← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7528

الأدب الصغير والأدب الكبير

ابن المقفع

Полный текст (131 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة ابن المقفع: ١٠٦-١٤٢هـ، ٧٢٤-٧٥٩م. حياته, ومقتله هو عبد الله بن المقفع، فارسي الأصل، كان اسمه قبل إسلامه روزبه، وكنيته أبا عمرو، فلما أسلم سمي عبد الله، وكني بأبي محمد. ويعود لقبه بابن المقفع إلى أن أباه داذويه كان متوليًا خراج بلاد فارس من قبل الحجاج، فأخذ بعض أموال السلطان، فضربه الحجاج على يديه فتقفعتا، فلقب بالمقفع. نشأ ابن المقفع في ولاء بني الأهتم، وهم أهل فصاحة وبلاغة، فكان لهذه النشأة تأثير عظيم فيه، وفيما إليه من درجة رفيعة في الأدب. كتب لداود بن هبيرة، ثم لعم المنصور عيسى بن علي بن عبد الله زمن ولايته على كرمان، ثم لأخيه سليمان بن علي أيام ولايته على البصرة. وكان في أثناء ذلك أن خرج عبد الله بن علي والي الشام على ابن أخيه المنصور، فطارده المنصور، فلجأ إلى أخويه سليمان وعيسى في البصرة، فطلبه المنصور، فأبيا أن يسلماه إياه إلا بأمان يمليان شروطه، فرضي المنصور بذلك، وعهدا إلى ابن المقفع بكتابة الأمان، فشدد فيه على المنصور تشديدا أحفظه عليه، وجعله يضمر له الشر.

стр. 2

ثم عزل المنصور عمه سليمان عن البصرة، وولى مكانه سفيان بن معاوية، فطفق ابن المقفع يسخر منه, ومن أنفه الكبير، فنقم عليه، وذات يوم دخل ابن المقفع إلى دار سفيان, ولم يخرج منها، فقد قتله سفيان، ويقال: إنه كان للمنصور رأي في قتله. صفاته: كان ابن المقفع مشهورًا بذكائه، وسعة علمه, حتى قيل فيه: إنه لم يكن في العجم أذكى منه, وكان كريمًا جوادًا، وافر المروءة، وقد اشتهر بحبه للصديق, وحادثته مع عبد الحميد بن يحيى كاتب الخليفة الأموي مروان بن محمد شهيرة, وكان يقول: ابذل لصديقك دمك ومالك. وقد اتهمه حساده بالزندقة, ولكن لا شيء في كتبه يثبت هذه التهمة عليه. كتبه: آثار ابن المقفع الأدبية كثيرة, جمع فيها أدب الفرس إلى أدب العرب, ومن أشهر مؤلفاته: كليلة ودمنة، وقد نقله عن الفارسية، وهو كتاب يرمي إلى إصلاح الأخلاق, وتهذيب العقول،؛ ومنها الأدب الكبير, والصغير, وهما اللذان يجمعهما هذا المجلد. الأدب الكبير: يعترف ابن المقفع بأنه أخذ كتابه هذا من أقوال المتقدمين، وقد قدم له بتوطئة في: فضل الأقدمين على العلم, وشروط درسه, والغرض من هذا الكتاب, وقسمه إلى مبحثين: الأول في السلطان, ومصاحبه, وما يجمل بكل منهما من الخلال، وفي هذا المبحث بابان: الأول في آداب السلطان, والثاني

стр. 3

في صحبة السلطان. أما المبحث الثاني فقد خصه بالأصدقاء، وحسن اختيار الصديق، وحسن معاملته، وكل ما له علاقة بالأصدقاء. الأدب الصغير: كان ابن المقفع في الأدب الصغير ناقلًا أيضًا، فقد قال: وقد وضعت في هذا الكتاب من كلام الناس المحفوظ حروفًا, غير أنه تصرف فيما نقله, وهذا الكتاب كناية عن دروس أخلاقية اجتماعية, ترغب في العلم, وتدعو المرء إلى تأديب نفسه، ويوصي بالصديق، ويتكلم على سياسة الملوك والولاة. أسلوبه الإنشائي: لابن المقفع أسلوب خاص به، هو السهل الممتنع, وإننا نجد في هذا الأسلوب أفكارًا متسقة, وقوة منطق، وألفاظًا سهلة، فصيحة منتقاة، قوية المدلول على المعاني، ونجد فيه من البلاغة أرفع درجاتها، وقد كان يوصي بالابتعاد عن وحشي الألفاظ, ومبتذل المعنى، فيقول مخاطبًا أحد الكتاب: إياك والتتبع لوحشي الكلام؛ طمعًا في نيل البلاغة, فإن ذلك العي الأكبر. وقد ساد أسلوبه, واحتذاه بلغاء الكتاب، وظل سائدا حتى ظهر أسلوب الجاحظ. فضله على العربية: وابن المقفع على كونه في تفكيره أعجميًا يتعصب لآداب قومه وعلومهم، فلا يرى في كتبه من العربية إلا اللغة، وقلما استشهد بشعر أو مثل أو

стр. 4

حكمة، أو أشار إلى وقائع العرب, وآرائهم، فإن فضله عظيم على العربية، فهو أول من أدخل إليها الحكمة الفارسية, الهندية, والمنطق اليوناني, وعلم الأخلاق, وسياسة الاجتماع, وأول من عرَّب، وألَّف، ورفع في كتبه النثر العربي إلى أعلى درجات الفن.

стр. 5

الأدب الصغير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال ابن المقفع: أما بعد، فإن لكل مخلوق حاجة، ولكل حاجة غاية، ولكل غاية سبيلًا. والله وقَّت١ للأمور أقدارها، وهيأ إلى الغايات سبلها، وسبب٢ الحاجات ببلاغها. فغاية الناس وحاجاتهم صلاح المعاش والمعاد٣، والسبيل إلى دركها٤, العقل الصحيح, وأمارة٥ صحة العقل اختيار الأمور البصر٦، وتنفيذ البصر بالعزم.

