← Фатава

Фатава · id 7524

الأجوبة النافعة عن أسئلة لجنة مسجد الجامعة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (116 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الجواب عن الأسئلة مدخل ... الجواب عن الأسئلة أقول وبالله أستعين: إني قبل الشروع في الإجابة أرى من المفيد بل الضروري أن أسوق هنا الحديث الوارد في أذان عثمان الأول لأنه سيكون محور الكلام في المسائل الآتية كما سترى ثم إنه لما كان الحديث المذكور فيه زيادات قد لا توجد عند بعض المخرجين للحديث رأيت تتميما للفائدة أن أضيف كل زيادة وقف عليها بجعلها بين حاصرتين معكوفتين [] ثم أبين من أخرج الحديث والزيادات والأئمة في التعليق على الحديث وهاك نصه: حديث أذان عثمان: قال الإمام الزهري رحمه الله تعالى: أخبرني

стр. 2

السائب بن يزيد: أن الأذان [الذي ذكره الله في القرآن] كان أوله حين يجلس الإمام على المنبر [وإذا قامت الصلاة] يوم الجمعة [على باب المسجد] في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر فلما كان خلافة عثمان وكثر الناس [وتباعدت المنازل] أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث "وفي رواية: الأول وفي أخرى: بأذان ثالث" [على دار [له] في السوق لها الزوراء] فأذن به على الزوراء [قبل خروجه ليعلم الناس أن الجمعة قد حضرت] فثبت الأمر على ذلك [فلم يعب الناس ذلك عليه وقد عابوا عليه حين أتم الصلاة بمنى]

стр. 3

إذا علمت ما تقدم فلنشرع الآن في الجواب فنقول:

стр. 4

الجواب عن الفقرة الأولى ١ - لا نرى الاقتداء بما فعله عثمان ﵁ على الإطلاق ودون قيد فقد علمنا مما تقدم أنه إنما زاد الأذان الأول لعلة معقولة وهي كثرة الناس وتباعد منازلهم عن المسجد النبوي فمن صرف النظر عن هذه العلة وتمسك بأذان عثمان مطلقا لا يكون مقتديا به ﵁ بل هو مخالف لعثمان أن يزيد على سنته ﵊ وسنة الخليفتين من بعده متى يشرع الأذان العثماني فإذن إنما يكون الاقتداء به ﵁ حقا عندما يتحقق السبب الذي من أجله زاد عثمان الأذان الأول وهو "كثرة الناس وتباعد منازلهم عن المسجد" كما تقدم وأما ما جاء في السؤال من إضافة علة أخرى إلى الكثرة وهي ما أفاده بقوله: "وانغمسوا في طلب

стр. 5

المعاش" فهذه الزيادة لا أصل لها فلا يجوز أن يبني عليها أي حكم إلا بعد إثباتها ودون ذلك خرط القتاد وهذا السبب لا يكاد يتحقق في عصرنا هذا إلا نادرا وذلك في مثل بلدة كبيرة تغص بالناس على رحبها كما كان الحال في المدينة المنورة ليس فيها إلا مسجد واحد يجمع الناس فيه وقد بعدت لكثرة منازلهم عنه فلا يبلغهم صوت المؤذن الذي يؤذن على باب المسجد وأما بلدة فيها جوامع كثيرة كمدينة دمشق مثلا لا يكاد المرء يمشي فيها إلا خطوات حتى يسمع الأذان للجمعة من على المنارات وقد وضع على بعضها أو كثير منها الآلات المكبرة للأصوات فحصل بذلك المقصود الذي من أجله زاد عثمان الأذان ألا وهو إعلام الناس: أن صلاة الجمعة قد حضرت كما نص عليه في الحديث المتقدم: وهو ما نقله القرطبي في تفسيره "١٨/١٠٠" عن الماوردي: فأما الأذان الأول فمحدث فعله عثمان ليتأهب الناس لحضور الخطبة عند اتساع المدينة وكثرة أهلها

стр. 6

وإذا كان الأمر كذلك فالأخذ حينئذ بأذان عثمان من قبيل تحصيل حاصل وهذا لا يجوز لا سيما في مثل هذا الموضع الذي فيه التزيد على شريعة رسول الله ﷺ دون سبب مبرر وكأنه لذلك كان علي بن أبي طالب ﵁ وهو بالكوفة يقتصر على السنة ولا يأخذ بزيادة عثمان كما في "القرطبي " وقال ابن عمر: "إنما كان النبي ﷺ إذا صعد المنبر أذن بلال فإذا فرغ النبي ﷺ من خطبته أقام الصلاة والأذان الول بدعة". رواه أبو طاهر المخلص في "فوائده" "ورقة ٢٢٩/١ - ٢" والخلاصة: أننا نرى أن يكتفى بالأذان المحمدي وأن يكون عند خروج الإمام وصعوده على المنبر لزوال السبب المبرر لزيادة عثمان واتباعا لسنة النبي ﷺ وهو القائل:

