← Акыда

Акыда · id 7529

الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد

صالح الفوزان

Полный текст (376 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

قال السفاريني: "وفي تفسير الثعلبي عن أبي هريرة ﵁ في تفسير سورة الزمر مرفوعا: "إن الله يرسل مطرًا على الأرض، فينزل عليها أربعين يوما، حتى يكون فوقهم اثني عشر ذراعا، فيأمر الله تعالى الأجساد أن تنبت كنبات البقل، فإذا تكاملت أجسادهم كما كانت؛ قال الله تعالى: ليحيا حملة العرش، ليحيا جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل. ثم يأمر الله تعالى إسرافيل، فيأخذ الصور، فيضعه على فيه، ثم يدعو الأرواح، فيؤتى بها تتوهج أرواح المؤمنين نوراً، والأخرى ظلمة، فيقبضها جميعا، ثم يلقيها في الصور، ثم يأمره أن ينفخ نفخة البعث، فتخرج الأرواح كلها كأنها النحل، قد ملأت ما بين السماء والأرض، ثم يقول الله تعالى: وعزتي وجلالي؛ لترجعن كل روح إلى جسدها. فتدخل الأرواح إلى الخياشيم، ثم تمشي مشي السم في اللديغ، ثم تنشق الأرض عنها سراعا؛ فأنا أول من تنشق عنه الأرض، فتخرجون منها إلى ربكم تنسلون". وأخرج الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁: "ينزل من السماء ماء، فينبتون كما تنبت البقل، وليس من الإنسان شيء إلا يبلى؛ إلا عُظَيْم واحد وهو عجز الذنب، منه يركب الخلق يوم القيامة". وفي روايات مسلم: "إن في الإنسان عظما لا تأكله الأرض أبدًا، منه يركب الخلق يوم القيامة". قالوا: أي عظم هو يا رسول الله؟ قال: عجب الذنب". قال العلماء: وعجب الذنب هو العظم الحديد الذي يكون في أسفل الصلب، وقد جاء في الحديث أنه مثل حبة الخردل، منه ينبت جسم الإنسان. وقد استبعد المشركون إعادة الناس في حياة أخرى بعد الموت، فأنكروا البعث والنشور، فأمر الله نبيه أن يقسم به على وقوعه، وأنه كائن لا محالة؛ فقال

стр. 317

تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ٣. وأخبر عن اقتراب ذلك؛ فقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ٤، ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ ٥. وذم المكذبين بالبعث؛ فقال: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ٦، ﴿أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ ٧، ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاّ كُفُوراً﴾ ٨. وقال: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ ٩؛ فرد الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً﴾ ١٠. قال شارح "الطحاوية"على هذه الآيات الكريمة: "فتأمل ما أجيبوا به عن كل سؤال على التفصيل؛ فإنهم قالوا أولاً: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيدا﴾ ١١؛ فقيل لهم في جواب هذا السؤال: إن كنتم

стр. 318

تزعمون أنه لا خالق لكم ولا رب لكم؛ فهلا كنتم خلقا لا يفنيه الموت كالحجارة والحديد وما هو أكبر في صدوركم من ذلك. فإن قلتم: كنا خلقنا على هذه الصفة التي لا تقبل البقاء؛ فما الذي يحول بين خالقكم ومنشئكم وبين إعادتكم خلقا جديداً؟ وللحجة تقدير آخر، هو: لو كنتم حجارة أو حديداً أو خلقا أكبر منهما؛ فإنه قادر على أن يفنيكم ويحيل ذواتكم وينقلها من حال إلى حال، ومن يقدر على التصرف في هذه الأجسام مع شدتها وصلابتها بالإفناء والإحالة؛ فما الذي يعجزه فيما دونها، ثم أخبر أنهم يسألون سؤالاً آخر بقولهم: من يعيدنا إذا فنيت جسومنا واستحالت؟ فأجابهم بقوله: ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ، فلما أخذتهم الحجة؛ انتقلوا إلى سؤال آخر يتعللون به تعلل المنقطع، وهو قولهم: ﴿مَتَى هُوَ﴾ ؟ فأجابهم بقوله: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً﴾ .

стр. 319

خامسا: الإيمان بما يكون يوم القيامة مدخل ... خامساً الإيمان بما يكون يوم القيامة قال الإمام السفاريني: "واعلم أن ليوم الوقوف أهوالاً عظيمة وشدائد جسيمة، تذيب الأكباد وتذهل المراضع وتشيب الأولاد، وهو حق ثابت، ورد به الكتاب والسنة، وانعقد عليه الإجماع، وهو يوم القيامة. وقد اختلف في تسمية ذلك اليوم بيوم القيامة؛ قيل: لكون الناس يقومون من قبورهم؛ قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ سِرَاعاً﴾ ١، وقيل لوجود أمور المحشر والوقوف ونحوها فيه، وقيل: لقيام الناس لرب العالمين؛ كما روى مسلم في "صحيحه" عن ابن عمر ﵄ مرفوعا ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢؛ قال: "يوم أحدهم في رشحه إلى نصف أذنيه..".

