- مَن أراد الإنصاف؛ فَلْيَتوَهّمْ نفسه مكان خصْمِه، فإنه يَلُوح له وَجْهُ تَعَسُّفِهِ! ١.
- الغالب على الناس النفاق. ومِن العَجَبِ أنه لا يَجُوزُ٢ -مع ذلك- عندهم إلا مَن نافقهم! ٣.
- كَثْرةُ الرِّيَبِ تُعَلِّمُ صاحبها الكذب؛ لكثرة ضرورته إلى الاعتذار بالكذب؛ فَيَضْرى٤ عليه ويستسهله! ٥.
ب- مِن مواقفهم تجاه الأخلاق:
تتعدد مواقف الأسلاف تجاه الأخلاق، وفيها لطائف ودروس وعِبَرٌ، ومن مواقفهم ما يلي:
- قال عليّ بن المدينيّ: سمعتُ سفيان يقول: كان ابن عياش المَنْتُوف يقع في عمر بن ذرّ ويشتمه، فلقيه عمر، فقال: يا هذا لا تُفْرِط في شتمنا، وأَبقِ للصلح موضعاً، فإنا لا نكافئ مَن عصى الله فينا بأكثرَ من أن نطيع الله فيه٦!.
- وسأل رجلٌ سفيان الثوري عن فضْل الصلاة في الصف الأول، فقال له: كِسْرتُكَ هذه التي تأكلها انظرْ مِن أين هي، وصَلِّ في الصف
стр. 37
الأخير١! يعني: انظرْ أحلالٌ أم حرام هي؟.
- وأكل سفيان الثوريّ ليلةً حتى شبعَ؛ فقال: إنّ الحِمار إذا زِيدَ في عَلَفِهِ زِيدَ في عمله! وقام ليلته تلك يُصلي حتى أصبَحَ! ٢.
- ومن كلام المنتصر إذْ عفا عن أبي العَمَرَّد الشاريّ: لذة العفو أعذبُ من لذةِ التَّشَفِّي، وأَقبحُ فعال المُقتدر الانتقام٣!!.
- وعن عبد الجليل بن الحسن، قال: كان أحمدُ بن المعذَّل في مجلس أبي عاصم، فمزَح أبو عاصم يُخَجِّل أحمد، فقال: يا أبا عاصم، إن الله خلقك جِدّاً؛ فلا تهزِلَن، فإن المستهزئ جاهلٌ. قال تعالى:
﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلينَ﴾ ٤، فخجل أبو عاصم. ثم كان يُقعِدُ أحمدَ بن المعذَّل إلى جنبه"٥!.
- "كان بَينَ حسن بن حسن وبين ابن عمِّه علي بن الحسين شيءٌ، فما تَرك حسنٌ شيئاً إلا قاله، وعليٌّ ساكتٌ، فذهب حسنٌ، فلما كان في الليل، أتاهُ عليٌّ، فخرج، فقال عليٌّ: يا ابن عمِّي إن كنتَ صادقاً فغفرَ
стр. 38
الله لي. وإن كنتَ كاذباً، فغفرَ الله لك. السلام عليك. قال: فالتزمَه حسنٌ، وبكى حتى رثى له"١.
- "قال أبو المليح: جاء رجلٌ إلى ميمون بن مِهران يخطب بنتَه، فقال: لا أرضاها لك. قال: ولِمَ؟ قال: لأنها تُحبُّ الحُليَّ والحُلَل. قال: فعندي من هذا ما تُريد. قال: الآن لا أرضاك لها"٢!.
ومواقفهم تجاه الأخلاق في مدح ممدوحها وذمّ مذمومها، قولاً وعملاً، مواقف حميدة عديدة لا يتسع المقام للاسترسال فيها.
стр. 39
الفصل الثاني: قواعد الأخلاق في الكتاب والسنة
توطئة:
...
توطئة:
إن نصوص القرآن الكريم، ونصوص حديث النبي ﷺ كلها، إنما هي في الأخلاق سواء منها ما يتعلق بالأصول أو بالفروع، بالعقيدة أو بالشريعة، وسواء منها ما يتعلق بالمعاملة مع الله الخالق سبحانه، أو مع المخلوقين، أو مع النفس. حتى في إقامة الحدود الشرعية أخلاق حميدة، وحتى في القتل أو الذبح، قال ﷺ : "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة، وليحدّ أحدكم شفرته، وليُرِحْ ذبيحته" ١.
ولهذا ليس بإمكان أحدٍ من الناس أن يَحْصر نصوص الكتاب والسنة الواردة في الأخلاق ولو جَهِدَ. لقد حاولت مرة أن أجمع الأحاديث المتعلقة بالأخلاق، وبعْد خطوات قررت التوقف عن الموضوع، بسبب هذه الحقيقة الآنفة الذكر حين تكشفت لي، وعلمتُ أن الموضوع بعد ذلك إنما هو موضوع فقْه فقط، بحيث لا يمر الحديث على الإنسان فلا تتبين له علاقته بالأخلاق في حين أنه وثيق الصلة بها.
وما أحوجنا إلى فقهٍ كفقه الإمام البخاري في صحيحه رحمه الله تعالى، نتتبع به نصوص الكتاب والسنة لنفقهها الفقه الصحيح ثم نتّبعها!!.
стр. 40
وفي شأن الأخلاق قد جاءت آياتٌ وأحاديثُ نبويّةٌ بمثابة قواعدَ هدايةٍ ونورٍ، تَنْتَظِر مَن يستخرجها وفق فقْهٍ سليم ويصنفها ويكشف عما فيها من الهدايات كي يُبصّر الناس بها.
وقد رأيت أن أذكر هنا عدداً قليلاً من الآيات والأحاديث الناطقة بقواعد في الأخلاق لا غنى للإنسان عنها، مقتصراً على موضع الشاهد منها بقدر الإمكان.
стр. 41
المبحث الأوّل
آيات ناطقة بقواعد أخلاقية
بما أن نصوص القرآن العزيز كلها تعود إلى مدح الممدوح وذم المذموم من الأخلاق، فلا يستطاع إذَنْ حصر الآيات في هذا الموضوع، فلْنقتصر هنا على نماذج منها فحسب، فمن ذلك:
*- قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْأِحْسَانِ إِلَّا الْأِحْسَانُ﴾ ١؟! قاعدة شرعية ثابتة عامة وهامّة في التعامل تدور عليها المعاملة فيما بين الله وخلْقه، والواجب كذلك أن تكون الأساس لتعاملِ خلقه فيما بينهم، وهي قاعدة مطردة في كل شيء، ولو التزم بها الناس لارتاحوا وأراحوا، ولكن الناس كثيراً منهم، يا للأسف، راحوا!.
*- وقوله تعالى: ﴿ ... وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ... ﴾ ٢، قاعدة شرعية عامة في أقوال الناس، وفي كلام بعضهم مع بعض، لفظاً ومعنىً، أُسلوباً ومضموناً، لو اتّبعوها لعادت عليهم بركاتها راحة وسلاماً في الدنيا والآخرة، وكلما تأملتَ هذا اللفظ الكريم من الآية-على وجازته-انكشف لك وجهٌ أو
стр. 42
أكثر من لطائفه، تأمّل مثلاً عمومَه، وحُسْنَه، والمعاملةَ فيه بالعَدل، والمعاملةَ بالفضل، ونتائجَ تطبيق هذه القاعدة.. إلى آخر ما هنالك!.
* - وقوله سبحانه: ﴿ ... وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ ... ﴾ ١، هذا الجزء من هذه الآية يُحدد قاعدة أخرى في التعامل فيما بين الناس، تذهب إلى أبعدَ في الحُسن مِن سابِقتها، ذلك ليس قول الحَسَن، بل هو قول الأحسن، فلو تأمّلنا مواقفنا، وأقوالنا وأدرناها ليس على الحَسَنِ بل على الأحسن، لكانت حياتنا في الدنيا وفي الآخرة أحسن!.
قُلتُ مَرّةً لابني: لا أَحسنَ مِن أَن تكونَ أَحسنَ! ولا أَسوأَ مِن أَن تَكونَ أَسوأَ!.