стр. 7

"فمن رغب عن سنتي فليس مني ١" متفق عليه وبنحو ما ذكرنا قال الإمام الشافعي ففي كتابه "الأم" "١/١٧٢ - ١٧٣" ما نصه: وأحب أن يكون الأذان يوم الجمعة حين يدخل الإمام المسجد ويجلس على المنبر فإذا فعل أخذ المؤذن في الأذان فإذا فرغ قام فخطب لا يزيد عليه ثم ذكر حديث السائب المتقدم ثم قال:

стр. 8

"وقد كان عطاء ينكر أن يكون عثمان أحدثه ويقول: أحدثه معاوية١ وأيهما كان فالأمر الذي كان على عهد رسول الله ﷺ أحب إلي فإن أذن جماعة من المؤذنين والإمام على المنبر وأذن كما يؤذن قبل أذان المؤذنين إذا جلس الإمام على المنبر كرهت ذلك له ولا يفسد شيء منه صلاته". وكذلك نقول في المسجد الوارد ذكره في السؤال: إنه ينبغي أن يجري فيه على سنة النبي ﷺ لا على سنة عثمان وذلك لأمرين: الأمر الول: أن الأذان فيه لا يسمع من سكان البيوت لبعدها كما جاء في السؤال بل ولا يسمع حتى من المارة في الطريق الذي يلي الثكنة من الناحية الشرقية والجنوبية فالأخذ حينئذ بأذان عثمان لا يحصل الغاية

стр. 9

التي أراها به عثمان في الشرع ينزه عنه المسلم الأمر الثاني: أن الذين يأتون إلى هذا المسجد إنما يقصدونه قصدا ولو من مسافات شاسعة فهؤلاء ولو فرض أنهم سمعوا الأذان - فليس هو الذي يجلبهم ويجعلهم يدركون الخطبة والصلاة فإنه - لبعد المسافة بينهم وبين المسجد - لا بد لهم من أن يخرجوا قبل الأذان بمدة تختلف باختلاف المسافة طولا وقصرا حتى يدركوا الصلاة شأنهم في ذلك شأنهم في صلاة العيدين في المصلى أو المسجد التي لا يشرع لها أذان ولا إعلام بدخول الوقت نعم لا نرى مانعا من هذا الأذان العثماني إذا جعل عند باب الثكنة الخارجي لأنه يسمع المارة على الجادة ويعلمهم أن في الثكنة مسجدا تقام فيه الصلاة فيؤمونه ويصلون فيه كما قد يسمع من يكون في البيوت القريبة من الجادة١ ولكن ينبغي أن لا يفصل

стр. 10

بين الأذانين إلا بوقت قليل لأن السنة الشروع في الخطبة أول الزوال بعد الأذان كما يشير إلى ذلك قوله في الحديث السابق: "أن الأذان كان أوله حين يجلس الإمام على المنبر وإذا قامت الصلاة" أي قام سببها وهو الزوال وفي أحاديث أخرى أصرح من هذا سيأتي ذكرها عند الجواب عن الفقرة الرابعة إن شاء الله تعالى ولا يفوتني أن أقول: إن هذا الذي ذهبنا إليه إنما هو إذا لم يذع الأذان عند باب المسجد بالمذياع أو مكبر الصوت وإلا نرى جوازه لأنه حينئذ تحصيل حاصل كما سبق بيانه

стр. 11

الجواب عن الفقرة الثانية ٢ - إن إذاعة الأذان من المسجد المذكور بالمذياع لا يغير من حكم المسألة شيئا لما سبق بيانه قريبا ونزيد هنا فنقول: قد مضى أن عثمان ﵁ إنما زاد الأذان الأول: "ليعلم الناس أن الجمعة قد حضرت" فإذا أذيع الأذان المحمدي بالمذياع فقد حصلت الغاية التي رمى إليها عثمان بأذانه وأعتقد أنه لو كان هذا المذياع في عهد عثمان وكان يرى جواز استعماله كما نعتقد لكان ﵁ اكتفى بإذاعة الأذان المحمدي وأغناه عن زيادته.

