← Общие книги

Общие книги · id 7515

افتراءات المنصرين على القرآن الكريم أنه يؤيد زعم ألوهية المسيح عليه السلام

علي بن عتيق الحربي

Полный текст (94 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يدين إنساناً لم يسمع منه أولاً" (١) . وفي نص آخر "فقالوا له كيف انفتحت عيناك [لرجل أعمى أبصر بإذن الله على يد عيسى] أجاب ذاك وقال: إنسان يقال له يسوع" (٢) . كما أن نسب عيسى ﵇ وفق الأناجيل أنه: المسيح عيسى بن مريم (٣) ، من نسل داود ومن ذرية إبراهيم (٤) - عليهم الصلاة والسلام - خلقه الله من أم بلا أب (٥) بقدرته كما خاطب جبريل مريم ﵉ حيث قال لها: "لأنه ليس شيء غير ممكن لدى الله" (٦) حينما تعجبت واستفهمت من جبريل "كيف يكون هذا [أي الحمل بعيسى وولادته] وأنا لست أعرف رجلاً" (٧) . فأمه مريم وتزعم الأناجيل أن له إخوة وأخوات ممن ادعت أنه زوج أمه (٨) وهو يوسف النجار (٩) ونسيبة أمه - كما جاء في

стр. 37

الأناجيل هي أليصابات أم يحيى ﵇ (١) وهي من بنات هارون وبذلك يحيى وزكريا من قرابة عيسى (٢) . كذلك من أدلة بشرية - عيسى ﵇ كما جاء في الأناجيل: أن أمه حملت به عدة الحمل كاملة، ثم ولدته بعد أن لم يكن شيئاً (٣) ، وختن بعد أن كان أغلفاً (٤) ، واكتهل بعد أن كان صبياً (٥) ، وتعلم القراءة والكتابة. وكتب بإصبعه على الأرض (٦) ، وجاع (٧) ، وطعم (٨) ، بل أكل الفصح مع حواريه (٩) ، كما شرب الماء (١٠) ، ومشى فتعب وتصبب عرقاً حتى بلغ عرقه الأرض (١١) ثم جلس من التعب (١٢) ، وامتطى الجحش (١٣) ، وتفل على الأرض، وصنع من

стр. 38

التفل طيناً، وطلى بالطين عيني الأعمى (١) ، وحزن واكتأب ثم بكى (٢) . وكان يجثو على ركبتيه (٣) ، ويخر على وجهه (٤) إلى الأرض ساجداً لله ، إلى غير ذلك مما جاء في الأناجيل. كما أن من الأمور التي تجلي عبودية عيسى ﵇ وبشريته سوى ما ذكر هنا ما أثبته عيسى ﵇ من أسماء وصفات لله وحده نافياً إياها عن نفسه ﵇ مثل: أن الله هو القادر وحده، وأنه هو الهادي وحده، وأنه هو علام الغيوب، وأنه العظيم ومالك يوم الدين، وأنه لا يُرى في الدنيا إلى آخر مامر (٥) . لذا ولغيره ذكر أبو الوليد الباجي - رداً على راهب من فرنسا - أن عيسى ﵇ "بشر مخلوق وعبد مربوب لا يعدو عن دلائل الحدوث من والتغير من حال إلى حال وأكل الطعام والموت الذي كتب على جميع الأنام. ولو جوزنا كونه ﷺ مع هذه الصفات والأحوال المحدثات إلهاً قديماً لنفينا أن يكون العالم أو شيء مما فيه محدثاً مخلوقاً لأنه ليس في شيء مما ذكرنا من البشر والعالم وما فيه من الحيوان والجماد من دلائل الحدوث غير ما في عيسى ﵇ " (٦) .

стр. 39

إن ما سبق مثبت لبشرية عيسى ﵇ وعبوديته فماذا عن نبوة عيسى ﵇ ورسالته؟ هذا ما سوف يُدرس تالياً.

стр. 40

رابعاً: نبوة عيسى –﵇ -ورسالته من خلال القرآن والأناجيل: ينقسم هذا الموضوع إلى فقرتين:- أ- نبوته ورسالته ﵇ من خلال القرآن: يوضح القرآن أن المسيح عيسى – ﵇ نبي رسول وهو من أولي العزم من الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين (١) . وهذه بعض الآيات الدالة على رسالة عيسى ونبوته: يقول تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ (المائدة: ٧٥) . ويقول تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ﴾ (النساء: ١٧١) . ويقول تعالى على لسان عيسى ﴿وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (آل عمران: ٤٩) .كما يقول تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ... ﴾ (الصف: ٦) . ويقول تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً﴾ (مريم: ٣٠) . فعيسى نبي رسول من رسل الله وظيفته طاعة الله وإبلاغ رسالة ربه التي أرسله بها وأمره بإبلاغها وحث بني إسرائيل على عبادة

стр. 41

الله كما قال تعالى عن عيسى ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (المائدة: ١١٧) . وكما قال تعالى عن عيسى. ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (آل عمران:٥١) . ب- نبوته ورسالته ﵇ من خلال الأناجيل: كذلك تدل الأناجيل الموجودة اليوم على نبوة عيسى ورسالته فقد جاء في الأناجيل نصوص عدة منها: ١- "أما يسوع فقال لهم: ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه وفي بيته" (١) فهذا مما ينسب إليه من أقوال يشير بها إلى نفسه. ٢- ومما يوضح نظرة بعض المدعويين من بني إسرائيل له وأنه نبي قوله: "ولما سمع رؤساء الكهنة والفريسيون أمثاله عرفوا أنه تكلم عليهم، وإذ كانوا يطلبون أن يمسكوه خافوا من الجموع لأنه كان عندهم مثل نبي" (٢) . ٣- وقوله "ولما دخل أورشليم أرتجت المدينة كلها قائلة من هذا فقالت: الجموع هذا يسوع النبي الذي من ناصرة الجليل" (٣) . ٤- مر بنا قول عيسى ﵇ "وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع الذي أرسلته" (٤) .

стр. 42

٥- وقوله: "فنادى يسوع وهو يعلم في الهيكل قائلاً: تعرفونني وتعرفون من أين أنا ومن نفسي لم آت بل الذي أرسلني هو حق الذي أنتم لستم تعرفونه أنا أعرفه لأني منه وهو أرسلني" (١) . فهذا من أقواله التي يوضح فيها أنه رسول من رسل الله. إن ما سبق من نصوص تدل على نبوة عيسى ﵇ ورسالته من خلال الأناجيل على أن هناك نصوصاً أخرى تضيف إلى ما سبق بيان مهمة عيسى ﵇ ووظيفته التي أرسله الله من أجلها ألا وهي الدعوة إلى الله وإلى عبادته وطاعته وإبلاغ ما أمره الله أن يبلغه لبني إسرائيل من دين الله الذي أنزل على يديه آنذاك وهو النصرانية الصحيحة الموحدة التي نسخها الله بالإسلام ولذا يسمى عيسى في الأناجيل معلم (٢) . وهي وظيفة الرسل حيث يعلمون الناس الخير ويبلغونهم دين الله . وإن النصوص الدالة على ذلك: ١- قول الإنجيل "وبعدما أسلم يوحنا جاء يسوع إلى الجليل يكرز [يدعو] ببشارة ملكوت الله ويقول قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالإنجيل (٣) " فهاهو عيسى يدعو بني إسرائيل إلى التوبة والإنابة إلى الله والإيمان بالإنجيل كتاب الله الذي أنزله عليه.

