أولى مما يقيمه الناس من نواد لكمال الأجسام.
١- كم هو جميل لو اهتمت المدارس والمؤسسات التعليمية بمختلف مراحلها - بما في ذلك الجامعات- بتربية العقول باستحداث مواد دراسية، وأساليب متنوعة خاصة بهذا الهدف. مثل مادة للحوار والمناظرة، يُعنى فيها بالجانب التطبيقي، أكثر مما يعنى بالجانب النظري، كأن تقام مناظرة دورية بين الطلاب، ويكون فيها تحكيم وجوائز وتشجيع!!
٢- اجتهدْ ألا تكون طفلاً؛ فقد رأيت أطفالاً كباراً يَبْلغ عمرُ بعضهم خمسين عاماً!!.
٣- إذا ذهب حظ النفس الدنيوي في العمل جاء الإخلاص، وإذا انضمّ إليه الصواب كَمُل النصاب.
٤- مَنْ حاسب نفسه، وحَكّم عقله تحرّز لسانه عن الكلام.
٥- ينبغي أن يفكر المقصر في تقصيره، وأن يفكر العامل في مُحْبطات عمله.
٦- أنت أعرف بنفسك؛ فلا تغتر بمدح الناس إذا مدحوك.
٧- أقصرُ الطرق لقضاء الحاجات، التوجه إلى الله تعالى.
٨- اتهمْ نفسك دائماً؛ فما أُتي كثير من الناس إلا من إحسانهم الظن بأنفسهم.
٩- إذا تعلَّقَتْ نفسك بشيء لِحظِّها، ولم تستطع تحويل نِيَّتها لله، فامنعها منه فلا دواء إلا ذلك. فإن استوى عندك -من أجل الله -تحصيله وتركه فقد انتصرت على هواك.
١٠- الفارق بين الإنسان والحيوان، العلم إذا لازمه الإيمان والتطبيق.
١١- يبدو أن التعصب في نظر المتعصبين هو عدم التعصب؛ لأنه يتهمك بالتعصب إذا لم تتعصب معه!.
١٢- ينبغي أن تَذْكر دائماً أنك لست أفضل كل الناس، ولست خير
стр. 72
كل الناس، ولست أعلم كل الناس، ولست أعقل كل الناس.
وهذا الشعور مهم للتحلي بعددٍ من مكارم الأخلاق والبعد عن عددٍ من مساوئ الأخلاق. وكم انحرف الإنسان بسبب توهمه أنه أفضل الناس وأصلح الناس وأعلم الناس وأعقلهم!.
٦٦- اُعذرِ الناس فيما فيه مجال للعذر، وعوّدْ نفسك هذا الخلق، فإنه من أهم معاني كرم النفس، ومن أهم معاني سماحة النفس، وإياك أن تعوّد نفسك التشنج والغضب والحساسية المفرطة من كل خطأ يقترفه الآخرون، ولا سيما في مجال حقوقك الشخصية، بل حاول دائماً إلى جانب الإحساس بالخطأ، أن تتفهم مواقف المخطئين وأعذارهم التي قد تكون معتبرة عقلاً وشرعاً.
٦٧- إذا أردت اكتساب الأخلاق الفاضلة والابتعاد عن الأخلاق السيئة فعليك باستعراض ما في القرآن الكريم؛ فما وجدتَ فيه من أوامر وتوجيهات إلهية فخذ به، وما وجدت فيه من نواهٍ فابتعد عنه.
وافعل مثل هذا بالنسبة لحديث رسول الله ﷺ . فمن فَعَل ذلك والتزم به في حياته فقد اكتسب الأخلاق الفاضلة، وابتعد عن مساوئ الأخلاق، وكان على هدى ونورٍ وبيّنة لا ريب معها أنه على الصراط المستقيم.
والخلاصة: تخلقْ بأخلاق القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة تكن أحسن الناس خلقاً.
٦٨- يقول الإمام ابن حزم - رحمه الله تعالى-:
"من جَهِلَ معرفة الفضائل، فليعتمد على ما أمره الله
стр. 73
ورسوله ﷺ ؛ فإنه يحتوي على جميع الفضائل ١.
٦٩- الخاطرة والفكرة بداية التوجه والسلوك:
لا تستهن بالخاطرة والفكرة والأمنية، بل حاسب نفسك عليها، ناظراً في نوعها هل هي خاطرة حسنة أو سيئة؟ هل هي فكرة أو أمنية حسنة أو سيئة؟. فإن كانت حسنة نَمَّيتَها وإن كانت سيئة قضيتَ عليها بما يضادها. وإلا فإن معظم النار من مستصغر الشرر، وبداية الشر -في الغالب- خاطرة أو فكرة عنّت لصاحبها، كما أن الخير كذلك!!.
وتستطيع أن تتعرف على توجهات نفسك هل هي إلى الخير أم إلى الشر، بالتعرف على خواطرها وأفكارها وأمانيها....?
ولا تَرْضَ من نفسك إلا بأن يكون همّها وتوجُّهها في الظاهر والباطن نحو الخير.
٧٠- لنا في قول الله تعالى وقول رسوله ﷺ غنى عن أقوالنا، ولكنها الخواطر.?
وآخر دعوانا أنِ الحمدُ لله ربّ العالمين.
стр. 74
الفصل الرابع: تقسيم الأخلاق
توطئة
...
توطئة:
إذا كانت قضية تقسيم الأخلاق المفروضة على الإنسان تتعلق بعدّة اعتبارات: فهي باعتبارٍ تنقسم إلى أصول وفروع، وباعتبارٍ لها تقسيمٌ آخَر بحسب النظر إلى مَن يَتعامل معه الإنسان، وتقسيمٌ آخر كذلك بالنظر إلى موقع الإنسان في مجتمعه ونوع علاقته التي تربطه به.. إلى آخر ما هنالك من التقسيمات.
إذا كان الأمر كذلك فإن معرفة هذه التقسيمات لها أهميتها؛ لأن ذلك يوقِف على أهمية الخلق المتعين عليه، ويوقفه على معرفة مَن يتعلق به هذا الخلق، والمنتَظر من العاقل إذا عَرَف درجة أهمية الشيء هو أن يُقدّره حق قَدره، وإذا عَرَف صاحب الحق أعطاه إياه.
