← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7528

الأدب الصغير والأدب الكبير

ابن المقفع

Полный текст (131 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

اشتغل بالأعظم: وكان يقال: إذا تخالجتك الأمور١، فاشتغل بأعظمها خطرًا، فإن لم تستبن ذلك، فأرجاها دركًا٢، فإن اشتبه ذلك، فأجدرها أن لا يكون له مرجوع، حتى تولي فرصته٣. الرجال أربعة: وكان يقال: الرجال أربعة: اثنان تختبر ما عندهما بالتجربة، واثنان قد كفيت تجربتهما. فأما اللذان تحتاج إلى تجربتهما؛ فإن أحدهما بر كان مع أبرار، والآخر فاجر كان مع فجار، فإنك لا تدري لعل البر منهما، إذا خالط الفجار أن يتبدل، فيصير فاجرا، ولعل الفاجر منهما، إذا خالط الأبرار أن يتبدل برًّا، فيتبدل البر فاجرًا، والفاجر برًّا. وأما اللذان قد كفيت تجربتهما، وتبين لك ضوء أمرهما، فإن أحدهما فاجرٌ كان في أبرار، والآخر برٌّ كان في فجار.

стр. 37

حكم متفرقة: حق على العاقل أن يتخذ مرآتين؛ فينظر من إحداهما في مساوئ نفسه، فيتصاغر بها، ويصلح ما استطاع منها، وينظر في الأخرى في محاسن الناس، فيحليهم بها١، ويأخذ ما استطاع منها. احذر خصومة الأهل، والولد، والصديق، والضعيف، واحتج عليهم بالحجج. لا يوقعنك بلاءٌ، خلصت منه في آخر، لعلك لا تخلص منه. الوَرِعُ لا يَخْدَعُ، والأريب٢ لا يُخْدَعُ. ومن ورع الرجل أن لا يقول ما لا يعلم، ومن الإرب٣ أن يتثبت فيما يعلم. وكان يقال: عمل الرجل فيما يعلم أنه خطأ هوى، والهوى آفة العفاف، وتركه العمل بما يعلم أنه صواب تهاون، والتهاون آفة الدين، وإقدامه على ما لا يدري، أصواب هو أم خطأ جماح٤، والجماح آفة العقل. وكان يقال: وقر من فوقك، وَلِنْ لمن دونك، وأحسن مؤاتاة أكفائك، وليكن آثر ذلك عندك مؤاتاة الإخوان، فإن

стр. 38

ذلك هو الذي يشهد لك بأن إجلالك من فوقك ليس بخضوع منك لهم، وأن لينك لمن دونك ليس لالتماس خدمتهم. غير المغتبطين: خمسة غير مغتبطين في خمسة أشياء، يتندمون عليها، الواهن المفرط إذا فاته العمل، والمنقطع من إخوانه، وصديقه إذا نابته النوائب، والمستمكن منه عدوه؛ لسوء رأيه إذا تذكر عجزه، والمفارق للزوجة الصالحة إذا ابتلي بالطالحة، والجريء على الذنوب إذا حضره الموت. ماذا ينفع؟ لا ينفع العقل بغير ورع، ولا الحفظ بغير عقل، ولا شدة البطش بغير شدة القلب، ولا الجمال بغير حلاوة، ولا الحسب بغير أدب، ولا السرور بغير أمن، ولا الغنى بغير جود، ولا المروءة بغير تواضع، ولا الخفض١ بغير كفاية، ولا الاجتهاد بغير توفيق. أمور هن تبع لأمور: فالمروءات كلها تبع للعقل، والرأي تبع للتجربة، والغبطة

стр. 39

تبع لحسن الثناء، والسرور تبع للأمن، والقرابة تبع للمودة، والعمل تبع للقدر، والجدة١ تبع للإنفاق. أصول وثمرات: أصل العقل التثبت، وثمرته السلامة، وأصل الورع القناعة، وثمرته الظفر، وأصل التوفيق العمل، وثمرته النُّجْحُ. الذكر السيء: لا يذكر الفاجر في العقلاء، ولا الكذوب في الأعفاء، ولا الحذول في الكرماء، ولا الكفور٢ بشيء من الخير. من تؤاخي؟ لا تؤاخين خبًّا٣، ولا تستنصرن عاجزًا، ولا تستعينن كسلًا.

стр. 40

بم يروح المرء عن نفسه؟: ومن أعظم ما يروح به المرء نفسه، أن لا يجري لما يهوى وليس كائنًا، ولا لما لا يهوى، وهو لا محالة كائن. لا تفرح بالبطالة: اغتنم من الخير ما تعجلت، ومن الأهواء ما سوفت، ومن النصب ما عاد عليك، ولا تفرح بالبطالة، ولا تجبن عن العمل. ضياع العقل: من استعظم من الدنيا شيئًا فبطر، واستصغر من الدنيا شيئًا فتهاون، واحتقر من الإثم شيئًا فاجترأ عليه، واغتر بعدوٍّ، وإن قل، فلم يحذره، فذلك من ضياع العقل. ذو العقل لا يَسْتَخِفُّ بأحد: لا يستخف ذو العقل بأحد. وأحق من لم يُستخف به ثلاثة: الأتقياء, والولاة, والإخوان، فإنه من استخف بالأتقياء أهلك دينه، ومن استخف بالولاة أهلك دنياه، ومن استخف بالإخوان أفسد مروءته.

