← Акыда

Акыда · id 7529

الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد

صالح الفوزان

Полный текст (376 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الروح مخلوقة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٤/ ٢١٦) : "ورح الآدمي مبدعة باتفاق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة، وقد حكى إجماع العلماء على أنها مخلوقة غير واحد من أئمة المسلمين". وقال تلميذه العلامة ابن القيم: "والذي يدل على خلقها وجوه) وذكر اثني عشر وجها: "منها: قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ١؛ فهذا اللفظ عام، لا تخصيص فيه بوجه ما، ولا يدخل في ذلك صفاته؛ فإنها داخلة في مسمى اسمه؛ فلله سبحانه هو الإله الموصف بصفات الكمال، وهو سبحانه بذاته وصفاته الخالق وما سواه مخلوق. ومنها: قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ ٢، وهذا الخطاب لروحه وبدنه، وليس لبدنه فقط؛ فإن البدن وحده لا يفهم ولا يخاطب ولا يعقل، وإنما الذي يفهم ويخاطب هو الروح. ومنها: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ ٣، وهذا الإخبار إما أن يتناول أرواحنا وأجسادنا؛ كما يقوله الجمهور، وإما أن يكون واقعا على الأرواح قبل خلق الأجساد؛ كما يقوله من يزعم ذلك، وعلى التقديرين؛ فهو صريح في خلق الأرواح. ومنها: النصوص الدالة على أن الإنسان عبد بجملته، وليست عبوديته واقعة على بدنه دون روحه، بل عبودية الروح وعبودية البدن تبع؛ كما أنه تبع لها في الأحكام، وهي التي تحركه وتستعمله، وهو تبع لها في العبودية. ومنها: قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً

стр. 282

مَذْكُوراً﴾ ١، فلو كانت روحه قديمه؛ لكان الإنسان لم يزل شيئا مذكورًا؛ فإنه إنما هو إنسان بروحه لا بدنه. ومنها: حديث أبي هريرة ﵁ الذي في "صحيح البخاري" وغيره عن النبي ﷺ : "الأرواح جنود مجدة؛ فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف"، والجنود المجندة لا تكون إلا مخلوقة. ومنها أن الروح توصف بالوفاة والقبض والإمساك والإرسال، وهذا شأن المخلوق المحدث المربوب".

стр. 283

كيفية قبض روح المتوفى ومآلها بعد وفاته: قد جاء بيان كيفية التوفي ومآل الروح بعده في حديث البراء بن عازب الطويل، وهذا نصه: عن البراء بن عازب ﵁؛ قال: "كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا النبي ﷺ ، فقعد وقعدنا حوله كأن على رؤوسنا الطير، وهو يلحد له، فقال: أعوذ بالله من عذاب القبر -ثلاث مرات-". ثم قال: "إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا؛ نزلت إليه الملائكة، كأن على وجوههم الشمس، ومعهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة، فجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: يا أيتهَّا النفس الطيبة! اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان". قال: "فتخرج تسيل كما القطرة من في السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها؛ لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفخة مسك وجدت على الأرض".

стр. 284

قال: "فيصعدون بها؛ فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة؛ إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأطيب أسمائه التي كانوا يسمونه بها الدنيا. حتى ينتهوا بها إلى السماء، فيستفتحون له، فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله، فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض؛ فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى". قال: "فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله. فيقولان له: ما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت. فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي؛ فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة". قال: "فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره". قال: "ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول له: من أنت؟ فوجهك الذي يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح. فيقول: يارب! أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي". قال: "وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة؛ نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجه، معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة؛ اخرجي إلى سخط من الله وغضب". قال: "فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها، لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها

стр. 285

في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح خبيثة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها؛ فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة؛ إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون فلان؛ بأقبح أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهى بها إلى السماء الدنيا، فيستفتح له؛ فلا يفتح له "ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ ١، فيقول الله : اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحا ثم قرأ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ ٢، فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسان، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه؛ لا أدري. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه؛ لا أدري. فينادي مناد من السماء: أن كذب عبدي؛ فأفرشوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار. فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول: من أنت؛ فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث. فيقول: رب لا تقم الساعة". رواه الإمام أحمد وأبو داود والحاكم وأبو عوانة في "صحيحيهما"، وابن حبان. قال شارح الطحاوية: "وذهب إلى موجب هذا الحديث جميع أهل السنة والحديث، وله شواهد في الصحيح". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "أما الحديث المذكور في قبض روح المؤمن وأنه يصعد بها إلى السماء التي فيها الله؛ فهذا حديث معروف جيد الإسناد، وقوله: (فيها الله) ؛ بمنزلة قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ

стр. 286

حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ انتهى. قال العلامة ابن القيم: "الأرواح متفاوتة في مستقرها في البرزخ أعظم تفاوت: فمنها: أرواح في أعلى عليين في الملإِ الأعلى، وهي أرواح الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وهم متفاوتون في منازلهم؛ كما رآهم النبي ﷺ ليلة الإسراء. ومنها: أرواح في حواصل طير خضر، تسرح في الجنة حيث شاءت، وهي أرواح الشهداء لا جميعهم، بل من الشهداء من تحبس روحه عن دخول الجنة لدين عليه أو غيره، ومنهم من يكون محبوسا على باب الجنة، ومنهم من يكون محبوسا في قبره؛ كحديث صاحب الشملة التي غلها ثم استشهد، فقال الناس: هنيئا له الجنة. فقال النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده! إن الشملة التي غلها لتشغل عليه ناراً في قبره". ومنهم: من يكون مقره باب الجنة؛ كما في حديث ابن عباس: "الشهداء على بارق نهر باب الجنة، في قبة خضراء، يخرج عليهم من الجنة بكرة وعشية". ومنها: ما يكون محبوسا في الأرض لم يعل إلى الملأ الأعلى؛ فإنها كانت روحا سفلية أرضية؛ فإن الأنفس الأرضية لا تجامع الأنفس السماوية كما لا تجامعها في الدنيا، والنفس التي لم تكتسب في الدنيا معرفة ربها ومحبتة وذكره والأنس به والتقرب إليه، بل هي ارضية سفلية، لا تكون بعد المفارقة لبدنها إلا هناك، كما أن النفس العلوية، التي كانت في الدنيا عاكفة على محبة الله وذكره والتقرب إليه والأنس به، تكون بعد المفارقة مع الأرواح العلوية المناسبة لها؛ فالمرء مع من أحب في البرزخ ويوم القيامة، والله تعالى يزوج النفوس بعضها