стр. 6

الأدب ينمي العقول وللعقول سجيات وغرائز١، بها تقبل الأدب، وبالأدب تسمى العقول وتزكو. فكما أن الحبة المدفونة في الأرض لا تقدر أن تخلع يبسها، وتظهر قوتها، وتطلع فوق الأرض بزعوتها وزيعها٢، ونضرتها ونمائها، إلا بمعونة الماء الذي يغور إليها في مستودعها، فيذهب عنها أذى اليبس والموت، ويحدث لها بإذن الله القوة والحياة، فكذلك سليقة٣ العقل مكنونة في مغرزها من القلب: لا قوة لها، ولا حياة بها، ولا منفعة عندها، حتى يعتملها٤ الأدب، الذي هو ثمارها، وحياتها، ولقاحها. وجل الأدب بالمنطق، وجل المنطق بالتعلم، ليس منه حرف من حروف معجمه، ولا اسم من أنواع أسمائه، إلا وهو مروي، متعلم، مأخوذ عن إمام سابق، من كلام أو كتاب. وذلك دليل على أن الناس لم يبتدعوا أصولها، ولم يأتهم علمها إلا من قبل العليم الحكيم. فإذا خرج الناس من أن يكون لهم عمل أصيل، وأن يقولوا قولا

стр. 7

بديعًا، فليعلم الواصفون المخبئون أن أحدهم، وإن أحسن وأبلغ، ليس زائدا على أن يكون كصاحب فصوص١؛ وجد ياقوتا، وزبرجدا ومرجانا، فنظمه قلائد وسموطا٢ وأكاليل، ووضع كل فص موضعه، وجمع إلى كل لون شبهه، وما يزيده بذلك حسنا، فسمي بذلك صانعا رفيقا، وكصاغة الذهب والفضة، صنعوا منها ما يعجب الناس من الحلي والآنية، وكالنحل؛ وجدت ثمرات أخرجها الله طيبة، وسلكت سبلا؛ جعلها الله ذللا٣، فصار ذلك شفاء وطعاما، وشرابا منسوبا إليها، مذكورا بها أمرها وصنعتها. فمن جرى على لسانه كلام يستحسنه, أويستحسن منه، فلا يعجبن إعجاب المخترع المبتدع، فإنه إنما إجتباه كما وصفنا. الاقتداء بالصالحين: ومن أخذ كلامًا حسنًا عن غيره، فتكلم به في موضعه, وعلى وجهه، فلا ترين عليه في ذلك ضؤولة٤، فإنه من أعين على حفظ كلام المصيبين، وهدي للاقتداء بالصالحين، ووفق للأخذ عن الحكماء، ولا عليه أن لا يزداد، فقد بلغ الغاية، وليس

стр. 8

بناقصه في رأيه, ولا غامطه١ من حقه أن لا يكون هو استحدث ذلك وسبق إليه. فإنما إحياء العقل الذي يتم به, ويستحكم: خصال سبع: الإيثار بالمحبة، والمبالغة في الطلب، والتثبت في الاختيار، والاعتياد للخير، وحسن الرعي، والتعهد لما اختير واعتقد، ووضع ذلك موضعه قولًا وعملًا. أما المحبة فإنها تبلغ المرء مبلغ الفضل في كل شيء من أمر الدنيا والآخرة حين يؤثر بمحبته, فلا يكون شيء أمرأ٢, ولا أحلى عنده منه. وأما الطلب، فإن الناس لا يغنيهم حبهم ما يحبون, وهواهم ما يهوون عن طلبه وابتغائه, ولا تدرك لهم بغيتهم, ونفاستها في أنفسهم، دون الجد والعمل. وأما التثبت والتخير، فإن الطلب لا ينفع إلا معه وبه, فكم من طالب رشد, وجده والغي معًا، فاصطفى منهما الذي منه هرب، وألغى الذي إليه سعي، فإذا كان الطالب يحوي غير ما يريد، وهو لا يشك في الظفر، فما أحقه بشدة التبين وحسن الابتغاء! وأما اعتقاد الشيء بعد استبانته، فهو ما يطلب من إحراز الفضل بعد معرفته.

стр. 9

وأما الحفظ والتعهد، فهو تمام الدرك؛ لأن الإنسان موكل به النسيان والغفلة؛ فلا بد له إذا اجتبى١ صواب قول أو فعل من أن يحفظه عليه ذهنه لأوان حاجته. وأما البصر بالمواضع، فإنما تصير المنافع كلها إلى وضع الأشياء مواضعها، وبنا إلى أهل كله حاجة شديدة, فإنا لم نوضع في الدنيا موضع غنى وخفض٢, ولكن بموضع فاقة وكد، ولسنا إلى ما يمسك أرماقنا٣ من المأكل والمشرب بأحوج منا إلى ما يثبت عقولنا من الأدب الذي به تقاوت العقول, وليس غذاء الطعام بأسرع في نبات الجسد من غذاء الأدب في نبات العقل, ولسنا بالكدِّ في طلب المتاع الذي يلتمس به دفع الضرر, والغلبة, بأحق منا بالكد في طلب العلم الذي يلتمس به صلاح الدين والدنيا. ما وضع في هذا الكتاب: وقد وضعت في هذا الكتاب من كلام الناس المحفوظ حروفًا فيها عون على عمارة القلوب, وصقالها, وتجلية أبصارها، وإحياء للتفكير وإقامة للتدبير، ودليل على محامد الأمور, ومكارم الأخلاق إن شاء الله!

