← Общие книги

Общие книги · id 7515

افتراءات المنصرين على القرآن الكريم أنه يؤيد زعم ألوهية المسيح عليه السلام

علي بن عتيق الحربي

Полный текст (94 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ال مقدمة: الحمد لله الواحد الأحد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، المنزه عن الصاحبة والولد، القائل ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (آل عمران: ٧) . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمد عبد الله ورسوله ﷺ وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، أما بعد: فعنوان هذا البحث هو: افتراءات المنصرين على القرآن أنه يؤيد زعم ألوهية المسيح –﵇ "دراسة نقدية". وقد كتب هذا البحث استجابة للدعوة التي تلقاها الباحث من قبل: الأمين العام لمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف: رئيس اللجنة التحضيرية لندوة "عناية المملكة العربية السعودية بالقرآن الكريم وعلومه" فضيلة أ. د. محمد سالم بن شديد العوفي - حفظه الله -. وإن مما دفع الباحث لاختيار هذا الموضوع: ١- المشاركة في الدفاع عن كتاب الله بخاصة والإسلام بعامة.

стр. 2

٢- ما يعتقده الباحث من خطورة مناهج المنصرين في محاربة الإسلام والمسلمين ولا سيما من خلال التهجم على كتاب الله العظيم: القرآن الكريم. ٣- محاولة تنصير المسلمين وبلبلة اعتقاداتهم من خلال مسلماتهم وذلك بمحاولة إنزال معتقدات النصارى على بعض ما قد يكون متشابهاً من آي القرآن تلبيسا على المسلمين ومحاولة لإضلالهم كما ضلوا السبيل. وعلى الرغم من أن الباحث اطلع على بعض الكتابات المتناثرة حول هذا الموضوع والتي تطرقه من جانب أو آخر إلا أنها تمس جوانب معينة من الموضوع لكنه لم يعثر على دراسة متكاملة لهذا الموضوع - رغم أهميته - تدرسه تفصيلاً وترد على ادعاءات المنصرين فيه على نحو مفصل. كما أن المنهج المتبع في دراسة هذا الموضوع فيه محاولة للرد على المنصرين من جهتين: إسلامية (من خلال القرآن وما يرتبط بذلك) ، ونصرانية (من خلال التوراة والأناجيل) لرد دعوى النصارى على القرآن وفق منهج يبين كذبهم على كتاب الله ويلزمهم في الوقت نفسه من خلال مسلماتهم بما يدل عليه القرآن المهيمن على ما قبله من الكتاب. كما أن من منهج الباحث في اقتباس نصوص كتب العهدين أخذها من النسخة العربية الحديثة المعتمدة "للكتاب المقدس": طبعة العيد المئوي (١٨٨٣-١٩٨٣م) ، طبعة دار الكتاب المقدس بمصر. كما اصطلح الباحث على ما يأتي:-

стр. 3

مصطلحات البحث ١- التوراة: أي أسفار العهد القديم الحالية وعددها (٣٩) سفراً إلا إذا أشير إلى غير ذلك. ٢- الإنجيل أو الأناجيل: أي أسفار العهد الجديد الحالية وعددها (٢٧) سفراً إلا إذا أشير إلى غير ذلك. اصطلاحات أسفار العهد القديم ... اصطلاحات أسفار العهد الجديد الاصطلاح ... المقصود به ... الاصطلاح ... المقصود به التكوين الخروج التثنية أشعياء حزقيال مزمور/المزامير (١) صموئيل (٢) صموئيل (١) الملوك (٢) الملوك نشيد الإنشاد ... سفر التكوين سفر الخروج سفر التثنية سفر أشعياء سفر حزقيال أسفار المزامير سفر صموئيل الأول سفر صموئيل الثاني سفر الملوك الأول سفر الملوك الثاني سفر نشيد الإنشاد ... متى مرقس لوقا يوحنا رومية (١) - تسالوينكي عب (٢) - يوحنا (٣) - بطرس رؤيا يوحنا ... إنجيل متى إنجيل مرقس إنجيل لوقا إنجيل يوحنا رسالة بولس إلى أهل رومية رسالة بولس الأولى إلى أهل تسالوينكي الرسالة إلى العبرانيين رسالة يوحنا الأولى الرسالة الثانية لبطرس سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي وإذا كُتِبَ هكذا: (٢) تسالونيكي (٣: ٥-٨و١٣) فإن هذا يعني: الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي، الاصحاح الثالث الفقرات من الخامسة إلى الثامنة. والفقرة الثالثة عشرة من الإصحاح نفسه.

стр. 4

ختاماً أسأل الله -–تعالى- التوفيق والسداد فما كان صواباً فمن الله – وما كان من خطأ فمن نفسي وأستغفر الله منه ومن جميع ذنبي. والحمد لله أولاً وآخراً وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 5

التمهيد ... تمهيد: لمحبة تاريخية عن المؤلفات التنصيرية التي تفتري على القرآن تأيده بعض معتقدات النصارى الباطلة: كان بعض أتباع اليهود والنصرانية في بعض بقاع الجزيرة العربية كالمدينة، وخيبر، ونجران. وما إن تبينت قوت الإسلام والمسلمين في الجزيرة العربية حتى بدأت وفود القبائل العربية تفد إلى رسول الله ﷺ من مختلف أنحاء الجزيرة، وكان من أوائل هذه الوفود وفد نصارى نجران الذين جادلوا رسول الله ﷺ زاعمين أن القرآن يدل على التثليث، وعلى ألوهية عيسى ﵇ وأنه ابن الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً وبذلك كانوا أول من سلك هذا الطريق المضل من النصارى في حيات الرسول ﷺ وقد ذكر ابن هشام "أن الله أنزل في ذلك من قولهم (أي زعمهم دلالة القرآن على ألوهية عيسى – ﵇ والتثليث وبنوته) واختلاف أمرهم: صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها". هذا فيما يتعلق ببداية الافتراء على كتاب الله من النصارى وادعاء أنه يؤيد بعض اعتقاداتهم. أما من حيث كتابة المنصرين والنصارى لذلك في مؤلفاتٍ فإن أقدم ما اطلعت عليه من ذلك يعود إلى أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث الهجري - وهي "رسالة عبد المسيح بن إسحاق الكندي إلى عبد الله الهاشمي" كما سيأتي إن شاء الله، ثم تتابعت بعد ذلك الكتب والرسائل التنصيرية التي زعمت أن كتاب الله يؤيد بعض معتقدات النصارى: كألوهية المسيح ﵇،