стр. 287

ببعض في البرزخ ويوم المعاد كما تقدم في الحديث، ويجعل المؤمن مع النسم الطيب؛ أي: الأرواح الطيبة المشاكلة؛ فالروح بعد المفارقة تلحق بأشكالها وأخواتها وأصحاب عملها فتكون معهم هناك. ومنها: أرواح تكون في تنور الزناة والزواني، وأرواح في نهر الدم تسبخ فيه وتلقم الحجارة. فليس للأرواح سعيدها وشقيها مستقر واحد، بل روح في أعلى عليين، وروح أرضية سفلية لا تصعد عن الأرض". قال: "وأنت إذا تأملت السنن والآثار، وكان لك بها فضل تعارضا؛ فإنها كلها حق يصدق بعضها بعض، لكن الشأن في فهمها، ومعرفة النفس وأحكامها، وأن لها شأنا غير شأن البدن ... ". إلى أن قال: "وأنها تنقسم إلى مرسلة ومحبوسة، وعلوية وسفلية، ولها بعد المفارقة صحة ومرض، ولذة ونعيم وألم أعظم مما كان لها حال اتصالها بالبدن بكثير؛ فهنالك الحبس والألم والعذاب والمرض والحسرة، وهناك اللذة والراحة والنعيم والإطلاق".

стр. 288

هل الروح والنفس شيء واحد أو شيئان متغايران ؟ اختلف الناس في ذلك؛ فمن قائل: إنهما شيء واحد، وهم الجمهور، ومن قائل: إنهما متغايران، والتحقيق أن لفظ الروح والنفس يعبر بهما عن عدة معان؛ فيتحد مدلولها تارة، ويختلف أخرى. فالنفس تطلق على أمور: منها: الروح؛ يقال: خرجت نفسه؛ أي: روحه، ومنه قوله تعالى:

стр. 289

﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ ١ ومنها: الذات؛ يقال رأيت زيدًا نفسه وعينه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ ٢. ومنها: الدم؛ يقال: سالت نفسه، ومنه قول الفقهاء: "ما له نفس سائلة"، و"ما ليس له نفس سائلة"، ومنه يقال: نفست المرأة: إذا حاضت، ونفست: إذا نفسها ولدها، ومنه قيل: النفساء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ويقال النفوس ثلاثة أنواع، وهي: النفس الأمارة بالسوء، التي يغلب عليها اتباع هواها بفعل الذنوب والمعاصي. والنفس اللوامة وهي التي تذنب وتتوب؛ ففيها خير وشر، ولكن إذا فعلت الشر؛ تابت وأنابت، فتسمى لوامة؛ لأنها تلوم صاحبها على الذنوب، ولا تتلوم؛ أي: تتردد بين الخير والشر. والنفس المطمئنة، وهي التي تحب الخير والحسنات، وتبغض الشر والسيئات، وقد صار ذلك لها خلقا وعادة. فهذه صفات وأحوال لذات واحدة لأن النفس التي لكل إنسان هي نفس واحدة". والروح - أيضا - تطلق على معان؛ منها: القرآن الذي أوحاه الله تعالى إلى رسوله؛ قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾ ٣ وعلى جبريل؛ قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ٤.

стр. 290

وعلى الوحي الذي يوحيه إلى أنبيائه ورسله؛ قال تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ ؛ سمي روحا لما يحصل به من الحياة النافعة؛ فإن الحياة بدونه لا تنفع صاحبها ألبتة، وسميت الروح روحا؛ لأن بها حياة البدن. وتطلق الروح - أيضا - على الهواء الخارج من البدن والهواء الداخل فيه. وتطلق الروح على ما سبق بيانه، وهو ما يحصل بفراقه الموت، وهي بهذا الاعتبار ترادف النفس، ويتحد مدلولهما، ويفترقان في أن النفس تطلق على البدن وعلى الدم، والروح لا تطلق عليهما، والله أعلم.

стр. 291

ثالثا: فتنة القبر وعذابه ونعيمه مدخل ... ثالثاً: فتنة القبر وعذابه ونعيمه الإيمان باليوم الآخر يعني الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، ومن ذلك الإيمان بفتنة القبر وبعذاب ونعيمه، وذلك أن بين الموت الذي تنتهي به الحياة الأولى وبين البعث الذي تبتدىء به الحياة الثانية، وبعبارة أخرى: بين القيامة الصغرى والكبرى. فتارة جاءت تسميتها في القرآن الكريم برزخا؛ كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ، و"البرزخ" لغة: الحاجز بين الشيئين. وفي هذا البرزخ نموذج من الجزاء الأخروي؛ فهو أول منزل من منازل الآخرة؛ ففيه سؤال الملكين ثم العذاب أو النعيم.

