"انفُذْ عَلى رِسْلِك حتى تَنْزِل بساحتِهم، ثم ادْعُهُم إلى الإسلام، وأخْبِرْهم بِما يجبُ عليهم، فواللهِ لأَنْ يهدِيَ اللهُ بِكَ رَجلاً، خيرٌ لك من أن يكون لَكَ حُمْرُ النَّعم" ١.
*النهي عن الغدر والمُثْلَة في القتال.
*النهي عن قتل من لا يقتضي الجهاد في سبيل الله قتْلَه، وهم الذين لم يُشاركوا منهم في القتال، كالصبيان والنساء، والقسس والرهبان المنقطعين للعبادة في صوامعهم، والشيوخ الكبار المعتزلين للمعركة.
فعن ابن عمر ﵄ قال: "وُجِدَتْ امْرأةٌ مقتولةً في بعض مغازي رسول الله ﷺ ، فنهى رسول الله ﷺ عن قَتْلِ النساء والصبيان" ٢.
*تحريم إفساد الزروع والثمار وإحراق الدور -من غير ضرورة إليه، وتسميم المياه ونحو ذلك، فإنّ ذلك داخِلٌ في عموم النهيِ عن الإفساد في الأرض.
وتبقى بعد ذلك مفاهيم مغلوطة فيما يتعلق بالأخلاق وطبيعة التعامل مع الكفار، يظنها بعض المسلمين من الإسلام، وليست منه في شئ.
وسأشير إلى بعض مظاهر هذه المفاهيم فيما يلي.
стр. 247
٣- مظاهر لبعض المفاهيم المغلوطة:
تتعدّد مظاهرُ المفاهيم المغلوطة في هذا الباب وأسبابُها، وأشيرُ هنا إلى أهمها في النقاط التالية:
أ - الانطلاق من الانفعالات والمواقف الشخصية:
لعل من أوسع أبواب الخطأ في فهم طبيعة التعامل الشرعي، وفي فهم الأخلاق المتعيّنة على المسلم تجاه الكافرين، الانطلاق من الانفعالات والمواقف الشخصية، وليس من خلال النصوص والأحكام الشرعية؛ وبالتالي تأتي المفاهيم والكتابات في هذا الموضوع تبعاً لمواقف الأشخاص، وانفعالاتهم، وطبائعهم، وظروفهم. فهي عندئذٍ تختلف باختلاف القوة والضعف، والشدة واللين، والحماس وضده!.
والواجب أن يكون التعرف على هذا الجانب المهم من الإسلام، من خلال النصوص الشرعية، لا المواقف الشخصية، ولا ما يُمليه واقع العصر١.
والواجب أن يكون ذلك من خلال الرجوع إلى النصوص كلها وفهْمها وَفْق منهج سديد.
ومِن المؤكَّد أن ما يُعبِّر به بعض المسلمين عن إخلاصهم للإسلام تجاه
стр. 248
تعاملهم مع الكافرين مِن تصرفاتٍ انفعالية، يُعبِّرون بها عن الكراهية والعِداء بطريقة لا يُقرّها الإسلام، يظنون أنهم يَنصرون بها الإسلام، إنما هي تصرفات لا تُغْني عن العمل الجادّ لنُصْرة الدين، ولا تَنُوبُ عن خُلق الإسلام وأدبه، ولا تَنِمُّ عنه، ولا تُغْنِي، إنها لا تَخْدم الإسلام في شئ، إنما هي تشنجاتٌ وردود أفعال مخطئة. -هذا على الرُّغم من أنّ الغالب أن تَكُون هذه نتيجةً لحُبِّ الدِّين والغيرة عليه والإيمان الصادق- ولكن الأفضل مِن ذلك: عَملٌ وئيدٌ راسخ يَخدم هذا الدين في أيّ مجال، أو في شتى المجالات، ويَهْتدي بهدْي الإسلام وأحكامه، ويتخلّق بأخلاقه وآدابه ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ... ﴾ ١ ونَصْرُنا لله إنما يجب أن يكون بشرع الله، لا بأهوائنا حتى ولو كانت سائرة في هذا الاتجاه المتشنج من أجْل الدين ما دامت على غير هدْيه!.
ب- الانطلاق من مفاهيم يُظنُّ أنها شرعيةٌ:
هناك عِدّةُ مفاهيم في هذا الباب لا تتفقُ مع ما جاء به الإسلام مِن أحكام، ومع ذلك يَتعامَل بها صاحبها ظناً منه أنها شرعيةٌ يَدْعوه إليها الإسلام، أُشيرُ إلى أهمها في الأسطر التالية.