стр. 320

إلى أن قال: "وروى الإمام أحمد وأبو يعلي وابن حبان في "صحيحه"عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن رسول الله ﷺ ؛ أنه قال: "يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنة"١؛ فقيل: ما أطول هذا اليوم!، فقال النبي ﷺ : والذي نفسي بيده، إنه ليخف على المؤمن حتى يكون عليه أخف من صلاة مكتوبة". وقيل: إنما سمي يوم القيامة؛ لقيام الملائكة والروح فيه صفا؛ قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً﴾ ٢. إلى أن قال: "وأخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: "يعرق الناس يوم القيامة، حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعان ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم"، وفي بعض ألفاظ الصحيح: "سبعين عاما"؛ فأخرج مسلم عن المقداد ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا كان يوم القيامة؛ أدنيت الشمس من العباد، حتى تكون قدر ميل أو ميلين".قال: "فتصهرهم الشمس، فيكونون في العرق كقدر أعمالهم، منهم من يأخذه إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه إلى حقويه، ومنهم من يلجمه إلجاما". ويواجه الناس في هذا الموقف أموراً عظيمة؛ منها:

стр. 321

الحساب الحساب هو تعريف الله سبحانه الخلائق مقادير الجزاء على أعمالهم، وتذكيره إياهم بما قد نسوه؛ قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ ٣، ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ ٤، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه﴾ ٥. ومن الحساب إجراء القصاص بين العباد؛ فيقتص للمظلوم من الظالم؛

стр. 322

كما في "صحيح مسلم"، و"سنن الترمذي" من حديث أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء". والحساب متفاوت؛ فمنه الحساب العسير، ومنه الحساب اليسير. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "يحاسب الله تعالى الخلق، ويخلو بعبده المؤمن، ويقرره بذنوبه؛ كما وصف ذلك في الكتاب والسنة، وأما الكفار؛ فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته؛ فإنهم لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم وتحصى، فيوقفون عليها، ويقررون بها" انتهى. وأول ما يحاسب عنه العبد صلاته، وأول ما يقضى بين الناس في الدماء؛ كما في الحديث الذي رواه الترمذي وحسنه وأبو داود والحاكم وصححه عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ؛ أنه قال: "أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة؛ يقول الله تعالى لملائكته: انظروا لصلاة عبدي؛ أتمها أم نقصها؟ فإن كانت تامة؛ كتبت له تامة، وإن كانت نقص منها شيئا؛ قال الله: انظروا: هل لعبدي من تطوع؟ فإن كان له تطوع؛ قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه. ثم تؤخذ الأعمال على ذلك". وأخرج النسائي، عن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ ؛ أنه قال: "أول ما يحاسب عليه العبد الصلاته".

стр. 323

إعطاء الصحائف الصحائف هي الكتب التي كتبتها الملائكة وأحصوا فيها ما فعله كل إنسان في الحياة الدنيا من الأعمال القولية والفعلية. قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً

стр. 324

يَلْقَاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ ١؛ قال العلماء: طائره عمله. ومنهم من يعطى كتابه بيمينه، ومنهم من يعطى كتابه بشماله؛ قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ﴾ إلى قوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ ، ثم قال سبحانه: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ إلى قوله: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ ٢.

стр. 325

وزن الأعمال مما يكون في هذا اليوم وزن الأعمال: قال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ ٤؛ فالأعمال توزن بميزان حقيقي له لسان وكفتان. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الميزان هو ما يوزن به الأعمال، وهو غير العدل؛ كما دل على ذلك الكتاب والسنة؛ مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ ، وقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ . ثم ساق بعض الأحاديث التي فيها وزن الأعمال، ثم قال: "وهذا وأمثاله مما يبين أن الأعمال توزن بموازين يبين بها رجحتن الحسنات على السيئات وبالعكس؛ فهو مما به يتبين العدل، والمقصود بالوزن العدل كموازين الدنيا،

стр. 326

وأما كيفية تلك الموازين؛ فهو بمنزلة كيفية سائر ما أخبرنا به من الغيب ... " انتهى.

стр. 327

الصراط والمرور عليه ومما يكون في يوم القيامة المرور على الصراط، وهو جسر ممدود على متن جهنم، يرده الألوان والآخرون، يمر الناس عليه على قدر أعمالهم، وهو أدق من الشعر، وأحد من السيف، وأشد حرارة من الجمر، عليه كلاليب تخطف من أمرت بخطفه، يمر الناس عليه قدر أعمالهم؛ فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كهرولة الرجل، ومنهم من يمشي مشيا، ومنهم من يزحف زحفا، ومنهم من يخطف فيلقى في جهنم، نسأل الله السلامة والعافية. قال السفاريني: "اتفقت الكلمة على إثبات الصراط في الجملة، لكن أهل الحق يثبتونة على ظاهره من كونه جسرًا ممدودًا على متن جهنم، أحد من السيف، وأدق من الشعر، وأنكر هذا الظاهر القاضي عبد الجبار المعتزلي وكثير من أتباعة؛ زعما منهم أنه لا يمكن عبوره، وإن أمكن؛ ففيه تعذيب، ولا عذاب على المؤمنين والصلحاء يوم القيامة، وإنما المراد طريق الجنة المشار إليه بقوله تعالى: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ ١، وطريق النار المشار إليه بقوله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ ٢، ومنهم من حمله على الأدلة الواضحة والمباحات والأعمال الرديئة؛ ليسأل عنها، ويؤاخذ بها، وكل هذا باطل وخرافات؛ لوجوب رد النصوص إلى حقائقها، وليس العبور على الصراط بأعجب من المشي على الماء، أو الطيران في الهواء، أو الوقوف فيه، وقد أجاب ﷺ عن سؤال حشر الكافر على وجهه؛ بأن القدرة صالحة لذلك ... " انتهى.