стр. 292

سؤال الملكين ويسمى بفتنة القبر، وهي الامتحان والاختبار للميت حين يسأله الملكان. وقد توارت الأحاديث عن النبي ﷺ في هذه الفتنة من حديث البراء بن عازب وأنس بن مالك وأبي هريرة وغيرهم ﵃. وهي عامة للمكلفين إلا النبيين؛ فقد اختلف فيهم، وكذلك اختلف في غير المكلفين كالصبيان والمجانين؛ فقيل: لا يفتنون؛ لأن المحنة إنما تكون للمكلفين، وقيل: يفتنون. وحجة من قال: إنهم يسألون: أنه يشرع الصلاة عليهم والدعاء لهم وسؤال الله أن يقيهم عذاب القبر وفتنة القبر؛ كما ذكر مالك في "موطئة" عن أبي هريرة ﵁؛ أنه ﷺ صلى على جنازة صبي، فسمع من دعائه: "اللهم قه عذاب القبر". واحتجو بما رواه على بن معبد عن عائشة ﵂ أنه مُر عليها بجنازة صبي صغير، فبكت، فقيل لها: ما يبكيك يا أم المؤمنين؟ فقالت: "هذا الصبي، بكيت له شفقة عليه من ضمة القبر". قالوا: والله سبحانه يكمل لهم عقولهم؛ ليعرفوا بذلك منزلتهم، ويلهمون الجواب عما يسألون عنه. قالوا: وقد دل على ذلك الأحاديث الكثيرة التي فيها أنهم يمتحنون في الآخرة، وحكاه الأشعري عن أهل السنة والحديث، فإذا امتحنوا في الآخرة؛ لم يمنتع امتحانهم في القبور. واحتج من قال: إنهم لا يسألون؛ بأن السؤال إنما يكون لمن عقل الرسول والمرسل، فيسأل: هل آمن بالرسول وأطاعه أم لا؟ فأما الطفل الذي لا تمييز له بوجه ما؛ فكيف يقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ ولو رد

стр. 293

إليه عقله في القبر؛ فإنه لا يسأل عما لم يتمكن من معرفته والعلم به، ولا فائدة في هذا السؤال، وهذا بخلاف امتحانهم في الآخرة؛ فإن الله سبحانه يرسل إليهم رسولاً، ويأمرهم بطاعته، وعقولهم معهم، فمن أطاعه منهم؛ نجا، ومن عصاه؛ أدخله النار؛ فذلك امتحان بأمر يأمرهم به يفعلونه ذلك الوقت، لا أنه سؤال عن أمر مضى لهم في الدنيا من طاعة أو عصيان؛ كسؤال الملكين في القبر. وأجابوا عن أدلة الأولين: أما حديث أبي هريرة؛ فليس المراد بعذاب القبر فيه عقوبة الطفل على ترك طاعة أو فعل معصية قطعا؛ فإن الله لا يعذب أحدًا فلا ذنب عمله، بل عذاب القبر قد يراد به الألم الذي يحصل للميت بسبب غيره، وغن لم يكن عقوبة على عمله، ومنه قوله ﷺ : "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه"؛ أي: يتألم بذلك ويتوجع منه، لا أنه يعاقب بذنب الحي، ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ١،وهذا كقول النبي ﷺ : "السفر قطعة من العذاب"؛ فالعذاب أعم من العقوبة، ولا ريب أن في القبر من الآلام والهموم والحسرات ما قد يسري أثره إلى الطفل فيتألم، فيشرع للمصلي عليه أن يسأل الله تعالى أن يقيه ذلك العذاب، والله أعلم. واختلفوا؛ هل السؤال في القبر عام في حق المسلمين والمنافقين والكفار، أو يختص بالمسلم والمنافق؟ فقيل: يختص ذلك بالمسلم والمنافق دون الكافر الجاحد المبطل، وقيل: السؤال في القبر عام للكافر والمسلم، وهذا هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة، واستثناء الكافر من هذا لا وجه له. واختلفوا؛ هل السؤال في القبر مختص بهذه الأمة، أو يكون لها ولغيرها؟، على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه خاص بهذه الأمة؛ لأن الأمم قبلنا كانت الرسل تأتيهم

стр. 294

بالرسالة، فإذا أبوا؛ كفت الرسل واعتزلوهم وعوجلوا بالعذاب، فلما بعث محمد ﷺ بالرحمة إماما للخلق - كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ١؛ أمسك عنهم العذاب، وأعطى السيف، حتى يدخل في دين الإسلام من دخل لمهابة السيف، ثم يرسخ الإيمان في قلبه، فأملهوا، فمن ثم ظهر أمر النفاق، وكانوا يسرون الكفر ويعلنون الإيمان، فكانوا بين المسلمين في ستر، فلما ماتوا؛ قيض الله لهم فتاني القبر ليسخرجا سرهم بالسؤال. واحتج أهل هذا القول بقوله ﷺ : "إن هذه الأمة تبتلي في قبولها"، وبقوله: "أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم"، وهذا ظاهر في الاختصاص بهذه الأمة، ويدل عليه قول الملكين: "ما كنت تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم". القول الثاني: أن السؤال في القبر لهذه الأمة ولغيرها. وأجاب أصحاب هذا القول عن أدلة القول الأول بأنها لا تدل على الاختصاص بالسؤال لهذه الأمة دون سائر الأمم، وقوله: "هذه الأمة": أما أن يراد به أمة الناس؛ أي: بني آدم؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ ٢وكل جنس من أجناس الحيوان يسمى أمة، وإن كان المراد أمته ﷺ ؛ لم يكن فيه ما ينفي سؤال غيرهم من الأمم؛ لأنه إخبار لهم بأنهم يسألون في قبورهم، وكذلك حديث: "أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم": مجرد إخبار، لا ينفي سؤال غيرهم. القول الثالث: التوقف في هذه المسألة؛ لأن الأدلة في ذلك محتملة وليست قاطعة في الاختصاص، والله أعلم.

