← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7528

الأدب الصغير والأدب الكبير

ابن المقفع

Полный текст (131 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فإن الرجوع عن الصمت أحسن من الرجوع عن الكلام، وإن العطية بعد المنع أجمل من المنع بعد الإعطاء، وإن الإقدام على العمل بعد التأني فيه أحسن من الإمساك عنه بعد الإقدام عليه. وكل الناس محتاج إلى التثبُّت. وأحوجهم إليه ملوكهم الذي ليس لقولهم وفعلهم دافع، وليس عليهم مستحث١. كيف يكسد الفجور والدناءة؟: ليعلم الوالي أن الناس على رأيه إلا من لا بال له٢, فيكن للدين والبر والمروءة عنده نفاق٣, فيكسد بذلك الفجور والدناءة في آفاق الأرض. ما يحتاج إليه الوالي من أمر الدنيا: جماع٤ ما يحتاج إليه الوالي من أمر الدنيا رأيان: رأي يقوِّي به سلطانه، ورأي يزينه في الناس.

стр. 72

ورأي القوة أحقهما بالبداءة, وأولاهما بالأثرة١. ورأي التزيين أحضرهما حلاوة, وأكثرهما أعوانًا. مع أن القوة من الزينة، والزينة من القوة, ولكن الأمر ينسب إلى معظمه وأصله. ماذا على المبتلى بصحبة السلطان, وصحبة الوالي؟: إن ابتليت بصحبة السلطان فعليك بطول المواظبة في غير معاتبة، ولا يحدثن لك الاستئناس به غفلة, ولا تهاونًا. إذا رأيت السلطان يجعلك أخًا فاجعله أبًا، ثم إن زادك فزده. إذا نزلت من ذي منزلة أو سلطان, فلا ترين أن سلطانه زادك له توقيرًا وإجلالًا، من غير أن يزيدك ودًا ولا نصحًا, وأنك ترى حقًا له التوقير والإجلال, وكن في مداراته, والرفق به كالمؤتنف٢ ما قبله، ولا تقدر الأمر بينك وبينه على ما كنت تعرف من أخلاقه، فإن الأخلاق مستحيلة٣ مع الملك، وربما رأينا الرجل المدل٤ على ذي السلطان بقدمه, قد أضر به قدمه. إن استطعت ألا تصحب من صحبت من الولاة إلا على

стр. 73

شعبة من قرابة١ أو مودة، فافعل, فإن أخطأك ذلك, فاعلم أنك إنما تعمل على السخرة٢. إن استطعت أن تجعل صحبتك لمن قد عرفك بصالح مروءتك, وصحة دينك, وسلامة أمورك, قبل ولايته, فافعل. فإن الوالي لا علم له بالناس إلا ما قد علم قبل ولايته, أما إذا ولي, فكل الناس يلقاه بالتزين والتصنع٣, وكلهم يحتال لأن يثني عليه عنده بما ليس فيه, غير أن الأنذال والأرذال هم أشد لذلك تصنعًا, وأشد عليه مثابرة, وفيه تمحلًا٤. فلا يمتنع الوالي، وإن كان بليغ الرأي والنظر، من أن ينزل عنده كثير من الأشرار بمنزلة الأخيار، وكثير من الخانة٥ بمنزلة الأمناء، وكثير من الغدرة٦ بمنزلة الأوفياء، ويغطي عليه أمر كثير من أهل الفضل الذين يصونون أنفسهم عن التمحل والتصنع. إذا عرفت نفسك من الوالي بمنزلة الثقة، فاعزل عنه كلام الملق، ولا تكثرن من الدعاء له في كل كلمة، فإن ذلك شبيه

стр. 74

بالوحشة والغربة، إلا أن تكلمه على رؤوس الناس، فلا تألُ١ عما عظمه, ووقره. لا يعرفنك الولاة بالهوى في بلد من البلدان, ولا قبيلة من القبائل، فيوشك أن تحتاج فيهما إلى حكاية أو شهادة، فتتهم في ذلك. فإذا أردت أن يقبل قولك, فصحح رأيك, ولا تشوبنه٢ بشيء من الهوى، فإن الرأي الصحيح يقبله منك العدو، والهوى يرده عليك الولد والصديق. وأحقُّ من احترست من أن يظن بك خلط الرأي بالهوى الولاة، فإنها خديعة وخيانة وكفر عندهم. إن ابتليت بصحبة والٍ لا يريد صلاح رعيته, فاعلم أنك قد خيرت بين خلتين٣, ليس منهما خيار: إما الميل مع الوالي على الرعية، وهذا هلاك الدين. وإما الميل مع الرعية على الوالي، وهذا هلاك الدنيا، ولا حيلة لك إلا الموت, أو الهرب. واعلم أنه لا ينبغي لك، وإن كان الوالي غير مرضيِّ السيرة إذا علقت حبالك بحباله، إلا المحافظة عليه، إلا أن تجد إلى الفراق الجميل سبيلًا.

стр. 75

تبصَّر ما في الوالي من الأخلاق التي تحب له, والتي تكره، وما هو عليه من الرأي الذي ترضي له, والذي لا ترضي, ثم لا تكابرنه١ بالتحويل له عما يحب ويكره, إلى ما تحب وتكره, فإن هذه رياضة صعبة تحمل على التنائي والقلى٢. فإنك قلما تقدر على رد رجل عن طريقة هو عليها بالمكابرة, والمناقضة، وإن لم يكن ممن يجمح به٣ عز السلطان, ولكنك تقدر على أن تعينه على أحسن رأيه، وتسدده فيه, وتزينه، وتقويه عليه, فإذا قويت منه المحاسن كانت هي التي تكفيك المساوئ, وإذا استحكمت منه ناحية من الصواب, كان ذلك الصواب هو الذي يبصره مواقع الخطأ بألطف من تبصيرك, وأعدل من حكمك في نفسك, فإن الصواب يؤيد بعضه بعضًا, ويدعو بعضه إلى بعض, حتى تستحكم لصاحبه الأشياء، ويظهر عليها٤ بتحكيم الرأي، فإذا كانت له مكانة من الأصالة اقتلع ذلك الخطأ كله. فاحفظ هذا الباب, وأحكمه. لا تسأل السلطان, ولا تتدلل عليه: لا يكونن طلبك ما عند الوالي بالمسألة، ولا تستبطئه،

