← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7527

الأخلاق الفاضلة قواعد ومنطلقات لاكتسابها

عبد الله الرحيلي

Полный текст (254 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ب- الأحاديثُ في الموضوع: فيما يلي بعض الأحاديث النبوية الشاهدة أيضاً بهذه المعاملة الشرعيّة الواجبة على كل مسلمِ تُجاه أَخيه المسلم؛ فمِن ذلك قوله ﷺ : ١- في تحديد مَن هو المسلم الذي له حقوق المسلم: "من صلّى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا؛ فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمّة رسوله، فلا تُخْفِروا الله في ذمته" ١. ٢- في تحريم عِرْض المسلم ودمه وماله: "كلُّ المسلم على المسلم حرامٌ: دمه، وماله، وعِرْضه" ٢. ٣- في اتّباع جنازة المسلم عموماً والصلاة عليه: "من اتبع جَنَازَةَ مسلمٍ إيماناً واحتساباً، وكان معه حتى يُصلَّى عليها، ويُفرغَ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، كل قيراطٍ مثل جبل أُحد، ومن صلّى عليها ثم رجع قبل أن تُدفن فإنه يرجع بقيراطٍ" ٣.

стр. 212

ولَمْ يُحدِّد مَن يكون هذا سوى أَن يكون مسلماً، ولَمْ يَذْكُر له صِفاتٍ مخصوصَةً، يكفي أَن يكون مسلماً، والله هو الذي يَتولّى سرائرَ الناس. ٤- في تحريم معاداة المسلم وإيذائه: قال ﷺ في الحديث القدسيّ أَن الله تعالى قال: "مَنْ عادى لي وَليّاً فقد آذنته بالحرب" ١. وقال ﷺ : "من كانت له مَظْلَمَةٌ له لأخيه: من عِرْضِه، أو شيء؛ فليتحلله منه اليوم، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم؛ إن كان له عملٌ صالِحٌ أُخِذَ منه بقدْر مَظْلَمَتِهِ، وإن لم تكن له حسناتٌ أُخذ من سيئات صاحبه فحُمِلَ عليه" ٢. وقال ﷺ : "أَتدرون مَن الْمُفْلِسُ؟ " قالوا: الْمُفْلِسُ فينا مَن لا دِرهمَ له ولا متاعٌ. فقال: "إنّ الْمُفْلِسَ مِن أُمّتي مَن يأتي يوم القيامة بصلاةٍ، وصيامٍ، وزكاةٍ، وقد شتمَ هذا، وقذَفَ هذا، وأَكل مال هذا، وسفكَ دمَ هذا، وضربَ هذا؛ فيُعطَى هذا مِن حسناته، وهذا مِن حسناته؛ فإنْ فَنِيَتْ حسناتُه قبْلَ أَن يُقضى ما عليه أُخِذ من خطاياهم فَطُرِحتْ عليه؛ ثم طُرِحَ في النار" ٣.

стр. 213

وعن جابرٍ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنّ الشيطان قد أَيسَ أَن يَعْبُدَهُ المُصَلُّون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم"١. ٥- وقال في فضلِ قضاء المسلم حاجة أخيه وتحريم أَذيّته أيضاً: "المسلمُ أَخو المسلم لا يَظْلمه ولا يُسْلمه، مَن كان في حاجةِ أَخيه كان الله في حاجته، ومِن فَرَّج عن مسلمٍ كربةً فَرَّج الله عنه بها كربةً مِن كُرَبِ يوم القيامةِ، ومَن سَتَرَ مسلماً سترهُ الله يوم القيامة" ٢!!. فما أَعظمَ فضلَ الله، ولكنّا عن هذا غافلون، إنّا لله وإنّا إليه راجعون! وما بالُك بِمَن يَعكِسُ هذه الأخلاقَ، كما نشاهده مِن بعض المسلمين اليوم! أَليس العقاب على ذلك بعكسِ الثوابِ على هذه؟! وهذا زيادةٌ على ما وَردَ من عقوباتٍ عليها بخصوصها، نسأل الله السلامة والعافية، وأَن لا يَحْرِمنا فضله ورحمته بسوء أعمالنا. وانظر كم الفرق بين أن يَظلم الإنسان أخاه وبين أن لا يُسْلمه، وكم هو الفرق بين أن لا يُسْلمه وبين أن يَطْلبه هو ظُلْماً وعدواناً، بل لعلَّه يَطْلبه في دينه وعقيدته ونيّته!!. وقال ﷺ : "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً ... " ٣. وقال ﷺ : "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قال: يا رسول الله: هذا

стр. 214

ننصره مظلوماً، فكيف ننصره ظالماً؟ قال: "تأخذ فوق يديه" ١. وقال النبي ﷺ : "لا يَرْمي رجلٌ رجُلاً بالفسوق، ولا يرميه بالكفر إلا ارتدّتْ عليه إن لم يكن صاحبُهُ كذلك" ٢! وقال ﷺ : " ... ومَن لَعَن مؤمناً فهو كقتله، ومَن قَذَف مؤمناً بكفرٍ فهو كقتله" ٣!. وقال ﷺ : "لا يَدْخل الجنة قتّاتٌ" ٤. والقتّات هو النمّام الذي يسعى بالحديث بين الناس لإفسادِ ما بينهم. وقال ﷺ : "لا تَباغَضوا ولا تحاسَدوا ولا تَدَابروا وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يَحِل لمسلم أن يَهْجر أخاه فوق ثلاثة أيام" ٥. وقال ﷺ : "إياكم والظن؛ فإنّ الظن أكذبُ الحديث، ولا تحسّسوا ولا تجسّسوا، ولا تَناجشوا، ولا تَحاسدوا، ولا تَباغضوا، ولا تَدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً" ٦!.وسَرِّح الطَّرْف في حال كثيرٍ مِن المسلمين اليوم في هذه المعاني؛ فماذا عسى أَن تقول؟!.

стр. 215

٦-في الحث على حُسْن معاملة المُسْلِم بصفةٍ عامّة: قد أوجَبَ الله تعالى للمسلم على المسلم حقوقاً محدَّدة، وحقوقاً عامّة مُطْلقةً، يَجْمعها حُسْن المعاملة؛ بإيصال البر وكَفِّ الأَذى، بما في ذلك حُسْن الاستقبال، والبشاشة والبِشْر، وطلاقة الوجه، وإظهار السرور بمقابلتِه، فقال النبي ﷺ : "تَبَسُّمُكَ في وجْه أخيك لك صدقةٌ، وأَمْرك بالمعروف ونَهْيُك عن المنكَرِ صَدَقَةٌ، وإرشادك الرَّجُلَ في أرض الضلال لك صَدَقَةٌ، وبَصَرُك للرَّجل الرديء البصر لك صَدَقةٌ، وإماطتك الحجر والشوكَ والعظمَ عن الطريق، لك صَدَقةٌ، وإفراغُك مِن دَلْوِكَ١ في دَلْوِ أَخيك لك صَدَقَةٌ" ٢، ولاحِظْ قوله ﷺ :لك صَدَقَةٌ، لك وليس على أَخيك!! وقال: "لاتحقرنّ من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طَلْقٍ" ٣، وقال البراء بن عازب ﵁: "أَمَرَنا رسول الله ﷺ بسبعٍ، ونهانا عن سبعٍ: أَمَرَنا باتّباع الجنائز، وعيادة المريض، وإجابة الداعي، ونَصْر المظلوم، وإبرار القَسَم، وردِّ السلام، وتشميت العاطس،.." ٤، وقال ﷺ : "والذي نفسي بيده،

