← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7528

الأدب الصغير والأدب الكبير

ابن المقفع

Полный текст (131 стр.). Показаны 106–131 · переход к 111.

стр. 106

لا تدع، مع السكوت عن شتم عدوك، إحصاء مثالبه١ ومعايبه, واتباع عوارته، حتى لا يشذَّ عنك من ذلك صغير ولا كبير، من غير أن تشيع ذلك عليه, فيتقيك به، ويستعد له، أو تذكره في غير موضعه, فتكون كمستعرض الهواء بنبله قبل إمكان الرمي. ولا تتخذن اللعن والشتم على عدوك سلاحًا، فإنه لا يجرح في نفس, ولا منزلة, ولا مال, ولا دين. إن أردت أن تكون داهيًا ٢ فلا تحبَّن أن تسمي داهيًا. فإنه من عرف بالدهاء خاتل٣ علانية، وحذره الناس، حتى يمتنع منه الضعيف، ويتعرض له القوي. وإن من إرب٤ الأريب دفن إربه ما استطاع, حتى يعرف بالمسامحة في الخليقة, والاستقامة في الطريقة. ومن إربه ألا يؤارب العاقل المستقيم الطريقة, والذي يطَّلع على غامض إربه, فيمقته عليه. وإن أردت السلامة, فأشعر قلبك الهيبة للأمور، من غير أن تظهر منك الهيبة, فتفطن الناس بنفسك, وتجرئهم عليك,

стр. 107

وتدعو إليك منهم كل الذي تهاب. فاشعب١ لمدارة ذلك من كتمان الهيبة, وإظهار الجرأة, والتهاون طائفة من رأيك. وإن ابتليت بمحاربة عدوك, فحالف هذه الطريقة التي وصفت لك من استشعار الهيبة, وإظهار الجرأة, والتهاون، وعليك بالحذر, والجد في أمرك، والجرأة في قلبك، حتى تملأ قلبك جراءة, ويستفرغ عملك الحذر. اعلم أن من عدوك من يعمل في هلاكك، ومنهم من يعمل في مصالحتك، وممنهم من يعمل في البعد منك. فاعرفهم على منازلهم. ومن أقوى القوة لك على عدوك، وأعزِّ أنصارك في الغلبة له، أن تحصي على نفسك العيوب والعورات, كما تحصيها على عدوك، وتنظر عند كل عيب تراه, أو تسمعه لأحد من الناس: هل قارفت ذلك العيب؟ , أو ما شاكله, أو سلمت منه؟. فإن كنت قارفت شيئًا منه, جعلته مما تحصي على نفسك, حتى إذا أحصيت ذلك كله, فكاثر٢ عدوك بإصلاح نفسك, وعثراتك, وتحصين عوراتك, وإحراز مقاتلك٣, وخذ نفسك بذلك ممسيًا ومصبحًا.

стр. 108

فإذا آنست منها دفعًا, وتهاونًا به, فاعدد نفسك عاجزًا ضائعًا خائبًا، معورًا١ لعدوك, ممكنًا له من رميك. وإن حاصل من عيوبك, وعوراتك ما لا تقدر على إصلاحه من ذنب مضى لك، أو أمر يعيبك عند الناس ولا تراه أنت عيبًا، فاحفظ ذلك وما عسى أن يقول فيه قائل من حسبك٢ أو مثالب آبائك, أو عيب إخوانك, ثم اجعل ذلك كله نصب عينك, واعلم أن عدوك مريدك بذلك, فلا تغفل عن التهيؤ له, والإعداد لقوتك وحجتك وحيلتك وحيلتك فيه سرًا وعلانية. فأما الباطل, فلا تروعن به قلبك, ولا تستعدن له, ولا تشتغلن بشيء من أمره، فإنه لا يهولك ما لم يقع، وما إن وقع اضمحل. الشهود العدل: واعلم أنه قلما بده٣ أحد بشيء يعرفه من نفسه، وقد كان يطمع في إخفائه عن الناس، فيعيره به معير عند السلطان, أو غيره، إلا كاد يشهد به عليه وجهه وعيناه ولسانه، للذي يبدو منه عند ذلك، والذي يكون من انكساره وفتوره عند تلك البديهة.