стр. 12

الجواب عن الفقرة الثالثة تحقيق موضع الأذان النبوي والعثماني ٣ - يفهم الجواب عن هذه الفقرة مما تقدم في الحديث: "أن الأذان في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر كان على باب المسجد وأن أذان عثمان كان على الزوراء". فإن وجد السبب المقتضي للأخذ بأذانه حسبما تقم تفصيله وضع في في مكان الحاجة والمصلحة لا على الباب فإنه موضع الأذان النبوي ولا في المسجد عند المنبر فإنه بدعة أموية كما يأتي وهو غير محقق للمعنى المقصود من الأذان وهو الإعلام ونقل ابن عبد البر عن مالك: إن الأذان بين يدي الإمام ليس من المر القديم" أي إنه بدعة وقد صرح بذلك ابن عابدين في "الحاشية" "١/٣٦٢" وابن الحاج في "المدخل" "٢/٢٠٨" وغيرهما ممن هو أقدم وأعلم منهما قال الشاطبي في

стр. 13

"الاعتصام" "٢/١٤٦ - ١٤٧" ما ملخصه: قال ابن رشد: الأذان بين يدي الإمام في الجمعة مكروه لأنه محدث وأول من أحدثه هشام بن عبد الملك فإنه نقل الأذان الذي كان بالزوراء إلى المشرفة ونقل الأذان الذي كان بالمشرفة بين يديه وتلا على ذلك من بعده الخلفاء إلى زماننا هذا قال: وهو بدعة والذي فعله رسول الله ﷺ والخلفاء الراشدون بعده هو السنة. وذكر ابن حبيب أن الأذان عند صعود الإمام على المنبر كان باقيا في زمان عثمان ﵁ موافق لما نقله أرباب النقل الصحيح وإن عثمان لم يزد على ما كان قبله إلا الأذان على الزوراء فصار إذن نقل هشام الأذان المشروع في المنارة إلى ما بين يديه بدعة في ذلك المشروع " وينبغي أن يعلم: أنه لم ينقل البتة أن الأذان النبوي

стр. 14

كان بين يدي المنبر قريبا منه قال العلامة الكشميري١: ولم أجد على كون هذا الأذان داخل المسجد دليلا عند المذاهب الأربعة إلا ما قال صاحب الهداية": إنه جرى به التوارث ثم نقله الآخرون أيضا ففهمت منه أنهم ليس عندهم دليل غير ما قاله صاحب "الهداية" ولذا يلجؤون إلى التوارث" قلت: وليس يخفى على البصير أنه لا قيمة لمثل هذا التوارث لأمرين: الأول: أنه مخالف لسنة النبي ﷺ والخلفاء الراشدون من بعده والآخر: أن ابتداءه من عهد هشام لا من عهد الصحابة كما عرفت وقد قال ابن عابدين في الحاشية "١/٧٦٩":

стр. 15

"ولا عبرة بالعرف الحادث إذا خالف النص لأن التعارف إنما يصلح دليلا على الحل إذا كان عاما من عهد الصحابة والمجتهدين كما صرحوا به" فتبين مما سلف أن جعل الأذان العثماني على الباب والأذان المحمدي في المسجد بدعة لا يجوز اتباعها فيجب إزالتها من مسجد الجامعة إحياء لسنة النبي ﷺ هل كانت المنارة في زمنه ﷺ ؟ هذا وقد مضى في كلام الشاطبي ومن نقل عنهم: "أن الأذان النبوي كان يوم الجمعة على المنارة" وقد صرح بذلك ابن الحاج أيضا في "المدخل" فقال ما مختصره: "إن السنة في أذان الجمعة إذا صعد الإمام على المنبر أن يكون المؤذن على المنارة كذلك كان على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وصدرا من خلافة عثمان ثم زاد عثمان أذانا آخر بالزوراء لما كثر الناس وأبقى

стр. 16

الأذان الذي كان على عهد رسول الله ﷺ على المنارة والخطيب على المنبر إذا ذاك". ثم ذكر قصة نقل هشام للأذان نحو ما تقدم نقله عن الشاطبي قلت: ولم أقف على ما يدل صراحة أن الأذان النبوي يوم الجمعة كان على المنارة إلا ما تقدم في الحديث أنه كان على باب المسجد فإن ظاهره أنه على سطحه عند الباب ويؤيد هذا أن من المعروف أنه لبلال - وهو الذي كان يؤذن يوم الجمعة - شيء يرقى عليه المؤذن "صحيح" ففي "صحيح البخاري" "٤/١١٠" عن القاسم بن محمد عن عائشة ﵂: "إن بلالا كان يؤذن بليل فقال رسول الله ﷺ : "كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر" قال القاسم: "ولم يكن بين أذانهما إلا أن يرقى هذا وينزل ذا"