стр. 43

٢- قوله "فقال لهم إنه ينبغي لي أن أبشر المدن الأخر أيضاً بملكوت الله لأني لهذا قد أرسلت فكان يكرز في مجامع الجليل" (١) . ٣- قوله "فقال لهم لنذهب إلى القرى المجاورة لأكرز هناك أيضاً لأني لهذا خرجت" (٢) . ٤- وجاء في الإنجيل قوله: "كان يسوع يطوف كل الجليل يعلم في مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت (٣) " ٥- كما جاء قوله "حينئذٍ ابتدأ يوبخ المدن التي صنعت فيها أكثر قواته [المعجزات التي أظهر الله على يديه] لأنها لم تتب: ويلٌ لك يا كورزين، ويل لك يا بيت صيدا. وأنت يا كفرنا حوم" (٤) . ٦- جاء قوله "ينبغي أن أعمل أعمال الذي أرسلني مادام نهار، يأتي ليل حين لا يستطيع أحد أن يعمل" (٥) . ٧- قوله "لأني لم أتكلم من نفسي لكن الآب الذي أرسلني هو أعطاني وصية ماذا أقول وبماذا أتكلم وأنا أعلم أن وصيته هي حياة أبدية فما أتكلم أنا به فكما قال لي الآب هكذا أتكلم" (٦) . يصدق هذا ما جاء في القرآن على لسان عيسى ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ (المائدة:١١٧) .

стр. 44

فعيسى عليه - الصلاة والسلام - كما تدل عليه الأناجيل نبي رسول جاء لإبلاغ بني إسرائيل رسالة ربه ليتوبوا من معاصيهم وآثامهم ويتبعوا كتاب الله الذي أنزله الله عليهم آنذاك على يد عيسى وهو الإنجيل. هذه ردود مجملة وسوف يتكلم فيما يأتي على الردود المفصلة.

стр. 45

المبحث الثالث: رد تفصيلي على ما سبق من ادعاءات المنصرين على القرآن المطلب الأول: الرد على ادعاء المنصرين أن ضمائر الجمع التي تكلم الله بها عن نفسه في القرآن تدل على ألوهية المسيح . ... المبحث الثالث: رد تفصيلي على ما سبق من ادعاءات المنصرين على القرآن سبق ذِكْرُ ادعاءات ثلاثة (١) يعرضها النصارى والمنصرون على أنها أدلة لهم يستندون إليها في زعمهم أن القرآن يؤيد ألوهية المسيح ﵇. وفي هذا المبحث سوف تُدرس هذه الادعاءات ويُرد عليها على نحو مفصل كما يأتي: المطلب الأول: الرد على ادعاء المنصرين أن ضمائر الجمع التي تكلم الله بها عن نفسه في القرآن تدل على ألوهية المسيح. المطلب الثاني: الرد على ادعاء المنصرين أن المسيح روح من الله -بجعل من للتبعيض- وكلمته التي تجسدت وصارت إنساناً. المطلب الثالث: الرد على ادعاء المنصرين أن المعجزات التي أيد الله بها عيسى والتي ذُكرت في القرآن ولاسيما إحياء الموتى دليل على ألوهية المسيح. وهذا أوان دراسة هذه الادعاءات والرد عليها تفصيلاً.

стр. 46

المطلب الأول: الرد على ادعاء المنصرين أن ضمائر الجمع التي تكلم الله بها عن نفسه في القرآن تدل على ألوهية المسيح: يزعم النصارى والمنصرون أن ضمائر الجمع التي تكلم الله بها عن نفسه في القرآن مثل: إنا، ونحن، ونا الفاعلين، وضمائر المتكلمين المستترة وجوباً. إلخ - تدل على ثلاثة آلهة أحدهم المسيح ﵇ الذي يسعون لإثبات ألوهيته من خلال آيات القرآن. وادعاؤهم هذا قال به نصارى نجران -كما مر- (١) ويقول به غيرهم من المنصرين إلى اليوم. وضمائر الجمع الآنفة الذكر إما أن تكون دالة من حيث اللغة على الظاهر وهو الجمع، أو دالة على غيره وهو المفرد أو المثنى: ففي الحالة الأولى وهي: دلالة ضمائر الجمع على ظاهرها (الجمع) فإن هناك أموراً عدة منها: ١- ماحد الجمع حينئذ؟ إن حد الجمع لغةً: ثلاثة فما زاد، أو اثنان فما زاد (٢) . فإن كان أقل الجمع اثنين فإنه لا حجة للنصارى والمنصرين البتة في ظاهر ضمائر الجمع حينئذ ويكون ذلك هادماً لادعائهم من أركانه. وإذا كان أقل الجمع ثلاثة فإنه ظاهر الضمائر حينئذ يدل على الثلاثة فما زاد أي: ثلاثة أو أربعة، أو خمسة، أو ألف، أو ألف ألف..إلخ. فما المسوغ الذي

стр. 47

حصر الجمع في الثلاثة فقط؟ إنه لا يوجد مسوغ واحد في القرآن قد يوحي ولو من بعيد بأن ضمائر الجمع المذكورة آنفاً يمكن أن تدل حصراً على الثلاثة ولا يمكن أن يوجد ذلك في القرآن لأن مما يبطل احتمال وجود هذا ويجتثه من جذوره: الآيات المحكمات الواضحات الكثيرة الدالة على وحدانية الله ونفي الشريك معه بعامة ونفي ألوهية المسيح وبنوته بخاصة، فليس لدى النصارى أي مسوغ من خلال القرآن لدعواهم هذه وإنما هي معتقداتهم النصرانية أرادوا إنزالها على آي القرآن الكريم تعسفاً ومغالطة. وخلو دعواهم من الدليل أو المسوغ الذي يحصر الضمائر في ثلاثة يفتح الباب عليهم، فلو ادعى مدع أنها كما تدل على التثليث تدل على التربيع أو التخميس أو التسديس. إلخ وهو ظاهر الجمع لما استطاعوا دفع ذلك على نحو مقبول، مما يبطل دعواهم ومزاعمهم في حصر دلالة الجمع على الثلاثة فقط. وحينئذ تتساوى الدلالات والاحتمالات مع عدم وجود مرجح أو قرينة تؤيد هذا دون ذاك، فتكون ضمائر الجمع الآنفة الذكر حينئذ قابلة لما سبق ذكره من التثليث أو التسبيع. إلخ. فيبطل وجه استشهادهم بضمائر الجمع على ألوهية المسيح فيما لو قلنا على سبيل الفرض إنها على ظاهرها. ٢ - لنفترض - جدلاً - أن ضمائر الجمع تدل على الثلاثة حصراً فما طبيعة هذا الجمع حينئذ؟ وما كنهه؟ وما معنى ذلك؟ لو قال قائل نحن فعلنا كذا وكذا. أليست الدلالة اللغوية حينئذ - بعد افتراضنا حصر الجمع في الثلاثة - هي أن هؤلاء الجماعة (الثلاثة) الذين يدل عليهم الضمير (نحن) هم: ثلاثة ذوات: المتكلم ومعه أثنان آخران غيره: أليسوا هم: فلاناً بكل ماله من هيئة وخلقه، وصفات وشخصية. إلخ وفلاناً بكل