стр. 10

انظر أين تضع نفسك الواصفون١ أكثر من العارفين، والعارفون أكثر من الفاعلين. فلينظرِ امرؤ أين يضع نفسه؛ فإن لكل امرئ لم تدخل عليه آفة نصيبًا من اللب يعيش به، لا يحب أن له به من الدنيا ثمنًا, وليس كل ذي نصيب من اللب بمستوجب أن يسمى في ذوي الألباب, ولا يوصف بصفاتهم, فمن رام أن يجعل نفسه لذلك الاسم والوصف أهلًا، فليأخذ له عتاده٢, وليعد له طول أيامه، وليؤثره على أهوائه, فإنه قد رام أمرًا جسيمًا لا يصلح على الغفلة، ولا يدرك بالمعجزة، ولا يصير على الأثرة٣, وليس كسائر أمور الدنيا وسلطانها ومالها وزينتها التي قد يدرك منها المتواني ما يفوت المثابر, ويصيب منها العاجز ما يخطئ الحازم. جماع الصواب, وجماع الخطأ: وليعلم أن على العاقل أمورًا إذا ضيعها, حكم عليه عقله بمقارنة الجهال. فعلى العاقل أن يعلم أن الناس مشتركون, مستوون في الحب

стр. 11

لما يوافق, والبغض لما يؤذي، وأن هذه منزلة اتفق عليها الحمقى والأكياس١، ثم اختلفوا بعدها في ثلاث خصال هن جماع الصواب وجماع الخطأ، وعندهن تفرقت العلماء والجهال، والحزمة والعجزة. الباب الأول من ذلك٢: أن العاقل ينظر فيما يؤذيه, وفيما يسره، فيعلم أن أحق ذلك بالطلب، إن كان مما يحب، وأحقه بالاتقاء، إن كان مما يكره، أطوله وأدومه وأبقاه، فإذا هو قد أبصر فضل الآخرة على الدنيا، وفضل سرور المروءة على لذة الهوى، وفضل الرأي الجامع الذي تصلح به الأنفس والأعقاب على حاضر الرأي الذي يستمتع به قليلا, ثم يضمحل، وفضل الأكلات على الأكلة, والساعات على الساعة٣. الباب الثاني من ذلك: أن ينظر فيما يؤثر من ذلك، فيضع الرجاء, والخوف فيه

стр. 12

موضعه، فلا يجعل اتقاءه لغير المخوف, ولا رجاءه في غير المدرك. فسيتوقى عاجل الذات طلبًا لآجلها، ويحتمل قريب الأذى توقيًا لبعيده, فإذا صار إلى العاقبة، بدا له أن فراره كان تورطًا١ وأن طلبه كان تنكبًا٢. الباب الثالث من ذلك: هو تنفيذ البصر بالعزم بعد المعرفة بفضل الذي هو أدوم، وبعد التثبت في مواضع الرجاء والخوف, فإن طالب الفضل بغير بصر تائه حيران، ومبصر الفضل بغير عزم ذو زمانة٣ محروم. محاسبة النفس: وعلى العاقل مخاصمة نفسه, ومحاسبتها, والقضاء عليها, والإثابة والتنكيل بها٤. أما المحاسبة، فيحاسبها بما لها، فإنه لا مال لها إلا أيامها المعدودة التي ما ذهبت منها لم يستخلف كما تستخلف النفقة، وما جعل منها في الباطل لم يرجع إلى الحق، فيتنبه لهذه المحاسبة

стр. 13

عند الحول١ إذا حال، والشهر إذا انقضى، واليوم إذا ولى، فينظر فيما أفنى من ذلك، وما كسب لنفسه، وما اكتسب عليها في أمر الدين وأمر الدنيا, فيجمع ذلك في كتاب فيه إحصاء، وجد، وتذكير للأمور، وتبكيت للنفس, وتذليل لها؛ حتى تعترف, وتذعن. وأما الخصومة، فإن من طباع النفس الآمرة بالسوء أن تدعي المعاذير فيما مضى، والأماني فيما بقي، فيرد عليها معاذيرها, وعللها, وشبهاتها. وأما القضاء، فإنه يحكم فيما أرادت من ذلك على السيئة بأنها فاضحة, مردية, موبقة٢، وللحسنة بأنها زائنة, منجية, مربحة. وأما الإثابة, والتنكيل، فإنه يسر نفسه بتذكر تلك الحسنات, ورجاء عواقبها, وتأميل فضلها، ويعاقب نفسه بالتذكر للسيئات, والتبشع بها, والاقشعرار منها, والحزن لها. فأفضل ذوي الألباب أشدهم لنفسه بها أخذًا، وأقلهم عنها فيه فترة. ذكر الموت: وعلى العاقل أن يذكر الموت في كل يوم وليلة مرارًا، ذكرًا

стр. 14

يباشر به القلوب, ويقدع الطماع١، فإن في كثرة ذكر الموت عصمة من الأشر، وأمانًا، بإذن الله، من الهلع٢ إحصاء المساوئ: وعلى العاقل أن يحصي على نفسه مساويها في الدين, وفي الأخلاق, وفي الآداب، فيجمع ذلك كله في صدره, أو في كتاب، ثم يكثر عرضه على نفسه، ويكلفها إصلاحه، ويوظف ذلك عليها توظيفًا من إصلاح الخلة٣, والخلتين, والخلال في اليوم أو الجمعة أو الشهر. فكلما أصلح شيئًا محاه، وكلما نظر إلى محو استبشر، وكلما نظر إلى ثابت اكتأب. الخصال الصالحة: وعلى العاقل أن يتفقد محاسن الناس, ويحفظها على نفسه، ويتعهدها بذلك مثل الذي وصفنا في إصلاح المساوي. وعلى العاقل أن لا يخادن, ولا يصاحب, ولا يجاور من الناس ما استطاع، إلا ذا فضل في العلم والدين والأخلاق, فيأخذ عنه، أو موافقًا له على إصلاح ذلك, فيؤيد ما عنده، وإن لم يكن له عليه فضل.

стр. 15

فإن الخصال الصالحة من البر١ لا تحيا, ولا تنمى إلا بالموافقين والمؤيدين, وليس لذي الفضل قريب, ولا حميم أقرب إليه ممن وافقه على صالح الخصال, فزاده, وثبته. ولذلك زعم بعض الأولين أن صحبة بليد نشأ مع العلماء, أحب إليهم من صحبة لبيب نشأ مع الجهال. من نسي وتهاون خسر: وعلى العاقل أن لا يحزن على شيء فاته من الدنيا أو تولى، وينزل ما أصابه من ذلك, ثم انقطع عنه, منزلة ما لم يصب، وينزل ما طلب من ذلك, ثم لم يدركه, منزلة ما لم يطلب، ولا يدع حظه من السرور بما أقبل منها، ولا يبلغن ذلك سكرًا ولا طغيانًا، فإن مع السكر النسيان، ومع الطغيان التهاون، ومن نسي, وتهاون خسر. إيناس ذوي الألباب: وعلى العاقل أن يؤنس ذوي الألباب بنفسه, ويجرئهم عليها, حتى يصبروا حرسًا على سمعه وبصره ورأيه، فيستنيم إلى ذلك, ويريح له قلبه، ويعلم أنهم لا يغفلون عنه إذا هو غفل عن نفسه.