* - وقوله تعالى: ﴿ ... وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ... ﴾ ٢ يُوَجِّهنا هذا الجزء من الآية الكريمة إلى قاعدة العفو في المعاملة فيما بيننا، وإلى قاعدة حِفْظ الجميل والفضل الذي كان بيننا، وأن لا يُنسيَناه الخلاف الطارئ، وإذا كان للإنسان طريقان للوصول إلى حقه وتسوية النزاع بينه وبين سواه، هما: طريق الحق بالعدل، وطريق العفو والمسامحة، فإن هذا الجزء الوجيز من الآية يرشدنا إلى أن العفو أقرب إلى التقوى، وهذا تنبيه إلى ما هو أهم من حصول الإنسان على حقوقه، وهو التقوى التي ينبغي أن تكون في حسّ المؤمن وهمّه مقدَّمة على الحرص على حقوقه! وما أحوجنا إلى مقاومة ميولنا الجامحة نحو استيفاء حقوقنا في مواقف
стр. 43
* الخلافات مع الآخرين التي نحرص عليها حتى ولو كانت تلك الحقوق المزعومة على حساب الخُلق والدين!، ولْنستحضر ما أعدَّه الله تعالى لمَنْ أخبر عنهم في قوله: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ ١.
* - وقوله ﵎: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً ... ﴾ ٢ يُوجِّهنا إلى قاعدة عظيمة في باب الأخلاق والسلوك الشخصيّ، تلك هي طريقة المشي على الأرض، الطريقة التي تَبعُد بالإنسان عن الاستكبار في الأرض حينما يمشي مختالاً بمشيته بغير حق، إنها المشي هوناً! وإلى جانب ذلك قاعدة أخرى، هي: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ !! وما أعظم هذه القاعدة وما أشد أهميتها للسلامة في التعامل مع الآخرين، إنّ هذا أقصر الطرق وأسلمها لقطع حماقة الحمقى وجهالة الجاهلين! ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ !!. وبالمقابل مخالفة هاتين القاعدتين من أعظم أسباب عدم السلامة؛ ذلك لأن من أوسعِ أبواب الشر الاستكبارَ على الناس، ومجاراةَ الجاهلين ومُمَاحَكَتَهم ومجادلتهم والتعامل معهم، لَكَ أن تتصوّر ما وراء تطبيق هاتين القاعدتين من الخير، وما وراء الإعراض عن تطبيقهما من الشر!.
* - وقوله ﵎: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ
стр. 44
الْجَمِيلَ﴾ ١ هذا الكلام الجميل، كلام العليم الخبير، يرشدنا فيه إلى قاعدة مهمة في التعامل، وهي اتّباع مبدأ الصفح الجميل، وربْط تعاملنا مع بعضنا بعضاً بالنظر إلى الدار الآخرة والساعة الآتية لا محالة! فطالما أن الساعة آتية فاصفح الصفح الجميل، ولا تكن لحوحاً في استيفاء حقوقك، وطالما أن الساعة آتية فاحسب حساباً لها أيها الإنسان!. ولَكَ أن تتصور كم تكون الحياة جميلة لو اتّبعنا قاعدة الصفح الجميل في حياتنا، وقاعدة النظر إلى الدار الآخرة والساعة الآتية، وكم تكون الحياة قبيحة مؤذية عندما يغيب أسلوب الصفح الجميل، وأسلوب النظر إلى الساعة الآتية!!.
* - وقوله : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ. وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٢ هذه الآية تشتمل على الأربع قواعد هذه في التعامل بين الناس١-أَخْذ العفو، ٢-الأمر بالعرف، ٣-الإعراض عن الجاهلين،٤-الاستعاذة بالله مِن نزْغ الشياطين. وكلّها متعيّنٌ لاستقامة الحياة وسعادتها، وضدُّها بضدها. وقد رُوي عن جعفر الصادق أنه قال: ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها٣.
* - وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ... ﴾ ٤ هذه قاعدة مطردة وسنّة إلهية ثابتة في قضية الاستقامة
стр. 45
وضدها، والسعادة والشقاء، وهي أن التغيير يبدأ من الإنسان ذاته، ومن داخل النفس ذاتها، وهي قاعدة يحتاجها الناس للتعامل بها مع أنفسهم والتعامل مع سواهم، ويحتاجها المربون والمصلحون، كي يسيروا على نهجها في أساليبهم وطرائقهم، فيأتوا الأمور من أبوابها!.
*- وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ ١ يقرر قاعدة منهجية، ينبغي أن يسير عليها كل مسلم راغب في الخلق الفاضل وفي الخير بعامّةٍ، وهي أن يتأسى برسول الله ﷺ ، ويقتدي به في كل شيء؛ لأنه هو المربي الكامل، وهو الأستاذ في الأخلاق والدين! إن التأسي بالرسول الكريم يستطيعه كل أحد، الكبير والصغير، والعالم والمتعلم والجاهل. وضمير الجمع في قوله سبحانه: ﴿لَكُمْ﴾ يتناول هؤلاء كلهم، ويشمل المسلمين جميعاً!.
*- وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ ٢ هذه قاعدة أخلاقية إصلاحية عامّة، وهي أساسٌ لمن رام منهجاً للصلاح والإصلاح، ولمن رغب في اكتساب مكارم الأخلاق في الكبيرة والصغيرة. فاجتناب الهوى هو الطريق لدخول جنة المأوى! واتّباع الهوى طريق إلى النار وسخط الملك الجبار سبحانه! فما على من رغب في الخلق الفاضل، وفي الخير، وفي جنة الله
стр. 46
ورضوانه، إلا أن يقف هذا الموقف من هواه ومن هوى غيره، نسأل الله التوفيق!.
* - وقوله سبحانه: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ. الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ. وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ..﴾ ١ تشتمل هذه الآية على قاعدة في الأخلاق تتعلق بالباعث الفرديّ والباعث الجماعيّ في أخلاق الإنسان وسلوكه، وتحدد بوضوح هذا الوعيد الشديد من رب العالمين لمن وقع في وبال النزعة الفردية في الأخلاق، فأصبح لا همّ له إلا نفسه، ولا داعي عنده للتفكير في الآخرين! ومن ثم فلا حرج عند هذا الصنف المرذول من الناس أن يسلك هذا المسلك الذي وصمته به الآية!. وما ذُكِر في الآية -من الكيل والوزن- ما هو إلا مثال. وأفعالُ الشر والانحراف تتعدد، والمنحرفون يخترعون من السلوك والأنماط ما يعبّرون به عن نوازعهم الفردية البغيضة، والله المستعان!.
* - وقوله : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ... ﴾ ٢ يقرر نهجاً عامّاً في السلوك والخلق مرتبطاً بالعقيدة والإيمان، ذلك هو إحسان عبادة الله تعالى، والإحسان إلى أَولى الناس بإحسان الإنسان، وهما الوالدان، ولا يكون ذلك إلا بعبادة الله وحده لا شريك له وتقدير الله حق قدره، وبرِّ الوالدين بطاعتهما بطاعة الله وإكرامهما واحترامهما بصورةٍ لا يُقدّم عليهما فيها سواهما من البَشَر
стр. 47
بعد رسول الله ﷺ ، ولا يَعني هذا أن يكون حقهما مسقِطاً لحق غيرهما، كما قد يتصوره بعض الناس، وهذا أمرٌ مرتبطٌ بخُلُقِ الاعترافي بالفضل لأهله.
* - وقوله سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ..﴾ ١ يقرر منهجَ التوحيد في حياة الإنسان، وأنه هو الصواب والعدل، وأن الشرك ظلمٌ عظيم، ولا شك في أنه ينبني على حقيقة التوحيد صلاحٌ عامّ في حياة الإنسان، كما أنه ينبني على الشرك فساد عامّ في حياة الإنسان، كلُّ ذلك في أصول الحياة وفي فروعها. ولو تابعتَ وصايا لقمان لابنه في هذه السورة من بعد هذه الآية لرأيت فيها ما يؤيِّدُ كل خلق حميد، ويدفع كل خلق غير سديد، ولكن المقام لا يتسع لكي نمضي إلى أكثر من هذا، وتبقى العودة إلى القرآن، أو الحياة معه، واجبَ الحياة لمن أراد الحياة، وما هذه الوقفات إلا إشارات سريعة إلى الموضوع أرجو أن تكون مفيدة.