стр. 216

لا تَدْخلون الجنّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا، أَوَ لا أَدلُّكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم؟ أَفشوا السلام بينكم" ١، ولاحِظْ قوله ﷺ :"ولا تُؤمِنوا حتى تحابُّوا"، ولاحِظْ العموم في مخاطبة المؤمنين جميعاً بهذا الخطاب، وإثبات هذا الحقَّ لهم جميعاً، ولم يَستثنيَ-مثلاً- عاصياً، أَو مبتدِعاً!!. وقال ﷺ : "فُكُّوا العاني [يعني الأسير] وأَطعِموا الجائع، وعُودُوا المريض" ٢، وقال ﷺ : "حَقُّ المسلم على المسلم خمسٌ: رَدُّ السلام، وعيادة المريض، واتّباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس" ٣. وكم مِن المسلمين اليوم مَن قد عَكَسَ هذه الأخلاق بضدّها، كأنّ الله سبحانه قد نهاه عن هذه وأَمَرَهُ بذلك!!. وقد جاءت أحاديث عن النبي ﷺ في فضل الخُلُق الحسن وثوابه، مِن ذلك قوله: "ما من شيء أَثقلُ في ميزان المؤمن يوم القيامة مِن خُلُقٍ حَسَن؛ فإنّ الله تعالى لَيُبْغِضُ الفاحش البذيء"٤، وقال ﷺ : "ما من شيءٍ يُوضَع في الميزان أَثقلُ مِن حُسن الخُلُق، وإنّ صاحِبَ حُسن الخُلُق لَيَبْلُغُ به دَرَجَةَ صاحِبِ الصوم والصلاة" ٥، وعن أبي هريرة

стр. 217

رضي الله عنه قال: "سئل رسول الله ﷺ عن أَكثر ما يُدْخلُ الناسَ الجنّةَ، قال: "تقوى الله وحُسْن الخُلُق". وسئل عن أكثر ما يُدْخل الناسَ النارَ، قال: الفم والفرْجُ" ١. وأَخرج الترمذيّ بالسند عن عبد الله بن المبارك أنه وَصَف حُسن الخُلق، فقال: "هو بَسْط الوجه، وبَذْل المعروف، وكَفُّ الأذى" ٢!!. وقال ﷺ : "اتّقِ دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" ٣. ويَصْعُبُ أَن نَحْصر الأحاديث في هذا المعنى، شأنها شأن الآيات على ما سَبَق بيانه عند الحديث عنها. والحقُّ أَنِّي مُعْجَبٌ ومُنْدَهِشٌ أَيضاً مِن كثرة أَحاديث الرسول ﷺ في هذا الباب وشمولها واستغراقها لكل صُوَرِ التعامل ومجالاته، وكلُّها عدلٌ ورحمةٌ وإحسانٌ وهُدىً واستقامةٌ، ولا أَدري كيف صُرِفَتْ أَبصارُ أَقوامٍ من المسلمين عنها إلى ضدّها تماماً، نسأل الله عفواً وسلاماً!!. ربنا لا تُزِغْ قلوبنا بعد إذْ هديتنا، وهَبْ لنا مِن لدُنك رحمةً. وحسْبُك أَيها المسلم الصادق أَن تَقرأَ في هذه المعاني الجميلة هذه النصوص الجميلة المحبَّبة إلى النفس وإلى كل فطرةٍ سويّةٍ، وأَن تستسلمَ لها بقلبٍ سليمٍ، وأَن تَدَعَ كل ذي خُلُقٍ لئيمٍ، في غوايته يَهِيم، وتلتزم

стр. 218

الصراط المستقيم، وتستعيذ بالله مِن الشيطان الرجيم، وتَدَع الجدال في الدين، وتبتعد عن مماراة الجاهلين والحاقدين على المسلمين -باسم الحرص على الدين-وأن تختصِرَ الطريق على نفسك بالاستمساك بكل ما جاءك عن الله وعن رسولِه الكريم الذي لا يَنطقُ عن الهوى، وأن تَعْلم أنه ﷺ قد بَلَّغَ البلاغ المبين، ولم يَتْرك مجالاً للزائدين والناقصين في الدين قليلاً ولا كثيراً، وأنْ تُلْزِمَ نفسَك بأن لا تَترك الحديث إلا لحديث مِثْلهِ يَقْضِي بتركه-بنسْخٍ أو تخصيصٍ أو تقييدٍ- وأَنّ عمومات أَلفاظ الكتاب والسنّة ومُطْلقها ليس لأحدٍ مِن البشر أَن يُخصِّصها أَو يُقيّدها-مِن تِلقاء نفسه، بغير آيةٍ أو حديث-إِلا أَن يَدّعي أَنه رسول جديد!!. وحَسْبك أَن تقرأَ النصوص الشرعيّة على ما أَراد الله بها، دون تأويلٍ متَكَلَّفٍ!. وحَسْبك دليلاً على بطلان الباطل والمسالك الحائدة عن هدايات هذه النصوص أَن تقرأَ على الباطل وأَهله الآيات والأحاديث، وكفى!. ثم: الإيمان، والفطرة، والعقل، كلها تشهد مِن داخلِ الإنسان بما جاءت به نصوص الكتاب والسنّة. وأَصولُ منهج أَهل السنة والجماعة على هذا المنهج، وبه عَظُمتْ هذه الأصول عند مَن عَرَفها.!!. ج- الدَّلالةُ العامّةُ لهذه النصوص: وهذه النصوص من الكتاب والسنّة، وما في معناها، عامّة الدلالة بحيث تَستغرِق كل الأحوال، وتستغرِق كل الأشخاص، من الطرفين

стр. 219

المتعامِلَين؛ فإنها لم تُحدِّد ظرفاً أو حالةً لتطبيق هذه الأخلاق فيها، ولا شخصاً أو أشخاصاً مِن المسلمين لالتزام هذه الأخلاق معهم، لا بأشخاصهم وأعيانهم، ولا بصفاتٍ أخرى زائدةٍ على ما جاء في النصوص هذه؛ بحيثُ يتعلق بها الحكم؛ فإذَنْ يَبْقى هذا العموم الذي جاء به كلام الله وحديث رسوله كما هو؛ فلا يُخرَجُ عنه إلا باستثناءٍ مِن الله أو مِن رسوله ﷺ ، ولم يَرِد عنهما استثناءٌ في الواقع. وبناءً على ذلك فإن الواجب على كل مسلم أن يسير في معاملته لإخوانه المسلمين وعلاقاته معهم وَفْق هذه الأخلاق؛ التي عليها مدار صلاحِ ذات بينهم، واستقامتُهم في دينهم، وبالخروج عن ذلك فساد حالهم في الأمْرين. لقد رَبَط الله هذه الحقوق الإيمانيّة الأخويّة بدينه، يتجلى هذا في كلٍ من جانِبَي الإيمان والتشريع، فمِن حقوق الإيمان الالتزام بهذه الواجبات تجاه كل مؤمن، ومِن الأخذ بشرع الله سبحانه الالتزام بهذه الواجبات للمسلمين، ولذلك فإن مِن مَواطِن ذكْر الأحاديث في هذا الموضوع كِتاب الإيمان من كُتُب السنّة-إضافةً إلى كتاب الأدب، والبر والصلة، وكتاب المظالم وغيرها- لأن النبي ﷺ قد رَبَطها بالإيمان. كما أن التشريع والأحكام كثيرٌ منها قد جاء لصيانة الأخوّة والحقوق بين المسلمين وجمْع كلمتهم، والحفاظ على وحدتهم، سواء ما يتعلق بالبيوع والمعاملات أم ما يتعلق بسواها!. وقد جاءت النصوص بإثبات هذه الحقوق والواجبات بين المسلمين بصفةٍ عامّةٍ لا تُسقطها معصيةٌ ولا خلافٌ باسم الدين أم الرأي أم بأي