ولهذا سأعرض فيما يلي لبيانٍ مختصرٍ لبعض تقسيمات الأخلاق التي يتضح بها بعض هذه الجوانب ذات الأهمية للوصول إلى التحلي بمكارم الأخلاق.
стр. 75
المبحث الأول: تقسيم الأخلاق إلى أصول وفروع .
أصول الأخلاق وفروعها:
الأخلاق ليست كلها فروعاً، وليست كلها أصولاً، وإنما منها ما هو أصول، ومنها ما هو فروع، وفيما يلي التعرف على كلٍ من القسمين:
للأخلاق الحميدة أصول، وللأخلاق الذميمة أصول، والفروع تبعٌ للأصول؛ فمن حصّل أصول الأخلاق الحميدة سَهُلَ عليه التحلي بفروعها.
ويختلف الناس في تحديد أصول الأخلاق، وهو خلافٌ ربما لا يعدو أن يكون من قبيل اختلاف التعبير عن الشيء الواحد المتفَقِ عليه.
ولعلّ من المناسب أن أذكر أصول الأخلاق على الرأي الذي يوصلها إلى تسعة أصول للأخلاق الحميدة١، وضدُّ كل واحدٍ منها يُعَدّ أصلاً من
стр. 76
أصول الأخلاق السيئة، وذلك على الوجه الآتي:
أصول الأخلاق الحميدة ... أصول الأخلاق الذميمة
١- حبُّ الحق وإيثاره ... ضدّ هذا الخلق
٢- الرحمة وفروعها وإيثارها ... ضدّ هذا الخلق
٣- قوة الإرادة ... ضدّ هذا الخلق
٤- الدافع الجماعيّ ... ضدّ هذا الخلق
٥- المحبة للآخرين ... ضدّ هذا الخلق
٦- الصبر وفروعه وظواهره ... ضدّ هذا الخلق
٧- حب العطاء وفروعه وظواهره ... ضدّ هذا الخلق
٨- سماحة النفس ... ضدّ هذا الخلق
٩- علوّ الهمة ... ضدّ هذا الخلق
وبمعرفة الإنسان لهذه الأصول وفروعها يستطيع أن يُراقب نفسه فيها ومدى التزامه بها، وإنه لمن المفيد جدّاً أن يجتهد في تتبع معنى كل أصلٍ منها وتطبيقاته وفروعه وظواهره السلوكية، وملاحظته لنفسه في كل ذلك، حتى يكتسب هذا الأصل ثم ذاك ثم الآخَر، وهكذا حتى يستكمل مكارم الأخلاق.
стр. 77
نبذة عن أصل من أصول الأخلاق الحميدة:
حب الحق وإيثاره أصلٌ من أصول الأخلاق الحميدة. وفيما يلي حديثٌ موجز عنه:
стр. 78
مظاهره وفروعه:
تتعدد مظاهره وفروعه بصورة يصعب حصرها، ومنها على سبيل المثال:
- الاعتراف بالحق والإذعان له.
- الصدق.
- الأمانة.
- الصدق في العهد والوعد.
- العدل.
- الرجوع إلى الحق في المواطِن المتعددة المتجددة، ولا سيما مواطن الخلاف والشجار وغيرها، وكلما قويت الصوارف عن اتّباع الحق ورجع الإنسان إليه كان ذلك أدلّ على شدة حبه للحق وتعلقه به.
стр. 79
من معاني الاعتراف بالحق والإذعان له:
إن من مفردات خُلق الاعتراف بالحق والإذعان له، الاعتراف بالفضل لذوي الفضل أياً كانوا.
وإن إنكار فضل ذي الفضل، كإنكار عِلْمِ ذي علم، وإنكار حق ذي الحق، يدل على صفة أخلاقية ذميمة في الإنسان.
"وأكثر خسةً وأعظم لؤماً وانحرافاً خلقياً من يجحد فضل أبويه عليه، ولا يذعن له، ولا يقوم بما عليه من حق لهما.
وأقبح من ذلك من يجحد رسالة رسل الله، ولا يعترف بها، ولا يذعن لها، مع ظهور الأدلة ووضوح البراهين!! ولهذا الجنوح الخلقيّ
стр. 80
الشنيع سمة خاصة عنوانها الكفر.
وأخس من ذلك وأشنع وأقبح إنكار وجود الله، وعدم الاعتراف بأنه الخالق الرازق المحيي المميت، الذي يجازي على الخير خيراً وعلى الشر شراً، مع أن الله ﵎ قد بث أدلة وجوده وصفاته في كل ما خلق من شيء!!.
إن إنكار وجود الله وإنكار صفاته (وأسمائه) وعظيم نعمه لؤم وخسة وحقارة بالغة، وسوء خلقيّ قد بلغ الدرك الأسفل؛ لأنه جحود لكبرى حقائق الوجود، وجحود لنعم المنعم بالحياة والعقل والإرادة وسائر ما في الحياة من نعم وخيرات، وجحود للمنعم بالجزاء العظيم على الإيمان به والتزام طاعته.
إن هذا الجحود يدل على انهيار خلقيّ شنيع" ١.
وإن حب الحق وإيثاره يتوافر في الناس بدرجات متفاوتة، كما أن عدم توافره في الناس درجات متفاوتة.
وإن الحق الذي يجب حبه وإيثاره والاعتراف به درجات، وأعلى درجاته شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ ، ثم من بعدها لوازم هذه الشهادة، بمختلف درجات تلك اللوازم في باب الحق.
ثم يلي ذلك في الرتبة -تعبيراً عن هذا الأصل من أصول الأخلاق- بقية فروع هذا الأصل ومظاهره المتفاوتة الدرجات.
إن الإحسان إلى من يستحق الإحسان.
стр. 81
ورحمة من يستحق الرحمة.
ومواساة من يحتاج المواساة.
وإعطاء كل ذي حق حقه. كل ذلك إنما هو من فروع التخلق بهذا الأصل من أصول الأخلاق ومظهر من مظاهره.
وإن إنكار شيء من ذلك مظهر من مظاهر أصل من أصول الأخلاق الذميمة هو بغضُ الحق وإنكاره وعدم إيثاره، وفرع من فروعه. ويندرج في هذا: الكفر بالله، وعقوق الوالدين، والكذب والخيانة، والظلم، وعدم الرحمة، والنفاق، وعدم إعطاء الحقوق بأي صورة من الصور.. إلى آخر المظاهر السلوكية الأُخرى لهذه الأخلاق.