وإن مما يجب أن لا يُنسَى اليقينَ بأن كتاب الله وحديث رسوله قد استوعبا كل ما نحتاجه من بيان عن الأخلاق، بأدق ما يكون، وبأسلوب جميل سهْلٍ معجِز، وما علينا إلا الورود عليهما وفقههما والنهل منهما.
стр. 48
المبحث الثاني: أحاديث ناطقة بقواعد أخلاقية
* - قوله ﷺ : ... "ومن يستعفف يعفّه الله، ومن يستغنِ يغنه الله، ومن يتصبر يصبّره الله ... " ١. هذا الحديث يُنبّه إلى قاعدة مهمّة في سنّة الله في تغيير أخلاق الناس وسلوكهم، وهي أنّ مردّ بداية ذلك إلى الإنسان ذاته، إلى رغبته وإرادته، ثم مباشرته للخطوة الأُولى، وهي فطْم النفس عن الهوى، أو فطْم النفس عن التمادي في الشهوات وعن التمادي في الاستجابة لمطالب نفسه الأمّارة بالسوء ونفسه الهلوعة.
وقد تضمّن الحديث ضرْب المثل بثلاثة أمثلةٍ، وسبيلُ إصلاح النفس تجاهها، وسبيل تحقيق المطلوب فيهاكلها أيضاً يرتكزان على شيء واحد، هو صيام النفس عن كلِّ ما هو ضد المطلوب الشرعيّ، فالعفّة تحصل بالاستعفاف، والغنى يحصل بالاستغناء، والصبر بالتصبر!.
* - قوله ﷺ : "ليس الغنى عن كثرة العَرَضِ، ولكن الغِنى غنى
стр. 49
النفس" ١. يتضمن هذا الحديث بيان المقياس السليم الذي ينبغي أن تستقر عليه النفوس، وتربَّى عليه الضمائر، تجاه النظر إلى مفهوم الغنى، وهو مقياسٌ له أهميته، وله ما بعده حين تتربى عليه النفوس؛ ذلك لأن حُبَّ الغِنى غريزة فطرية في النفس البشرية؛ ومِن ثم جاء هذا النص النبويّ الكريم يستثمر هذه الغريزة البشرية لاستصلاح النفس البشرية وتوجيهها الوجهة السليمة! ويقوّمها عن طريق إصلاح مفاهيمها، كتصحيح مفهوم الغِنى بأنه ليس بكثرة أشياء الإنسان، وإنما بغنى نفسه وهذا هو الواقع المشاهَد!.
* - قوله ﷺ : ... "كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها" ٢. يُنبّه إلى قاعدتين مطّردتين اطّراد حركة الإنسان وسعيه، اطّراداً لا يتخلف وإنْ غفل الغافلون. القاعدة الأُولى: "كل الناس يغدو"؛ فالناس جميعاً في حركةٍ وفي عملٍ وفي غدوّ ورواح، حتى الجالسين منهم والنائمين!. والقاعدة الثانية: "فبائعٌ نفسه فمعتقها أو موبقها". إنها نتيجةٌ ملازِمةٌ للقاعدة الأولى إن نتيجة ذلك السعيِ بيعٌ لا محالة، ولكنه ليس بيعاً لسلعة أخرى غير نفس الإنسان، إنه بسعيه بائعٌ لا محالة، والإنسان البائع هنا إنما يبيع نفسه، وفي ذلك البيع إما فكاك نفسه من عذاب الله وسخطه وإعتاقها منهما، وإما تسليمُ نفسه لعذاب الله وأسْرها بسخطه، والعياذ بالله.
يقول الإمام النوويّ في معنى هذه اللفظة: "كل إنسان يسعى بنفسه؛
стр. 50
فمنهم من يبيعها لله تعالى بطاعته، فيعتقها من العذاب، ومنهم من يبيعها للشيطان والهوى باتّباعهما؛ فيوبقها أيْ يُهلكها، والله أعلم١.
إنّ فهْم هذه السمة وهذه الشرعة في حياة الإنسان وعواقب تصرفاته أمرٌ بالغُ الأهمية لفهم طبيعة خُلُق الإنسان وسلوكه وكيفية معالجة أخطائه وتربيته.
* - قوله ﷺ : "ليس الشديد بالصُرَعةِ، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" ٢. هذا الحديث يؤسس قاعدةً في المعايير ذات خطر وشأن في استصلاح النفس البشرية، وذلك عن طريق إصلاح مفاهيمها وقواعدها، فالحكم على الأمور ليس بظواهرها وإنما بحقائقها، وكذلك عن طريق تأسيس أحكام الإنسان على فقه الأَولى.
لقد استقر في نفوس الناس حب الشجاعة، وحب القوّة، وتبعاً لذلك الإعجابُ بالرجل الصُّرَعة، فجاء هذا الحديث ليقرر أن الأَولى بالإعجاب ليس الرجل الصُّرَعة، وإنما هو الإنسان الذي يملك نفسه عند الغضب!.
أو أن الحديث يقرر إسناد الوصف بالقوّة ليس للصُّرَعة، وإنما للذي يملك نفسه عند الغضب.
وسواء أكان المراد هذا أو ذاك، أو كلاهما، فإن النص النبويّ يؤسس قاعدة أخلاقية ينبغي أن نَصْدر عنها في أحكامنا، وبالتالي نحاكم إليها سلوكنا وتصرفاتنا.
حقاً إنّ هذا النوع من التوجه التربويّ لتأسيس القاعدة الصحيحة في النفس البشرية توجُّهٌ تربويٌّ لا يُغني عنه سواه من المناهج والجهود
стр. 51
التربوية، ولا يستغني عنه مَن رام إصلاح نفسه أو إصلاح غيره.
* - قوله ﷺ : "من لا يشكر الناس لا يشكر الله تعالى" وفي لفظٍ: "لا يشكر الله من لا يشكر الناس" ١.يُمثّل قاعدة تربوية أخلاقية ضرورية لصلاح النفس البشرية، تلك هي قاعدة التعوّد على شكر ذي الفضل وذي المعروف، وقد أكدها النبي ﷺ ، وأكّد الحرصَ عليها في هذا الدين بالربط بين خُلق شُكر الله تعالى، وخُلق شكر الناس! ثم إن الرابطة واضحة بين هذا وذاك؛ لأن كلاً منهما يعود إلى أصلٍ من أصول الأخلاق هو حب الحق وإيثاره؛ فمن توافر له الأصل الأخلاقيّ أَعطى الحق القليل والكثير، وفي القليل والكثير، وفي الأصول والفروع، وللخالق وللمخلوق وللكبير وللصغير. ويشهد هذا الحديث بجانب جميل شائق من جمال الأخلاق في هذا الدين، تتوافق على اختياره وحُسنه الفِطَرُ الإنسانية السليمة كلها، وتتلقّاه بالقبول والرضا، ولكنّ كثيراً من الناس في بُعْدٍ عن تلقي مثل هذه الأخلاق الجميلة من معينها الأصيل في حين أنهم يبحثون عنها في غير هذا المصْدر!.
* - قوله ﷺ لمن استنصحه: "لا تغضب" ٢. قاعدة ذات شأن عظيم في مجال استصلاح خُلق الإنسان، تتلخص في قوله ﷺ "لا تغضب" وهذا تحديدٌ لبابٍ أساس من أبواب اكتساب مكارم الأخلاق، كما أن
стр. 52
الغضب بابٌ واسع من أبواب الشر وارتكاب مساوئ الأخلاق؛ لأن الغضب-ولا سيما الشديد-يَحُول بين صاحبه وبين الرؤية الصحيحة، ويَحُول بينه وبين التثبتِ والحلمِ والأناة والصبر؛ فهو يصْرفه إذَنْ عن عدد من مكارم الأخلاق، وفي الوقت نفسه لا ينفعه بشيء؛ ولِذا عُدَّ مِن أُصول المعاصي.