стр. 17

فلعله كان هناك عند الباب على السطح شيء مرتفع يشبه بالمنارة وقد يشهد لهذا ما أخرجه ابن سعد في "الطبقات" "٨/٣٠٧" بإسناده عن أم زيد بن ثابت قالت: كان بيتي أطول بيت حول المسجد فكان بلال يؤذن فوقه من أول ما أذن إلى أن بنى رسول الله ﷺ مسجده فكان يؤذن بعد على ظهر المسجد وقد رفع له شيء فوق ظهره. لكن إسناده ضعيف. وقد رواه أبو داود وغيره بإسناد حسن دون قوله: "وقد رفع له شيء فوق ظهره" والله أعلم والذي تلخص عندي في هذا الموضوع أنه لم يثبت أن المنارة في المسجد كانت معروفة في عهده صلى الله عليه وسلم١ ولكن من المقطوع به أن الأذان كان حينذاك في

стр. 18

مكان مرتفع على المسجد يرقى إليه كما تقدم ومن المحتمل أن الرقي المذكور إنما هو إلى ظهر المسجد فقط١ ومن المحتمل أنه إلى شيء كان فوق ظهره كما في حديث أم زيد وسواء كان الواقع هذا أو ذاك فالذي نجزم به أن المنارة المعروفة اليوم ليست من السنة في شيء غير أن المعنى المقصود منها - وهو التبليغ - أمر مشروع بلا ريب فإذا كان التبليغ لا يحصل إلا بها فهي حينئذ مشروعة لما تقرر في علم الأصول: أن ما لا يقوم الواجب إلا به فهو واجب ولكن ترفع بقدر الحاجة.

стр. 19

غير أن من رأيي أن وجود الآلات المكبرة للصوت اليوم يغني عن اتخاذ المأذنة كأداة للتبليغ لا سيما وهي تكلف المبالغ الطائلة فبناؤها والحالة هذه مع كونه بدعة - ووجود ما يغني عنه - غير مشروع لما فيه من إسراف وتضييع للمال ومما يدل دلالة قاطعة على أنها صارت اليوم عديمة الفائدة أن المؤذنين لا يصعدون إليها البتة مستغنين عنها بمكبر الصوت. لكننا نعتقد أن الأذان في المسجد أمام المكبر لا يشرع لأمور منها التشويش على من فيه من التالين والمصلين والذاكرين ومنها عدم ظهور المؤذن بجسمه فإن ذلك من تمام هذا الشعار الإسلامي العظيم "الأذان" لذلك نرى أنه لابد للمؤذن من البروز على المسجد والتأزين أمام المكبر فيجمع بين المصلحتين وهذا التحقيق يقتضي اتخاذ مكان خاص فوق المسجد يصعد إليه ويوصل إليه مكبر الصوت فيؤذن أمامه وهو ظاهر للناس

стр. 20

ومن فائدة ذلك أنه قد تنقطع القوة الكهربائية ويستمر المؤذن على أذانه وتبليغه إياه إلى الناس من فوق المسجد كما هو ظاهر ولا بد من التذكير هنا بأنه لابد للمؤمنين من المحافظة على سنة الالتفاف يمنة ويسرة عند الحيعلتين فإنهم كادوا أن يطبقوا على ترك هذه السنة تقيدا منهم باستقبال لاقط الصوت ولذلك نقترح وضع لاقطين على اليمين وعلى اليسار قليلا بحيث يجمع بين تحقيق السنة المشار إليها والتبليغ الكامل. ولا يقال: إن القصد من الالتفاف هو التبليغ فقط وحينئذ فلا داعي إليه مع وجود المكبر لأننا نقول: إنه لا دليل على ذلك فيمكن أن يكون في المر مقاصد أخرى قد تخفى على الناس فالأولى المحافظة على هذه السنة على كل حال