стр. 6

أو بنوته، أو التثليث، أو صلب المسيح، أو أن القرآن يدل على صحت كتب النصارى وأنها ليست محرفة، إلى غير ذلك من مزاعم وافتراءات على كتاب الله أرادوا بها تحقيق أهدافٍ عدة منها: ١-إبعاد النصارى عن الإسلام بزعم أن القرآن يؤيدهم على ما هم فيه من معتقدات باطلة، وأن ما في القرآن موجود في التوراة والإنجيل فَلِمَ الإسلام مادام الأمر - في زعمهم - كذلك؟ ١- الطعن في القرآن لبلبلة اعتقادات المسلمين، وإبعادهم عن دينهم، توطئةً لتنصيرهم من خلال القرآن نفسه، بحجة أن ما عليه النصارى ليس باطلاً فضلاً عن أن يكون كفراً، لما زعموه من تأييد القرآن لهم. وإن المؤلفات النصرانية التي انتهجت الأسلوب الآنف الذكر ما يلي: ١- "رسالة عبد المسيح إلى الهاشمي يرد بها على الهاشمي ويدعوه إلى النصرانية "وذلك في عصر الخليفة المأمون (١٩٨-٢١٨) ٢- "رسالة راهب فرنسا إلى المسلمين وجواب القاضي أبي الوليد الباجي عليها" في عصر الباجي (٤٠٣-٤٧٤هـ) . ٣- "رسالة حنا مقار العيسوي إلى أبي عبيدة الخزرجي"، في عصر أبي عبيدة المتوفي سنة (٥٨٢هـ) . ٤- "الكتاب المنطيقي الدولة خاني المبرهن عن الاعتقاد الصحيح والرأي المستقيم " لبولص الراهب - أسقف صيدا - الأنطاكي، في عصر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ المتوفي سنة (٧٢٨هـ) ٥- "مفتاح الخزائن ومصباح الدفائن "لأحد المنصرين في عهد الشيخ عبد العزيز آل معمر ﵀ (١٢٠٣-١٢٤٤هـ) .

стр. 7

٦- "الأقاويل القرآنية في كتب المسيحية "لمنصر بروتستاني في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي. ٧- "ميزان الحق"للقسيس فندر، في القرن الثالث عشر الهجري، التاسع عشر الميلادي. ٨- "الصلب في الإسلام "لحبيب زيات طبع سنة (١٩٣٥م) . ٩- "المسيحية في الإسلام" لإبراهيم لوقا. في بدايات القرن العشرين الميلادي. ١٠- "أدلة قرآنية على صحة الديانة النصرانية "لمؤلف مجهول. ١١- "الإنجيل والقرآن"ليوسف درة الحداد. ١٢- "القرآن والكتاب "لمؤلف نفسه، وهو منصر لبناني معاصر. إن هذه المؤلفات غيضٌ من فيضٍ وإلا فإن الكتب والرسائل المشابهة لما سبق بيانه كثيرة وإن كان الغالب في العصر الحاضر - فيما يرى الكاتب - كتابة خلاصات مركزة في مطويات صغيرة مستلة من الكتب القديمة والحديثة في هذا المجال: مسايرة للعصر، ومحاولةً منهم للهجوم على المسلمين من خلال الافتراء على آي القرآن الكريم، للتأثير فيهم وبلبلة أفكارهم، سعياً لتنصيرهم. والمتوقع اليوم استغلال وسائل الاتصال الأكثر حداثة في عرض هذا الأسلوب وبخاصة: الإنترنت. وفيما يلي سوف نستعرض إدعاءات المنصرين التي زعموا فيها أن القرآن يؤيد ما ادعوه من ألوهية المسيح ﵇.

стр. 8

المبحث الأول: عرض ادعاءات المنصرين على القرآن أنه يؤيد اعتقادهم بألوهية المسيح ﵇ الادعاء الأول:- أن ضمائر الجمع التي تكلم الله بها عن نفسه في القرآن تدل على ألوهية المسيح ﵇ . الادعاء الثاني:- أن المسيح – ﵇ روح من الله -بجعل (مِنْ) للتبعيض - وكلمته التي تجسدت وصارت إنساناً. الادعاء الثالث:- أن المعجزات التي أيد الله بها عيسى – ﵇ وذكرت في القرآن تدل على ألوهية عيسى ولا سيما إحياء الموتى.

стр. 9

المبحث الأول عرض ادعاءات المنصرين على القرآن أنه يؤيد اعتقادهم بألوهية المسيح ﵇ يزعم بعض النصارى، والمنصرين أن القرآن يدل على ألوهية عيسى ﵇ ولهم في ذلك حجج واهيةٌ حاولوا التمسك بها ظناً منهم أنها تؤيد ما يعتقدون، والواقع أنهم سعوا لتسويغ اعتقاداتهم من خلال القرآن الكريم وحملوا آيات الله ما لا تحتمل من المعاني بل كذبوا على الله وعلى كتابه، واغمضوا أعينهم عن محكم القرآن وجنحوا إلى ألفاظ زعموا أنها تمكنهم من الوصول إلى مقاصدهم الفاسدة. وإذا نظر المرء إلى زعمهم هذا في تأييد القرآن لما ادعوه من ألوهية عيسى ﵇ يجد أن افتراءهم هذا منبثق من جملة ادعاءات من أهمها ثلاثة: فالادعاء الأول:- هو: أن ضمائر الجمع التي تكلم الله بها عن نفسه في القرآن تدل على ألوهية المسيح ﵇ لأنها - بزعمهم - تدل على أن الإله ثلاثة أشخاص منهم: المسيح ﵇ فقد كان نصارى نجران "يقولون [عن عيسى ﵇] : هو الله، ويقولون: هو ولد الله، ويقولون: هو ثالث ثلاثة ويحتجون بأنه ثالث ثلاثة بقول الله: فعلنا، وأمرنا، وخلقنا وقضينا فيقولون: لو كان الله واحداً ما قال إلا فعلتُ، وقضيتُ وأمرتُ وخلقتُ ولكنه هو وعيسى