إننا نرى الغضب أحياناً كثيرةً يَنقل الإنسان عن دائرة العقل؛ حتى لا نشكّ في أنه شُعْبة من الجنون! وهذا الحديث يَبعُد بالإنسان عن هذا الداء الخطير على الإنسان، جسميّاً ونفسيّاً ودينيّاً.
والنهي في قوله ﷺ "لا تغضب" يتضمن أمرين:
الأول: النهي عن خُلق الاسترسال مع الغضب، وهذا نهيٌ عنه وأمْرٌ بضد ذلك من الحلم والأناة.
الثاني: النهي عن التعرض لأسباب الغضب؛ فالأمر بالشيء أمرٌ به وبما يتوقف تحصيله عليه.
والأمر بالوضوء والجلوس نوع من أنواع معالجة الغضب إذا وقع، فصلِّ اللهم على النبي الكريم معلم الناس الخير!.
* - قوله ﷺ : "البرّ حُسْن الخُلُق، والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس" ١. تنبيهٌ إلى مراعاة ما أودعه الله في النفس البشرية من العقل والفطرة، اللذين يستنكران مِن داخل النفس المنكَر والخطأ؛ فأغلب المخطئين وأغلب الخاطئين إنما وقعوا فيما وقعوا فيه وهم متجاهلون نداء العقل والفطرة من داخل ذواتهم لمّا وقعوا في أسْر لذاتهم!.
стр. 53
* - قوله ﷺ : "إذا نظر أحدكم إلى من فُضّل عليه في المال والخَلْق فلينظر إلى من هو أسفل منه" ١. يتضمن قاعدةً ذات جذورٍ عميقةٍ في النفس البشرية، وهي التعامل مع طبيعة النفس البشرية في توجيهها وتربيتها على الخُلق القويم.
ولقد جُبِل الإنسان على خُلُق مجاراة الآخرين ومحاكاتهم وتقليدهم، كما أن الإنسان مجبول أيضاً على غريزةٍ لا تكاد تنفك عنه، وهي حب التملك والمال، وكذلك حب التميز على الآخرين فيما يُفضّلونه، مِثْلُ المال وجمال الصورة والهيئة.
وهذا الحديث يستثمر هذه الجبلّة البشرية في توجيهه إلى مكارم الأخلاق واستقامة السلوك، فأرشد الرسول ﷺ إلى قاعدة عظيمة في هذا الباب، وإلى سبيلٍ سويّ فطريّ من سبل اكتساب الأخلاق الفاضلة والابتعاد عن ضدها من مساوئ الأخلاق، ولعلها سهلة ميسَّرة لمن عوّد نفسه عليها: "إذا نظر أحدكم إلى مَن فُضّل عليه في المال والخَلق، فلينظر إلى من هو أسفل منه".
إن الإنسان في طبيعة خُلُقه مجبول على موازَنةِ نفسه وأحواله بغيره من الناس وأحوالهم، فإذا هو استثمر طبيعة نفسه هذه في النظر إلى من فُضِّل عليه في المال أو في الخَلق عاد عليه بالضرر وكفران ما هو فيه من نِعَم الله، وربما حَسَد مَن رآه أفضلَ منه، وحَقَد عليه، إلى آخر ما هنالك من مرذول الأخلاق!.
стр. 54
وطريق التخلص من هذا الداء وهذه الأدواء، هو اتّباع ما أرشد إليه النبي المصطفى ﷺ ، بأن ينظر إلى من هو أسفل منه!.
نَعم هذا هو الداء وهذا هو الدواء: نظرةٌ خاطئة، دواؤها نظرة صائبة!.
ومعلومٌ أنّ مجال تطبيق هذه القاعدة هذه إنما هو الذي حدده الحديث، وهو المال والخَلْق، أمّا مجال الدِّين والخُلُقِ فالقاعدة فيه بعكس ذلك، وهي أنْ تَنْظر إلى مَن هو أفضل منك؛ لتتأسى به وتُنافسه في ذلك الخيرِ وذلك الفضلِ؛ ومِن هنا جاءت أهمية القدوة الحسنة، ومِن هنا كان الأمر بالتأسي بالرسل والأنبياء وأُولي الفضل والتُّقى الذين أمرتْ بالاقتداء بهم نصوص القرآن والحديث، على عكس أمور الدنيا والحظوظ الشخصية.
يقول الإمام النوويّ: "قال ابن جرير وغيره: هذا حديث جامعٌ لأنواعٍ من الخير؛ لأن الإنسان إذا رأى مَن فُضّل عليه في الدنيا، طَلَبتْ نفسه مِثلَ ذلك، واستصغر ما عنده من نعمة الله تعالى، وحَرِص على الازدياد؛ لِيَلحق بذلك، أو يقاربه، هذا هو الموجود في غالب الناس، وأمّا إذا نَظَر في أمور الدنيا إلى من هو دونه فيها، ظَهَرتْ له نعمة الله تعالى عليه؛ فشَكَرها، وتواضعَ، وفَعَلَ الخير"١.
إنّ نظرك إلى مَن هو أسفل منك في المال أو الخَلق يورثك رؤيةَ نِعَم الله عليك، ويدعوك إلى الحياء من الله والتواضع له وشكره وحَمْده، فهل نحن فاعلون؟! اللهم آمين.
стр. 55
يا أخي.. يا أخي! لا تكن لنعم الله على عباده مراقباً، وإنما كن لنفسك على نعم الله محاسباً، وكن لإخوانك محبِّاً لا حاسداً ولا حاقداً، وكن لنعم الله عليك شاكراً لا كافراً!.
* - قوله ﷺ : "من سمّع سمّع الله به يوم القيامة، ومن شاقّ شقّ الله عليه يوم القيامة.. إن أول ما يُنتن من الإنسان بطنه فمن استطاع أن لا يأكل إلا طيّباً فلْيفعل ومن استطاع أن لا يحال بينه وبين الجنة بملء كفٍ من دم أهراقه فليفعل" ١. يقرر ثلاثة أمور منهجية، يتعين على الإنسان تذكّرها والأخذ بها في حياته، لتستقيم له في الدنيا وفي الآخرة، وهذه الأمور هي:
الأول: أن الجزاء عند الله من جنس العمل،؛ فمن سمّع سمّع الله به يوم القيامة، ومن شاقّ شقّ اللهُ عليه يوم القيامة؛ فمَن كَرِه لنفسه هذا الجزاء يوم القيامة؛ فليَكره لها ما يوصِلُ إليه ولْيبتعد عن سببه.
الثاني: أن أول ما يُنتِن من الإنسان بطنه مهما أكل، فلْيكُنْ هذا سبباً للامتناع عن أكل الحرام، فما دام أن ذلك هو أسرع ما ينتن من الإنسان، ثم يَجري عليه الحساب؛ فلماذا تَقحُّم الحرام إذَنْ؟!.
الثالث: أن إهراق دم المسلم بغير حق يحول بين الإنسان وبين الجنة؛ فمن كَرِه أن يُحال بينه وبين الجنة فلْيبتعد عن الأسباب، ومنها: إهراق دم المسلم بغير حق.
стр. 56
والحديث يُحدِّد أسباب سعادة الإنسان في حياته في الآخرة والأُولى، وكأنه يُلخّصها في شيئين:
أحدهما: إحسانه عبادة ربه؛ فيُخْلِص العبادة له، ويبتعد عن حرماته سبحانه.
الثاني: إحسانه معاملة عباد الله؛ فلا يأكل أموالهم ظلماً، ولا يُزْهِق أرواحهم عدواناً.
فمن تمّتْ له هذه الأمور الثلاثة التي حددها الحديث ١-الإخلاص، ٢-طِيبُ المطعم،٣-الابتعاد عن قتْل النفس المحرَّمة فقد تمّتْ له أهم أبواب إحسان عبادة الله وإحسان معاملة عباد الله، وكان سائراً على طريق الخير واستقامةِ الأخلاق.
* - قوله ﷺ : "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته ... " ١. يحدّد مسؤولية الإنسان -كل إنسان- في هذه الحياة، وهي تتلخص في أمرين:
الأول: أنه راعٍ.