стр. 76

وإن أبطأ عليك, ولكن أطلب ما قبله بالاستحقاق له، واستأن١ به وإن طالت الأناة منه٢, فإنك إذا استحققته أتاك عن غير طلب، وإن لم تستبطئه كان أعجل له. لا تخبرن الوالي أن لك عليه حقًا، وأنك تعتد عليه ببلاء٣, وإن استطعت ألا ينسى حقك وبلاءك, فافعل, وليكن ما يذكره به من ذلك تجديدك له النصيحة والاجتهاد، وألا يزال ينظر منك إلى آخر يذكره أول بلائك. واعلم أن السلطان إذا انقطع عنه الآخر نسي الأول، وأن الكثير من أولئك أرحامهم٤ مقطوعة, وحبالهم مصرومة، إلا عمن رضوا عنه, وأغنى عنهم في يومهم وساعتهم. إياك أن يقع في قلبك تعتب على الوالي, أو استزراء له. فإنه إن وقع في قلبك بدا في وجهك، إن كنت حليمًا، وبدا على لسانك، إن كنت سفيهًا. فإن لم يزد ذلك على أن يظهر في وجهك لآمن الناس عندك, فلا تأمنن أن يظهر ذلك للوالي, فإن الناس إلى السلطان بعورات٦ الإخوان سراع، فإذا ظهر

стр. 77

ذلك للوالي, كان قلبه هو أسرع إلى النفور والتغير من قلبك, فمحق ذلك حسناتك الماضية، وأشرف بك على الهلاك، وصرت تعرف أمرك مستدبرًا١, وتلتمس مرضاة سلطانك مستصعبًا. ولو شئت كنت تركته راضيًا, وازددت من رضاه دنوًا. احذر سخط السلطان, واخضع له: اعلم أن أكثر الناس عدوًا جاهدًا حاضرًا جريئًا واشيًا وزير السلطان ذو المكانة عنده, لأنه منفوس عليه٢ مكانه بما ينفس على صاحب السلطان، ومحسود كما يحسد, غير أنه يُجترأ عليه، ولا يُجترأ على السلطان, لأن من حاسديه أحباء السلطان, وأقاربه الذين يشاركونه في المداخل والمنازل٣, وهم وغيرهم من عدوه الذين هم حُضَّاره ليسوا كعدو السلطان النائي عنه والمكتتم منه, وهم لا ينقطع طعمهم من الظفر به، فلا يغفلون عن نصب الحبائل٤ له. فاعرف هذه الحال، والبس لهؤلاء القوم الذين هم أعداؤك سلاح الصحة والاستقامة ولزوم المحجَّة٥ فيما تسرُّ وتعلن.

стр. 78

ثم روِّح عن قلبك١, حتى كأنك لا عدو لك, ولا حاسد. وإن ذكرك ذاكر عند السلطان بسوء في وجهك, أو في غيبتك, فلا يرين السلطان, ولا غيره منك اختلاطًا لذلك, ولا اغتياظًا, ولا ضجرًا. ولا يقعن ذلك في نفسك موقع ما يكرثك٢، فإنه إن وقع منك ذلك الموقع، أدخل عليك أمورًا مشتبهة بالريبة, مذكرة لما قال فيك العائب, وإن اضطرك الأمر في ذلك إلى الجواب, فإياك وجواب الغضب والانتقام، وعليك بجواب الحجة في حلم ووقار, ولا تشكَّن في أن الغلبة والقوة للحليم أبدًا. لا تتكلمن عند الوالي كلامًا أبدًا إلا لعناية، أو يكون جوابًا لشيء سئلت عنه, ولا تحضرن عند الوالي كلامًا أبدًا لا تعنى به أو تؤمر بحضوره. ولا تعدن شتم الوالي شتمًا، ولا إغلاظة إغلاظًا، فإن ريح العزة قد تبسط اللسان بالغلظة في غير سخط, ولا بأس. جانب المسخوط عليه, والظنين٣ به عند السلطان, ولا يجمعنك وإياه مجلس ولا منزل، ولاتظهرن له عذرًا، ولا تثنين عليه خيرًا عند أحد من الناس.

стр. 79

فإذا رأيته قد بلغ من الإعتاب١ مما سخط عليه فيه ما ترجو أن تلين له به قلب الوالي، واستيقنت أن الوالي قد استيقن بمباعدتك إياه, وشدتك عليه عند الناس, فضع عذره عند الوالي, واعمل في إرضائه عنه في رفق ولطف. ليعلم الوالي أنك لا تستنكف عن شيء من خدمته, ولا تدع مع ذلك أن تقدم إليه القول، عند بعض حالات رضاه, وطيب نفسه، في الاستعفاء من الأعمال التي هي أهل أن يكرهها ذو الدين وذو العقل وذو العرض وذو المروءة، من ولاية القتل, والعذاب, وأشباه ذلك. إذا أصبت الجاه والخاصة عند السلطان، فلا يحدثن لك ذلك تغيرًا على أحد من أهله وأعوانه، ولا استغناء عنهم، فإنك لا تدري متى ترى أدنى جفوة, أو تغير, فتذل لهم فيها, وفي تلون الحال عند ذلك من العار ما فيه. ليكن مما تحكم من أمرك ألا تسارَّ أحدًا من الناس, ولا تهمس٢ إليه بشيء تخفيه على السلطان, أو تعلنه, فإن السرار مما يخيل إلى كل من رآه من ذي سلطان أو غيره, أنه المراد به, فيكون ذلك في نفسه حسيكة, ووغرًا, وثقلًا٣.

