← Акыда

Акыда · id 7529

الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد

صالح الفوزان

Полный текст (376 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ ١، وقوله: ﴿وَلِلَّهِ الآسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ٢، وقوله عن خليله إبراهيم ﵇؛ أنه قال لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً﴾ ٣، وقوله: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ ٤، وقوله: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً﴾ ٥. ٦- ومنها تعجيزه لآلهة المشركين؛ كقوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ ٦، وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ ٧، وقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالآرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ٨، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ الله لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ ٩. ٧- ومنها: تسفيه المشركين الذين يعبدون غير الله؛ كقوله تعالى: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ١٠، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ الله مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ ١١. ٨- ومنها: بيان عاقبة المشركين الذين يعبدون غير الله، وبيان مآلهم مع من عبدوهم؛ حيث تتبرأ منهم تلك المعبودات في أحرج المواقف؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ الله

стр. 37

شَدِيدُ الْعَذَابِ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ الله أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ الله مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ٣، وقال تعالى -: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ الله يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ الله قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ ٥. ٩ - ومنها رده - سبحانه - على المشركين في اتخاذهم الوسائط بينهم وبين الله بأن الشفاعة ملك له - سبحانه، لا تطلب إلا منه، ولا يشفع أحد عنده إلا بإذنه بعد رضاه عن المشفوع له؛ قال - سبحانه -: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ الله شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ ٦، وقوله - سبحانه -: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاّ بِإِذْنِهِ﴾ ٧، وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ الله لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ٨. فبين - سبحانه في هذه الآيات أن الشفاعة ملكه وحده، لا تطلب إلا منه، ولا تحصل إلا بعد إذنه للشافع ورضاه عن المشفوع له. ١٠- ومنها: أنه بين - سبحانه - أن هؤلاء المعبودين من دونه لا يحصل منهم

стр. 38

نفع لمن عبدهم من جميع الوجوه، ومن هذا شأنه لا يصلح للعبادة؛ كما في قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ الله لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ١. ١١- ومنها: أنه - سبحانه - ضرب أمثلة كثيرة في القرآن يتضح بها بطلان الشرك، من ذلك قوله - سبحانه -: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ ٢. شَبَّه - سبحانه - التوحيد في علوه وارتفاعه وسعته وشرفه بالسماء، وشبه تارك التوحيد بالساقط من السماء إلى أسفل السافلين؛ لأنه سقط من أوج الأيمان إلى حضيض الكفر، وشبه الشياطين التي تقلقه بالطير التي تمزق أعضاءه، وشبه هواه الذي يبعده عن الحق بالريح التي ترمي به في مكان بعيد. هذا مثال واحد من أمثلة كثيرة في القرآن، ذكرها الله - سبحانه - لبيان بطلان الشرك وخسارة المشرك في الدنيا والآخرة. وما سقناه في هذا البحث من أساليب القرآن في الدعوة إلى توحيد الألوهية وإبطال الشرك قليل من كثير، وما على المسلم إلا أن يقرأ القرآن بتدبر؛ ليجد الخير الكثير، والأدلة المقنعة، والبراهين الساطعة، التي ترسخ عقيدة التوحيد في قلب المؤمن، وتقتلع منه كل شبهة ...

стр. 39

حدوث الشرك في توحيد الإلهية: مطلوب من المسلم بعدما يعرف الحق أن يعرف ما يضاده من الباطل ليجتنبه؛ كما يقال: عرفت الشر لا للش ر لكن لتوقيه

стр. 40

وكان حذيفة بن اليمان ﵁ يقول: "كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر؛ مخافة أن أقع فيه". ويقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: "يوشك أن تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية". وقبل ذلك قال الخليل ﵇: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ﴾ ١. فهذا مما يوجب شدة الخوف من الشرك ومعرفته ليجتنبه المسلم: فالشرك هو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله؛ كالدعاء، والذبح، والنذر، والاستغاثة بغير الله فيما لا عليه إلا الله. والتوحيد هو إفراد الله تعالى بالعبادة، وهو أصيل في بني آدم، والشرك طارىء عليه، قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ الله النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ ٢ قال ابن عباس ﵄: "كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الإسلام". قال ابن القيم ﵀: "هذا القول هو الصحيح في الآية، وصحح هذا القول - أيضا - ابن كثير، وأول ما حدث الشرك في الأرض في قوم نوح، حين غلوا في الصالحين، ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ ٣. قال البخاري في (صحيحه) عن ابن عباس ﵄: "هذه