стр. 109

فاحذر هذه, وتصنع لها، وخذ أهبتك لبغتاتها, وتقدم في أخذ العتاد لنفيها. حاذر الغرام بالنساء: اعلم أن من أوقع الأمور في الدين, وأنهكها للجسد, وأتلفها للمال, وأقتلها للعقل, وأزراها للمروءة, وأسرعها في ذهاب الجلالة والوقار, الغرام بالنساء. ومن البلاء على المغرم بهن، أنه لا ينفك يأجم١ ما عنده, وتطمح عيناه إلى ما ليس عنده منهن. إنما النساء أشباه, وما يتزين في العيون والقلوب من فضل مجهولاتهن على معروفاتهن باطل وخدعة, بل كثير مما يرغب عنه الراغب مما عنده, أفضل مما تتوق إليه نفسه منهن. وإنما المرتغب عما في رحله٢ منهن إلى ما في رحال الناس, كالمرتغب عن طعام بيته إلى ما في بيوت الناس, بل النساء بالنساء أشبه من الطعام بالطعام، وما في رحال الناس من الأطعمة, أشد تفاضلًا وتفاوتًا مما في رحالهم من النساء. ومن العجب أن الرجل الذي لا بأس بلبه ورأيه يرى المرأة

стр. 110

من بعيد متلففة في ثيابها، فيصوَّر لها في قلبه الحسن والجمال, حتى تعلق بها نفسه من غير رؤية, ولا خبر مخبر، ثم لعله يهجم منها على أقبح القبح, وأدم الدمامة١، فلا يعظه ذلك, ولا يقطعه عن أمثالها, ولا يزال مشغوفًا بما لم يذق، حتى لو لم يبق في الأرض غير امرأة واحدة، لظن لها شأنًا غير شأن ما ذاق, وهذا هو الحمق, والشقاء, والسفه. ومن لم يحمِ نفسه, ويظلفها, ويحلئها٢ عن الطعام, والشراب, والنساء في بعض ساعات شهوته وقدرته، كان أيسر ما يصيبه من وبال ذلك انقطاع تلك اللذات عنه بخمود نار شهوته, وضعف حوامل٣ جسده, وقل من تجده إلا مخادعًا لنفسه في أمر جسده عند الطعام والشراب والحمية والدواء، وفي أمر مروءته عند الأهواء والشهوات، وفي أمر دينه عند الريبة والشبهة والطمع. كن متواضعا, سكوتًا, واحذر المراءاة: إن استطعت أن تضع نفسك دون غايتك في كل مجلس

стр. 111

ومقام, ومقال, ورأي, وفعل, فافعل، فإن رفع الناس إياك فوق المنزلة التي تحط إليها نفسك، وتقريبهم إياك إلى المجلس الذي تباعت منه، وتعظيمهم من أمرك ما لم تعظم، وتزيينهم من كلامك ورأيك وفعلك مالم تزين, هو الجمال. لا يعجبنك العالم ما لم يكن عالِمًا بمواضع ما يعلم، ولا العامل إذا جهل موضع ما يعمل, وإن غلبت على الكلام وقتًا, فلا تغلبن على السكوت، فإنه لعله يكون أشدهما لك زينة، وأجلبهما إليك للمودة، وأبقاهما للمهابة، وأنفاهما للحسد. احذر المراء, وأغربه١، ولا يمنعنك حذر المراء من حسن المناظرة والمجادلة. واعلم أن المماري هو الذي لا يريد أن يتعلم, ولا أن يُتَعَلَّمَ منه, فإن زعم زاعم أنه مجادل في الباطل عن الحق، فإن المجادل، وإن كان ثابت الحجة, ظاهر البينة, حاضر الذهن، فإن يخاصم إلى غير قاضٍ، وإنما قاضيه الذي لا يعدل بالخصومة إلا إليه عدل صاحبه وعقله, فإن آنس أو رجا عند صاحبه عدلًا يقضي به على نفسه, فقد أصاب وجه أمره, وإن تكلم على غير ذلك كان مماريًا. وإن استطعت ألا تخبر أخاك عن ذات نفسك٢ بشيء إلا

стр. 112

وأنت محتجن عنه بعض ذلك؛ التماسًا لفضل الفعل على القول, واستعدادًا لتقصير فعل، إن قصر، فافعل. واعلم أن فضل الفعل على القول زينة، وفضل القول على الفعل هجنة، وأن إحكام هذه الخلة من غرائب الخلال. الصبر على الأعمال يخففها: إذا تراكمت عليك الأعمال, فلا تلتمس الروح١ في مدافعتها٢, بالروغان منها٣, فإنه لا راحة لك إلا في إصدارها٤، وإن الصبر عليها هو الذي يخففها عنك، والضجر هو الذي يراكمها عليك. فتعهد من ذلك في نفسك خصلة قد رأيتها تعتري بعض أصحاب الأعمال, وذلك أن الرجل يكون في أمر من أمره، فيرِدُ عليه شغل آخر، أو يأتيه شاغل من الناس يكره إتيانه, فيكدر ذلك بنفسه تكديرًا يفسد ما كان فيه, وما ورد عليه، حتى لا يحكم واحدًا منهما، فإذا ورد عليك مثل ذلك, فليكن معك رأيك, وعقلك اللذان بهما تختار الأمور، ثم اختر أولى الأمرين بشغلك، فاشتغل به حتى تفرغ منه, ولا يعظمن عليك فوت ما فات, وتأخير ما تأخر إذا أعملت الرأي معمله, وجعلت