стр. 328

الحوض قال الحافظ السيوطي: "ورد ذكر الحوض من رواية بضعة وخمسين صحابيا؛ منهم الخلفاء الأربعة الراشدون، وحفاظ الصحابة المكثرون، وغيرهم رضوان الله عليهم أجمعين" انتهى. وأخرج الشيخان وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "حوضي مسيرة شهر؛ ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منه؛ لا يظمأ أبدًا". وروى مسلم في"صحيحه" عن أنس بن مالك ﵁ قال: "أغفى رسول الله ﷺ إغفاءة، ثم رفع رأسه مبتسما، فقال: إنه أنزلت عليّ آنفا سورة، فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ، حتى ختمها؛ قال: هل تدرون ما الكوثر؟. قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هو نهر أعطانيه ربي في الجنة، عليه خير كثير، ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيتة عدد الكواكب؛ يختلج العبد منهم، فأقول: يارب! إنه من أمتي. فيقال: إنك لا تدري ما أحدث بعدك"، ومعنى "يختلج": يطرد عن ورود الحوض. قال القرطبي: "قال علماؤنا: كل من ارتد عن دين الله أو أحدث فيه ما لا يرضاه الله ولم يأذن به؛ فهو من المطرودين عن الحوض، وأشدهم طردًا من خالف جماعة المسلمين؛ كالخوارج والروافض والمعتزلة على اختلاف فرقهم؛ فهؤلاء كلهم مبِّدلون، وكذا الظلمة المسرفون في الجور والظلم وطمس الحق وإذلال أهله، والمعلنون بكبائر الذنوب، المستخفون بالمعاصي، وجماعة أهل الزيغ والبدع، ثم الطرد قد يكون في حال، ثم يقربون بعد المغفرة، إن كان التبديل في الأعمال، ولم يكن في العقائد ... " انتهى.

стр. 329

وقد خالفت المعتزلة، فلم تقل بإثبات الحوض مع ثبوته بالسنة الصحيحة الصريحة؛ فكل من خالف في إثباته؛ فهو مبتدع، وأحرى أن يطرد عنه.

стр. 330

الشفاعة الشفاعة لغة: الوسيلة والطلب، وعرفا: سؤال الخير للغير، وقيل: هي من الشفع الذي هو ضد الوتر؛ فكأن الشافع ضم سؤاله إلى سؤال المشفوع له. والشفاعة حق إذا تحققت شروطها، وهي أن تكون بإذن الله تعالى ورضاه عن المشفوع له؛ قال الله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ١ ففي هذه الآية الكريمة أن الشفاعة لا تنفع إلا بشرطين: الأول: إذن الله للشافع أن يشفع؛ لأن الشفاعة ملكه سبحانه، ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ ٢. الثاني: رضاه عن المشفوع فيه بأن يكون من أهل التوحيد؛ لأن المشرك لا تنفعه الشفاعة؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ ٣. فتبين بهذا بطلان ما عليه القبوريون اليوم؛ الذين يطلبون الشفاعة من الأموات، ويتقربون إليهم بأنواع القربات؛ كما قال الله في سلفهم: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّه﴾ ِ٤، وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ ٥. وقد أعطى نبينا ﷺ الشفاعة؛ فيشفع لمن أذن الله له فيه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وله ﷺ ثلاث شفاعات:

стр. 331

أما الشفاعة الأولى؛ فيشفع في أهل الموقف حتى يقضى بينهم بعد أن تتراجع الأنبياء آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم الشفاعة حتى تنتهي إليه. وأما الشفاعة الثانية: فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، وهاتان الشفاعتان خاصتان له. وأما الشفاعة الثالثة: فيشفع فيمن استحق النار، وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم، فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها". وقال ﵀: "وأما شفاعة لأهل الذنوب من أمته؛ فمتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم، وأنكرها كثير من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة والزيدية، وقال هؤلاء: من يدخل النار لا يخرج منها لا بشفاعة ولا غيرها، وعند هؤلاء ما ثَمَّ إلا من يدخل الجنة فلا يدخل النار، ومن يدخل النار فلا يدخل الجنة، ولا يجتمع عندهم في الشخص الواحد ثواب وعقاب..". إلى أن قال: "واحتج هؤلاء المنكرون للشفاعة بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ ١، وبقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ ٢، وبقوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ ٣، وبقوله: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ ٤. وجواب أهل السنة: أن هذا يراد به شيئان: أحدهما: أنها لا تنفع المشركين؛ كما قال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي

стр. 332

سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ ١؛ فهؤلاء لا تنفعهم شفاعة الشافعين لأنهم كانوا كفاراً. والثاني: أنه يراد بذلك الشفاعة التي يثبتها أهل الشرك ومن شابههم من أهل البدع من أهل الكتاب والمسلمين، الذين يظنون أن للخلق عند الله من القدر أن يشفعوا عنده بغير إذنه؛ كما يشفع الناس في بعضهم عند بعض.

стр. 333

الجنة والنار وفي يوم القيامة الداران العظيمتان اللتان لا تفنيان: الجنة والنار؛ فالجنة دار المتقين، والنار دار الكافرين، قال تعالى: ﴿إِنَّ الأبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ٢. وهما مخلوقتان موجودتان الآن؛ كما قال تعالى: في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٣، وقال في النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ٤، وغير ذلك من النصوص التي تدل على وجودهما الآن، وأنهما باقيتان لا تفنيان؛ كما هو مذهب أهل السنة والجماعة. قال شارح الطحاوية: "مما ينبغي أن يعلم أن الله تعالى لا يمنع الثواب؛ إلا إذا منع سببه، وهو العمل الصالح؛ فإنه قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً﴾ ٥، وكذلك لا يعاقب أحدًا إلا بعد حصول سبب العقار؛ فإن الله تعالى: يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ٦، وهو - سبحانه - المعطي المانع، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع ... " انتهى.