стр. 220

سببٍ آخر، وفي الحديث عن عمر بن الخطاب ﵁: "أن رجلاً كان على عهد النبي ﷺ كان اسمه عبد الله، وكان يُلَقّبُ حِماراً، وكان يُضحِك رسول الله ﷺ ، وكان النبي ﷺ قدْ جَلَده في الشراب، فأُتي به يوماً، فأَمر به فجُلِد، فقال رجلٌ مِن القوم: اللهم الْعَنْه، ما أَكثرَ ما يؤتى به، فقال النبي ﷺ : "لا تَلْعنوه، فوالله ما عَلِمتُ إلا أنه يُحبُّ اللهَ ورسولَه" ١. وانظرْ إلى التجانس في المعنى في قوله ﷺ "المؤمن للمؤمن كالبنيان يَشُدُّ بعضه بعضاً.." ٢؛ فالمؤمن هذا شأنه، والإيمان هذا أَثَرُه، فمن ادّعاه فليَنْظر في مدى اتّصافه بهذه الصفة، والتجانس كذلك بين صفة الإيمان ومعاملة المؤمن!! والتجانس كذلك في قوله: "لا يُؤمِن أَحدكم حتى يُحِبَّ لأخيه مثلَ ما يُحِبُّ لنفسه.." ٣، والتجانس كذلك بين الإسلام وسلامة المسلمين مِن يَدِ المسلم ولِسانه في قوله ﷺ : "المسلم مَن سَلِم المسلمون مِن لسانه ويَدِهِ.." ٤. وفي الحديث عن أبي موسى ﵁، قال: قالوا: يا رسول الله أَيُّ الإسلام أفضل؟. قال: "مَن سَلِم المسلمون مِن لسانه ويَدِهِ ... " ٥!!. وانظرْ كيف عَرَّف النبي ﷺ المسلم بما يُشْعِرُ بالْحَصْرِ بأن: "المسلم

стр. 221

مَن سَلِم المسلمون من لسانه ويده"، مِثْلُ قوله ﷺ : "الحجُّ عَرَفَةُ"، كأن عرفة أهمُّ شيء في الحج يَكون به الحج حجّاً، وكأن هذه الصفةَ في المسلم أهم شيء فيه يَكون بها مسلماً!!.

стр. 222

ثانياً: مظاهرُ لمفاهيمَ مغلوطةٍ: تتعدّد المفاهيم المغلوطةُ في هذا الباب، والتي قد يَحْرص عليها صاحبها؛ لظنّهِ أَنها مِن الدِّين وما هي من الدِّين، ومنها ما يلي: ١- الظنُّ بأنّ المخالَفَةَ في الرأي تُوجِبُ العِداء والإيذاء: يَظن بعض الناس أن المخالفة في الرأي، أو المخالفة في المذهب، أو في منهج الفهم، أو في الطرائق والأساليب، ونحو ذلك، يُسوّغ للإنسان أن يَتّهم أخاه المخالف له بأيّ تهمة، عقدية أو غير عقدية!. وهذا تَصَوُّرٌ ليس عليه دليلٌ صحيحٌ مِن شرْعٍ أو عقْلٍ أو فِطْرَةٍ!. ٢- الظن بأنّ المسلمَ المخالِفَ لا يَصِحُّ ذِكْرُ شئ مِن محاسنه أو العَدْلُ معه: يَظن بعض الناس أن المسلم المخالِف له لا يصح ذِكْر شئ من محاسنه، ولا يصح العدْل في حقه أو في التعامل معه! وهذا مسلكٌ لا دليل عليه أيضاً، ولَمْ تَنُصّ عليه نصوص الكتاب والسنَّة، وما ذَهبَ إلى هذا إلا مَن لم يقف على مجموع النصوص بتجرّد، أو مجتَهِدٌ مُخْطئٌ، أَوصِنْفٌ ثالثٌ نعوذ بالله منه. والواجب على مَن أراد الصواب والسلامة أن يَتَخلّص من كل هذه الأسباب الصارفةِ عن الحقِّ والفطرةِ في هذا الموضوع.

стр. 223

٣- الظنّ بأنّ المسلم المخالِفَ لا يَصحُّ إحسان الظنّ به: يَظن بعض الناس أن المسلم المخالف له لا يصح إحسان الظن به، بل الواجب إساءة الظن!. وهذا يخالف ما دلّتْ عليه نصوص الكتاب والسنة، ويُناقِضُ واقعَ الحال! إذ الواقع أنه ليس كل مخالِفٍ للإنسان فهو على السوء والخطأ، ولو قال قائلٌ بهذه النظرة؛ لقيل له: ومَن هو الذي له أن يَحْكم بهذا الحكم في شأن غيره مِن الطرَفين المُختَلِفَين؟! أو مَن ذا الذي هو في مكان التزكية منهما، ومَن الذي هو بضدّ ذلك مِن الطرفين؟! وقد قال الله تعالى: ﴿ ... فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ ١، وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً. انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُبِيناً﴾ ٢وقال تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ٣؛ ولم يَخُصّ –سبحانه- هؤلاء القوم بأُناس مُحَدّدين؛ فيَبقى عموم اللفظ على حاله، ليَدْخُلَ فيه أيّ قوم، بل لم يُحَدَّد حتى بالمسلمين، فيَصْدق هذا على المسلمين وغير المسلمين! فأين الوِجهة أيها الظالم لنفسه ولغيره من الناس بِسُلوكِكَ هذا المسْلَكَ الخطأَ باسم الدين؟!.

стр. 224

٤- الظنُّ بأنه يَجوز الحُكْمُ على عقائد الناس بالظنّ: يَظُن بعض الناس أَنه يَجوزُ له أَن يَحكمَ على عقائد الناس-رجماً بالغيب- طالما أَنه على المنهج الحقِّ! وليس الأَمرُ كذلك؛ إذْ هو مخالفٌ للأدلة من الكتاب والسنّة، وكثيراً ما يستجيز هذا مَن يستجيزه مِن المسلمين –للأسف- تنصيباً لنفسه في مقام المُدافع الوحيد عن الدين مِن بين إخوانه المسلمين، وحِرصاً منه، بزعمه، على إقامة الناس على الدين، وليس بهذا يتحقّق الصلاح والإصلاح، وليس بهذا جاء الكتاب والسنّة. ومما جاء في حديثٍ عند الإمام البخاريّ: "فقام رجلٌ غائر العينين، مُشرِفُ الوَجنتين، ناشِزُ الجبهة، كثُّ اللحية، محلوق الرأس، مُشَمِّرُ الإزار، فقال: يا رسول الله "اتّقِ الله"، قال: ويلك، أَوَ لستُ أَحقَّ أَهلِ الأرضِ أَن يتّقيَ الله؟!. قال: ثم ولَّى الرَّجلُ. قال خالدُ بن الوليد: يا رسول الله، أَلا أَضربُ عنُقَهُ؟. قال: "لا، لعلَّهُ أَن يكونَ يُصَلِّي". فقال خالدٌ: وكم مِن مُصَلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه. قال رسول الله ﷺ : "إنِّي لَمْ أُومرْ أَن أُنقِّبَ قلوب الناسِ ولا أَشُقَّ بطونهم". قال: ثم نَظَر إليه وهو مُقَفٍّ، فقال: "إنه يَخرج مِن ضئضئ هذا قومٌ يتلون كتاب الله رَطباً، لا يُجاوِزُ حناجرهم، يَمْرقون مِن الدين كما يَمرقُ السّهمُ مِن الرَّمِيِّة"-وأظنه قال-"لئن أَدركتهم لأَقتلنَّهم قتْلَ عادٍ" ١. وجاء في بعض أَلفاظ الحديث عند البخاري أَن الرسول ﷺ قال: "إنّ