стр. 41

أزواج: من حاول الأمور احتاج فيها إلى ست: العلم، والتوفيق، والفرصة، والأعوان، والأدب، والاجتهاد. وهن أزواج: فالرأي والأدب زوج: لا يكمل الرأي بغير الأدب، ولا يكمل الأدب إلا بالرأي. والأعوان والفرصة زوج: لا ينفع الأعوان إلا عند الفرصة، ولا تتم الفرصة إلا بحضور الأعوان. والتوفيق والاجتهاد زوج: فالاجتهاد سبب التوفيق، وبالتوفيق ينجح الاجتهاد. سلامة العاقل: يسلم العاقل من عظام الذنوب والعيوب بالقناعة ومحاسبة النفس. لا تجد العاقل يحدث من يخاف تكذيبه، ولا يسأل من يخاف منعه، ولا يعد بما لا يجد إنجازه، ولا يرجو ما يعنف برجائه، ولا يقدم على من يخاف العجز عنه. وهو يُسخي بنفسه عما يغبط به القوالون١ خروجًا من عيب

стр. 42

لتكذيب، ويسخي بنفسه عما ينال السائلون؛ سلامة من مذلة لمسألة، ويسخي بنفسه عن محمدة المواعيد؛ براءة من مذمة لحلف، ويسخي بنفسه عن فرح الرجاء؛ خوف الإكداء١، ويسخيه عن مراتب المقدمين ما يرى من فضائح المقصرين. ذو العقل: لا عقل لمن أغفله عن آخرته ما يجد من لذة دنياه، وليس من العقل أن يحرمه حظه من الدنيا بصره بزوالها. سعيد, ومرجوٌّ: حاز الخير رجلان: سيعد, ومرجوٌّ. فالسعيد: الفالج، المرجو: من لم يخصم٣. والفالج: الصالح ما دام في قيد الحياة, وتعرض الفتن في مخاصمة الخصماء من الأهواء والأعداء. السعيد يرغبه الله, والشقي يرغبه الشيطان: السعيد يرغبه الله في الآخرة حتى يقول: لا شيء غيرها، فإذا هضم دنياه, وزهد فيها لآخرته، لم يحرمه الله بذلك نصيبه

стр. 43

من الدنيا, ولم ينقصه من سروره فيها. والشقي يرغبه الشيطان في الدنيا حتى يقول: لا شيئ غيرها, فيجعل الله له النغيص١ في الدنيا التي آثر, مع الحزي الذي يلقى بعدها. الرجال أربعة: الرجال أربعة: جواد، وبخيل، ومسرف، ومقتصد, فالجواد الذي يوجه نصيب آخرته, ونصيب دنياه جميعًا في أمر آخرته. والبخيل الذي يخطئ واحدة منهما نصيبها. والمسرف الذي يجمعهما لدنياه. والمقتصد الذي يلحق بكل واحدة منهما نصيبها. أغنى الناس, وخير ما يؤتى المرء: أغنى الناس أكثرهم إحسانًا. قال رجل لحكيم: ما خير ما يؤتى المرء؟ قال: غريزة عقل, قال: فإن لم يكن؟ قال: فتعلم علم, قال: فإن حرمه؟ , قال: صدق اللسان, قال: فإن حرمه؟ قال: سكوت طويل, قال: فإن حرمه؟ قال: ميتة عاجلة.

стр. 44

أشد العيوب: من أشد عيوب الإنسان خفاء عيوبه عليه, فإنَّ من خفي عليه عيبه خفيت عليه محاسن غيره، ومن خفي عليه عيب نفسه, ومحاسن غيره, فلن يقلع عن عيبه الذي لا يعرف, ولن ينال محاسن غيره التي لا يبصر أبدًا. الخصال المذمومة: خمول الذكر أجمل من الذكر الذميم. لا يوجد الفخور محمودًا، ولا الغضوب مسرورًا، ولا الحر حريصًا، ولا الكريم حسودًا، ولا الشره غنيًا، ولا الملول ذا إخوان. خصال يسر بها الجاهل، كلها كائن عليه وبالا: منها: أن يفخر من العلم والمروءة بما ليس عنده, ومنها: أن يرى بالأخيار من الاستهانة والجفوة ما يشمته بهم, ومنها: أن يناقل١ عالمًا وديعًا منصفًا له في القول, فيشتد صوت ذلك الجاهل عليه, ثم يفلجه٢ نظراؤه من الجهال حوله بشدة الصوت. ومنها: أن تفرط منه الكلمة, أو الفعلة المعجبة للقوم, فيذكر بها.

стр. 45

ومنها: أن يكون مجلسه في المحفل, وعند السلطان فوق مجالس أهل الفضل عليه. سخافة المتكلم: من الدليل على سخافة المتكلم أن يكون ما يُرَى من ضحكه ليس على حسب ما عنده من القول، أو الرجل يكلِّم صاحبه, فيجاذبه الكلام؛ ليكون هو المتكلم، أو يتمنى أن يكون صاحبه قد فرغ, وأنصت له فإذا نصت له لم يحسن الكلام. القائد إلى النار, وخازن الشيطان: فضل العلم في غير الدين ملهكة، وكثرة الأدب في غير رضوان الله, ومنفعة الأخيار قائد إلى النار. والحفظ الذاكي الواعي لغير العلم النافع مضرٌّ بالعمل الصالح، والعقل غير الوازع١ عن الذنوب خازن الشيطان. أخوف ما يكون: لا يؤمننك شر الجاهل قرابة, ولا جوار, ولا إلف. فإن أخوف ما يكون الإنسان لحريق النار أقرب ما يكون منها، وكذلك الجاهل إن جاورك أنصبك، وإن ناسبك جنى عليك،

стр. 46

وإن ألفك حمل عليك ما لا تطيق، وإن عاشرك آذاك وأخافك، مع أنه عند الجوع سبع ضارٍ، وعند الشبع ملك فظٌّ، وعند الموافقة في الدين قائد إلى جهنم. فأنت بالهرب منه أحقُّ منك بالهرب من سم الأساود١ والحريق المتخوَّف, والدين الفادح, والداء العياء٢. ماذا يعمل الحازم؟: وكان يقال: قارب عدوك بعض المقاربة، تنلْ حاجتك، ولا تقاربه كل المقاربة، فجترئ عليك عدوك, وتذل نفسك, ويرغب عنك ناصرك. ومثل ذلك مثل العود المنصوب في الشمس، إن أملته قليلًا زاد ظله، وإن جاوزته الحدَّ في إمالته، نقص الظل. الحازم لا يأمن عدوه على حال: إن كان بعيدًا لم يأمن مغاورته٣، وإن كان قريبًا لم يأمن مواثبته، وإن كان منكشفًا لم يأمن استطراده٤ وكمينه، وإن رأه وحيدًا لم يأمن مكرَهُ. الملك الحازم يزداد برأي الوزراء الحزمة, كما يزداد البحر بمواده من الأنهار.