стр. 16

ساعة عون على الساعات: وعلى العاقل، ما لم يكن مغلوبًا على نفسه، أن لا يشغله شغل عن أربع ساعات: ساعة: يرفع فيها حاجته إلى ربه، وساعة: يحاسب فيها نفسه، وساعة: يفضي فيها إلى إخوانه, وثقاته الذين يصدقونه عن عيوبه, وينصحونه في أمره، وساعة: يخلي فيها بين نفسه, وبين لذتها مما يحل ويجمل، فإن هذه الساعة عون على الساعات الأُخَر، وإن استجمام١ القلوب, وتوديعها٢ زيادة قوة لها, وفضل بلغة٣. الرغبات الثلاث: وعلى العاقل أن لا يكون راغبًا إلا في إحدى ثلاث: تزود لمعاد، أو مرمة لمعاش، أو لذة في غير محرم. الناس طبقتان متباينتان: وعلى العاقل أن يجعل الناس طبقتين متباينتين، ويلبس لهم لباسين مختلفين، فطبقة من العامة يلبس لهم لباس

стр. 17

انقباض وانحجاز وتحفظ في كل كلمة وخطوة، وطبقة من الخاصة يخلع عندهم لباس التشدد, ويلبس لباس الأنسة واللطفة والبذلة١ والمفاوضة, ولا يدخل في هذه الطبقة إلا واحدًا من الألف, وكلهم ذو فضل في الرأي، وثقة في المودة، وأمانة في السر، ووفاء بالإخاء. الصغير يصير كبيرًا: وعلى العاقل أن لا يستصغر شيئا من الخطأ في الرأي، والزلل في العلم، والإغفال في الأمور؛ فإنه من استصغر الصغير أوشك أن يجمع إليه صغيرًا وصغيرًا، فإذا الصغير كبير, وإنما هي ثلم٢ يثلمها العجز والتضييع, فإذا لم تسدَّ أوشكت أن تتفجر بما لا يطاق, ولم نر شيئًا قط إلا قد أتى من قبل الصغير المتهاون به، قد رأينا الملك يؤتى من العدو المحتقر به، ورأينا الصحة تؤتى من الداء الذي لا يحفل به، ورأينا الأنهار تنبثق من الجدول الذي يستخف به. وأقل الأمور احتمالًا للضياع الملك؛ لأنه ليس شيء يضيع، وإن كان صغيرًا، إلا اتصل بآخر, يكون عظيمًا.

стр. 18

الرأي والهوى عدوان: وعلى العاقل أن يجبن عن المضي على الرأي الذي لا يجد عليه موافقًا, وإن ظن أنه على اليقين. وعلى العاقل أن يعرف أن الرأي والهوى متعاديان، وأن من شأن الناس تسويف الرأي, وإسعاف الهوى، فيخالف ذلك, ويلتمس أن لا يزال هواه مُسَوَفًّا ورأيه مسعفًا. وعلى العاقل إذا اشتبه عليه أمران فلم يدر في أيهما الصواب, أن ينظر أهواهما عنده، فيحذره. علم نفسك قبل تعليم غيرك: ومن نصب نفسه للناس إمامًا في الدين، فعليه أن يبدأ بتعليم نفسه وتقويمها في السيرة والطعمة والرأي واللفظ والأخدان؛ فيكون تعليمه بسيرته أبلغ من تعليمه بلسانه, فإنه كما أن كلام الحكمة يونق٢ الأسماع، فكذلك عمل الحكمة يروق العيون والقلوب, ومعلم نفسه ومؤدبها أحق بالإجلال والتفضيل من معلم الناس ومؤدبهم.

стр. 19

أعمدة السلطان: ولاية الناس بلاء عظيم, وعلى الوالي أربع خصال هي أعمدة السلطان١, وأركانه التي بها يقوم, وعليها يثبت: الاجتهاد في التخير، والمبالغة في التقدم، والتعهد٢ الشديد، والجزاء العتيد٣. فأما التخير للعمال والوزراء, فإنه نظام الأمر, ووضع مؤونة البعيد المنتشر, فإنه عسى أن يكون يتخيره رجلًا واحدًا قد اختار ألفا؛ لأنه من كان من العمال خيارًا فسيختار كما اختير, ولعل عمال العامل, وعمال عماله يبلغون عددًا كثيرًا، فمن تبين التخيُّر فقد أخذ بسبب وثيق، ومن أسس أمره على غير ذلك لم يجد لبنائه قوامًا. وأما التقديم والتوكيد، فإنه ليس كل ذي لب أو ذي أمانة يعرف وجوه الأمور والأعمال، ولو كان بذلك عارفًا، لم يكن صاحبه حقيقًا أن يكل ذلك إلى علمه, دون توقيفه عليه, وتبيينه له, والاحتجاج عليه به. وأما التعهد، فإن الوالي إذا فعل ذلك كا سميعًا بصيرًا، وإن العامل إذا فعل ذلك به كان متحصنًا حريزًا. وأما الجزاء فإنه تثبيت المحسن, والراحة من المسيء.