стр. 334

والأعمال الصالحة سبب لدخول الجنة، والأعمال السيئة سبب لدخول النار، نسأل الله الجنة، ونعوذ به من النار، إنه سميع مجيب الدعاء.

стр. 335

الأصل السادس: الإيمان بالقضاء والقدر مدخل ... الأصل السادس: الإيمان بالقضاء والقدر لا شك أن إثبات القضاء والقدر ووجوب الإيمان بهما وبما تضمَّناه من أعظم أركان الإيمان؛ كما قال النبي ﷺ : "الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره"، وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ١. و (القدر) : مصدر قدرت الشيء: إذا أحطت بمقداره، والمراد هنا: تعلق علم الله بالكائنات، وإرادته لها أزلاً قبل وجودها؛ فلا يحدث شيء إلا وقد علمه الله وقدره وأراده، ومذهب أهل السنة والجماعة هو الإيمان بالقدر خيره وشره. والإيمان بالقدر يتضمن أربع درجات: الأولى: الإيمان بعلم الله الأزلي بكل شيء قبل وجوده، ومن ذلك علمه بأعمال العباد قبل أن يعملوها. الثانية: الإيمان بأن الله كتب ذلك في اللوح المحفوظ. الثالثة: الإيمان بمشيئة الله لكل حادث وقدرته التامة عليه. الرابعة: الإيمان بإيجاد الله لكل المخلوقات، وأنه الخالق وحده، وما سواه مخلوق.

стр. 336

وموت وعزٍّ وذلٍّ ... إلى غير ذلك؛ كما في قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ ١. ولا بد للمسلم من الإيمان بالقدر العام وتفاصيله، فمن جحد شيئا منها؛ لم يكن مؤمنا بالقدر، ومن لم يؤمن بالقدر؛ فقد جحد ركنا من أركان الإيمان؛ كما عليه الفرقة القدرية الضالة التي تنكر القدر، وهم في هذا الإنكار على قسمين: القسم الأول: القدرية الغلاة، ينكرون علم الله بالأشياء قبل كونها، وينكرون كتابته لها في اللوح المحفوظ، ويقولون: إن الله أمر ونهى، وهو لا يعلم من يطيعه ممن يعصيه؛ فالأمر آنف - أي: مستأنف - لم يسبق في علم الله وتقديره، وهذه الفرقة قد انقرضت أو كادت. القسم الثاني: تقر بالعلم، ولكنها تنفي دخول أفعال العباد في القدر، وتزعم أنها مخلوقة لهم استقلالاً، لم يخلقها الله ولم يردها، وهذا مذهب المعتزلة. وقابلتهم طائفة غلت في إثبات القدر حتى سلبوا العبد قدرته واختياره، وقالوا: إن العبد مجبر على فعله، ولذلك سموا بالجبرية. وكلا المذهبين باطل؛ لأدلة كثيرة؛ منها قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢؛ لأن قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ :يرد على الجبرية؛ لأن الله أثبت للعباد مشيئة، وهم يقولون: إنهم مجبورون لا مشيئة لهم. وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ فيه الرد على القدرية القائل بأن مشيئة العبد مستقلة بإيجاد الفعل من غير توقف على مشيئة الله، وهذا قول باطل؛ لأن الله علق مشيئة العبد على مشيئته - سبحانه، ربطها بها، وهذا هو

стр. 337

مذهب أهل السنة والجماعة في هذه القضية، فلم يفرِّطوا تفريط القدرية النفاة، ولم يُفْرِطوا إفراط الغلاة. فمذهب سلف الأمة وأئمتها أن جميع أنواع الطاعات والمعاصي والكفر والفساد واقع بقضاء الله وقدره، لا خالق سواه؛ فأفعال العباد مخلوقة لله؛ خيرها وشرها، حسنها وقبيحها، والعبد غير مجبور على أفعاله، بل هو قادر عليها، وقاصد لها، وفاعل لها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الأعمال والأقوال والطاعات والمعاصي هي من العبد؛ بمعنى أنها قائمة بالعبد وحاصلة بمشيئته وقدريه وهو المتصف بها والمتحرك بها الذي يعود حكمها عليه، وهي من الله بمعنى أنه خلقها قائمة بالعبد، وجعلها عملاً له وكسبا؛ كما يخلق المسببات بأسبابها؛ فهي من الله مخلوقة له، ومن العبد صفة قائمة به، واقعة بقدرته وكسبه؛ كما إذا قلنا: هذه الثمرة من الشجرة، وهذا الزرع من الأرض؛ بمعنى أنه حدث منها، ومن الله؛ بمعنى أنه خلقه منها، لم يكن بينهما تناقض ... " انتهى وقال السفاريني: "والحاصل أن مذهب أهل السلف ومحققي أهل السنة أن الله تعالى: خلق قدرة العبد وإرادته وفعله، وأن العبد فاعل لفعله حقيقة، ومحدث لفعله، والله سبحانه جعله فاعلاً له محدثاً له؛ قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ١؛ فأثبت مشيئة العبد، وأخبر أنها لا تكون إلا بمشيئة الله، وهذا صريح قول أهل السنة في إثبات مشيئة العبد، وأنها لا تكون إلا بمشيئة الله ... " انتهى. وأقول: إن مما يؤيد هذا أن الله أعطى الإنسان عقلاً وقدرة واختيارًا، ولا يحتسب فعله له أو عليه إلا إذا توفرت فيه هذه القوى؛ فالمجنون والمعتوه أو المكره لا اعتبار لما يصدر منهم من الأقوال والأفعال، ولا يؤاخذون عليها؛ مما

стр. 338

يدل على أنه ليس بمجبر ولا مستقل بنفسه، والله المستعان.

