← Тараджим

Тараджим · id 7512

أعلام السيرة النبوية في القرن الثاني للهجرة

فاروق حمادة

Полный текст (68 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الأستاذ الدكتور فاروق حمادة (*) المستشار الديني بديوان الشيخ محمد بن زايد ولي العهد بأبو ظبي، الإمارات العربية المتحدة أستاذ السنة وعلومها بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس بالرباط، ورئيس تخصص الدراسات العليا في: مناهج البحث في العلوم الإسلامية، دبلوم الدراسات العليا المعمقة، والدكتوراة، من ١٩٩٧ - ٢٠٠١. الاجتهاد والتطورات المعاصرة، دبلوم الدراسات العليا المعمقة، والدكتوراة من ٢٠٠١ - ٢٠٠٥ م. الاجتهاد المعاصر والمشكلات الانسانية، دبلوم الدراسات اليا المعمقة، والدكتوراة، من ٢٠٠٥ - ٢٠٠٩ ١. الشهادات والدرجات العلمية: • الإجازة في الشريعة من جامعة دمشق، ١٩٧١ م. • الإجازة في القانون من جامعة محمد الخامس بالرباط، ١٩٧٧ م • شهادة الدراسات العليا الأولى الإسلامية، تخصص: القرآن وعلومه ١٩٧٣م. • شهادة الدراسات العليا الثانية في العلوم الإسلامية، تخصص: الحديث وعلومه، ١٩٧٤ م. • دبلوم الدراسات العليا -الماجستير- في العلوم الإسلامية من دار الحديث الحسنية بالرباط بميزة حسن عام١٩٧٥ م. • دكتوراة الدولة في العلوم الإسلامية من دار الحديث الحسنية بالرباط بميزة حسن جدا مع التوصية بطبع الأطروحة، عام ١٩٧٨ م. • حصل على إجازات علمية على الطريقة الإسلامية من علماء مرموقين. ٢. المهام العلمية: التدريس: • التحق بالتدريس الجامعي منذ عام ١٩٧٦ م. • درَّس في جامعة القرويين (كلية اللغة العربية بمراكش، وكلية الشريعة بفاس) من ١٩٧٦ ــ ١٩٨٣ م. • درَّس في جامعة سيدي محمد بن عبد الله بمكناس ١٩٨٣ - ١٩٨٤ م. • رئيس قسم الدراسات الإسلامية بكلية الآداب، جامعة سيدي محمد بن عبد الله بمكناس ١٩٨٣-١٩٨٤ م. • مدير الدراسات الإسلامية العليا بجامعة محمد الخامس بالرباط (١٩٨٤-١٩٨٧) • يشغل منصب أستاذ السنة وعلومها بكلية الآداب، جامعة محمد الخامس بالرباط، منذ ١٩٨٤. • رئيس قسم الدراسات الإسلامية بكلية الآداب جامعة محمد الخامس بالرباط (١٩٩٢ - ١٩٩٦) . • عضو محكّم في عدد كبير من الجامعات العربية والإسلامية، ومراكز البحث العلمي. • المدير المسؤل رئيس التحرير لمجلة: (بصائر الرباط) مجلة أكاديمية محكمة. • رئيس دائرة الرباط العلمية للبحث في الدراسات الاسلامية. (مجموعة بحث من الجامعيين المغاربة، في كلية الآداب والعلموم الانسانية بجامعة محمد الخامس اكدال، بدأت ١٩٩٢، وهي مستمرة) . • عضو مجلس الأمناء للجامعة الأمريكية العالمية. • عضو مجلس الأمناءللأكاديمية الأوربية للثقافة والعلوم الاسلامية، في بروكسل ببلجيكا. • أطر عدداً كبيراً من الدورات العلمية لطلبة الدكتوراة من ١٩٨٦/ ٢٠٠٥م. التأطير والإشراف العلمي: أشرف ولا يزال يشرف على عدد كبير من الأبحاث والرسائل والأطروحات في الجامعات المغربية الآتية: جامعة محمد الخامس بالرباط. جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء. جامعة القاضي عياض بمراكش. جامعة المولى إسماعيل بمكناس. جامعة عبد المالك السعدي بتطوان. جامعة محمد الأول بوجدة. دار الحديث الحسنية بالرباط. جامعة ابن زهر بأكادير. المشاركة في الملتقيات العلمية: ساهم منذ مطلع السبعينات بمشاركات متميزة في عدد من المؤتمرات العلمية في الدول الآتية: المغرب، إسبانيا، السعودية، الإمارات العربية المتحدة، بريطانيا، إيران، ماليزيا، ألمانيا، بلجيكا، تركيا، البحرين، وغيرها. أسهم في الدروس الحسنية الرمضانية التي تلقى بحضرة جلالة الملك الحسن الثاني من ١٩٧٤ م. أسهم بمحاضرات وندوات كثيرة في الإذاعة والتلفزة المغربية وغيرها من الإذاعات. ألقى عدة محاضرات علمية ومتنوعة في كثير من المراكز والجامعات والنوادي العلمية المختلفة. له برنامج علمي في اذاعة محمد السادس للقرآن الكريم يذاع مرتين في الأسبوع منذ شهر ماي ٢٠٠٥ بعنوان (قبس من السنة) ، ولا يزال مستمراً. ٣. آثاره: الكتب: في القرآن الكريم وعلومه: ١ - مدخل إلى علوم القرآن والتفسير -ط٢- مكتبة المعارف بالرباط. ٢ - فضائل القرآن للإمام النسائي دراسة وتحقيق -ط٢- دار إحياء العلوم ببيروت ودار الثقافة بالدار البيضاء. ٣ - آباء وآبناء، ملامح تربوية في القرآن الكريم، ط دار القلم بدمشق. في السنة وعلومها: ٤ - المنهج الإسلامي في الجرح والتعديل: دراسة منهجية في علوم الحديث -ط٣- بدار طيبة بالرياض، السعودية، وط٤ -بدار نشر المعرفة بالرناط، ودار السم بالقاهرة. ٥ - عمل اليوم والليلة للإمام النسائي: دراسة وتحقيق -ط٤- بدار الكلم الطيب بدمشق. ٦ - مكارم الأخلاق للإمام الطبراني: دراسة وتحقيق - ط٣- دار الثقافة بالبيضاء. ٧ - فضائل الصحابة للإمام النسائي: دراسة وتحقيق ط دار الثقافة بالبيضاء. ٨ - الضعفاء لأبي نعيم الأصبهاني: دراسة وتحقيق. ط دار الثقافة بالبيضاء. ٩ - أخلاق العلماء للأجري دراسة وتحقيق - ط٢ - دار الثقافة بالبيضاء. ١٠ - مناهج النقد الحديثي: نقد الإمام الذهبي لبيان الوهم والإيهام. -ط٢- دار الثقافة بالبيضاء. ١١ - كتاب العلم للإمام النسائي: دراسة وتحقيق ط - المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن. ١٢ - تطور دراسات السنة النبوية ونهضتها المعاصرة وآفاقها، دار إحياء العلوم ببيروت، ١٩٩٣ ودار القلم بدمشق ٢٠٠٧. ١٣- أسس العلم وضوابطه في السنة النبوية، ط دار طيبة بالرياض. في السيرة النبوية: ١٤- مصادر السيرة النبوية وتقويمها -ط الثالثة بدار القلم بدمشق. ١٥- الوصية النبوية للأمة الإسلامية -ط٤- دار القلم بدمشق. ١٦- خطبة الفتح الأعظم: فتح مكة المكرمة - ط٢- دار الثقافة بالدار البيضاء. ١٧- الدوحة النبوية الشريفة دراسة موثقة في السيرة النبوية والذرية الطاهرة ط دار القلم بدمشق. في الفقه الإسلامي وأصوله: ١٨- الإقناع في مسائل الإجماع (وهو موسوعة في المسائل التي حصل عليها الإجماع عند المسلمين في العقائد والعبادات والمعاملات والاداب وغيرها، في أربع مجلدات ضخام) -ط- دار القلم بدمشق ٢٠٠٣. ١٩- مدونة الإمام سحنون، نشأة وعناية وتأثيرا-ط- الامارات العربية المتحدة /دار النصر للطباعة الاسلامية بالقاهرة٢٠٠٢. ٢٠- دليل الراغبين إلى رياض الصالحين، ط دار الثقافة بالدار البيضاء ١٩٨٨ م. ٢١- السير لأبي إسحاق الفزاري المتوفى١٨٦ هـ ط مؤسسة الرسالة ببيروت ١٩٨٧ م. ٢٢- الورع لشمس الدين علي بن إسماعيل الصنهاجي - ط٢ - دار الكلم الطيب بدمشق. في الحضارة والفكر، والمنهج ٢٣- بناء الأمة بين الإسلام والفكر المعاصر -ط- دار الثقافة بالدار البيضاء. ٢٤- الورثة الصالحة للحضارة المعاصرة، دراسة قرآنية في الحضارة -ط٢- دار الثقافة بالدار البيضاء. ٢٥- ليلة القدر في الكتاب والسنة وحياة السلف الصالح -ط٣ -دار القلم بدمشق. ٢٦- منهج البحث في الدراسات الإسلامية تأليفا وتحقيقا -ط٢ -بدار القلم بدمشق. ٢٧- الشفاعة في القرآن والسنة وعقيدة المسلمين -ط- دار الكلم الطيب بدمشق. ٢٨ - التواصل بين المذاهب الاسلامية، تأصيله وتطبيقه عند المحدثين. ط دار القلم بدمشق. ٢٩ - العلاقات الاسلامية النصرانية في العهد النبوي. ط دار القلم بدمشق. ٣٠ - عبد الله بن الصديق الغماري، الحافظ الناقد، ط دار القلم بدمشق. ٣١ - أضواء على البعثة المحمدية، ضمن سلسلة ومضات من السيرة النبوية ط الدار البيضاء، ثم دار السلام بالقاهرة ٢٠٠٧ م. ٣٢ - أيام في حياة الرسول ﷺ ، طبع دار السلام بالقاهرة ٢٠٠٨ م. ٣٣ - الصحيح في فضائل القرآن وسوره وآياته، ط دار القلم بدمشق ٢٠٠٨. وله كتب تصدر قريباً بإذن الله منها: ٣٤ - أبحاث مالكية مغربية. ٣٥ - أسماء الله الحسنى في القرآن والسنة. دراسات أكاديمية متنوعة: قرآنية، حديثية، فقهية وحضارية منها: ١- الصبغة الربانية للأمة الإسلامية، طبع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية. ضمن الدروس الحسنية ١٩٧٤ م. ٢- القرآن الكريم: ميزان المعرفة الإنسانية، بمجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، العدد الرابع عشر. ٣ - وفود البيعة بين يدي النبي ? في حلقات، بمجلة المناهل بوزارة الثقافة المغربية من العدد ٣٣. ٤ - الأحزاب: فصول قرآنية في الفكر السياسي، طبع بالمعهد الإسلامي بلندن. ٥ - المصطلح النقدي بين المحدثين والأدباء، بمجلة دار الحديث الحسنية. ٦ - الأحرف القرآنية السبع، معناها، دلالتها، أثرها، بمجلة دار الحديث الحسنية. ٧ - حدود الألفاظ المتداولة في أصول الفقه والدين، بمجلة دار الحديث الحسنية بالرباط. العدد الثالث. ٨ - المعرفة الإنسانية، أسسها وآفاقها، بمجلة المناهل بوزارة الثقافة المغربية. ٩ - الجيش الإسلامي في العهد النبوي، ملامحه وخصائصه بمجلة الجيش والقوات المسلحة الملكية العدد رقم ٢٧٨. ١٠ - الثقافة المغربية، ضمن الأعمال الإتحادية المغربية لنوادي اليونسكو ١٩٩١. ١١ - الدوحة النبوية الشريفة وأغصانها المنيفة، بمجلة الدوحة -الرباط- العدد الأول ١٩٩٦. ١٢ - الإجماع وموقعه في الإجتهاد الفقهي المعاصر، ضمن ندوة الإجتهاد المعاصر -ط- كلية الآداب بالرباط ضمن سلسلة ندوات ومناظرات - رقم ٥٣ -. ١٣ - البعثات الدبلوماسية في العهد النبوي وأثرها في التشريع الدولي، طبع ضمن ندوة التشريع الدولي في الإسلام بكلية الآداب بالرباط. ١٤ - الإنسان وعلاقته بالبيئة، رؤية إسلامية، من منشورات الإسيسكو. ١٥ - المصطلح الحديثي في القرون المتأخرة، مجلة المناظرة بالرباط، العدد السادس ١٩٩٣. ١٦ - نهضة الدراسات الإسلامية وآفاقها، ضمن الأسبوع الثقافي لكلية الآداب جامعة ابن زهر بأكادير ١٩٩٥. ١٧ - رواية أئمة الشيعة الإثني عشر في كتب أهل السنة والجماعة، منشورات منظمة الإسيسكو ضمن ندوة التقريب بين المذاهب ١٩٩٦ م. ١٨ - تأملات في المصطلح الحديثي نشأة ومصادر، ضمن ندوة المصطلح بكلية الآداب بفاس ١٩٩٦. ١٩ - ابن جابر الأندلسي شاعر المديح النبوي، ضمن كتاب زهرة الآس في فضائل العباس، دار المناهل بوزارة الشؤون الثقافية ١٩٩٧ م. ٢٠ - الله ورسوله أمَنُّ وأفضل (الخطبة النبوية إثر غزوة حنين) ، بمجلة دار الحديث الحسنية بالرباط العدد ١١. ٢١ - المجتمع الإسلامي بناؤه، وغايته، بمجلة الجيش والقوات المسلحة الملكية عدد ٢٧٣. ٢٢ - المعرفة المعاصرة والحكمة المنشودة، بمجلة الجيش والقوات المسلحة الملكية عدد ٢٧٧ م. ٢٣ - السيرة النبوية في حياة المسلم، بمجلة الجيش والقوات المسلحة الملكية عدد ٢٧٧. ٢٤ - ومضات عن الثقافة الإفريقية، بمجلة الجيش والقوات المسلحة الملكية عدد ٢٧٥. ٢٥ - الفكر الإسلامي ومستقبل الثقافة الإنسانية، بمجلة الجيش والقوات المسلحة الملكية. عدد ٢٧٦. ٢٦ - النهضة الفكرية في ظلال الدولة الموحدية بمجلة التاريخ العربي العدد ٤-١٩٩٧ م. ٢٧ - المذهبية في فكر ابن رشد بمجلة التاريخ العربي العدد ٦ - ١٩٩٨ م. ٢٨ - الإختلاف المباح في التشريع الإسلامي بمجلة التاريخ العربي العدد ١٨- ٢٠٠١. ٢٩ - المرأة، رؤية من القرآن الكريم، ضمن ندوة دولية بكلية الآداب بالرباط. سلسة ندوات ومناظرات رقم٩٧ ٣٠ - الكون والطبيعة في فكر النورسي أثرا ودلالة وهدفا، ضمن مؤتمر تجديد الفكر الإسلامي في القرن الرابع عشر للهجرة، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، مارس ١٩٩٩ م. ٣١- الإنسان في فكر الإمام النورسي وجودا ومهمة وغاية، ضمن أعمال المؤتمر العالمي (النظرة القرآنية للإنسان) ، اسطنبول، سبتمبر ٢٠٠٠ م. ٣٢ - أحكام الحضانة في الإسلام، سياج لحماية الطفولة، بمجلة الأحمدية بدبي، العدد الثالث ١٤٢٠ هـ. ٣٣- ريادة القاضي عبد الوهاب البغدادي الفقهية، أسبابها واثارها بمؤتمر القاضي عبد الوهاب بدر البحوث الاسلامية بدبي مارس ٢٠٠٣. ٣٤- الحوار والتواصل بين المذاهب الاسلامية، ضوابطه وتطبيقاته عند المحدثين، مؤتمر التقريب بين المذاهب الاسلامية، البحرين سبتمبر.٢٠٠٣. ٣٥ - أعلام السيرة النبوية في القرن الثاني للهجرة، مصنفاتهم، ومناهجهم. مؤتمر السنة والسيرة بالمدينة المنورة ربيع الأول ١٤٢٥هـ ماي ٢٠٠٤ م. ٣٦ - مدارس القرآن الكريم في العهد النبوي وعهد الصحابة والتابعين، مجلة التاريخ العربي بالرباط، العدد السابع والثلاثون، ٢٠٠٦ م. ٣٧ - عقبات في طريق النهوض والبناء، بصائر الرباط ٢٠٠٦ م. ٣٨ - مراكز المعرفة في حالها ومآلها، بصائر الرباط، ٢٠٠٧ م. ٣٩ - التصوف مشروية وهدفاً، بصائر الرباط ٢٠٠٨. ٤٠ - في طريق البناء الانسان والمجتمع، بصائر الرباط ٢٠٠٥م. ٤١ - العولمة بدايات ومقاصد، نشر كلية الآداب والعلوم الانسانية بالرباط ضمن أعمال ندوة العولمة وآثارها في الاجتهاد وآفاقه، وكانت بإشراف الدكتور فاروق حمادة ٢٠٠٤ م. المقالات: وهي كثيرة في مجلات مشرقية ومغربية نذكر منها على سبيل المثال ما نشر بمجلة دعوة الحق في عقد السبعينات. ١ - نظرية الإصلاح الإجتماعي عند الإمام السبكي. ٢ - شيخوخة الفكر الماركسي. ٣ - احتضار الرأسمالية. ٤ - الإسلام ضرورة حضارية. ٥ - حديث خرافة في ميزان النقد الحديثي. ٦ - أسماء لمعت في أفق الهجرة. ٧ - ميلاد أمة. ٨ - المسلم في وجه التيارات الوافدة. قدم لعدد من الكتب، والأطروحات الجامعية التي أشرف عليها وطبعت. وهناك أبحاث ودراسات كثيرة لم تذكر في هذا المختصر وهي مطبوعة. وهناك كتب ودراسات أخرى منها ما هو قيد الطبع ومنها ما هو قيد الإعداد، ستصدر قريبا إن شاء الله. ٣ - الحالة العائلية: متزوج وله أربعة أولاد، وهم: • الدكتورة حليمة، • والمهندس الدكتور محمود. • والدكتورة سيرين. • والمهندس أحمد سيف الدين. ٤ - الأنشطة الاجتماعية: • يرأس عدداً من الجمعيات الثقافية والاجتماعية ويشارك فيها. ٥ - يرأس ويشارك في عد د من الجمعيات الثقافية والإجتماعية.