стр. 20

بماذا يستطاع السلطان: لا يستطاع السلطان إلا بالوزراء والأعوان، ولا ينفع الوزراء إلا بالمودة والنصيحة، ولا المودة إلا مع الرأي والعفاف١. وأعمال السلطان كثيرة, وقليل ما تستجمع الخصال المحمودة عند أحد، وإنما الوجه في ذلك, والسبيل الذي به يستقيم العمل, أن يكون صاحب السلطان عالِمًا بأمور من يريد الاستعانة به, وما عند كل رجل من الرأي والغناء، وما فيه من العيوب. فإذا استقر ذلك عنده عن علمه وعلم من يأتمن, وجَّه لكل عمل من قد عرف أن عنده من الرأي والنجدة٢ والأمانة ما يحتاج إليه فيه، وأن ما فيه من العيوب لا يضر بذلك، ويتحفظ من أن يوجه أحدًا وجهًا لا يحتاج فيه إلى مروءة، إن كانت عنده، ولا يأمن عيوبه, وما يكره منه. ثم على الملوك، بعد ذلك، تعاهد عمالهم, وتفقد أمورهم، حتى لا يخفى عليهم إحسان محسن, ولا إساءة مسيء. ثم عليهم، بعد ذلك، أن لا يتركوا محسنًا بغير جزاء, ولا يقروا مسيئًا ولا عاجزًا على الإساءة والعجز؛ فإنهم إن تركوا ذلك، تهاون المحسن، واجترأ المسيء، وفسد الأمر، وضاع العمل.

стр. 21

الدنيا دول: اقتصار السعي إبقاء للجمام١، وفي بعد الهمة يكون النَصَبُ٢، ومن سأل فوق قدرته استحق الحرمان، وسوء حمل الغنى أن يكون عند الفرح مرحًا، وسوء حمل الفاقة أن يكون عند الطلب شرهًا، وعار الفقر أهون من عار الغنى، والحاجة مع المحبة خير من الغنى مع البغضة. الدنيا دول، فما كان لك منها أتاك على ضفعك، وما كان عليك لم تدفعه بقوتك. المثل أوضح للمنطق: إذا جعل الكلام مثلًا، كان ذلك أوضح للمنطق, وأبين في المعنى, وآنق للسمع, وأوسع لشعوب الحديث٣. لا مال أفضل من العقل: أشد الفاقة عدم العقل، وأشد الوحدة وحدة اللجوج٤، ولا مال أفضل من العقل، ولا أنيس آنس من الاستشارة.

стр. 22

كن مستورًا: مما يعتبر به صلاح الصالحين, وحسن نظره للناس أن يكون إذا استعتب١ المذنب ستورًا لا يشيع, ولا يذيع، وإذا استشير سمحًا بالنصيحة مجتهدًا للرأي، وإذا استشار مطرحًا للحياء منفذًا للحزم معترفًا للحق. الحارس والمحروس: القسم٢ الذي يقسم للناس, ويمتعون به, نحوان: فمنه حارس, ومنه محروس، فالحارس العقل، والمحروس المال، والعقل، بإذن الله، هو الذي يحرز الحظ، ويؤنس الغربة، وينفي الفاقة، ويعرف النكرة، ويثمر المكسبة٣، ويطيب الثمرة، ويوجه السوقة عند السلطان٤، ويستنزل للسلطان نصيحة السوقة، ويكسب الصديق، ويكفي العدو. الأدب العظيم: كلام اللبيب، وإن كان نزرًا، أدب عظيم، ومقارفة

стр. 23

المأثم١، وإن كان محتقرًا، مصيبة جليلة، ولقاء الإخوان, وإن كان يسيرًا٢، غنم حسن. أجناس الناس: قد يسعى إلى أبواب السلطان أجناس من الناس كثير، أما الصالح فمدعوٌّ، وأما الطالح فمقتحمٌ٣، وأما ذو الأدب فطالب، وأما من لا أدب له فمختلس٤، وأما القوي فمدافع، وأما الضعيف فمدفوع، وأم المحسن فمستثيب، وأما المسيء فمستجير٦. فهو مجمع البر والفاجر، والعالم والجاهل، والشريف والوضيع. الناس، إلا قليلا ممن عصم الله، مدخولون في أمورهم٧: فقائلهم باغٍ، وسامعهم عياب، وسائلهم متعنت، ومجيبهم متكلف، وواعظهم غير محقق لقوله بالفعل، وموعوظهم غير سليم من الاستخفاف، والأمين منهم غير متحفظ من

стр. 24

إتيان الخيانة، والصدوق غير محترس من حديث الكذبة، وذو الدين غير متورع عن تفريط الفجرة١، والحازم منهم غير تارك لتوقع الدوائر. يتناقضون البناء٢، ويتراقبون الدول، ويتعايبون بالهمز٣، مولعون في الرخاء بالتحاسد، وفي الشدة بالتخاذل. لا تغتر بالدنيا: كم قد انتزعت الدنيا ممن استمكن منها, واعتكفت له, فأصبحت الأعمال أعمالهم, والدنيا دنيا غيرهم، وأخذ متاعهم من لم يحمدهم، وخرجوا إلى من لا يعذرهم. فأصبحنا خلفًا من بعدهم، نتوقع مثل الذي نزل بهم، فنحن إذا تدبرنا أمورهم، أحقَّاء أن ننظر ما نغبطهم بهو فنتَّبعه, وما نخاف عليهم منه فتجتنبه. كيف تطلع الشيطان على عورتك؟: كان يقال: إن الله تعالى قد يأمر بالشيء ويبتلي بثقله وينهى

стр. 25

عن الشيء, ويبتلي بشهوته. فإذا كنت لا تعمل من الخير إلا ما اشتهيته، ولا تترك من الشر إلا ما كرهته، فقد أطلعت الشيطان على عورتك، وأمكنته من رمتك١، فأوشك أن يقتحم عليك فيما تحب من الخير, فيكرهه إليك, وفيما تكره من الشر, فيحببه إليك. ولكن ينبغي لك في حب ما تحب من الخير التحامل على ما يستثقل منه، وينبغي لك في كراهة ما تكره من الشر التجنب لما يحب منه. زخرف الدنيا: الدنيا زخرف, يغلب الجوارح، مالم تغلبه الألباب, والحكيم من يغضي عنه, ولم يشغل به قلبه: اطلع من أدناه فيما وراءه، وذكر لواحق شره, فأكل مره, وشرب كدره؛ ليحلولي له, ويصفو في طول من إقامة العيش الذي يبقى ويدوم، غير عائف للرشد إن لم يلقه برضاه، ولم يأتِهِ من طريق هواه. القيام على الثقة: لا تألف المستوخم٢، ولا تقمْ على غير الثقة.