стр. 339

ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر إن من أعظم ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر صحة إيمان الشخص بتكامل أركانه؛ لأن الإيمان بذلك من أركان الإيمان الستة التي لا يتحقق إلا بها؛ كما دل على ذلك الكتاب والسنة. ومن ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر: طمأنينة القلب وارتياحه، وعدم القلق في هذه الحياة عندما يتعرض الإنسان لمشاق هذه الحياة؛ لأن العبد علم أن ما يصيبه فهو مقدر لا بد منه ولا رادَّ له، واستشعر قول الرسول ﷺ : "واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك"؛ فإنه عند ذلك تسكن نفسه ويطمئن باله؛ بخلاف من لا يؤمن بالقضاء والقدر؛ فإنه تأخذه الهموم والأحزان، ويزعجه القلق، حتى يتبرم بالحياة، ويحاول الخلاص منها، ولو بالانتحال؛ كما هو مشاهد من كثرة الذين ينتحرون فرارًا من واقعهم وتشاؤما من مستقبلهم؛ لأنهم لا يؤمنون بالقضاء والقدر؛ فكان تصرفهم ذلك نتيجة حتمية لسوء اعتقادهم. وقد قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ ١؛ فأخبر سبحانه أنه قدر ما يجري من المصائب وفي الأنفس؛ فهو مقدر ومكتوب، لا بد من وقوعه، مهما حاولنا دفعه، ثم بيَّن أن الحكمة من إخباره لنا بذلك لأجل أن نطمئن؛ فلا نجزع ونأسف عند المصائب، ولا نفرح عند حصول النعم فرحا ينسينا العواقب، بل الواجب علينا الصبر عند المصائب، وعدم اليأس من روح الله، والشكر عند الرخاء، وعدم الأمن من مكر الله،

стр. 340

ونكون مرتبطين بالله في الحالتين. قال عكرمة ﵀: "ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن، ولكن اجعلوا الفرح شكرًا والحزن صبراً". وليس معنى هذا أن العبد لا يتخذ الأسباب الواقية من الشر والجالبة للخير، وإنما يتكل على القضاء والقدر؛ كما يظن بعض الجهال، هذا من أكبر الغلط والجهل؛ فإن الله أمرنا باتخاذ الأسباب، ونهانا عن التكاسل والإهمال، ولكن إذا اتخذنا السبب، وحصل لنا عكس المطلوب؛ فعلينا أن لا نجزع؛ لأن هذا هو القضاء المقدر، ولو قدر غيره؛ لكان. ولهذا يقول النبي ﷺ :"احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تجزعن، وإن أصابك شيء؛ فلا تقل: لو أني فعلت كذا؛ لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان" رواه مسلم. وعلى العبد مع هذا أن يحاسب نفسه ويصحح أخطاءه؛ فإنه لا يصيبه شيء إلا بسبب ذنوبه؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ١. ومن ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر الثبات عند مواجهة الأزمات، واستقبال مشاق الحياة بقلب ثابت ويقين صادق لا تزلزله الأحداث ولا تهزه الأعاصير؛ لأنه يعلم أن هذه الحياة دار ابتلاء وامتحان وتقلب؛ كما قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ ٣. كم جرى على رسول الله ﷺ وعلى صاحبته من المحن والشدائد، لكنهم واجهوها بالإيمان الصادق والعزم الثابت، حتى اجتازوها بنجاح باهر، وما

стр. 341

ذاك إلا لإيمانهم بقضاء الله وقدره، واستشعارهم لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ١. ومن ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر تحويل المحن إلى منح والمصائب إلى أجر؛ كما قال تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم﴾ ٢؛ قال علقمة: "هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم". ومعنى الآية الكريمة: من أصابته مصيبة، فعلم أنها من قدر الله، فصبر واحتسب واستسلم لقضاء الله؛ هدى الله قلبه، وعوَّضه عما فاته من الدنيا هدى في قلبه ويقينا صادقا، وقد يخلف الله عليه ما كان أخذ منه أو خيرًا منه، وهذا في نزول المصائب التي هي من قضاء الله وقدره، لا دخل للعبد في إيجادها؛ إلا من ناحية أنه تسبب في نزولها به حيث قصر في حق الله عليه بفعل أمره وترك نهيه؛ فعليه أن يؤمن بقضاء الله وقدره، ويصحح خطأه الذي أصيب بسببه. وبعض الناس يخطئون خطأً فاحشا عندما يحتجون بالقضاء والقدر على فعلهم للمعاصي وتركهم للواجبات! ويقولون: هذا مقدر علينا! ولا يتوبون من ذنوبهم؛ كما قال المشركون: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْء﴾ ٣، وهذا فهم سيء للقضاء والقدر؛ لأنه لا يحتج بهما على فعل المعاصي والمصائب، وإنما يحتج بهما على نزول المصائب؛ فالاحتجاج بهما على فعل المعاصي قبيح؛ لأنه ترك للتوبة، وترك للعمل الصالح المأمور بهما، والاحتجاج بهما على المصائب حسن؛ لأنه يحمل على الصبر والاحتساب. ومن ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر: أنه يدفع الإنسان إلى العمل والإنتاج والقوة والشهامة؛ فالمجاهد في سبيل الله يمضي في جهاده ولا يهاب الموت؛