стр. 2

مقدمة: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين، وصحابته المنتجبين، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، أما بعد: فإن السيرة النبوية العطرة، كانت على الدوام محلَّ اهتمام الأمة، ولاسيما في القرون الثلاثة الأُوَل؛ لأن صاحب السيرة قمة البشرية، وأسوة الإنسانية، ومحور مسيرتها إلى نهايتها. وقد تعلق الصحابة رضوان الله عليهم برسول الله صلى الله عليه وسلمتعلقاً كبيراً، فاستنارت به جنبات وجودهم ومكونات أفئدتهم، ولما التحق بالرفيق الأعلى وتوفاه الله إليه، شعروا وكأن الدنيا أظلمت عليهم، فعاشوا النموذج الأسمى فيه ﵊ حياتهم، إذ كان لكل واحد منهم معه موقف بل مواقف، ورووا أيامه الغراء لأبنائهم، وورثوها لهم، أعلاقاً نفيسة تصان، ودرراً غالية تحفظ، في حنايا القلوب، وأعماق المشاعر والعقول، مناراً للأجيال، ومعالم هادية للحياة، وموازين عادلة للمسالك.. ولاسيما وأقباس من هذه السيرة يتلونها قرآناً في محاريبهم، ويتقربون به كلاماً قدسياً إلى ربهم آناء الليل وأطراف النهار، فتثور ذكرياتهم ويعيشون الماضي حاضر أيامهم.. ولهذا كانت تهب عليهم رياح الذكريات في غدوهم ورواحهم، ويَرَون ما حولهم فيذكِّرهم كل شيء بأيام رسول الله ﷺ ، فيحرصون حرصاً شديداً على تدوين تلك اللحظات النبوية المضيئة، والمشاهد الشريفة، ويشجع الآباء أبناءهم على حفظها وروايتها للآتين، والاعتزاز بها في العالمين. فعبد الله بن الزبير، يرتمي في أحضان والده حواري رسول الله ﷺ ، ويمدّ

стр. 3

يده إلى جراحة غائرة في عاتقه فيسأله عن هذه الجراحة، فتعود به الذكرى إلى أيام خلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلمفي نسق الزمن، ولكنها حاضرة في القلب والعقل والإحساس، فيحدث ابنه عنها، ويتحفظها عبد الله ويرويها لمن بعده بانتماء وافتخار. وكذلك كانت الأحداث من مثل: عبد الله بن محمد بن عقيل وأقرانه يأتون جابر بن عبد الله الأنصاري - وكان له مع رسول الله صلى الله عليه وسلمأيام ومواقف إيمانية - فيسألونه عن سيرة رسول الله ﷺ ، وأيامه فيكتبونها. وكان علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب يقول: كنا نعلَّم مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلموسراياه كما نعلَّم السورة من القرآن. وكان إسماعيل بن محمد بن سعد يقول: كان أبي يعلمنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلمويعدّها علينا، وسراياه، ويقول: يا بنيَّ هذه مآثر آبائكم فلا تضيعوا ذكرها (١) . وهكذا كان الجيل الأول في حرصه على تبليغ مغازي رسول الله ﷺ ، والجيل التابع من الحرص على تلقيها حتى أوشك القرن الأول على الانصرام، وأصبح عدد جيل الصحابة قليلاً جداً بل هو معدود، لأنهم تفرقوا في الأمصار.. وقبل أن ينقرضوا قيض الله من أبنائهم، وأتباعهم جيلاً، كان منهم صفوة أولت هذه المفاخر عنايتها، وهذه السيرة أهميتها، وكان في طليعة هذا الجيل، ومن هذه الصفوة: أبان بن الخليفة الراشد عثمان بن عفان المتوفى في نهاية القرن الأول، وكان قد دون قسماً من السيرة وصحَّحها (٢) .