стр. 26

شكر الله على نعمه والعمل بطاعته: قد بلغ فضل الله على الناس من السعة, وبلغت نعمته عليهم من السبوغ١ ما لو أن أخسهم حظًا, وأقلهم منه نصيبًا, وأضعفهم علمًا, وأعجزهم عملًا, وأعياهم لسانًا, بلغ من الشكر له, والثناء عليه بما خلص إليه من فضله، ووصل إليه من نعمته، ما بلغ له منه أعظمهم حظًا, وأوفرهم نصيبًا, وأفضلهم علمًا, وأقواهم عملًا, وأبسطهم لسانًا، لكان عما استوجب٢ الله عليه مقصرًا, وعن بلوغ غاية الشكر بعيدًا. ومن أخذ بحظه من شكر الله, وحمده, ومعرفة نعمه, والثناء عليه والتحميد له، فقد استوجب بذلك من أدائه إلى الله القربة عنده والوسيلة إليه, والمزيد فيما شكره عليه من خير الدنيا، وحسن ثواب الآخرة. أفضل ما يعلم به علم ذي العلم, وصلاح ذي الصلاح أن يستصلح بما أوتي من ذلك ما استطاع من الناس, ويرغبهم فيما رغب فيه لنفسه من حب الله، وحب حكمته، والعمل بطاعته، والرجاء لحسن ثوابه في المعاد إليه، وأن يبين الذي لهم من الأخذ بذلك, والذي عليهم في تركه، وأن يورث ذلك أهله ومعارفه؛ ليلحقه أجره من بعد الموت.

стр. 27

الدين أفضل المواهب: الدين أفضل المواهب التي وصلت من الله إلى خلقه، وأعظمها منفعة، وأحمدها في كل حكمة، فقد بلغ فضل الدين والحكمة أن مدحا على السنة الجهال, على جهالتهم بهما وعماهم عنهما. أحقُّ الناس: أحقُّ الناس بالسلطان أهل المعرفة١، وأحقهم بالتدبير العلماء، وأحقهم بالفضل أعودهم٢ على الناس بفضله، وأحقهم بالعلم أحسنهم تأديبًا، وأحقهم بالغنى أهل الجود، وأقربهم إلى الله أنفذهم في الحق علمًا, وأكملهم به عملًا، وأحكمهم أبعدهم من الشك في الله، وأصوبهم رجاءًا أوثقهم بالله، وأشدهم انتفاعًا بعلمه أبعدهم من الأذى، وأرضاهم في الناس أفشاهم معروفًا، وأقولهم أحسنهم معونة، وأشجعهم أشدهم على الشيطان، وأفلحهم بحجةٍ أغلبهم للشهوة والحرص، وآخذهم بالرأي أتركُهُم للهوى، وأحقهم بالمودة أشدهم لنفسه حبًا، وأجودهم أصوبهم بالعطية موضعًا، وأطولهم راحة أحسنهم للأمور احتمالًا، وأقلهم

стр. 28

دهشًا أرحبهم ذراعًا، وأوسعهم غنى أقنعهم بما أوتي، وأخفضهم عيشًا أبعدهم من الإفراط، وأظهرهم جمالًا أظهرهم حصافة١، وآمنهم في الناس أكلُّهم نابًا ومخلبًا، وأثبتهم شهادة عليهم أنطَقَهُم عنهم، وأعدلهم فيهم أدومهم مسالمة لهم، وأحقهم بالنعم أشكرهم لما أوتي منها. العجب آفة العقل: أفضل ما يورث الآباء الأبناء، الثناء الحسن, والأدب النافع, والإخوان الصالحون. فصل ما بين الدين والرأي، أن الدين يسلم بالإيمان، وأن الرأي يثبت بالخصومة٢، فمن جعل الدين خصومة، فقد جعل الدين رأيًا، ومن جعل الرأي دينًا فقد صار شارعًا٣، ومن كان هو يشرع لنفسه الدين, فلا دين له. قد يشتبه الدين والرأي في أماكن، لولا تشابههما لم يحتاجا إلى الفصل. العجب آفة العقل، واللجاجة قعود الهوى، والبخل لقاح

стр. 29

الحرص، والمراء فساد اللسان، والحمية سبب الجهل، والأنف توأم السفه١، والمنافسة أخت العداوة. حكمتان: إذا هممت بخير, فبادر هواك، لا يغلبك؛ فإن ما مضى من الأيام والساعات على ذلك هو الغنم. لا يمنعنَّك صغر شأن امرئ من اجتناء ما رأيت من رأيه صوابًا, والاصطفاء ما رأيت من أخلاقه كريمًا، فإن اللؤلؤة القائمة لا تهان لهوان غائصها الذي استخرجها. العلم زين لصاحبه: من أبواب التوفق, والتوفيق في التعلم أن يكون وجه الرجل الذي يتوجه فيه من العلم والأدب فيما يوافق طاعة, ويكون له عنده محمل وقبول, فلا يذهب عناؤه في غير غناء، ولا تفنى أيامه في غير درك، ولا يستفرغ نصيبه فيما لا ينجع فيه، ولا يكون كرجل أراد أن يعمر أرضا تهمة٢, فغرسها جوزًا ولوزًا، وأرضًا جلسًا٣, فغرسها نخلًا وموزًا.

стр. 30

العلم زين لصاحبه في الرخاء، ومنجاة له في الشدة: بالأدب تعمر القلوب، وبالعلم تستحكم الأحلام١. العقل الذاتي: العقل الذاتي غير الصنيع، كالأرض الطيبة غير الخراب. الدليل على معرفة الله: مما يدل على معرفة الله, وسبب الإيمان, أن يوكل بالغيب لكل ظاهر من الدنيا، صغير أو كبير، عينًا، فهو يصرفه, ويحركه, فمن كان معتبرًا بالجليل من ذلك, فلينظر إلى السماء, فسيعلم أن لها ربًا يُجري فَلَكَهَا، ويدبر أمرها، ومن اعتبر بالصغير، فلينظر إلى حبة الخردل فسيعرف أن لها مدبرًا بنبتها, ويزكيها, ويقدر لها أقواتها من الأرض والماء، يوقت لها زمان نباتها, وزمان تهشمها٢، وأمر النبوة والأحلام, وما يحدث في أنفس الناس من حيث لا يعلمون، ثم يظهر منهم بالقول والفعل، ثم اجتماع العلماء والجهال والمهتدين والضلال على ذكر الله, وتعظيمه، واجتماع من شك في الله, وكذب به على الإقرار بأنهم أنشئوا حديثًا، ومعرفتهم أنهم