стр. 21

الجواب عن الفقرة الرابعة تحقيق أن للجمعة وقتين: ٤ - للأذان المحمدي وقتان: الأول: بعد الزوال مباشرة وعند صعود الخطيب والآخر: قبل الزوال عند صعود الخطيب أيضا وهذا مذهب أحمد بن حنبل ﵀ وغيره. أما الأول: فدليله ما تقدم في حديث السائب: "أن الأذان كان أوله حين جلس على المنبر وإذا قامت الصلاة". فهذا صريح في أن الأذان كان حين قيام سبب الصلاة وهو زوال الشمس كما تقدم مع جلوس الإمام على المنبر في ذلك الوقت ويشهد لهذا أحاديث: "لم تتم دراسته" أ - "عن سعد القرظ مؤذن النبي ﷺ أنه كان يؤذن يوم الجمعة على عهد رسول الله ﷺ إذا كان الفيء مثل

стр. 22

الشراك"١. أخرجه ابن ماجه "/ ٣٤٢" والحاكم "٣/٦٠٧" ب - "قال الحافظ ابن حجر٢: في النسائي: أن خروج الإمام بعد الساعة السادسة وهو أول الزوال"

стр. 23

الأحاديث في الوقت الآخر وأما الوقت الآخر ففيه أحاديث: أ - عن سلمة بن الأكوع قال: "كنا نجمع١ مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء". أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما وابن شيبة في المصنف "١/٢٠٧/١" ب - عن أنس أن رسول الله ﷺ كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس رواه البخاري وغيره

стр. 24

ج - عن جابر ﵁: "كان رسول الله ﷺ إذ زالت الشمس صلى الجمعة". رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن وهذه الأحاديث ظاهرة الدلالة على ما ذكرنا وذلك أنه من المعلوم أنه ﷺ كان يخطب قبل الصلاة خطبتين يقرأ فيهما القرآن ويذكر الناس حتى كان أحيانا يقرأ فيها ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ "صحيح" ففي صحيح مسلم "٣/١٣٩" عن أم هشام بنت حارثة ابن النعمان قالت: "ما أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إلا عن لسان رسول الله ﷺ يقرأها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس". وصح عنه أنه قرأ فيها سورة براءة رواه ابن خزيمة في صحيحه والحاكم صححه ووافقه الذهبي وغيره فإذا تذكرنا هذا علمنا أالأذان كان قبل الزوال

стр. 25

حتما وكذا الخطبة طالما أن الصلاة كانت حين الزوال وهذا بين لا يخفى والحمد لله. وأصرح من هذه الأحاديث في الدلالة على المطلوب حديث جابر الآخر وهو: د - "وعنه قال: كان رسول الله ﷺ يصلي الجمعة ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشمس يعني النواضح". أخرجه مسلم "٣/٨ - ٩" والنسائي "١/٢٠٦" والبيهقي "٣/١٩٠" وأحمد "٣/٣٣١" وابن أبي شيبة في المصنف "١/٢٠٧/١". فهذا صريح في أن الصلاة كانت قبل الزوال فكيف بالخطبة والأذان؟ الآثار في الوقت الآخر: ويشهد لذلك آثار من عمل الصحابة نذكر بعضها للاستشهاد بها أ - عن عبد الله بن سيدان السلمي قال:

стр. 26

"شهدت الجمعة مع أبي بكر الصديق فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار ثم شهدنا عمر فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: انتصف النهار ثم شهدنا مع عثمان فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: زال النهار فما رأيت أحدا عاب ذلك ولا أنكره". رواه ابن أبي شيبة "١/٢٠٦/٢" والدارقطني "١٦٩". قلت: وإسناده محتمل للتحسين بل هو حسن على طريقة بعض العلماء كابن رجب وغيره فإن رجاله ثقات غير عبد الله بن سيدان قال الحافظ في الفتح "٢/٣٢١": "تابعي كبير إلا أنه غير معروف العدالة". قلت: قد روى عنه أربعة من الثقات وهم ثابت بن الحجاج وجعفر بن برقان كما في الجرح والتعديل "٢/٢/٨٦" وميمون بن مهران وحبيب بن أبي مرزوق كما قس ثقات ابن حبان "٥/٣١ - ٣٢". وقول الحافظ بعد أن ساق له هذا الأثر:

стр. 27

"وقال البخاري: لا يتابع على حديثه بل عارضه ما هو أقوى منه". ثم ذكر آثترا صحيحة عن أبي بكر وعمر في التجميع بعد الزوال فأقول: لا تعارض بينها وبين هذا الأثر كما لا تعارض بين الأحاديث الموافقة له وبين الأحاديث الموافقة لها فالصحابة تلقوا الأمرين عن رسول الله ﷺ فكانوا - كما كان ﵇ يفعلون تارة هذا وتارة هذا ب - عن عبد الله بن سلمةقال: "صلى بنا عبد الله الجمعة ضحى وقال خشيت عليكم الحر" أخرجه ابن أبي شيبة قلت ورجاله ثقات غير عبد الله بن سلمة قال الحافظ في الفتح: "صدوق إلا أنه ممن تغير لما كبر". قلت: ومثله إنما يخشى منه الخطأ في رفع

стр. 28

الحديث أو في روايته عن غيره مما يشاهد وهو هنا يروي حادثة شاهدها بنفسه وهي في الواقع غريبة لمخالفتها للمعهود من الصلاة بعد الزوال فاجتماع هذه الأمور مما يرجح حفظه لما شاهد فالأرجح أن هذا الأثر صحيح ولعله من أجل ما ذكرنا احتج به الإمام أحمد فقال ابنه عبد الله في مسائله عنه "ص ١١٢": "سئل عن وقت صلاة الجمعة؟ قال: إن صلى قبل الزوال فلا بأس حديث عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة: أن عبد الله صلى بهم الجمعة ضحى وحديث سهل بن سعد: كنا نصلي ونتغدى بعد الجمعة كأنه يدل على أنه قبل الزوال" ج - عن سعيد بن سويد قال: "صلى بنا معاوية الجمعة ضحى". رواه ابن أبي شيبة عن عمرو بن مرة عنه. قلت: وسعيد هذا لم يذكروا له راويا غير عمرو هذا ومع ذلك ذكره ابن حبان في "الثقات"

стр. 29

"١/٦٢" د - عن بلال العبسي: "أن عمارا صلى بالناس الجمعة والناس فيقان: بعضهم يقول: زالت الشمس وبعضهم يقول: لم تزل". رواه ابن أبي شيبة بسند صحيح هـ - عن أبي رزين قال: "كنا نصلي مع علي الجمعة فأحيانا نجد فيئا وأحيانا لا نجده". رواه ابن أبي شيبة وإسناده صحيح على شرط مسلم. قلت: وهذا يدل لمشروعية الأمرين الصلاة قبل الزوال والصلاة بعده كما هو ظاهر١.

стр. 30

ولهذه الأحاديث والآثار كان الإمام أحمد ﵀ يذهب إلى جواز صلاة الجمعة قبل الزوال كما سبق وهو الحق كما قال الشوكاني وغيره وتفصيل القول في هذه المسألة لا تحتمله هذه العجالة فلتراجع في المطولات ك "نيل الأوطار" والسيل الجرار ١/٢٩٦ – ٢٩٧ وغيره سنة الجمعة القبلية لا تثبت ومما سبق تعلم الجواب عن السؤال الثاني الوارد في الفقرة الرابعة: "فمتى تصلى السنة القبلية إذا ثبت؟ " وهو أنه لا أصل لهذه السنة الصحيحة ولا مكان لها فيها فقد علمت من الأحاديث المتقدمة أن الزوال فالأذان فالخطبة فالصلاة سلسلة متصلة آخذ

стр. 31

بعضها برقاب بعض فأين وقت هذه السنة؟ ولهذا المعنى يشير كلام الحافظ العراقي: "لم ينقل عن النبي ﷺ أنه كان يصلي قبل الجمعة لأنه كان يخرج إليها فيؤذن بيين يديه ثم يخطب"١. وقد انتبه لهذا المعنى بعض علماء الحنفية حين ذهبوا إلى أنه إنما يجب السعي وترك البيع يوم الجمعة بالأذان الأول الذي يكون قبل صعود الخطيب وقالوا إنه هو الصحيح في المذهب مع علمهم أنه لم يكن في زمن النبي ﷺ زمن نزول الآية ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ الآية وأنها نزلت في الأذان الذي عند صعود الخطيب على المنبر كما تقدم علموا هذا كله لشهرته في كتب السنة ولم يكتفوا بذلك بل وضعوا قول الطحاوي منهم الذي وافق ما في السنة بقوله: إن الأذان الذي يجب به ترك