стр. 48

ماله من طول، وعرض، وصفات وملامح تختلف عن الأول. إلخ، وفلاناً الثالث المختلف في ذاته وملامحه. إلخ عن الاثنين السابقين، مما يجعل الضمير يدل على ثلاثة ذوات منفصل بعضها عن بعض، لذا يقول عبد الرحمن الجزيري: "لنفرض أن ذلك الضمير للجماعة بخصوصها فإنما يدل على جماعةٍ متعددةٍ متباينةٍ كما إذا قال شخص: قمنا أو قعدنا وكان معه غيره فإنه لا يفهم منه لغة إلا أن المتكلم معه زيد وعمرو وهما غيره، فمن أين يأتي هذا الاتحاد والتركيب المزجي" (١) ؟ كما يقول ابن تيمية: "وقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ﴾ لفظ يقع في جميع اللغات على من كان له شركاء وأمثال وعلى الواحد" (٢) . ولذلك إن كان الضمير – فرضاً - دالاً على الثلاثة فإنه يعني - كما مر - ثلاثة ذوات مختلفة إحداهن عن الأخريين. وهذا أمر يرفضه النصارى أنفسهم إذ يتناقض مع ما يعتقدونه من أن إلههم ذات واحدة وليس ثلاثة ذوات، وتفصيل اعتقادهم - كما هو معروف - ثلاثة أقانيم في ذات واحدة في مصادمة للعقل والمنطق لا يقبلها سليم عقل البتة، بينما ضمائر الجمع تدل على ثلاثة ذوات متغايرة، وذلك بعد افتراضنا الحصر على الثلاثة. وعليه ليس للنصارى مُتمسَّك في ضمائر الجمع إن دلت على ظاهرها لأنها سوف تدل على اثنين فأكثر دون وجود مسوغٍ يحصر الدلالة في الثلاثة وهذا كما مر آنفاً مسقط لدعواهم.

стр. 49

فإن حصرت فرضا في ثلاثة دلت على ثلاثة ذوات متباينة ومتغايرة، وهو كسابقه مسقط لدعواهم في محاولة إثبات التثليث من خلال الضمائر الآنفة الذكر ومن ثم محاولة إثبات ألوهية عيسى ﵇ من خلال القرآن الكريم. فكيف إذا كانت هناك مسوغات بل آيات محكمة وحجج وبراهين قاطعة من القرآن والتوراة والأناجيل تجعل ضمائر الجمع - آنفة الذكر - تدل بداهة على خروجها عن ظاهرها إلى ما يخالف الظاهر فتدل حينئذ على وحدانية الله وأنه لا شريك له وأنه واحدٌ أحدٌ صمدٌ لم يلد ولم يولد، وأن عيسى عبد الله ورسوله، بشرٌ مخلوق من تراب مثله كمثل آدم ﵉ وليس إلهاً ولا ابن إله وأنه سوف يموت. إلخ إن ذلك وحدة كافٍ في إيضاح وجهة دلالة ضمائر الجمع الآنفة الذكر وأنها تدل على الوحدانية ليس إلا. فكيف إذا انضاف إلى ذلك أن من الأساليب العربية الفصيحة الشائعة في اللغة استخدام ضمائر الجمع للدلالة على غير الجمع ولاسيما المفرد؟ وهذا ما يدعو إلى دراسة الحالة الثانية تفصيلاً. وهي:- خروج ضمائر الجمع عن الظاهر (الجمع) إلى غيره ولاسيما المفرد: وهنا موضوعان: الأول: ما يقوله بعض علماء اللغة عن هذا الأسلوب والشواهد اللغوية المستخرجة من القرآن الكريم، والشعر الجاهلي. الأخر: النصوص اللغوية التوراتية والإنجيلية في الموضوع نفسه.

стр. 50

أما عن الموضوع الأول فهناك نقاط عدة منها: ١-– أن هذا أسلوب سائغ لغة يقول ابن قتيبة "ومنه [أي من خروج ضمير الجمع عن ظاهره إلى ما يخالف الظاهر] أن يخاطب الواحد بلفظ الجمع كقوله سبحانه ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ (المؤمنون: ٩٩) . وأكثر من يخاطب بهذا الملوك لأن مذاهبهم أن يقولوا: نحن فعلنا يقوله منهم يعني نفسه فخوطبوا بمثل ألفاظهم" (١) . كما يقول ابن فارس ﵀: - "ومن سنن العرب مخاطبة الواحد بلفظ الجمع فيقال للرجل العظيم: انظروا في أمري وكان بعض أصحابنا يقول: إنما يقال هذا لأن الرجل العظيم يقول: نحن فعلنا: فعلى هذه الابتداء خوطبوا في الجواب" (٢) . فهل هناك من هو أعظم من مالك الملك وأولى منه بمثل هذا الأسلوب؟ يقول ابن تيمية ﵀ إن ضمير الجمع يقع "على من كان له شركاء وأمثال وعلى الواحد المطاع العظيم الذي له أعوان يطيعونه وإن لم يكونوا شركاء ولا نظراء، والله تعالى خلق كل ما سواه فيمتنع أن يكون له شريك أو مثيل والملائكة وسائر العالمين جنوده تعالى. فإذا كان الواحد من الملوك يقول: إنا ونحن ولا يريدون أنهم ثلاثة ملوك فمالك الملك رب العالمين، ورب كل شيء ومليكه هو أحق بأن يقول: إنا ونحن مع أنه ليس له شريك، ولا مثيل بل له جنود السموات والأرض" (٣) .