стр. 225

مِن ضئضئ هذا، أو في عَقِب هذا قومٌ يَقرءون القرآن لا يُجاوِزُ حناجرهم، يَمْرقون مِن الدِّين مُرُوق السّهم مِن الرَّمِيَّة، يقْتُلونَ أهلَ الإسلامِ ويَدَعون أَهل الأوثان، لئن أَدركتهم لأَقتلنَّهم قتْلَ عاد" ١. ولعلَّك-أَيها القارئ الكريم-تعود مرَّةً أُخرى فتقرأَ الحديث، وتلْحَظ: -صفاتِ هذا الآمر لرسول الله ﷺ بالتقوى! -وكيف أنه يأمرُ رسولَ الله بذلك! -ومطابقةَ بعض أَهل عصرنا-ممن قد يَعُدُّه البعض في جُمْلة الدعاة-لصفاتِ ذلك الرجل ودعوتِه المزعومة. -وتَحَقُّقَ ما أَخبرَ به رسول الله ﷺ !. -وقوله ﷺ : "لا، لَعَلَّهُ أن يكون يُصَلِّي"، وقوله: "إنّي لم أُومر أن أُنَقّبَ قلوب الناس، ولا أَشُقّ بطونهم"، وقوله: "قومٌ يَقرءون القرآن لا يُجاوِزُ حناجرهم، يَمْرقون مِن الدِّين"، وقوله: "يقْتُلونَ أهلَ الإسلامِ ويَدَعون أَهل الأوثان"!. فهل يَغضَبُ مَن على هذه الشاكلة إذا قرأَ حديث الرسول ﷺ هذا، أم سيرعوي عن هذا الطريق الغوي؟! إنّ في ذلك لعبرة لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيدٌ ولم يَحجبه عن الهُدى هوىً أو بدْعة. ولقد ظَنّ بعض الناس أَن هجومه على الدعاة، باسم محاربة البدعة، واتهامه لكثيرٍ منهم بها، براءةٌ له مِن البدعة، وما عَلِمَ أَنه بهذا المسلَك قد ابتدعَ ووقع في البدعة؛ لمجانبته نصوص الكتاب والسنّة وهَدْي النبيّ ﷺ ،

стр. 226

وأَنّ ذلك المسْلك ليس براءةً لصاحبه مِن البدعة ولا تزكيةً له في دينه!! وصَوّرَ بعض الناس اليوم البدعة-وهو يُهاجمها، بتلك الطريقة، على غير هَدْي الكتاب والسنّة-أَن أَيَّ بدعة فهي في العقيدة، وأَن أَيّ بدعة فهي كفْرٌ، وأَنّ صاحبها لا يَصِحّ أَن يُعاملَه أَهلُ السنّة إلا: بالبغض، والتكفير، وسائر تلك الألوان من المعاملة المجانِبة لما جاء به دين الله تعالى! ويُصَوِّر مَن على هذا المَسْلك أَن معاملة المبتدع بما جاءت به النصوص الشرعية-مما يَعْلمه ومما لا يَعْلمه- إقرارٌ للبدعة للأسف!! مع أَنه لا تَعارضَ بين رَدِّ البدعة أَيّاً كانت، وبين معاملة المسلم المعاملة الشرعية ونصْره ظالماً أو مظلوماً بالمعنى الشرعيّ. ومَن أَعطاك أَيّها المسكين هذا الختمَ؛ لتختمَ به على مَن تشاء مِن عباد الله؛ بأَنّ هذا سُنّيّ وهذا مبتدِعٌ، وحسْبَ هواك، آلله أَذِنَ لك بهذا أَم على الله تفترون؟! وهل تأذَنُ لغيرك بأن يأخذ هذا الختمَ بالتناوب معك أو بمشاركتك في هذه الصلاحيّة، أَم أَن الأمر خاصٌ بك، خصّك الله به مِن بين عباده الصالحين!! اللهم إخلاصاً واتّباعاً وفقْهاً، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون، اللهم احفظْ دينك وعبادك وسنّةَ نبيك محمدٍ ﷺ !!. وما أَجملَ قولةَ عبّاد بن عبّاد حين قال: ولا تكتفوا مِن السنّةِ بانتحالها بالقول دونَ العمل بها؛ فإنّ انتحال السنّة دونَ العمل بها كذِبٌ بالقول مع إضاعة [العمل] ١. ولا تعيبوا بالبدع تَزَيُّناً بعيبها؛ فإنّ فساد

стр. 227

أَهلِ البدع ليس بزائدٍ في صلاحكم، ولا تعيبوها بغْياً على أَهلِها؛ فإنّ البغيَ مِن فسادِ أَنفسِكم. وليس ينبغي للمطبِّب أَن يُداوي المرضى بما يُبرِؤهم ويُمْرِضُه ... " ١!!. ٥- استباحة عدَدٍ مِن الأساليب المحرَّمة في التعامل مع المسلم المخالِف: ولقد ترتَّبَ على الظن السابق ذِكره-وهو استباحةُ الطعن في عقائد المسلمين، نُصْرةً للدين، على حدِّ زعْم الزاعمين-استباحةُ ارتكابِ عددٍ مِن الأساليب غير مشروعة، كلُّها ظُلُماتٌ بعضها فوق بعض، للقيام بهذا الواجب المزعوم!. ومِن تلك الأساليب ما يلي: *استباحةُ تتبُّعِ عورات المسلمين بغيرِ حقٍّ، وقد جاء في الحديث: "عن ابن عمر، ﵄، قال: صعد رسول الله ﷺ على المنبر، فنادى بصوتٍ رفيعٍ، فقال: "يا معشر مَن أسلمَ بلسانه ولم يُفْضِ الإيمان إلى قلبه، لا تُؤذوا المسلمين ولا تُعَيّروهم، ولا تتبَّعوا عوراتهم؛ فإنه مَن تَتبَّعَ عورة أَخيه المسلم تَتبَّع الله عورته، ومَن تتَبَّعَ الله عورته يَفضحْه ولو في جوف رَحْله" ٢.

стр. 228

هذا في الذي يتتبَّعُ عورات المسلمين؛ فكيف بالذي يتَّهم المسلمين بما ليس فيهم!. وإذا قال لك مَن هذه حاله: إنه يفعلُ هذا مِن أَجْل الإسلام. فقُلْ له: كَذبتَ، ليس الأمر كذلك؛ لأنَّ هذا الحديث هو كلام رسول الإسلام ﷺ ، والإسلام إنما يؤخذُ عنه وليس عن مثلك!. وقد قال الرسول ﷺ أيضاً: "إنك إنْ اتّبعتَ عورات الناس أفسدتهم، أو كدتَ أن تُفْسِدهم" ١، وقال أيضاً: "إنّ الأميرَ إذا ابتغى الريبةَ في الناس أَفسدهم" ٢. * مخادعَةُ الناس والتعاملُ معهم ليس على أساس النصيحةِ، وإنما بهدَفِ تَطَلُّبِ الفضيحة؛ لأن هذا هو الذي يَسرُّ هذا الصنفَ مِن الناس؛ فيُحِبُّ أحدُهم أَن يُثْبِتَ أن فلاناً مبتدعٌ-مثلاً-ويَدْعُوه ذلك إلى أنْ يتخذ عدداً من الأساليب والوسائل المادِّيّة والمعنويّة، غيرَ مشروعةٍ؛ لتحقيق غايته تلك، ولَعَلّه يزورُ-مِن أجْلِ ذلك الغرض- مَن لا يُحِبُّ زيارته، أو مَن لا يُحبُّه، ولعلَّه يستمِعُ لحديث مَن لا يُحِب سماع حديثه، وقد يكون المتحدِّثُ كارهاً كذلك لاستماع ذلك الشخص لحديثه، ثم يُحَوِّر الزائرُ ويُزَوِّرُ في الكلام قصْداً، أو ينقله على غير فهْمٍ، كلُّ ذلك لِيَنْصُرَ الدين ويُحاربَ البدعةَ بزعمه! -والحمد لله على العافية والسلامة مِن مثل هذه الأمراض٣.