стр. 10

ومريم" (١) ، كما احتجوا على الرسول ﷺ بقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ﴾ (الحجر،: ٩) . قالوا: وهذا يدل على أنهم ثلاثة" (٢) . كذلك ردَدّ عبد المسيح الكندي هذا الزعم حيث يقول - مخاطباً عبد الله الهاشمي-: "وفي كتابك أيضاً شبيه بما ذكرنا من قول موسى، ودانيال عن الله تعالى: فعلنا، وخلقنا، وأمرنا، وأوحينا، وأهلكنا، ودمرنا، مع نظائر لهذه كثيرة" (٣) فحجتهم أن الله تكلم عن نفسه في القرآن بصيغة الجمع ومن ثم زعموا أن ذلك دليل على أن عيسى ﵇ واحد من الذين تدل عليهم الضمائر المذكورة، وأن هذا الجمع إنما هو ثلاثة وزعموا بذلك أن القرآن يدل على ألوهية المسيح ﵇ ويقول المنصر فندر إن "مما لا يصح إغفاله إن القرآن يتفق مع الكتاب المقدس (٤) في إسناد الفعل، وضمير المتكلم في صيغة الجمع إلى الله. وفي القرآن ما ورد في سورة العلق حيث يقول: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ وإنما أوردنا ذلك إشعاراً بأننا لا نخطئ إذا اعتبرنا عقيدة التثليث موافقة لإسناد ضمير الجمع إلى الله في القرآن" (٥) .

стр. 11

الادعاء الثاني:- أن المسيح – ﵇ روح من الله -بجعل (مِنْ) للتبعيض - وكلمته التي تجسدت وصارت إنساناً . ... أما الادعاء الثاني:- فهو: أن المسيح ﵇ روحٌ من الله بجعل (مِنْ) للتبعيض إذ يرونه إلهً من إلهٍ وكلمة الله التي تجسدت - بزعمهم - وصارت إنساناً أي أن كلمة الله هي عيسى ﵇ إلى غير ذلك مما يتعلق بهذا الزعم. يقول عبد المسيح الكندي - مخاطباً عبد الله الهاشمي: "فافهم كيف أوجب [يقصد الرسول ﷺ وقد كذب عليه في ذلك] أن الله ﵎ ذو كلمةٍ وروح، وصرح بأن المسيح كلمة الله تجسدت وصارت إنساناً" (١) . كما يقول منصر آخر: "إذا أردت أن يتغمدك الله [الخطاب موجه لأبي عبيدة الخزرجي ﵀] برحمته، وتفوز بجنته فآمن بالله، وقل: إن المسيح ابن الله الذي هو الله [تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً] . ألم تسمع ما في الكتاب الذي جاء به صاحب شريعتك أنه [أي عيسى ﵇] روح الله وكلمته" (٢) مسقطاً بذلك اعتقاد النصارى المعروف المنصوص عليه في مستهل إنجيل يوحنا في قوله "في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله" (٣) . بجعل الكلمة هي عين عيسى مما يعني أن عيسى هو الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. كما يقول فندر: "توجد بعض الآيات الأخرى التي تعطي له [أي لعيسى] أعظم الألقاب التي لم تعط لغيره فيه [أي في القرآن] البتة، منها:

стр. 12

كلمة الله وهذا اللقب لا يصح أن يسمى به أي مخلوق كان" (١) . لأنه يرى مثل كثير من النصارى اليوم أن كلمة الله - التي هي عندهم عيسى - هي الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. اتباعاً للنص الانجيلي المزعوم السابق. فالمسيح ﵇ كما يزعم الكندي، والعيسوي، وفندر، وغيرهم من النصارى والمنصرين - ليس مخلوقاً وإنما هو إله بل هو الله - تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. والأدهى من ادعائهم هذا - فيما أرى - المناقض للأديان السماوية والفطر السليمة هو البهتان الذي افتروه على الله بأن كتابه العظيم القرآن الكريم يؤيدهم في كفرهم ووثنيتهم هذه.

стр. 13

الادعاء الثالث:- أن المعجزات التي أيد الله بها عيسى – ﵇ وذكرت في القرآن تدل على ألوهية عيسى ولا سيما إحياء الموتى . ... أما الادعاء الثالث:- فهو زعمهم أن المعجزات التي أيد الله بها عيسى – ﵇ التي ذكرت في القرآن تدل على ألوهية عيسى ﵇ ولا سيما إحياء الموتى. وقد كان وفد نصارى نجران الذين وفدوا على الرسول ﷺ "يحتجون في قولهم [عن عيسى بأنه] هو الله بأنه كان يحي الموتى، ويبرئ الأسقام، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طائراً" (٢) أي بالمعجزات التي أيد الله بها عيسى ﵇ والتي ذكرت في القرآن.

стр. 14

كما يقول العيسوي مخاطباً أبا عبيدة الخزرجي: "وفي الكتاب الذي جاء به صاحب شريعتك أنه [أي عيسى] أحيا الموتى وكفى بذلك دليلاً على أنه هو الله" (١) تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. كما أن المنصر المشهور فندر زعم أن ما ورد في القرآن من أن عيسى خلق طيراً من الطين إنما هو من صفات الله وحده ذاهباً إلى أن القرآن يؤيد بذلك ألوهية المسيح (٢) . ويورد المنصر المعاصر يوسف الحداد قولاً مجملاً عن دلالة القرآن على ألوهية المسيح - بزعمه - وتفرده عن غيره من الأنبياء فضلاً عن سائر البشر فيقول: "إن القرآن يقرر بصورةٍ عامة أن المسيح آيةٌ في حداثته، آيه في رسالته، آيه في قداسته وكماله، آية في شخصيته، آية في انفراده، وأن هذه الشخصية في القرآن تسمو على جميع الأنبياء، وأن الآيات بمجملها لا يمكن إلا أن تترك في نفس القارئ فكرة عظيمة عن سمو المسيح حتى لتخرج به عن طبقة البشر وتترك الباب مفتوحاً لاعتقاد النصارى بألوهيته" (٣) . هذه من أبرز الإدعاءات التي زعم المنصرون قديماً وحديثاً إستناداً إليها أن القرآن يؤيد اعتقادهم بألوهية المسيح – ﵇ وقد بدأت منذ عصر الرسول ﷺ كما مر آنفاً - على يد نصارى عرب مثل: وفد نصارى نجران، ثم تبعهم فيما بعد عبد المسيح الكندي، وغيره.