стр. 51

٢ - اللغة العربية مليئة بالشواهد على خروج ضمائر الجمع عن ظاهرها للدلالة على المفرد ومن ذلك ما في الشعر الجاهلي: يقول امرؤ القيس - حين رأى قبر امرأة في سفح جبل عسيب الذي مات عنده:- أجارتنا إن الخطوب تنوب ... وإني مقيم ما أقام عسيب أجارتنا إنا غريبان ههنا ... وكل غريب للغريب نسيب فإن تصلينا فالقرابة بيننا ... وإن تصرمينا فالغريب غريب أجارتنا ما فات ليس يؤوب ... وما هو أتٍ في الزمان قريب" (١) ويقول عمرو بن كلثوم متغزلاً: قفي قبل التفرق يا ظعينا ... نخبرك اليقين وتخبرينا قفي نسألك هل أحدثت صرما ... لوشك البين أم خنت الأمينا (٢) ويقول زهير بن أبي سلمى مخاطباً هرم بن سنان والحارث بن عوف: سألنا فأعطيتم وعُدْنا فعدتمُ ... ومن اكثر التَّسْآل يوماً سيحرمِ (٣) ويقول الحارث بن حلِّزة متغزلاً:- آذَنتنا ببَيْنِها أسماء ... رب ثاوٍ يمل منه الثواء (٤)

стр. 52

ويقول الجميح: منقذ بن الطماح في زوجته: أمست أمامة صمتاً ما تكلمنا ... مجنونة أم أحست أهل خَرُّوبي فإن تقري بنا عيناً وتختفضي ... فينا وتنتظري كري وتغريبي (١) فضمائر المتكلمين في: أجارتنا، وتصلينا، وتصرمينا، ونخبرك، وتخبرينا، ونسألك وسألنا وعدنا وآذنتنا، كلها ضمائر جمع للمتكلمين قصد بها الواحد كما هو واضح من السياق. ٣- من الشواهد اللغوية في القرآن التي استخدمت فيها ضمائر الجمع للدلالة على غير الجمع مع أن الضمائر فيها تعود إلى غير الله ما يأتي: قوله تعالى ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ (الأنبياء: ٧٨) . وقوله تعالى ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (فصلت: ١١) .فالضمير في قوله (لحكمهم) ضمير جمع يدل على المثنى وليس على الثلاثة فأكثر ولا على الواحد وكذلك ياء الجماعة في (طائعين) ومثل ذلك قوله (أتينا) هذه بعض أمثلة استخدام ضمائر الجمع للدلالة على المثنى. أما استخدام ضمائر الجمع في القرآن للدلالة على المفرد فشواهدها: قوله تعالى عن الخضر ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ

стр. 53

رُحْماً﴾ (الكهف: ٨٠-٨١) .. وقال تعالى ﴿قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُكْراً وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً﴾ (الكهف: ٨٦-٨٨) . وقال تعالى ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ (النمل: ١٦) . فالضمائر في: (فخشينا) و (فأردنا) و (نعذبه) و (سنقول) و (أمرنا) و (علمنا) و (أوتينا) ضمائر جمع تدل على واحد وليس على اثنين أو ثلاثة أو أكثر. ٤- من العجيب ان عبد المسيح الكندي نفسه استخدم ضمير الجمع للدلالة على المفرد على نفسه هو في عرض شبهته نفسها حيث قال: "وشبيه بما ذكرنا" (١) . وهذا في رسالته كثير فهل هو ثالث ثلاثة؟ وهكذا القسيس فندر حيث قال:"وإنما أوردنا ذلك إشعاراً باننا لا نخطئ" (٢) إن هذا دليل على أن هذا الأسلوب شائع مستخدم بكثرة ولاسيما في الكتب وعند الكتاب ويجري في سليقة العرب وسنن العربية قديماً وحديثاً وليس فيه أدنى غرابة أو شبهة لكن النصارى قوم مُلبسون.

стр. 54

أما الموضوع الآخر: فهو نصوص لغوية من خلال التوراة والأناجيل تدل على المفرد أو المثنى وهي في صورة الجمع: أولاً: شواهد توراتية وهي إما أن تدل: على المفرد أو على المثنى: أ) شواهد تدل على المفرد منها: (١) جاء في سفر التكوين "وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا" (١) . (٢) وجاء فيه: "وقال الرب الإله هو ذا الإنسان قد صار كواحدٍ منا" (٢) . (٣) وجاء فيه "هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم" (٣) . فهذه ضمائر جمع تدل على المفرد وعلى الرغم من أن النصارى قد يحرفونها كما حاولوا ذلك في القرآن إلا أن مما يوضح دلالتها على المفرد النصوص التوراتية التي تدل على الوحدانية - كما مر سابقاً - (٤) كما يؤيد ذلك أن اليهود الذين نزلت التوراة بلغتهم على مختلف عصورهم وتعدد أنبيائهم ما فهموا من ضمائر الجمع هذه إلا دلالتها على المفرد إذ إن ذلك هو معتقد الدين اليهودي كما هو معروف.

стр. 55

(٤) جاء في نشيد الإنشاد "ارجعي ارجعي يا شولميت ارجعي ارجعي فننظر إليك" (١) . وسياق هذا النص تشبيب من حبيب بمحبوبته ودلالة هذا النص على الواحد واضحة جداً إذ يقوله محب – بزعمهم - في محبوبته، وسياق هذا السفر كله غزلي. ب) شواهد تدل على المثنى: جاء في العهد القديم قوله " تعال يا حبيبي لنخرج إلى الحقل ولنبث في القرى لنبكرن إلى الكروم لننظر هل أزهر الكرم" (٢) . وقوله "اجذبني وراءك فنجري" (٣) فهذه ضمائر جمع أريد بها المثنى كما هو واضح من السياق. ثانياً: شواهد إنجيلية: من الشواهد الإنجيلية لاستخدام ضمائر المتكلمين التي تدل على الفرد: قول بولس: "كما هو مكتوب أحببت يعقوب وأبغضت عيسو فماذا نقول ألعل عند الله ظلماً حاشا" (٤) . ويقول أيضاً: "إذاً نحسب أن الإنسان يتبرر بالإيمان بدون أعمال الناموس. أفنبطل الناموس بالإيمان حاشا بل نثبت الناموس" (٥) . ويقول أيضاً: "فماذا نقول إن أبانا إبراهيم قد وجد حسب

стр. 56

الجسد" (١) . ويقول: "فماذ نقول إن الأمم الذين لم يسعوا في أثر البر أدركوا البر الذي بالإيمان" (٢) . بل قال بولس: "لذلك أردنا أن نأتي إليكم أنا بولس مرة ومرتين وإنما عاقنا الشيطان" (٣) . فقوله: (فماذا نقول) و (نحسب) و (أفنبطل) و (نثبت) و (أردنا) و (نأتي) و (عاقنا) تشتمل على ضمائر جمع مستترة وجوباً أو ضمائر ظاهرة أسندت إلى أفعال وهي تدل على مفرد هو بولس وحده وليس ثلاثة هو ثالثهم. وهكذا نرى أن من الأساليب المعهودة في اللغة العربية التي نزل بها القرآن وترجمت إليها التوراة والإنجيل استخدام ضمائر الجمع للدلالة على المثنى أو على المفرد فقط وقد استخدمت لتعود إلى غير الله مما يبين فساد دعوى النصارى والمنصرين في أن ضمائر الجمع المسندة لله في القرآن تدل على ألوهية عيسى ﵇ بزعم دلالتها على التثليث، وإنما هو أسلوب من أساليب التعظيم أولى به الخالق من كل مخلوق، واستخدامه جرى على لسان العرب كثيراً حتى النصارى -كما مر- وهو إلى اليوم معهود غير مستغرب سواء في مخاطبات الملوك أو غيرهم.