стр. 4

وعروة بن الزبير بن العوام المتوفى في نهاية القرن الأول نحو ٩٤هـ، وقد جمع مختارات هامة في المغازي، حملت اسمه وسميت بمغازي عروة، وتناقلتها الأجيال في حلقات الدرس بعده. ومنهم: عامر بن شراحيل الشعبي المتوفى بعد المائة الأولى بقليل، وقد روى عن جمع غفير من الصحابة، إذ أدرك منهم نحواً من خمسمائة وكان طلاّبة للعلم، غير قنوع بالقليل من المعرفة، فأَوْلى السيرة والمغازي قسطاً من اهتمامه تلقياً وتعليماً. قال عبد الملك بن عمير: مرّ عبد الله بن عمر بالشعبي وهو يقرأ المغازي، فقال: كأن هذا كان شاهداً معنا، ولهو أحفظ لها مني وأعلم (١) . ومن هؤلاء: وهب بن منبه اليماني الصنعاني المتوفى بُعيد المائة الأولى، وكانت له عناية بالكتب السوالف مع السيرة النبوية. فكان في نهاية القرن الأول للسيرة النبوية والمغازي حلقات درس خاصة زكاها وقوّاها عمل الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز الذي كانت خلافته على رأس المائة الأولى، وكان العمران قد استبحر، واتسع الناس، وأقبلوا على الدنيا وأَطلت أفكار غريبة، فأراد أن يجدد في قلوب المسلمين الصلة بالسيرة النبوية العطرة. فكتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم يأمره: انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ ، أو سنة ماضية، أو حديث عمرة فاكتبه، فإني خفت دُروس العلم وذهاب العلماء (٢) . ولتفشوا العلم، ولتجلسوا حتى يُعَلَّم من لا

стр. 5

يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرّاً (١) . وقد أخذ درس السيرة النبوية في القرن الثاني، والتصنيف فيها مرحلة جديدة بدأت بحلق المساجد، ووضع مصنفات أو مكتوبات صغيرة، وبدأ رجال يقبلون على هذا الموضوع، وبدأ ينمو مع الأيام حتى استوى علم السيرة والتأليف فيها وكمل مع نهاية القرن الثاني. وقد كان ذلك من خلال أربعة أدوار، ولكل دور ملامحه وخصائصه. فأردت أن أتتبع هذه الأدوار، واحداً بعد آخر، وأذكر أبرز رجاله، ومصنفاته وأبين مكانة هؤلاء المصنفين وتأثيرهم في التصنيف في السيرة، ومناهجهم في مصنفاتهم متتبعاً ذلك من خلال المصادر الأصلية. ولا أذكر إلا من رأيت من خلال المصادر أنه من دارسي هذا العلم مع التدليل على ذلك دون تقليد لأحد من الدارسين قبلي وبخاصة دارسو التاريخ من المعاصرين؛ لأن هذا العلم يقوم أساساً على الإسناد، وهو صناعة خاصة بالمحدثين ودارسي السنة، وله مفاهيمه التي لا يدرك مغزاها من لم يتمكن منها. مع ثنائنا الجميل وعرفاننا لكثير من الدارسين الذين كتبوا في هذا الموضوع أو قريب منه. وحتى لا أكثر الإحالات على النصوص وأطيل الحواشي، فسأذكر مصادر تراجم الأعلام التي وقفت عليها وأفدت منها، وفيها جميع النصوص المقتبسة التي بنيت عليها هذا البحث.

стр. 6

الدور الأول: بدأ القرن الثاني وانتشر العلماء، بتأثير التوجيه السديد، الذي دفع عمر ابن عبد العزيز العلماء إليه، في المساجد والأصقاع فكانوا يشيعون السنة والسيرة العطرة، ويعلمونها، واستدعى ذلك أَنْ تُمَيَّز السيرة بمكتوبات أكثر نضجاً من مدونات الجيل السابق. وتميزت نصوصها عن نصوص السنة بشكل أوضح، وأصبح الناس يذكرون رواداً لهم شأن في هذا الميدان في طليعتهم: (١) عاصم بن عمر بن قتادة، (٢) وشرحبيل بن سعد، (٣) ومحمد بن مسلم ابن شهاب الزهري، (٤) ويزيد بن رومان، (٥) وأبو محمد عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري. ١- أما عاصم فهو ابن عمر بن قتادة بن النعمان أبو عمر الظفري المدني الأنصاري المتوفى سنة ١٢٠هـ (١) . أحد العلماء، كان جدّه من فضلاء الصحابة، وهو الذي رد النبي صلى الله عليه وسلمعينه بعد أن قلعت فعادت بإذن الله كما كانت. تلقى العلم عن أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، ومحمود بن لبيد، وجدّته رميثة ولها صحبة، وأبيه عمر بن قتادة والحسن بن محمد بن الحنفية وعلي بن الحسين وغيرهم. وروى عنه: بكير بن عبد الله بن الأشج، وزيد بن أسلم، وعمارة بن غزية، وابنه الفضل بن عاصم، ومحمد بن إسحق بن يسار، وغيرهم. قال محمد بن سعد: كانت له رواية للعلم، وعلم بالسيرة، ومغازي رسول الله صلى الله عليه وسلموكان ثقة كثير الحديث عالماً، وفد على عمر بن عبد العزيز في

стр. 7

خلافته في دَين لزمه فقضاه عنه عمر، وأمر له بعد ذلك بمعونة، وأمره أن يجلس في مسجد دمشق، فيحدِّث الناس بمغازي رسول الله ﷺ ، ومناقب أصحابه ففعل، ثم رجع إلى المدينة، فلم يزل بها حتى توفي. ولولا علم عمر وهو العالم المجتهد بمكانة هذا الرجل في هذا الميدان، لما طلب منه ذلك، وأقعده هذا المقعد، ولعله رجع إلى المدينة بعد وفاة عمر، وإليه يعود قسم غير قليل من روايات السير والمغازي من رواتها ومصنفاتها. وقد وثقه غير واحد من الأئمة، وأخرج حديثه الجماعة، قال الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) : ((كان عارفاً بالمغازي، يعتمد عليه ابن إسحق كثيراً)) . وإن كنا لانملك نصّاً خاصاً منفرداً عن عاصم بن عمر بن قتادة، إلا أننا من خلال ما دخل الكتب من حديثه عن المغازي وبخاصة كتاب تلميذه ابن إسحق الذي جعله أحد ركائزه الأساسية يتبين لنا أن عاصم بن عمر يذكر أخباره أحياناً بالأسانيد، وأحياناً بدون أسانيد، وأحياناً يذكر واحداً من شيوخه ويرسل عنه الحديث، كالزهري. ويقرنه في كثير من النقول مع غيره من شيوخه ورواته: مثل عبد الله بن أبي بكر، ومحمد بن يحيى بن حبان والزهري، ويزيد بن رومان، وغيرهم، وفي كتاب ابن إسحق نصوص كثيرة ومطولة عنه كما قال الذهبي.. ويحسن في دراسة معمقة عنه أن تُجمع نصوص ما ذُكر منها بالأسانيد أو بغيرها وتدرس الأسانيد والنصوص، وتُقابَلَ بغيرها، وينظر فيما اعتمده أهل هذا العلم من نصوصه، وما موقفهم من هذه النصوص إذا خالفت غيرها؟ ٢- شُرَحْبيل بن سعد أبو سعد الخطمي المدني مولى الأنصار المتوفى

стр. 8

١٢٣هـ (١) . تابعي روى عن جابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وأبي رافع، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة وعويم بن ساعدة، والحسن بن علي. روى عنه مالك وكنى عنه، وكثيرون. قال محمد بن سعد: ((كان شيخاً قديماً، روى عن زيد بن ثابت، وأبي هريرة، وعامة أصحاب رسول الله ﷺ ، وبقي إلى آخر الزمان حتى اختلط، واحتاج حاجة شديدة، وله أحاديث، وليس يُحْتج به)) . قال علي بن المديني: قلت لسفيان بن عيينة: كان شرحبيل بن سعد يفتي؟ قال: نعم، ولم يكن أحد أعلم بالمغازي والبدريين منه، فاحتاج، فكأنهم اتهموه، وكانوا يخافون إذا جاء إلى الرجل يطلب منه شيئاً، فلم يُعْطِه أن يقول له: لم يشهد أبوك بدراً. وقال ابن أبي حاتم: كان عالماً بالمغازي. قال ابن عدي: ولشرحبيل بن سعد أحاديث وليس بالكثير، وفي عامة مايرويه إنكار، على أنه قد حدّث عنه جماعة من أهل المدينة من أئمتهم، وغيرهم، إلا مالكاً، فإنه كره الرواية عنه، وكنى عن اسمه، وهو إلى الضعف أقرب. وقد عاب يحيى القطان على ابن إسحق عدم روايته عن شرحبيل. وقد أخرج له ابن حبان، وابن خزيمة في صحيحيهما، وأبو داود، وابن ماجه في السنن، والبخاري في الأدب المفرد. وبقيت روايات شرحبيل، -على إمامته في هذا الميدان وتخصصه فيه-، محدودة، وأقل من غيره، وانظر من رواياته طبقات ابن سعد (١/٢٣٧) من

стр. 9

طريق يحيى بن محمد الجاري عن مجمع بن يعقوب عنه. ٣- الزهري محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب القرشي الزهري، أبو بكر المخزومي المتوفى ١٢٤هـ (١) . علم الأعلام، وعالم الحجاز والشام، روى عن بعض الصحابة وعن جمع كبير من التابعين وكبارهم. وروى عنه جمع غفير من الأعلام، وحديثه ملأ الكتب والدواوين قال ابن منجويه: رأى عشرة من أصحاب النبي ﷺ ، وكان أحفظ أهل زمانه، وأحسنهم سياقاً لمتون الأخبار، وكان فقيهاً فاضلاً. قال محمد بن سعد: قالوا: وكان الزهري ثقة كثير الحديث، والعلم والرواية فقيهاً جامعاً. قال الليث بن سعد: قلت لابن شهاب: يا أبا بكر لو وضعت للناس هذه الكتب ودونتها فتفرغت، فقال: ما نشر أحد من الناس هذا العلم نشري، وبَذَلَه بذلي. وروايات ابن شهاب للسيرة النبوية ملأت الكتب كذلك من عصره وما تلاه، فابن إسحق تلميذُه أكثرَ عنه، وكل مَنْ صَنَّف في السيرة، أو روى، احتاج إليه. ومِنْ تَتَبُّع نصوصه نجد أن الزهري في سرده للسيرة يستعمل الإسناد أحياناً أي المرفوع المتصل، وأحياناً يرسل، وأحياناً يسوق الخبر بأسلوبه دون الاعتماد على أحد من الرواة، ولعل هذا راجع إلى طبيعة الموضوع وسياقه