فمِن أغاليط بعض المسلمين الصالحين في هذه القضية ما يلي:
١ - الظن بأنّ أذيّة المسلم للكافر فيها أجرٌ مطلقاً:
يَظن بعض الناس أن أذية المسلم للكافر مأمور بها شرعاً، وفيها
стр. 249
أجرٌ!!. وهذا الفهم لا يؤيده شيءٌ من النصوص الشرعية، البتّة، ولعل الظن بأنّ هناك نصوصاً من القرآن والحديث تُبيح هذا الصنيع هو الذي أَوْقع بعض الناس في هذا الفهم، أو أنه اختلط عليهم هذا الفهم بما أمرتْ به النصوص المسلمين في قتال الكافرين من الصبر والمصابرة في إيلام العدوّ! وهذا خطأ وخروج عن موضوع تلك النصوص. نَعَم جاء في شأن الدين وفي شأن صفات عباد الله قوله تعالى: ﴿ ... أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ..﴾ ١. وجاء في الحديث: " ... فإذا لقيتم أحدهم في طريقٍ فاضطرُّوه إلى أضيَقِهِ" ٢.وسيأتي بعد قليل بيان معنى ذلك.
٢- الظن بأن التعامل الحسن مع الكافرين حرام:
يَظن بعض الناس أن التعامل الحسن مع الكافرين حرامٌ، منهيٌّ عنه شرعاً!، ويَظن بعض الناس أنه لا يصح الصدق والعدل في حق الكافر!.
وهذا الفهم لا يؤيده شئ من القرآن والحديث، بل يتعارض مع ما جاء فيهما من التأكيد على الصدق والعدل والإنصاف وسائر الأخلاق الحميدة مُطْلَقاً، والتأكيد على تحريم الكذب والظلم والجور وسائر مساوئ الأخلاق مُطْلَقاً. وعموم النصوص في ذلك ليس له مُخَصِّص.
٣- اختلاط مفهوم التعامل الحسن بمفهوم الولاء:
يختلط على بعض الناس مفهوم الولاء، ومفهوم التعامل الحسن مع
стр. 250
الكافرين! وذلك حينما يظن أن التعامل الحسن مع الكافر -مثلاً- موالاةٌ له. وليس الأمرُ كذلك؛ لأن هذا شيء وذاك شيء آخَرُ.
٤-الظن بأنه لا يجوز السلام على الكافر مطلقاً:
يَظن بعض الناس أنه لا يصح السلام على الكافر مطلقاً!. مع أنّ النبي ﷺ "أَتى مجلسَ قوم فيهم أخلاطٌ مِن المسلمين والمشركين عبَدَةِ الأوثان واليهود فسلّمَ عليهم١"، ومثْلُ هذا الحديث ينبغي أن يُضمّ إلى الأحاديث الأخرى بشأن السلام على أهل الكتاب، كقوله ﷺ :" إذا سلّمَ عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم "٢، ومِن هذا القبيل: قوله: "إذا سلّمَ عليكم اليهود، فإنما يقول أحدهم: السامُ عليك. فقُلْ: وعليك" ٣.
وفي ضوء ذلك يُنظَرُ في المراد بقوله ﷺ : "لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام. فإذا لقيتم أحدهم في طريقٍ فاضطروه إلى أضْيَقه" ٤، فإنّ المتعيّن أن يؤخَذَ إلى جانب بقية النصوص؛ الْتماساً للفهم الصحيح لمعانيها، مع التسليم اليقينيّ بأنّ كلَّ ما ثبت عن رسول الله ﷺ فهو حقٌ،
стр. 251
ولكن على مراد الرسول ﷺ . ومن الواضح أنّ مِثْل هذا الحديث مِن القول الذي ظاهرُهُ العموم، والمراد به الخصوص؛ يَدُلُّ على هذا الأحاديث الأخرى، وكذلك الرواية الأخرى: "إني راكبٌ غداً إلى اليهود؛ فلا تبدءوهم بالسلام" ١؛ فعموم الرواية السابقة يُحْمَل على خصوص هذه٢. ومما قاله: قال القرطبيّ في قوله: "وإذا لقيتموهم في طريقٍ فاضطروهم إلى أضْيقه" معناه: لا تتنحّوا لهم عن الطريق إكراماً لهم واحتراماً، وعلى هذا فتكون هذه الجملة مناسبةً للجملة الأولى في المعنى، وليس المعنى: إذا لقيتموهم في طريقٍ واسع فألْجئوهم إلى حَرْفه حتى يضيق عليهم؛ لأن ذلك أذىً لهم؛ وقد نهينا عن أذاهم بغير سبب٣.