стр. 47

الظفر بالحزم، والحزم بإجالة الرأي، والرأي يتحصين الأسرار. فائدة المشورة: إن المستشير, وإن كان أفضل من المستشار رأيًا، فهو يزداد برأيه رأيًا، كما تزداد النار بالودك١ ضوءًا. على المستشار موافقة المستشير على صواب ما يَرَى، والرفق به في تبصير خطأٍ إن أتى به، وتقليب الرأي فيما شكَّا فيه، حتى تستقيم لهما مشاورتهما. الطمع: لا يطمعن ذو الكبر في حسن الثناء، ولا الخب في كثرة الصديق، ولا السيِّء الأدب في الشرف، ولا الشحيح في المحمدة، ولا الحريص في الإخوان، ولا الملك المعجب بثبات الملك. صرعة اللين: صرعة اللين أشد استئصالًا من صرعة المكابرة٢.

стр. 48

أربعة أشياء: أربعة أشياء لا يستقل منها قليل: النار، والمرض، والعدو، والدَّيْن. أحقُّ الناس بالتوقير: أحق الناس بالتوقير الملك الحليم، العالم بالأمور, وفرص الأعمال, ومواضع الشدة واللين والغضب والرضا والمعاجلة والأناة، الناظر في أمر يومه وغده, وعواقب أعماله. العاجز والحازم: السبب الذي يُدرك به العاجز حاجته, هو الذي يحول بين الحازم وبين طلبته. أهل العقل والكرم: إن أهل العقل والكرم يبتغون إلى كل معروف وصلة وسبيلًا. والمودة بين الأخيار سريع اتصالها, بطيء انقطاعها، ومثل ذلك مثل كوب الذهب الذي هو بطيء الانكسار, هين الإصلاح. والمودة بين الأشرار سريع انقطاعها, بطيء اتصالها، كالكوز من الفخار يكسره أدنى عبث, ثم لا وصل له أبدًا.

стр. 49

والكريم يمنح الرجل مودته عن لقية واحدة, أو معرفة يوم, واللئيم لا يصل أحدًا إلا عن رغبة أو رهبة. فإن أهل الدنيا يتعاطون فيما بينهم أمرين, ويتوطأون عليهما: ذات النفس، وذات اليد١. فأما المتبادلون ذات اليد, فهم المتعاونون المستمتعون, الذين يلتمس بعضهم الانتفاع ببعض مناجزة ومكايلة. المال كل شيء: ما التبع, والأعوان, والصديق, والحشم, إلا للمال, ولا يظهر المروءة إلا المال, ولا الرأي, ولا القوة إلا بالمال. ومن لا إخوان له فلا أهل له، ومن لا أولاد له, فلا ذكر له، ومن لا عقل له, فلا دنيا له, ولا آخرة، ومن لا مال له, فلا شيء له. الفقر مجمعة للبلايا: والفقر داعية إلى صاحبه مقت الناس، وهو مسلبة للعقل والمروءة، ومذهبة للعلم والأدب، ومعدن للتهمة، ومجمعة للبلايا. ومن نزل به الفقر والفاقة لم يجد بدًا من ترك الحياء، ومن ذهب حياؤه ذهب سروره. ومن ذهب سروره مُقِتَ، ومن

стр. 50

مقت أوذي، ومن أوذي حزن، ومن حزن فقد ذهب عقله, واستنكر حفظه, وفهمه. ومن أصيب في عقله وفهمه وحفظه, كان أكثر قوله وعمله فيما يكون عليه, لا له. فإذا افتقر الرجل اتهمه من كان له مؤتمنًا، وأساء به الظن من كان يظن به حسنًا، فإذا أذنب غيره ظنوه, وكان للتهمة وسوء الظن موضعًا. وليس من خلة هي للغني مدح إلا هي للفقير عيب، فإن كان شجاعًا سمي أهوج، وإن كان جوادًا سمي مفسدًا، وإن كان حليمًا سمي ضعيفًا، وإن كان وقورًا سمي بليدًا، وإن كان لسنًا سمي مهذرًا، وإن كان صموتًا سمي عييًّا. الموت راحة: وكان القول: من ابتلي بمرض في جسده لا يفارقه، أو بفراق الأحبة والإخوان، أو بالغربة, حيث لا يعرف مبيتًا ولا مقيلًا ولا يرجو إيابًا، أو بفاقة تضطره إلى المسألة: فالحياة له موت، والموت له راحة. البلايا في الحرص والشره: وجدنا البلايا في الدنيا إنما يسوقها إلى أهلها الحرص والشره, ولا

стр. 51

يزال صاحب الدنيا يتقلب في بلية وتعب؛ لأنه لا يزال بخلَّةِ الحرص والشره. ماذا قال العلماء؟: وسمعت العلماء قالوا: لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكفِّ، ولا حسب كحسن الخلق، ولا غنى كالرضى. وأحق ما صبر عليه ما لا سبيل إلى تغييره, وأفضل البرِّ الرحمة، ورأس المودة الاسترسال، ورأس العقل المعرفة بما يكون ومالا يكون، وطيب النفس حسن الانصراف عما لا سبيل عليه, وليس من الدنيا سرور يعدل صحبة الإخوان، ولا فيها غم يعدل غمَّ فقدهم. تمام حسن الكلام: لايتم حسن الكلام إلا بجسن العمل، كالمريض الذي قد علم دواء نفسه، فإذا هو لم يتداوَ به لم يغنه علمه. صاحب المروءة: الرجل ذو المروءة قد يكرم على غير مال، كالأسد الذي يهاب, وإن كان عقيرًا١.