стр. 15

والمنصرون تبعاً لذلك وتطويراً له وصلوا إلى مرحلة خطيرة من التلبيس في عرض بهتانهم هذا وما شابهه على المسلمين، ولا سيما غير المتقنين للعربية. ثم إن هذا الأسلوب أسلوب فكري (هجومي) يخاطب عقل المسلم ويرمي إلى التأثير فيه من خلال مسلماته لزلزلة اعتقاده وإيمانه بربه ، ومحاولة الوصول به في مرحلةٍ تاليةٍ إلى تنصيره إن لم يكن من المرحلة الأولى، ولخطورة هذا الأسلوب وما يتطلبه - فيما يرى الباحث - من مقدمات عامة يُستند إليها في الرد المفصل لاحقاً رُئي نقد هذه الادعاءات التي افتراها المنصرون على كتاب الله في المبحثين الآتيين على نحوٍ مجملٍ أولاً، ثم على نحوٍ مفصل - إن شاء الله تعالى - ثانياً.

стр. 16

المبحث الثاني: رد إجمالي على ما سبق من ادعاءات المنصرين على القرآن: أولاً:- وحدانية الله من خلال القرآن وكتب العهدين . ... المبحث الثاني: رد إجمالي على ما سبق من ادعاءات المنصرين على القرآن: هناك أدلة عامة ومجملة تفند ادعاءات المنصرين بأن القرآن يؤيد ما زعموه من ألوهية عيسى ﵇ سواء من خلال القرآن نفسه أو من خلال التوراة أو الانجيل. وقد رُتبت هذه الأدلة في الموضوعات الآتية: أولاً:- وحدانية الله من خلال القرآن وكتب العهدين. ثانياً:- نفي الألوهية عن عيسى – ﵇ من خلال القرآن والأناجيل. ثالثاً:- بشرية عيسى ﵇ وعبوديته من خلال القرآن والأناجيل. رابعاً:- نبوة عيسى ﵇ ورسالته من خلال القرآن والأناجيل. والآن وقت الشروع في تفصيل هذه الموضوعات:

стр. 17

أولاً: وحدانية الله (١) من خلال القرآن وكتب العهدين: أنزل الله التوراة على رسوله موسى ﵇ وأنزل الإنجيل على رسوله عيسى ﵇ ثم دخلهما التحريف بعد ذلك. وعلى الرغم من هذا إلا أن الموجود منها اليوم فيه ما يدل دلالة واضحة على وحدانية الله وأنه لا يشاركه في ألوهيته أحدٌ لا نبي مرسل ولا ملك مقرب فهما في هذه الجزئية - المصطلح عليها في هذا البحث - يوافقان القرآن الكريم. وفيما يلي عرض لهذه الوحدانية في القرآن أولاً ثم في التوراة والإنجيل: أ- وحدانية الله من خلال القرآن الكريم: إن النصوص الدالة على وحدانية الله في القرآن الكريم كثيرة جداً بل إن القرآن كله ناطق بتوحيد الله ﷻ حق التوحيد، ولكن لاكتمال الرد على المنصرين ولبيان أنهم ينتقون من القرآن ما يزعمون أنه يؤيدهم، وأنه يُمْكِنُ لهم صرفه إلى مرادهم الذي يوافق أهواءهم، ويتركون المحكم الواضح

стр. 18

الذي يُرد عليهم افتراءاتهم، آثرت الاكتفاء بالآيات التي تبين التوحيد بأكثر من طريق وبخاصة تلك الآيات التي ترد على النصارى مبينةً التوحيد ونافية الشريَك عن الله أو ألوهية غيره، أو كونه ثالث ثلاثة، أو أن له ولداً أو اتخذ صاحبة إلى غير ذلك من الآيات المحكمات التي تبين حقيقة التوحيد صافٍ من أدران الشرك والتثليث والبنوة وغيرها. فمن ذلك: ١- يقول الله - تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ (الإخلاص) . فهذه السورة الكريمة نص في أن الله واحدٌ أحد، وأنه لم يلد ولم يولد فليس له ابن لا عيسى ﵇ ولا غيره، ولا يشاركه في وحدانيته أحد. ٢- يقول تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (النحل،: (٥١) . وهنا نهى الله عن اتخاذ إلهين وأبان - سبحانه على الحصر أنما هو إله واحد لا إله غيره. ٣- يقول تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (الأنعام: ١٩) ٤- قال - جل وعلا - ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (الأنبياء: ٢٢) .

стр. 19

٥- وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (التوبة:٣١) . ٦- ويقول - تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً﴾ (الإسراء:٤٢) . ٧- ويقول - تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (المؤمنون:٩١) . ٨- ويقول تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾ (النساء:١٧١) . ٩- وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (المائدة:٧٣) . ١٠- وقال ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (التوبة:٣٠) .

стр. 20

هذه الآيات غيض من فيضٍ، ذلك أن القرآن الكريم مليء بأدلة وحدانية الله وتوحيده حق التوحيد كما هو معلوم لكن منهج النصارى والمنصرين التلبيس والتضليل. ب- وحدانية الله من خلال التوراة: تدل التوراة الحالية على وحدانية الله وفق ما اصطلح عليه سابقاً (١) - بوضوح، ولذا فإن هذه الوحدانية من العقائد الأساسية لليهودية التي تخالف فيها النصرانية الحالية مخالفةً جذرية وتتفق فيها مع الإسلام على سبيل الإجمال. وإن من نصوص التوراة التي تدل على وحدانية الله وأنه الله الذي لا إله غيره ما يلي: ١- جاء في التوراة قوله: "اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحدٌ فتحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل قوتك - الرب الهك تتقي وإياه تعبد وباسمه تحلف، لا تسيروا وراء آلهةٍ أخرى من آلهة الأمم التي حولكم" (٢) . ٢- وجاء فيها: "أنا الرب وليس آخر، لا إله سواي - لكي يعلموا من مشرق الشمس ومن مغربها أن ليس غيري أنا الرب وليس آخر" (٣) . ٣- وجاء فيها: "أليس أنا الرب، ولا إله آخر غيري إلهٌ بار ومخلص ليس سواي" (٤) .