стр. 31

لم يحدثوا أنفسهم. فكل ذلك يهدي إلى الله, ويدل على الذي كانت منه هذه الأمور، مع ما يزيد ذلك يقينًا عند المؤمنين, بأن الله حق كبير, ولا يقدر أحد على يوقن أنه بالباطل. حق السلطان المقسط: إن للسلطان المقسط١ حقًا لا يصلح بخاصة, ولا عامة أمر إلا بإرادته، فذو اللب حقيق أن يخلص لهم النصيحة، ويبذل لهم الطاعة، ويكتم سرَّهم، ويزين سيرتهم، ويذب بلسانه ويده عنهم، ويتوخى مرضاتهم, ويكون من أمره المؤاتاة٢ لهم, والإيثار لأهوائهم, ورأيهم على هواه ورأيه، ويقدر الأمور على موافقتهم, وإن كان ذلك له مخالفًا٣، وأن يكون منه الجد في المخالفة لمن جانبهم وجهل حقهم، ولا يواصل من الناس إلا من لا تباعد مواصلته إياه منهم، ولا تحمله عداوة أحد له, ولا إضرار به على الاضطغان عليهم، ولا مؤاتاة أحد على الاستخفاف بشيء من أمورهم, والانتقاص لشيء من حقهم، ولا يكتمهم شيئًا من نصيحتهم، ولا يتثاقل عن شيء من طاعتهم، ولا يبطر إذا أكرموه، ولا يجترئ عليهم إذا قربوه،

стр. 32

ولا يطغى إذا سلطوه، ولا يُلْحِف١ إذا سألهم، ولا يدخل عليهم المؤونة، ولا يستثقل ما حمَّلوه، ولا يعتز عليهم إذا رضوا عنه، ولا يتغير لهم إذا سخطوا عليه، وأن يحمدهم على ما أصاب من خير منهم, أو من غيرهم, فإنه لا يقدر أحد على أن يصيبه بخير إلا بدفاع الله عنه بهم. الدليل على علم العالم: مما يدل على علم العالم معرفته ما يدرك من الأمور, وإمساكه عما لا يدرك, وتزيينه نفسه بالمكارم، وظهور علمه للناس من غير أن يظهر منه فخر ولا عجب، ومعرفته زمانه الذي هو فيه، وبصره بالناس، وأخذه بالقسط, وإرشاده المسترشد، وحسن مخالفته خلطاءه، وتسويته بين قلبه ولسانه، وتحريه العدل في كل أمر، ورحب ذرعه فيما نابه، واحتجاجه بالحجج فيما عمل، وحسن تبصيره. علم الآخرة: من أراد أن يبصر شيئًا من علم الآخرة، فالعلم الذي يعرف به ذلك، ومن أراد أن يبصر شيئًا من أمر الدنيا فبالأشياء التي هي تدل عليه.

стр. 33

ماذا يجب على المرء؟: ليكن المرء سؤولًا١، وليكن فصولًا بين الحق والباطل، وليكن صدوقًا؛ ليؤمن على ما قال، وليكن ذا عهد؛ ليوفى له بعهده، وليكن شكورًا؛ ليستوجب الزيادة، وليكن جوادًا؛ ليكون للخير أهلًا، وليكن رحيمًا بالمضرورين؛ لئلا يبتلى بالضر، وليكن ودودًا؛ لئلا يكون معدنًا لأخلاق الشيطان، وليكن حافظًا للسانه، مقبلًا على شأنه؛ لئلا يؤخذ بما لم يجترم، وليكن متواضعًا؛ ليفرح له بالخير, ولا يحسد عليه، وليكن قنعًا؛ لتقر عينه بما أوتي، وليسر للناس بالخير؛ لئلا يؤذيه الحسد؛ وليكن حذرًا؛ لئلا تطول مخافته، ولا يكونن حقودًا؛ لئلا يضر بنفسه إضرارًا باقيًا، وليكن ذا حياء؛ لئلا يستذم إلى العلماء, فإن مخافة العالم مذمة العلماء أشد من مخافته عقوبة السلطان. نصائح سنية: حياة الشيطان ترك العلم، وروحه, وجسده الجهل، ومعدنه في أهل الحقد والقساوة، ومثواه في أهل الغضب، وعيشة في المصارمة، ورجاؤه في الإصرار على الذنوب.

стр. 34

وقال: لا ينبغي للمرء أن يعتدَّ بعلمه ورأيه ما لم يذاكره ذوو الألباب, ولم يجامعوه عليه١؛ فإنه لا يستكمل علم الأشياء بالعقل الفرد. أعدل السير أن تقيس الناس بنفسك، فلا تأتي إليهم إلا ما ترضى أن يؤتى إليك. وأنفع العقل أن تحسن المعيشة فيما أوتيت من خير، وأن لا تكترث من الشر بما لم يصبْك. ومن العلم أن تعلم أنك لا تعلم بما لا تعلم. ومن أحسن ذوي العقول عقلًا من أحسن تقدير أمر معاشه ومعاده تقديرًا لا يفسد عليه واحدًا منهما نفاد الآخر، فإن أعياه ذلك رفض الأدنى, وآثر عليه الأعظم. وقال: المؤمن بشيء من الأشياء, وإن كان سحرًا, خير ممن لا يؤمن بشيء, ولا يرجو معادًا. لا تؤدي التوبة أحدًا إلى النار، ولا الإصرار على الذنوب أحدًا إلى الجنة. من أفضل البر٢ ثلاث خصال: الصدق في الغضب، والجود في العسرة، والعفو عند القدرة.