стр. 82
المبحث الثاني: تقسيم الأخلاق بحسب متعلَّقها، وأهمية كل قسم منها
توطئة
...
- توطئة:
تنقسم أخلاق الإنسان كلها بحسب مُتعلَّقها إلى:
- أخلاق مع الله تعالى.
- أخلاق مع الناس.
- أخلاق مع النفس.
- أخلاق مع سائر مخلوقات الله الأخرى.
وإذا استعمَل الإنسان الأدب والمعاملة الحميدة المتعيّنة عليه تُجاه ربه الخالق سبحانه، وتُجاه الناس، وتُجاه نفسه، وتُجاه سائر مخلوقات الله تعالى؛ فإنه يَصير بذلك صاحِبَ أخلاقٍ حميدة؛ فإذَنْ ليس بين الإنسان وبين مكارم الأخلاق إلا التعرّف على ما يَلزمه مِن معاملةٍ مع الله، ومع الناس، ومع نفسه، ومع المخلوقات الأخرى، ثم الالتزام والتطبيق.
وفيما يلي إشارةٌ موجزةٌ إلى أصول المعاملة في هذه المجالات كلها.
стр. 83
خُلُق التعامل مع الله تعالى:
إنّ حق الله تعالى على الإنسان هو أعظم الحقوق على الإطلاق، والأدب مع الله هو أوجبُ الواجبات؛ إذْ هو الخالق، وحده لا شريك له، وما عداه مخلوق؛ فلا يستوي حقُّ المخلوق مع حق الخالق بحالٍ، ولا يستوي تأدُّبُ الإنسان مع الخالق ومع أيّ مخلوق! وكما أن الله هو الخالق وحده لا شريك له، فكذلك يجب أن يوحِّدَه عبادُه بالعبادة والشكر والأدب وِفَاقَ ما يقتضيه هذا المعنى!.
стр. 84
أصول المعاملة مع الله:
لعل أصول المعاملة مع الله تتلخص فيما يلي:
- الإيمان به إيماناً جازماً.
- توحيده في أسمائه، وفي صفاته، وتوحيده بالعبادة.
- لزوم طاعته واجتناب معصيته، والحرص على أن لا يفقده ربه حيث أمره، وأن لا يراه حيث نهاه. سواءٌ ذلك في الغيب والشهادة، وفي السر والعَلَن، وفي العسر واليسر.
- تعظيم شعائر الله وحرماته، والخضوع لشرْعه.
- احترام كتابه وسنة نبيه محمد ﷺ ، والتأدب معهما، والتسليم لهما، ولكن، على معاني نصوصهما، من غير غلوّ ولا تفريط في الفهم والتطبيق.
- العناية بدينه فهماً، وإيماناً، والتزاماً.
- إجلاله سبحانه، وتنزيهه عن كل نقْص، ووصْفه بما وَصَف به نفسه، وفْق ما جاء به كتابه وسنة نبيه محمد ﷺ واعتقاد ذلك اعتقاداً جازماً.
- الرضا عن الله، والرضا بقَدَره.
- محبته أعظمَ من كل ما سواه، وتعظيمه أكثر مما سِواه.
- دوام ذِكْره وشُكْره.
- إحسان عبادته.
- الإحسان إلى عباده، وعدم ظلْمهم والتعدي عليهم.
- إحسان الظن به سبحانه بما هو أهلُهُ .
стр. 85
خُلق التعامل مع الناس:
إنّ خُلُق الإنسان في التعامل مع الناس يأتي تبعاً لخُلقه في تعامله مع الله؛ فإن المتأدبَ مع ربه لا يَسَعُهُ إلا التأدب مع خَلْقه؛ ولا يَسَعُهُ إلا اتّباعُ شَرْعِهِ وما أوجبه على عباده في معاملة بعضهم لبعض.
ولعل مِن المهم أن نتبينَ أنّ الأخلاق الحميدة الواجبة في معاملة الإنسان لأخيه الإنسان إنما يوجبها عليه ثلاثة أمورٍ هي:
الأول: حَقُّ الله وشَرْعه.
الثاني: حَقُّ أخيه الإنسان عليه -على اختلاف درجات هذه الحقوق-.
الثالث: مصلحة الإنسان ذاته في الدنيا وفي الآخرة، وما تقضي به مِن الإحسان إلى الناس والبعد عن إيذائهم.
أصول المعاملة مع الناس:
لعل أصول معاملة الإنسان للناس تتلخص فيما يلي:
- أنْ تكون علاقته بهم قائمة على أساس علاقته مع الله؛ فتكون علاقته بهم لله سبحانه.
- أن تكون علاقته بهم محكومةً بشرْع الله وما أوجبه على عباده بشأن العلاقة فيما بينهم.
وعندما تصبح العلائق بين الناس لله ومحكومةً بشرْع الله، فإنها تصبح خيراً وبركةً عليهم في الدنيا وفي الآخرة. وعندئذٍ تَظْهَرُ مكارم الأخلاق فيما بين الناس، وتَخْتَفي مساوئ الأخلاق لا محالة، فعلى سبيل المثال:
стр. 86
- يَسُودُ الحُبُّ فيما بينهم وتختفي الكراهية والحِقد.
- ويَسُودُ الاحترام المتبادَل ويختفي الازدراء المتبادَل.
- ويَسُودُ الوئام ويختفي الشِّجار.
- ويَسُودُ التعاون والتكافل، وتختفي الأنانيّة والتقاتل.
- ويَسُودُ الإنصاف مِن النفس واتّهامها، ويختفي تَبْرئةُ النفس واتّهام الآخرين.
- ويَسُودُ الخير، ويختفي الشر.
- ويَسُودُ العمل، ويَخْتفي الجَدَل.
- ويَسُودُ خُلُق الإحسان، ويختفي خُلُق الإساءة.
- ويَسُودُ خُلُق الإيثار، ويختفي خُلُق الأثرة.
- ويَسُودُ الصدق، ويختفي الكذب.
- ويَسُودُ العدل، ويختفي الظلم.
- ويَسُودُ خُلُق تَرْك المال الحرام، وتختفي أساليب جَمْع المال مِن أَوجُهِ الحرام.
