للمبتدأ، والمبعث خلاف عمل ابن إسحق وآخرين، بل قصره على موضوعه المغازي. وقد ساق تاريخا موجزا أشبه ما يكون بفهرس للغزوات النبوية حدد فيها تاريخ الغزوات، مع بعض المعلومات الضرورية، وختمها بقوله: فكانت مغازي النبي ﷺ بنفسه سبعا وعشرين غزوة، ثم ذكر التي قاتل فيها، وقال: وكانت السرايا سبعا وأربعين سرية. واعتمر ثلاث عمر. ثم ذكر الصحابة الذين كان يستخلفهم رسول الله ﷺ عند خروجه للغزو على المدينة ثم ذكر شعار المسلمين في غزواتهم، فقال: وكان شعار رسول الله ﷺ في القتال في بدر: يا منصور أمت.. ثم بدأ بتفصيل السرايا والغزوات.

стр. 61

ويذكر كثيرا من الأسانيد خلال عرضه للأحداث، ومنها ما هو مرفوع، ومنها ما هو مرسل، ثم يعود فيقول: قالوا: أي شيوخه الذين صدر بهم الحدث. ويعرض التفاصيل دقيقة عن الغزوات من حيث عدد الغزاة ومتاعهم، ومركوبهم وطريق سيرهم، وما يحصل بينهم... ويرجح ويختار، ويقرر بعض الأحداث تقرير الواثق مما يقول. وكان خلال حديثه عن الغزوة ينقل بأسانيده- ومنها الجياد ومنها الضعاف- أخباراً موضحة ومعلومات هامة متعلقة بالموضوع، مما يضفي على عمله صفة الاستقصاء زيادة على ما جمعه من المصنفين قبله: الزهري، ومعمر، وموسى بن عقبة، وأبو معشر، ومحمد بن صالح بن دينار ويزيد بن رومان، والطبقة الأولى مثل: عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر بن حزم وغيرهم. وبهذا نستطيع أن نتصور الجمع الذي أراد الواقدي القيام به. وبالمقارنة بين روايات ابن إسحق والواقدي يتبين أن الواقدي لم يَرْو عن ابن إسحق مباشرة ونقل عنه بندرة، وذكر كثيرا من الروايات والتفاصيل التي لم يذكرها ابن إسحق. وهنا أستطيع القول إن التصنيف في السيرة النبوية، بلغ الذروة مع الواقدي. ولهذا اضطر المصنفون في السيرة إلى الرجوع للواقدي، للدقائق والتفاصيل التي استقصاها وتتبعها وحاول تحريرها، وفي هذا يقول ابن سيد الناس: "وكثيراً ما أنقل عن الواقدي من طريق محمد بن سعد وغيره أخباراً، ولعل كثيراً منها لا يوجد عند غيره، فإلى ابن عمر انتهى علم ذلك أيضا في

стр. 62

زمانه" (١) . أقول: وإن الواقدي كغيره من العلماء لا يخلو من شذوذات ومخالفات فيما حمل وروى، ويقوم ذلك ويقدر بقدره بناء على موازين المعرفة (٢) . وإذا جنحنا إلى الأخذ بنصوص الواقدي وقبوله في هذا المضمار نستطيع القول: ١- إنه وسّع دائرة الجمع لنصوص السيرة، مما هو مدون مكتوب قبله، ومما لم يدون. ولهذا كان يروي عن أناس عن آبائهم وأجدادهم، مما جعل نصوص السيرة يكتمل تدوينها على يديه، ولم يبق لمن بعده إلا التحسين، والمقارنة والترجيح والتعليق بإضافات ليست بالكثيرة. ٢ - وهذا ما جعل رائدا من رواد الكتابة في السيرة النبوية والصدر الأول، -وهو تلميذ الواقدي محمد بن سعد- يجعل أئمة التصنيف الكبار في هذا الباب أربعة، ومن عداهم تتمات وإضافات بسيطة، وقد أصاب في ذلك وأحسن، وهم: (١) موسى بن عقبة (٢) ومحمد ابن إسحق، (٣) وأبو معشر السندي، (٤) والواقدي، فهؤلاء على الحقيقة أعمدة التأليف في السيرة النبوية، وإليهم المرجع لأنهم أخذوها من غير وجه بطريق الرواة المحدثين أصحاب الأسانيد، ومن طريق المهتمين بالموضوع كالزهري وعاصم بن عمر ابن قتادة، وأسرة أبي بكر بن حزم، وأضرابهم ومن طريق أبناء أصحاب السوابق والمشاهد، ثم ما كان يروج بين عامة الناس مما نقل إليهم عن الصحابة والتابعين، ومن بعدهم.