стр. 80

الكذب يبطل الحق ويرد الصدق: لا تتهاونن بإرسال الكذبة عند الوالي أو غيره في الهزل، فإنها تسرع في إبطال الحق, ورد الصدق مما تأتي به. تنكب١، في ما بينك وبين السلطان, وفي ما بينك وبين الإخوان، خلقًا قد عرفناه في بعض الوزراء والأعوان في ادعاء الرجل، عندما يظهر من صاحبه حسن أثر, أو صواب رأي، أنه عمل في ذلك, وأشار به، وإقراره بذلك إذا مدحه به مادح, بل إن استطعت أن تعرف صاحبك أنك تنحله٢ صواب رأيك، فضلًا عن أن تدعي صوابه، وتسند ذلك إليه, وتزينه به، فافعل. فإن الذي أنت آخذ بذلك أكثر مما أنت معطٍ بأضعاف. لا تجب إلا إذا سئلت، وأحسن الإصغاء: إذا سأل الوالي غيرك فلا تكونن أنت المجيب عنه, فإن استلابك الكلام خفة بك, واستخفاف منك بالمسؤول وبالسائل. وما أنت قائل إن قال لك السائل: ما إياك سألت؟ أو قال لك المسؤول عند المسألة يعاد له بها: دونك, فأجب. وإذا لم يقصد السائل في المسألة لرجل واحد, وعم بها جماعة

стр. 81

من عنده فلا تبادرَنَّ بالجواب، ولا تسابق الجلساء، ولا تواثب بالكلام مواثبة, فإن ذلك يجمع مع شين١ التكلف, والخفة, أنك إذا سبقت القوم إلى الكلام صاروا لكلامك خصماء, فتعقبوه بالعيب والطعن, وإذا أنت لم تعجل بالجواب, وخليته للقوم، اعترضت٢ أقاويلهم على عينك، ثم تدبرتها, وفكرت في ما عندك، ثم هيَّأت من تفكيرك, ومحاسن ما سمعت جوابًا رضيًا، ثم استدبرت به أقاويلهم حين تصيخ٣ إليك الأسماع, ويهدأ عنك الخصوم. وإن لم يبلغك الكلام حتى يكتفى بغيرك، أو ينقطع الحديث قبل ذلك، فلا يكون من العيب عندك, ولا من الغبن٤ في نفسك فوت ما فاتك من الجواب. فإن صيانة القول خير من سوء وضعه، وإن كلمة واحدة من الصواب تصيب موضعها خير من مئة كلمة تقولها في غير فرصها ومواضعها. مع أن كلام العجلة والبدار موكل به الزلل, وسوء التقدير، وإن ظن صاحبه أنه قد أتقن وأحكم. وأعلم أن هذه الأمور لا تدرك, ولا تملك إلا برحب الذرع٥

стр. 82

عندما قيل, وما لم يُقَلْ، وقلة الإعظام لما ظهر من المروءة, وما لم يظهر، وسخاوة النفس عن كثير من الصواب؛ مخافة الخلاف والعجلة والحسد والمراء. إذا كلمك الوالي فأصغِ إلى كلامه, ولا تشغل طرفك١ عنه بنظر إلى غيره، ولا أطرافك٢ بعمل، ولا قلبك بحديث نفس, واحذر هذه الخصلة من نفسك، وتعاهدها بجهدك. رفق الوزير بنظرائه: ارفق بنظرائك من وزراء السلطان, وإخلائه, ودخلائه, واتخذهم إخوانًا، ولا تتخذهم أعداء, ولا تنافسهم في الكلمة يتقربون بها، أو العمل يؤمرون به دونك. فإنما أنت في ذلك أحد رجلين: إما أن يكون عندك فضل على ما عند غيرك, فسوف يبدو ذلك, ويحتاج إليه, ويلتمس منه، وأنت مجمل٣. وإما ألا يكون ذلك عندك، فما أنت مصيب من حاجتك عند وزراء السلطان بمقاربتك إياهم وملاينتك، وما أنت واجد في موافقتك إياهم, ولينك لهم من موافقتهم إياك, ولينهم لك أفضل مما أنت مدرك بالمنافسة, والمنافرة لهم.

стр. 83

لا تجترئن على خلاف أصحابك عند الوالي؛ ثقة باعترافهم لك, ومعرفتهم بفضل رأيك، فإنا قد رأينا الناس يعترفون بفضل الرجل, وينقادون له, وتعلمون منه، وهم أخلياء١. فإذا حضروا السلطان، لم يرضَ أحد منهم أن يقرَّ له، ولا أن يكون له عليه في الرأي والعلم فضل، فاجترأوا عليه بالخلاف والنقض. فإن ناقضهم صار كأحدهم, وليس بواجد في كل حين سامعًا فهمًا أو قاضيًا عدلًا. وإن ترك مناقضهم، كان مغلوب الرأي, مردود القول. لكل أليف وجليس: إذا أصبت عند السلطان لطف منزلة؛ لغناء٢ يجده عندك, أو هوىً يكون له فيك, فلا تطمحن كل الطماح, ولا تزينن لك نفسك المزايلة له عن أليفه, وموضع ثقته, وسره قبلك: تريد أن تقلعه وتدخل دونه, فإن هذه خلة من خلال السفه قد يبتلى بها الحلماء عند الدنو من السلطان, حتى يحدث الرجل منهم نفسه أن يكون دون الأهل والولد؛ لفضل يظنه بنفسه, أو نقص يظنه بغيره.

стр. 84

ولكل رجل من الملوك، أو ذي هيئة من السوقة، أليف وأنيس، قد عرف روحه، واطلع على قلبه, فليست عليه مؤونة في تبذل يتبذله١ عنده، أو رأي يستبين منه، أو سر يفشيه إليه، غير أن تلك الأنسة٢، وذلك الإلف، يستخرج من كل واحد منهما ما لم يكن ليظهر منه عند الانقباض والتشدد، ولو التمس ملتمس مثل ذلك عند من يستأنف ملاطفته، ومؤانسته، ومناسمته٣، وإن كان ذا فضل في الرأي وبسطة في العلم، لم يجد عنده مثل ما هو منتفع به، ممن هو دون ذلك في الرأي، ممن قد كفي مؤانسته، ووقع على طباعه. لأن الأنسة روح٤ للقلوب، وأن الوحشة روع عليها، ولا يلتاط٦ بالقلوب إلا ما لان عليها، ومن استقبل الأنس بالوحشة استقبل أمرا ذا مؤونة. فإذا كلفتك نفسك السمو إلى منزلة من وصفت لك، فاقدعها٧ عن ذلك بمعرفة فضل الأليف والأنيس، وإذا حدثتك نفسك أو غيرك، ممن لعله أن يكون عنده فضل في مروءة،