стр. 32

البيع إنما هو الذي عند صعود الخطيب فقالوا: "لأنه لو اعتبر في وجوب السعي لم يتمكن من السنة القبلية الخ"١. فهذا اعتراف ضمني بأن السنة القبلية المزعومة لم تكن معروفة في العهد النبوي وأن الصحابة كانوا لا يصلونها لأنه لم يكن آنئذ الوقت الذي يتمكنون فيه من أدائها وهذا أمر صحيح ولذلك قال ابن القيم ﵀ في زاد المعاد في هدي خير العباد: "ومن ظن أنهم كانوا إذا فرغ بلال من الأذان قاموا كلهم فركعوا ركعتين فهو أجهل الناس بالسنة". وتعقبه الكمال ابن الهمام في فتح القدير "١/٤٢٢" فقال بعد أن نقل معنى كلامه دون أن يعزوه إليه: "وهذا مدفوع بأن خروجه ﷺ كان بعد الزوال بالضرورة فيجوز كونه بعدما يصلي الأربع ويجب

стр. 33

الحكم بوقوع هذا المجوز لما قدمنا في باب النوافل من عموم أنه كان يصلي إذا زالت الشمس أربعا ويقول: "هذه ساعة تفتح فيها أبواب السماء فأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح" وكذا يجب في حقهم لأنهم أيضا يعملون الزوال". قلت: وهذا التعقب لا طائل تحته وهو مردود من وجوه: أولا: أنه بناه على أن خروجه ﷺ كان بعد الزوال بالضرورة وليس كذلك على الإطلاق بل كان يخرج أحيانا قبل الزوال كما تقدم. ثانيا: تقدم أنه ﷺ كان يبادر إلى الصعود على المنبر عقب الزوال مباشرة فأين الوقت الذي يتسع لهذا الأمر المجوز؟ ثالثا: لو أن النبي ﷺ كان يصلي أربع ركعات بعد الزوال وقبل الأذان لنقل ذلك عنه لا سيما وأن فيه أمرا غريبا غير معهود مثله في بقية الصلوات وهو الصلاة قبل

стр. 34

الأذان ومثله صلاة الصحابة جميعا لهذه السنة في وقت واحد في المسجد الجامع فإن هذا كله مما تتوافر الدواعي على نقله وتتضافر الروايات على حكايته فإذا لم ينقل شيء من ذلك دل على أنه لم يقع وقد قال أبو شامة في كتابة: "الباعث على إنكار البدع والحوادث": "فإن قلت لعله ﷺ صلى السنة في بيته بعد زوال الشمس ثم خرج؟ قلت: لو جرى ذلك لنقله أزواجه ﵅ كما نقلن سائر صلواته في بيته ليلا ونهارا وكيفية تهجده وقيامه بالليل وحيث لم ينقل شيء من ذلك فالأصل عدمه ودل على أنه لم يقع وأنه غير مشروع" قلت: "موضوع" وأما الحديث الذي رواه أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن ياسر في حديث أبي القاسم علي بن يعقوب "١٠٨" عن إسحاق بن إدريس ثنا أبان ثنا عاصم الأحول عن نافع عن عائشة مرفوعا بلفظ: "كان يصلي قبل الجمعة ركعتين في أهله".

стр. 35

فهو باطل موضوع وآفته إسحاق هذا وهو الأسواري البصري قال ابن معين: "كذاب يضع الحديث". قلت: وتفرد هذا الكذاب برواية هذا الحديث من الأدلة الظاهرة على صدق قول أبي شامة: أنه لو جرى ذلك لنقله أزواجه وذلك لأنه لو وقع لنقله الثقات الذين تقوم بهم الحجة ولا يعقل أن يصرفهم الله عن نقله ويخص به أمثال هذا الكذاب فذلك دليل على اختلاقه لهذا الحديث وأنه لا أصل له رابعا: أن العموم الذي ادعاه في الحديث الذي أشار إليه غير صحيح عند التأمل في نصه الوارد في كتب السنة المطهرة بل هو خاص بصلاة الظهر وإنما جره إلى هذا الخطأ خطأ آخر وقع له في نقل الحديث في المكان الذي أشار إليه وأحال عليه فقد قال فيه "١/٣١٧": أخرج أبو داود في سننه والترمذي في الشمائل عن أبي أيوب الأنصاري عنه ﷺ قال:

стр. 36

"أربع قبل الظهر ليس فيهن تسليم تفتح لهن أبواب السماء". وضعف بعبيدة بن معتب الضبي. وله طريق آخر قال محمد بن الحسن في الموطأ: "حدثنا بكر ابن عامر البجلي عن إبراهيم والشعبي عن أبي أيوب الأنصاري أنه ﷺ كان يصلي أربعا إذا زالت الشمس فسأله أبو أيوب عن ذلك فقال: إن السماء تفتح في هذه الساعة فأحب أن يعد لي في تلك الساعة خير قلت أفي كلهن قراءة؟ قال نعم قلت: أيفصل بينهن بسلام؟ قال: لا". والعموم الذي سبق أن أشار إليه هو قوله: "كان يصلي أربعا إذا زالت الشمس" وصحيح أن هذا عموم وأنه يشمل زوال الجمعة كما يشمل زوال الظهر. ولكن ليس صحيحا نقله بهذا اللفظ سياقه في موطأ محمد "ص ١٥٨" هكذا: "كان يصلي قبل الظهر أربعا إذا زالت الشمس" الحديث.