стр. 10

كقصة. ويمكنني أن أقول هنا إنه وأقرانه بعمله هذا- أي بإسقاط الإسناد وسياق الأخبار دون إسنادها للرواة- قد مهدوا الطريق لتلميذهم محمد بن إسحق ومن بعده كأبي معشر، والواقدي أن يتجاوزوا الإسناد في كثير من أحداث السيرة وأخبارها، ولا أحتاج إلى التمثيل وذكر الصفحات؛ لأن ذلك كثير، ولكن هذه النصوص الكثيرة الواردة تدعونا إلى التساؤل، هل جمع الزهري مصنفاً في السيرة أو كتاباً فيها؟ لقد طلب عمر بن عبد العزيز من الزهري وأضرابه أن يجمعوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلمفهل شملت مكتوبات الزهري شيئاً من فصول السيرة أو الغزوات؟ لقد ذكر السهيلي في "الروض الأنف" (١) قوله: (وقع في سير الزهري أن بحيرى كان حبراً من يهود تيماء ... ) ويقول في خبر نكاح النبي صلى الله عليه وسلممن خديجة (٢) : (وذكر الزهري في سيره، وهي أول سيرة ألفت في الإسلام ... ) . ومن هذين النصين يتبين أن سير الزهري لم يقتصر على المغازي، بل ذكر فيه الفترة المكية التي تشمل حياة النبي صلى الله عليه وسلمقبل البعثة. وكنموذج من المغازي يقول في غزوة بدر؛ عند قوله (٣) : لقد ارتقيت مرتقى صعباً يارُوَيْعي الغنم، يعارض وما وقع في سير ابن شهاب، ومغازي ابن عقبة، أن ابن مسعود وجده جالساً لا يتحرك.

стр. 11

وقد ذكر السخاوي كتاب «مشاهد النبي ﷺ » ، رواه عنه يونس بن يزيد الأيلي المتوفى ١٥٩هـ، وهو من المشهورين بالرواية عنه (١) . كما ذُكِر له كتاب المغازي يرويه عنه الحجاج بن أبي منيع المتوفى ٢١٦هـ (٢) قال محمد بن يحيى الذهلي في ترجمة عبيد الله بن أبي زياد الرّصافي: لم أعلم رواية غير ابن ابنه يقال له: حجاج بن أبي منيع، أخرجه إلى جزء من أحاديث الزهري، فنظرت فيها فوجدتها صحاحاً، فلم أكتب منها إلا يسيراً. قال المزي في ترجمة حجاج: روى عن جدِّه عبيد الله بن أبي زياد الرصافي عن الزهري نسخة كبيرة، وأشار إلى تعليق البخاري له في الصحيح (٣) . ومهما يكن من أمر روايات الزهري فهو إمام هذا العلم بلا منازع. وأما زعم من زعم أنه أخرج مغازي الزهري من مصنف عبد الرزاق فلا دليل عليه، ولا يثبت عند البحث والتمحيص، وليس هذا مكان تفنيده، ويستحق ذلك. ٤- يزيد بن رومان الأسدي، أبو روح المدني، مولى آل الزبير التابعي المتوفى ١٣٠هـ (٤) .

стр. 12

روى عن أنس بن مالك، وابن الزبير، وعروة بن الزبير، وسالم بن عبد الله ابن عمر، وصالح بن خوّات بن جبير، والزهري وهو من أقرانه، وغيرهم. وروى عنه جمع غفير منهم: مالك بن أنس، ومحمد بن إسحق، ونافع بن أبي نعيم القارئ، وهشام بن عروة، وجمع من الجلَّة. وقد وثقه غير واحد، قال ابن سعد في الطبقات: «كان عالماً كثير الحديث ثقة، وأخرج له البخاري ومسلم، وغيرهما» . قال أبو عمر بن عبد البر: كان عالماً بالمغازي، مغازي رسول الله ﷺ ، وكان ثقة. ولكن هل دَوَّن كتاباً في المغازي؟ لا يبعد أن يكون قد كتب شيئاً من ذلك، لكن لم يصلنا مستقلاً عنه شيء، ووصل عنه في الكتب قِسْطٌ لا بأس به من الروايات. أما عن رواياته في السير والمغازي فهي منثورة في المصنفات الأولى بدءاً من كتاب محمد بن إسحق وفيه نصوص كثيرة، ومن خلالها يتبين لنا أنَّ ما أثبته عنه ابن إسحق تارة يكون بإسناد متصل عن شيوخه مثل عروة بن الزبير عن الصحابة، وأحياناً يذكر الخبر دون إسناده لأحد من الرواة. وأحياناً يقرنه مع أقرانه ويسوق خبره معهم، وانظر: طبقات ابن سعد ١/٢٨٠، ٣٠٥، ٢١٦، ٢٢١. وبهذا يكون من الرواد الأوائل الذين أبرزوا روايات السيرة، ولم يخرج عن أضرابه في منهجه في رواية الأخبار. ٥- عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أبو محمد الأنصاري

стр. 13

المتوفى نحو ١٣٠هـ (١) . تابعي، روى عن أنس بن مالك، وعباد بن تميم الأنصاري، وعروة بن الزبير، وطائفة كبيرة. وروى عنه جماعة من الأئمة منهم: الزهري - وهو أكبر منه - وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وحماد بن سلمة، ومعمر بن راشد، وابن جريج ومحمد بن إسحق.. وغيرهم. قال مالك بن أنس: «كان رجل صدق كثير الحديث» . وقال ابن سعد: «كان ثقة عالماً كثير الحديث» . وقد وثَّقه غير واحد من الأئمة، وقال أحمد بن حنبل: حديثه شفاء، وقد أخرج حديثَه الشيخان وبقية الستة. قال أبو عمر بن عبد البر: كان من أهل العلم، ثقة فقيهاً، محدّثاً حافظاً من ساكني المدينة وهو حجة فيما نقل وروى، وقال ابن حبان: كان من سادات الناس وفقهائهم، وقد كان لأسرته العلمية الشهيرة بالمدينة المنورة حلقة علمية في المسجد النبوي الشريف. حلاَّه الإمام الذهبي بقوله: الإمام الحافظ أبو محمد الأنصاري صاحب المغازي، وشيخ ابن إسحق. ولكن لم يصلنا كتاب مصنف قائم بنفسه عن عبد الله، إلا أن رواياته الكثيرة في كتب السيرة تعطينا عنه صورة جيدة من حيث كثرة مروياته

стр. 14

لنصوص السيرة عند ابن إسحق ومن تلاه من المصنفين، ممّا يجعلني أرجح أن يكون له مكتوبات ولاسيما أن أسرته وبخاصة أبوه هو الذي طلب منه عمر ابن عبد العزيز التدوين للسنة والحديث. ومِنْ تَتَبُّعِ نصوصه في كتاب ابن إسحق وتهذيبه لابن هشام ومصادر السيرة الأخرى، نجد أنه يسير التوجه العام فتارة يذكر أسانيده، وتارة يرسل الحديث، وتارة يقول ما استوعبه من مصادره التي استقى منها الأخبار دون أن يحيل على أحد. وقد كان بجانب هؤلاء أعلام كانت لهم مشاركات في السيرة النبوية جمعاً ورواية، والملامح العامة للمنهج عند هؤلاء جميعاً هي: ١- إن جميع رجال هذه الطبقة تابعيون، رووا عن الصحابة وعن كبار التابعين، أي: أن العهد قريب. ٢- إن هؤلاء الرواة تعددت مصادرهم واتسعت نظراً لاتصالهم بالصحابة وأبناء الصحابة، وكانوا يستقون منهم الأخبار، ولهذا نجد مخارج الروايات متعددة. ٣- هؤلاء الرجال كلهم مدنيون، والمدينة كانت مهبط الوحي، ومنطلق الغزو وميدان السيرة، ومعرفتهم بأهل المدينة وأسرها كبيرة ـ وهم منهم ـ تعطي الدقة والاطلاع. ٤- لم يصلنا كتاب مدوّن لنعرف بدقة كيفية جمعهم منهجاً ومضموناً. ٥- نلاحظ من خلال النصوص الواردة عن هؤلاء أنهم أحياناً يذكرون الأسانيد، وأحياناً يتجاوزونها، وذلك نظراً لشيوع هذه الأخبار وكثرة الناقلين لها -والله أعلم-.

стр. 15

٦ـ يظهر لي من خلال النصوص الواردة أنه كان لدى هؤلاء الرواد حرص شديد على تقصي أخبار السيرة والإحاطة بها. ٧ـ على يد هؤلاء - وكانوا في الربع الأول من القرن الثاني- قام علم السيرة وجمع رواياتها، وكوَّنوا مدرسة نهضت بهذا الأمر حتى علت به وبقي مع الأيام كما وضعوه، وجاء بعدهم الدور الثاني من القرن الثاني.

стр. 16

الدور الثاني: قام في الطبقة الثانية من القرن الثاني، في بناء علم السيرة مجموعة من الأعلام وفي طليعتهم: (١) موسى بن عقبة، (٢) ومجالد بن سعيد، (٣) وسليمان التيمي، (٤) ومحمد بن إسحق، (٥) ومعمر بن راشد اليماني. ١- أما موسى بن عقبة فهو ابن أبي عياش القرشي الأسدي مولاهم، أبو محمد المدني المتوفى نحو ١٤١هـ (١) . أدرك أنس بن مالك، وعبد الله بن عمر وسهل بن سعد، وأم خالد بنت سعيد بن العاص ـ ولها صحبة ـ ويقال: كان مولاها، وهو من صغار التابعين. وقد روى العلم عن جمع من التابعين مثل: علقمة بن وقاص الليثيّ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وسالم بن عبد الله بن عمر، والأعرج، ونافع بن جبير، وعروة بن الزبير، وعكرمة والزهري، وأبي الزناد، وغيرهم كثير. وقد روى عنه خلق كثير منهم: بكير بن عبد الله الأشج -مع تقدمه- وشعبة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وابن جريج، ومالك، والسفيانان، وأبو إسحق الفزاري، ومحمد بن فليح، وابن المبارك، وغيرهم. وهو ثقة جليل حافظ إمام أثنى عليه الكبار: مالك بن أنس، وأحمد بن حنبل، وابن معين، وابن سعد وغيرهم. وكان من أسرة علم، قال الواقدي: كان لإبراهيم، وموسى، ومحمد بني عقبة حلقة في مسجد رسول الله ﷺ ، فكانوا كلهم فقهاء محدّثين، وكان