стр. 342

لأنه يعلم أن الموت لا بد منه، وأنه إذا جاء لا يؤخر؛ لا يمنع منه حصون ولا جنود، ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَة﴾ ١ ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ ٢، وهكذا حينما يستشعر المجاهد هذه الدفعات القوية من الإيمان بالقدر؛ يمضي في جهاده حتى يتحقق النصر على الأعداء وتتوفر القوة للإسلام والمسلمين. وكذلك بالإيمان بالقدر يتوفر الإنتاج والثراء؛ لأن المؤمن إذا علم أن الناس لا يضرونه إلا بشيء قد كتبه الله عليه، ولا ينفعونه إلا بشيء قد كتبه الله له؛ فإنه لن يتواكل، ولا يهاب المخلوقين، ولا يعتمد عليهم، وإنما يتوكل على الله، ويمضي في طريق الكسب، وإذا أصيب بنكسة، ولم يتوفر له المطلوب؛ فإن ذلك لا يثنيه عن مواصلة الجهود، ولا يقطع منه باب الأمل، ولا يقول: لو أنني فعلت كذا؛ كان كذا وكذا. ولكنه يقول: قدر الله وما شاء فعل. ويمضي في طريقه متوكلاً على الله، مع تصحيح خطئه، ومحاسبته لنفسه، وبهذا يقوم كيان المجتمع وتنتظم مصالحه. وصدق الله حيث يقول: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ ٣. والحمد لله رب العالمين

стр. 343

الخاتمة فصل في الولاء والبراء مدخل ... فصل في الولاء والبراء هذا وبعد انتهائنا من هذا البيان المختصر لأصول العقيدة الإسلامية نشير إلى أنه يجب على كل مسلم يدين بهذه العقيدة أن يوالي أهلها ويعادي أعداءها؛ فيحب أهل التوحيد والإخلاص ويواليهم، ويبغض أهل الإشراك ويعاديهم. وذلك من ملة إبراهيم والذين معه، الذين أمرنا بالإقتداء بهم؛ حيث يقول : ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآءُ منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم والعداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده١. وهو من دين محمد ﵊؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٢، وهذا في تحريم موالاة أهل الكتاب خصوصا. وقال في تحريم موالاة الكفار عموما: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ ٣. بل لقد حرم الله على المؤمن موالاة الكفار، ولو كانوا من أقرب الناس إليه نسبا؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ

стр. 344

اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ ٢. وقد جهل كثير من الناس هذا الأصل العظيم، حتى لقد سمعت بعض المنتسبين إلى العلم والدعوة في إذاعة عربية يقول عن النصارى: إنهم إخواننا! ويا لها من كلمة خطيرة!. وكما أن الله سبحانه حرم موالاة الكفار أعداء العقيدة الإسلامية؛ فقد أوجب - سبحانه - موالاة المؤمنين ومحبتهم؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ٥. فالمؤمنون أخوة في الدين والعقيدة، وإن تباعدت أنسابهم وأوطانهم وأزمانهم؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٦؛ فالمؤمنون من أول الخليقة إلى آخرها مهما تباعدت أوطانهم وامتدت أزمانهم أخوة متحابون؛ يقتدي آخرهم بأولهم، ويدعوا بعضهم لبعض، ويستغفر بعضهم لبعض. وللولاء والبراء مظاهر تدل عليهما:

стр. 345

مظاهر موالاة الكفار فمن مظاهر موالاة الكفار:

стр. 346

١- التشبه بهم في الملبس والكلام وغيرهما؛ لأن التشبه بهم في الملبس والكلام وغيرهما يدل على محبة المتشبِّه للمتشبَّه به، ولهذا قال النبي ﷺ : "من تشبَّه بقوم؛ فهو منهم"، فيحرم التشبه بالكفار فيما هو من خصائصهم ومن عاداتهم وعباداتهم وسمتهم وأخلاقهم؛ كحلق اللحى، وإطالة الشوارب، والرطانة بلغتهم إلا عند الحاجة، وفي هيئة اللباس والأكل والشرب وغير ذلك. ٢- الإقامة في بلادهم، وعدم الانتقال منها إلى بلاد المسلمين لأجل الفرار بالدين؛ لأن الهجرة بهذا المعنى ولهذا الغرض واجبة على المسلم؛ لأن إقامته في بلاد الكفر إذا كان يقدر على الهجرة. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً إِلاّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ ١؛ فلم يعذر الله في الإقامة في بلاد الكفار إلا المستضعفين الذين لا يستطيعون الهجرة، وكذلك من كان في إقامته مصلحة دينية؛ كالدعوة إلى الله ونشر الإسلام في بلادهم. ٣- ومن مظاهر موالاة الكفار السفر إلى بلادهم لغرض النزهة ومتعة النفس. والسفر إلى بلاد الكفار محرم إلا عند الضرورة؛ كالعلاج، والتجارة، والتعلم للتخصصات النافعة التي لا يمكن الحصول عليها إلا بالسفر إليهم؛ فيجوز بقدر الحاجة، وإذا انتهت الحاجة؛ وجب الرجوع إلى بلاد المسلمين، ويشترط كذلك لجواز هذا السفر أن يكون مُظْهِرًا لدينه، معتزًا بإسلامه، مبتعدًا