стр. 52

والرجل الذي لا مروءة له يهان, وإن كثر ماله، كالكلب الذي يهون على الناس, وإن هو طوق وخلخل. تعاهد نفسك: ليحسن تعاهدك نفسك بما تكون به للخير أهلًا, فإنك إذا فعلت ذلك، أتاك الخير يطلبك، كما يطلب الماء السيل إلى الحدورة. أشياء غير ثابتة: وقيل في أشياء ليس لها ثبات, ولا بقاء: ظل الغمام، وخلة١ الأشرار، وعشق النساء، والنبأ الكاذب، والمال الكثير. وليس يفرح العاقل بالمال الكثير، ولا يحزنه قلته, ولكن ماله عقله, وما قدم من صالح عمله. أولى الناس: إن أولى الناس بفضل السرور, وكرم العيش, وحسن الثناء, من لا يبرح رحله٢ من إخوانه, وأصدقائه من الصالحين موطوءًا, ولا يزال عنده منهم زحام، ويسرهم, ويسرونه, ويكون من وراء حاجاتهم

стр. 53

وأمورهم، فإن الكريم إذا عثر لم يستقبل إلا بالكرام، كالفيل إذا وحل لم يستخرجه إلا الفيلة. شراء العظيم بالصغير: لا يرى العاقل معروفًا صنعه، وإن كان كثيرًا, ولو خاطر بنفسه, وعرضها في وجوه المعروف، لم ير ذلك عيبًا, بل يعلم أنما أخطر الفاني بالباقي، واشترى العظيم بالصغير. وأغبط الناس عند ذوي العقل أكثرهم سائلًا منجحًا، ومستجيرًا آمنًا. المشاركة في المال: لا تعد غنيًا من لم يشارَك في ماله، ولا تعد نعيمًا ما كان فيه تننغيص وسوء ثناء، ولا تعد الغنم غنمًا إذا ساق غرمًا, ولا الغرم غرمًا إذا ساق غنمًا، ولا تعتد من الحياة ما كان في فراق الأحبة. المعونة على تسلية الهموم: ومن المعونة على تسلية الهموم, وسكون النفس, لقاء الأخ أخاه، وإفضاء كل واحد منهما إلى صاحبه ببثه. وإذا فرق بين الأليف وأليفه, فقد سلب قراره, وحرم سروره.

стр. 54

من بلاء إلى بلاء: وقل ما ترانا نخلف عقبة من البلاء, إلا صرنا في أخرى. تقلب الأحوال وتعاقبها: لقد صدق القائل الذي يقول: لا يزال الرجل مستمرًا ما لم يعثر، فإذا عثر مرة واحدة في أرض الخبار لجَّ به العثار، وإن مشي في جدد؛ لأن هذا الإنسان موكل به البلاء، فلا يزال في تصرف, وفي تقلب لا يدوم له شيء, ولا يثبت معه، كما لا يدوم لطالع النجوم طلوعه, ولا لآفلها أفوله, ولكنها في تقلب وتعاقب, فلا يزال الطالع يكون آفلًا، والآفل طالعًا.

стр. 55

الأدب الكبير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال عبد الله بن المقفع: إنا وجدنا الناس قبلنا كانوا أعظم أجسامًا، وأوفر مع أجسامهم أحلامًا١، وأشد قوة، وأحسن بقوتهم للأمور إتقانًا, وأطول أعمارًا, وأفضل بأعمارهم للأشياء اختبارًا. فكان صاحب الدين منهم أبلغ في أمر الدين علمًا وعملًا من صاحب الدين منا, وكان صاحب الدنيا على مثل ذلك من البلاغة والفضل, ووجدناهم لم يرضوا بما فازوا به من الفضل الذي قسم لأنفسهم حتى أشركونا معهم في ما أدركوا من علم الأولى والآخرة, فكتبوا به الكتب الباقية، وضربوا الأمثال الشافية، وكفونا به مؤونة٢

стр. 56

التجارب والفطن. وبلغ من اهتمامهم بذلك أن الرجل منهم كان يفتح له الباب من العلم, أو الكلمة من الصواب, وهو في البلد غير المأهول, فيكتبه على الصخور؛ مبادرة للأجل, وكراهية منه أن يسقط ذلك عمن بعده. فكان صنيعهم في ذلك صنيع الوالد الشفيق على ولده٣، الرحيم البرِّ بهم، الذي يجمع لهم الأموال, والعقد٤؛ إرادة ألا تكون عليهم مؤونة في الطلب، وخشية عجزهم، إن هم طلبوا. فمنتهى علم عالمنا في هذا الزمان أن يأخذ من علمهم، وغاية إحسان محسننا أن يقتدي بسيرتهم. وأحسن ما يصيب من الحديث محدثنا أن ينظر في كتبهم, فيكون كأنه إياهم يحاور، ومنهم يستمع، وآثارهم يتبع, غير أن الذي نجد في كتبهم هو المنتخل٦ من آرائهم, والمنتقى من أحاديثهم.