стр. 63

٣- وبعد هؤلاء الأربعة بدأت مرحلة التنقيح والمقارنة، فإجماعهم إجماع، واختلافهم يرجح بينه ويختار الأصوب بناء على ضوابط عدة، وأول من قام بهذا العمل -الذي يجب أن يُحيا ويبعث من جديد في كتابة السيرة النبوية- محمد بن سعد في كتاب الطبقات إذ كان يكثر من الاعتماد على إجماعهم، فيقول: وقالوا جميعا ٣/٠٦٨ وانظر ٣/٤٤٣، ٤٥٤، ٤٧٨. أجمع موسى بن عقبة ومحمد بن إسحق، وأبو معشر، ومحمد بن عمر، وعبد الله بن محمد بن عمارة الأنصاري.. ٣/٦٠١. وهذا الأخير متخصص في التاريخ وأخبار الأنساب. وأجمعوا جميعا ٣/٥٧٧، في روايتهم جميعا ٣/٥٦٩. أجمع على ذلك موسى بن عقبة ومحمد بن إسحق، وأبو معشر، ومحمد بن عمر ٣/٤٤٧. ويقول: فجميع من شهد بدرا من المهاجرين الأولين من قريش وحلفائهم ومواليهم في عدد محمد بن إسحق: ثلاثة وثمانون رجلا، وفي عدد محمد بن عمر خمسة وثمانون رجلا ٣/٤١٨. ويقول: وأجمع على ذكر عبيد - بن أوس - في بدر: موسى بن عقبة ومحمد بن إسحق ومحمد بن عمر، ولم يذكره أبو معشر، وهذا عندنا منه وهم، أو ممن روى عنه ٣/٤٥٤. في أمثال كثيرة حاول محمد بن سعد أن يحرر وينقح ويرجح بناء على ضوابط هي جديرة بالتأمل والنظر والاستخراج لأنه من أئمة العلم، وفرسان هذا الميدان.

стр. 64

الخلاصة: * إن عهد عمر بن عبد العزيز على رأس القرن الهجري الأول كان منعطفا هاما جديدا في بدايات تدوين السيرة النبوية وإشاعتها، وتخصيص حلقات درس بها. * أثمر هذا العهد مجموعة من المؤسسين الذين حاولوا تتبعها ونشرها وهم: عاصم بن عمر بن قتادة ت١٢٠هـ، وشرحبيل بن سعد ت ١٢٣هـ، وابن شهاب الزهري ت ١٢٤هـ، ويزيد بن رومان الأسدي ت ١٣٠هـ، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم ت ١٣٥هـ. * ثم برز بعدهم جيل أخذوا عن أعلام الجيل السابق ووسعوا دائرة روايتهم ودونوا السيرة النبوية وبهم أخذت شكلها المنهجي الثاني، وهم موسى بن عقبة ت ١٤١هـ، ومحمد بن إسحق بن يسار ت١٥١هـ، وسليمان التيمي ت ١٤٣هـ، ومعمر بن راشد اليماني ت ١٥٣هـ. وحملت الأجيال مصنفات هؤلاء لأهميتها وجلالتها ولاتزال سارية إلى اليوم، ويمكن أن نسميهم جيل البناة المصنفين. * ثم جاء الجيل الثالث، فوسعوا دائرة التأليف، ونوّعوا المصادر وحاولوا استكمال النواقص، وكان من أبرز أعلام هذا الجيل: أبو معشر السندي المتوفى سنة ١٧٠هـ، ومحمد بن صالح بن دينار ت ١٦٨هـ، وعبد الملك بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم ت ١٧٦هـ ويمكن أن نسميه الجيل المكمِّل.

стр. 65

* وفي الدور الرابع مع الجيل الرابع في العقود الأخيرة من القرن الثاني وبدايات القرن الثالث كانت الإضافات التي عند الرواة تضاف إلى السيرة النبوية على يد جيل أتم البحث عن السيرة النبوية، وحاول أن لا يترك شيئا خارج نطاق التدوين فبلغ الذروة في ذلك على يد محمد بن عمر الواقدي المتوفى سنة ٢٠٧هـ. وهذا الجيل خاتمة أجيال بناة علم السيرة ومصنفاتها. وبهذا نستطيع أن نقول: إن السيرة النبوية نضج التصنيف فيها، واكتمل نهاية القرن الثاني، وإلى أعلامه ومصنفاتهم المرجع إلى قيام الساعة، وأما عن أهمية هذه المصنفات والموازنة بينها، فله مكان آخر، وقد ألمعنا إلى كثير من ذلك في كتابنا مصادر السيرة النبوية وتقويمها فلينظر. والحمد لله رب العالمين.