стр. 347

عن مواطن الشر، حذرًا من دسائس الأعداء ومكائدهم، وكذلك يجوز السفر أو يجب إلى بلادهم إذا كان لأجل الدعوة إلى الله ونشر الإسلام. ٤- ومن مظاهر موالاة الكفار إعانتهم ومناصرتهم على المسلمين، ومدحهم، والذب عنهم، وهذا من نواقض الإسلام وأسباب الردة، نعوذ بالله من ذلك. ٥ - ومن مظاهر موالاة الكفار: الاستعانة بهم١، والثقة بهم، وتوليتهم المناصب التي فيها أسرار المسلمين، واتخاذهم بطانة ومستشارين. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ ٢. فهذه الآيات الكريمة تشرح دخائل الكفار، وما يكنونه نحو المسلمين من بغض، وما يدبرونه ضدهم من مكر وخيانة، وما يحبونه من مضرة المسلمين وإيصال الأذى إليهم بكل وسيلة، وأنهم يستغلون ثقة المسلمين بهم؛ فيخططون للإضرار بهم والنيل منهم. روى الإمام أحمد عن أبي موسى الأشعري ﵁؛ قال: "قلت لعمر ﵁: لي كاتب نصراني. قال: ما لك قاتلك الله، أما سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ بعضٍ﴾ ٣؟ ألا اتخذت حنيفا؟. قال: قلت: يا أمير المؤمنين!

стр. 348

لي كتابته وله دينه! قال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم وقد أقصاهم الله". وروى الإمام أحمد ومسلم؛ " أن النبي ﷺ خرج إلى بدر؛ فتبعه رجل من المشركين، فلحقه عند الحرة، فقال: إني أردت أن أتبعك وأصيب معك. قال: تؤمن بالله ورسوله؟. قال: لا. قال: فارجع؛ فلن استعين بمشرك" ١. ومن هذه النصوص يتبيَّن لنا تحريم تولية الكفار أعمال المسلمين التي يتمكَّنون بواسطتها من الاطلاع على أحوال المسلمين وأسرارهم ويكيدون لهم. بإلحاق الضرر بهم. ومن هذا ما وقع في هذا الزمان من استقدام الكفار إلى بلاد المسلمين "بلاد الحرمين الشريفين"، وجعلهم عمالاً وسائقين ومستخدمين ومربين في البيوت، وخلطهم مع العوائل، أو خلطهم مع المسلمين في بلادهم. ٦- ومن مظاهر موالاة الكفار التأريخ بتأريخهم، خصوصا التاريخ الذي يعبر عن طقوسهم وأعيادهم؛ كالتاريخ الميلادي، والذي هو عبارة عن ذكرى مولد المسيح ﵇، والذي ابتدعوه من أنفسهم، وليس هو من دين المسيح ﵇؛ فاستعمال هذا التاريخ فيه مشاركة في إحياء شعارهم وعيدهم، ولتجنب هذا لما أراد الصحابة ﵃ وضع تاريخ للمسلمين في عهد عمر ﵁؛ عدلوا من تواريخ الكفار، وأرخوا بهجرة الرسول ﷺ ، مما يدل على وجوب مخالفة الكفار في هذا وفي غيره مما هو من خصائصهم، والله المستعان. ٧- ومن مظاهر موالاة الكفار مشاركتهم في أعيادهم أو مساعدتهم في ١ هذا محمول على غير حالة الضرورة، وقيل: إنه منسوخ - والله أعلم -؛ لما ثبت من استعانته ﷺ ببعض الكفار بعد لك.

стр. 349

إقامتها أو تهنئتهم بمناسبتها أو حضور إقامتها، وقد فسر قوله : ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ ؛ أي: من صفات عباد الرحمن أنهم لا يحضرون أعياد الكفار. ٨- ومن مظاهر موالاة الكفار: مدحهم، والإشادة بما هم عليه من المدنية والحضارة، والإعجاب بأخلاقهم ومهاراتهم؛ دون نظر إلى عقائدهم الباطلة ودينهم الفاسد. قال تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ١. وليس معنى ذلك أن المسلمين لا يتخذون أسباب القوة من تعلم الصناعات ومقومات الاقتصاد المباح والأساليب العسكرية، بل ذلك مطلوب؛ قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ٢. وهذه المنافع والأسرار الكونية هي في االأصل للمسلمين؛ قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعاً﴾ ٥. فالواجب أن يكون المسلمون سباقين إلى استغلال هذه المنافع وهذه الطاقات، ولا يستجدون الكفار في الحصول عليها، يجب أن تكون لهم مصانع وتقنيات. ٩- ومن مظاهر موالاة الكفار التسمي بأسمائهم؛ بحيث يسمون أبناءهم وبناتهم بأسماء أجنبية، ويتركون أسماء آبائهم وأمهاتهم وأجدادهم وجداتهم والأسماء المعروفة في مجتمعهم، وقد قال النبي ﷺ : "خير الأسماء عبد الله

стр. 350

وعبد الرحمن"، وبسبب تغيير الأسماء؛ فقد وجد جيل يحمل أسماء غربية، مما يسبب الانفصال بين هذا الجيل والأجيال السابقة، ويقطع التعارف بين الأسر التي كانت تعرف بأسمائها الخاصة. ١٠- ومن موالاة الكفار الاستغفار لهم والترحم عليهم، وقد حرم الله ذلك بقوله ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ ١؛ لأن هذا يتضمن حبهم وتصحيح ما هم عليه.