стр. 35

رأس الذنوب: رأس الذنوب الكذب: هو يؤسسها, وهو يتفقدها, ويثبتها, ويتلوَّن ثلاثة ألوان: بالأمنية، والجحود، والجدل، يبدو لصاحبه بالأمنية الكاذبة فيما يزين له من الشهوات, فيشجعه عليها بأن ذلك سيخفى, فإذا ظهر عليه قابله بالجحود والمكابرة، فإن أعياه ذلك ختم بالجدل، فخاصم عن الباطل, ووضع له الحجج، والتمس به التثبت, وكابر به الحق حتى يكون مسارعًا للضلالة, ومكابرًا بالفواحش. دين المرء: لا يثبت دين المرء على حالة واحدة أبدًا، ولكنه لا يزال إما زائدًا وإما ناقصًا. علامات اللئيم: من علامات اللئيم المخادع أن يكون حسن القول، سيِّء الفعل، بعيد الغضب، قريب الحسد، حمولًا للفحش، محازيًا بالحقد، متكلفًا للجود، صغير الخطر، متوسعًا فيما ليس له، ضيقًا فيما يملك.

стр. 36

اشتغل بالأعظم: وكان يقال: إذا تخالجتك الأمور١، فاشتغل بأعظمها خطرًا، فإن لم تستبن ذلك، فأرجاها دركًا٢، فإن اشتبه ذلك، فأجدرها أن لا يكون له مرجوع، حتى تولي فرصته٣. الرجال أربعة: وكان يقال: الرجال أربعة: اثنان تختبر ما عندهما بالتجربة، واثنان قد كفيت تجربتهما. فأما اللذان تحتاج إلى تجربتهما؛ فإن أحدهما بر كان مع أبرار، والآخر فاجر كان مع فجار، فإنك لا تدري لعل البر منهما، إذا خالط الفجار أن يتبدل، فيصير فاجرا، ولعل الفاجر منهما، إذا خالط الأبرار أن يتبدل برًّا، فيتبدل البر فاجرًا، والفاجر برًّا. وأما اللذان قد كفيت تجربتهما، وتبين لك ضوء أمرهما، فإن أحدهما فاجرٌ كان في أبرار، والآخر برٌّ كان في فجار.

стр. 37

حكم متفرقة: حق على العاقل أن يتخذ مرآتين؛ فينظر من إحداهما في مساوئ نفسه، فيتصاغر بها، ويصلح ما استطاع منها، وينظر في الأخرى في محاسن الناس، فيحليهم بها١، ويأخذ ما استطاع منها. احذر خصومة الأهل، والولد، والصديق، والضعيف، واحتج عليهم بالحجج. لا يوقعنك بلاءٌ، خلصت منه في آخر، لعلك لا تخلص منه. الوَرِعُ لا يَخْدَعُ، والأريب٢ لا يُخْدَعُ. ومن ورع الرجل أن لا يقول ما لا يعلم، ومن الإرب٣ أن يتثبت فيما يعلم. وكان يقال: عمل الرجل فيما يعلم أنه خطأ هوى، والهوى آفة العفاف، وتركه العمل بما يعلم أنه صواب تهاون، والتهاون آفة الدين، وإقدامه على ما لا يدري، أصواب هو أم خطأ جماح٤، والجماح آفة العقل. وكان يقال: وقر من فوقك، وَلِنْ لمن دونك، وأحسن مؤاتاة أكفائك، وليكن آثر ذلك عندك مؤاتاة الإخوان، فإن

стр. 38

ذلك هو الذي يشهد لك بأن إجلالك من فوقك ليس بخضوع منك لهم، وأن لينك لمن دونك ليس لالتماس خدمتهم. غير المغتبطين: خمسة غير مغتبطين في خمسة أشياء، يتندمون عليها، الواهن المفرط إذا فاته العمل، والمنقطع من إخوانه، وصديقه إذا نابته النوائب، والمستمكن منه عدوه؛ لسوء رأيه إذا تذكر عجزه، والمفارق للزوجة الصالحة إذا ابتلي بالطالحة، والجريء على الذنوب إذا حضره الموت. ماذا ينفع؟ لا ينفع العقل بغير ورع، ولا الحفظ بغير عقل، ولا شدة البطش بغير شدة القلب، ولا الجمال بغير حلاوة، ولا الحسب بغير أدب، ولا السرور بغير أمن، ولا الغنى بغير جود، ولا المروءة بغير تواضع، ولا الخفض١ بغير كفاية، ولا الاجتهاد بغير توفيق. أمور هن تبع لأمور: فالمروءات كلها تبع للعقل، والرأي تبع للتجربة، والغبطة

стр. 39

تبع لحسن الثناء، والسرور تبع للأمن، والقرابة تبع للمودة، والعمل تبع للقدر، والجدة١ تبع للإنفاق. أصول وثمرات: أصل العقل التثبت، وثمرته السلامة، وأصل الورع القناعة، وثمرته الظفر، وأصل التوفيق العمل، وثمرته النُّجْحُ. الذكر السيء: لا يذكر الفاجر في العقلاء، ولا الكذوب في الأعفاء، ولا الحذول في الكرماء، ولا الكفور٢ بشيء من الخير. من تؤاخي؟ لا تؤاخين خبًّا٣، ولا تستنصرن عاجزًا، ولا تستعينن كسلًا.

стр. 40

بم يروح المرء عن نفسه؟: ومن أعظم ما يروح به المرء نفسه، أن لا يجري لما يهوى وليس كائنًا، ولا لما لا يهوى، وهو لا محالة كائن. لا تفرح بالبطالة: اغتنم من الخير ما تعجلت، ومن الأهواء ما سوفت، ومن النصب ما عاد عليك، ولا تفرح بالبطالة، ولا تجبن عن العمل. ضياع العقل: من استعظم من الدنيا شيئًا فبطر، واستصغر من الدنيا شيئًا فتهاون، واحتقر من الإثم شيئًا فاجترأ عليه، واغتر بعدوٍّ، وإن قل، فلم يحذره، فذلك من ضياع العقل. ذو العقل لا يَسْتَخِفُّ بأحد: لا يستخف ذو العقل بأحد. وأحق من لم يُستخف به ثلاثة: الأتقياء, والولاة, والإخوان، فإنه من استخف بالأتقياء أهلك دينه، ومن استخف بالولاة أهلك دنياه، ومن استخف بالإخوان أفسد مروءته.
следующие страницы →