стр. 57

ولم نجدهم غادروا شيئًا يجد واصف بليغ في صفة له مقالًا لم يسبقوه إليه: لا في تعظيم لله، ، وترغيب فيما عنده، ولا في تصغير للدنيا, وتزهيد فيها، ولا في تحرير صنوف العلم, وتقسيم أقسامها, وتجزئة أجزائها, وتوضيح سبلها, وتبين مآخذها، ولا في وجه من وجوه الأدب, وضروب١ الأخلاق. فلم يبقَ في جليل الأمر, ولا صغيره لقائل بعدهم مقال. وقد بقيت أشياء من لطائف الأمور فيها مواضع لصغار الفطن، مشتقة من جسام حكم الأولين وقولهم، فمن ذلك بعض ما أنا كاتب في كتابي هذا من أبواب الأدب التي يحتاج إليها الناس. يا طالب الأدب: يا طالب الأدب إن كنت نوع العلم تريد, فاعرف الأصول والفصول٢, فإن كثيرًا من الناس يطلبون الفصول مع إضاعة الأصول, فلا يكون دركهم٣ دركًا, ومن أحرز الأصول اكتفى بها عن الفصول, وإن أصاب الفصل بعد إحراز الأصل, فهو أفضل. فأصل الأمر في الدين أن تعتقد الإيمان على الصواب، وتجتنب الكبائر، وتؤدي الفريضة, فالزم ذلك لزوم من لا غنى له عنه,

стр. 58

طرفة عين، ومن يعلم أنه إن حرمه هلك, ثم إن قدرت على أن تجاوز ذلك إلى التفقه١ في الدين والعبادة, فهو أفضل, وأكمل. وأصل الأمر في صلاح الجسد ألا تحمل عليه من المآكل والمشارب والباه إلا خفافًا٢، ثم إن قدرت على أن تعلم جميع منافع الجسد, ومضاره, والانتفاع بذلك كله, فهو أفضل. وأصل الأمر في البأس والشجاعة ألا تحدث نفسك بالإدبار٣، وأصحابك مقبلون على عدوهم, ثم إن قدرت على أن تكون أول حامل وآخر منصرف، من غير تضييع للحذر٤، فهو أفضل. وأصل الأمر في الجود ألا تضن بالحقوق على أهلها, ثم إن قدرات أن تزيد ذا الحق على حقه, وتطول٥ على من لا حق له, فافعل, فهو أفضل. وأصل الأمر في الكلام أن تسلم من السقط٦ بالتحفظ, ثم إن قدرت على بارع الصواب, فهو أفضل. وأصل الأمر في المعيشة ألا تَنِيَ٧ عن طلب الحلال، وأن

стр. 59

تحسن التقدير لما تفيد١, وما تنفق, ولا يغرنك من ذلك سعة تكون فيها, فإن أعظم الناس في الدنيا خطرًا٢ أحوجهم إلى التقدير، والملوك أحوج إليه من السوقة٣؛ لأن السوقة قد تعيش بغير مال، والملوك لا قوام٤ لهم إلا بالمال, ثم إن قدرت على الرفق واللطف في الطلب, والعلم بوجوه المطالب, فهو أفضل. وأنا واعظك في أشياء من الأخلاق اللطيفة, والأمور الغامضة التي لو حنكتك٥ سن كنت خليقًا أن تعلمها، وإن لم تخبر عنها. ولكنني قد أحببت أن أقدم إليك فيها قولًا؛ لتروض٦ نفسك على محاسنها, قبل أن تجري على عادة مساوئها, فإن الإنسان قد تبتدر إليه٧ في شبيته المساوئ، وقد يغلب عليه ما بدر إليه منها للعادة. وإن لترك العادة مؤونة شديدة, ورياضة صعبة.

стр. 60

في السلطان: إذا ابتليت بالسلطان تعوذ بالعلماء: إن ابتليت بالسلطان فتعوذ بالعلماء١. وأعلم أن من العجب أن يبتلى الرجل بالسلطان, فيريد أن ينتقص من ساعات نصبه٢, وعمله, فيزيدها في ساعات دعته٣, وفراغه, وشهوته, وعبثه, ونومه. وإنما الرأي له والحق عليه أن يأخذ لعمله من جميع شغله، فيأخذ له من طعامه, وشرابه, ونومه, وحديثه, ولهوه, ونسائه. وإنما تكون الدعة بعد الفراغ. فإذا تقلدت شيئًا من أمر السلطان, فكن فيه أحد رجلين: إما رجلًا مغتبطًا به٤، محافظًا عليه؛ مخافة أن يزول عنه، وإما رجلًا كارهًا له مكرهًا عليه, فالكاره عامل في سخرة: إما للملوك، إن كانوا هم سلطوه، وإما لله تعالى، إن كان ليس فوقه غيره.

стр. 61

وقد علمت أنه من فرَّط في سخرة الملوك أهلكوه, فلا تجعل للهلاك على نفسك سلطانًا, ولا سبيلًا. إياك, وحب المدح: وإياك إذا كنت واليًا، أن يكون من شأنك حب المدح والتزكية١, وأن يعرف الناس ذلك منك، فتكون ثلمة٢ من الثلم, يتقحمون عليك منها، وبابًا, يفتتحونك منه، وغيبة٣, يغتابونك بها, ويضحكون منك لها. واعلم أن قابل المدح كمادح نفسه, والمرء جدير أن يكون حبه المدحَ هو الذي يحمله على رده, فإن الرادَّ له محمود، والقابل له معيب. لتكن حاجتك في الولاية إلى ثلاث خصال: رضى ربك, ورضى سلطان، إن كان فوقك، ورضى صالح من تلى عليه. ولا عليك٤ أن تلهو عن المال والذكر، فسيأتيك منها ما يحسن, ويطيب, ويكتفى به. واجعل الخصال الثلاث منك بمكان ما لا بد لك منه, واجعل المال والذكر بمكان ما أنت واجد منه بدًا.