стр. 21

٤- وجاء فيها: "إنك قد أُريت لتعلم أن الرب هو الإله ليس آخر سواه فاعلم اليوم وردد في قلبك أن الرب هو الإله في السماء فوق وعلى الأرض من أسفل ليس سواه" (١) . ٥- وجاء فيها "أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية لا يكن لك آلهة أخرى أمامي" (٢) . فهذه نصوص واضحة في الدلالة على وحدانية الله من خلال التوراة وهي بذلك تتفق مع ماجاء في القرآن الكريم، ولذا تتفق اليهودية مع الإسلام في هذه العقيدة - على نحو عام - بينما تشذ النصرانية الحالية عن هذين الدينين السماويين وتضاهي الذين كفروا من قبل حيث تعتقد بالتثليث بكل ما يستلزمه ذلك من ألوهية لعبد الله ورسوله عيسى بن مريم – ﵇ ومن بنوته لله - تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً - إلى غير ذلك من أمور شركية. ج- وحدانية الله من خلال الأناجيل: على الرغم مما يعتقده النصارى من تثليث وما دخل الأناجيل من تحريف إلا أن في الأناجيل الحالية من الأقوال المنسوبة لعيسى – ﵇ – ما يدل دلالة واضحة على وحدانية الله فمن ذلك: ١- جاء في الإنجيل قوله: "فأجابه يسوع (٣) [عيسى] : إن أول كل الوصايا هي: اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد وتحب الرب إلهك من كل

стр. 22

قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل فكرك، ومن كل قدرتك، هذه هي الوصية الأولى، وثانية مثلها ليس وصية أخرى أعظم من هاتين فقال له الكاتب جيداً يا معلم بالحق قلت لأنه الله واحد وليس آخر سواه" (١) . ٢- جاء فيها قوله "وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك وأن يسوع المسيح الذي أرسلته" (٢) ففي هذا النص بيان واضح أن الله هو الإله الحق وحده فلا إله غيره، كما أن النص أبان أن عيسى ﵇ هو الرسول الذي أرسله الله آنذاك. ولذا يذكر عبد الأحد داود أن هذا النص يشبه قولنا: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله (٣) . وهو كما قال، بل إن هذا النص وحده كافٍ في بيان وحدانية الله من الأناجيل وأن عيسى عبد الله ورسوله. ٣- جاء في الأناجيل -كما زعموا- أن الشيطان طلب من عيسى أن يسجد له فقال له عيسى: اذهب يا شيطان لأنه مكتوب للرب الهك تسجد وإياه وحده تعبد" (٤) . وهذا إيضاح من المسيح ﵇ إن كان النص صحيحا ً- يرد به على الشيطان أنه لا يسجد إلا لله وحده ولا يعبد إلا إياه. وهذا موضح لوحدانية الله في ربوبيته وفي عبادته وموضح لعبودية عيسى وبشريته ﵇.

стр. 23

٤- وجاء فيها قوله: "انا قد أتيت باسم أبي ولستم تقبلونني كيف تقدرون أن تؤمنوا وأنتم تقبلون مجداً بعضكم من بعض والمجد الذي من الإله الواحد لستم تطلبونه" (١) . ٥- وجاء فيها قوله: "قولي لهم: إني أصعد إلى أبي، وأبيكم، وإلهي وإلهكم" (٢) فعيسى ﵇ يصرح أن الله كما أنه إله للحواريين وبني إسرائيل وغيرهم فهو - أيضاً - إلهٌ له ﵇ فالله واحد أحد لا إله سواه وعيسى عبد مربوب لله مثله مثل غيره من الأنبياء والمرسلين يوحد الله كما يجب. ٦- وجاء فيها قوله: " لماذا تدعونني صالحاً ليس أحدٌ صالحاً إلا واحد هو الله" (٣) . وهذا يوضح أن عيسى ﵇ ليس له حظ في الألوهية وليس شريكاً لله وإنما الله واحد أحد لذا أفرد عيسى ﵇ هنا الله - جل وعلا - وحده بالصلاح ونفاه عن نفسه، والله أعلم بالمقصود بذلك إن كان النص صحيحاً. إن هذه النصوص تدل على وحدانية الله في الأناجيل الحالية فهو واحد أحد لا إله غيره وعيسى ليس بإله وإنما إلهه هو الله إله عيسى وإله غيره.

стр. 24

ثانياً: نفي الألوهية عن عيسى – ﵇ من خلال القرآن والأناجيل: إن الآيات التي مرت سابقاً (١) والتي تبين وحدانية الله من خلال القرآن هي نفسها نافية بمفاهيمها ولوازمها لألوهية المسيح ﵇ وبعضها بمنطوقها وكذا ما جاء في التوراة والأناجيل حول وحدانية الله. إلا أن النصارى كثيراً ما يجادلون بالباطل ويتعسفون الأدلة ويؤولونها وفق أهوائهم، ولذا يود الباحث دحض افتراء أن القرآن دال على ألوهية المسيح من خلال طريق آخر سوى ما سبق ألا وهو آيات من القرآن ناطقة بنفي الألوهية عن عيسى نطقاً صريحاً وكذا من خلال الأناجيل لإلزام النصارى والمنصرين من خلال مسلماتهم وما يؤمنون به إن كانوا يعقلون، وذلك كما يأتي: أ- نفي الألوهية عن عيسى من خلال القرآن: جاءت في القرآن آياتٌ محكمات متعددة تنفي الألوهية عن المسيح ﵇ منها: ١- قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ... ﴾ (المائدة:١٧) وانظر (٧٢) . ٢- وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (المائدة: ١١٦) . فهذا عبد الله ورسوله إلى بني

стр. 25

إسرائيل يكذب النصارى في دعوى تأليههم له وينزه الله عن أن يقول قولاً لا ينبغي له أن يقوله وهو أنه دعا النصارى إلى تأليهه. ٣-وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (التوبة:٣١) . ٤- وقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (المائدة: ٧٣) وانظر النساء ١٧١) .فالله واحدٌ أحدٌ ليس معه إله غيره، وهذا تهديد وتحذير من الله للنصارى عن القول بالتثليث وتأليه أحدٍ معه ومن أول ذلك تأليه المسيح ﵇ لأن الخطاب للنصارى. ٥- وقوله تعالى: ﴿ ... وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (التوبه: ٣٠) . فقد شابهوا من كان يقول إن للآلهة أبناء من وثنيي اليونان والرومان وغيرهم من الوثنيين (١) . ٦- وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (مريم: ٣٤-٣٥) .