стр. 229

ولقد قال النبيّ ﷺ : ... "ومَن استَمَعَ إلى حديث قومٍ وهم له كارهون أو يَفِرّون منه، صُبَّ في أُذنه الآنِكُ١ يوم القيامة"..٢. وقد يُعمِي أعمى البصيرة عن استعظام هذا الذنْبِ والنفورِ منه، أَنّ الآنِكَ لَمْ يُصَبَّ في أذنيه بعْدُ؛ لأنّ يوم القيامة لم يأتِ بعْدُ!. * وقد يزور أحدُهم أخاه المسلمَ، المخالِفَ له في أمورٍ لعلّها اجتهادية، ونتائج الاجتهاد فيها لا تدور بين الكفر والإيمان، وإنما بين: أَخطأتَ، وأَصَبتَ، يَزوره-ليس لله تعالى إنما- لِيَرْصُدَ عليه خطأً أو خطيئةً؛ فبأيِّهما ظَفِرَ فَرِحَ، وقد يُعامله المَزُور بصدقٍ وصفاءٍ، وقد يُسِرُّ إليه بِسِرِّهِ يَظنّه صديقاً صدوقاً، وما عَلِم أنه عَدوٌّ في ثيابِ صَديقِ، وأنه مِن شِرارِ الناسِ ذَوِي الوَجْهين، الذين أخبرَ عنهم النبيُّ ﷺ !!. ٦-الظنُّ بأن المسلم المخالِف لا يَصحُّ التعامل معه أو إعطاؤه شيئاً من الحقوق: يَظن بعض الناس أن المسلم المخالِف له لا يصح التعامل معه ولا زيارته، ولا يصح إعطاؤه شيئاً من الحقوق الشرعية للمسلم على المسلم!. وقد زار النبيّ ﷺ غلاماً يهوديّاً مَرِض، فقد روى الإمام البخاريُّ في صحيحه: عن أَنسٍ ﵁، قال: "كان غلامٌ يَهوديٌّ يَخْدِم النبيّ ﷺ فمَرِض، فأتاه النبيُّ ﷺ يَعُوده، فقَعَد عند رأسه، فقال له: أَسلِ مْ،

стр. 230

فنَظَرَ إلى أَبيه-وهو عنده-فقال له: أَطعْ أَبا القاسم ﷺ فأَسلمَ، فخرج النبيّ ﷺ وهو يقول: "الحمدُ لله الذي أَنقذهُ مِن النار! " ١؛ فهذا يهوديٌّ يَزوره رسول الله المُبَلِّغ عن ربه ﵎؛ فأين المفر أيها السادر في هذه الطريق المُظلمة الظالمة باسم الدين، والدِّين لا يُقِرُّ بذاك؟!. ٧- الظن بأن المسلم المخالِفَ يَجوز الكلام في عِرْضه: يَظن بعض الناس أنه يجوز له أن يَتكلم في عِرْض أخيه المسلم المُخالِف له ويَطعن فيه-بحُكْمِ هذه المخالَفِة-بمختلف أَوجُهِ الطعن بل قد يَزْعم أنّ ذلك يَجِبُ!. ولكن أين الدليل الصحيح الذي يَسْلم الاستدلال به مِن الاعتراض؟! وكيف يُمْكن أنْ يَقُوم دليلٌ على معارضة جمهور الأدلة الشرعية المُحَرِّمةِ ذلك الناهية عنه أشدَّ النهيِ؟!. ٨- زعْمُ التقرُّبِ إلى الله تعالى بأذيِّة المسلمِ أخاه المسلمَ: يَزعم بعض الناس التقرّبَ إلى الله بأذية أخيه المسلم بأنواعٍ مِن الأذى كتَجهُّمِ الوجه، وعدم ردِّ السلام عليه -تعالى الله عن هذه القُربة-!. وما هذا الخُلُق إلا تعبيرٌ عن انفعالاتٍ نفسيّة وصِفاتٍ شخصيّةٍ يُلْبِسها صاحِبُها لَبوس الدين. ودينُ الله مِنها بُراءٌ! وما هو إلا تأصيلٌ للحقدِ والأذى ومساوئ الأخلاق في مجتمعات المسلمين تأصيلاً دينياً للأسف الشديد، ولكن -بحمد الله- دينُ الله بريءٌ مِن هذا كله، بل قد جاء بضد ذلك، مِن الأخوّة، والعدل، والإنصاف، وحُسْن الظن في مواضعه،

стр. 231

وإفشاء السلام، والإحسان، والسماحة، والصدق، والتثبت، وما إلى ذلك مِن معاني الدين ومقاصده وأخلاقه. وهذه الأوهام يَصعبُ حصرها هنا، وليس هذا مقصوداً في طَرْقِ الموضوع الآن. د- معارَضَةُ هذه الأوهام لما جاءت به شريعة الإسلام: ولكن المتعيّن هنا التأكيد على أن هذا كله يتعارض مع ما جاءت به نصوص الشرع من أصولٍ وفروعٍ في هذه الحقوق؛ فعموم الأمر بالسلام، والأمر بِرَدِّه، وعموم الأمر بالكلمة الطيّبة، والصَّدقة، والإحسان إلى الناس، وإلى القريب والجار، وأمثالها، كلُّها عمومات تَرُدُّ على هذه الأغاليط مِن الأفهام. فمثلاً قوله ﷺ : "مَن كان يؤمِن بالله واليوم الآخِر فلا يؤذِ جاره" ١، وفي روايةٍ: "فلْيُكْرم جاره" ٢، وفي روايةٍ: "فلْيُحْسن إلى جاره" ٣ وأمثال ذلك، يَرُدُّ على مسالك الفهم المخطِئة تلك -وربما الخاطئة-؛ فليس في هذه الأحاديث -مثلاً- اشتراط شروط لإعطاء حق الجار هذا، ولم تأتِ بقية النصوص بشرط أو شروط مِن هذا القبيل!. ومِن الأمثلة أَيضاً ما جاء مِن النصوص في تحريم الظلم بصفةٍ عامّة، مثل ما رواه أبو ذرّ، ﵁، عن النبيّ ﷺ ، فيما يرويه عن ربّه تبارك

стр. 232

وتعالى أنه قال: "يا عبادي! إنّي حرّمتُ الظلمَ على نفسي، وجعلْتُه بينكم مُحَرّماً؛ فلا تظالموا.." ١؛ فإنّ هذا العموم في تحريم الظلم، أيِّ ظلْم، ولأيّ شخص، ومِن أيّ شخص -حتى حَرَّمه الله على نفسه- عمومٌ ليس له مُخَصِّص! ومَن استحلّ شيئاً مِن الظلم لأحدٍ مِن الناس المسلمين أو الكافرين، بل وظُلم الدواب، بدليلٍ صحيحٍ فلْيُظْهرْه! بل ذهَب سُموُّ هذا الدين إلى أبعدَ مِن ذلك في أخلاقه وآدابه فجاءت نصوصه وأحكامه بتحريم أن يؤذيَ المسلم أخاه مِن غير قصْد له، كما هو الشأن في التنفير الصارم مِن أكل الثوم والبصل؛ لا لأنهما حرامٌ حرمةً ذاتيّةً، وإنما لكي لا يتأذى منهما المصلّون وملائكة الله٢!!. وقد روى تميم الداريّ، ﵁، عن النبيّ ﷺ أنه قال: "الدين النصيحة. قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال:" لله، ولرسوله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين وعامّتهم" ٣؛ فهذا هو الواجب: النصيحة. وبهذا العموم، دون قيدٍ أو شَرْطٍ في أداء هذه النصيحة. وإذا كان الدين النصيحة؛ فإنّ معنى هذا أنّه واجبٌ على كل مسلمٍ أن يكون على النُّصْح، وأن يكون على هذا النصح وَفْقَ ما وَرَدتْ به النصوص من عموم. يقول الإمام ابن حبان مُعلِّقاً على هذا الحديث: الواجب على العاقل لزوم النصيحة للمسلمين كافة، وتَرْك الخيانة لهم بالإضمار، والقول، والفعل معاً؛ إذْ المصطفى ﷺ