الثاني: أنه مسؤول عن رعيته.
والإعجاز الآسِرُ للعقول والقلوب معاً في هذا الحديث يتجلى في أمرين هما:
١- إنّ هذه الوظيفة راعٍ تستغرق البشر جميعاً، على اختلاف علائقهم وروابطهم ومهامهم، فلا يَفْلت منها أحدٌ أبداً، بدْءاً من الرسول ﷺ -المتكلم بهذا الحديث- إلى أقل المكلفين في المجتمع الإنسانيّ!.
стр. 57
ثم ما من مهمة يقوم بها الإنسان أو يُكلَّف بها لأداء واجبٍ من هذه الواجبات إلا ولها صفة الرعاية هذه، ويجب عليه أن يستشعر هذا المعنى وهو يؤديها، بأن يشعر بأنه راعٍ. وماذا يُنتظر من الراعي؟! هل يُنتظر منه سوى الحدَب والصيانة، والإخلاص والأمانة؟!.
وهل ضاعت الأمانة في حياة الناس إلا يوم غاب في حِسِّهم استشعار هذا المعنى تجاه واجباتهم؟!.
وهل فسدتْ أخلاق الناس وأحوالهم إلا يوم خَمَد في نفوسهم هذا المعنى تجاه المسؤولية؟!.
٢- أن هذا السؤال عن الواجب وأداء الأمانة لا يُعفى منه أحدٌ من المكلَّفين أيضاً، فهو عامٌّ عموم الوظيفة والواجب.
ويَدخل في عموم السؤال هذا سؤال الله له، وسؤال الناس أيضاً، والسؤال في الدنيا، والسؤال في الآخرة، ولكن الأخير هو المهم.
إن هذه قاعدة أخلاقية أصيلة أساسية لاستصلاح أخلاق الإنسان وسلوكه، وإنّ اكتساب مكارم الأخلاق والبعد عن مساوئها إنما يتوقفان على القناعة بهذه القاعدة!.
* - قوله ﷺ : "إن الله كتب الإحسان على كل شيء ... " ١. قاعدة أخلاقية تربوية قويمة، وقاعدة أساسية لا يُغني عنها سواها، ومِن ثَم جاءت هكذا عامّةً لتدخُل في كل عمل أو تصرّفٍ أخلاقيّ يقوم به الإنسان، ومطّردةً بحيث لا يُستثنَى منها حالة من الحالات.
стр. 58
نَعم إنّ الله كَتَب وفَرَض الإحسان في كل شيء؛ فإذا كان الإنسان لا ينفكُّ عن العمل ما دام حياً، فإن عمله يجب أن لا ينفكَّ عن الإحسان، وإذا كان الإنسان كذلك، فقدْ أصبح على الخُلق الفاضل القويم!.
أرأيتَ كيف يكون حُسن الخُلق في إتقان العمل؟!
أرأيتَ كيف يكون حُسن الخُلق في إحسان العمل؟!
أرأيتَ كيف يصبح الإحسان في كل شيءٍ خلقا حسناً كريماً؟!
إنّ حُسن الخُلق في حياة الإنسان، مظهرٌ من مظاهر الإحسان في كل شيء!.
* ??- قوله ﷺ : "السمع والطاعة على المرء المسلم، فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أُمر بمعصيةٍ فلا سمع ولا طاعة" ١. قاعدة ضرورية لاستقامة الحياة وحسن الخُلق، وهي قاعدةٌ ذات شِقين لا بدّ منهما جميعاً:
الأول: السمع والطاعة في طاعة الله، بغضّ النظر عن الحب والكراهية الشخصيين.
الثاني: لا سمع ولا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق.
ولِتتصوّر شأن هذين المعنيين لك أن تتصوّر كم أردى الناسَ والمجتمعَ وضْعُ العصيان في موضع الطاعة فيما بينهم، وكم أرداهم أيضاً طاعة المخلوقين في معصية الخالق!!
стр. 59
إنّ شأن هذا المنطلق الأخلاقيّ الشرعيّ يتجلى في كون الإنسان لا يخلو عن أن يكون آمراً أو مأموراً. بل الأغلب أن يكون آمراً ومأموراً في الوقت نفسه، وهو في كلا الحالتين وفي جميع أحواله مضطرٌ إلى تطبيق هذه القاعدة والالتزام بها للسلامة والنجاة والسعادة في الدنيا والآخرة!.
* - قوله ﷺ : "إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً" ١. قاعدة للحكم على الناس بأخلاقهم. إنّ مِن خيارنا أحسننا أخلاقاً. هكذا بعموم الأخلاق، وبعموم الحُسن وشموله!.
إن الرسول ﷺ يوضّح أن أخلاق الإنسان عنوانُ خيريته وأفضليته، أو هي عنوانٌ بضدّ ذلك!.
فاصنعْ لنفسك عنواناً ترضاه في الدنيا وفي الآخرة أيها الإنسان!.
* ??- قوله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه مثل ما يحب لنفسه ... " ٢. قاعدة تربوية أخلاقية، ومعيارٌ للأخلاق والسلوك بَلَغ من شأنهما أنْ ربطهما النبي ﷺ بالإيمان؛ فلا يَكْمل إيمان الإنسان إلا بالسير وفق هذه القاعدة وهذا المعيار "لا يؤمن أحدكم حتى يُحِب لأخيه ما يُحب لنفسه" أي حتى يُحب الخير لأخيه. والمعيار فطْريّ جِبلّيّ، وهو أن يُحب له ما يحب لنفسه من الخير الذي جبله الله على حبه لنفسه!.
стр. 60
* - قوله ﷺ : " ... وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه" ١. قاعدة في التعامل مع الناس عادلة، سهلة التطبيق لمن أعمل عقله وضميره في تعامله مع الآخرين؛ فما عليه إلا أن يَنظر ما الذي يتطلع إليه من معاملةٍ حسنة عند الآخرين يَودّ أن يقابلوه بها أو يعامِلوه بها، ثم يُلزم نفسه بمعاملة الآخرين بذلك الخُلق الحسن الذي ينتظره من الناس!.
وحسْبنا هنا هذه الإشارات إلى ما في حديث الرسول ﷺ من هذه المعاني والقواعد الأخلاقية التي لا تشبع منها النفس السويّة!.
стр. 61
الفصل الثالث: القواعد الأساسيّة لاكتساب الأخلاق
مقدّمة
...
مقدّمة:
هذه شذرات أكتبها لتكون بمثابة قواعد في باب الأخلاق، ليست مرتّبة ترتيباً موضوعياً، وإِنما سجلتها بحسب ما أملاه عليّ الموقف أو الحالة التي أشهدها ويشهدها غيري، من تعاملي مع الناس ومن تعامل الناس بعضهم مع بعض، فكتبتُ ما أملته عليّ تلك الأحوال، دون النظر إلى موافقة كلامي لكلامٍ سابقٍ لغيري أو عدمه أو النظر إلى أنّ سواي قد قال مثل ذلك القول..
وإنما أردت من هذا استثمار ظروف الحياة لتطبيق قواعدِ حُسْن الخُلُق، خروجاً من النظريّة إلى التطبيق.
ولا يخفى على المسلم العاقل أن هذه القواعد والمنطلقات، الواجبُ أن تؤخذ في ضوء هدايات كتاب الله تعالى وسنّة رسوله محمد ﷺ ؛ فإنه لا يَضِل من استمسك بهما، وما عدا ذلك فلا عصمة له من الخطأ.
القواعد والمنطلقات الأخلاقية:
١- عامِل الناس بمثل مَا تحب أن يعاملوك به، كما في الحديث الصحيح: " ... وليأت إلى الناس الذي يحبّ أن يُؤتى إليه" ١.
٢- أحِبّ للناس ما تحب لنفسك واكره لهم ما تَكْرهُ لها.
٣- لا يَسُوغُ لك أن تتخذ ظروفك سبباً أو عُذراً لك في الإساءة للآخرين مهما كنت معذوراً عند نفسك.