стр. 113

شُغلك في حقه، واجعل لنفسك في كل شغل غاية ترجو القوة, والتمام عليها. لا تجاوز الغاية: اعلم أنك إن جاوزت الغاية في العبادة, صرت إلى التقصير، وإن جاوزتها في حمل العلم, لحقت بالجهال، وإن جاوزتها في تكلف رضى الناس, والخفة١ معهم في حاجاتهم, كنت المحشود المصنع٢. واعلم أن بعض العطية لؤم، وبعض السلاطة٣ غيم، وبعض البيان عيٌّ، وبعض العلم جهل, فإن استطعت ألا يكون عطاؤك جورًا، ولا بيانك هذرًا٤، ولا علمك وبالًا، فافعل. احفظ المليح, والرائع من الأحاديث: اعلم أنه ستمر عليك أحاديث تعجبك: إما مليحة, وإما رائعة. فإذا أعجتك كنت خليقًا أن تحفظها، فإن الحفظ موكل

стр. 114

بما ملح وراع, وستحرص على أن تعجب منها الأقوام, فإن الحرص على ذلك التعجب من شأن الناس, وليس كل معجب لك معجبًا لغيرك. فإذا نشرت ذلك المرة والمرتين، فلم تَرَهُ وقع من السامعين موقعه منك, فأزدجر١ عن العودة, فإن العجب من غير عجيب سخف شديد. وقد رأينا من الناس من يعلق الشيء, ولا يقلع عنه, وعن الحديث به، ولا يمنعه قلة قبول أصحابه له من أن يعود إليه, ثم يعود. ثم انظر الأخبار الرائعة فتحفظ منها, فإن الإنسان من شأنه الحرص على الأخبار، ولا سيما ما راع منها، فأكثر الناس من يحدث بما سمع، ولا يبالي ممن سمع, وذلك مفسدة للصدق, ومزراة بالمروءة، فإن استطعت ألا تخبر بشيء إلا وأنت به مصدق، ولا يكون تصديقك إلا ببرهان، فافعل, ولا تقل كما يقول السفهاء: أخبر بما سمعت, فإن الكذب أكثر ما أنت سامع, وإن السفهاء أكثر من هو قائل, وإنك إن صرت للأحاديث واعيًا وحاملًا, كان ما تعي وتحمل عن العامة أكثر مما يخترع المخترع بأضعاف.

стр. 115

من تصاحب من الناس؟: انظر من صاحبت من الناس: من ذي فضل عليك بسلطان أو منزلة، أو من دون ذلك من الأكفاء والخلطاء والإخوان، فوَطِّنْ نفسك في صحبته على أن تقبل منه العفو, وتسخو نفسك عما اعتاض عليك مما قبله، غير معاتب, ولا مستبطئ, ولا مستزيد, فإن المعاتبة مقطعة للودِّ، وإن الاستزادة من الجشع، وإن الرضا بالعفو, والمسامحة في الخلق مقرب لك كل ما تتوق إليه نفسك, من بقاء العرض والمودة والمروءة. واعلم أنك ستبلى من أقوام بسفه، وأن سفه السفيه سيطلع له منك حقدًا، فإن عارضته, أو كافأته بالسفه, فكأنك قد رضيت ما أتى به، فأحببت أن تحتذي على مثاله, فإن كان ذلك عندك مذمومًا, فحقق ذمك إياه بترك معارضته, فأما أن تذمَّه, وتمتثله١ فليس في ذلك لك سداد٢. لا تصاحب أحدًا إلا بمروءة: لا تصاحبن أحدًا، وإن استأنست به أخًا ذا قرابة, أو أخًا ذا مودة، ولا ولدًا إلا بمروءة، فإن كثيرًا من أهل