стр. 85

أنك أولى بالمنزلة عند السلطان من بعض دخلائه وثقاته, فاذكر الذي على السلطان من حق أليفه, وثقته, وأنيسه في التكرمة, والمكانة والرأي، والذي يعينه على ذلك من الرأي أنه يجد عنده من الإلف والأنس ما ليس واجدًا عند غيره. فليكن هذا مما تتحفظ فيه على نفسك، وتعرف فيه عذر السلطان ورأيه. والرأي لنفسك مثل ذلك، إن أرادك مريد على الدخول، دون أليفك وأنيسك، وموضع ثقتك، وسرك، وجدك، وهزلك. واعلم أنه يكاد يكون لكل رجل غالبة حديث لا يزال يحدث به: إما عن بلد من البلدان، أو ضرب من ضروب العلم، أو صنف من صنوف الناس، أو وجه من وجوه الرأي، وعندما يغرم به الرجل من ذلك يبدو منه السخف١، ويعرف منه الهوى، فاجتنب ذلك في كل موطن، ثم عند السلطان خاصة. احتمل ما خالفك من رأي السلطان: لا تشكون إلى وزراء السلطان، ودخلائه ما اطلعت عليه من رأي تكرهه له؛ فإنك لا تزيد على أن تفطنهم لهواه، أو تقربهم منه، وتغريهم٢ بتزيين ذلك، والميل عليك معه.

стр. 86

واعلم أن الرجل ذا الجاه عند السلطان والخاصة، لا محالة أن يرى من الوالي ما يخالفه من الرأي في الناس والأمور، فإذا آثر١ أن يكره كل ما خالفه، أوشك أن يمتعض من الجفوة٢، يراها في المجلس، أو النبوة٣ في الحاجة، أو الرد للرأي، أو الإدناء لمن لا يهوى إدناءه، أو الإقصاء لمن يكره إقصاءه. فإذا وقعت في قلبه الكراهية؛ تغير لذلك وجهه، ورأيه وكلامه، حتى يبدو ذلك للسلطان وغيره، فيكون ذلك لفساد منزلته، ومروءته سببا وداعيا. فذلل نفسك باحتمال ما خالفك من رأي السلطان، وقررها على أن السلطان إنما كان سلطانا؛ لتتبعه في رأيه، وهواه، وأمره، ولا تكلفه اتباعك، وتغضب من خلافه إياك. تصحيح النصيحة للسلطان: اعلم أن السلطان يقبل من الوزراء التبخيل٤، ويعده منهم شفقة ونظرا له، ويحمدهم عليه، فإن كان جوادا وكنت مبخلا، شنت صاحبك بفساد مروءته، وإن كنت مسخيًا، ٥،

стр. 87

لم تأمن إضرار ذلك بمنزلتك عنده. فالرأي لك تصحيح النصيحة على وجهها، والتماس المخلص من العيب واللائمة في ما تترك من تبخيل صاحبك، بألا يعرف منك في ما تدعوه إليه ميلًا إلى شيء من هوك، ولا طلبًا لغير ما ترجو أن يزينه وينفعه. الطاعة للملوك: لاتكونن صحبتك للملوك إلا بعد رياضة١ منك لنفسك على طاعتهم في المكروه عندك، وموافقتهم في ما خالفك، وتقدير الأمور على أهوائهم دون هواك، وعلى ألاتكتمهم سرك، ولا تستطلع ما كتموك، وتخفي ما أطلعوك عليه على الناس كلهم، حتى تحمي نفسك الحديث به، وعلى الاجتهاد في رضاهم، والتلطف لحاجتهم، والتثبيت لحجتهم، والتصديق لمقالتهم، والتزيين لرأيهم، وعلى قلة الاستقباح لما فعلوا إذا أساؤوا، وترك الانتحال لما فعلوا إذا أحسنوا، وكثرة النشر لمحاسنهم، وحسن الستر لمساوئهم، والمقاربة لمن قاربوا وإن كانوا بعداء، والمباعدة لمن باعدوا وإن كانوا أقرباء، والاهتمام بأمرهم وإن لم يهتموا به، والحفظ لهم وإن ضيعوه، والذكر لهم وإن نسوه، والتخفيف عنهم من مؤونتك، والاحتمال لهم كل مؤونة، والرضى

стр. 88

منهم بالعفو، وقلة الرضى من نفسك لهم إلا بالاجتهاد. وإن وجدت عنهم, وعن صحبتهم غنى، فأغنِ عن ذلك نفسك, واعتزله جهدك, فإنه من يأخذ عملهم بحقه، يُحَلْ بينه وبين لذة الدنيا وعمل الآخرة, ومن لا يأخذ بحقه، يحتمل الفضيحة في الدنيا, والوزر في الآخرة. إنك لا تأمن أنفة الملوك إن أعلمتهم، ولا تأمن عقوبتهم إن كتمتهم، ولا تأمن غضبتهم إن صدقتهم، ولا تأمن سلوتهم إن حدثتهم, وإنك إن لزمتهم لم تأمن تبرمهم١ بك، وإن زايلتهم لم تأمن عقابهم، وإن تستأمرهم حملت المؤونة عليهم، وإن قطعت الأمر دونهم لم تأمن فيه مخالفتهم, إنهم إن سخطوا عليك أهلكوك, وإن رضوا عنك تكلفت من رضاهم ما لا تطيق. فإن كنت حافظًا إن بلوك، جلدًا٢ إن قربوك، أمينًا إن ائتمنوك: تعلمهم, وأنت تريهم أنك تتعلم منهم، وتؤدبهم, وكأنهم يؤدبونك, تشكرهم, ولا تكلفهم الشكر، بصيرًا بأهوائهم, مؤثرًا لمنافعهم، ذليلًا إن ظلموك، راضيًا إن أسخطوك، وإلا فالبعد منهم كل البعد، والحذر منهم كل الحذر. تحزر من سكر السلطان, وسكر المال, وسكر العلم, وسكر

стр. 89

المنزلة, وسكر الشباب، فإنه ليس من هذا شيء إلا وهو ريح جنة١ تسلب العقل, وتذهب بالوقار, وتصرف القلب, والسمع, والبصر, واللسان إلى غير المنافع.

стр. 90

في الأصدقاء ابذل لصديقك دمك ومالك: ابذل لصديقك دمك ومالك، ولمعرفتك رفدك١ ومحضرك٢، وللعامة بشرك وتحنُّنَك، ولعدوك عدلك وإنصافك، واضنن بدينك وعرضك على كل أحد. لا تنتحلْ رأي غيرك: إن سمعت من صاحبك كلامًا, أو رأيت منه رأيًا يعجبك, فلا تنتحله تزينًا به عند الناس, واكتفِ من التزين بأن تجتني الصواب إذا سمعته، وتنسبه إلى صاحبه. واعلم أن انتحالك ذلك مسخطة لصاحبه، وأن فيه مع ذلك عارًا, وسخفًا. فإن بلغ بك ذلك أن تشير برأي الرجل, وتتكلم بكلامه, وهو يسمع, جمعت مع الظلم قلة الحياء, وهذا من سوء الأدب الفاشي في الناس.