٥- الخلط بين تفضيل الإسلام، وتفضيل الخُلُق الشخصيّ للمسلم:
يَظن بعض الناس أنه بحكم الإسلام فإنه يتعين الحُكْم للمسلم أنه أفضل في الخُلق والسلوك الشخصي من الكافر مطلقاً، وأنه لا يمكن أن يوجد كافرٌ أفضل في الخلق والسلوك الشخصي من المسلم! وهذه مغالطة في فهم الدين وفي فهم الواقع؛ إذ الأخلاق الممدوحة في الإسلام إنما هي ممدوحةٌ لِذَاتها، بِغضِّ النظر عن صاحبها، كما أن الأخلاق المذمومة في
стр. 252
حكم الإسلام مذمومة لِذَاتها، بِغضِّ النظر عن صاحبها، مسلماً كان أو كافراً. وقد خَلق الله الناس جميعاً على الفطرة، ولكن الشياطين تَجْتال مَن تَقْدِر عليه منهم!.
ثم كيف يَحق للإنسان أن يفتخر بأخلاقِ دِينِهِ الحقِّ في الوقت الذي قد تَخلى عنها فيه؟!.
والإنسان قد يتحلى بصفاتٍ متناقضة أو متعارضة: صفات محمودة، وأخرى مذمومة! ولهذا فقد يكون المسلم أحياناً -مع ما هو عليه من شَرَف الانتساب إلى الإٍسلام- مُضَيِّعاً لبعض الأخلاق الحميدة، أو مُرْتكِباً لبعض مساوئ الأخلاق.
وربما كان مناسباً التنبيه هنا إلى أنّ المعاملة الحسنة التي يدعو إليها الإسلام في التعامل مع الناس جميعاً، بما فيهم الكفار، ليس مِن لازِمِه الغفلة، وعدم الحيطة والحذر، سواء أكان تعامُلُك مع المسلم، أو مع الكافر، أو مع الكافرين، بل إنّ مِن الواجب على المسلم، وعلى المسلمين، الحيطةُ والحذَرُ، دون الخروج عن أُسسِ دِينهم في التعامل مع الآخرين، لاسيما أن الواقع يُثْبت أنواعاً مِن المكر في هذه الأعصار؛ فَحُسْن المعاملة والخُلُق لا يَعني الغفلةَ وأمْنَ الجانب على كلِّ حال.
стр. 253
الخاتمة
هذا ما يَسّر الله تعالى كتابتَه في هذا الموضوع المهمّ الواسع، وهذا ما اتسعَ له الوقت، وقد كان في النيّةِ أشياءُ وأشياءُ، ولكن، لم يتسع لها الوقت، وربما كان في الإنسان خُلُق معاجَلَةِ المَنيَّة بتحقيقِ الأُمْنِيّة، إضافةً إلى رغبةٍ في البُعد عن الإطالة، ومع ذلك فالبقيّة من الموضوع تستحقُّ المواصَلة، وما تشاءون إلا أن يشاءَ الله ربُّ العالمين.
ومما بقي:
-فصلٌ في تقسيم الأخلاق باعتبار صفة المتحلّي بها وموقعه في المجتمع: أخلاق الداعية، أخلاق الأسرة، أخلاق تعلُّمِ العلم، أخلاق تعليم العِلْم، وأخلاق العلماء، أخلاق الرئيس وأخلاق المرؤوس ... إلى آخره.
-فصلٌ في: الأخلاق والمال.
-فصلٌ في: المروءة وأَهمّيّتها في الأخلاق واكتسابها.
-فصلٌ في أخلاقٍ ينبغي التحلى بها وأخلاقٍ ينبغي الابتعاد عنها.
-فصل في الروايات عن النبي ﷺ غير الثابتة في موضوع الأخلاق.
ولقد تَبَيّنَ للإنسان في السنوات القليلة الماضية تَغَيّراتٌ سلبيّة في أَخلاق مجتمعات المسلمين، جديرةٌ بالمعالجة ووضْع الحلول لها. وذلك كله يؤكِّدُ أَهميّة الموضوع، وأَهمّيّةَ مواصلته. ولعلّ عزاء مَن أَراد أَن
стр. 254
يَكتبَ في مثْل هذا فلم يَستطع، أَن يَعْلم أَن العلاج لكل داء موجود في كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ لكل مِن رَغِب فيه وأَقبلَ عليه.
وقبْل أَن أُوَدّع القارئ العزيز، يَحْسُنُ التذكير بأَنّ مِثْل هذا الموضوع-بالنظر إليه موضوعاً أَخلاقيّاً تربويّاً- لايَكفي فيه القراءة العابرة، ولا القراءة لمرّةٍ واحدة، وإنما يَحتاج إلى القراءة المتكرِّرة ما بين فَينةٍ وأُخرى، بعقلٍ وقلبٍ حاضرين، والله يؤتي الحكمة من يشاء.
اللهم: قبولاً، وسَداداً، ونَفْعاً لعبادك: كبيراً وصغيراً، قريباً وبعيداً، موافِقاً ومخالفاً، طائعاً وعاصياً، مُصيباً ومُخْطئاً!!.
سبحانك اللهم وبحمدك، أَشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأَتوب إليك. سبحان ربك رب العِزّةِ عمّا يَصِفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أَجمعين!!.