стр. 62

اعرف الفضل في أهل الدين والمروءة في كل كورة١, وقرية, وقبيلة, فيكونوا هم إخوانك وأعوانك وأخدانك وأصفياءك وبطانتك٢ وثقاتك وخلطاءك, ولا تقذفن في روعك٣ أنك إن استشرت الرجال ظهر للناس منك الحاجة إلى رأي غيرك، فإنك لست تريد الرأي للافتخار به، ولكنما تريده للانتفاع به, ولو أنك مع ذلك أردت الذكر، كان أحسن الذكرين, وأفضلهما عند أهل الفضل, والعقل, أن يقال: لا يتفرد برأيه دون استشارة ذوي الرأي, إنك إن تلتمس رضى جميع الناس, تلتمس ما لا يدرك. وكيف يتفق لك رأي المختلفين، وما حاجتك إلى رضى من رضاه الجور، وإلى موافقة من موافقته الضلالة والجهالة؟ , فعليك بالتماس رضى الأخيار منهم وذوي العقل, فإنك متى تصب ذلك تضع عنك مؤونة ما سواه. ما ينبغي للسلطان نحو رعيته: لا تمكن أهل البلاء الحسن عندك, من التدلل٤ عليك، ولا تمكنن من سواهم من الاجتراء عليهم, والعيب لهم. لتعرف رعيتك أبوابك التي لا ينال ما عندك من الخير إلا

стр. 63

بها، والأبواب التي لا يخافك خائف إلا من قِبَلِها. احرص الحرص كله على أن تكون خابرًا أمور عمالك، فإن المسيء يفرق١ من خبرتك, قبل أن تصيبه عقوبتك، وإن المحسن يستبشر بعلمك, قبل أن يأتيه معروفك. ليعرف الناس، في ما يعرفون من أخلاقك، أنك لا تعاجل بالثواب, ولا بالعقاب، فإن ذلك أدوم لخوف الخائف, ورجاء الراجي. عَوِّدْ نفسك الصبر على من خالفك من ذوي النصيحة، والتجرع لمرارة قولهم, وعذلهم، ولا تسهلن سبيل ذلك إلا لأهل العقل والسن والمروءة؛ لئلا ينتشر من ذلك ما يجترئ به سفيه, أو يستخف به شَانِئٌ٢. مباشرة الصغير تضيع الكبير: لا تتركن مباشرة جسيم أمرك, فيعود شأنك صغيرًا، ولا تلزمن نفسك مباشرة الصغير، فيصير الكبير ضائعًا. واعلم أن مالك لا يغني الناس كلهم, فاخصص به أهل الحق، وأن كرامتك لا تطيق العامة كلها, فَتَوَخَّ٣ بها أهل الفضل، وأن قلبك لا يتسع لكل شيء, ففرغه للمهم، وأن ليلك ونهارك

стр. 64

لا يستوعبان حاجاتك، وإن دأبت١ فيهما، وأن ليس لك إلى إدامة الدأب فيهما سبيل, مع حاجة جسدك إلى نصيبه منهما, فأحسن قسمتهما بين عملك, ودعتك. وأعلم أن ما شغلت من رأيك بغير المهم, أزرى بك في المهم، وما صرفت من مالك في الباطل, فقدته حين تريده للحق، وما عدلت به من كرامتك إلى أهل النقص, أضر بك في العجز عن أهل الفضل، وما شغلت من ليلك ونهارك في غير الحاجة, أزرى بك عند الحاجة منك إليه. إياك والإفراط في الغضب: اعلم أن من الناس ناسًا كثيرًا يبلغ من أحدهم الغضب، إذا غضب، أن يحمله ذلك على الكلوح٢ والقطوب٣ في وجه غير من أغضبه، وسوء اللفظ لمن لا ذنب له، والعقوبة لمن لم يكن يهم بمعاقبته، وشدة المعاقبة باللسان واليد لمن لم يكن يريد به إلا دون ذلك, ثم يبلغ به الرضى، إذا رضي، أن يتبرع بالأمر ذي الخطر٤ لمن ليس بمنزلة ذلك عنده، ويعطي من لم يكن يريد إعطاءه، ويكرم من لم يرد إكرامه, ولا حق له, ولا مودة عنده

стр. 65

فاحذر هذا الباب الحذر كله! , فإنه ليس أحد أسوأ فيه حالًا من أهل السلطان الذين يفرطون باقتدارهم في غضبهم، وبتسرعهم في رضاهم, فإنه لو وصف بهذه الصفة من يلتبس بعقله, أو يتخبطه المسُّ١ أن يعاقب عند غضبه غير من أغضبه, ويحبو٢ عند رضاه غير من أرضاه, لكان جائزًا ذلك في صفته. الملك ثلاثة: أعلم أن الملك ثلاثة: ملك دين، وملك حزم، وملك هوىً. فأما ملك الدين, فإنه إذا أقام للرعية دينهم، وكان دينهم هو الذي يعطيهم الذي لهم, ويلحق بهم الذي عليهم، أرضاهم ذلك، وأنزل الساخط منهم منزلة الراضي في الإقرار والتسليم. وأما ملك الحزم, فإنه يقوم به الأمر, ولا يسلم من الطعن والتسخط٣, ولن يضر طعن الضعيف مع حزم القوي. وأما ملك الهوى, فلعب ساعة, ودمار٤ دهر.