стр. 66

مصادر ومراجع ... قائمة المصادر والمراجع: * أسماء وشيوخ مالك لابن خلفون الأونبي، تحقيق عبد الرحمن الشاعر، وضياء محمد الأنصاري، نشر وزارة العدل والشؤن الإسلامية بدولة البحرين. * الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ للسخاوي، مطبعة الشرقي ١٣٤٩هـ نشره حسام الدين القدسي. * البداية والنهاية لابن كثير، نشر دار الفكر ببيروت ١٣٩٨هـ-١٩٧٨م. * تاريخ بغداد، نشر دار الفكر د. ت. * التاريخ الصغير للبخاري، تحقيق محمود إبراهيم الزايد، نشر دار الوعي بحلب، ودار التراث بالقاهرة. * تاريخ الطبري، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم نشر دار المعارف بمصر ط الرابعة. * التاريخ الكبير للبخاري، مصورة عن الهندية بدار الفكر د. ت. * تذكرة الحفاظ للذهبي، مصورة عن الهندية، دار إحياء التراث العربي د. ت. * ترتيب المدارك للقاضي عياض، نشر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب. * تقييد العلم للخطيب البغدادي، تحقيق د. يوسف العش. * تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني، مصورة عن الهندية بدار الفكر.

стр. 67

* تهذيب الكمال في أسماء الرجال للمزي، تحقيق د. بشار معروف ط مؤسسة الرسالة ١٤١٣هـ. * الثقات لأبي حاتم بن حبان، مصورة عن الطبعة الهندية بدار الكتب العلمية د. ت. * الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، تحقيق د. محمود الطحان، نشر مكتبة المعارف بالرياض ١٤٠٣?-١٩٨٣م. * الجرح والتعديل لابن أبي حاتم مصورة عن الطبعة الهندية. * جونة العطار للشيخ أحمد بن الصديق نسخة خاصة. * الدرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر، ط دار الكتب العلمية د. ت. * الروض الأنف في تفسير السيرة للسهيلي، تقديم طه عبد الرزاق سعد نشر دار الفكر د. ت. * سير أعلام النبلاء للذهبي، ط مؤسسة الرسالة، الثالثة ١٤٠٥هـ. * السير لأبي إسحق الفزاري، دراسة وتحقيق د. فاروق حمادة نشر مؤسسة الرسالة ١٤٠٨هـ-١٩٨٧م. * السيرة النبوية لابن هشام، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد نشر دار الفكر د. ت. * السيرة النبوية للذهبي، مصورة بدار الكتب العلمية ببيروت ١٤٠١هـ، عن طبعة حسام الدين القدسي. * صحيح البخاري، مع شرحه فتح الباري ط السلفية. * طبقات ابن سعد، ط دار صادر بيروت، والجزء المتمم تحقيق زياد محمد

стр. 68

* منصور ط المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. * طبقات خليفة بن خياط، تحقيق د. أكرم ضياء العمري، دار طيبة بالرياض، ط الثانية ١٤٠٢هـ-١٩٨٢م. * عيون الأثر في فنون المغازي والسير، نشر دار المعرفة بيروت د. ت، وطبعة أخرى بتحقيق د. محمد العيد الخطراوي، ومحيي الدين مستو نشر مكتبة دار التراث، ودار ابن كثير ١٤١٣هـ-١٩٩٢م. * الفهرست لابن النديم، تحقيق رضا- تجرد - د. ت. * الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني ط الثالثة بدار الفكر ١٤٠٩-١٩٨٨م. * المحدث الفاصل بين الراوي والواعي للرامهرمزي، تحقيق د. محمد عجاج الخطيب ط. الأولى بدار الفكر١٣٩١هـ-١٩٧١م. * مشاهير علماء الأمصار لأبي حاتم بن حبان، تصحيح م. فلا يشهمر مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر ١٣٧٩هـ-١٩٥٩م. * مصادر السيرة النبوية للدكتور فاروق حمادة ط الثانية ١٤١٠هـ بدار الثقافة بالدار البيضاء. * المغازي للواقدي، تحقيق جوثر، نشر عالم الكتب، بيروت د. ت. * ميزان الاعتدال في نقد الرجال للذهبي، تحقيق علي محمد البجاوي ط الأولى بدار إحياء الكتب العربية بمصر. * وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لأبي العباس شمس الدين بن خلكان تحقيق د. إحسان عباس ط دار صادر بيروت.