стр. 62
٤- إِذا أردت تهذيب نفسك فيُمكنُك مخالطة الناس: فما كرهت منهم من أَخلاق فابتعد عنه؛ فإنهم يَكْرهون منك ما تَكرهُ منهم.
٥- لا تَكْتفِ بنقْدِ أَخلاق الآخرين وتنسَ نفسك، بل اشتغل بنقد نفسك أولاً، لأنك مكلف بها أولاً، ثم اشتغل في إِصلاح الآخرين.
٦- لا تقبل من نفسك ما تذم به الآخرين؛ فإنه عيب شنيع عند الله تعالى وعند الناس.
٧- لا يكنْ همّك الاشتغالَ بإِصلاح أعمالك الظاهرة فقط، بل اعتن أيضاً بإصلاح نفسك ودوافِعها في القيام بالأعمال الصالحة.
٨- لا تغتر -وأنت تعمل لله- بما تلقاه في الطريق من مدح الناس؛ فما أكثر من خُدِعَ بذلك، وما أكثر من شغلته الوسيلة عن الغاية أو صرفته عنها.
٩- لا تغتر ببعض الطرق الخادعة التي يُظن أنها سبيلٌ لتهذيب النفس وإصلاحها، ولكن انظر إلى طريق رسول الله ﷺ وأصحابه وأتباعه من العلماء المحققين، وقد قال محمد بن سلام البيكندي: "كل طريق لم يمش فيها رسول الله ﷺ فهي ظلام وسالكها لا يأمن العطب".
١٠- تذكّرْ أنّ عليك واجباتٍ؛ كما أن لك حقوقاً، ولْيكن همّك البحثَ عمّا عليك من واجبات وأداءَها؛ فذلك شرط لتحصيل حقوقك.
١١- إذا أَساءَ إليك أحدٌ، فلا تتخذ ذلك سبباً للإساءة إليه، وإذا أخطأ أحد في حقّك فلا يكن ذلك سبباً في أن تخطئ في حقّه.
стр. 63
١٢- لا تُضَحِّ بأَدبِك في سبيل تأديب ولدِك، أو لا تُفْسِد أدبَك في سبيل تأديب ولدك.
وذلك يحصل غالباً بسبب الإخلاص وشدة الحماسة للإصلاح؛ ومن مظاهر هذا التصرف ربما تنحصر في أمرين: إما باستخدام وسيلة أو أسلوب في التأديب غير مشروعة، وإما بمجاوزة الحدّ في استخدام المشروع سواء في المقدار أو في وضْع المشروع من ذلك في غير موضعه!.
١٣- ينبغي أَن تَعْلَم أَن أَقلَّ ما عليك أن تُعَامِل الناس به، العدلُ والإنصافُ من نفسك. وإذا احتاج الناس إلى قاضٍ يأخذ لهم الحق منك؛ فأنت رجل سوء.
١٤- إذا أردتَ الاجتهاد في تحصيل الأخلاق الحميدة؛ فعليك أن تَعْلم فضلها وفوائدها في الدنيا والآخرة؛ لتعرف أَيَّ شيءٍ تطلب.
١٥- تكاد نفسُك تكون كالمرآة، يَظهر فيها أخلاقُ مَنْ تُصَاحِبُ وأَفكارُ ما تقرأُ؛ فاختر الطيبَ من ذلك دائماً.
١٦- بإمكانك التعرفُ على حقيقةِ أخلاقِك بالنظر إليها في الحالات الآتية:
- إذا خلوتَ. - وإذا غضبتَ. - وإذا احتجتَ.
- وإذا استغنيتَ. - وإذا قَدِرتَ.
١٧- اعلمْ أن عليك أخلاقاً ينبغي أن تلتزم بها مع أعدائك، كما أن عليك أخلاقاً تلزمها تجاه أصدقائك.
стр. 64
١٨- يجب أن تفعل الخير وتلتزم الأخلاق الفاضلة مع الناس، دون أن تشترط لنفسك شروطاً.
١٩- لا تكتفِ بظنِّ صواب ما تَطْلُبه أو تفعله أو تؤمنُ به، إذا كان اليقينُ فيه مُمْكِناً، ولا تدفعِ اليقين بالظن بل العكس، واستعملْ هذا المنهجَ دائماً فيما تَمِيلُ إِليه نفسُك.
٢٠- إِذا ساءك تصرف أخيك تجاهك، فلا تُسَلِّمْ لِمَا يَهْجمُ على قَلْبك مباشرة من تخطئتِه ونقدِه والغضبِ منه، بل اتهمْ نفسك أولاً، وحاكمْها؛ فَلَعلَّك المخطئ، فإِن لم يظهرْ لك خطؤك، فالْتمس لأخيك عذراً، لعل له عذراً وأنت تلوم.
٢١- لا تلتمس لنفسك الأعذارَ في الأَخطاءِ الصغيرة؛ فإِنها طريقٌ لما هو أكبر منها.
٢٢- لا تنظرْ لخطئك الصغير من حيث صغرُهُ، ولكن انسبه إلى دوافعه، تَظهرْ لك دلالته وحقيقته.
٢٣- لا يغررْك حسنُ أخلاقِك في الرخاء، حتى تُجرِّب نفسَك في أوقات الشدة والغضب وسائر الحالات التي تشتدُّ فيها الحاجةُ إلى الأخلاقِ الفاضلةِ، فإِن لم يَطَّرِدْ حسنُ أخلاقِك في تلك الأحوال فاعلمْ أنه ليس لك كبيرُ فَضْلٍ في وقتِ الرَّخاء.
٢٤- إِذا اشتدت الحاجة إلى خُلقِك الحميد في بعض الأحوال فلم يُوجدْ؛ فلسْتَ على كبيرِ شيء من الأخلاقِ الفاضلةِ.
٢٥- يَزْهدُ بعض الناس في الْتِزَام حسنِ الخلق والأدبِ مع أَخيهِ، بحجَّةِ أَنه أَخوهُ، ولَيْتَ شعْري مع مَنْ يَلْزمُهُ حسنُ الخلق إِذَنْ؟
стр. 65
٢٦- لا تتخذْ لك أخاً بشرط أَن لا يخطئَ، وإِذا أخطأَ أخوك مرَّةً، فأَنهَيْتَ ما بَيْنَكَ وبَيْنَهُ؛ فكأَنَّ شرطَك في أُخوّتِهِ أَنْ لا يخطئَ؛ فَلَنْ تجدَ لك أخاً إِذَنْ؛ وأَنتَ أَيضاً لا تصلُحُ للأُخوَّةِ بهذا الشرطِ؛ لأنك لَسْتَ معصوماً، كما أَنَّ غيرك ليس بمعصومٍ.
٢٧- تربية ليس فيها العصا عند الحاجة إليها، تربيةٌ ناقصة. وتربية ليس فيها الإقناع عند الحاجة إليه، تربية ناقصة.
٢٨- تذكر وأنت تحمل العصا لتؤدب أولادك، أنك مؤدِّب ولست معذِّباً، ثم تذكر مسؤوليتك في نفسك تجاه الأخلاق التي حملت العصا لتُقيم غيرك عليها.
٢٩- ينبغي -في سبيل تحصيل الأخلاق الإسلامية- أن تفكر أولاً في فضلها.
فإن لم يدفعك ذلك للتحلّي بها؛ فتذكر عاقبتها في الدنيا والآخرة.
فإن لم يدفعك هذا للتحلّي بها؛ فتذكر شؤم تركها في الدنيا والآخرة.
فإن لم يدفعك هذا للتحلّي بها؛ فتذكر أنه لا خير في ذميم الأخلاق لا في الدنيا ولا في الآخرة.
فإن لم ينفعك ذلك؛ فاعلم أنه لا طِبّ فيك إلا بمراجعة فطرتك وإيمانك بالله ورجوعك إليه.
٣٠- كثير من الأخلاق الفاضلة النفس الإنسانية مفطورةٌ عليها وعلى حبها، فيمكن أن يتحلّى بها الإنسان إذا كانت فطرته سليمة لم
стр. 66
تتأثر بأسباب الانحراف عن ذلك.
والإيمان بالله يؤيد هذه الفطرة.
فإن انحرفت الفطرة فالإيمان بالله يقوّمها.