стр. 295

صفة سؤال الملكين للميت على ما وردت به الأحاديث: جاء في حديث البراء بن عازب ﵁ قوله ﷺ : "فتعاد روحه

стр. 296

"يعني: الميت" في جسده، ويأتيه ملكان". وفي "الصحيحين" من حديث قتادة عن أنس؛ أن النبي ﷺ قال: "إن الميت إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه؛ إنه ليسمع خفق نعالهم؛ أتاه ملكان، فيقعدانه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد؟ فأما المؤمن؛ فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله". قال:: "فيقول: انظر إلى مقعدك من النار؛ قد أبدلك الله به مقعدًا في الجنة". قال رسول الله ﷺ : فيراهما جميعا. قال: فأما الكافر والمنافق؛ فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس. فيقولان له: لا دريت ولا تليت. ثم يضرب بمطراق من حديد بين أذنيهن فيصيح صيحة، فيسمعها من عليها؛ غير الثقلين". وفي حديث آخر في "صحيح أبي حاتم": "أتاه ملكان أسودان أزرقان؛ يقال: لأحدهما المنكر، وللآخر: النكير". وفي حديث آخر في "المسند" و"صحيح أبي حاتم" عن أبي هريرة ﵁؛ أن النبي ﷺ قال: "إن الميت إذا وضع في قبره؛ إنه يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه، فإن كان مؤمنا؛ كانت الصلاة عند رأسه والصيام عن يمينه والزكاة عن شماله، وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان عند رجليه؛ فيؤتى من قبل رأسه، فتقول الصلاة: ما قبلي مدخل. ثم يؤتى من يمينه، فيقول الصيام: ما قبلي مدخل. ثم يؤتى من يساره، فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل. ثم يؤتى من قبل رجليه، فيقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان: من قبلي مدخل. فيقال له: اجلس. فيجلس، وقد مثلت له الشمس وقد أخذت في الغروب، فيقال له: هذا الرجل الذي كان فيكم؛ ما تقول فيه؟ وماذا تشهد به عليه؟ فيقول: دعوني حتى

стр. 297

أصلي. فيقولون: إنك ستصلي؛ اخبرنا عما نسألك عنه ... " الحديث. فهذه الأحاديث وما جاء بمعناها تدل على مسائل: ١- أن السؤال يحصل حين يوضع الميت في قبره، وفي هذا رد على أهل البدع كأبي الهذيل والمريسي القائلين: إن السؤال يقع بين النفختين. ٢- تسمية الملكين منكر ونكير، وفي هذا رد على من زعم من المعتزلة أنه لا يجوز تسميتها بذلك، أولوا ما ورد في الحديث بأن المراد بالمنكر تلجلجه إذا سئل والنكير تقريع الملائكة له. ٣- أنها ترد روح الميت إليه في قبره حين السؤال، ويجلس، ويستنطق، وفي هذا رد على أبي محمد بن حزم حيث نفى ذلك؛ إلا إن كان يريد نفي الحياة المعهودة في الدنيا؛ فهذا صحيح؛ فإن عود الروح إلى بدن الميت ليس مثل عودها إليه في هذه الحياة الدنيا، وإن كان ذاك قد يكون أكمل من بعض الوجوه؛ كما أن النشأة الأخرى ليست مثل هذه النشأة، وإن كانت أكمل منها، بل كل موطن في هذه الدار وفي البرزخ والقيامة له حكم يخصه، ولهذا؛ أخبر النبي ﷺ أن الميت يوسع له في قبره، ويسأل ... ونحو ذلك، وإن كان التراب قد لا يتغير؛ فالأرواح تعاد إلى بدن الميت وتفارقه.

стр. 298

تعلقات الروح البدن ... تعلقات الروح بالبدن وللروح بالبدن تعلقات مختلفة، إليك بيانها: أحدهما: تعلقها به في بطن الأم جنينا. الثاني: تعلقها به بعد خروجه إلى وجه الأرض.

стр. 299

الثالث: تعلقها به في حال النوم؛ فلها به تعلق من وجه ومفارقة من وجه. الرابع: تعلقها به في البرزخ؛ فإنها وإن فارقته وتجردت عنه؛ فإنها لم تفارقه فراقا كليا؛ بحيث لا يبقى لها غليه التفات ألبتة؛ فقد دلت الأحاديث على ردها إليه عند سؤال الملكين، وعند سلام المسلم، وهذا الرد إعادة خاصة، لا توجب حياة البدن قبل يوم القيامة. الخامس: تعلقها به يوم بعث الأجساد، وهو أكمل تعلقاتها بالبدن، ولا نسبة لما قبله من أنواع التعلق إليه؛ إذ هو تعلق لا يقبل البدن معه موتا ولا نوما ولا فسادًا.

стр. 300

عذاب القبر ونعيمه ... عذاب القبر ونعميه مذهب سلف الأمة وأئمتها أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعَّمة أو معذَّبة، وأنها تتصل بالبدن أحيانا، ويحصل له معها النعيم أو العذب؛ فأهل السنة والجماعة يتفقون على أن النفس تنعم وتعذب منفردة عن البدن، وتنعم وتعذب متصلة بالبدن، والبدن متصل بها؛ فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين، كما يكون ذلك على الروح منفردة عن البدن، وهل يكون النعيم والعذاب على البدن بدون الروح؟ هذا فيه قولان مشهوران لأهل الحديث والسنة وأهل الكلام.

стр. 301

أدلة عذاب القبر ونعيمه من القرآن الكريم ... أدلة عذاب القبر ونعيمه من القرآن من الكريم: ١- قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ﴾ ، وهذا خطاب لهم عند الموت، وقد أخبرت الملائكة - وهم الصادقون - أنهم حينئذ يجزون عذاب

стр. 302

الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ ١، وهذا خطاب لهم عند الموت، وقد أخبر الملائكة - وهم الصادقون - أنهم حينئذ يجزون عذاب الهون، ولو تأخر عنهم ذلك إلى انقضاء الدنيا؛ لما صح أن يقال لهم: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾ ؛ فدل على أن المراد به عذاب القبر. ٢- قال الله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢، وهذا يحتمل عذابهم بالقتل وغيره في الدنيا، وأن يراد به عذابهم في البرزخ، وهو أظهر؛ لأن كثيرًا منهم مات ولم يعذب في الدنيا، وقد يقال - وهو أظهر: إن من مات منهم؛ عذب في البرزخ، ومن بقى منهم؛ عذب في الدنيا بالقتل وغيره؛ فهو وعيد بعذابهم في الدنيا وفي البرزخ. ٣- ومنها قوله: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ ٣. فذكر عذاب الدارين ذكرًا صريحا لا يحتمل غيره؛ فدل على ثبوت عذاب القبر. ٤- قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ ٤، فذكر ها هنا أحكام الأرواح عند الموت، وذكر في أول السورة أحكامها يوم المعاد الأكبر، وقدم ذلك على هذا تقديم الغاية للعناية؛ إذ هي أهم وأولى بالذكر، وجعلهم عند الموت ثلاثة أقسام؛ كما جعلهم في الآخرة ثلاثة أقسام.