стр. 57

المطلب الثاني: الرد على ادعاء المنصرين أن المسيح روح من الله -بجعل من للتبعيض- وكلمته التي تجسدت وصارت إنساناً . ... المطلب الثاني: الرد على ادعاء المنصرين أن المسيح روح من الله-بجعل مِنْ للتبعيض- وكلمة الله التي تجسدت وصارت إنساناً: يزعم المنصرون أن (الكلمة) هي عيسى ﵇ وإدعاؤهم هذا تابع من إسقاط اعتقاداتهم ومعانيهم الباطلة على الآيات التالية أو بعضها: قوله تعالى ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾ (النساء: ١٧١) .. وقوله تعالى ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً﴾ (مريم:١٧) . وقوله تعالى ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء:٩١) . وقوله تعالى ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ (التحريم:١٢) . وقوله تعالى ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (آل عمران:٣٩) . وقوله تعالى ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ (آل عمران:٤٥) .

стр. 58

وادعاءات المنصرين هنا تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: ما يتعلق بكون عيسى كلمة الله أو كلمة من الله. والقسم الثاني: ما يتعلق بكون عيسى روحاً من الله أو روح الله. أما القسم الأول ففيه نقاط عدة: أ - زعم الكندي أن القرآن "صرح بأن المسيح كلمة الله تجسدت وصارت إنساناً" (١) . فهو يشير إلى معتقد النصارى المعروف وهو أن عيسى هو الكلمة والكلمة هي الله فعيسى هو الله - تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا - وهذا صريح في إنجيل يوحنا كما مر سابقاً (٢) . ونِسبة هذا الكفر إلى القرآن بهتان عظيم وكذب صريح على القرآن المحفوظ كما أنزل فليأت النصارى بنص يدل على هذا المعنى الباطل. إنما الذي في القرآن ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (آل عمران:٥٩) .. فمن الواضح أن عيسى مخلوق ليس هو الكلمة (كن) وإنما بها كان وسمي بكلمة الله لأنه بها خُلق وليس له أب وسوف يمر بنا هذا تفصيلاً (٣) . ب - آية سورة النساء - السابق ذكرها (١٧١) - تكفي وحدها للرد على إدعاءات النصارى واستنتاجاتهم المزعومة من خلال قوله تعالى ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ أو ﴿ِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ أو ما يشاكل ذلك من الآيات.

стр. 59

فالآية تدل على أمور منها: ١) نهي النصارى عن الغلو في دينهم وتحذيرهم بأن لا يقولوا على الله إلا الحق ومن أول ذلك: عدم الغلو في المسيح فهو ليس إلا رسول الله وعبد من عبيده. ٢) نسبت الآية عيسى نسباً بشرياً بيناً إلى أمه مريم بنة عمران ﵉. ٣) حذر الله النصارى عن أن يقولوا بالتثليث ومنه إدخال عيسى واحداً من الثلاثة المزعومين بإعتباره أنه إله منهم. ٤) أوضحت الآية على سبيل الحصر أن الله ليس إلا إلهاً واحداً منزهاً عن أن يكون له ولد وهذا يرد على إدعائهم أن عيسى ابن الله. ٥) هذه الآية حجة برهانية قاطعة تثبت بلغة الأرقام أن الله واحد أحد وحدانية لا يشوبها أدنى احتمال للشراكة معه وذلك من خلال نفيها للثلاثة والتثليث وإثباتها في الوقت نفسه أن الله واحد احد صمد لم يلد ولم يولد وليس واحداً في ثلاثة أو ثلاثة في واحد مع تحذير النصارى عن القول بالتثليث وتوعدهم على القول به. ٦) أبانت الآية أن عيسى ﵇ كلمة الله ألقاها إلى مريم فما المقصود بأنه كلمة الله؟ أو كلمة منه؟ يقول الإمام أحمد ﵀ "المعنى في قوله جل ثناؤه ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ (النساء:١٧١) .فالكلمة التي ألقاها إلى مريم: حين قال له كن، فكان عيسى بكن وليس عيسى هو كن،

стр. 60

ولكن بكن كان. فالكن من الله قول، وليس الكن مخلوقاً. وكذب النصارى والجهمية على الله في أمر عيسى. وقلنا نحن إن عيسى بالكلمة كان وليس عيسى هو الكلمة" (١) . ويقول أبو عبيد القاسم بن سلام: "وأما المسيح فالمراد أن الله خلقه بكلمة لا أنه هو الكلمة لقوله ﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ ولم يقل ألقاه ويدل عليه قوله تعالى ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ " (٢) وكذلك قال شاذان بن يحيى: "ليس الكلمة صارت عيسى ولكن بالكلمة صار عيسى" (٣) . كما يقول ابن كثير - في قوله تعالى – ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ : "أي إنما هو عبد من عباد الله وخلق من خلقه قال له كن فكان، ورسول من رسله وكلمته ألقاها إلى مريم أي خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل – ﵇ إلى مريم فنفخ فيها من روحه بإذن ربه وكانت تلك النفخة التي نفخها في جيب درعها فنزلت حتى ولجت فرجها بمنزلة لقاح الأب الأم والجميع مخلوق لله ولهذا قيل لعيسى إنه كلمة الله وروح منه لأنه لم يكن له أب تولد منه وإنما

стр. 61

هو ناشئ عن الكلمة التي قال له بها كن فكان والروح التي أرسل بها جبريل" (١) . كما يقول ابن كثير - في تفسير قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ (آل عمران:٤٥) .: "أي بولد يكون وجوده بكلمة من الله أي يقول له كن فيكون وهذا تفسير قوله ﴿مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ﴾ كما ذكر الجمهور" (٢) . ويقول ابن جرير: "قال آخرون: بل هي [أي قوله كلمة منه] اسم لعيسى سماه الله بها كما سمى سائر خلقه بما شاء من الأسماء" (٣) . ويروي بإسناده عن قتادة أنه قال:"قوله ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ قال: قوله ﴿كُنْ﴾ فسماه الله كلمته لأنه كان عن كلمته" (٤) . وقال أبو عبيد: "كلمته: كن فكان" (٥) . وكلمة الله التي قيلت لعيسى في القرآن وسمي بها هي مضافة إلى الله وقد قسم ابن تيمية ﵀ المضاف إلى الله تعالى إلى قسمين: إضافة صفات وإضافة أعيان "فالصفات إذا أضيفت إليه تعالى كالعلم والقدرة والكلام والحياة والرضا والغضب ونحو ذلك دلت الإضافة على أنها إضافة وصف له قائم به ليست مخلوقة لأن الصفة لا تقوم بنفسها ولابد لها من موصوف تقوم به، فإذا أضيفت إليه علم أنها صفة له لكن قد يعبر باسم