стр. 66

الاعتدال في الكلام, والسلام: إذا كان سلطانك عند جِدَّةِ١ دولة، فرأيت أمرًا استقام بغير رأي، وأعوانًا أجزوا٢ بغير نيل، وعملًا أنجح٣ بغير حزم، فلا يغرنك ذلك, ولا تستنيمن إليه, فإن الأمر الجديد ربما يكون له مهابة في أنفس أقوام, وحلاوة في قلوب آخرين، فيعين قوم على أنفسهم, ويعين قوم بما قبلهم, ويستتبَّ٤ ذلك الأمر غير طويل, ثم تصير الشؤون إلى حقائقها, وأصولها. فما كان من الأمور بُنِيَ على غير أركان وثيقة, ولا دعائم محكمة, أوشك أن يتداعى, ويتصدع. لا تكونن نزر٦ الكلام والسلام، ولا تبلغن بهما إفراط الهشاشة والبشاشة٧؛ فإن إحداهما من الكبْر, والأخرى من السخف٨.

стр. 67

بأي شيء تكون الثقة؟: إذا كنت إنما تضبط أمورك, وتصول على عدوك بقوم لست منهم على ثقة من دين, ولا رأي, ولا حفاظ١ من نية, فلا تنفعنك نافعة حتى تحولهم، إن استطعت، إلى الرأي, والأدب الذي يمثله تكون الثقة، أو تستبدل بهم، إن لم تستطع نقلهم إلى ما تريد. ولا تغرنك قوتك بهم على غيرهم، فإنما أنت في ذلك كراكب الأسد الذي يهابه من نظر إليه، وهو لمركبه أهيب. تجنب الغضب, والكذب: ليس للملك أن يغضب؛ لأن القدرة من وراء حاجته. وليس له أن يكذب؛ لأنه لا يقدر أحد على استكراهه على غير ما يريد. وليس له أن يبخل؛ لأنه أقل الناس عذرًا في تخوف الفقر, وليس له أن يكون حقودا؛ لأن خطره قد عظم عن مجاراة كل الناس٢. وليس له أن يكون خلافًا؛ لأن أحق الناس باتقاء الإيمان الملوك، فإنما يحمل الرجل على الحلف إحدى هذه الخصال:

стр. 68

إما مهانة١ يجدها في نفسه، وضرع٢, وحاجة إلى تصديق الناس إياه. وإما عيٌّ٣ بالكلام، فيجعل الأيمان له حشوًا ووصلًا. وإما تهمة قد عرفها من الناس لحديثه، فهو ينزل نفسه منزلة من لا يقبل قوله إلا بعد جهد اليمين. وإما عبث٤ بالقول, وإرسال للسان على غير روية, ولا حسن تقدير، ولا تعويد له قول السداد, والتثبت٥. التفويض إلى الكفاة: لا عيب على الملك في تعيشه, وتنعمه, ولعبه, ولهوه، إذا تعهد٦ الجسيم من أمره بنفسه، وأحكم المهم، وفوَّض ما دون ذلك إلى الكفاة. ما يزين الجور, ويحمل على الباطل: كل أحد حقيق، حين ينظر في أمور الناس، أن يتهم نظره

стр. 69

بعين الريبة١، وقلبه بعين المقت٢، فإنهما يزينان الجور٣, ويحملان على الباطل, ويقبِّحان الحسن, ويحسِّنَان القبيح. وأحق الناس باتهام نظره بعين الريبة, وعين المقت, السلطان الذي ما وقع في قلبه ربا٤ مع ما يقيض٥ له من تزيين القرناء والوزراء. وأحق الناس بإجبار نفسه على العدل في النظر والقول والفعل الوالي الذي ما قال أو فعل كان أمرًا نافذًا غير مردود. ليعلم الوالي أن الناس يصفون الولاة بسوء العهد, ونسيان الودِّ، فليكابد نقض٦ قولهم، وليبطل عن نفسه, وعن الولاة صفات السوء التي يصفون بها. تفقد الوالي لرعيته, وتجنبه الحسد: حق الوالي أن يتفقد لطيف أمور رعيته، فضلًا عن جسيمها، فإن للَّطيف موضعًا ينتفع به، وللجسيم موضعًا لا يستغنى عنه, ليتفقَّدِ الوالي، في ما يتفقد من أمور رعيته، فاقة٧ الأخيار

стр. 70

الأحرار منهم، فيلعملْ في سدها، وطغيان السفلة منهم, فليقمعه١، وليستوحش٢ من الكريم الجائع, واللئيم الشبعان، فإنما يصول٣ الكريم إذا جاع، واللئيم إذا شبع. لا ينبغي للوالي أن يحسد الولاة إلا على حسن التدبير. ولا يحسدن الوالي من دونه, فإنه أقل في ذلك عذرًا من السوقة التي إنما تحسد من فوقها، وكلٌّ لا عذر له. لا يلومن الوالي على الزلة من ليس بمتهم عنده في الحرص على رضاه, إلا لوم أدب وتقويم، ولا يعدلن بالمجتهد في رضاه البصير بما يأتي أحدًا. فإنهما إذا اجتمعا في الوزير والصاحب نام الوالي واستراح، وجلبت إليه حاجاته، وإن هدأ عنها، وعمل له فيما يهمه, وإن غفل. لا يولعن الوالي بسوء الظن لقول الناس، وليجعل لحسن الظن من نفسه نصيبًا موفورًا يروح به٤ عن قلبه, ويصدر عنه٥ في أعماله. لا يضيعن الوالي التثبت عندما يقول، وعندما يعطي، وعندما يعمل.

стр. 71

فإن الرجوع عن الصمت أحسن من الرجوع عن الكلام، وإن العطية بعد المنع أجمل من المنع بعد الإعطاء، وإن الإقدام على العمل بعد التأني فيه أحسن من الإمساك عنه بعد الإقدام عليه. وكل الناس محتاج إلى التثبُّت. وأحوجهم إليه ملوكهم الذي ليس لقولهم وفعلهم دافع، وليس عليهم مستحث١. كيف يكسد الفجور والدناءة؟: ليعلم الوالي أن الناس على رأيه إلا من لا بال له٢, فيكن للدين والبر والمروءة عنده نفاق٣, فيكسد بذلك الفجور والدناءة في آفاق الأرض. ما يحتاج إليه الوالي من أمر الدنيا: جماع٤ ما يحتاج إليه الوالي من أمر الدنيا رأيان: رأي يقوِّي به سلطانه، ورأي يزينه في الناس.