стр. 303

أدلة عذاب القبر من السنة والنبوية ... أدلة عذاب القبر من السنة النبوية: إذا تأملت أحاديث عذاب القبر ونعيمه؛ وجدتها تفصيلاً وتفسيرًا لما دل عليه القرآن، وأحاديث عذاب القبر كثيرة متواترة عن النبي ﷺ ، ومنها: ١- ما في "الصحيحين" عن ابن عباس؛ "أن النبي ﷺ مر بقبرين، فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير: أما أحدهما؛ فكان لا يستبرىء من البول، وأما الآخر؛ فكان يمشي بالنميمة"، ثم دعا بجريدة، فشقها، فشقها نصفين، فقال:"لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا". ٢- في "صحيح مسلم" عن زيد بن ثابت؛ قال: "بينما رسول الله ﷺ في حائط لنبي النجار على بغلته ونحن معه؛ إذ حادت به، فكادت تلقيهن فإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة، فقال، فقال: من يعرف أصحاب هذه القبور؟ , فقال رجل: أنا. "فمتى مات هؤلاء؟ ". قال: في الإشراك. فقال: إن هذه الأمة تبتلي في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا؛ لدعوات الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه ... " الحديث. ٣- في "صحيح مسلم" وجميع "السنن" عن أبي هريرة؛ أن النبي ﷺ قال: "إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير؛ فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال". ٤- في "الصحيحين" عن أبي أيوب؛ قال: "خرج النبي ﷺ وقد وجبت الشمس، فسمع صوتا، فقال: يهود تعذب في قبورها". ٥- وفي"الصحيحين" عن عائشة ﵂؛ قالت: "دخلت عليَّ عجوز من عجائز يهود المدينة، فقالت: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم.

стр. 304

قالت: فكذبتها، ولم أنعم أن أصدقها. قالت: فخَرَجَتْ ودخل عليَّ رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! إن عجوزًا من عجائز يهود أهل المدينة دخلت فزعمت أن أهل القبور يعذبون في قبورهم؟ قال: "صدقت؛ إنهم يعذبون عذابا تسمعه البهائم كلها". قالت: فما رأيته بعد في صلاة إلا يتعوذ من عذاب القبر".

стр. 305

تنبيه هام وعذاب القبر وسؤال الملكين ينالان كل من مات، ولو لم يدفن؛ فهو اسم لعذاب البرزخ ونعيمه، وهو ما بين الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ١، وسمي عذاب القبر باعتبار الغالب؛ فالمصلوب والمحرق والمغرق وأكيل السباع والطيور له من عذاب البرزخ ونعيمه قسطه الذي تقتضيه أعماله، وإن تنوعت أسباب النعيم والعذاب وكيفياتهما. فقد ظن بعض الأوائل أنه إذا حرق جسده بالنار وصار رمادًا وذري بعضه في البحر وبعضه في البر في يوم شديد الريح أنه ينجو من ذلك، فأوصى بنيه أن يفعلوا به ذلك، فأمر الله البحر فجمع ما فيه، وأمر البر فجمع ما فيه، ثم قال: قم. فإذا هو قائم بين يدي الله، فسأله: ما حملك على ما فعلت؟ فقال: خشيتك يارب، وأنت أعلم. فرحمه الله. فلم يفت عذابه البرزخ ونعيمه لهذه الأجزاء التي صارت في هذه الحال. حتى لو علق الميت على رؤوس الأشجار في مهاب الرياح؛ لأصاب جسده من عذاب البرزخ حظه ونصيبه، ولو دفن الرجل الصالح في أتون من النار؛ لأصاب جسده من نعيم البرزخ وروحه نصيبه وحظه، فيجعل الله النار على هذا بردًا وسلاما، والهواء على ذلك نارًا وسموما؛ فعناصر العالم ومواده منقادة لربها وفاطرها وخالقها، يصرفها كيف يشاء، ولا يستعصي منها شيء أراده، بل هي طوع أمره، ومشيئته منقادة لقدرته؛ فغير ممتنع أن ترد الروح إلى

стр. 306

المصلوب والغريق والمحرق ونحن لا نشعر بها؛ لأن ذلك الرد نوع آخر غير المعهود؛ فهذا المغمى عليه والمسكور والمبهوت أحياء وأرواحهم معهم ولا تشعر بحياتهم، ومن تفرقت أجزاؤه لا يمتنع على من هو على كل شيء قدير أن يجعل للروح اتصالاً بتلك الأجزاء على تباعد ما بينها وقربه، ويكون في تلك الأجزاء شعور بنوع من الألم واللذة. وإذا كان الله تعالى: قد جعل في الجمادات شعورًا وإدراكا؛ تسبح ربها به، وتسقط الحجارة من خشيته، وتسجد له الجبال والشجر، وتسبحه الحصى والمياه والنبات؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ ١، فإذا كانت هذه الأجسام فيها الإحساس والشعور؛ فالأجسام التي كانت فيها الأرواح والحياة أولى بذلك، وقد أشهد الله سبحانه عباده في هذه الدار إعادة كاملة إلى بدن قد فارقته الروح فتكلم ومشى وأكل وشرب وتزوج وولد له: ﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ ٢، أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مئة عام ثم بعثه قال كم لبثت يوما أو بعض يوم٣، وكقيبل بني إسرائيل الذين قالوا لموسى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ ٤؛ فأماتهم الله ثم بعثهم من بعد موتهم، وكأصحاب الكهف، وقصة إبراهيم في الطيور الأربعة، فإذا أعاد الحياة التامة إلى هذه الأجساد بعد ما بردت بالموت؛ فكيف يمتنع على قدرته الباهرة أن يعيد موتها حياة ما غير مستقرة يقتضي بها أمره فيها ويستنطقها بها ويعذبها أو ينعمها بأعمالها، وهل إنكار ذلك إلا مجرد تكذيب وعناد وجحود؟!