- ويَسُودُ خُلُق إعطاء الحقوق، ويختفي العقوق ومنْع الحقوق.
- ويَسُودُ المعروف، وتَخْتفي المنكرات.
- ويَسُودُ خُلُق التطلُّع إلى الدار الآخرة، ويختفي خُلُق الشحّ والحرص على الدنيا الفانية.
وعندئذٍ يَسْعد الناس في دنياهم وفي أخراهم، ويكونون بَرَكةً في حياتهم وبعد مماتهم!.
وعندئذٍ تتبارك الأعمار والجهود، ويُوفَّر الوقتُ والمجهود، وتَقِلُّ الحاجة إلى الخصومة واللجاجة، وتَقِلُّ الحاجة إلى القضاة ورجال الشُّرطة!!.
стр. 87
خُلُق التعامل مع النفس:
يأتي خُلُق التعامل مع النفس تبعاً لحال التعامل مع الله تعالى؛ فمن كان لله أقرب كان مِن ظُلْم نفسه أبعدَ، ومَن كان متأدباً مع الله تعالى كان لنفسه مؤدِّباً.
أصول معاملة الإنسان لنفسه:
لعل أصول معاملة الإنسان لنفسه تتلخص فيما يلي:
- أن تكون معاملةً لله.
- أن تكون موافِقةً لشرع الله.
وعندئذٍ تُصبح أخلاقه مع نفسه قائمةً على الآتي:
- تعبيد نفسه لله، وإقامتها على شرْعه.
- إلزامها بإخلاص العمل لله تعالى على كل حالٍ.
- إلزامها بالرضا عن الله، والرضا بقَدَرِ الله.
- إلزامها بالأدب مع الله سبحانه، على الوجه الذي مضى بيانه في هذا المبحث١.
- إلزامها بالخُلٌق الحسن والأدب مع الناس وسائر مخلوقات الله ، على الوجه الذي مضى بيانه في هذا المبحث٢.
- البعد عن ظُلْم نفسه بشيءٍ مِن أنواع الظلم، سواءٌ كان ذلك بإتْباعها هواها على خلاف الشرع وحدودِ الاستقامة، أو بمَنْعها مِن
стр. 88
حظوظها الدنيوية المأذون فيها شرعاً أو الواجبة شرعاً، أو مَنْعها مِن الأخْذِ بالفُسْحة التي في ديننا.
- أن لا يبيعها بثمَنٍ أقَلّ منها؛ فإنها غاليةٌ؛ فلا ينبغي بيعها بثَمَنٍ أقَلّ مِن الجَنّة -على حَدّ قول ابن حزم، ﵀.
وعندئذٍ تُصْبِح هذه النفس مؤمِنةً، صالحةً، عابدةً لله خاضعةً مستسلِمةً، خَيّرةً؛ فالخيرُ خُلُقٌ وسجيّةٌ لها، لا يَصْدُرُ عنها الشرُّ إلا غلطاً أو سهواً، أو هفْوةً أو زلةً لا تستقِرُّ عليها.
وهذه النفس الطيبة هي التي جَعَل الله الجنة لها، فالجنة طيّبةٌ لا يَدخلها إلا طيّبٌ، كما أخبَرَنا النبيّ ﷺ .
стр. 89
خُلُق التعامل مع مخلوقات الله الأخرى:
يأتي خُلُق التعامل مع مخلوقات الله الأخرى تبعاً لحال التعامل مع الله تعالى؛ فمن كان لله أقرب كان مِن ظُلْم هذه المخلوقات أبعدَ، ومَن كان متأدباً مع الله تعالى كان لنفسه مؤدِّباً تجاه مخلوقات الله.
وما مِن شكٍ أن الشأن فيمن تأدبَ مع الله ومع الناس، ومع نفسه، أن يكون كذلك على خُلُق الاستقامة نحو بقية مخلوقات الله الأخرى.
أصول التعامل مع مخلوقات الله الأخرى:
لعل أصول التعامل مع مخلوقات الله الأخرى -وهي ما سِوى الإنسان- تتلخّص فيما يلي:
- الالتزام نحوها بما شَرَعه الله له، مِن الأدب تجاهها، وعدِم ظلمها.
стр. 90
- استثمارها والانتفاع بها وَفْق ما أباحه الله له وشَرَعَهُ، والبعد عن التعدي في ذلك أو التقصير فيه.
- التعرف على ما شرعه الله له في التعامل معها بحسب ما تدعو إليه حاجة التعامل نحوها.
- استشعاره كونها مخلوقةً لله تعالى، وقد تكون مؤمنةً به سبحانه. كما هو الشأن بالنسبة للملائكة، وبعض الجن، والبهائم. بل قد أَخبر الله أن كل شيء يُسَبِّح بحمده، فقال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِنْ مِن شَيْءٍ إِلا يُسَبّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ ١. وهذا يَعْقِدُ نوع أُخوّة في الله بينه وبين هذه المخلوقات يجعله يستشعر حُرمتها مِن أجْله!.
- والقاعدة العامّة هي أنّ جُلَّ هذه المخلوقات قد خَلقها الله للإنسان، وسَخّرها له: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً..﴾ ٢.
- والقاعدة أنّ هذا النوع من المخلوقات، التي أباحها الله، قد أباح للإنسان الانتفاع منها وَفْق المشروع، وجَعَل له أن يَدفع عن نفسه ضررها.
ومِن ذلك أنّ مِن الواجب على الإنسان أن يكون على الإحسان في كل شيء، حتى في الذبح المشروع لهذه الحيوانات، كما مضى في
стр. 91
الحديث: "إنّ الله كَتبَ الإحسان على كل شيء؛ فإذا قَتلتم فأحسِنوا القِتلة، ولْيُحِدَّ أحدُكم شَفْرَته، ولْيُرِحْ ذبيحته"!.
وعندئذٍ يُصْبحُ الإنسان الملتزم بما شرَعَهُ الله تجاه هذه المخلوقات كلها، إنساناً عديم الشر، بحيث لا يَصْدُرُ منه إلا خطأً، ثم يتوب مِن قريب.