стр. 116

المروءة قد يحملهم الاسترسال١ والتبذل٢ على أن يصحبوا كثيرًا من الخلطاء بالإدلال٣ والتهاون والتبذل, ومن فقد من صاحبه صحبة المروءة, ووقارها, وجلالها, أحدث ذلك له في قلبه رقة شأن, وسخف منزلة. ولا تلتمس غلبة صاحبك, والظفر عليه عند كل كلمة ورأي، ولا تجترئن على تقريعه بظفرك, إذا استبان، وحجتك عليه, إذا وضحت. فإن أقوامًا قد يحملهم حب الغلبة, وسفه الرأي في ذلك على أن يتعقبوا الكلمة بعدما تنسى، فيلتمسوا فيها الحجة، ثم يستطيلوا٤ بها على الأصحاب, وذلك ضعف في العقل, ولؤم في الأخلاق. أي إكرام يعجب؟: لا يعجبنك إكرام من يكرمك؛ لمنزلة أو لسلطان، فإن السلطان أوشك٥ أمور الدنيا زوالًا, ولا يعجبنك أكرام من يكرمك؛ للمال، فإنه هو الذي يتلو السلطان في سرعة الزوال, ولا يعجبنك إكرامهم إياك؛ للنسب، فإن الأنساب أقل مناقب

стр. 117

الخير غناء عن أهلها في الدين والدنيا. ولكن إذا أُكرمت على دين أو مروءة, فذلك فليعجبك, فإن المروءة لا تزايلك١ في الدنيا, وإن الدين لا يزايلك في الآخرة. الجبن والحرص مقتلة ومحرمة: اعلم أن الجبن مقتلة، وأن الحرص محرمة. فانظر في ما رأيت أو سمعت: أمن قتل في القتال مقبلًا أكثر, أم من قتل مدبرا؟ وانظر أمن يطلب إليك بالإجمال والتكرم أحق أن تسخو نفسك له بطلبته؟ , أم من يطلب إليك بالشره والزيغ؟ واعلم أنه ليس كل من كان لك فيه هوىً، فذكره ذاكر بسوء, وذكرته أن بخير ينفعه ذلك, بل عسى أن يضره, فلا يستخفنك ذكر أحد من صديقك أو عدوك إلا في مواطن دفع أو محاماة, فإن صديقك إذا وثق بك في مواطن المحاماة, لم يحفل بما تركت مما سوى ذلك، ولم يكن له عليك سبيل لائمة. وإن من أحزم الرأي لك في أمر عدوك, ألا تذكره إلا حيث تضره, وألا تعد يسير الضرر له ضررًا.

стр. 118

احترس مما يقال فيك: اعلم أن الرجل قد يكون حليمًا، فيحمله الحرص على أن يقول الناس: جليد١، والمخافة أن يقال: مهين٢, على أن يتكلف الجهل, وقد يكون الرجل زِمِّيْتًا٣, فيحمله الحرص على أن يقال: لسن، والمخافة من أن يقال: عييٌّ, على أن يقول في غير موضعه, فيكون هذرًا٤. فاعرف هذا, وأشباهه، واحترس منه كله. نزاهة العرض, وبقاء العز: إذا بدهك أمران لا تدري أيهما أصوب, فانظر أيهما أقرب إلى هواك, فخالفه، فإن أكثر الصواب في خلاف الهوى. وليجتمع في قلبك الافتقار إلى الناس, والاستغناء عنهم، وليكن افتقارك إليهم في لين كلمتك لهم، وحسن بشرك بهم, وليكن استغناؤك عنهم في نزاهة عرضك, وبقاء عزك.

стр. 119

كيف تجالس الناس؟: لا تجالس امرأ بغير طريقته، فإنك إن أردت لقاء الجاهل بالعلم، والجافي بالفقه١، والعييَّ بالبيان, لم تَزِدْ على أن تضيع علمك, وتؤذي جليسك بحملك عليه ثقل ما لا يعرف, وغمك إياه, بمثل ما يغتمُّ به الرجل الفصيح من مخاطبة الأعجمي الذي لا يفقه عنه. واعلم أنه ليس من علم تذكره عند غير أهله إلا عابوه، ونصبوا له٢, ونقضوه عليك، وحرصوا على أن يجعلوه جهلًا، حتى إن كثيرًا من اللهو واللعب الذي هو أخف الأشياء على الناس, ليحضره من لا يعرفه, فيثقل عليه, ويغتم به. وليعلم صاحبك أنك تشفق عليه, وعلى أصحابه، وإياك إن عاشرك امرؤ, أو رافقك أن لا يرى منك بأحد من أصحابه وإخوانه وأخدانه رأفة، فإن ذلك يأخذ من القلوب مأخذًا, وإن لطفك بصاحِبِ صَاحِبِكَ أحسن عنده موقعًا من لطفك به في نفسه. واتق الفرح عند المحزون، واعلم أنه يحقد على المنطلق٣, ويشكر للمكتئب.