стр. 26

٧- وقوله: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (المائدة: ٧٥) . يقول ابن تيمية ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ "وهذا من أظهر الصفات النافية للإلهية لحاجة الآكل إلى ما يدخل في جوفه ولما يخرج منه مع ذلك من الفضلات" (١) . ب- نفي الألوهية عن عيسى – ﵇ من خلال الأناجيل: يقوم هذا الموضوع على ما نسب لعيسى ﵇ من أقوال يثبت فيها صفاتٍ وأسماء لله نفاها هو عن نفسه ﵇ فإضافة إلى كل عوارض البشرية التي طرأت على المسيح وتطرأ عليه مما سوف يمر (٢) والدالة على الحدوث والتغير من حالٍ إلى حالٍ وأنه لا يختلف في شيء عن غيره من الرسل إلا ما اختصه الله به. إضافة إلى ذلك جاء في الأناجيل: ١- قوله: "فقال [أي عيسى] لها [لأم ابني زبدي] ماذا تريدين؟ قالت له: قل، أن يجلس ابناي هذان واحداً عن يمينك والآخر عن اليسار في ملكوتك فأجاب يسوع وقال لستما تعلمان ما تطلبان. أما الجلوس عن يميني وعن يساري فليس لي أن أعطيه إلا للذين أعدِّ لهم من أبي" (٣) .

стр. 27

٢- قوله: "فأجاب يسوع وقال لهم الحق أقول لكم لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئاً إلا ما ينظر الأب يعمل" (١) . وقال: "ليس كل من يقول يا رب يدخل ملكوت السموات بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السموات" (٢) . ففي النصوص السابقة نفى عيسى ﵇ القدرة على إدخال من شاء ملكوت الله وأبان أنه لا يدخل ملكوت الله إلا من أراد الله وحده له ذلك وليس ذلك للمسيح لأن مشيئة المسيح تحت مشيئة الله، وقدرته تحت قدرة الله كما في النص - الآنف الذكر - حيث يقول: "لا يقدر الابن [المسيح] أن يعمل من نفسه شيئاً إلا ما ينظر الأب [الله] يعمل" فالله وحده - سبحانه - هو القادر على كل شيء قدرة تليق بجلاله وعظمته. وقد جاء في نص آخر " لأنه ليس شيء غير ممكن لدى الله" (٣) وكذا القول المنسوب إلى المسيح ﵇ نفسه "عند الناس غير مستطاع ولكن ليس عند الله لأن كل شيء مستطاع عند الله" (٤) . أما قدرة المسيح فهي قدرة محدودة تناسب مقامه وليس له إلا ما أقدره الله عليه. ومشيئة المسيح تحت مشيئة الله وبإذن الله كما قال المسيح -فيما نسب إليه-: "يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس ولكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت" (٥) .

стр. 28

٣- نسب إلى عيسى في الإنجيل قوله: "لا يقدر أحد أن يُقبل إلي إن لم يجتذبه الأب الذي أرسلني" (١) . فهنا الاجتذاب أو الهداية هداية توفيق خاصة بالله وليس للمسيح أن يهدي أحداً إلا أن يشاء الله له الهداية على يد المسيح أو غيره. ٤- نسب إلى عيسى قوله: "وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الأب" (٢) وفي نصٍ آخر عن الموضوع نفسه -"إلا أبي وحده" (٣) وهذه النصوص في سياق إخباره لبني إسرائيل عن تهدم الهيكل (٤) . فعيسى هنا يخبر النصارى بأمر مستقبلي- وإن صح النقل عنه فهو بإعلام الله له- وعلى الرغم من هذا حينما سُئل عن وقت التهدم نفى علمه بوقت ذلك وأخبر أنه لا أحد يعلم ذلك لا الملائكة ولا هو ﵇ وإنما الذي يعلم ذلك هو علام الغيوب وحده وهو الله وليس للمسيح من علم الغيب شيء إلا ما أطلعه الله عليه. وجاء في نص آخر "وفي الغد لما خرجوا من بيت عينا جاع فنظر شجرة تينٍ من بعيد عليها ورق وجاء لعله يجد فيها شيئاً فلما جاء إليها لم يجد شيئاً إلا ورقاً لأنه لم يكن وقت التين" (٥) فسبحان الله هذا النص ظاهر جلي في بشرية عيسى – ﵇ ونفي لألوهيته من وجوه منها:

стр. 29

- أنه لا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه الله عليه فلو كان إلهاً - تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً لما كلف نفسه مشقة الذهاب إلى الشجرة الخالية من اثمار التين. - ثم لو كان إلهاً لعلم أن هذا ليس وقت إثمار أشجار التين، فهل يجهل الإله أمراً كهذا؟ - ثم لو كان إلهاً لأمر الشجرة أن تنبت تيناً فأنبتت. -ثم هل الإله يجوع؟ إن هذا نقص في إلههم المزعوم أما الله الإله الحق فهو الغني جل وعلا. ٦- ينسب إلى عيسى قوله: "لو كنتم تحبونني لكنتم تفرحون لأنني قلت أمضي إلى الأب لأن أبي أعظم مني" (١) فعيسى يصرح أن الآب [الله] أعظم منه فهناك فارق كبير عبر عنه بأفعل التفضيل بينه وبين ربه وخالقه وإذا كان عيسى قد نطق بأن الله أعظم منه فإن هذا وفق مفهوم المخالفة يعني أن عيسى أقل من الله، وهو ما يوضح أنه ليس هو الله، ولا ابن الله كما تزعم النصارى حيث يقولون إنه ابن الله الذي هو: (الله في المسيح) (٢) تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. ٧- ينسب إلى عيسى قوله "وإن سمع أحد كلامي ولم يؤمن فأنا لا أدينه [أحاكمه وأحاسبه] لأني لم آت لأدين العالم بل لأخلص العالم من