وعندئذٍ يَكْتمِل للإنسان - بما مضى كله- الخُلُق الحسن والأدب مع الله، ومع الناس، ومع الملائكة، والجن، والبهائم، وسائر المخلوقات، ومع الصديق، ومع العدوّ، وفي حال السلم وحال الحرب! ﴿ ... وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ١، ﴿َمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً..﴾ ٢!!.
نسأله سبحانه أن يوقظنا مِن غفْلتنا، ويؤدبنا بأدبه، ويوفّقنا لطاعته على كل حال٣!.
الفصل الخامس: نَظَراتٌ في كلماتٍ عن الأخلاق
توطئة
...
- توطئة
للنفس الإنسانية خواطرُها وخطراتها الطيبة، وخواطرُها وخطراتها السيئة، لا محالة -حاشا الرسل والأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، فقد عصمهم الله- والمتعيِّن على الإنسان أن يحافظ على الخواطر الخَيِّرة ويستكثر منها، ويحققها في حياته ما استطاع ويدعو الآخرين إليها، وأن يَطْرُدَ الخواطر السيئة، ويستغفر منها، وأن لا يتَّبعَها فيَضِلَّ ويُضِل، ويَهْلك ويُهْلك! قال أبو حفص عمر بن سالم الحداد: "من لم يزن أفعاله وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنة ولم يتّهم خواطره؛ فلا تَعُدُّوه في ديوان الرجال" ١.
стр. 94
المبحث الأول: نظرات حول أهمية الأخلاق الحميدة
١- موازَنةٌ بين حرص الناس على أموالهم وحرصهم على دينهم وأخلاقهم .
...
١- موازَنةٌ بين حرص الناس على أموالهم وحرصهم على دينهم وأخلاقهم
تأملت حرص الناس على الدنيا، وحرصهم على أموالهم، وحفاظهم عليها، مع غفلة أكثرهم عن أمر دينهم وخُلُقهم؛ فقلت:
لو حرص الناس على أخلاقهم مثل حرصهم على أموالهم، ولو حافظ الناس على أخلاقهم مثل حفاظهم على أموالهم لاختفت من المجتمع كثير من الأمراض الأخلاقية، ولصلحت أخلاق الناس، ولتوارثوا الأخلاق الحميدة والأعمال الفاضلة والعلم والدين كما يتوارثون الدنيا الفانية. إلا أنّه لم يُحدَّد فيها أنصبة الورثة ولا المورِّث -كما هو الحال بالنسبة للدنيا- بل لكل إنسان أن يأخذ من الأخلاق الحميدة والعلم والدين بقدر ما يشاء، وعمن يشاء، وذلك فضل الله تعالى يؤتيه من يشاء!! فأين الوارثون لهذا الإرث العظيم؟!.
стр. 95
٢- بين جمال الملابس وجمال الأخلاق !!
إن الله الخالق الحكيم سبحانه قد اقتضت حكمتُهُ أن جَعَلَ للإنسان عورتين أو سوأتين، وسِتْرين، لكل سوأة سِتْرٌ.
أما العورتان: فعَوْرةُ الجسم، وعَوْرةُ النفْس.
وجعل للأولى سِتراً هو الملابس، وجعل للثانية سِتراً هو الخُلُق والسلوك الجميل.
وقد أَمَرَ الله تعالى بالسترين، ولكنه نبّه على الأهم منهما وهو الثاني،
стр. 96
لأن لباس الإنسان لا يغني عن أخلاقه الحميدة، ولهذا قال الله تعالى:
﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ. يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ١.
إن هذا النص القرآني عجيب في بيان هذا المعنى، وليس المجال هنا متسعاً للحديث عنه بتوسع، فينبغي للإنسان أن يتدبره.
لقد امتنّ الله سبحانه علينا باللباسين، وجعلهما من آياته التي يجب أن تُذكّرنا بالله، وأشار كتاب الله إلى أن هناك علاقة بين كشْف السوأة وبين الشيطان وأوليائه الذين يتولّونه ويتبعونه، إن الشيطان يأمر الإنسان بالوقوع في رذيلة كشْف عورة الجسد والوقوع في رذيلة كشْف عورة النفس عن طريق ارتكاب مساوئ الأخلاق!.
وقد نبّه رسول الله ﷺ إلى أن الستر يكون في الدنيا ويكون في الآخرة، كما في الحديث الذي روته أمُّ سلمة ﵂، قالت: استيقظ النبي ﷺ ذات ليلة فقال: "سبحان الله ما أُنزل الليلة من الفتن، وماذا فُتح من الخزائن. أيقظوا صواحبات الحُجَرِ، فرُبَّ كاسيةٍ في الدنيا عاريةٍ في الآخرة" ٢!!.
стр. 97
نَعمْ إن الكاسي في الآخرة من اتخذ الكسوة النافعة هناك من هذه الدار الدنيا بالأعمال الصالحة والأخلاق النافعة، وليس هو من اتخذ الملابس الجميلة هنا في الدنيا!.
إن هذا الدين يربط بين الدنيا والآخرة.
ويربط أيضاً بين الجمال الحسيّ والجمال المعنوي، ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ ١.
والشاعر يقول:
ليس الجَمال بأثواب تزيننا ... بل الجَمَال جَمال العِلْم والأدب
وقال الآخر:?
وهل ينفع الفتيانَ حُسْنُ وجوههم ... إذا كانت الأخلاق غير حِسَانِ
وقال الآخر:
جمال الوجه مع قُبْح النفوس ... كقنديل على قبر المجوسي!
стр. 98
٣- لماذا نخطئ ؟!
قد يعجب الإنسان: لماذا يخطئ الإنسان العاقل؟! إن اللائق بالإنسان العاقل أن يكون في حياته على الصواب لا على الخطأ، وعلى الحق لا على الباطل. فلماذا يخطئ العاقل؟!.