стр. 351

مظاهر موالاة المؤمنين مظاهر موالاة المؤمنين قد بينها الكتاب والسنة، ومنها: ١- الهجرة إلى بلاد المسلمين، وهجر بلاد الكافرين، والهجرة هي الانتقال من بلاد الكفار إلى بلاد المسلمين لأجل الفرار بالدين. والهجرة بهذا المعنى ولأجل هذا الغرض واجبة وباقية إلى طلوع الشمس من مغربها عند قيام الساعة. وقد تبرأ النبي ﷺ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين؛ فتحرم على المسلم الإقامة في بلاد الكفار؛ إلا إذا كان لا يستطيع الهجرة منها، أو كان في إقامته مصلحة دينية؛ كالدعوة إلى الله ونشر الإسلام. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً إِلاّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ ٢.

стр. 352

٢- مناصرة المسلمين ومعاونتهم بالنفس والمال واللسان فيما يحتاجون إليه في دينهم ودنياهم: قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ ٢. ٣- التألم لألمهم والسرور بسرورهم؛ قال النبي ﷺ : "مثل المسلمين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو؛ تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر"، وقال - أيضا ﵊: "المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا" وشبك بن أصابعه ﷺ . ٤- النصح لهم ومحبة الخير لهم وعدم غشهم وخديعتهم؛ قال ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، وقال: "المسلم أخو المسلم؛ لا يحقره، ولا يخذله، ولا يسلمه، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه، وماله، وعرضه"، وقال ﵊: "لا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا تناجشوا، ولا يبيع بعضكم على بيع بعضن وكونوا عباد الله إخوانا". ٥- احترامهم وتوقيرهم وعدم تنقصهم وعيبهم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ ٣. ٦- أن يكون معهم في حال العسر والشدة والرخاء؛ بخلاف أهل

стр. 353

النفاق، الذين يكونون مع المؤمنين في حالة اليسر والرخاء، ويتخلون عنهم في حال الشدة؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١. ٧- زيارتهم ومحبة الالتقاء بهم والاجتماع معهم، وفي الحديث القدسي: "وجبت محبتي للمتزاورين فيَّ"، وفي حديث آخر: "أن رجلاً زار أخا له في الله، فأرصد الله على مدرجته ملكا، فسأله: أين تريد؟، قال: أزور أخا لي في الله. قال هل لك عليه نعمة تربها عليه؟ قال: لا؛ غير أني أحببته في الله. قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه". ٨- احترام حقوقهم فلا يبيع على بيعهم ولا يسوم على سومهم، ولا يخطب على خطبتهم، ولا يتعرض لما سبقوا إليه من المباحات؛ قال ﷺ : "لا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبته"، وفي رواية: "ولا يسم على سومه". ٩- الرفق بضعفائهم؛ كما قال النبي ﷺ : "ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا"، وقال ﵊: "هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟! "، وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ٢. ١٠ - الدعاء لهم والاستغفار لهم؛ قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ ٣، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ﴾ ٤.

стр. 354

تنبيه وأما قوله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ١، فمعناه أن من كف أذاه من الكفار، فلم يقاتل المسلمين، ولم يخرجهم من ديارهم؛ فإن المسلمين يقابلون ذلك بمكافأته بالإحسان والعدل معه في التعامل الدنيوي، ولا يحبونه بقلوبهم؛ لأن الله قال: ﴿تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ ، ولم يقل: توالونهم وتحبونهم. ونظير هذا قوله تعالى في الوالدين: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ ٢. وقد جاءت أم أسماء إليها تطلب صلتها وهي كافرة؛ فاستأذنت أسماء رسول الله ﷺ في ذلك، فقال لها: "صلي أمك"؛ وقد قال الله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾ ٣. فالصلة والمكافأة الدنيوية شيء، والمودة شيء آخر، لأن في الصلة وحسن المعاملة ترغيبا للكافر في الإسلام؛ فهما من وسائل الدعوة؛ بخلاف المودة والموالاة، فهما يدلان على إقرار الكافر على ما هو عليه، والرضى عنه، وذلك يسبب عدم دعوته إلى الإسلام. وكذلك تحريم موالاة الكفار لا يعني تحريم التعامل معهم بالتجارة المباحة واستيراد البضائع والمصنوعات النافعة والاستفادة من خبراتهم ومخترعاتهم؛ فالنبي ﷺ استأجر ابن أريقط الليثي على الطريق وهو كافر، واستدان من بعض اليهود، وما زال المسلمون يستوردون البضائع والمصنوعات

стр. 355

من الكفار، وهذا من باب الشراء منهم بالثمن، وليس لهم علينا فيه فضل ومنة، وليس هو من أسباب محبتهم وموالاتهم؛ فإن الله أوجب محبة المؤمنين وموالاتهم وبغض الكافرين ومعاداتهم. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ ١. قال الحافظ ابن كثير: "ومعنى قوله: ﴿إِلاّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ ؛ أي: إن لم تجانبوا المشركين وتوالوا المؤمنين، وإلا؛ وقعت فتنة في الناس، وهو التباس الأمر واختلاط المؤمنين بالكافرين، فيقع بين الناس فساد منتشر عريض طويل.." انتهى. قلت: وهذا ما حصل في هذا الزمان، والله المستعان.
следующие страницы →