стр. 17

موسى يفتي. وقال مصعب الزبيري: لهم هيبة وعلم. كتب موسى المغازي وتتبعها وأتقنها، وسبب ذلك ما ذكره إبراهيم بن المنذر قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، قال كان بالمدينة شيخ يقال له: شُرَحبيل أبو سعد، وكان من أعلم الناس بالمغازي، فاتهموه أن يكون يجعل لمن لا سابقة له سابقة، وكان قد احتاج فأسقطوا مغازيه، وعلمه. قال إبراهيم: فذكرت هذا لمحمد بن طلحة بن الطويل ولم يكن أحد أعلم بالمغازي منه فقال لي: كان شرحبيل بن سعد عالماً بالمغازي، فاتهموه أن يكون يُدْخِلُ فيهم من لم يشهد بدراً، ومَنْ قُتل يوم أحد، والهجرة، ومن لم يكن منهم وكان قد احتاج فسقط عند الناس، فسمع بذلك موسى بن عقبة فقال: وإن الناس قد اجترؤوا على هذا؟ فدبّ على كبر السن وقيد من شهد بدراً، وأحداً، ومن هاجر إلى أرض الحبشة، والمدينة وكتب ذلك. وقد غدا كتابه هذا محل ثقة العلماء وراج في حلقات الدرس، فكان مالك بن أنس إذا سئل عن المغازي عمن تكتب قال: عليكم بمغازي موسى ابن عقبة فإنه ثقة، وفي رواية: عليكم بمغازي الرجل الصالح موسى بن عقبة، فإنها أصح المغازي. وسبب ثناء مالك عليها يوضحه ما جاء عنه في قوله: عليكم بمغازي موسى بن عقبة، فإنه رجل ثقة طلبها على كبر السن ليقيد من شهد مع رسول الله ﷺ ، ولم يكثر كما كثر غيره. قلت: هو يعرض بعمل محمد بن إسحق. وبقي العلماء عبر العصور يشيدون به ويشيرون إليه، ومن ذلك قول علي ابن المديني، قال لي الدراوردي؛ قل ليوسف السمتي: يتقي الله ويرد كتاب

стр. 18

موسى بن عقبة. قلت: أي أنه كان قد أعاره إياه لينسخه. وبالرجوع إلى طبقات ابن سعد نجده قد تتبعه حَذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّةِ، وجعله أحد مصادره الأربعة الأساسية. واقتبس منه من الأوائل: يعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة والتاريخ من طريق محمد بن فليح. والبيهقي في دلائل النبوة انظر مثلاً ٣/٢٠٦، والاعتقاد ص: ٣٣٩، ٣٥١ وغيرهما من كتبه وقد اقتبس نصوصاً طويلة. أما أبو عمر بن عبد البر في كتاب «الدرر في اختصار المغازي والسير» فقد قَدَّمه على غيره وقال: وأفردت هذا الكتاب لسائر خبره، ومبعثه وأوقاته ﷺ ، اختصرت ذلك من كتاب موسى بن عقبة، وكتاب ابن إسحق.. واعتمده ابن عساكر في تاريخه، واللالكائي والمتأخرون وكل من كتب في السيرة النبوية ناهيك بمصنفات الحديث التي تلته. وقد وصل الكتاب كاملاً إلى المتأخرين ونجد ابن سيد الناس في سيرته عيون الأثر يعتمده، ويضعه في جملة المصنفات التي أكثر الرجوع إليها ورواها بسنده، انظر ٢/٤٥٧، ونجد الذهبي يقول في تذكرة الحفاظ (١) : «قرأت مغازي موسى بالمزّة على أبي نصر الفارسي» . وقال في سير أعلام النبلاء (٢) : ((الإمام الثقة الكبير، وكان بصيراً بالمغازي النبوية، ألفها في مجلد، فكان أول من صنف في ذلك)) . وقال تعليقاً على قول مالك: «ولم يكثر كما كثر غيره» . (قلت: هذا تعريض بابن إسحق، ولا ريب أن ابن إسحق كثر وطوّل

стр. 19

بأنساب مستوفاة، اختصارها أملح، وبأشعار غير طائلة، حذفها أرجح، وبآثار لم تصح، مع أنه فاته شيء كثير من الصحيح لم يكن عنده، فكتابه محتاج إلى تنقيح رواية ما فاته. وأما مغازي موسى بن عقبة فهي في مجلد ليس بالكبير سمعناها، وغالبها صحيح، ومرسل جيد، ولكنها مختصرة تحتاج إلى زيادة بيان وتتمة) . وقد اقتبس الذهبي منها كثيراً في تاريخه الكبير، وفي قسم السيرة، وفي السيرة التي أفردها حسام الدين القدسي وطبعها، ومن خلال ذلك يتبيّن لنا طريقة سياقه للنصوص، فتارة يروي بإسناده موصولاً، وتارة يروي عن شيوخه وخاصة الزهري مرسلاً، وتارة يسوق الخبر دون أن ينسبه إلى أحد بعبارته حسب ما استقى من مصادره في الوسط الذي عاش فيه: المدينة المنورة، ولولا خشية الإطالة لذكرت نماذج، وهذا بذاته يحتاج لمبحث مستقل، ولكن من التتبع لنصوصه عند ابن سعد، وابن سيد الناس والذهبي وغيرهم، نجد تأكيد ما قاله الذهبي وهو إمام الصنعة أن مراسيله وما لخصه بجملته صحيح ومقبول. ولابد من الإشارة إلى أن موسى بن عقبة كان يريد أن يدقق في عمل رجلين معاصرين له، ويتجنب العثرات العلمية التي قصرا في تجنبها، وهما شُرَحبيل بن سعد، ومحمد بن إسحق، أما بالنسبة لشرحبيل فأراد أن يضبط من مصادر وثيقة ذوي السابقة في الإسلام الذين حضروا المشاهد، كل في مرتبته. وأما محمد بن إسحق فأراد أن يبتعد عن الاستطراد والتطويل والجمع والحشد الذي وقع فيه محمد بن إسحق، وقد نجح إلى حدٍّ كبير في ذلك

стр. 20

حسب ما شهد له به العلماء الذين عاصروه وجاؤوا بعده. وقد اختصر الكتاب واحتفظ بطرف منه ابن قاضي شهبة، وطبع، وحاول بعض الناس جمع نصوصه، والأمر ما زال فيه متسع. ٢-مجالد بن سعيد بن عمير الهمداني، أبو عمر الكوفي المتوفى ١٤٤هـ (١) . علامة محدث، ولد في أيام جماعة من الصحابة، ولكن لم تتهيأ له الرواية عنهم، ويدرج كما قال الذهبي: في عداد صغار التابعين، وقد روى عن الشعبي وأبي الوداك، وقيس بن أبي حازم، ومرَّة الهمداني ... وغيرهم. وروى عنه الكبار: السفيانان، وشعبة، وجرير بن حازم، وحفص بن غياث، وعبد الله بن المبارك، وهشيم بن بشير، وحماد بن زيد، وأبو أسامة حماد بن أسامة، وابنه إسماعيل بن مجالد، وقد روى عنه إسماعيل بن أبي خالد، وهو أكبر منه، وهذا يدخل في رواية التابعين عن الأتباع. وقد وثقه بعضهم كالنسائي، وقال الفسوي: تكلم فيه الناس وهو صدوق. وقال العجلي: جائز الحديث، وقال البخاري: صدوق. وكان يحيى بن سعيد يضعفه، وابن مهدي لايروي له شيئاً، وكان ابن مهدي يقول: حديث مجالد عند الأحداث - يحيى بن سعيد، وأبي أسامة - ليس بشيء، ولكن حديث شعبة وحماد بن زيد، وهشيم وهؤلاء القدماء، يعني أنه تغيَّر حِفْظُه في آخر عمره. وقال ابن عدي: «ومجالد له عن الشعبي

стр. 21

عن جابر أحاديث صالحة، وعن غير جابر من الصحابة أحاديث صالحة» . وجملة ما يرويه عن الشعبي، وقد روى عن غير الشعبي، ولكن أكثر روايته عنه وقال أحمد: يرفع حديثاً لا يرفعه الناس، وقد احتمله الناس. وقد أخرج له مسلم مقروناً، وأصحاب السنن. وبعد الفحص والدرس، حكم عليه الإمام الذهبي بقوله: مشهور، صاحب حديث على لين فيه. وحكم عليه الحافظ ابن حجر بقوله: ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره. وقد وردت نصوص عديدة عن مجالد في السيرة النبوية في المصادر كما في طبقات ابن سعد ١/١٩٢ بواسطة عبد الله بن نمير الهمداني، ١/٢٦٣ بواسطة الهيثم بن عدي الطائي. وقد نسب إليه كتاب في ذلك، وقد ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل بقوله: نا محمد بن إبراهيم بن شعيب، نا عمرو بن علي الصيرفي، قال: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول لعبد الله: أين تذهب؟ قال أذهب إلى وهب بن جرير أكتب السيرة عن مجالد، قال: تكتب كذباً كثيراً، ولو شئت أن يجعلها لي مجالد كلها عن الشعبي عن مسروق عن عبد الله فعل. وفي تهذيب الكمال وسير أعلام النبلاء، يقول: لعبيد الله، وفيهما: أكتب السيرة يعني عن أبيه عن مجالد. قلت: ووهب بن جرير بن حازم الأزدي البصري الحافظ المتوفى ٢٠٦هـ إمام ثقة أخرج له الجماعة. وأبوه جرير بن حازم المتوفى ١٧٠هـ حافظ ثقة، في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدث عن حفظه، وقد أخرج له الجماعة. ومن هذا النص النفيس يتبين لنا أن مجالداً قد صنف كتاباً في السيرة،

стр. 22

وهذا الكتاب قد ضم المسند الموصول، والمرسل وغيرهما؛ لأن يحيى بن سعيد يقول: لو أردت أن يجعلها كلها مرفوعة فعل. وبهذا فهي مشابهة للتوجه العام عند موسى بن عقبة وغيره. ٣- سليمان بن طرخان التيمي أبو المعتمر -ولم يكن من بني تيم وإنما نزل فيهم- البصري شيخ الإسلام المتوفى ١٤٣هـ (١) . أحد التابعين العُبَّاد الزهاد الحفاظ المتقين، روى عن أنس بن مالك وجمع من الأئمة التابعين الكبار، أي عثمان النهدي، وطاوس، والحسن، وثابت البناني وبكر بن عبد الله المزني، وغيرهم. وروى عنه جمع من الأئمة، ومنهم شيخه أبو إسحق السبيعي، والثوري، وشعبة وابن علية، وحماد بن سلمة، وابن عيينة، وهشيم بن بشير، وأبو زيد الأنصاري وغيرهم. قال شعبة: ما رأيت أحداً أصدق من سليمان التيمي، كان إذا حَدَّث عن النبي صلى الله عليه وسلمتغيَّر لونه. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وكان من العباد المجتهدين، وكان يصلي الليل كله يصلي الغداة بوضوء العشاء الآخرة، وكان هو وابنه معتمر يدوران الليل على المساجد، فيصليان مرة في هذا المسجد، ومرة في هذا المسجد حتى يصبحا، وقد وثقه غير واحد من الأئمة، وأخرج حديثه الستة. وقد صنف سليمان التيمي كتاباً في السيرة النبوية، رواه عنه ابنه معتمر، وقد حمله عن معتمر، محمد بن عبد الأعلى الصنعاني.