стр. 307

المنكرون لعذاب القبر ونعيمه، وشبهتهم، والرد عليهم ... لمنكرون لعذاب القبر ونعيمه وشبهتهم والرد عليهم أنكرت الملاحدة والزنادقة عذاب القبر ونعيمه، وقالوا: إنا نكشف القبر؛

стр. 308

فلا نجد فيه ملائكة يضربون الموتى، ولا حيات، ولا تعابين، ولا نيران تأجج! وكيف يفسح مد بصره أو يضيق عليه نجده بحاله ونجد مساحته على حد ما حفرناه له يزد ينقص؟! وكيف يصير القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار؟!. وجوابنا عن ذلك من وجوه: أولاً: أن حال البرزخ من الغيوب التي أخبرت بها الأنبياء، ولا يكون خبرهم محالاً في العقول أصلاً؛ فلا بد من تصديق خبرهم. ثانيا: أن النار في القبر والخضرة ليست من النار الدنيا ولا من زروع الدنيا فيشاهد ذلك من شاهد نار الدنيا وخضرها، وإنما هي من نار الآخرة وخضرها، وهي أشد من نار الدنيا؛ فلا يحس بها أهل الدنيا؛ فإن الله سبحانه يحمي عليه ذلك التراب والحجارة التي عليه وتحته، حتى يكون أعظم حرًا من جمر الدنيا، ولو مسها أهل الدنيا؛ لم يحسوا بذلك يحسوا بذلك، وقدرة الرب أوسع من ذلك وأعجب. وإذا شاء الله أن يطَّلع بعض العباد على عذاب القبر؛ أطلعه، وغيَّبه عن غيره؛ إذ لو اطلَّع العباد كلهم؛ لزالت حكمه التكليف والإيمان بالغيب، ولما تدافن الناس؛ كما في "الصحيحين" في الحديث الذي مرَّ من قوله ﷺ : "لولا أن تدافنوا؛ لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع"، ولما كانت هذه الحكمة منتفية في حق البهائم؛ سمعت ذلك وأدركته؛ كما حادت برسول الله ﷺ بغلته، وكادت تلقيه، لما مر بمن يعذاب في قبر؛ فرؤية هذه النار في القبر كرؤية الملائكة والجن، تقع أحيانا لمن شاء الله أن يريه ذلك. وكيف يستنكر من يعرف الله سبحانه ويقر بقدرته أن يحدث حوادث يصرف عنها أبصار بعض خلفه حكمة منه ورجمة بهم؛ لأنهم لا يطيقون رؤيتها وسماعها، والعبد أضعف بصرًا وسمعا أن يثبت لمشاهدة عذاب القبر، وسر

стр. 309

المسألة هذه السعة والضيق والإضاءة والخضرة والنار ليس من جنس المعهود في هذا العالم. والله سبحانه إنما أشهد بني آدم في هذه الدار ما كان فيها ومنها، فأما ما كان من أمر الآخرة؛ فقد أسبل عليه الغطاء؛ ليكون الإقرار والإيمان به سببا لسعادتهم، فإذا كشف عنهم الغطاء؛ صار عيانا مشاهدًا، فلو كان الميت بين لسعادتهم، فإذا كشف عنهم الغطاء؛ صار عيانا شاهدًا، فلو كان الميت بين الناس موضوعا؛ لم يمتنع أن يأتيه الملكان ويسألاه من غير أن يشعر الحاضرون بذلك، ويجيبهما من غير أن يسمعوا كلامه، ويضربانه من غير أن يشاهد الحاضرون ضربه، وهذا الواحد منا ينام إلى جنب صاحبه المستيقظ، فيعذب في النوم ويضرب ويألم، وليس عند المستيقظ خبر من ذلك ألبتة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فأما أحاديث عذاب القبر ومسألة منكر ونكير؛ فكثيرة متواترة عن النبي ﷺ ؛ مثل ما في "الصحيحين" عن ابن عباس ﵄؛ "أن النبي ﷺ مر على قبرين، فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، بلى إنه كبير، أما أحدهما؛ فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله، ثم دعا بجريدة رطبة، فشقها نصفين، ثم غرز في كل قبر واحدة، فقالوا: يا رسول الله! لم فعلت هذا؟ قال: "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا"، وفي "صحيح مسلم"وسائر السنن عن أبي هريرة ﵁؛ أن النبي ﷺ قال: "إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير؛ فليقل: أعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال". وساق الشيخ أحاديث كثيرة في هذه الباب، إلى أن قال: "وقد تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلاً، وسؤال الملكين؛ فيجب اعتقاد ذلك والإيمان به، ولا نتكلم عن كيفيته؛ إذ ليس