فإن عُدم الإيمان بالله مع الفطرة فلا طب، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله.
٣١- كثير من السلوك الأخلاقية الفاضلة يؤيد فضلَها أكثرُ من أصل من أصول الأخلاق الفاضلة.
وهكذا ترى أنّك مطالَب بفعل كثير من السلوك الأخلاقي الحميد، وذلك بمقتضى أكثرِ من أصلٍ من أصول الأخلاق الفاضلة.
٣٢- الأخلاق الإسلامية فضائل أخلاقية كريمة، يعود نفعها - في الدنيا والآخرة - على المتحلي بها، وعلى من يتعامل معه لكن المهم تحقيق نية العبادة في فعلها.
٣٣- الأخلاق الإسلامية جملةٌ من الفضائل التي ينبغي أن يتحلّى بها الإنسان السوي في ظاهره -سلوكاً - وفي باطنه- إيماناً واعتقاداً، وشعوراً-.
وهي تختلف في درجات الطلب:
فمنها ما هو من أُسس الإيمان بالله ولوازمه.
ومنها ما هو من الواجبات.
ومنها ما هو من المَسْنونات والمُسْتحبّات.
٣٤- من العجيب أن يفخر الإنسان بما لا فخر فيه في الواقع وعند العقلاء!!.
стр. 67
٣٥- حين يَفْقد الإنسان الميزان الصحيح لتقويم الأشياء والحقائق فإنه يفخر بما لا فخر فيه -على مختلف مراحل عمره- حتى يكون آخر ما يفخر به في حال عجزه وكِبَرِه عصاه التي يتوكأ عليها!! إنه خطأ مؤسف حقاً!.. يدعو للتأمل والعجب والعبرة.
والعاقل من اعتبر بغيره.
٣٦- من أشد الأخطاء خطراً خطأ المخلصين إذا نسبوه للدين، أو ارتكبوه على أنه من الدين، لأن صاحب الخطأ في هذه الحال يؤيد خطأه -جهلاً- بالدين أو بالكتاب والسنة. ولو أنه أخطأ فقط ولم يَدَّع أن فعله من الإسلام، أو لم يَحْمله الآخرون على أنه كذلك، لكان أخفَّ بكثير.
٣٧- من الاستعداد لما يُنْتظر أو يتوقع في الغيب، بعد التوكل على الله، وأَخْذِ الأسباب المشروعة، توطينُ النفس على أسوأ الاحتمالات.. فإنّ ذلك مفيد جداً، لما فيه من التمهيد لقبول النفس لأقدار الله تعالى المؤلمة وتحمّلها.
ومن لا يوطن نفسه على ذلك فإنه لا يُقَدِّرُ -بعد الأخذ بالأسباب- إلا النجاح، وإلا الفوز وإلا السلامة، وإلا الظفر بما سعى له.. فإذا قدَّر الله عليه غير ما سعى له أو ظن أنه الخير فإنه ينتكس.. وتَمْرَضُ نفسه ... ولا يُسلِّم لقَدَرِ الله فتكون خسارته محققةً مؤلمة!.
стр. 68
٣٨-ينبغي أن تتعلم الأخلاق الفاضلة وذلك بدراستها نظرياً من مصدرها الصحيح، والتعوّد عليها عملياً بتطبيقها ومحاسبة النفس عليها دائماً، ومصاحَبَةِ أَهلها.
٣٩-ولْتَعْلم أن الدراسة لها نظرياً وحدها لا تكفي، والتطبيق لها مرة واحدة أو مرتين أو وقتاً قصيراً في حياتك، لا يكفي أيضاً، بل لا بد من التطبيق المستمر والملازمة لها دائماً لتكون حقيقاً بوصفك بالأخلاق الفاضلة.
٤٠-ينبغي أن تعلم أن أَوْلى من يجب أن تتأدّب معه ربُّك الذي خلقك فأحسن خلقك وهداك ورزقك، وهو العليم بسرك وجهرك، وهو القادر على أخذك أو عقابك على سيئاتك إذا شاء!! فإنك إذا نظرت فعرفت أنه ربك ورب العالمين، وعرفت أنه هو وحده المحسن الحقيقي إليك، الذي يغمرك بإحسانه في كل لحظة، وعرفت أنه هو وحده المطلع على سرك وجهرك، وعرفت أنه هو وحدَه القادرُ عليك، علمتَ أنه هو المستحق أن تتأدب معه في سائر أحوالك، وأيقنت سوء أدبك معه عندما تتأدب فقط مع خلقه وتعكس الأمر في حقه!! وحقُّ الخالق أوجبُ من حق المخلوق.
٤١-الكرم والصبر والحلم والرحمة، ونحوها من الأخلاق، لا تأتي دفعة واحدة، كما أنها لا تُدرك بسهولة، ولا تدرك في وقت قصير، بل تحتاج إلى وقت طويل، وإلى تدرج، ومِران وصبر وتضحية، ولكنها أخلاق ضرورية نفيسة، فتستحق أن يبذل فيها
стр. 69
الثمن، والله المستعان.
٤٢- قد يتعلم العاقل في مدرسة الحياة بعض ما يبعث الله به الرسل إلى الناس، ويدعونهم إليه، ويقنعونهم به!
٤٣- كن مع الناس كالنحل، الذي يقع على أحسن الزهور وأطهر الزروع؛ فيجتني منها ما يفيده، وما يخدم به الناس، ودع مساوءَهم وأخطاءهم، ولا تكن كالذباب، الذي يقع على أقذر الأشياء وينشرها في الناس ويؤذي بها الأحياء.
٤٤- صِنْفٌ من الناس يصوِّب نظره إلى عنصر الخير في الناس ويتعامل معهم على أساسه، وينشره فيهم، فهو كالنحل الذي لا يقع إلا على الزهور والرياحين الزاكية النظيفة؛ فيجتني منها ما ينفعه وينفع الآخرين.
٤٥- وصِنْفٌ آخر يصوِّب نظره إلى عنصر الشر في الناس وإلى الرذائل فيهم، ويتعامل معهم على أساسه، وينشره فيهم فيؤذي نفسه ويؤذي الآخرين، فهو كالذباب، الذي لا يقع إلا على أقذر الأشياء، وينشرها في الناس، ويؤذي بها الأحياء. فكن كالأول، تَسْعَدْ وتُسْعِدْ، ولا تكن كالثاني، تَشْقَ وتُشْقِ.
٤٦- يظن الحسود والنمام والمغتاب والفاحش البذيء، يظن هؤلاء جميعاً أنهم ينتقمون من الآخرين وينسون أنهم إنما يُلْحِقون الضرر بأنفسهم في الدنيا قبل الآخرة وفي العاجل قبل الآجل؛ إذ يعود عليهم ذلك الصنيع بأمراض النفس والبدن، وعذاب الدنيا وعذاب الآخرة.
стр. 70
٤٧- عاملِ الناس جميعاً معاملة أصدقائك، أو من تعرفه ويعرفك، فإني رأيت الناس يحترمون من يعرفونه ويخجلون منه، وربما لا يخجلون من الغريب والمجهول.
٤٨- الرئاسة لا يتكمّل بها إلاّ ناقص ولا تزيده إلا نقصاً.
٤٩- إذا أنت فكّرت في حال كثير ممن يَتعدى عليك بسوء أخلاقه، مَنَعَكَ من معاقبته الحالُ الأخلاقية التي هو فيها، ولم تطمع في معاقبته بأزيد من ذلك. وشاهدت فيه نعم الله عليك.
٥٠- بالخلق الحسن ينتشر الخلق الحسن في الناس، وبالخلق السيئ ينتشر الخلق السيئ.
٥١- حسن الخلق غاية مقصودة لذاتها، وهو -في الوقت نفسه- وسيلة تربوية ناجحة؛ لأن الخلق الفاضل يكون سبباً لمثله عندما يَتعامل به الإنسان مع الناس، كما أن الخلق السيئ سبب لمثله عندما يَتعامل به المرء مع الناس.