стр. 23

ومعتمر بن سليمان من الثقات توفي سنة ١٨٢?، روى عنه الثوري، وهو أكبر منه، وابن المبارك وهو من أقرانه، ورى عنه الجَمّ الغفير من الأئمة، ووثقه غير واحد من الأئمة: ابن معين، وابن سعد، وأبو حاتم والعجلي، وغيرهم. وأما محمد بن عبد الأعلى الصنعاني المتوفى ٢٤٥? فهو ثقة أخرج حديثه مسلم إذ روى عنه خمسة وعشرين حديثاً. والنسائي، وقال كتبنا عنه وأثنى عليه خيراً وأخرج له الترمذي، وأبو داود، في كتاب القدر وابن ماجه وغيرهم. وقد روي كتاب التيمي من غير طريقه كما يتبين من المنقول وهذا الكتاب قد وصل إلى الأعصر المتأخرة، إذ نجد محمد بن أحمد المالكي الأندلسي قد ذكره في الجزء الذي جمعه في تسمية ما ورد به الخطيب إلى دمشق من الكتب التي رواها، فقال: مغازي سليمان التيمي (١) . ووصلت روايته إلى ابن خير الإشبيلي المتوفى ٥٧٥هـ فهو ضمن مروياته وسماه سيرة رسول الله ﷺ (٢) . ونجده عند معاصره الحافظ أبي القاسم السهيلي المتوفى ٥٨١هـ في كتاب «الروض الأنف» (٣) «وسماه: السير» . واقتبس منه ابن قيم الجوزية في زاد المعاد (٤) وسماه: المغازي. واستفاد منه الإمام الذهبي في السيرة أخباراً عديدة منها بالأسانيد ومنها

стр. 24

بغير أسانيد (١) . وكذلك الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٢) ويسميه تارة بالمغازي، وتارة بالسيرة. ومن المقتبسات يتبين أن هذا الكتاب فيه أخبار بدء الوحي، وأخبار المغازي ويذكر ذلك أحياناً بالأسانيد، وأحياناً يرسل ذلك إرسالاً، فهو موافق للخط العام في كتابه السير. ومما يجدر ذكره أن التيمي لم تذكر له رواية عن الزهري في قائمة شيوخه التي ساقها المزي. وكذلك ابن إسحق الذي كان معاصراً له كان بينهما نفرة، ولم يكن سليمان التيمي يرتضيه؛ ولهذا فرواية ابن إسحق عنه أو التيمي عن ابن إسحق مستبعدة، والتيمي أكبر، وهو أقدم وفاة وسناً. ويبدو - والله أعلم- أن هذه المغازي، أو السيرة كانت صغيرة محدودة ليس فيها توسع كثير في ذكر الأحداث وسياقها. ٤- محمد بن إسحق بن يسار، أبو بكر القرشي المطلبي مولاهم المدني المتوفى ١٥١هـ (٣) . ولد سنة ثمانين، ورأى أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، وسالم بن عبد الله بن عمر، وطاف البلاد، وسمع من جمع كبير في مصر، والحجاز

стр. 25

والعراق، والرّي وما بينها، ومنهم: أبوه، وعمه موسى بن يسار، وأبان بن عثمان، والأعرج ومحمد بن إبراهيم التيمي، ومكحول، ونافع العمري، وأبو سلمة بن عبد الرحمن والزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم، ومحمد بن المنكدر، وطاوس. وحدَّث عنه شيخه يزيد بن أبي حبيب، ويحيى بن سعيد الأنصاري، -وهما من التابعين- وشعبة والثوري، والحمادان، وأبو عوانه، وهشيم، وسفيان بن عيينة، وخلقٌ كثير. كان ابن إسحق ومازال إمام المغازي والسير، وهو حافظ علامة، أحد من دار عليهم الحديث والإسناد، وقد أثنى عليه في علم المغازي والسير، غير واحد من شيوخه وأقرانه والأئمة عبر العصور. قال محمد مسلم بن شهاب الزهري، وقد سئل عن مغازيه، فقال: هذا أعلم الناس -يعني محمد بن إسحق- وروى حرملة عن الشافعي قال: من أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على محمد بن إسحق. وقال شعبة: محمد بن إسحق أمير المؤمنين في الحديث. وجاء عن البخاري قوله: محمد بن إسحق ينبغي أن يكون عنده ألف حديث ينفرد بها لا يشاركه فيها أحد. قال ابن سعد في الطبقات: «كان محمد بن إسحق أول من جمع مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلموألَّفها، وكان يروي عن عاصم ابن عمر بن قتادة، ويزيد بن رومان، ومحمد بن إبراهيم، وغيرهم ويروي عن فاطمة بنت المنذر بن الزبير، وكانت امرأة هشام بن عروة، فقال: هو كان يدخل على امرأتي؟ كأنه أنكر ذلك» . وخرج من المدينة قديماً فلم يرو أحد منهم عنه غير إبراهيم بن سعد، وكان ابن إسحق خرج مع العباس بن محمد إلى الجزيرة، وأتى أبا جعفر

стр. 26

بالحيرة، فكتب له المغازي، فسمع منه أهل الكوفة بذلك السبب. وسمع منه أهل الجزيرة، وأتى الرّي فسمع منه أهل الري، فرواته في هذه البلدان أكثر ممن روى عنه من أهل المدينة. وكان كثير الحديث، وقد كتبت عنه العلماء، ومنهم من يستضعفه. قلت: وقد تكلم فيه مالك وهشام بن عروة كما تقدم، واتهم بغير نوع من البدع، ودافع عنه عدد من العلماء بدءاً بالبخاري. قال البخاري: ((والذي يذكر عن مالك في ابن إسحق لا يكاد يبين أمره، وكان إسماعيل بن أبي أويس من أتبع من رأينا لمالك، أخرج إلي كتب ابن إسحق عن أبيه في المغازي وغيرها فانتخبت منه كثيراً. ولم ينج كثير من الناس من كلام بعض الناس فيهم، نحوَ ما يذكر عن إبراهيم من كلامه في الشعبي، وكلام الشعبي في عكرمة، وفيمن كان قبلهم، وتناول بعضهم في العرض والنفس. ولم يلتفت أهل العلم في هذا النحو إلا ببيان وحجة، ولم تسقط عنه التهم إلا ببرهان ثابت وحجة، والكلام في هذا كثير)) ، (انتهى كلام البخاري) . وقال أبو زرعة الدمشقي: ومحمد بن إسحق رجل قد اجتمع الكبراء من أهل العلم على الأخذ عنه، منهم سفيان، وشعبة، وابن عيينة ... وروى عنه الأكابر: يزيد بن أبي حبيب وقد اختبره أهل الحديث فرأوا خيراً وصدقاً مع مدحة ابن شهاب له. وقد ذاكرت دحيماً قول مالك - يعني فيه - فرأى أن ذلك ليس للحديث، وإنما هو لأنه اتهمه بالقدر. وقد بحث ابن عدي في مروياته، وفتش في أحاديثه، وتقصى الأقوال فيه،

стр. 27

وقال: ولمحمد بن إسحق حديث كثير، وقد روى عنه أئمة الناس ... وقد روى المغازي عنه: إبراهيم بن سعد، وسلمة بن الفضل، ومحمد بن سلمة، ويحيى بن سعيد الأموي، وسعيد بن بزيع، وجرير بن حازم، وزياد البكائي وغيرهم. ثم قال ابن عدي: ولو لم يكن لمحمد بن إسحق من الفضل إلا أنه صرف الملوك عن كتب لا يحصل منها شيء فصرف أشغالهم حتى اشتغلوا بمغازي رسول الله ﷺ ، ومبتدأ الخلق، ومبعث النبي ﷺ ، فهذه فضيلة لابن إسحق سبق بها. ثم بعده صنفها قوم آخرون، فلم يبلغوا مبلغ ابن إسحق منها. وقد فتشت أحاديثه الكثيرة، فلم أجد في أحاديثه ما يتهيأ أن يقطع عليه بالضعف وربما أخطأ أو وهم في الشيء بعد الشيء كما يخطئ غيره، ولم يتخلف في الرواية عنه الثقات والأئمة، وهو لا بأس به. لقد أخذ ابن إسحق زمام الزعامة في علم المغازي والسير، وسار به إلى يوم الدين فكل من جاء بعده كان عالة عليه كما يقول الشافعي. قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: وهو أول من دون العلم بالمدينة، وذلك قبل مالك وذويه، وكان في العلم بحراً عجاجاً، ولكنه ليس بالمجود كما ينبغي. وقال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب: إمام المغازي. ولهذا علق عنه البخاري في صحيحه، وروى له مسلم مقروناً بغيره، وأخرج له غيرهما. لقد بلغ ابن إسحق في تصنيفه الذروة في علم السيرة من حيث الحشد والجمع والتنقير ثم من حيث المنهج إذ بدأ بالمبعث وما قبله، ثم بالمغازي واحدة تلو أخرى ولهذا فقد انتشر مصنفه في عصره، وما تلاه في شرق الأرض وغربها، ودرسه الدارسون من نواح عديدة قديماً وحديثاً، وبقيت

стр. 28

سيرته عبر العصور أم المصنفات في هذا الباب، وإليها المرجع على الدوام، وإن كانت هنا انتقادات وملاحظات، ولقيت من العناية والرعاية مالم يلقه كتاب آخر في السيرة، بل أستطيع أن أقول: إن ما كتب من كتب السيرة بعده كان هالة حول هذا الكتاب. فابن سعد تلميذ الواقدي الذي جعل كتاب ابن إسحق موازياً لكتاب شيخه الواقدي، ومروراً بالأعلام بعد ابن سعد عبر القرون وإلى يومنا هذا، مما يؤكد كلمة ابن عدي أن هذه الفضيلة سبق بها ابن إسحاق، ولم يبلغ من بعده مبلغه. وإذا أردت أن ألمع إلى ومضات موجزة من منهجه في هذا الكتاب أقول: رغم أن الكتاب كاملاً لم يظهر حتى نستطيع الجزم بمنهجه، ولم يظهر منه إلا قطعة رغم بقائه متداولاً حتى الأعصر المتأخرة، إلا أنه من خلال النصوص التي أخذت عنه ومن خلال تهذيب ابن هشام يمكننا أن نبني عنه تصوراً منهجياً ربما يكون قريباً من الحقيقة، ومن هذا يظهر أنه قد قسم كتابه ثلاثة أقسام: المبتدأ، والمبعث، والمغازي، فالمبتدأ عالج فيه ما كان من أحداث ورسل ووقائع قبل الإسلام، واعتمد في هذا القسم بقسط غير قليل على وهب بن منبه، وكعب الأحبار، ومسلمة أهل الكتاب، وغيرهم. وذكر فيه بعض أخبار القبائل العربية، وهذا القسم فيه الأخبار المنقطعة والآثار، والإسناد طبعاً نادر، إن لم يكن معدوماً بعد مَنْ حدّثه بها، وسواء غابت هذه الأخبار أو حضرت لا تضر بصفة عامة، وهي تروى ولا تدخل في السيرة أو التشريع من قريب ولا بعيد. وأما القسم الثاني: وهو المبعث فيشمل حياة النبي ﷺ قبل البعثة إلى أن