стр. 120

اعلم أنك ستسمع من جلسائك الرأي والحديث, تنكره وتستجفيه, وتستشنعه من المتحدث به عن نفسه أو غيره، فلا يكونن منك التكذيب, ولا التسخيف لشيء مما يأتي به جليسك. ولا يجرِّئَنَّكَ على ذلك أن تقول: إنما حدَّث عن غيره، فإن كل مردود عليه, سيمتعض من الرد، وإن كان في القوم من تكره أن يستقر في قلبه ذلك القول؛ لخطإ تخاف أن يعقد عليه١، أو مضرة تخشاها على أحد, فإنك قادر على أن تنقض ذلك في ستر، فيكون ذلك أيسر للنقض, وأبعد للبغضة. ثم اعلم أن البغضة خوف، وأن المودة أمن، فاستكثر من المودة صامتًا, فإن الصمت سيدعوها إليك, وإذا ناطقت, فناطق بالحسنى، فإن المنطق الحسن يزيد في وُدِّ الصديق, ويستل سخيمة الوغر٢. واعلم ان خفض الصوت, وسكون الريح, ومشي القصد٣ من دواعي المودة، إذا لم يخالط ذلك بأوٌ٤ ولا عجب, أما العجب فهو من دواعي المقت والشنآن.

стр. 121

المستشار ليس بضامن وجه الصواب: اعلم أن المستشار ليس بكفيل، وأن الرأي ليس بمضمون, بل الرأي كله غرر١؛ لأن أمور الدنيا ليس شيء منها بثقة، ولأنه ليس من أمرها شيء يدركه الحازم, إلا وقد يدركه العاجز, بل ربما أعيا الحزمة ما أمكن العجزة, فإذا أشار عليك صاحبك برأي، ثم لم تجد عاقبته على ما كنت تأمل, فلا تجعل ذلك عليه ذنبًا، ولا تلزمه لومًا وعذلًا, بأن تقول: أنت فعلت هذا بي، وأنت أمرتني، ولولا أنت لم أفعل، ولا جرم لا أطيعك في شيء بعدها, فإن هذا كله ضجر, ولؤم, وخفة. فإن كنت أنت المشير، فعمل برأيك, أو تركه، فبدا صوابك, فلا تمنن به, ولا تكثرن ذكره إن كان فيه نجاح، ولا تلمه عليه, إن كان قد استبان في تركه ضرر, بأن تقول: ألم أقل لك: افعل هذا, فإن هذا مجانب لأدب الحكماء. حسن الاستماع: تعلم حسن الاستماع, كما تتعلم حسن الكلام, ومن حسن الاستماع إمهال المتكلم حتى ينقضي حديثه، وقلة

стр. 122

التلقت إلى الجواب، والإقبال بالوجه والنظر إلى المتكلم، والوعي لما يقول. واعلم، في ما تكلم به صاحبك، أن مما يهجن صواب ما يأتي به، ويذهب بطعمه وبهجته، ويرزي به في قبوله، عجلتك بذلك، وقطعك حديث الرجل قبل أن يفضي إليك بذات نفسه١. كيف يكون الزهد؟: إن رأيت نفسك تصاغرت إليها الدنيا، أو دعتك إلى الزهادة فيها على حال تعذر من الدنيا عليك, فلا يغرنك ذلك في نفسك على تلك الحال، فإنها ليست بزهادة، ولكنها ضجر, واستخذاء٢, وتغير نفس, عندما أعجزك من الدنيا, وغضب منك عليها مما التوى٣ عليك منها. ولو تممت٤ على رفضها, وأمسكت عن طلبها, أوشكت أن ترى من نفسك من الضجر والجزع أشد من ضجرك الأول بأضعاف، ولكن إذا دعتك نفسك إلى رفض الدنيا, وهي مقبلة عليك، فأسرع إلى إجابتها.

стр. 123

حسن المجالسة, وسوءها: اعرف عوراتك, وإياك أن تعرض بأحد في ما ضارعها, وإذا ذكرت من أحد خليقة, فلا تناضل عنه مناضلة المدافع عن نفسه, المصغر لما يعيب الناس منه, فتتهم بمثلها, ولا تلح كل الإلحاح, وليكن ما كان منك في غير اختلاط، فإن الاختلاط من محققات الريب. إذا كنت في جماعة قوم أبدًا, فلا تعمن جيلًا١ من الناس, أو أمة من الأمم بشتم, ولا ذم؛ فإنك لا تدري لعلك تتناول بعض أعراض جلسائك مخطئًا، فلا تأمن مكافأتهم, أو متعمدًا, فتنسب إلى السفه, ولا تذمن مع ذلك اسمًا من أسماء الرجال أو النساء, بأن تقول: إن هذا لقبيح من الأسماء, فإنك لا تدري لعل ذلك غير موافق لبعض جلسائك، ولعله يكون بعض أسماء الأهلين والحرم, ولا تستصغرن من هذا شيئًا، فكل ذلك يجرح في القلب, وجرح اللسان أشد من جرح اليد. ومن الأخلاق السيئة على كل حال مغالبة الرجل على كلامه, والاعتراض فيه، والقطع للحديث. ومن الأخلاق التي أنت جدير بتركها إذا حدث الرجل حديثًا تعرفه، ألا تسابقه إليه, وتفتحه عليه, وتشاركه فيه، حتى كأنك