стр. 233

كان يشترط على مَن بايعه مِن أصحابه النصحَ لكل مسلمٍ مع إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة١!!. ولعلَّ مِن المهم التنبّه هنا إلى أن النُّصْح إما أن يوجَدَ لدى الإنسان، أو يُفْقَدَ، وأنه صفةٌ لا تتجزَّأُ؛ فمن كان ناصحاً مخلِصاً فإنه سيكون ناصحاً مخلِصاً لكلِ مَن أوجب الله له النصيحة والإخلاص؛ فيكون ناصحاً: لله، ولرسوله، ولكتابه، وللأئمة المسلمين، وعامّتهم، ومتى ما رأيت مَن يَدّعي الإخلاص لمجالٍ واحدٍ من مجالات النصيحة دون سواه؛ فاعلم أنه دَعيٌّ وليس كما يقول، فمَن يَزعم الإخلاص لعامّة المسلمين دون وليّ أمرهم، فاعلم أنه ليس على شيءٍ مما يقول، ومَن يَزعم الإخلاص لوليِّ أمر المسلمين في حين أنه غاشٌّ للمسلمين فاعلم أنه ليس كما يَدَّعي! إنّ كلّ مجالات النُّصْح خُلُقٌ ودِينٌ؛ فلا يَصِحّ التفريقُ بينها، ولا معنى له إلا عدمُ الإخلاص، نسألُ اللهَ منه الخلاص!. ومِثْل صفةِ الإخلاصِ صفةُ الرحمة؛ فإنك تجد مَن يتصف بها رحيماً في شتى مَوَاطن الرحمة ومجالاتها، لا يَخُصُّ واحداً مِن ذلك عن سواه، أَمّا أن يَرْحم أولاده فقط-مثلاً-ولا يَرحم مَن عداهم فهذه ليست رحمة الإنسان للإنسان أو رحمة الرحيم في مَوَاطن الرحمة، وإنما هي رحمة البهائم ومَن كان في هواه هائماً!!. وهكذا قُلْ في العموم الذي جاء في باقي النصوص السابقة، وما في معناها، وكذا قُلْ في بقيةِ المعاني في هذا الباب -أعني بابَ المعاملة بين الناس- التي لا

стр. 234

شك في أن مجموعها هو الإسلام -في هذا المجال مِن مجالات الدين- بحِكَمه وأحكامه. وكأننا عنها أو عنه غافلون؛ فإنا لله وإنّا إليه راجعون!. وليس الغريب ارتكاب هذه الأخطاء فقط، وإنما الحرص عليها واتخاذها ديانةً وقُربةً، والدين لا يُقِرُّ ذلك، وإنما جاء بعكسه!. - قال جعفر بن محمد: إياكم والخصومةَ في الدين، فإنها تشغل القلب، وتورِثُ النفاق! ١. - قال الفُضَيل: واللهِ ما يَحِلُّ لك أن تؤذيَ كلباً ولا خنزيراً بغير حقٍّ؛ فكيف تُؤذي مسلماً؟! ٢. وقال الإمام الذهبيّ في مَعْرض تعليقٍ له على حُكم الضحك: وأما التبسُّم وطلاقة الوجه فأرفعُ مِن ذلك كلِّه، قال النبيّ ﷺ : "تَبسُّمك في وجه أخيك صَدَقةٌ" ٣، وقال جريرٌ: "ما رآني رسول الله ﷺ إلا تَبسَّمَ" ٤؛ فهذا خُلق الإسلام، فأعلى المقاماتِ مَن كان بكّاءً بالليل،

стр. 235

بسّاماً بالنهار١. ثم قال: "بقيَ هنا شيءٌ: ينبغي لمن كان ضحوكاً بسّاماً أن يُقصِّر مِن ذلك، ويلومَ نفسَه؛ حتى لا تَمجَّه الأَنفُس، وينبغي لمن كان عبوساً منقبضاً أن يَتبسّمَ، ويُحسِّنَ خُلقه، ويَمْقتَ نفسَه على رداءة خُلقه. وكل انحرافٍ عن الاعتدال فمذمومٌ، ولا بدَّ للنفسِ من مجاهدة وتأديب! " ٢. وقد عَرفنا مِن خلال النصوص الشرعية خطأَ هذه الظنون، وفداحةَ هذه الأخطاء في الدنيا والآخرة!. هـ- خلاصةُ ما يؤدي إليه هذا المبحث: وبِتتبُّعِ هذه النصوص يتبيّنَ لنا ما يلي: ١- أَن هذه النصوص مِن الكتاب والسنّة ليس لها مُعارِضٌ مِن النصوص الأُخرى. ٢- وأن الأحكام الواردة في الكتاب والسنّة بشأن هذا الموضوع قد شملت ثلاثةَ أنواعٍ مِن الحقوق للمسلم على المسلم، هي: الحقوق التي على القلب، والحقوق التي على اللسان، والحقوق التي على الجوارح الأخرى؛ فمعنى ذلك أن حقوق المسلم على أخيه المسلم قد استغرقت جوارح الإنسان كلها، ومعنى ذلك أيضاً أن حقوق المسلم على المسلم يَجب أن يَتواطأ عليها القلب واللسان وسائر الجوارح! ٣- وأنه ليس في الكتاب والسنّة نصوصٌ ناسخةٌ لهذه النصوص السابقة

стр. 236

وما في معناها. ٤- وأنه ليس بِمَلْكِ أَحدٍ مِن الناس أن يَدّعيَ أن له الحقَّ أن يَنْسَخ كلام الله تعالى أو كلام رسوله ﷺ !. ٥- وبهذا يَتبين أن هذه النصوص وهذه الأحكام مُحْكمَةٌ غايةَ الإحكام، وأنها: * مِن خصائص الإسلام العظام. * ومِن ثمرات الإيمان بالله تعالى. * ومِن أهمّ وسائل حِفْظ الدِّين وحِفْظ المجتمَع مِن التصدّع والزوال. * ومِن أهمّ وسائل حِفْظ الحقوق بين كلٍّ مِن الأخ المسلم وأَخيه، والراعي والرعيّة، والكبير والصغير. * وأنّ كلّ دعوى أو دعوةٍ تقوم على خلاف هذه الأخلاق التي جاءت بها الآيات والأحاديث، أو على مُعارَضتِها، فهي مرفوضةٌ شرعاً وعقلاً وفِطرةً.

стр. 237

المبحث الثاني: خُلق التعامل مع المخالِف الكافر توطئة: هناك تفاصيل في أحكام علاقة المسلم بغير المسلم، وهي مختلفةٌ بحسب نوع العلاقة، وهل هي مع الأفراد، أو مع الدول، وكذلك العلاقة في السِّلْم، والعلاقة في الحرب. وليس القصد في هذا الموضوع هنا بيان تفاصيل ذلك، وإنما بيان طبيعة هذه العلاقة، وذلك نظراً لارتباطها بالأخلاق، وكذلك نظراً لما وقع فيها من أخطاء عند كثير من المسلمين. وإن الأساس الذي بَنَى عليه الإسلامُ علاقة المسلم مع غير المسلم في الأحوال كلها هو مكارم الأخلاق، وخُلق التعامل الحسن، وخُلق الدعوة في مواضعها، والجهاد في سبيل الله في مواضعه الشرعية؛ فللسماحة مواضعها الشرعية، وللحزم مواضعه الشرعية، وهذه المواضع كلها مبنية على مكارم الأخلاق!. نَعَمْ هذا هو الأساس في تعامل المسلم مع الكافر، على الرغم من أن الكافر مخالِفٌ للمسلم مطلقاً بحُكْم كفره، فلا نحتاج أن نقول: خُلُق

стр. 238

تعامُلِ المسلم مع الكافر المخالف١. وذلك لأن الكافر مخالف للمسلم في أصْل الدين بطبيعة الحال. وفيما يلي حديثٌ عن سمات هذا الموضوع. وربما كان من المهم الإشارة هنا إلى أن البحث في هذا الموضوع قد جاء على اشتراط تَلقّي المفاهيم أو أي موقف في الموضوع من نصوص الكتاب والسنة فحسبُ، وأن تكون هي الموجِّهُ والمرشِدُ والحَكَم في فهم هذا الموضوع.