٥٢- يظن بعضهم أن حسن الخلق يتأتى في الناس من طرف واحد، ويمكن أن يُعفَى منه الطرف الآخر، وهيهات!! فإن الحياة لا تستقيم بتأدب بعض الناس في مقابل سوء أدب من يَتعامل معهم، وإن حسن الخلق في هذه الحال لا يدوم، بل عندئذ لا بد أن يَغْلِبَ الأقوى، إما الأخلاق الحميدة أو الأخلاق السيئة.
ومن هنا تظهر أهمية المسؤولية على كل واحد من الناس قبل أن يعدها حقاً له يبحث عنه في الآخرين!!
٥٣- كم ودِدْتُ لو أقيمت نوادٍ، وندوات، لكمال العقول؛ إذ ذلك
стр. 71
أولى مما يقيمه الناس من نواد لكمال الأجسام.
١- كم هو جميل لو اهتمت المدارس والمؤسسات التعليمية بمختلف مراحلها - بما في ذلك الجامعات- بتربية العقول باستحداث مواد دراسية، وأساليب متنوعة خاصة بهذا الهدف. مثل مادة للحوار والمناظرة، يُعنى فيها بالجانب التطبيقي، أكثر مما يعنى بالجانب النظري، كأن تقام مناظرة دورية بين الطلاب، ويكون فيها تحكيم وجوائز وتشجيع!!
٢- اجتهدْ ألا تكون طفلاً؛ فقد رأيت أطفالاً كباراً يَبْلغ عمرُ بعضهم خمسين عاماً!!.
٣- إذا ذهب حظ النفس الدنيوي في العمل جاء الإخلاص، وإذا انضمّ إليه الصواب كَمُل النصاب.
٤- مَنْ حاسب نفسه، وحَكّم عقله تحرّز لسانه عن الكلام.
٥- ينبغي أن يفكر المقصر في تقصيره، وأن يفكر العامل في مُحْبطات عمله.
٦- أنت أعرف بنفسك؛ فلا تغتر بمدح الناس إذا مدحوك.
٧- أقصرُ الطرق لقضاء الحاجات، التوجه إلى الله تعالى.
٨- اتهمْ نفسك دائماً؛ فما أُتي كثير من الناس إلا من إحسانهم الظن بأنفسهم.
٩- إذا تعلَّقَتْ نفسك بشيء لِحظِّها، ولم تستطع تحويل نِيَّتها لله، فامنعها منه فلا دواء إلا ذلك. فإن استوى عندك -من أجل الله -تحصيله وتركه فقد انتصرت على هواك.
١٠- الفارق بين الإنسان والحيوان، العلم إذا لازمه الإيمان والتطبيق.
١١- يبدو أن التعصب في نظر المتعصبين هو عدم التعصب؛ لأنه يتهمك بالتعصب إذا لم تتعصب معه!.
١٢- ينبغي أن تَذْكر دائماً أنك لست أفضل كل الناس، ولست خير
стр. 72
كل الناس، ولست أعلم كل الناس، ولست أعقل كل الناس.
وهذا الشعور مهم للتحلي بعددٍ من مكارم الأخلاق والبعد عن عددٍ من مساوئ الأخلاق. وكم انحرف الإنسان بسبب توهمه أنه أفضل الناس وأصلح الناس وأعلم الناس وأعقلهم!.
٦٦- اُعذرِ الناس فيما فيه مجال للعذر، وعوّدْ نفسك هذا الخلق، فإنه من أهم معاني كرم النفس، ومن أهم معاني سماحة النفس، وإياك أن تعوّد نفسك التشنج والغضب والحساسية المفرطة من كل خطأ يقترفه الآخرون، ولا سيما في مجال حقوقك الشخصية، بل حاول دائماً إلى جانب الإحساس بالخطأ، أن تتفهم مواقف المخطئين وأعذارهم التي قد تكون معتبرة عقلاً وشرعاً.
٦٧- إذا أردت اكتساب الأخلاق الفاضلة والابتعاد عن الأخلاق السيئة فعليك باستعراض ما في القرآن الكريم؛ فما وجدتَ فيه من أوامر وتوجيهات إلهية فخذ به، وما وجدت فيه من نواهٍ فابتعد عنه.
وافعل مثل هذا بالنسبة لحديث رسول الله ﷺ . فمن فَعَل ذلك والتزم به في حياته فقد اكتسب الأخلاق الفاضلة، وابتعد عن مساوئ الأخلاق، وكان على هدى ونورٍ وبيّنة لا ريب معها أنه على الصراط المستقيم.
والخلاصة: تخلقْ بأخلاق القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة تكن أحسن الناس خلقاً.
٦٨- يقول الإمام ابن حزم - رحمه الله تعالى-:
"من جَهِلَ معرفة الفضائل، فليعتمد على ما أمره الله
стр. 73
ورسوله ﷺ ؛ فإنه يحتوي على جميع الفضائل ١.
٦٩- الخاطرة والفكرة بداية التوجه والسلوك:
لا تستهن بالخاطرة والفكرة والأمنية، بل حاسب نفسك عليها، ناظراً في نوعها هل هي خاطرة حسنة أو سيئة؟ هل هي فكرة أو أمنية حسنة أو سيئة؟. فإن كانت حسنة نَمَّيتَها وإن كانت سيئة قضيتَ عليها بما يضادها. وإلا فإن معظم النار من مستصغر الشرر، وبداية الشر -في الغالب- خاطرة أو فكرة عنّت لصاحبها، كما أن الخير كذلك!!.
وتستطيع أن تتعرف على توجهات نفسك هل هي إلى الخير أم إلى الشر، بالتعرف على خواطرها وأفكارها وأمانيها....?
ولا تَرْضَ من نفسك إلا بأن يكون همّها وتوجُّهها في الظاهر والباطن نحو الخير.
٧٠- لنا في قول الله تعالى وقول رسوله ﷺ غنى عن أقوالنا، ولكنها الخواطر.?
وآخر دعوانا أنِ الحمدُ لله ربّ العالمين.
стр. 74
الفصل الرابع: تقسيم الأخلاق
توطئة
...
توطئة:
إذا كانت قضية تقسيم الأخلاق المفروضة على الإنسان تتعلق بعدّة اعتبارات: فهي باعتبارٍ تنقسم إلى أصول وفروع، وباعتبارٍ لها تقسيمٌ آخَر بحسب النظر إلى مَن يَتعامل معه الإنسان، وتقسيمٌ آخر كذلك بالنظر إلى موقع الإنسان في مجتمعه ونوع علاقته التي تربطه به.. إلى آخر ما هنالك من التقسيمات.
إذا كان الأمر كذلك فإن معرفة هذه التقسيمات لها أهميتها؛ لأن ذلك يوقِف على أهمية الخلق المتعين عليه، ويوقفه على معرفة مَن يتعلق به هذا الخلق، والمنتَظر من العاقل إذا عَرَف درجة أهمية الشيء هو أن يُقدّره حق قَدره، وإذا عَرَف صاحب الحق أعطاه إياه.
ولهذا سأعرض فيما يلي لبيانٍ مختصرٍ لبعض تقسيمات الأخلاق التي يتضح بها بعض هذه الجوانب ذات الأهمية للوصول إلى التحلي بمكارم الأخلاق.
стр. 75
المبحث الأول: تقسيم الأخلاق إلى أصول وفروع .
أصول الأخلاق وفروعها:
الأخلاق ليست كلها فروعاً، وليست كلها أصولاً، وإنما منها ما هو أصول، ومنها ما هو فروع، وفيما يلي التعرف على كلٍ من القسمين:
للأخلاق الحميدة أصول، وللأخلاق الذميمة أصول، والفروع تبعٌ للأصول؛ فمن حصّل أصول الأخلاق الحميدة سَهُلَ عليه التحلي بفروعها.
ويختلف الناس في تحديد أصول الأخلاق، وهو خلافٌ ربما لا يعدو أن يكون من قبيل اختلاف التعبير عن الشيء الواحد المتفَقِ عليه.
ولعلّ من المناسب أن أذكر أصول الأخلاق على الرأي الذي يوصلها إلى تسعة أصول للأخلاق الحميدة١، وضدُّ كل واحدٍ منها يُعَدّ أصلاً من