стр. 124

تظهر للناس أنك تريد أن يعلموا أنك تعلم مثل الذي يعلم. وما عليك أن تهنئه بذلك, وتفرده به. وهذا الباب من أبواب البخل, وأبوابه الغامضة كثيرة. إذا كنت في قوم ليسوا بلغاء, ولا فصحاء، فدعِ التطاول عليهم بالبلاغة والفصاحة. واعلم أن بعض شدة الحذر عون عليك في ما تحذر. وإن بعض شدة الاتقاء مما يدعو إليك ما تتقي. واعلم أن الناس يخدعون أنفسهم بالتعريض, والتوقيع١ بالرجال في التماس مثالبهم, ومساويهم, ونقيصتهم. وكل ذلك أبين عند سامعيه من وضح الصبح, فلا تكونن من ذلك في غرور, ولا تجعلن نفسك من أهله. اعلم أن من تنكب٢ الأمور ما يسمى حذرًا, ومنه ما يسمى خورًا٣, فإن استطعت أن يكون حبنك من الأمر قبل مواقعتك٤ إياه, فافعل. فإن هذا الحذر, ولا تنغمس فيه ثم تتهيبه, فإن هذا هو الخور, فإن الحكيم لا يخوض نهرًا حتى يعلم مقدار غوره. قد رأينا من سوء المجالسة أن الرجل تثقل عليه النعمة براها بصاحبه، فيكون ما يشتفي بصاحبه، في تصغير أمره وتكدير

стр. 125

النعمة عليه، أن يذكر الزوال والفناء والدول، كأنه واعظ وقاصٌّ, فلا يخفى ذلك على من يعنى به, ولا غيره, ولا ينزل قوله بمنزلة الموعظة والإبلاغ، ولكن بمنزلة الضجر من النعمة، إذا رآها لغيره، والاغتمام بها, والاستراحة إلى غير روح. وإني مخبرك عن صاحب لي كان من أعظم الناس في عيني، وكان رأس ما أعظمه في عيني صغر الدنيا في عينه: كان خارجًا من سلطان بطنه، فلا يشتهى ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد. وكان خارجا من سلطان فرجه، فلا يدعو إليه ريبة، ولا يستخف له رأيًا, ولا بدنًا, وكان خارجًا من سلطان لسانه، فلا يقول ما لا يعلم، ولا ينازع في ما يعلم, وكان خارجًا من سلطان الجهالة، فلا يقدم أبدًا إلا على ثقة بمنففة. كان أكثر دهره صامتًا, فإذا نطق بَذَّ١ الناطقين. كان يرى متضاعفًا مستضعفًا، فإذا جاء الجد فهو الليث عاديًا٢. كان لا يدخل في دعوى، ولا يشترك في مراء، ولا يدلي بحجة٣ حتى يرى قاضيًا عدلًا, وشهودًا عدولًا. وكان لا يلوم أحدًا على ما قد يكون العذر في مثله, حتى يعلم ما اعتذاره.

стр. 126

وكان لا يشكو وجعًا إلا إلى من يرجو عنده البرء, وكان لا يستشير صاحبًا إلا من يرجو عنده النصيحة, وكان لا يتبرم١، ولا يتسخط، ولا يتشهى، ولا يشتكى, وكان لا ينقم على الولي٢، ولا يغفل عن العدو، ولا يخص نفسه دون إخوانه بشيء من اهتمامه, وحيلته, وقوته. فعليك بهذه الأخلاق إن أطقت، ولن تطيق، ولكن أخذ القليل خير من ترك الجميع. واعلم أن خير طبقات أهل الدنيا طبقة أصفها لك: من لم ترتفع عن الوضيع, ولم تتضع عن الرفيع.