стр. 30

رذلني فله من يدينه" (١) إذاً يوضح عيسى أن مالك الحساب والجزاء إنما هو غيره فعيسى لا يملك هذا وإنما الذي يملكه هو الله وحده كما يوضحه السياق بعده (٢) ، وكما يوضحه قوله السابق "أبي أعظم مني" وهذا -أيضاً- نفي لألوهية عيسى – ﵇. ٨- قال عيسى "اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم: إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم" (٣) فيُسَمي المؤمنين به (إخوتي) ثم يقول "أبي وأبيكم وإلهي والهكم" فمثله مثل المؤمنين به، ربه الله، وإلهه الله وهذا اعتراف بألوهية الله، وفي الوقت نفسه نفي قوي على لسانه لألوهيته المفتراة على الله ثم عليه ثم كيف يكون هو إله نفسه؟ ٩- جاء في الإنجيل أن "الله لم يره أحد قط" (٤) وقول المسيح عن الله : "لم تسمعوا صوته قط ولا أبصرتم هيئته" (٥) بينما أبصروا المسيح وسمعوا صوته، وكلمهم وكلموه، بل وأكل وشرب معهم وتفل على التراب فعجن الطين وطلى به أعين عُمْيٍ إلى غير ذلك مما سوف يمر (٦) من دلائل بشريته. وهذا كله ينفي الألوهية عن المسيح – ﵇. ١٠- كثرت النصوص الإنجيلية التي توضح أن عيسى كان يدعو الله ويسجد له، ويخضع له، ويصوم له، حتى بلغ صيامه أربعين

стр. 31

نهاراً وأربعين ليلة (١) . وأنه يفعل ما يرضي الله – سبحانه - ويحفظ أقواله (٢) . فلمن يتوجه عيسى ﵇ بهذه العبادات؟ أيعبد عيسى نفسه؟ أم هل يدعو نفسه؟ أم هل يصوم لنفسه؟ هل العابد هو عين المعبود؟ إن هذا محال عقلي، مثبت لعدم ألوهية عيسى ﵊ وأن الإله هو غير عيسى وهو الذي يتوجه له عيسى بأنواع العبادات: أنه الله وحده.

стр. 32

ثالثاً: بشرية عيسى ﵇ وعبوديته من خلال القرآن والأناجيل: ينقسم هذا الموضوع إلى الفقرتين التاليتين: أ- بشرية عيسى ﵇ وعبوديته من خلال القرآن: أخبر الله في القرآن الكريم أن عيسى ﵇ عبد من عبيد الله كما قال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ﴾ (النساء: ١٧٢) . وكما قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً﴾ (مريم: ٣٠) . يقول ابن كثير: "أول شيء تكلم به أن نزه جناب ربه تعالى وبرأه عن الولد وأثبت لنفسه العبودية لربه" (١) . وقد جاء في آيات أخرى قوله ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ (المائدة: ١١٧) .وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (مريم: ٣٦) . فهو إنسان مخلوق خلقه الله كما خلق آدم من تراب قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (آل عمران:٥٩) . وكما قال تعالى - على لسان مريم: - ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (آل عمران: ٤٧) .

стр. 33

فعيسى ﵇ ولد لمريم خلقه الله ووهبه لها كما قال تعالى ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً﴾ (مريم:١٩) . فهو ولد لمريم مخلوق وليس بإله ولا ابن إله فنسبه بشري عائد إلى أمه فهو في القرآن الكريم: المسيح عيسى بن مريم بنت عمران من بني إسرائيل ومن ذرية إبراهيم (١) ومن ذرية نوح (٢) وقد حملت (٣) به والدته كما أراد الرحمن من أم بلا أب ووضعته بعد مخاض (٤) وجاءت به قومها تحمله (٥) ﴿فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً﴾ (مريم: ٢٩) .، وكان يأكل الطعام هو وأمه كما قال تعالى ﴿كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ (المائدة: ٧٥) .بكل ما يعنيه ذلك من حاجة للطعام ولإخراجه والنمو والتحول من حال إلى حال وهو كما خلق من تراب بعد أن لم يكن شيئاً وولد بعد أن كان جنيناً واكتهل بعد أن كان صبياً فسوف يموت بعد نزوله في آخر الزمان (٦) ، ثم يبعث حياً كما قال تعالى على لسان عيسى ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً﴾ (مريم:٣٣) . فهو إنسان يطرأ عليه ما يطرأ على أمثاله من البشر من عوارض. وهو عبد من عباد الله. خلقه الله من أم

стр. 34

بلا أب آية للعالمين ومثلاً لبني إسرائيل. كما قال تعالى ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ (المؤمنون:٥٠) . وكما قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائيلَ﴾ (الزخرف:٥٩) . كما أوصاه الله سبحانه بعبادته مادام حياً كما قال تعالى على لسان عيسى ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً﴾ (مريم:٣١) . فمحكم القرآن يدل على أن عيسى ﵊ إنسان مخلوق خلقه الله كما شاء واقتضته حكمته وهو عبد من عباد الله الذين أنعم الله عليهم ولن يستنكفوا عن عبادته . ب- بشرية عيسى – ﵇ وعبوديته من خلال الأناجيل: تدل الأناجيل الحاليه على بشرية عيسى – ﵇ وعبوديته دلالة بينة حيث جاء في بعضها فيما ينسب إلى عيسى ﵇ قوله: "ولكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله" (١) فعيسى ﵇ وضع نفسه في الموضع اللائق به وهو أنه إنسان رسول يدعوهم ويبلغهم بما أوحاه الله إليه وكفى بذلك دليلاً على بشريته وعبوديته وأنه ليس بإله حيث أثبت بشريته وأثبت لنفسه العبودية والخضوع لمن أرسله وهو الله إلهه وإله بني إسرائيل والخلق أجمعين كما جاء فيما نسب إليه