стр. 91

ومن تمام حسن الخلق والأدب في هذا الباب أن تسخو نفسك لأخيك بما انتحل من كلامك ورأيك، وتنسب إليه رأيه وكلامه، وتزينه مع ذلك ما استطعت. تمام إصابة الرأي والقول: لا يكوننَّ من خلقك أن تبتدئ حديثًا, ثم تقطعه, وتقول: سوف. كأنك روَّأت١ فيه بعد ابتدائك إياه, وليكن تروِّيك فيه قبل التفوه به. فإن احتجان٢ الحديث بعد افتتاحه سخف وغمٌّ. اخزن عقلك وكلامك إلا عند إصابة الموضع, فإنه ليس في كل حين يحسن كل صواب, وإنما تمام إصابة الرأي والقول بإصابة الموضع, فإن أخطأك ذلك أدخلت المحنة٣ على عقلك وقولك, حتى تأتي به, إن أتيت به, في غير موضعه, وهو لا بهاء ولا طلاوة له, وليعرف العلماء حين تجالسهم أنك على أن تسمع أحرص منك على أن تقول.

стр. 92

لا تخلط الجد بالهزل: إن آثرت أن تفاخر أحدًا ممن تستأنس إليه في لهو الحديث, فاجعل غاية ذلك الجد، ولا تعتدْ أن تتكلم فيه بما كان هزلًا، فإن بلغه أو قاربه, فدعه. ولا تخلطن بالجد هزلًا، ولا بالهزل جدًا, فإنك إن خلطت بالجد هزلًا هجنته١، وإن خلطت بالهزل جدًا كدرته. غير أني قد علمت موطنًا واحدًا إن قدرت أن تستقبل فيه الجد بالهزل أصبت الرأي, وظهرت على الأقران٢: وذلك أن يتوردك٣ متورد بالسفه, والغضب, وسوء اللفظ، فتجبيه إجابة الهازل المداعب، برحب من الذرع، وطلاقة من الوجه، وثبات من المنطق. لا تتطاول على الأصحاب: إن رأيت صاحبك من عدوك, فلا يغضبنك ذلك، فإنما هو أحد رجلين: إن كان رجلًا من إخوان الثقة, فأنفع مواطنه لك أقربها من

стр. 93

عدوك؛ لشر يكفه عنك، أو لعورة١ يسترها منك، أو غائبة يطلع عليها لك، فأما صديقك فما أغناك أن يحضره ذو ثقتك. وإن كان رجلًا من غير خاصة إخوانك, فبأي حق تقطعه عن الناس, وتكلفه ألا يصاحب, ولا يجالس إلا من تهوى؟. تحفظ في مجلسك, وكلامك من التطاول على الأصحاب، وطب نفسًا عن كثير مما يعرض لك فيه صواب القول والرأي، مداراة؛ لئلا يظن أصحابك أن دأبك٣ التطاول عليهم. إذا أقبل إليك مقبل بوده فسرك ألا يدبر عنك, فلا تنعم الإقبال عليه ٣, والتفتح له، فإن الإنسان طبع على ضرائب٤ لؤم, فمن شأنه أن يرحل عمن لصق به, ويلصق بمن رحل عنه, إلا من حفظ بالأدب نفسه, وكابر طبعه. فتحفظ من هذا فيك, وفي غيرك. ادعاء العلم فضيحة: لا تكثرن ادعاء العلم في كل ما يعرض بينك وبين أصحابك؛ فإنك من ذلك بين فضيحتين. إما أن ينازعوك فما ادعيت, فيهجم منك على الجهالة

стр. 94

والصلف١، وإما ألا ينازعوك, ويخلوا في يديك ما ادعيت من الأمور، فينكشف منك التصنع والمعجزة. واستحِ الحياء كله من أن تخبر صاحبك أنك عالم, وأنه جاهل: مصرحًا أو معرضًا. وإن استطلت على الأكفاء, فلا تثقن منهم بالصفاء. وإن آنست من نفسك فضلًا فتحرَّج٢ أن تذكره, أو تبديه, واعلم أن ظهوره منك بذلك الوجه يقرر لك في قلوب الناس من العيب أكثر مما يقرر لك من الفضل. واعلم أنك إن صبرت, ولم تعجل ظهر ذلك منك بالوجه الجميل المعروف عند الناس. ولا يخفين عليك أن حرص الرجل على إظهار ما عنده, وقلة وقاره في ذلك, باب من أبواب البخل واللؤم. وأن من خير الأعوان على ذلك السخاء والتكرم. وإن أردت أن تلبس ثوب الوقار, والجمال, وتتحلى بحلية المودة عند العامة, وتسلك الجدد٣ الذي لا خبار٤ فيه, ولا عثار, فكن عالمًا كجاهل, وناطقا كعييٍّ. فأما العلم, فيزنك, ويرشدك. وأما قلة ادعائه, فتنفي عنك

стр. 95

الحسد, وأما المنطق إذا احتجت إليه, فيبلغك حاجتك, وأما الصمت, فيكسبك المحبة والوقار. وإذا رأيت رجلًا يحدث حديثًا, قد علمته, أو يخبر خبرا قد سمعته, فلا تشاركه فيه, ولا تتعقبه عليه؛ حرصًا على أن يعلم الناس أنك قد علمته, فإن في ذلك خفة١ وشحًا وسوء أدب, وسخفًا. وليعرف إخوانك والعامة أنك، إن استطعت، إلى أن تفعل ما لا تقول أقرب منك إلى أن تقول ما لا تفعل. فإن فضل القول على الفعل عار وهجنة٢، وفضل الفعل على القول زينة. وأنت حقيق فيما وعدت من نفسك, أو أخبرت به صاحبك, أن تحتجن٣ بعض ما في نفسك؛ إعدادًا لفضل الفعل على القول، وتحرزًا بذلك عن تقصير فعل إن قصر, وقلما يكون إلا مقصرًا. العدل نحو العدو, والرضى نحو الصديق: احفظ قول الحكيم الذي قال: لتكن غايتك فيما بينك وبين عدوك العدل، وفيما بينك وبين صديقك الرضاء.