стр. 127

الفهارس الأدب الصغير, والأدب الكبير ابن المقفع حياته ومقتله. . . . . . ٥ الأدب الصغير. . . . . ٧ صفاته. . . . . . . ٦ أسلوب الإنشائي. . . . . ٧ كتبه. . . . . . . ٦ فضله على العربية. . . . ٧ الأدب الصغير بسم الله الرحمن الرحيم. . . . ١١ الخصال الصالحة. . . . . ٢٠ الأدب ينمي العقول. . . . ١٢ من نسي وتهاون خسر. . . . ٢١ الاقتداء بالصالحين. . . . . ١٣ إيناس ذوي الألباب. . . . ٢١ ما وضع في هذا الكتاب. . . . ١٥ ساعة عون على الساعات. . . ٢٢ انظر أين تضعه نفسك. . . . ١٦ الرغبات الثلاث. . . . . ٢٢ جماع الصواب وجماع الخطإ. . . ١٦ الناس طبقتان متباينتان. . . . ٢٢ الباب الأول من ذلك. . . . ١٧ الصغير يصير كبيرًا. . . . . ٢٣ الباب الثاني من ذلك. . . . ١٧ الرأي والهوى عدوان. . . . ٢٤ الباب الثالث من ذلك. . . . ١٨ علم نفسك قبل تعليم غيرك. . . ٢٤ محاسبة النفس. . . . . ١٨ أعمدة السلطان. . . . . ٢٥ ذكر الموت. . . . . . ١٩ بماذا يستطاع السلطان. . . . ٢٦ إحصاء المساوئ. . . . . ٢٠ الدنيا دول. . . . . . ٢٧

стр. 128

المثل أوضح للمنطق. . . . . . ٢٧ علامات اللئيم. . . . . . ٤١ لا مال أفضل من العقل. . . . . ٢٧ اشتغل بالأعظم. . . . . . ٤٢ كن ستورًا. . . . . . . ٢٨ الرجال أربعة. . . . . . ٤٢ الحارس والمحروس. . . . . . ٢٨ حكم متفرقة. . . . . . ٤٣ الأدب العظيم. . . . . . . ٢٨ غير المغتبطين. . . . . . .٤٤ أجناس الناس. . . . . . ٢٩ ماذا ينفع. . . . . . . ٤٤ لا تغير الدنيا. . . . . . . ٣٠ أمور هن تبع لأمور. . . . . ٤٤ كيف تطلع الشيطان على عورتك. . . ٣٠ أصول وثمرات. . . . . . ٤٥ زخرف الدنيا. . . . . . . ٣١ الذكر السيء. . . . . . ٤٥ القيام على الثقة. . . . . . ٣١ من تؤاخي. . . . . . . ٤٥ شكر الله على نعمه والعمل بطاعته. . ٣٢ بم يروح المرء عن نفسه. . . . ٤٦ الدين أفضل المواهب. . . . . ٣٣ لا تفرح بالبطالة. . . . . . ٤٦ أحق الناس. . . . . . . ٣٣ ضياع العقل. . . . . . ٤٦ العجب آفة العقل. . . . . ٣٤ ذو العقل لا يستخف بأحد. . . . ٤٦ حكمتان. . . . . . . ٣٥ أزواج. . . . . . . .٤٧ العلم زين لصاحبه. . . . . ٣٥ سلامة العاقل. . . . . . ٤٧ العقل الذاتي. . . . . ٣٦ ذو العقل. . . . . . ٤٨ الدليل على معرفة الله. . . . ٣٦ سعيد, ومرجو. . . . . . ٤٨ حق السلطان المقسط. . . . ٣٧ السعيد يرغبه الله, والشقي يرغبه الدليل على علم العالم. . . . ٣٨ الشيطان. . . . . . . ٤٨ علم الآخرة. . . . . ٣٨ الرجال أربعة. . . . . ٤٩ ماذا يجب على المرء. . . . ٣٩ أغنى الناس, وخير ما يؤتى المرء. . . ٤٩ نصائح سنية. . . . . . ٣٩ أشد العيوب. . . . . . ٥٠ رأس الذنوب. . . . . . ٤١ الخصال المذمومة. . . . . ٥٠ دين المرء. . . . . . . ٤١ سخافة المتكلم. . . . . . ٥١

стр. 129

القائد إلى النار, وخازن الشيطان. . . . ٥١ البلايا في الحرص والشره. . . . ٥٦ أخوف ما يكون. . . . . . . ٥١ ماذا قال العلماء. . . . . ٥٧ ماذا يعمل الحازم. . . . . . . ٥٢ تمام حسن الكلام. . . . . ٥٧ فائدة المشورة. . . . . . . ٥٣ صاحب المروءة. . . . . ٥٧ الطمع. . . . . . . . . ٥٣ تعاهد نفسك. . . . . . ٥٨ صرعة اللين. . . . . . . . ٥٣ أشياء غير ثابتة. . . . . .٥٨ أربعة أشياء. . . . . . . . ٥٤ أولى الناس. . . . . . ٥٨ أحق الناس بالتوقير. . . . . . ٥٤ شراء العظيم بالصغير. . . . .٥٩ العاجز والحازم. . . . . . . ٥٤ المشاركة في المال. . . . . ٥٩ أهل العقل والكرم. . . . . . ٥٤ المعونة عل تسلية الهموم. . . . ٥٩ المال كل شيء. . . . . . . ٥٥ من بلاء إلى بلاء. . . . . ٦٠ الفقر مجمعة للبلايا. . . . . . . ٥٥ تقلب الأحوال, وتعاقبها. . . . ٦٠ الموت راحة. . . . . . . . ٥٦