стр. 72

ورأي القوة أحقهما بالبداءة, وأولاهما بالأثرة١. ورأي التزيين أحضرهما حلاوة, وأكثرهما أعوانًا. مع أن القوة من الزينة، والزينة من القوة, ولكن الأمر ينسب إلى معظمه وأصله. ماذا على المبتلى بصحبة السلطان, وصحبة الوالي؟: إن ابتليت بصحبة السلطان فعليك بطول المواظبة في غير معاتبة، ولا يحدثن لك الاستئناس به غفلة, ولا تهاونًا. إذا رأيت السلطان يجعلك أخًا فاجعله أبًا، ثم إن زادك فزده. إذا نزلت من ذي منزلة أو سلطان, فلا ترين أن سلطانه زادك له توقيرًا وإجلالًا، من غير أن يزيدك ودًا ولا نصحًا, وأنك ترى حقًا له التوقير والإجلال, وكن في مداراته, والرفق به كالمؤتنف٢ ما قبله، ولا تقدر الأمر بينك وبينه على ما كنت تعرف من أخلاقه، فإن الأخلاق مستحيلة٣ مع الملك، وربما رأينا الرجل المدل٤ على ذي السلطان بقدمه, قد أضر به قدمه. إن استطعت ألا تصحب من صحبت من الولاة إلا على

стр. 73

شعبة من قرابة١ أو مودة، فافعل, فإن أخطأك ذلك, فاعلم أنك إنما تعمل على السخرة٢. إن استطعت أن تجعل صحبتك لمن قد عرفك بصالح مروءتك, وصحة دينك, وسلامة أمورك, قبل ولايته, فافعل. فإن الوالي لا علم له بالناس إلا ما قد علم قبل ولايته, أما إذا ولي, فكل الناس يلقاه بالتزين والتصنع٣, وكلهم يحتال لأن يثني عليه عنده بما ليس فيه, غير أن الأنذال والأرذال هم أشد لذلك تصنعًا, وأشد عليه مثابرة, وفيه تمحلًا٤. فلا يمتنع الوالي، وإن كان بليغ الرأي والنظر، من أن ينزل عنده كثير من الأشرار بمنزلة الأخيار، وكثير من الخانة٥ بمنزلة الأمناء، وكثير من الغدرة٦ بمنزلة الأوفياء، ويغطي عليه أمر كثير من أهل الفضل الذين يصونون أنفسهم عن التمحل والتصنع. إذا عرفت نفسك من الوالي بمنزلة الثقة، فاعزل عنه كلام الملق، ولا تكثرن من الدعاء له في كل كلمة، فإن ذلك شبيه

стр. 74

بالوحشة والغربة، إلا أن تكلمه على رؤوس الناس، فلا تألُ١ عما عظمه, ووقره. لا يعرفنك الولاة بالهوى في بلد من البلدان, ولا قبيلة من القبائل، فيوشك أن تحتاج فيهما إلى حكاية أو شهادة، فتتهم في ذلك. فإذا أردت أن يقبل قولك, فصحح رأيك, ولا تشوبنه٢ بشيء من الهوى، فإن الرأي الصحيح يقبله منك العدو، والهوى يرده عليك الولد والصديق. وأحقُّ من احترست من أن يظن بك خلط الرأي بالهوى الولاة، فإنها خديعة وخيانة وكفر عندهم. إن ابتليت بصحبة والٍ لا يريد صلاح رعيته, فاعلم أنك قد خيرت بين خلتين٣, ليس منهما خيار: إما الميل مع الوالي على الرعية، وهذا هلاك الدين. وإما الميل مع الرعية على الوالي، وهذا هلاك الدنيا، ولا حيلة لك إلا الموت, أو الهرب. واعلم أنه لا ينبغي لك، وإن كان الوالي غير مرضيِّ السيرة إذا علقت حبالك بحباله، إلا المحافظة عليه، إلا أن تجد إلى الفراق الجميل سبيلًا.

стр. 75

تبصَّر ما في الوالي من الأخلاق التي تحب له, والتي تكره، وما هو عليه من الرأي الذي ترضي له, والذي لا ترضي, ثم لا تكابرنه١ بالتحويل له عما يحب ويكره, إلى ما تحب وتكره, فإن هذه رياضة صعبة تحمل على التنائي والقلى٢. فإنك قلما تقدر على رد رجل عن طريقة هو عليها بالمكابرة, والمناقضة، وإن لم يكن ممن يجمح به٣ عز السلطان, ولكنك تقدر على أن تعينه على أحسن رأيه، وتسدده فيه, وتزينه، وتقويه عليه, فإذا قويت منه المحاسن كانت هي التي تكفيك المساوئ, وإذا استحكمت منه ناحية من الصواب, كان ذلك الصواب هو الذي يبصره مواقع الخطأ بألطف من تبصيرك, وأعدل من حكمك في نفسك, فإن الصواب يؤيد بعضه بعضًا, ويدعو بعضه إلى بعض, حتى تستحكم لصاحبه الأشياء، ويظهر عليها٤ بتحكيم الرأي، فإذا كانت له مكانة من الأصالة اقتلع ذلك الخطأ كله. فاحفظ هذا الباب, وأحكمه. لا تسأل السلطان, ولا تتدلل عليه: لا يكونن طلبك ما عند الوالي بالمسألة، ولا تستبطئه،
следующие страницы →