قد تأملتُ هذا فتبين لي أن الإنسان العاقل قد يقع في الخطأ والضلال
стр. 99
لأسباب متعددة:
منها: غفلته عن موقعه وعن اللائق به، فيخطئ الكبير لنسيانه أنه كبير، ويخطئ العالم لنسيانه أنه عالم، ويخطئ الأستاذ لنسيانه أنه أستاذ، ويخطئ التلميذ لنسيانه أنه تلميذ، ويخطئ الأب لنسيانه أنه أب، ويخطئ الابن لنسيانه أنه ابن!! وهكذا بقية أفراد المجتمع كلهم! ولذلك قد ترى هؤلاء يحمّلون مسؤولية الخطأ على الآخرين المشاركين لهم في موقعهم؛ فالكبير يلوم في الخطأ الكبار، والعالم الذي قد وقع في الخطأ يوجّه اللوم إلى العلماء ويحمّلهم المسؤولية، والأستاذ يذكر في هذا الشأن الأساتذة والمربين، والتلميذ يذكر التلاميذ والأب يذكر الآباء، والابن يذكر الأبناء!! وما ذلك إلا لنسيان الإنسان موقعه ومكانه وموضع مسؤوليته!! فهل نتذكر هذه الحقيقة كي لا نقع في هذا الخطأِ؟!.
ومنها: استيلاء أسباب الخطأ على عقل العاقل وإيمان المؤمن فيغلبه مثلاً هواه أو شهوته الحيوانية، أو يقع في أسر الصحبة أو المجتمع من حوله فيخطئ بخطئهم أو يضل بضلالهم.
ومنها: غفلة الإنسان وعدم إدراكه لواجبه ومسؤوليته.
ومنها: أن يقع الإنسان في الخطأ عفواً من غير قصد.
... إلى آخر الأسباب. والعاقل الحريص على الحق والصواب من تنبّه إلى هذه الأسباب وابتعد عنها. نسأله سبحانه أن يجنبنا أسباب الشقاء والهلاك.
стр. 100
٤- الأخلاق الحميدة وعبادة الله تعالى
الأخلاق الحميدة جزء أساس من فطرة الله التي فطر الناس عليها. وهي جزء أساس كذلك من شرع الله وعبادته اللذين جاء بهما الإسلام.
стр. 101
وتعبّدنا لله بهذه الأخلاق جزء من تعبّدنا له بسائر العبادات، وفهمنا لهذه الأخلاق والتزامنا بها مرتبط بفهمنا والتزامنا لمعنى العبودية لله.
وشرف الطاعة في شرف المطاع؛ فمن يطيع الله تعالى ليس كمن يطيع سواه وهذا من أَعظم ما يحمل المرء على عبادة الله تعالى فلو تذكّر الإنسان -وهو يعبد الله سبحانه- أنه إنما يَعْبد مولاه في الدنيا وفي الآخرة، وأنه إنما يعبد قيوم السماوات والأرض، ورب كل شيء ومليكه، الذي له الخَلْق والأمر، وليس لأحد معه من ذلك شيء، وتذكّر سائر صفات المعبود الحق سبحانه لَعَلِمَ شرف هذه العبادة!! ولَعَلِمَ ضرورته لهذه العبادة!! ولَعَلِمَ أهمية هذه العبادة!! ولَعَلِمَ طبيعة هذه العبادة وطعْم هذه العبادة!. نسأل المولى توفيقه وهدايته.
ونحن نرى الناس يغتبط أحدهم أنه أمره رئيسٌ ما أو ملك من ملوك الأرض أوكلّفه تكليفاً ما أو أذن له بلقاء معه، فتراه يفتخرُ بذلك ويُحِبّ أن يذكر هذا عند الناس أو يذكروا ذلك عنه، هذا مع أنّ الدائرة لم تتجاوز دائرة لقاء مخلوق بمخلوق آخر من خَلْق الله تعالى! أو أمْر عبْدٍ من عبيد الله لعبْد آخر من عبيده !. ويالله ما أشدّ العَجَب!! ما بالنا إذن لا نفخر بطاعة الله الملك الحق المبين!! ما بالنا لا نفخر بطاعة ربّ كل شيء ومليكه!! ما بالنا لا نغتبط بالعبودية للخالق سبحانه ملك الدنيا والآخرة!!. ما بالنا لا نغتبط ولا نَسْعَد بصلتنا بمالك يوم الدين اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم!! اللهم مسامحتك!!
ولو عَلِمَ المرء ما في طاعة الله تعالى وعبادته من الخير له في الدنيا
стр. 102
والآخرة لَعَلِمَ أن هذه العبودية والطاعة غنيمة له وسعادة في الدارين، ولكان أحرصَ عليها، وأسعد بها، وأكثر رضاً بها من أي شيء آخر، ولأدرك أن التكليف حقيقةً -في نهاية الأمر- ليس هو أمْره بالطاعة، ولكنه اتّباعه لهواه، ونسيانه طاعة مولاه، وتحمّله لعواقب ذلك وتَبِعاتِه في الدنيا وفي الآخرة حقاً إنه بمعصيته لله يُكلِّف نفسه ما لا تطيق عاقبته لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولكن أين العقلاء الناصحون لأنفسهم؟ .
لو عَلِمَ الإنسان أن الغاية من خَلْقه هي عبادة الله لَعَلِمَ مدى حمْقه حين ينصرف -وهو العبد المملوك- عما خَلَقه له سيده ومولاه إلى غير ما خلقه له، وقد منّ عليه مولاه بالخلْق ثم بالإمداد، ثم بالهداية، وقال له: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ. إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ١!! ثم يَنْكِصُ هذا الإنسان عن مهمته!! ألا ما أجهله إذن!! وما أقلّ أدبه مع ربه!!. فاللهم غَفْرَك ومسامحتك!!
стр. 103
٥- إنسانية الإنسان بين مظهره ومَخْبَرِه وصورته وأخلاقه
ليس الإنسان إنساناً بجسمه وصورته، ولا بثيابه ومظهره، ولكن إنسانية الإنسان بخُلُقه وخَلْقِهِ معاً، وبجسمه ونفسه وروحه وعقله.
أما الجسم وحده فلا يكفي دليلاً على إنسانية الإنسان، بدليل أنك قد ترى حيواناً في صورة إنسان، ويُطْلِقُ الناس عليه وصْف الإنسانية بحكم خَلْقه لا
стр. 104
خُلُقه، ولكنه في الحقيقة لم يَعُدْ إنساناً، وذلك بحكم ما طرأ عليه من تغيّرٍ، كأن يكون مجنوناً مثلاً فاقد العقل، فلا يمكنه والحالة هذه أن يفكر تفكير الإنسان ولا يتصرف تصرف الإنسان؛ إنه لمّا فقد العقل الذي هو أحد ما يميزه عن الحيوانات فقد مقومات الإنسان الأساسية، فأصبح مُضِرّاً غير نافع، وهذه مرتبة تنزل عن مرتبة كثير من الحيوانات الأخرى، التي ينتفع بها الناس!.