стр. 37

وهكذا نقله الزيلعي في نصب الراية "٢/١٤٢" عن الموطأ فقد عاد الحديث إلى أنه خاص بصلاة الظهر وزواله كما رجع حجة عليه لا له ومثل هذا الحديث بل أصرح منه "صحيح" حديث عبد الله بن السائب: "أن رسول الله ﷺ كان يصلي أربعا بعد أن تزول الشمس قبل الظهر وقال: إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء وأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح". أخرجه أحمد "٣/٤١١" والترمذي "٢/٣٤٣" وحسنه وإسناده صحيح على شرط مسلم. فانظر إلى النكتة في قوله: "قبل الظهر" عقب قوله: "بعد أن تزول الشمس" فإن كل أحد يعلم أن الزوال إنما يكون قبل الظهر فإنما قيده بذلك ليخرج من عموم: "بعد أن تزول الشمس" صلاة الجمعة فقد آب الحديث متفقا مع الأحاديث المتقدمة النافية لسنة الجمعة القبلية.

стр. 38

خامسا: لو سلمنا ب - "عمومية الحديث" لقلنا بأنه من العام المخصوص بدليل النصوص المتقدمة ولهذا لا يقال أن العلة المذكورة فيه: "إنها ساعة.... الخ" تقتضي أنه ﷺ كان يصلي قبل الجمعة أيضا لأنا نقول: يمنع من ذلك الأدلة المشار إليها على أن غاية ما تفيده هذه العلة محبته ﷺ أن يصعد له في تلك الساعة عمل صالح ولا نشك في أن ذلك كان حاصلا له ﷺ يوم الجمعة أكثر من غيره من الأيام ذلك لأنه في تلك الساعة كان يخطب خطبة الجمعة التي لا بد منها يعظ الناس ويذكرهم بربهم ويعلمهم أمور دينهم فذلك أفضل له ﷺ من أربع ركعات فائدتها خاصة به بينما تلك فائدتها عائدة على المجموع فكانت أفضل. سادسا: "صحيح" روى البخاري "١/٣٩٤" عن ابن عمر قال: "صليت مع رسول الله ﷺ ركعتين قبل الظهر وركعتين بعد الظهر وركعتين بعد الجمعة وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء".

стр. 39

ورواه مسلم "٢/١٦٢" وزاد: "فأما المغرب والعشاء والجمعة فصليت مع النبي ﷺ في بيته". فهذا كالنص على أنه ﷺ كان لا يصلي قبل الجمعة شيئا لا في البيت ولا في المسجد إذ لو كان شيء من ذلك لنقله لنا ابن عمر ﵁ كما نقل سنتها البعدية وسنة الظهر القبلية فذكر هذه السنة للظهر دون الجمعة أكبر دليل على أنه ليس لها سنة قبلية فبطل بذلك دعوى وقوع هذا المجوز كما يبطل به دعوى قياس الجمعة على الظهر في السنة القبلية لم يقل أحد من الأئمة بالسنة القبلية: فثبت مما تقدم أن لا دليل في حديث أبي أيوب على سنية أربع ركعات قبل الجمعة بعد الزوال" ولهذا جماهير الأئمة متفقين على أنه ليس قبل الجمعة سنة موقتة بوقت مقدرة بعدد لأن ذلك إنما يثبت بقول النبي ﷺ أو فعله وهو لم يسن في ذلك شيئا لا بقوله ولا

стр. 40

بفعله وهذا مذهب الشافعي وأكثر أصحابه وهو المشهور في مذهب أحمد"١ وقال العراقي: "ولم أر للأئمة الثلاثة نذب سنة قبلها"٢. وأما الحديث الذي أخرجه ابن ماجه "١/٣٤٧" عن ابن عباس قال: "كان النبي ﷺ يركع قبل الجمعة أربعا لا يفصل في شيء منهن".
следующие страницы →