стр. 310

للعقل وقوف على كيفيته؛ لكونه لا عهد له في هذه الدار، والشرع لا يأتي بما تحيله العقول، ولكنه قد يأتي بما تحار فيه العقول، فإن عود الروح إلى الجسد ليس على الوجه المعهود في الدنيا، بل تعاد الروح إليه إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا ... " إلى أن قال: "واعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ؛ فكل من مات وهو مستحق للعذاب؛ تاله نصيبه منه؛ قبر أو لم يقبر، أكلته السباع، أو احترق حتى صار رمادًا ونسف في الهواء، أو صلب، أو غرق في البحر؛ وصل إلى روحه ونحو ذلك؛ فيجب أن يفهم عن الرسول ﷺ مراده؛ من غير غلو ولا تقصير؛ فلا يحمل كلامه ما لا يحتمله، ولا يقصر به عن مراده وما قصد من الهدى والبيان؛ فكم حصل من إهمال ذلك والعدول عنه من الضلال والعدول عن الصواب ما لا يعلمه إلا الله". إلى أن قال:"فالحاصل أن الدور ثلاث: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار، وقد جعل الله لكل دار أحكاما تخصها، وركب هذا الإنسان من بدن ونفس، وجعل أحكام الدنيا على الأبدان والأرواح تبعُ لها، وجعل أحكام البرزخ على الأرواح والأبدان تبع لها، فإذا جاء يوم حشر الأجسام وقيام الناس من قبورهم؛ صار الحكم والنعيم والعذاب على الأرواح والأجساد جميعا. فإذا تأملت هذا المعنى حق التأمل؛ ظهر لك أن كون القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من النار مطابق للعقل، وأنه حق لا مرية فيه، وبذلك يتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم. ويجب أن يعلم أن النار التي في القبر والنعيم ليس من جنس نار الدنيا ولا نعيمها، وإن كان الله تعالى يحمي عليه التراب والحجارة التي فوقه والتي

стр. 311

تحته، حتى يكون أعظم حرًا من جمر الدنيا، لو مسها أهل الدنيا؛ لم يحسوا بها، بل أعجب من هذا في روضة من رياض الجنة؛ لا يصل من هذا إلى جاره شيء من حر ناره، ولا من هذا إلى جاره شيء من نعيمه، وقدرة الله أوسع من ذلك وأعجب، ولكن النفوس مولعة بالتكذيب بما لم تحط به علما. وقد أرانا الله في هذه الدار من عجائب قدرته ما هو أبلغ من هذا بكثير، وإذا شاء الله أن يطلع على ذلك بعض عباده؛ أطلعه وغيَّبه عن غيره، ولو أطلع الله على ذلك العباد كلهم؛ لزالت حكمة التكليف والإيمان بالغيب، ولما تدافن الناس؛ كما في "الصحيح" عنه ﷺ : "لولا أن لا تدافنوا؛ لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع".

стр. 312

أسباب عذاب القبر: قال العلامة السفاريني: "الأسباب التي يعذب بها أصحاب القبور على قسمين: مجمل ومفصل: أما المجمل؛ فإنهم يعذبون على جهلهم بالله وعدم إطاعتهم لأمره، وارتكابهم معاصيه؛ فلا يعذب الله روحا عرفته وأحبته وامتثلت أمره واجتنبت نهيه، ولا بدنا كانت فيه أبدًا؛ فإن عذاب وعذاب الآخرة أثر غضب الله وسخطه على عبده، فمن أغضب الله وأسخطه في هذه الدار بارتكاب مناهيه ولم يتب ومات على ذلك؛ كان له من عذاب البرزخ بقدر غضب الله وسخطه عليه؛ فمستقل، ومستكثر، ومصدق، ومكذب. وأما المفصل؛ فقد أخبر رسول الله ﷺ عن الرجلين اللذين رآهما يعذبان في قبورهما: أن أحدهما كان يمشي بالنميمة بين الناس، والآخر كان لا يستتر من البول، ثم ذكر من يعذب لكونه صلى بغير طهور، ومن مر على مظلوم فلم

стр. 313

ينصره، ومن يقرأ القرآن ثم ينام عنه بالليل ولا يعمل به في النهار، وتعذيب الزناة والزواني وأكله الربا، والذي تتثاقل رؤوسهم عن صلاة الفجر، وتعذيب الذين يمنعون الزكاة، والذين يوقدون الفتنة بين الناس، والجبارين، والمتكبرين، والمرائين، والهمازين، واللمازين. وقد أنكر الملاحدة والزنادقة عذاب القبر ونعيمه اعتمادًا على عقولهم وحواسهم لأنهم لا يشاهدون شيئا من ذلك" انتهى. ونرد عليهم بأن عذاب القبر من علم الغيب الذي يعتمد عليه على النصوص الصحيحة، وليس للعقل ولا الفكر دخل فيه، وأحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا، وعدم إدراك الإنسان للشيء لا يدل على عدم وجوده، والله أعلم.

стр. 314

رابعا: البعث والنشور مدخل ... راب عًا: البعث والنشور اعلم أن وقوع البعث من القبور قد دل عليه الكتاب والسنة والعقل والفطرة السليمة، أخبر الله عنه في كتابه العزيز، وأقام عليه الدليل، ورد على منكريه في آيات كثيرة في القرآن العظيم، وقد أخبرت عنه جميع الأنبياء أممها، وطالبت المنكرين بالإيمان به. ولما كان نبينا محمد ﷺ خاتم الأنبياء، وكان قد بعث هو والساعة كهاتين "يعني: السبابة والوسطى"؛ بيَّن تفصيل الآخرة تفصيلاً لا يوجد في شيء من كتب الأنبياء قبله. والقيامة الكبرى معروفة عند جميع الأنبياء من آدم إلى نوح إلى إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم عليهم الصلاة والسلام.

стр. 315

وقد أخبر الله من حين اهبط آدم بالقيامة؛ فقال تعالى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ ١، وقال: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ ٢. ولما قال إبليس اللعين: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ ٣. ونوح ﵇ قال لقومه: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأرْضِ نَبَاتاً ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً﴾ ٤. وقال إبراهيم ﵇: ﴿والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين﴾ ٥. وموسى ﵇؛ قال الله له: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ ٦، وقال موسى في دعائه: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ ٧. وقد أخبر الله عن الكفار إذا أدخلوا النار يقرون أن رسلهم أنذرتهم هذا اليوم؛ كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ٨؛ فجميع الرسل أنذروا بما ختم به خاتمهم عليهم جميعا صلوات الله وسلامه. وقد أخبر الله تعالى أن الموتى يقومون من قبورهم إذا نفخ في الصورالنفخة الثالثة؛ قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ ٩، وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ ١٠.