стр. 29

فجأه الوحي، ثم إلى الهجرة، وفي هذا القسم يروي النصوص بأسانيده وأحياناً يرسل عن شيوخه، وأحياناً يسوق الخبر بلا إسناد، وله في ذلك تفردات. القسم الثالث: عرض الغزوات النبوية وحياته في المدينة بشكل عام إلى مرضه ووفاته ﷺ . وكان يسلك في هذا القسم مسلك التقسيم للأحداث على السنن، ويبرز أسانيده ورواته بصفة عامة، وقد يرسل، أو يسوق الخبر دون إسناده لأحد، أو يجمع عدة أسانيد، ويسوق الخبر عنهم جميعاً مساقاًَ واحداً، وأحياناً يبهم شيخه في الخبر كأن يقول: حدثني من لا أتهم من أهل العلم، أو ذكر بعض آل فلان، أو بلغني عن فلان، أو حدثني بعض أصحابنا.. ومما يلاحظ أنه اعتمد على عدد من علماء السيرة؛ الزهري، عروة بن الزبير، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم.. وقد حاول ابن إسحق ربط الآيات القرآنية بأسباب نزولها، وكان يذكر الأشعار التي بلغته في مواضع الغزوات والفخر أو الهجاء. وبعد أن شاع الكتاب وذاع تعاورته العقول والأقلام، ومن أبرز من عُني بهذا الكتاب حتى نسب إليه هو عبد الملك بن هشام المتوفى ٢١٨هـ؛ إذ حاول تهذيب الكتاب وتشذيبه، أي أنه أرد أن يُقوم ما يراه في الكتاب من عوج ومن خلال كلامه نتبين المآخذ على ابن إسحق. قال ابن هشام: وتارك بعض ما ذكره ابن إسحق في هذا الكتاب مما لرسول الله صلى الله عليه وسلمذكر، ولا نزل فيه من القرآن شيء، وليس سبباً لشيء من هذا الكتاب، ولا تفسيراً له ولا شاهداً عليه لما ذكرت من الاختصار، وأشعاراً ذكرها لم أر أحداً من المعرفة بالشعر يعرفها، وأشياء بعضها يشنع الحديث به، وبعض يسوء بعض الناس ذكره.

стр. 30

وبعض لم يقرّ لنا البكائي بروايته، ومستقصٍ إن شاء الله تعالى، ما سوى ذلك منه بمبلغ الرواية والعلم به (١) . وقد لقي عمل ابن هشام هذا القبول والرضا، وبه عرفت سيرة ابن إسحق بل ونسب إلى ابن هشام. وتوالت الشروح والدراسات حول عمل ابن هشام هذا. قال الفلاس: سمعت يحيى بن سعيد يقول لعبيد الله: إلى أين تذهب؟ قال: أذهب إلى وهب بن جرير أكتب السيرة، قال الذهبي: كان وهب يرويها عن أبيه عن ابن إسحق، وأشار يحيى القطان إلى ما في السيرة من الواهي من الشعر ومن بعض الآثار المنقطعة المنكرة، فلو حذف منها ذلك لحسنت، وَثَمَّ أحاديث جمَّة في الصحاح والمسانيد مما يتعلق بالسيرة والمغازي ينبغي أن تُضمَّ إليها وتُرَتَّب، وقد فعل غالب هذا الإمام أبو بكر البيهقي في دلائل النبوة له (٢) . قلت: وبهذا فلا يعدو كتاب البيهقي أن يكون مستخرجاً على كتاب ابن إسحق وهذا ظاهر فيه. ودون أن أمرّ على تأثير كتاب ابن إسحق ومغازيه فيمن جاء بعده أبدي ملاحظات حول أهمية كتاب ابن إسحق فأقول (٣) : ١- إن ابن إسحق لم يلتزم بالإسناد في قسم من أخباره، ولم يضع شروطاً معينة لتلقي أخبار السيرة من رجال معينين، أو كيفية معينة، ولهذا كان كثير السؤال والتطلاب لأخبار السيرة والمغازي حتى اشتهر بذلك،

стр. 31

فكان يأتيه أبناء البيوتات والأسر ليحدثوه عن أمجاد آبائهم، ويحملون له في ذلك أشعاراً قيلت في المناسبات التي يتحدث عنها وبخاصة الغزوات، فيرويها له في كتابه، حتى جاء النقاد بعده، وقالوا: إن كثيراً من هذه الأشعار غير صحيح. واضطر ابن هشام وغيره من بعده لحذف كثير من هذه الأشعار والأخبار، ولكن ابن إسحق جمع الجزئيات مع الكليات، فأطال وأطال، ولهذا عرّض به مالك، وأثنى على موسى بن عقبة بأن عمله مختصر غير طويل كغيره، -أي ابن إسحق-. ٢- إن سعة علم ابن إسحق وتطوافه في البلاد، وبحثه عن العلم، وتفوقه على أقرانه، واستناده إلى بيان مشرق، وقلم سيال، وكلمة وضاءة وتصوير بارع للأحداث جعلت عمله يحظى بالقبول عند جُلِّ معاصريه ومن جاء بعده، وسار مسير الشمس في الأرض، وقد أشاد بهذا غير واحد ممن اقتفى أثره، وانتحى نحوه. ومنهم الأديب البليغ، الكلاعي في كتابه "الاكتفاء في مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلموالثلاثة الخلفاء"، حين جعل اعتماده ابن إسحق دون الواقدي بقوله (١) : رأيته كثيراً ما يجري مع ابن إسحق، فاستغنيت عنه لفضل فصاحة ابن إسحق في الإيراد، وحسن بيانه الذي لا يعقل معه استحسان المعاد. وقد قام الخشني في شرح السيرة، وكذلك السهيلي، وهذا يدل على قوة النص الذي قدمه ابن إسحق. ٣- وهذا يقودنا إلى الأمر الثالث في عمل ابن إسحق ألا وهو صياغة السيرة بتسلسل منهجي، وتتابع تاريخي، وكان عصره مبتكراً يدلف بالقارئ

стр. 32

أو المستمع من خبر إلى تابعه، ومن غزوة إلى أخرى فكانت السيرة النبوية من الولادة إلى الهجرة إلى الغزوات المصطفوية قد سلكت أمام القارئ في سلك واحد، وكأنه يراها رأي العين. والأمر الذي يجب أن يلاحظ في تأريخ علم السيرة النبوية أن منهجية ابن إسحق هي التي صبغت جميع المؤلفات في هذا العلم، وبقيت تقفو أثر ابن إسحق، وهذا شيء في غاية الأهمية والقيمة والقدر المتجدد لعمل ابن إسحق أبرزِ كاتبٍ في السيرة النبوية عبر العصور وهو من رجال القرن الثاني. ٤- ولما لم يلتزم ابن إسحق الإسناد في كل أخبار السيرة، بل كان همُّه جمعَ أطراف الأخبار في الحدث الواحد وسوقها في كلياتها وجزئياتها مساقاً واحداً قاصداً إعطاء أكبر التفصيلات، هذا جعل بذلك السيرة التي صنفها في السيرة النبوية قصة متكاملة شاملة، قريبة للقارئ والمستمع، سهلة للفهم والتلقين والحفظ، وهذا سَهَّل لها القبول والانتشار في كل الأوساط العلمية المتخصصة وغير العلمية، وغدت في كل بيت. وقد حاول غير واحد أن يسلك مسلكه كما فعل الواقدي، وابن حبان وغيرهما من بعده، وهذا مما جعل عمل ابن إسحق عمدة لهذا العلم بوجه أو بآخر ولأجله قال ابن سيد الناس في صدر سيرته التي لقيت بدورها القبول والثناء: وعمدتنا فيما نورده من ذلك على محمد بن إسحق إذ هو العمدة في هذا الباب لنا ولغيرنا (١) . وخلاصة القول: فإن ابن إسحق ـ مهما قيل في نقده ـ قد ارتقى

стр. 33

بالتصنيف في السيرة النبوية مرتقى رفيعاً، وخلد بعمله علماً عظيماً، وفتح باباً للخير كبيراً، وسبق الناس في هذا المهيع سبقاً مبيناً، وأرسى ركناً ركيناً بنى من جاء بعده عليه، ونحا نحوه فيما يهدف إليه، فرحمه الله رحمة واسعة. ٥- معمر بن راشد الأزدي الجدَّاني البصري نزيل اليمن المتوفى ١٥٣هـ (١) . ولد نحو سنة خمس وتسعين، وطلب العلم وهو حدث وكان من أطلب أهل زمانه للعلم، وحدّث عن قتادة والزهري وعمرو بن دينار، وهمام بن منبه، وأبي إسحق السبيعي، وثابت البناني، ويحيى بن أبي كثير، وغيرهم من الكبار. وحدّث عنه طائفة من شيوخه أبو إسحق، وعمرو بن دينار، وحَدَّث عنه السفيانان وابن المبارك وابن علية، وهشام بن يوسف قاضي صنعاء، وعبد الرزاق بن هشام ومحمد بن كثير الصنعانيان، وخلق كثيرون. وقد وثقه جمع كثير، وشهدوا له بالحفظ والإتقان، والإمامة، قال ابن حبان في الثقات (٢) : كان فقيهاً متقناً، حافظاً ورعاً. وقال قرينه ابن جريج (٣) : عليكم بهذا الرجل - يعني معمراً -، فإنه لم يبق أحد من أهل زمانه أعلم منه. وحديثه في الكتب الستة وغيرها، وقال الإمام الذهبي: كان من أوعية العلم مع الصدق والتحري، والورع والجلالة، وحسن التصنيف.