стр. 239

١- الأصول الشرعية للعلاقة بالكافر غير المحارِب: ينقسم الكافر إلى محارِب للمسلمين وغير محارِب، ولكلٍ منهما في الإسلام أحكامٌ واجبٌ أن يَلتزمَ بها المسلم معه. وأهم مظاهر العلاقة بالكافر غير المحارب في حكم الإسلام ما يلي: ١- كفُّ الأذى والظلم، وعدم التعدي عليه، وهذا مما يَصْدق عليه مثْل قوله ﷺ : "من قَتَلَ معاهَداً لم يَرَحْ رائحة الجنة، وإنّ ريحها توجَدُ مِن مسيرة أربعين عاماً"٢. فهكذا يتحدد هذا الوعيد على لسان رسول الله ﷺ لمن قَتَل الكافر المعاهَد!. ٢- التزام أصول الأخلاق في الإسلام معه، من الصدق والأمانة، والعدل والإنصاف، والرحمة في مواضعها الشرعية، وما إلى ذلك من أصول الأخلاق الحميدة.

стр. 240

٣- جواز إيصال البِرِّ والمعروف الإنسانيّ إليه، ومِن ذلك جواز الهدية والإغاثة، ونحو ذلك من أعمال الأخلاق الحسنة، بضوابطها الأخلاقية الشرعية١. ومِن ذلك الهدية مثلاً؛ فقد قالت أسماء ﵂ للنبي ﷺ -لَمّا قَدِمتْ عليها أُمُّها مشركةً-: إنّ أمي قَدِمتْ عليّ وهي راغبة، أفأَصِلُ أُمي؟ قال: "نعم، صِلي أُمّك"٢، وأهدى عمر بن الخطاب ﵁ حُلّةً إلى أخٍ له مشرك بمكة، كانت قد جاءته مِن النبيّ صلى الله عليه وسلم٣. وأباح الله قبول الهدية من المشركين والكافرين، فقد قَال النبي ﷺ لصاحب الغنم المشرك عندما أراد أن يأخذ منها شاةً: "بيعاً أم عطية"، أو قال: "أم هبةً؟ ". قال: لا، بل بيعٌ، فاشترى منه شاةً٤، وأهدى مَلِكُ أيلة للنبيّ ﷺ بَغْلةً بيضاء، وكساه بُرْداً٥، وكَتَب له ببحرهم٦ فالنبي ﷺ في هذا الحديث قد قَبِلَ الهديّة من الكافر، وأهدى إليه أيضاً؛ وهكذا فإنه تجوز الهدية إلى الكافر، ويجوز قبول هديته٧، من حيث المبدأ، ما لم يقترن

стр. 241

ذلك بما يجعله محرّماً كأن تكون على حساب شئ من الخُلق والدين. وهذا حُكمٌ مطّرِدٌ حتى بالنسبة للمسْلم. على أنّ من اللازم أن يتنبّه المسلم إلى الحذر من تحوِّلِ تعامُلِه مع الكافر أو الكافرين إلى موالاةٍ أو محبةٍ أو تفضيل لهم وتقديمٍ لهم على المسلمين أو مجاملة لهم في مسائل الكفر أو إطراءً لهم أو لعباداتهم أو تهنئةٍ بأعيادهم، ونحو ذلك مما هو مِن شعائر دينهم، أو مُلازِمٌ للكفر.

стр. 242

وهكذا، فإن الإسلام لا يبيح للمسلم أن يتعامل بأخلاق ذات وجهين: - وجْهٍ هو مكارم الأخلاق، للتعامل مع المسلم. - ووجْهٍ هو بضدّ ذلك، لا يندرج إلا في مساوئ الأخلاق، للتعامل مع الكافر. ولكن الإسلام في الوقت نفسه لا يُسَوِّي بين المسلمِ والكافر في مجالٍ آخَر هو مجالُ الدِّين وما يستلزمه من حقوق بين المسلمين، ومجالُ ولايةِ الله ونُصْرته سبحانه. إنّ القاعدة العامة لِتعامُلِ المسلم مع الناس واحدةٌ، هي قاعدة الخُلق الحميد، وهي قاعدة التعامل الشرعيّ، وهي قاعدةٌ تُساوي بين المتساويين وتُفرّق بين المفترقَين على ما سبق بيانه. وتتلخص صورة تَعَامل المسلم مع الكافر في المجالين الآتيين: أ- مجال البر والإحسان ومختلف مكارم الأخلاق: وفي هذا المجال جاءت أحكام الإسلام وَفق ما يلي: ? حَرّم الإسلام الإكراه في الدين، قال الله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ ١. ? أوجب على المسلم الالتزام بمحاسن الأخلاق في مختلف الأحوال والظروف ومع جميع الأشخاص كما سبق بيانه. ? حَرّم على المسلم الغدر والظلم لأي طرَفٍ يتعامل معه، سواء أكان مسلماً أم كافراً. والنصوص الشرعية في هذه المعاني كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿ ... وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ ٢، وقوله ﷺ : "الظلم ظلماتٌ

стр. 243

يوم القيامة" ١، وقوله: "إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، يُرْفَع لكل غادرٍ لواءٌ، فقيل: هذه غَدْرة فلان بن فلان" ٢!، وقد عَقَد البخاريّ على هذا باباً عنوانه: "باب إِثْم الغادر لِلبَرِّ والفاجر! "، ولا يتسع المقام لحصر الآيات والأحاديث المتواردة على هذا المعنى؛ لكثرتها، وقد عَقَد الإمام البخاري في صحيحه كتاباً بعنوان: كتاب المظالم. وعموم النصوص الشرعية في تحريم الظلم لم يُخصصه شئٌ، فلم يَرد شئ من النصوص يُجيز شيئاً مِن غدْر غير المسلم وظلْمه! ? أباح إيصال المعروف والبِرِّ إلى الكافر غير المحارِبِ، على ما دلّتْ عليه الأدلة التي مضت الإشارة آنفاً إلى طَرَفٍ منها. ب- مجال العلاقة مع الكافر على حساب الدِّين: وفي هذا المجال حَرّم الإسلام أن تكون علاقة المسلم بالكافر على حساب الدين والعقيدة والأخلاق، ومِن ثم حرّم الإسلام على المسلم أنواعاً من الأخلاق وصوراً من التعامل مع الكافر، لعل أصولها ما يلي: ? محبة الكافر ومودّته، ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ..﴾ ٣. وهذا حُكمٌ معلَّقٌ بالأوصاف لا الأشخاص؛ ولهذا فإن كل من حادّ

стр. 244

الله ورسوله فإن هذا الحكم مطّرد في حقه، فلا تجوز محبته ومودّته، بل الواجب بغضه في الله، وبُغْضُه ببغض الله له: ﴿ ... فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ ١ ﴿ ... إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ ٢. ? موالاة الكافر من دون المؤمنين ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ... ﴾ ٣. فموالاة المؤمن للكافر لا تجوز ولم يأذن بها الله سبحانه، ولكن المراد بها الموالاة بمفهومها الشرعيّ، وليس كما يتصوره أو يصّوره بعض المسلمين، الذين يمنعون بموجبها أشياء أباحها الله أو أوجبها للتعامل مع الكافر، أو يوجبون بمقتضاها في نظرهم أشياء حرمها الله تعالى. والموالاة المنهيّ عنها هي أن تكون علاقة المسلم بالكافر علاقةً على حساب الدين والخُلق وعلى حساب المسلمين، في أي أمرٍ من الأمور أو حالٍ من الأحوال، سواء أكان ذلك في أمْر النُّصْرة أم المودّة أم في سواهما، ومن ذلك موافقةُ الكافر في منكرٍ ما أو مشاركته فيه.