стр. 62

الصفة عن المفعول بها، فيسمى المقدور قدرة والمخلوق بالكلمة كلاماً والمعلوم علماً والمرحوم به رحمة" (١) .فعيسى ﵇ ليس هو عين الكلمة وإنما قيل له كلمة الله لأنه خلق بالكلمة ولم يكن له أب تولد منه وإنما هو ناشئ ومخلوق عن الكلمة: كن. ثم إن الإضافة من حيث اللغة "نسبة بين اسمين" (٢) . ويشترط فيها أن "لا يضاف الاسم إلى مرادفه فلا يقال: ليث أسدٍ" (٣) . بينما يزعم النصارى أن عيسى هو الكلمة وأن الكلمة هي الله (٤) مما يعني تبعا لذلك أن اسم عيسى ولفظ الجلالة (الله) اسمان ومسميان مترادفان عند النصارى - والعياذ بالله - تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً مما يبطل هذه الإضافة لغة وعقلاً لأنها حينئذ حسب اعتقاد النصارى تصبح مكونة من اسمين مترادفين ولا تصح هذه الإضافة إلا إذا كانت تدل على اسمين وذاتين يختلف كل منهما عن الأخرى. ثم من جهة أخرى فإن هذا التركيب المكون من المضاف والمضاف إليه يدل لغة على معنى يختلف عن المقصود بالمضاف إليه وحده فقط، أو بالمضاف فقط فإذا قلنا: محمد رسول الله ﷺ فإن المراد بالتركيب الإضافي في هذه الجملة - وهو قولنا (رسول الله) - المكون من المضاف (رسول) ومن المضاف إليه لفظ الجلالة (الله) هو رسول الله محمد بن عبد الله ﷺ الإنسان المخلوق،

стр. 63

أما المضاف إليه وحده فإنه لفظ الجلالة إسم الله وشتان مابين الرسول المخلوق والمرسِل الخالق فالمضاف إليه يدل على مسمى معين والتركيب من المضاف والمضاف إليه يدل على مسمى آخر مختلف كلياً عن ما يدل عليه المضاف إليه. وهذا يعني من حيث اللغة أن: كلمة الله (المضاف والمضاف إليه) التي قيلت لعيسى والتي هي اسم له ﵇ ليست هي المضاف إليه هنا وهو لفظ الجلالة (الله) فهذان اسمان يدلان على ذاتين مختلفتين ذات عيسى المخلوقة التي تليق ببشريته وذات الخالق التي تليق بجلاله وعظمته وشتان مابين ذات الخالق وذات المخلوق. فكل ما في الأمر أن (كلمة الله) قيلت لعيسى ﵇ اسماً له لأنه مخلوق بالكلمة كما مر فادعاء النصارى أن الكلمة تجسدت وصارت عيسى أمر مكذوب على القرآن لأنه يدل على أن عيسى بها صار ولم يكن هو الكلمة. فعيسى – ﵇ مخلوق وكلمة الله: كن ليست مخلوقة. فهذه اعتقادات النصارى حاولوا تلبيساً إنزالها على بعض نصوص القرآن والقرآن بريء من ذلك إضافة إلى عدم قبول اللغة لهذا وكذا العقل بل إن أسفار العهد الجديد توافق هذا حيث جاء في بعضها قوله " ويدعى [أي عيسى] اسمه كلمة الله" (١) . وقد شرح أحد النصارى المقصود بكلمة الله التي وردت في بعض النصوص (٢) بأنها ما جاءت في التوراة في قوله "قال فكان هو أمر فصار" (٣) .

стр. 64

وقوله "قال الله ليكن نور فكان نور" (١) . فكلمة الله هنا مع الانتباه إلى سوء الترجمة إنما هي: كن فيكون. هذا فيما يتعلق بكلمة الله. أما إن زعم المنصرون والنصارى أن (مِنْ) في قوله تعالى "بكلمة منه" للتبعيض فإنه ليس لهم متمسك في هذا البتة، إذ إن (مِنْ) في الآية ليست للتبعيض كما يزعم بعض النصارى لأن "علامتها إمكان سد بعض مسدها" (٢) ولكنها لابتداء الغاية "وهو الغالب عليها حتى ادعى جماعة [كما يذكر ابن هشام] . أن سائر معانيها راجعة إليه" (٣) . فلو افترض أن من للتبعيض لكان المعنى كالتالي: إن الله يبشرك بعيسى بعض من الله ولأصبح المعنى فاسداً فساداً بيناً من ناحية نصرانية فضلاً عن بطلانه قبل ذلك من ناحية إسلامية ولغوية ذلك أن اعتقاد النصارى هو أن الكلمة هي عيسى فحينئذ يكون المعنى كالتالي: إن الله يبشرك بعيسى بعض من الله - تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً - وهذا أمر يبطله النصارى والمنصرون قبل غيرهم لأنهم يعتقدون أن عيسى (الابن) هو الكلمة وأن الكلمة هي الله ومن ثم عيسى هو الله فهو مساوٍ لله -في زعمهم تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً- وليس هو بأقل من الله بله أن يكون بعضاً منه، ولذلك أول من يجب عليه إبطال أن (مِنْ) للتبعيض كما ترى هم النصارى أنفسهم وبحسب اعتقاداتهم الباطلة.

стр. 65

وقد جاءت من لابتداء الغاية في القرآن كثيراً وفي كتبهم أيضاً وعلى نحو لا يصح أن تأتي للتبعيض في مثل قوله "امتحنوا الأرواح هل هي من الله نحن من الله فمن يعرف الله يسمع لنا ومن ليس من الله لا يسمع لنا وكل من يحب فقد ولد من الله" (١) . ولكنهم يحاولون التلبيس على المسلمين لتحقيق أغراضهم ولو كانت حقيقة اعتقاداتهم تناقض دعاواهم وافتراءاتهم على كتاب الله. أما عن القسم الثاني وهو: ما يتعلق بكون عيسى ﵇ روح من الله أو روح الله: فإن في ذلك أموراً عدة:- (١) ما معنى قوله تعالى ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ ؟ يقول الإمام أحمد: "وأما قوله تعالى ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ يقول من أمره كان الروح فيه كقوله ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ يقول من أمره وتفسير روح الله إنما معناه أنها روح بكلمة الله خلقها كما يقال: عبد الله وسماء الله وأرض الله" (٢) . ويقول ابن جرير: "وأما قوله ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ فإن أهل العلم اختلفوا في تأويله فقال بعضهم: معنى قوله ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ ونفخة منه لأنه حدث عن نفخة جبريل ﵇ في درع مريم بأمر الله إياه بذلك فنسب إلى أنه روح من الله لأنه بأمره كان" (٣) .