стр. 96

وذلك أن العدو خصم تصرعه بالحجة, وتغلبه بالحكام، وأن الصديق ليس بينك وبينه قاضٍ، فإنما حكمه رضاه. كيف تختار صديقك؟: اجعل غاية تشبشك في مؤاخاة من تؤاخي, ومواصلة من تواصل, توطين نفسك على أنه لا سبيل لك إلى قطيعة أخيك، وإن ظهر لك منه ما تكره، فإنه ليس كالمملوك تعتقه متى شئت, أو كالمرأة التي تطلقها إذا شئت، ولكنه عرضك ومروءتك, فإنما مروءة الرجل إخوانه وأخدانه١, فإن عثر الناس على أنك قطعت رجلًا من إخوانك، وإن كنت معذرًا٢، نزل ذلك عند أكثرهم بمنزلة الخيانة للإخاء والملال فيه, وإن أنت مع ذلك تصبرت على مقارته٣ على غير الرضا, عاد ذلك إلى العيب والنقيصة. فالاتئاد الاتئاد٤! والتثبت التثبت٥. وإذا نظرت في حال من ترتئيه لإخائك، فإن كان من إخوان الدين فليكن فقيهًا, غير مراءٍ, ولا حريص، وإن كان من إخوان

стр. 97

الدنيا فليكن حرًا, ليس بجاهل, ولا كذاب, ولا شرير, ولا مشنوع١. فإن الجاهل أهل أن يهرب منه أبواه، وإن الكذاب لا يكون أخًا صادقًا؛ لأن الكذب الذي يجري على لسانه, إنما هو من فضول كذب قلبه، وإنما سمي الصديق من الصدق, وقد يهتم صدق القلب, وإن صدق اللسان, فكيف إذا ظهر الكذب على اللسان؟ , وإن الشرير يكسبك العدو, ولا حاجة لك في صداقة تجلب العداوة, وإن المشنوع شانع٢ صاحبه. واعلم أن انقباضك عن الناس يكسبك العداوة, وأن انبساطك إليهم يكسبك صديق السوء, وسوء الأصدقاء أضر من بغض الأعداء. فإنك إن واصلت صديق السوء أعيتك جرائره٣، وإن قطعته شانك اسم القطيعة، وألزمك ذلك من يرفع عيبك, ولا ينشر عذرك, فإن المعايب تنمي, والمعاذير لا تنمي. لباس انقباض, ولباس انبساط: البس للناس لباسين ليس للعاقل بد منهما، ولا عيش, ولا مروءة, إلا بهما: لباس انقباض, واحتجاز من الناس، تلبسه للعامة, فلا يلقونك

стр. 98

إلا متحفظًا متشددًا متحرزًا مستعدًا. ولباس انبساط واستئناس، تلبسه للخاصة الثقات من أصدقائك، فتلقاهم بذات صدرك، وتفضي إليهم بمصون حديثك، وتضع عنك مؤونة الحذر والتحفظ في ما بينك وبينهم. وأهل هذه الطبقة، الذين هم أهلها، قليل من قليل حقا؛ لأن ذا الرأي لا يدخل أحدًا من نفسه هذا المدخل إلا بعد الاختبار والتكشف١ والثقة بصدق النصيحة ووفاء العهد. صن لسانك: اعلم أن لسانك أداة مصلتة٢، يتغالب عليه عقلك، وعضبك، وهواك، وجهلك، فكل غالب عليه مستمتع به، وصارفه في محبته، فإذا غلب عليه عقلك، فهو لك، وإن غلب عليه شيء من أشباه ما سميت لك، فهو لعدوك. فإن استطعت أن تحتفظ به وتصونه، فلا يكون إلا لك، ولا يستولي عليه، أو يشاركك فيه عدوك، فافعل. مؤاساة الصديق: إذا نابت أخاك إحدى النوائب من زوال نعمة أو نزول

стр. 99

بلية، فاعلم أنك قد ابتليت معه، إما بالمؤاساة١، فتشاركه في البلية، وإما بالخذلان٢، فتحتمل العار. فالتمس المخرج عند أشباه ذلك، وآثر مروءتك على ما سواها. فإن نزلت الجائحة٣ التي تأبى نفسك مشاركة أخيك فيها، فأجمل٤، فلعل الإجمال يسعك، لقلة الإجمال في الناس. وإذا أصاب أخاك فضل، فإنه ليس في دنوك منه، وابتغائك مودته، وتواضعك له مذلة، فاغتنم ذلك، واعمل به. إلى من تعتذر؟: لا تعتذرن إلا إلى من يحب أن يجد لك عذرًا، ولا تستعينن إلا بمن يحب أن يظفرك بحاجتك، ولا تحدثن إلا من يرى حديثك مغنمًا، ما لم يغلبك اضطرار. وإذا اعتذر إليك معتذر، فتلقه بوجه مشرق، وبشر، ولسان طلق إلا أن يكون ممن قطيعته غنيمة. إذا غرست من المعروف غرسًا، وأنفقت عليه نفقة، فلا تضنن في تربية ما غرست، واستنمائه، فتذهب النفقة الأولى ضياعًا.

стр. 100

إخوان الصدق: اعلم أن إخوان الصدق هم خير مكاسب الدنيا، هم زينة في الرخاء، وعدة١ في الشدة، ومعونة على خير المعاش والمعاد٢، فلا تفرطن في اكتسابهم، وابتغاء الوصلات، والأسباب٣ إليهم. واعلم أنك واجد رغبتك من الإخاء عن أقوام قد حالت بينك وبينهم بعض الأبهة التي قد تعتري بعض أهل المروءات، فتحجز عنهم كثيرًا ممن يرغب في أمثالهم، فإذا رأيت أحدًا من أولئك قد عثر به الدهر، فأَقِلْهُ٤. الاستطالة تهدم الصنيعة، وتكدر المعروف: إذا كانت لك عند أحد صنيعة، أو كان لك عليه طول٦، فالتمس إحياء ذلك بإماتته، وتعظيمه بالتصغير له، ولا تقتصرن في قلة المنِّ٧ به على أن تقول: لا أذكره، ولا أصغي بسمعي إلى