стр. 245

٢- مظاهرُ طبيعة علاقة المسلم بالكافر المحارِب: إنّ مِن مظاهر طبيعة علاقة المسلم بالكافر المحارِب ما يلي: * النهي عن البدء معهم بالقتال قبل الدعوة، وهو ما أوصى به النبي ﷺ حاملَ الراية في جيشه يوم خيبر -عليّ بن أبي طالب ﵁ بقوله له:

стр. 246

"انفُذْ عَلى رِسْلِك حتى تَنْزِل بساحتِهم، ثم ادْعُهُم إلى الإسلام، وأخْبِرْهم بِما يجبُ عليهم، فواللهِ لأَنْ يهدِيَ اللهُ بِكَ رَجلاً، خيرٌ لك من أن يكون لَكَ حُمْرُ النَّعم" ١. *النهي عن الغدر والمُثْلَة في القتال. *النهي عن قتل من لا يقتضي الجهاد في سبيل الله قتْلَه، وهم الذين لم يُشاركوا منهم في القتال، كالصبيان والنساء، والقسس والرهبان المنقطعين للعبادة في صوامعهم، والشيوخ الكبار المعتزلين للمعركة. فعن ابن عمر ﵄ قال: "وُجِدَتْ امْرأةٌ مقتولةً في بعض مغازي رسول الله ﷺ ، فنهى رسول الله ﷺ عن قَتْلِ النساء والصبيان" ٢. *تحريم إفساد الزروع والثمار وإحراق الدور -من غير ضرورة إليه، وتسميم المياه ونحو ذلك، فإنّ ذلك داخِلٌ في عموم النهيِ عن الإفساد في الأرض. وتبقى بعد ذلك مفاهيم مغلوطة فيما يتعلق بالأخلاق وطبيعة التعامل مع الكفار، يظنها بعض المسلمين من الإسلام، وليست منه في شئ. وسأشير إلى بعض مظاهر هذه المفاهيم فيما يلي.

стр. 247

٣- مظاهر لبعض المفاهيم المغلوطة: تتعدّد مظاهرُ المفاهيم المغلوطة في هذا الباب وأسبابُها، وأشيرُ هنا إلى أهمها في النقاط التالية: أ - الانطلاق من الانفعالات والمواقف الشخصية: لعل من أوسع أبواب الخطأ في فهم طبيعة التعامل الشرعي، وفي فهم الأخلاق المتعيّنة على المسلم تجاه الكافرين، الانطلاق من الانفعالات والمواقف الشخصية، وليس من خلال النصوص والأحكام الشرعية؛ وبالتالي تأتي المفاهيم والكتابات في هذا الموضوع تبعاً لمواقف الأشخاص، وانفعالاتهم، وطبائعهم، وظروفهم. فهي عندئذٍ تختلف باختلاف القوة والضعف، والشدة واللين، والحماس وضده!. والواجب أن يكون التعرف على هذا الجانب المهم من الإسلام، من خلال النصوص الشرعية، لا المواقف الشخصية، ولا ما يُمليه واقع العصر١. والواجب أن يكون ذلك من خلال الرجوع إلى النصوص كلها وفهْمها وَفْق منهج سديد. ومِن المؤكَّد أن ما يُعبِّر به بعض المسلمين عن إخلاصهم للإسلام تجاه

стр. 248

تعاملهم مع الكافرين مِن تصرفاتٍ انفعالية، يُعبِّرون بها عن الكراهية والعِداء بطريقة لا يُقرّها الإسلام، يظنون أنهم يَنصرون بها الإسلام، إنما هي تصرفات لا تُغْني عن العمل الجادّ لنُصْرة الدين، ولا تَنُوبُ عن خُلق الإسلام وأدبه، ولا تَنِمُّ عنه، ولا تُغْنِي، إنها لا تَخْدم الإسلام في شئ، إنما هي تشنجاتٌ وردود أفعال مخطئة. -هذا على الرُّغم من أنّ الغالب أن تَكُون هذه نتيجةً لحُبِّ الدِّين والغيرة عليه والإيمان الصادق- ولكن الأفضل مِن ذلك: عَملٌ وئيدٌ راسخ يَخدم هذا الدين في أيّ مجال، أو في شتى المجالات، ويَهْتدي بهدْي الإسلام وأحكامه، ويتخلّق بأخلاقه وآدابه ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ... ﴾ ١ ونَصْرُنا لله إنما يجب أن يكون بشرع الله، لا بأهوائنا حتى ولو كانت سائرة في هذا الاتجاه المتشنج من أجْل الدين ما دامت على غير هدْيه!. ب- الانطلاق من مفاهيم يُظنُّ أنها شرعيةٌ: هناك عِدّةُ مفاهيم في هذا الباب لا تتفقُ مع ما جاء به الإسلام مِن أحكام، ومع ذلك يَتعامَل بها صاحبها ظناً منه أنها شرعيةٌ يَدْعوه إليها الإسلام، أُشيرُ إلى أهمها في الأسطر التالية. فمِن أغاليط بعض المسلمين الصالحين في هذه القضية ما يلي: ١ - الظن بأنّ أذيّة المسلم للكافر فيها أجرٌ مطلقاً: يَظن بعض الناس أن أذية المسلم للكافر مأمور بها شرعاً، وفيها

стр. 249

أجرٌ!!. وهذا الفهم لا يؤيده شيءٌ من النصوص الشرعية، البتّة، ولعل الظن بأنّ هناك نصوصاً من القرآن والحديث تُبيح هذا الصنيع هو الذي أَوْقع بعض الناس في هذا الفهم، أو أنه اختلط عليهم هذا الفهم بما أمرتْ به النصوص المسلمين في قتال الكافرين من الصبر والمصابرة في إيلام العدوّ! وهذا خطأ وخروج عن موضوع تلك النصوص. نَعَم جاء في شأن الدين وفي شأن صفات عباد الله قوله تعالى: ﴿ ... أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ..﴾ ١. وجاء في الحديث: " ... فإذا لقيتم أحدهم في طريقٍ فاضطرُّوه إلى أضيَقِهِ" ٢.وسيأتي بعد قليل بيان معنى ذلك. ٢- الظن بأن التعامل الحسن مع الكافرين حرام: يَظن بعض الناس أن التعامل الحسن مع الكافرين حرامٌ، منهيٌّ عنه شرعاً!، ويَظن بعض الناس أنه لا يصح الصدق والعدل في حق الكافر!. وهذا الفهم لا يؤيده شئ من القرآن والحديث، بل يتعارض مع ما جاء فيهما من التأكيد على الصدق والعدل والإنصاف وسائر الأخلاق الحميدة مُطْلَقاً، والتأكيد على تحريم الكذب والظلم والجور وسائر مساوئ الأخلاق مُطْلَقاً. وعموم النصوص في ذلك ليس له مُخَصِّص. ٣- اختلاط مفهوم التعامل الحسن بمفهوم الولاء: يختلط على بعض الناس مفهوم الولاء، ومفهوم التعامل الحسن مع

стр. 250

الكافرين! وذلك حينما يظن أن التعامل الحسن مع الكافر -مثلاً- موالاةٌ له. وليس الأمرُ كذلك؛ لأن هذا شيء وذاك شيء آخَرُ. ٤-الظن بأنه لا يجوز السلام على الكافر مطلقاً: يَظن بعض الناس أنه لا يصح السلام على الكافر مطلقاً!. مع أنّ النبي ﷺ "أَتى مجلسَ قوم فيهم أخلاطٌ مِن المسلمين والمشركين عبَدَةِ الأوثان واليهود فسلّمَ عليهم١"، ومثْلُ هذا الحديث ينبغي أن يُضمّ إلى الأحاديث الأخرى بشأن السلام على أهل الكتاب، كقوله ﷺ :" إذا سلّمَ عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم "٢، ومِن هذا القبيل: قوله: "إذا سلّمَ عليكم اليهود، فإنما يقول أحدهم: السامُ عليك. فقُلْ: وعليك" ٣. وفي ضوء ذلك يُنظَرُ في المراد بقوله ﷺ : "لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام. فإذا لقيتم أحدهم في طريقٍ فاضطروه إلى أضْيَقه" ٤، فإنّ المتعيّن أن يؤخَذَ إلى جانب بقية النصوص؛ الْتماساً للفهم الصحيح لمعانيها، مع التسليم اليقينيّ بأنّ كلَّ ما ثبت عن رسول الله ﷺ فهو حقٌ،
следующие страницы →