стр. 41

أسماء رجال من قوم نوح، فلما هلكوا؛ أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك، ونسي العلم؛ عبدت". قال ابن القيم: "قال غير واحد من السلف: لما ماتوا؛ عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد، فعبدوهم". ومن هذا الأثر الذي رواه البخاري عن عباس في غلو قوم نوح في الصالحين وتصويرهم إياهم والاحتفاظ بصورهم ونضبها على المجالس، منه ندرك خطورة التصوير، وخطورة التصوير، وخطورة تعليق الصور على الجدران، وخطورة نصب التماثيل في الميادين والشوارع، وأن ذلك يؤول بالناس إلى الشرك؛ بحيث يتطور تعظيم تلك الصور والتماثيل المنصوبة، فيؤدي ذلك إلى عبادتها كما حدث في قوم نوح. ولهذا؛ جاء الإسلام بتحريم التصوير، ولعن المصورين، توعدهم بأشد الوعيد، وأنهم أشد الناس عذابا يوم القيامة؛ سدًا لذريعة الشرك، وابتعادًا عن مضاهاة خلق الله . وندرك من هذه القصة مدى حرص الشيطان لعنه الله على إغواء بني آدم، ومكره بهم، وأنه قد يأتيهم من ناحية استغلال العواطف ودعوى الترغيب في الخير؛ فإنه لما رأى في قوم نوح ولوعهم بالصالحين ومحبتهم لهم؛ دعاهم إلى الغلو في هذه المحبة؛ بحيث أمرهم بنصب الصور التذكارية لهم، وهدفه من ذلك التدرج بهم في إخراجهم من الحق إلى الضلال، ولم يقتصر نظره على الحاضرين، بل امتد إلى أجيالهم اللاحقة، الذين قل فيهم العلم، وفشا فيهم الجهل؛ فزين لهم عبادة هذه الصور، وأوقعهم في الشرك الأكبر، وكابروا نبيهم بقولهم ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ .

стр. 42

قال الإمام ابن القيم ﵀: "وقد تلاعب الشيطان بالمشركين في عبادة الأصنام، بكل قوم على قدر عقولهم؛ فطائفة دعاهم إلى عبادتها من جهة تعظيم الموتى الذين صُوِّروا كما في قوم نوح، وهذا السبب هو الغالب على عوام المشركين، وأما خواصهم؛ فاتخذوا الأصنام على صور الكواكب المؤثرة في العالم بزعمهم، وجعلوا لهم بيوتا وسدنة وحجابا وقربانا، ولم يزل هذا في الدنيا قديما وحديثا، وأصل هذا المذهب من مشركي الصابئة، وهم قوم إبراهيم ﵇، والذين ناظرهم في بطلان الشرك، وكسر حجتهم بعلمه، وآلهتهم بيده، فطلبوا تحريفه، وطائفة أخرى اتخذت للقمر صنما، وزعموا أنه يستحق العبادة، وإليه تدبير هذا العالم السفلي، وطائفة تعبد النار، وهم المجوس، وطائفة تعبد الماء، وطائفة تعبد الحيوانات؛ فطائفة عبدت الخيل، وطائفة عبدت البقر، وطائفة عبدت البشر الأحياء والأموات، وطائفة تعبد الجن، وطائفة تعبد الشجر، وطائفة تعبد الملائكة" انتهى كلام ابن القيم ﵀. وبه تعرف معنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ ١وقوله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إلاّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ الله بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إلاّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إلاّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً﴾ ٣ هؤلاء المشركون لما تركوا عبادة الله وحده لا شريك له، وهي التي خلقوا من أجلها، وبها سعادتهم؛ ابتلوا بعبادة الشياطين، وتفرقت بهم الأهواء والشهوات؛ كما قال الإمام ابن القيم ﵀:

стр. 43

هربوا من الرق الذي خلقوا له فبلوا برق النفس والشيطان فلا اجتماع للقلوب، ولا صلاح للعالم؛ إلا بالتوحيد؛ كما قال تعالى-: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلاّ الله لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ الله رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ١، ولذلك إذا خلت الأرض من التوحيد؛ قامت القيامة؛ كما روى مسلم عن النبي ﷺ : " لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله". ومثل تفرق المشركين الأولين في عباداتهم ومعبوداتهم تفرق القبوريين اليوم في عبادة القبور؛ فكل منهم له ضريح خاص يتقرب إليه بأنواع العبادة، وكل طريقة من الطرق الصوفية لها شيخ اتخذه مريدوه ربا من دون الله؛ يشرع لهم من الدين ما لم يأذن به الله. وهكذا تلاعب الشيطان ببني آدم، ولا نجاة من شره ومكره إلا يتوحيد الله والاعتصام بكتابه وسنة رسوله. نسأل الله أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه؛ إنه هو مولانا؛ فنعم المولى ونعم النصير.

стр. 44

خطر الشرك ووجوب الحذر منه بتجنب أسبابه: الشرك أعظم الذنوب؛ لأن الله تعالى أخبر أنه لا مغفرة لمن لم يتب منه، مع أنه سبحانه كتب على نفسه الرحمة، وذلك يوجب للعبد شدة الحذر وشدة الخوف من الشرك الذي هذا شأنه، ويحمله على معرفته لتوقيه؛ لأنه أقبح القبيح، وأظلم الظلم؛ قال تعالى-: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ٢، وذلك لأنه تنقص لله ومساواة لغيره به؛ كما قال تعالى-: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ٣، وقال تعالى-: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٤، ولأن الشرك مناقض للمقصود بالحلق والأمر من كل

стр. 45

وجه؛ فمن أشرك بالله ، فقد شبه المخلوق بالخالق، وأقبح التشبيه تشبيه العاجز الفقير بالذات بالقادر الغني بالذات عن جميع المخلوقات. وقد حذر النبي ﷺ أمته من الشرك، وسدَّ كل الطرق التي تفضي إليه؛ فقد بعث الله نبيَّه محمدًا ﷺ وحالة العرب - بل وحالة أهل الأرض كلهم إلا بقايا من أهل الكتاب - كانت على أسوأ حالة؛ كما قال تعالى-: ﴿لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ١. لقد كانت الخليقة في هذه الفترة بين حائرة تتخذ آلهتها من حجارة منحوتة وأصنام منصوبة تعكف عندها وتطوف حولها وتقرب لها الذبائح من أنفس أموالها بل وحتى من أولادها؛ كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ ٢. وفريق آخر - أهل الكتاب -: إما نصرانية حائرة ضلت عن سواء السبيل، فجعلت الآلهة ثلاثة، واتخذت من أحبارها وقديسيها أربابا من دون الله، وإما يهودية مدمرة، عاثت في الأرض فسادًا، وأشعلت نار الفتن، ونقضت عهد الله وميثاقه، وتلاعبت بنصوص كتابها حتى حرفتها عن مواضعها. وفريق ثالث هم المجوس الذين يعبدون النيران، ويتخذون إلهين: أحدهما خالق للخير، والثاني خالق للشر بزعمهم. وفريق رابع، وهم الصابئون الذين يعبدون الكواكب والنجوم، ويعتقدون تأثيرها في الأرض. وفريق خامس، هم الدهرية الذين لا يدينون بدين، ولا يؤمنون ببعث ولا حساب.