стр. 66

ويقول ابن كثير في تفسير قوله ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ إي عيسى "إنما هو عبد من عباد الله وخلق من خلقه قال له كن فكان ورسول من رسله وكلمته ألقاها إلى مريم أي خلقه بالكلمة التي أُرسل بها جبريل ﵇ إلى مريم فنفخ فيها من روحه بإذن ربه وكانت تلك النفخة التي نفخها في جيب درعها فنزلت حتى ولجت فرجها بمنزلة لقاح الأب والأم والجميع مخلوق لله ولهذا قيل لعيسى إنه كلمة الله وروح منه لأنه لم يكن له أب يولد منه وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له بها كن فكان والروح التي أرسل بها جبريل" (١) . (٢) أن (مِنْ) في قوله ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ لإبتداء الغاية وليست للتبعيض يقول ابن كثير: "وليست من للتبعيض كما تقول النصارى عليهم لعائن الله المتتابعة بل هي لابتداء الغاية كما في الآية الأخرى ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ (الجاثية:١٣) .وقد قال مجاهد في قوله ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي رسول منه وقال غيره ومحبة منه والأظهر الأول وهو أنه مخلوق من روح مخلوقة وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله" (٢) . ويقول الشنقيطي: "ولكن من هنا لابتداء الغاية يعني أن مبدأ ذلك الروح الذي ولد به عيسى حياً من الله تعالى لأنه هو الذي أحياه به. ويدل لما ذكرنا ما روي عن أبي بن كعب أنه قال: خلق الله أرواح بني آدم لما أخذ عليهم الميثاق ثم ردها إلى صلب آدم وأمسك عنده روح

стр. 67

عيسى ﵇ فلما أراد خلقه أرسل ذلك الروح إلى مريم فكان منه عيسى ﵇ " (١) . ولو فرض أن (مِنْ) هنا للتبعيض لفسد المعنى نصرانياً كما سبق بيانه في قوله تعالى ﴿ِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ فلو قلنا على سبيل الفرض: وروح بعض منه باعتبار أن الروح هو عيسى عينه لكان المعنى فاسداً من وجوه منها: أن عيسى يصبح جزءاً وبعضاً من الإله. والبعض ليس مساوياً للكل عقلاً، والنصارى يعتقدون أن المسيح (الابن) بزعمهم إله مساوٍ للأب في الجوهر وليس جزءاً منه بل يعتقدون أن الكلمة كما مر آنفاً - وهي عيسى - هي الله فعيسى ليس بعضاً من الله سواء كان هو الروح أو هو الكلمة بحسب اعتقادهم. وهذا مبطل لكون (مِنْ) للتبعيض، فضلاً عما مر سابقاً من استخدام (مِنْ) لابتداء الغاية في كتبهم على نحو يمنع من خلال السياق أن تكون للتبعيض وهو ما يماثل ما ههنا. (٣) وعلى كل حال إذا قيل لعيسى ﵇ كلمة الله أو كلمة منه أو روح الله أو روح منه فإنه لا يغير من حقيقته البشرية شيئاً لما مر من الآيات المحكمة القاطعة في القرآن (٢) والنصوص الكثيرة في الأناجيل (٣) الدالة على أن عيسى ﵇ بشر مخلوق من تراب تطرأ عليه عوارض الحدوث والتغير من حال إلى حال بل من حال الضعف في الطفولة إلى حال القوة في الكهولة ثم الموت بعد ذلك إلى غير ذلك من أمور.

стр. 68

لكن الذين في قلوبهم مرض وزيغ يغمضون أعينهم عما عظم من المتشابه عندهم كتسمية موسى إلهاً بنص التوراة الحالية (١) ، ويأخذون من القرآن "بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة وينزلوه عليها لإحتمال لفظه لما يصرفونه فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه لأنه دافع لهم وحجة عليهم ولهذا قال الله تعالى ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أي الإضلال لأتباعهم إيهاماً لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن وهو حجة عليهم لا لهم كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وتركوا الإحتجاج بقوله ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ وبقوله ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وغير ذلك من الآيات المحكمة المصرحة بأنه خلق من مخلوقات الله وعبد ورسول من رسل الله" (٢) . (٤) أما قوله تعالى ﴿رُوحَنَا﴾ في مثل قوله ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ : فيقول ابن كثير "يعني جبرائيل ﵇" (٣) . وكذلك روح القدس في مثل قوله تعالى ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ (النحل: ١٠٢) .. يذكر ابن كثير أنه جبريل (٤) . ويقول ابن تيمية "إن المضاف في الثاني [أي القسم الثاني] (٥) من أقسام المضاف إلى الله مملوك لله مخلوق له بائن عنه لكنه مفضل مشرف لما

стр. 69

خصه الله به من الصفات التي اقتضت إضافته إلى الله ﵎ كما خص ناقة صالح من بين النوق وكما خص بيته بمكة من بين البيوت وكما خص عباده الصالحين من بين الخلق ومن هذا الباب قوله تعالى ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ فإنه وصف هذا الروح بأنه تمثل لها بشراً سوياً وأنها استعاذت بالله منه إن كان تقياً، وأنه قال: إنما أنا رسول ربك. وهذا كله يدل على أنها عين قائمة بنفسها" (١) . كما يقول ﵀ عن الموضوع نفسه "فأخبر هذا الروح الذي تمثل لها بشراً سوياً أنه رسول ربها فدل الكلام على أن هذا الروح عين قائمة بنفسها ليست صفة لغيرها وأنه رسول من الله ليس صفة من صفات الله ولهذا قال جماهير العلماء: إنه جبريل ﵇ فإن الله سماه الروح الأمين وسماه روح القدس وسماه جبريل" (٢) . وهذا يوضح أنه ليس لهم أدنى شبهة في هذا إذ المقصود بالروح القدس (وروحنا) : جبريل ﵇ وليس المسيح بل إن البعض جعل معنى الروح في قوله تعالى ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أيضاً جبريل ﵇ يقول ابن جرير "وقال آخرون معنى الروح ههنا: جبريل ﵇ قالوا: ومعنى الكلام: وكلمته ألقاها إلى مريم وألقاها أيضاً إليها روح من الله قالوا: فالروح معطوف به على ما في قوله "ألقاها" من ذكر الله بمعنى أن إلقاء الكلمة إلى مريم كان من الله ثم من جبريل ﵇ " (٣) .

стр. 70

(٥) الروح أو الروح القدس أو روح الله عند النصارى هو الأقنوم الثالث في ثالوثهم الوثني (١) وهذا مبطل لادعاء النصارى على القرآن فيما يتعلق بقوله وروح منه أو روحنا من أساسه. لأن القرآن قال عن عيسى ﵇ إنه روح من الله أو سماه بذلك بينما المسيح عند النصارى هو الابن أو "الأقنوم الثاني" بزعمهم وليس هو روح الله، لأن روح الله، أو الروح، أو الروح القدس عندهم ليس عيسى ﵇ وإنما هو الأقنوم الثالث ولكل أقنوم بحسب اعتقاداتهم وظائف وأعمال ومهمات لا يقوم بها الأقنوم الآخر فجعلهما أقنوماً واحداً لاشك أنه مبطل للتثليث النصراني جملة وتفصيلاً. وقد جاء في الأناجيل ما يوضح أن عيسى ﵇ كان يخرج الشياطين بروح الله مما يعني أن عيسى شيء والمقصود بروح الله شيء آخر إذ ينسب إلى عيسى قوله "ولكن إن كنت أنا بروح الله أخرج الشياطين فقد أقبل عليكم ملكوت الله" (٢) . وفي نص آخر يقول: "وأما التجديف على الروح فلن يغفر للناس ومن قال كلمة على ابن الإنسان [أي عيسى ﵇ بزعم النصارى] يغفر له وأما من قال على الروح القدس فلن يغفر له لا في هذا العالم ولا في الآتي" (٣) وفي نص آخر "لأن الذي حُبل به فيها هو من الروح القدس" (٤) وفي