стр. 316

قال السفاريني: "وفي تفسير الثعلبي عن أبي هريرة ﵁ في تفسير سورة الزمر مرفوعا: "إن الله يرسل مطرًا على الأرض، فينزل عليها أربعين يوما، حتى يكون فوقهم اثني عشر ذراعا، فيأمر الله تعالى الأجساد أن تنبت كنبات البقل، فإذا تكاملت أجسادهم كما كانت؛ قال الله تعالى: ليحيا حملة العرش، ليحيا جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل. ثم يأمر الله تعالى إسرافيل، فيأخذ الصور، فيضعه على فيه، ثم يدعو الأرواح، فيؤتى بها تتوهج أرواح المؤمنين نوراً، والأخرى ظلمة، فيقبضها جميعا، ثم يلقيها في الصور، ثم يأمره أن ينفخ نفخة البعث، فتخرج الأرواح كلها كأنها النحل، قد ملأت ما بين السماء والأرض، ثم يقول الله تعالى: وعزتي وجلالي؛ لترجعن كل روح إلى جسدها. فتدخل الأرواح إلى الخياشيم، ثم تمشي مشي السم في اللديغ، ثم تنشق الأرض عنها سراعا؛ فأنا أول من تنشق عنه الأرض، فتخرجون منها إلى ربكم تنسلون". وأخرج الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁: "ينزل من السماء ماء، فينبتون كما تنبت البقل، وليس من الإنسان شيء إلا يبلى؛ إلا عُظَيْم واحد وهو عجز الذنب، منه يركب الخلق يوم القيامة". وفي روايات مسلم: "إن في الإنسان عظما لا تأكله الأرض أبدًا، منه يركب الخلق يوم القيامة". قالوا: أي عظم هو يا رسول الله؟ قال: عجب الذنب". قال العلماء: وعجب الذنب هو العظم الحديد الذي يكون في أسفل الصلب، وقد جاء في الحديث أنه مثل حبة الخردل، منه ينبت جسم الإنسان. وقد استبعد المشركون إعادة الناس في حياة أخرى بعد الموت، فأنكروا البعث والنشور، فأمر الله نبيه أن يقسم به على وقوعه، وأنه كائن لا محالة؛ فقال

стр. 317

تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ٣. وأخبر عن اقتراب ذلك؛ فقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ٤، ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ ٥. وذم المكذبين بالبعث؛ فقال: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ٦، ﴿أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ ٧، ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاّ كُفُوراً﴾ ٨. وقال: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ ٩؛ فرد الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً﴾ ١٠. قال شارح "الطحاوية"على هذه الآيات الكريمة: "فتأمل ما أجيبوا به عن كل سؤال على التفصيل؛ فإنهم قالوا أولاً: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيدا﴾ ١١؛ فقيل لهم في جواب هذا السؤال: إن كنتم

стр. 318

تزعمون أنه لا خالق لكم ولا رب لكم؛ فهلا كنتم خلقا لا يفنيه الموت كالحجارة والحديد وما هو أكبر في صدوركم من ذلك. فإن قلتم: كنا خلقنا على هذه الصفة التي لا تقبل البقاء؛ فما الذي يحول بين خالقكم ومنشئكم وبين إعادتكم خلقا جديداً؟ وللحجة تقدير آخر، هو: لو كنتم حجارة أو حديداً أو خلقا أكبر منهما؛ فإنه قادر على أن يفنيكم ويحيل ذواتكم وينقلها من حال إلى حال، ومن يقدر على التصرف في هذه الأجسام مع شدتها وصلابتها بالإفناء والإحالة؛ فما الذي يعجزه فيما دونها، ثم أخبر أنهم يسألون سؤالاً آخر بقولهم: من يعيدنا إذا فنيت جسومنا واستحالت؟ فأجابهم بقوله: ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ، فلما أخذتهم الحجة؛ انتقلوا إلى سؤال آخر يتعللون به تعلل المنقطع، وهو قولهم: ﴿مَتَى هُوَ﴾ ؟ فأجابهم بقوله: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً﴾ .

стр. 319

خامسا: الإيمان بما يكون يوم القيامة مدخل ... خامساً الإيمان بما يكون يوم القيامة قال الإمام السفاريني: "واعلم أن ليوم الوقوف أهوالاً عظيمة وشدائد جسيمة، تذيب الأكباد وتذهل المراضع وتشيب الأولاد، وهو حق ثابت، ورد به الكتاب والسنة، وانعقد عليه الإجماع، وهو يوم القيامة. وقد اختلف في تسمية ذلك اليوم بيوم القيامة؛ قيل: لكون الناس يقومون من قبورهم؛ قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ سِرَاعاً﴾ ١، وقيل لوجود أمور المحشر والوقوف ونحوها فيه، وقيل: لقيام الناس لرب العالمين؛ كما روى مسلم في "صحيحه" عن ابن عمر ﵄ مرفوعا ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢؛ قال: "يوم أحدهم في رشحه إلى نصف أذنيه..".

стр. 320

إلى أن قال: "وروى الإمام أحمد وأبو يعلي وابن حبان في "صحيحه"عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن رسول الله ﷺ ؛ أنه قال: "يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنة"١؛ فقيل: ما أطول هذا اليوم!، فقال النبي ﷺ : والذي نفسي بيده، إنه ليخف على المؤمن حتى يكون عليه أخف من صلاة مكتوبة". وقيل: إنما سمي يوم القيامة؛ لقيام الملائكة والروح فيه صفا؛ قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً﴾ ٢. إلى أن قال: "وأخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: "يعرق الناس يوم القيامة، حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعان ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم"، وفي بعض ألفاظ الصحيح: "سبعين عاما"؛ فأخرج مسلم عن المقداد ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا كان يوم القيامة؛ أدنيت الشمس من العباد، حتى تكون قدر ميل أو ميلين".قال: "فتصهرهم الشمس، فيكونون في العرق كقدر أعمالهم، منهم من يأخذه إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه إلى حقويه، ومنهم من يلجمه إلجاما". ويواجه الناس في هذا الموقف أموراً عظيمة؛ منها:
следующие страницы →