стр. 35

قوله "إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم" (١) وقوله "إذهب يا شيطان لأنه مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد" (٢) . وفي الأناجيل ما يدل على عبادة عيسى – ﵇ وطاعته لله حيث صام (٣) و"خر على وجهه وكان يصلي قائلاً: يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس ولكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت" (٤) . كما أنه "خرج إلى الجبل ليصلي وقضى الليل كله في الصلاة لله" (٥) . وسبحان الله قضى الليل كله يصلي لخالقه، وإلهه، وربه، فأنى يكون إله، أو يكون هو الله - تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً-؟ أنى يكون العابد هو عين المعبود؟ ولاسيما انه كان "يصلي بأشد لجاجة" (٦) لله . بل جاء -فيما نسب إليه- في الأناجيل أنه قال "لم يتركني الآب وحدي لأني في كل حين أفعل ما يرضيه" (٧) فهو مجتهد في عبادة ربه خاضع له ومطيع له في كل وقت وحين. ثم إن نظرة معاصري عيسى ﵇ له لم تكن إلا على أنه إنسان وليس بإله. من ذلك قوله "أجاب الخدام: لم يتكلم قط إنسان هكذا مثل هذا الإنسان فأجابهم الفريسبون: ألعلكم أنتم أيضاً قد ضللتم. ألعل ناموسنا

стр. 36

يدين إنساناً لم يسمع منه أولاً" (١) . وفي نص آخر "فقالوا له كيف انفتحت عيناك [لرجل أعمى أبصر بإذن الله على يد عيسى] أجاب ذاك وقال: إنسان يقال له يسوع" (٢) . كما أن نسب عيسى ﵇ وفق الأناجيل أنه: المسيح عيسى بن مريم (٣) ، من نسل داود ومن ذرية إبراهيم (٤) - عليهم الصلاة والسلام - خلقه الله من أم بلا أب (٥) بقدرته كما خاطب جبريل مريم ﵉ حيث قال لها: "لأنه ليس شيء غير ممكن لدى الله" (٦) حينما تعجبت واستفهمت من جبريل "كيف يكون هذا [أي الحمل بعيسى وولادته] وأنا لست أعرف رجلاً" (٧) . فأمه مريم وتزعم الأناجيل أن له إخوة وأخوات ممن ادعت أنه زوج أمه (٨) وهو يوسف النجار (٩) ونسيبة أمه - كما جاء في

стр. 37

الأناجيل هي أليصابات أم يحيى ﵇ (١) وهي من بنات هارون وبذلك يحيى وزكريا من قرابة عيسى (٢) . كذلك من أدلة بشرية - عيسى ﵇ كما جاء في الأناجيل: أن أمه حملت به عدة الحمل كاملة، ثم ولدته بعد أن لم يكن شيئاً (٣) ، وختن بعد أن كان أغلفاً (٤) ، واكتهل بعد أن كان صبياً (٥) ، وتعلم القراءة والكتابة. وكتب بإصبعه على الأرض (٦) ، وجاع (٧) ، وطعم (٨) ، بل أكل الفصح مع حواريه (٩) ، كما شرب الماء (١٠) ، ومشى فتعب وتصبب عرقاً حتى بلغ عرقه الأرض (١١) ثم جلس من التعب (١٢) ، وامتطى الجحش (١٣) ، وتفل على الأرض، وصنع من

стр. 38

التفل طيناً، وطلى بالطين عيني الأعمى (١) ، وحزن واكتأب ثم بكى (٢) . وكان يجثو على ركبتيه (٣) ، ويخر على وجهه (٤) إلى الأرض ساجداً لله ، إلى غير ذلك مما جاء في الأناجيل. كما أن من الأمور التي تجلي عبودية عيسى ﵇ وبشريته سوى ما ذكر هنا ما أثبته عيسى ﵇ من أسماء وصفات لله وحده نافياً إياها عن نفسه ﵇ مثل: أن الله هو القادر وحده، وأنه هو الهادي وحده، وأنه هو علام الغيوب، وأنه العظيم ومالك يوم الدين، وأنه لا يُرى في الدنيا إلى آخر مامر (٥) . لذا ولغيره ذكر أبو الوليد الباجي - رداً على راهب من فرنسا - أن عيسى ﵇ "بشر مخلوق وعبد مربوب لا يعدو عن دلائل الحدوث من والتغير من حال إلى حال وأكل الطعام والموت الذي كتب على جميع الأنام. ولو جوزنا كونه ﷺ مع هذه الصفات والأحوال المحدثات إلهاً قديماً لنفينا أن يكون العالم أو شيء مما فيه محدثاً مخلوقاً لأنه ليس في شيء مما ذكرنا من البشر والعالم وما فيه من الحيوان والجماد من دلائل الحدوث غير ما في عيسى ﵇ " (٦) .

стр. 39

إن ما سبق مثبت لبشرية عيسى ﵇ وعبوديته فماذا عن نبوة عيسى ﵇ ورسالته؟ هذا ما سوف يُدرس تالياً.

стр. 40

رابعاً: نبوة عيسى –﵇ -ورسالته من خلال القرآن والأناجيل: ينقسم هذا الموضوع إلى فقرتين:- أ- نبوته ورسالته ﵇ من خلال القرآن: يوضح القرآن أن المسيح عيسى – ﵇ نبي رسول وهو من أولي العزم من الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين (١) . وهذه بعض الآيات الدالة على رسالة عيسى ونبوته: يقول تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ (المائدة: ٧٥) . ويقول تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ﴾ (النساء: ١٧١) . ويقول تعالى على لسان عيسى ﴿وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (آل عمران: ٤٩) .كما يقول تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ... ﴾ (الصف: ٦) . ويقول تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً﴾ (مريم: ٣٠) . فعيسى نبي رسول من رسل الله وظيفته طاعة الله وإبلاغ رسالة ربه التي أرسله بها وأمره بإبلاغها وحث بني إسرائيل على عبادة
следующие страницы →