стр. 71

غيره "فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء وإذا السموات قد انفتحت له فرأى روح الله نازلاً مثل حمامة وآتيا عليه" (١) . فروح الله أو الروح أو الروح القدس الواردة في النصوص السابقة لاشك أن المقصود بها غير عيسى والمقصود بذلك عند النصارى: الأقنوم الثالث (الروح القدس) . والذي هو غير عيسى مما يبطل كل شبههم التي يحاولون من خلالها تأليه عيسى استناداً إلى كتاب الله القرآن العظيم منطلقين من إنزال بعض معتقداتهم الفاسدة على قوله تعالى "وروح منه" أو "روحنا" ومخفين بعضاً. والعجيب أن في الأناجيل ما يدل على أن المقصود بالروح أو الروح القدس أو روح الله إنما هو الملك جبريل ﵇ وليس ما افتروه من أقنوم ثالث أو رابع فإنجيل لوقا يوضح ويشرح النص الآنف الذكر وهو "لأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس" فيبين لمن يعقل أن هذا الروح القدس إنما هو جبريل ﵇ حيث يقول في قصة حمل مريم بعيسى: "وفي الشهر السادس أُرسل جبرائيل الملاك من الله إلى مدينة من الجليل اسمها ناصره إلى عذراء" (٢) ويقص قصة حمل مريم ﵍ بعيسى إلى أخرها. فالمنصرون والنصارى يكيلون بمكيالين وينظرون بمنظارين فاعتقاداتهم المعتمدة لديهم تبطل أن يكون الروح أو روح الله أو الروح القدس - وهو الأقنوم الثالث - هو المسيح لأنه عندهم الابن وهو الأقنوم الثاني بزعمهم لكنهم إذا جاؤوا للقرآن أخفوا معتقداتهم هذه - تلبيساً على المسلمين -

стр. 72

وزعموا أن القرآن يدل على ألوهية عيسى استنتاجاً بزعمهم من أنه قال عنه أو جعله روح الله أو روحاً منه وهو عين ما ترفضه معتقداتهم - كما مر آنفا - لأن جمعهما في أقنوم واحد مبطل حسب اعتقاداتهم لأقانيم النصارى وتثليثهم من أصوله وهو تناقض بيِّن بين ما يّدعونه على القرآن وما يعتقدونه فهم يسيرون وفق مبدأ الغاية تبرر الوسيلة.

стр. 73

المطلب الثالث: الرد على ادعاء المنصرين أن المعجزات التي أيد الله بها عيسى والتي ذُكرت في القرآن ولاسيما إحياء الموتى دليل على ألوهية المسيح . ... المطلب الثالث: الرد على ادعاء المنصرين: أن المعجزات التي أيد الله بها عيسى ﵇ والتي ذكرت في القرآن ولاسيما إحياء الموتى تدل على ألوهية المسيح ﵇: والمعجزات التي ذكرت في القرآن هي: ١- كلام عيسى ﵇ في المهد بإذن الله (١) . ٢- خلقه من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله (٢) . ٣- إبراء الأكمه والأبرص بإذن الله (٣) . ٤- إحياء الموتى بإذن الله (٤) . ٥- إنباؤه لبني إسرائيل بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم بإعلام الله له بذلك (٥) . ٦- المائدة التي أنزلها الله على عيسى وحوارييه (٦) . ولإيضاح الرد على المنصرين قسم هذا المبحث إلى الموضوعين التاليين: الموضوع الأول: معجزات كمعجزات عيسى وذلك من خلال القرآن.

стр. 74

والموضوع الثاني: معجزات كمعجزات عيسى من خلال التوراة والأناجيل. أما الموضوع الأول فهو: معجزات كمعجزات عيسى من خلال القرآن: فقد مر آنفاً بيان المعجزات التي أيد الله بها عيسى ﵇ والتي ذكرت في القرآن الكريم. ومعلوم أن بعض هذه المعجزات لم يرد فيها شيء البتة في الأناجيل الحالية ولا يعلم النصارى عنها شيئا - فيما اطلع عليه الباحث - من خلال الأناجيل إلا ما اطلعوا عليه من خلال القرآن الكريم، وذلك مثل: كلام عيسى في المهد وكهلاً. ومثل: خلقه من الطين كهيئة الطير فيكون طيراً بإذن الله، ومثل: إنبائه لهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم (١) . وإن كان قد ورد أنه أنبأهم ببعض الأمور المستقبلية كتهدم الهيكل مثلاً (٢) . وهذا يدل على جهل النصارى بكثير من أحوال عيسى ﵇ سواء معجزاته - كما مر - أو حياته قبل الثلاثين من عمره أو غير ذلك حيث "لا نجد ذكراً لعيسى ﵇ [في الأناجيل] إلا حينما كان طفلاً لا يتجاوز عمره ثمانية أيام - أي حينما ختن - ثم لا تدلك الأناجيل على شيء من حياته ﵇ حتى يبلغ اثنتي عشرة سنة فتذكر أنه (لما كانت له اثنتا عشرة سنة صعد إلى أورشليم كعادة العيد) ثم لا تتكلم الأناجيل عن شيء من أحوال عيسى ﵇ حتى يبلغ الثلاثين من عمره فتذكر أنه بعث آنذاك" (٣) كما ذكرت

стр. 75

الأناجيل أنه ذهب إلى مصر وهو صبي هو وأمه مع يوسف النجار (١) - والله أعلم بذلك - إضافة إلى ما زعمت الأناجيل أنه نَسَبٌ للمسيح ﵇ ذلك النسب المضطرب اضطراباً كبيراً كما هو معروف (٢) . لعل هذا - فيما اطلع عليه الباحث - هو أغلب ما يعرفه النصارى من تاريخ عيسى ﵇ إلى مبعثه انطلاقاً من الأناجيل الحالية ولذا فإن القرآن الكريم ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (النمل:٧٦) . لهذا كله سوف يُقتصر في الرد عليهم من خلال القرآن على أهم المعجزات التي بنى بعض النصارى والمنصرين عليها دعوى ألوهية المسيح ﵇ ولاسيما إحياء الموتى والإخبار بالغيب. وقبل الدخول في هذا الموضوع لابد من بيان ما يأتي: ١) أن هذه المعجزات بإذن الله كما قال جل وعلا على نحو عام: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (الرعد: ٣٨) . وكما قال تعالى ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ (الجن:٢٦-٢٧) . وكما قال تعالى على نحو خاص في عيسى ﵇: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ (المائدة: ١١٠) وقوله تعالى ﴿وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ
следующие страницы →