أو كأن يكون قد انحرف ضميره وخُلُقه، فأصبح -تبعاً لذلك- يتصرف تصرف الوحوش الضارة غير النافعة، فقد أصبح هذا المخلوق مؤذياً، وأصبح الإيذاء طبعاً له، فهو شرٌ لا خير فيه؛ فهل بقي مثلاً هذا على إنسانيته بحكم خِلْقته فقط؟!. كلاّ بل هو مخلوق آخر قد يَخْدَعُ الآخرين بصورته ويوهمهم أنه إنسان وليس الأمر كذلك!.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ. ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ ١!!
فانظر كيف أخبرك الله سبحانه بأنه خلقك من سلالة من طين، ثم قال لك: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ ... ﴾ !!.
يقول القاضي أبو بكر بن العربي: "ليعرِّفك أن الشرف والقَدْر إنما هو للتربية لا للتربة" ٢!!.
стр. 105
نعم إن إنسانية الإنسان ليست بجسمه، وإنما بنفسه وفكره وخُلُقِهِ، بدليل أنه إذا مات أسرع أهله إلى دفنه، ولو كان إنساناً بمجرّد جسمه لما أسرعوا إلى دفن الجسم بعد موته!! ١.
وإن من أهم أسباب التحلّي بالأخلاق الحميدة والسعي في اكتسابها معرفة الإنسان لهذه الحقيقة أعني معرفته بنفسه وبمعنى إنسانيته كي يُعْنى بها ويَسْعى في المحافظة عليها ولا ينحرف في أخلاقه وسلوكه تبعاً لانحراف فهمه لحقيقته ونفسه وطبيعة العلاقة بين خَلْقه وخُلُقه.
يقول أبو القاسم الراغب الأصبهاني:
فقد كاد قولُنا: الإنسان يصير لفظاً مُطْلَقاً على معنىً غير موجود، واسماً لحيوان غير معهود، كعنازيل وعنقاء مغرب، وغير ذلك من الأسماء التي لا معاني لها، كما قال تعالى في صفة الأسماء المسمّاة آلهةً: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ ٢ وقال : ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾ ٣ فجعلها اسماً بِلاَ مُسَمَّى.
ولم أَعْنِ بالإنسان كل حيوان منتصب القامة، عريض الظُّفر، أَمْلَسِ البَشَرةِ، ضاحكِ الوجه، ممن ينطقون ولكن بالهوى، ويتعلمون ولكن ما يضرهم ولا ينفعهم، ويَعْلمون ولكن ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، ويكتبون الكتاب بأيديهم ولكن يقولون هذا من
стр. 106
عندِ الله ليشتروا به ثمناً قليلاً، ويجادلون ولكن بالباطل ليُدْحِضُوا به الحق، ويؤمنون ولكن بالجبت والطاغوت، ويعبدون ولكن من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم، ويُبَيِّتون ولكن ما لا يرضى من القول، ويأتون الصلاة ولكن كُسالى ولا يذكرون الله إلا قليلاً، ويُصَلّون ولكن من المصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون، ويذكرون ولكن إذا ذُكّروا لا يَذْكرون، ويَدْعون ولكن مع الله آلهةً أُخرى، ويُنْفقون ولكن لا يُنْفقون إلا وهم كارهون، ويحكمون ولكن حُكْمَ الجاهلية يَبْغون، ويَخْلُقون ولكن يَخْلُقون إفكاً، ويحلفون ولكن يحلفون بالله وهم كاذبون.
فهؤلاء وإن كانوا بالصورة المحسوسة ناساً، فهم بالصورة المعقولة لا ناس ولا نسناس، كما قال أمير المؤمنين عليٌّ ﵁: يا أشباه الرجال ولا رجال بل هم من الإنس المذكور في قوله تعالى: ﴿ ... شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ... ﴾ ١. وما أَرى البحتري إذ اعتَبَر الناسَ بالخُلُقِ لا بالخَلْق متعدّياً في قوله:
لم يَبْقَ من جُلِّ هذا الناس باقيةٌ ... ينالها الفهم إلا هذه الصّور
ولا من يقول:
فجلُّهم إذا فكّرتَ فيهم ... حميرٌ أو ذئابٌ أو كلابُ
ولا تَحْسَبَنَّ هذه الأبيات أقوالاً شعرية، وإطلاقات مجازية، فإن الله تعالى يقول: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا
стр. 107
كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ ١ ٢.
"وسُئل ابن المبارك: مَنِ الناس؟ فقال: العلماء. قيل: فمن الملوك؟. قال: الزهّاد. قيل: فمَنِ السفلة. قال: الذين يأكلون الدنيا بالدين.
ولم يجعل غير العالِمِ من الناس؛ لأن الخاصية التي يتميّز بها الناس عن البهائم هي العلم، فالإنسان إنسان بما هو شريف لأجله، وليس ذلك بقوّة شخصه؛ فإن الجمل أقوى منه، ولا بِعِظَمِهِ؛ فإن الفيل أعظم منه، ولا بشجاعته؛ فإن السَّبُعَ أشجعُ منه، ولا بأكله؛ فإن الثور أوسع بطناً منه، ولا بباههِ؛ فإن أخس العصافير أقوى على السِّفاد منه، بل لم يُخْلَقْ إلا للعلم والتفكر" ٣.