стр. 101

من يذكره، فإن هذا قد يستحيي منه بعض من لا يوصف بعقل، ولا كرم، ولكن احذر أن يكون في مجالستك إياه، وما تكلمه به، أو تستعينه عليه، أو تجاريه فيه، شيء من الاستطالة١، فإن الاستطالة تهدم الصنيعة، وتكدر المعروف. احترس من سورة الغضب: احترس من سورة٢ الغضب، وسورة الحمية، وسورة الحقد، وسورة الجهل، وأعدد لكل شيء من ذلك عدة تجاهده بها من الحلم، والتفكر، والروية، وذكر العاقبة، وطلب الفضيلة. واعلم أنك لا تصيب الغلبة إلا بالاجتهاد والفضل، وأن قلة الإعداد لمدافعة الطبائع المتطلعة، هو الاستسلام لها. فإنه ليس أحد من الناس إلا وفيه من كل طبيعة سوء غريزة، وإنما التفاضل بين الناس في مغالبة طبائع السوء، فأما أن يسلم أحد من أن تكون فيه تلك الغرائز، فليس في ذلك مطمع، إلا أن الرجل القوي إذا كابرها بالقمع لها كلما تطلعت، لم يلبث أن يميتها، حتى كأنها ليست فيه، وهي في ذلك كامنة كمون النار في العود، فإذا وجدت قادحًا٣ من علة، أو

стр. 102

غفلة استورت١، كما تستوري النار عند القدح، ثم لا يبدأ ضرها إلا بصاحبها، كما لا تبدأ النار إلا بعودها الذي كانت فيه. ذلِّل نفسه على الصبر: ذلل نفسك بالصبر على جار السوء، وعشير السوء، وجليس السوء؛ فإن ذلك مما لا يكاد يخطئك. واعلم أن الصبر صبران: صبر المرء على ما يكره، وصبره عما يحب. والصبر على المكروه أكبرهما، وأشبههما٢ أن يكون صاحبه مضطرًا. واعلم أن اللئام أصبر أجسادًا، وأن الكرام هم أصبر نفوسًا، وليس الصبر الممدوح بأن يكون جلد الرجل وقاحًا٣ على الضرب، أو رجله قوية على المشي، أو يده قوية على العمل، فإنما هذا من صفات الحمير. ولكن الصبر الممدوح أن يكون للنفس غلوبًا، وللأمور محتملًا، وفي الضراء متجملًا٤، ولنفسه عند الرأي والحفاظ٥

стр. 103

مرتبطًا١، وللحزم مؤْثِرًا، وللهوى تاركًا، وللمشقة التي يرجو حسن عاقبتها مستخفًا، وعلى مجاهدة الأهواء والشهوات مواظبًا، ولبصيرته بعزمه منفذًا. حَبِّبْ العلم إلى نفسك: حبب إلى نفسك العلم حتى تلزمه وتألفه، ويكون هو لهواك، ولذتك، وسلوتك، وبلغتك٢. واعلم أن العلم علمان: علم للمنافع، وعلم لتذكية العقول٣. وأفشى العلمين، وأحراهما أن ينشط له صاحبه من غير أن يحض عليه علم المنافع، وللعلم الذي هو ذكاء العقول، وصقالها، وجلاؤها، فضيلة منزلة عند أهل الفضيلة والألباب. في السخاء كمال الجود والكرم: عود نفسك السخاء. واعلم أنه سخاءان: سخاوة نفس الرجل بما في يديه، وسخاوته عما في أيدي الناس.

стр. 104

وسخاوة نفس الرجل بما في يديه أكثرهما, وأقربهما من أن تدخل فيه المفاخرة، وتركه ما في أيدي الناس أمحض في التكرم، وأبرأ من الدنس، وأنزه. فإن هو جمعهما، فبذل، وعف، فقد استكمل الجود والكرم. لا تكن حسودًا: ليكن مما تصرف به الأذى والعذاب عن نفسك، ألا تكون حسودًا. فإن الحسد خلق لئيم، ومن لؤمه أنه موكل١ بالأدنى، فالأدنى من الأقارب، والأكفاء، والمعارف، والخلطاء، والإخوان. فليكن ما تعامل به الحسد أن تعلم أن خير ما تكون حين تكون، مع من هو خير منك، وأن غنمًا حسنًا لك أن يكون عشيرك، وخليطك، أفضل منك في العلم، فتقتبس من علمه، وأفضل منك في القوة، فيدفع عنك بقوته، وأفضل منك في المال، فتفيد من ماله، وأفضل منك في الجاه، فتصيب من حاجتك بجاهه، وأفضل منك في الدين، فتزداد صلاحًا بصلاحه. كيف تعامل عدوك؟: ليكن مما تنظر فيه من أمر عدوك وحاسدك، أن تعلم أنه

стр. 105

لا ينفعك أن تخبر عدوك وحاسدك أنك له عدو، فتنذره بنفسك، وتؤذنه بحربك قبل الإعداد والفرصة، فتحمله على التسلح لك، وتوقد ناره عليك. واعلم أنه أعظم لخطرك١ أن يرى عدوك أنك لا تتخذه عدوًا، فإن ذلك غرة٢ له، وسبيل لك إلى القدرة عليه، فإن أنت قدرت واستطعت اغتفار العداوة عن أن تكافئ بها، فهنالك استكملت عظيم الخطر. إن كنت مكافئًا بالعداوة والضرر، فإياك أن تكافئ عداوة السر بعداوة العلانية، وعداوة الخاصة بعداوة العامة، فإن ذلك هو الظلم. واعلم مع ذلك أنه ليس كل العداوة والضرر، يكافأ بمثله: كالخيانة لا تكافأ بالخيانة، والسرقة لا تكافأ بالسرقة. ومن الحيلة في أمرك مع عدوك أن تصادق أصدقاءه، وتؤاخي أخوانه، فتدخل بينه وبينهم في سبيل الشقاق، والتلاحي٣، والتجافي، حتى ينتهي ذلك بهم إلى القطيعة والعداوة له، فإنه ليس رجل ذو طرق٤ يمتنع من مؤاخاتك إذا التمست ذلك منه، وإن كان إخوان عدوك غير ذوي طرق، فلا عدو لك.