стр. 130

الأدب الكبير بسم الله الرحمن الرحيم. . . . . . ٦٣ يا طالب الأدب. . . . . . . . ٦٥ في السلطان إذا ابتليت بالسلطان تعوذ بالعلماء. . . . ٦٨ ما يحتاج إليه الوالي من أمر الدنيا. . . . . ٧٩ إياك وحب المدح. . . . . . . ٦٩ ماذا على المبتلى بصحبة السلطان ما ينبغي للسلطان نحو رعيته. . . . ٧٠ وصبحة الوالي. . . . . . . . ٨٠ مباشرة الصغير تضيع الكبير. . . . ٧١ لا تسأل السلطان، ولا تتدلل عليه. . . . ٨٣ إياك والإفراط في الغضب. . . . . ٧٢ احذر سخط السلطان، واخضع له. . . . ٨٥ الملك ثلاثة. . . . . . . ٧٣ الكذب يبطل الحق، ويرد الصدق. . . . . ٨٨ الاعتدال في الكلام والسلام. . . . ٧٤ لا تجب إلا إذا سئلت، وأحسن بأي شيء تكون الثقة. . . . . . ٧٥ الإصغاء. . . . . . . . . ٨٨ تجنب الغضب والكذب. . . . ٧٥ رفق الوزير بنظرائه. . . . . . . ٩٠ التفويض إلى الكفاءة. . . . . ٧٦ لكل أليف وجليس. . . . . . . ٩١ ما يزين الجور ويحمل على الباطل. . . ٧٦ احتمل ما خالفك من رأي السلطان. . . . ٩٣ تفقد الوالي لرعيته وتجنبه الحسد. . . ٧٧ تصحيح النصيحة للسلطان. . . . . . ٩٤ كيف يكسد الفجور والدناءة. . . . ٧٩ الطاعة للملوك. . . . . . . . ٩٥ في الأصدقاء ابذل لصديقك دمك ومالك. . . . ٩٨ تمام إصابة الرأي والقول. . . . . . ٩٩ لا تنتحل رأي غيرك. . . . . ٩٨ لا تخلط الجد بالهزل. . . . . . ١٠٠

стр. 131

لا تتطاول على الأصحاب. . . . . ١٠٠ الشهود العدل. . . . . . . . ١١٦ ادعاء العلم فضيحة. . . . . . ١٠١ حاذر الغرام بالنساء. . . . . . ١١٧ العدل نحو العدو، والرضى نحو الصديق. . . ١٠٣ كن متواضعا سكوتا واحذر المراءاة. . . ١١٨ كيف تختار صديقك. . . . . . ١٠٤ الصبر على الأعمال يخفها. . . . . . ١٢٠ لباس انقباض ولياس انبساط. . . . ١٠٥ لا تجاوز الغاية. . . . . . . . ١٢١ صن لسانك. . . . . . . ١٠٦ احفظ المليح والرائع من الأحاديث. . . . ١٢١ مؤاساة الصديق. . . . . . ١٠٦ من تصاحب من الناس. . . . . . .١٢٣ إلى من تعتذر. . . . . ١٠٧ لا تصاحب أحدا إلا بمروءة. . . . . . ١٢٣ إخوان الصدق. . . . . . ١٠٨ أي إكرام يعجب. . . . . . . . ١٢٤ الاستطالة تهدم الصنيعة، وتكدر الجبن والخرص مقتلة ومحرمة. . . . . . ١٢٥ المعروف. . . . . . . . ١٠٨ احترس مما يقال فيك. . . . . . . ١٢٦ احترس من سورة الغضب. . . . ١٠٩ نزاهة العرض وبقاء العز. . . . . . ١٢٦ ذلل نفسك على الصبر. . . . ١١٠ كيف تجالس الناس. . . . . . . ١٢٧ حبب العلم إلى نفسك. . . . . ١١١ المستشار ليس بضامن وجه الصواب. . . . ١٢٩ في السخاء كمال الجود والكرم. . . ١١١ حسن الإستماع. . . . . . . . ١٢٩ لا تكن حسودًا. . . . . . ١١٢ كيف يكون الزهد. . . . . . . ١٣٠ كيف تعامل عدوك. . . . . . ١١٢ حسن المجالسة وسوءها. . . . . . ١٣١