стр. 34

وحلاه بقوله (١) : الإمام الحافظ، شيخ الإسلام وقد صنف معمر كتابه: الجامع، وهو مشهور عنه، ومنقول. وقد ألحقه تلميذه عبد الرزاق بكتابه المصنف وهو مطبوع معه. وصنف كتاب المغازي، وقد ذكره له ابن النديم في كتابه الفهرست (٢) . بقوله: من أصحاب السير والأحداث، وله من الكتب: كتاب المغازي. واقتبس منه ابن سعد في الطبقات (انظر مثلاً: ١/١٩٤و ٤/٢٧، ٤٣) عن محمد بن حميد – وهو أبو سفيان المعمري – عنه. و (١/١٩٤، ٢٢٥، ٢٢٧، ٢٥٨ و ٣/٣١٣- ٣١٩ و ٨/٣١٤) وغيرها، عن الواقدي عنه. و (١/٢٤١) عن عفان بن مسلم، عن معتمر بن سليمان عنه. وفي ترجمة الإمام الزهري في الجزء المتمم لتابعي المدينة: روى عن إسحاق ابن أبي إسرائيل، عن عبد؟ عنه. وعن سليمان بن حرب وعفان بن مسلم عن حماد بن زيد عنه. وقد ذكر أنه من الطبقة الأولى من المصنفين في الإسلام من المحدّثين. وقد احتفظ الإمام الطبري بعدة نصوص تتعلق بالسيرة النبوية، ولعلها منه (٣) ، وجلها عن الزهري، ومنها ماهو بإسناد متصل، ومنها ماهو مرسل وقد اقتبس منه الحافظ الذهبي في السيرة النبوية (٤) ، ففي خبر انشقاق القمر يروي عن قتادة عن أنس. وفي فصل: فيما ورد من هواتف الجان، وأقوال

стр. 35

الكهان يروي عن الزهري عن علي بن الحسين، مرسلا. وفي الإسراء ساقه عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂. ومن هذه النصوص يتبين لنا أن مصنف معمر فيه المتصل المرفوع، وفيه المرسل والمقطوع، وفيه كذلك ذكر الأخبار دون أسانيد وهو بذلك لم يخرج عن التوجه العام الذي كان يسود في كتابة السيرة النبوية في النصف الأول من القرن الثاني ويمكن أن نلاحظ على هذه الحقبة الملاحظات التالية: ١- إن المصنفين في السيرة في هذه الحقبة – وتمتد من نهاية الربع الأول من القرن الثاني تقريباً حتى تبلغ منتصف هذا القرن تقريباً - كلهم أئمة أعلام رغم ما قيل في مجالد بن سعيد، ومحمد بن إسحق، وهم مشهورون مذكورون في حلقات الدرس والعلم. ٢- إن مصنفات هؤلاء الأعلام قد نقلت عنهم وكانت محل اهتمام اللاحقين عبر العصور وأصبحت محور التصنيف ومدار المصنفين في علم السيرة. ٣- كان توجه جميع المصنفين في هذه الحقبة عدم الالتزام الصارم بالأسانيد في أخبار السيرة، ولكنها كانت حاضرة، وكان كل مصنف يروي ما بلغ علمه من مصادره التي يستقيها من أهل العلم وغيرهم. ٤- بلغ التصنيف في السيرة مع علمين من أعلام هذه الحقبة، موسى بن عقبة ومحمد بن إسحق مكانة رفيعة، كادت تستوفي الموضوع.

стр. 36

الدور الثالث: وبعد أن استوى علم السيرة وتدوينها على ساقه تابعت طائفة أخرى المسيرة فتلقت ما دونته الطبقة السابقة، وأضافت إلى عملهم شيئاً جديداً قوّاه ونمّاه، ومن أبرز هؤلاء الأعلام: (١) محمد بن صالح بن دينار، (٢) وأبو معشر السندي، (٣) وعبد الملك بن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم. أما: ١- محمد بن صالح بن دينار أبو عبد الله المدني مولى عائشة بنت جزء أم عمر بن قتادة بن النعمان المتوفى ١٦٨هـ (١) . فقد رأى سعيد بن المسيب، وروى عن سعيد بن إبراهيم، وعاصم بن عمر بن قتادة ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري، ويزيد بن رومان وموسى ابن عقبة وجمع غيرهم وروى عنه الواقدي، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، والدراوردي وغيرهم وثقه أحمد بن حنبل، وأبو داود، وابن حبان والعجلي وقال أبو حاتم الرازي: شيخ ليس بالقوي، ولا يعجبني حديثه، وضعفه الدارقطني. قال محمد بن سعد (٢) : كان جيد العقل، قد لقي الناس، وعلم العلم والمغازي وقال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد قال: قال لي أبي: إن أردت المغازي صحيحة، فعليك بمحمد بن صالح ابن دينار التمار، وكان ثقة قليل الحديث، توفي وهو ابن بضع وثمانين سنة،

стр. 37

وقد روى حديثه أصحاب السنن الأربعة وقد استفاد منه ابن سعد في طبقاته انظر ٤/١٢، ١٣، ٣٤، ٣٧، و١/٢١٠، ٢١٦، ٢١٩، ٢٢١. وبالرجوع إلى تاريخ الطبري الذي استفاد من أكبر قدر من المصادر التي سبقته وجدت أنه اقتبس عدة نصوص عنه، منها: ما يتعلق بالوحي كما في ٢/٣٨٦، وفي التأريخ بالهجرة ٢/٣٩٠، وفي غزوة بدر ٢/٤١٩، وفي غزوة بني قينقاع ٢/٤٨٠، وفي أخبار عمر ٤/٢١٣، ٢٢٠، وفي خبر غزوة ذات الصواري ٤/٢٨٨، وأخبار عثمان ٤/٣٥٩، وأخبار خروج الأشراف بفخ في عهد العباسيين ٨/١٩٢، ١٩٣، ١٩٥، ١٩٨. ويبدو أن شأنه كان عظيماً في تَقَصِّي روايات السيرة وتدقيقها إذ يرجع إليه الواقدي ويسأله ويؤكد محمد بن صالح له الأخبار التي يرويها أو التي يسمعها. ويتبين ذلك مما روي عن الشعبي أن إسرافيل قرن برسول الله صلى الله عليه وسلمقبل أن يوحى إليه ثلاث سنوات قال الواقدي: فذكرت ذلك لمحمد بن صالح ابن دينار فقال: والله يابن أخي لقد سمعت عبد الله بن أبي بكر بن حزم، وعاصم بن عمر بن قتادة يحدثان في المسجد، ورجل عراقي يقول لهما هذا، فأنكراه جميعاً وقالا: ما سمعنا ولا علمنا إلا أن جبريل هو الذي قرن به، وكان يأتيه بالوحي من يوم نبئ إلى أن توفي ﷺ . وفي طبقات ابن سعد ١/١٩١، ذكر هذا الخبر بسنده إلى الشعبي ثم قال: فذكرت هذا الحديث لمحمد بن عمر فقال: ليس يعرف أهل العلم ببلدنا أن إسرافيل قرن بالنبي ﷺ . وإن علماءهم، وأهل السيرة منهم يقولون: لم يقرن به غير جبريل من حين أنزل عليه الوحي إلى أن قبض ﷺ . ومن هذا النص الهام يتبين أن الواقدي قد عدّ شيخه محمد بن صالح من

стр. 38

علماء المدينة ومن أهل السيرة. ويستفاد منه كذلك أن علم السيرة له علماؤه المشهورون به، منهم محمد ابن صالح بن دينار، وطبقة شيوخه عبد الله بن أبي بكر بن حزم، وعاصم بن عمر ابن قتادة. ويبدو من خلال النصوص التي اقتبست عنه أن الواقدي كان يرجع إليه ليعرض عليه المعلومات والأخبار التي يتلقاها ليثبتها له ويبين وجه الصواب فيها.. وهذا يدل على جليل مكانته في هذا العلم، ويدل على تطور علم السيرة في هذه المرحلة بالرجوع إلى أناس عرفوا بذلك. وقد كان يروي بالأسانيد أحياناً. ٢- أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن السندي ثم المدني مولى بني هاشم المتوفى ١٧٠هـ (١) . رأى أبا أمامة بن سهل بن حنيف المتوفى سنة ١٠٠هـ وحدّث عن التابعين؛ محمد بن كعب القرظي، ونافع مولى ابن عمر، وهشام بن عروة، ومحمد بن المنكدر، وسعيد بن المسيب، قال الذهبي: وفيه بعد، وسعيد المقبري، وغيرهم. روى عنه جمع، منهم: سفيان الثوري ومات قبله، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الرزاق الصنعاني، والليث بن سعد، وأبو نعيم الفضل بن دكين،

стр. 39

والواقدي، وابنه محمد بن أبي معشر، هو آخر من روى عنه، وغيره. وثَّقة جمع، وضعفه آخرون من قبل حفظه. قال أبو زرعة الدمشقي: سمعت أبا نعيم الفضل بن دكين يقول: كان أبو معشر كيساً حافظاً، وقال هشيم: ما رأيت أحداً أكيس من أبي معشر. وقال يحيى بن معين: ضعيف يكتب حديثه في الرقائق، وكان رجلاً أمياً يُتقى أن يروي من حديثه المسند. وضعفه البخاري، وأبو داود، والنسائي وغيرهم. قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي وذكر مغازي أبي معشر فقال: كان أحمد بن حنبل يرضاه ويقول: كان بصيراً بالمغازي. وقال أبو حاتم: كنت أهاب حديث أبي معشر حتى رأيت أحمد بن حنبل يحدِّث عن رجل عنه أحاديث فتوسعت بعد في كتابة حديثه. قال الخليلي: أبو معشر له مكان في العلم والتاريخ، وتاريخه احتج به الأئمة، وضعفوه في الحديث. وذكره ابن البرقي فيمن احتملت روايته في القصص، ولم يكن متين الرواية. قال ابن عدي: حدَّث عنه الثوري وهشيم، والليث بن سعد وغيرهم من الثقات وهو مع ضعفه يكتب حديثه. أما علمه بالمغازي فشهد له بتبريز فيها غير واحد، وناهيك بأحمد بن حنبل. قال الفضل بن هارون البغدادي: سمعت محمد بن أبي معشر، قال: كان أبي سندياً أخرم خياطاً، قالوا: وكيف حفظ المغازي؟ قال: كان التابعون يجلسون إلى أستاذه فكانوا يتذاكرون المغازي، فحفظ. وابنه محمد هذا حدّث عنه بالمغازي وكان خاتمةَ من حدث بها عنه، وذلك لأنه عمِّر نحواً من مائة سنة، وتوفي سنة سبع وأربعين ومائتين، وهو صدوق أخرج له الترمذي عن أبيه.

стр. 40

وقد اشتهر بعلم المغازي وذاع صيت تأليفه، وكان أبرز رجال هذه الطبقة في هذا العلم، ومن أقدم من رجع إليه واغترف منه محمد بن سعد في طبقاته الكبير؛ إذ جعله واحداً من أركان كتابه الأربعة، وهم شيخه الواقدي، وابن إسحق، وموسى بن عقبة وأبو معشر، ويشير إليهم بأهل العلم بالسيرة، أو رواة المغازي، ويجعل إجماعاً، ويقارن بين رواياتهم، وقد كان كتابه حاضراً بين يديه إذ قال (١) : يزيد بن المزين ابن قيس بن عدي بن أمينة بن جدارة، هكذا قال محمد بن عمر، وقال موسى بن عقبة، ومحمد بن إسحق، وعبد الله ابن محمد بن عمارة الأنصاري: هو زيد بن المزيد، ولم يذكره أبو معشر في كتابه. وهذا دليل على أن كتابه بين يديه ويتتبع روايات الأربعة ويقارن بينها، ويضيف إليهم: عبد الله بن محمد بن عمارة الأنصاري، وكتابه في نسب الأنصار. والمقارنة الآن بين هؤلاء جديرة للخروج بنتائج جد دقيقة، ولكنها تحتاج إلى بحث خاص يخرجنا عن موضوعنا هذا. وهذا الكتاب "المغازي"، قد ذكره له ابن النديم في الفهرست بقوله: عارف بالأحداث والسير، وله من الكتب، كتاب المغازي (٢) وقد كان من الكتب التي حملها معه الخطيب إلى دمشق، وسماه المغازي (٣) واقتبس منه غير واحد من الأئمة كابن عبد البر في الاستيعاب، واستفاد منه بواسطة ابن أبي
следующие страницы →