стр. 106

لا تدع، مع السكوت عن شتم عدوك، إحصاء مثالبه١ ومعايبه, واتباع عوارته، حتى لا يشذَّ عنك من ذلك صغير ولا كبير، من غير أن تشيع ذلك عليه, فيتقيك به، ويستعد له، أو تذكره في غير موضعه, فتكون كمستعرض الهواء بنبله قبل إمكان الرمي. ولا تتخذن اللعن والشتم على عدوك سلاحًا، فإنه لا يجرح في نفس, ولا منزلة, ولا مال, ولا دين. إن أردت أن تكون داهيًا ٢ فلا تحبَّن أن تسمي داهيًا. فإنه من عرف بالدهاء خاتل٣ علانية، وحذره الناس، حتى يمتنع منه الضعيف، ويتعرض له القوي. وإن من إرب٤ الأريب دفن إربه ما استطاع, حتى يعرف بالمسامحة في الخليقة, والاستقامة في الطريقة. ومن إربه ألا يؤارب العاقل المستقيم الطريقة, والذي يطَّلع على غامض إربه, فيمقته عليه. وإن أردت السلامة, فأشعر قلبك الهيبة للأمور، من غير أن تظهر منك الهيبة, فتفطن الناس بنفسك, وتجرئهم عليك,

стр. 107

وتدعو إليك منهم كل الذي تهاب. فاشعب١ لمدارة ذلك من كتمان الهيبة, وإظهار الجرأة, والتهاون طائفة من رأيك. وإن ابتليت بمحاربة عدوك, فحالف هذه الطريقة التي وصفت لك من استشعار الهيبة, وإظهار الجرأة, والتهاون، وعليك بالحذر, والجد في أمرك، والجرأة في قلبك، حتى تملأ قلبك جراءة, ويستفرغ عملك الحذر. اعلم أن من عدوك من يعمل في هلاكك، ومنهم من يعمل في مصالحتك، وممنهم من يعمل في البعد منك. فاعرفهم على منازلهم. ومن أقوى القوة لك على عدوك، وأعزِّ أنصارك في الغلبة له، أن تحصي على نفسك العيوب والعورات, كما تحصيها على عدوك، وتنظر عند كل عيب تراه, أو تسمعه لأحد من الناس: هل قارفت ذلك العيب؟ , أو ما شاكله, أو سلمت منه؟. فإن كنت قارفت شيئًا منه, جعلته مما تحصي على نفسك, حتى إذا أحصيت ذلك كله, فكاثر٢ عدوك بإصلاح نفسك, وعثراتك, وتحصين عوراتك, وإحراز مقاتلك٣, وخذ نفسك بذلك ممسيًا ومصبحًا.

стр. 108

فإذا آنست منها دفعًا, وتهاونًا به, فاعدد نفسك عاجزًا ضائعًا خائبًا، معورًا١ لعدوك, ممكنًا له من رميك. وإن حاصل من عيوبك, وعوراتك ما لا تقدر على إصلاحه من ذنب مضى لك، أو أمر يعيبك عند الناس ولا تراه أنت عيبًا، فاحفظ ذلك وما عسى أن يقول فيه قائل من حسبك٢ أو مثالب آبائك, أو عيب إخوانك, ثم اجعل ذلك كله نصب عينك, واعلم أن عدوك مريدك بذلك, فلا تغفل عن التهيؤ له, والإعداد لقوتك وحجتك وحيلتك وحيلتك فيه سرًا وعلانية. فأما الباطل, فلا تروعن به قلبك, ولا تستعدن له, ولا تشتغلن بشيء من أمره، فإنه لا يهولك ما لم يقع، وما إن وقع اضمحل. الشهود العدل: واعلم أنه قلما بده٣ أحد بشيء يعرفه من نفسه، وقد كان يطمع في إخفائه عن الناس، فيعيره به معير عند السلطان, أو غيره، إلا كاد يشهد به عليه وجهه وعيناه ولسانه، للذي يبدو منه عند ذلك، والذي يكون من انكساره وفتوره عند تلك البديهة.

стр. 109

فاحذر هذه, وتصنع لها، وخذ أهبتك لبغتاتها, وتقدم في أخذ العتاد لنفيها. حاذر الغرام بالنساء: اعلم أن من أوقع الأمور في الدين, وأنهكها للجسد, وأتلفها للمال, وأقتلها للعقل, وأزراها للمروءة, وأسرعها في ذهاب الجلالة والوقار, الغرام بالنساء. ومن البلاء على المغرم بهن، أنه لا ينفك يأجم١ ما عنده, وتطمح عيناه إلى ما ليس عنده منهن. إنما النساء أشباه, وما يتزين في العيون والقلوب من فضل مجهولاتهن على معروفاتهن باطل وخدعة, بل كثير مما يرغب عنه الراغب مما عنده, أفضل مما تتوق إليه نفسه منهن. وإنما المرتغب عما في رحله٢ منهن إلى ما في رحال الناس, كالمرتغب عن طعام بيته إلى ما في بيوت الناس, بل النساء بالنساء أشبه من الطعام بالطعام، وما في رحال الناس من الأطعمة, أشد تفاضلًا وتفاوتًا مما في رحالهم من النساء. ومن العجب أن الرجل الذي لا بأس بلبه ورأيه يرى المرأة

стр. 110

من بعيد متلففة في ثيابها، فيصوَّر لها في قلبه الحسن والجمال, حتى تعلق بها نفسه من غير رؤية, ولا خبر مخبر، ثم لعله يهجم منها على أقبح القبح, وأدم الدمامة١، فلا يعظه ذلك, ولا يقطعه عن أمثالها, ولا يزال مشغوفًا بما لم يذق، حتى لو لم يبق في الأرض غير امرأة واحدة، لظن لها شأنًا غير شأن ما ذاق, وهذا هو الحمق, والشقاء, والسفه. ومن لم يحمِ نفسه, ويظلفها, ويحلئها٢ عن الطعام, والشراب, والنساء في بعض ساعات شهوته وقدرته، كان أيسر ما يصيبه من وبال ذلك انقطاع تلك اللذات عنه بخمود نار شهوته, وضعف حوامل٣ جسده, وقل من تجده إلا مخادعًا لنفسه في أمر جسده عند الطعام والشراب والحمية والدواء، وفي أمر مروءته عند الأهواء والشهوات، وفي أمر دينه عند الريبة والشبهة والطمع. كن متواضعا, سكوتًا, واحذر المراءاة: إن استطعت أن تضع نفسك دون غايتك في كل مجلس
следующие страницы →