وقال القائل:
يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته ... أتطلب الربح مما فيه خسران
أقبل على النفس واستكمل فضائلها ... فأنت بالروح لا بالجسم إنسانُ
وقال الآخر:
وكائِنْ تَرَى مِن صامتٍ لك معجِبٍ ... زيادتُه أو نقْصُه في التكلم
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
والناس إنما يتفاوتون فيما بينهم بسِيرهم لا بصُوَرِهم، وخُلُقِهم لا بخَلْقهم وبنفوسهم وأرواحهم لا بأجسامهم، أمّا أجسامهم وخَلْقهم فهي هيئة واحدة، ومادتها مادة واحدة، وذلك على حدِّ قول من قال:
стр. 108
الناس من جهة التمثيل أكفاء ... أبوهمُ آدم والأم حواء
نفسٌ كنفس وأرواح مشاكِلةٌ ... وأَعْظُمٌ خُلِقَتْ فيهم وأعضاء
فإن يك لهم في أصلهم شرف ... يفاخرون به فالطين والماء
ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم ... على الهُدى لمن استهدى أدلاّء
وقدْرُ كل امرئ ما كان يُحْسِنُهُ ... وللرجال على الأفعال أسماء
وضدُّ كلِ امرئ ما كان يجهله ... والجاهلون لأهل العلم أعداء
فَفُزْ بعلمٍ تَعِشْ حياً به أبداً ... الناس موتى وأهل العلم أحياء
وقد لَمحَ بعض هذه المعاني ابن عصفور ﵀ فقال فيها الأبيات التالية:
مع العِلْم فاسلك حيث ما سلك العِلْم ... وعنه فكاشفْ كل مَنْ عنده فهم
ففيه جلاء للقلوب من العمى ... وعونٌ على الدِّين الذي أَمْره حتمُ
فإني رأيت الجهل يُزْري بأهله ... وذو العلم في الأقوام يرفعه العِلْم
يُعَدُّ كبيرَ القوم وهو صغيرهم ... ويَنْفُذُ منه فيهم القول والحكم
وأيُّ رجاءٍ في امرئٍ شابَ رأسُهُ ... وأفنى سِنِيهِ وهو مستعجِمٌ فَدْم
يروح ويغدو الدهر صاحب بطْنةٍ ... تركّب في أحضانها اللحم والشحم
إذا سئل المسكين عن أمر دينه ... بدتْ رحضاء العيّ في وجهه تسمو
وهل أبصرتْ عيناك أقبح منظرا ... من أشيبَ لا علم لديه ولا حكم؟
هي السوأة السوءاء فاحذر شماتها ... فأوّلُها خزي وآخرها ذمُّ
وخالطْ رواة العلم واصحب خيارهم ... فصحبتهم زينٌ وخلطتهم غُنْمُ
ولا تعدون عيناك عنهم فإنهم ... نجوم إذا ما غاب نجم بدا نجم
ويترتب على معرفة الإنسان لحقيقة ذاته إدراكه ما ميزه الله به عن سائر المخلوقات، وإدراكه لما صيّره اللهُ به إنساناً، وما خلقه من أجله،
стр. 109
وهو تزكية نفسه بعبادة ربه والاستقامة على شرعه، وإعداد نفسه للقاء ربه والفوز برضاه ودخول جنته والسلامة من سخطه وناره.
ومن ثمرات هذه المعرفة حِرْص الإنسان على التحلي بالأخلاق الفاضلة واكتسابها، والبعد عن إشقاء نفسه بالتجنّي على إنسانيته، بأي سبب يضرّ بهذه المعاني الآنفة الذكر التي ميزه الله بها عن المخلوقات الأخرى، كالانصراف إلى العناية بالجسم على حساب الخُلُقِ والعِلْم والدين، أو الانصراف إلى العناية بالثياب والمظاهر على حساب الخُلُقِ والدين.... إلى آخر ما هنالك من الأخطاء.
ومن ثمرات معرفة هذه الحقيقة مراعاتها في تقويم الناس فلا يتجه المرء اتجاهاً مُخطئاً أو خاطئاً في تقويم الناس، بل يستعمل هذا الميزان الصحيح أعني النظر إلى الخُلُقِ والسيرة لا إلى الخَلْق والصورة.
ومن ثمرات معرفة هذه الحقيقة إدراكُ الإنسان خطأ الذين يسلكون مسالك خاطئة متعددة طلباً منهم لإسعاد أنفسهم، وتحسيناً لصفاتهم عند الآخرين، كسعي الإنسان في التحلي بالثياب فقط.
فيا أخي! أراك تتزين بثيابك وتُعْنى بها، وربما لا تكون بهذا مخطئاً، ولكنك تناقض نفسك حينما تضيف إلى هذا الصنيع إهمال التزين بأفعالك وسلوكك وأخلاقك، وتغفل عن أُسس الأخلاق الجميلة!.
أيهما أكثر ضرراً؟ رداءة ثوبك أم رداءة تصرفك وسوء ذوقك في التعامل مع الآخرين؟!
أليست أخلاقك أبلغ في الدلالة على مدْحك أو قدْحك؟!
أليست تصرفاتك وطريقة تعاملك مع الناس تتعداك إلى سواك، بينما
стр. 110
عدم جمال ثوبك إن كان فيه ضرر أو أذى فإنه ربما لا يتعداك إلى الآخرين؟! - على أنّ حُسْن المَظْهر مطلوبٌ، ولكنْ في حدِّ الاعتدال-.
فأيُّ الأمرين أحق منك بالعناية وبمحاسبة النفس عليه؟!.
وقلْ لي بربك أيها الداعية ما حقيقة الدعوة؟!
هل هي مظهر فقط؟ أو درسٌ فقط؟ أو حُسْنُ تعامل في الفصل فقط؟ أم هي سلوك منك وحُسْن تعامل مع الناس في كل شيء وفي جميع الأحوال؟!.
ما أحوجنا إلى إعادة النظر وشدة المراقبة في ميزان اهتمامنا بأنفسنا، وفي معيار تقويمنا لأخلاقنا ومعرفتنا لمقدار نفوسنا!.
والإمام ابن حزم، رحمه الله تعالى، يَدْعونا إلى دقّة التفكير وحُسْن الاختيار في موازَناتِه الآتية:
طالبُ الآخرة ليفوز في الآخرة متشبهٌ بالملائكة.
وطالبُ الشرِّ متشبهٌ بالشياطين.
وطالبُ الصوت ١ والغلبة متشبهٌ بالسباع.
وطالبُ اللذات متشبهٌ بالبهائم.
وطالبُ المال -لِعَينِ المال لا لينفقه في الواجبات والنوافل المحمودة- أسقطُ وأرذلُ من أن يكون له في شيء من الحيوان شَبَهٌ، ولكنه يشبه الغُدْرانَ التي في الكهوف في المواضع الوعرة، لا ينتفع بها شيء من الحيوان.
فالعاقل لا يغتبط بصفة يفوقه فيها سبع أو بهيمة أو جماد، وإنما يغتبط