стр. 46

هكذا كانت حالة أهل الأرض عند بعثة النبي ﷺ ، جهالة جهلاء، وضلالة عمياء؛ فأنقذ الله به من قبل دعوته واستجاب له من الظلمات إلى النور، وأعاد الحنيفية السمحة ملة إبراهيم ﵊، وهدم الأوثان، ونهى عن الشرك، وسد كل الوسائل الموصلة إليه. وإليك بيان الوسائل القولية والفعلية التي نهى عنها رسول الله ﷺ لأنها تفضي إلى الشرك: ١- نهى رسول الله ﷺ عن التلفظ بالألفاظ التي فيها التسوية بين الله وبين خلقه؛ مثل: "ما شاء الله وشئت"، "لولا الله وأنت"، وأمر بأن يقال بدل ذلك: (ما شاء الله ثم شئت) ؛ لأن الواو تقتضي التسوية و"ثم" تقتضي الترتيب، وهذه التسوية في اللفظ شرك أصغر، وهو وسيلة إلى الشرك الأكبر. ٢- نهى ﷺ عن الغلو في تعظيم القبور بالبناء عليها وإسراجها وتحصيصها والكتابة عليها. ٣- نهى عن اتخاذ القبور مساجد للصلاة عندها؛ لأن ذلك وسيلة لعبادتها. ٤- نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها؛ لما في ذلك في التشبه بالذين يسجدون لها في هذه الأوقات. ٥- نهى عن السفر إلى أي مكان من الأمكنة بقصد التقرب إلى الله فيه بالعبادة؛ إلا إلى المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى. ٦- نهى ﷺ عن الغلو في مدحه؛ فقال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد؛ فقولوا: عبد الله ورسوله"، والإطراء هو المبالغة في

стр. 47

المدح. ٧- نهى ﷺ عن الوفاء بالنذر إذا كان في مكان يعبد فيه صنم أو يقان فيه عيد من أعياد الجاهلية. كل هذا حذر منه؛ صيانة للتوحيد، وحفاظا عليه، وسدًا للوسائل والذرائع التي تفضي إليه. ومع هذا البيان التام من النبي ﷺ ، والاحتياط الشديد الذي يبعد الأمة عن الشرك؛ خالف القبور سنة رسول الله ﷺ ، وعصوا أمره، وارتكبوا ما نهاهم عنه؛ فشيدوا القباب على القبور، وبنوا عليها المساجد، وزينوها بأنواع الزخارف، وصرفوا لها أنواعا من العبادة من دون الله. قال الإمام العلامة ابن القيم ﵀: "ومن جمع بين سنة الرسول ﷺ في القبور، وما أمر به ونهى عنه، وما كان عليه أصحابه، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم؛ رأى أحدهما مضادًا للآخر، ومناقضا له؛ بحيث لا يجتمعان أبدًا؛ فنهى رسول الله (عن الصلاة إلى القبور، وهؤلاء يصلون عندها وإليها، ونهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء يبنون عليها المساجد ويسمونها مشاهد؛ مضاهاة لبيوت الله، ونهى عن إيقاد السرج عليها، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل عليها، ونهى أن تتخذ عيدًا، وهؤلاء يتخذونها أعيادًا ومناسك يجتمعون لها كاجتماعهم للعيد وأكثر، وأمر بتسويتها؛ كما روى مسلم في (صحيحه) عن أبي الهياج الأسدي؛ قال: قال لي علي ﵁: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟. ألا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرًا مشرفا إلا سويته"، وهؤلاء يبالغون في مخالفة الحديث، ويرفعونها عن الأرض كالبيت، ويعقدون عليها القباب، ونهى عن تجصيص القبر والبناء عليه؛ كما روى مسلم عن جابر ﵁: "أن رسول الله ﷺ نهى عن تخصيص القبر، وأن يقعد

стр. 48

عليه، وأن يبنى عليه"، ونهى رسول الله ﷺ عن الكتابة عليها؛ كما روى أبو دواد في (سننه) عن جابر: "أن رسول الله ﷺ نهى عن تخصيص القبور وأن يكتب عليها"، قال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وهؤلاء يتخذون عليها الألواح، ويكتبون عليها القرآن وغيره، ونهى أن يزاد عليها غير ترابها؛ كما روى أبو دواد عن جابر - أيضا -: "أن رسول الله ﷺ نهى أن يجصص القبر، أو يكتب عليه، أو يزاد عليه"، وهؤلاء يزيدون عليها الآجر والجص والأحجار، وقال إبراهيم النخعي: "كانوا يكرهون الآجر على قبورهم"، والمقصود أن هؤلاء المعظمين للقبور، المتخذين لها أعيادًا، الموقدين عليها السرج، الذين يبنون عليها المساجد والقباب؛ مناقضون لما أمر به رسول الله ﷺ محادون لما جاء به، وأعظم ذلك اتخاذها مساجد، وإيقاد السرج عليها، وهو من الكبائر ... ". انتهى كلام ابن القيم ﵀ في وصف ما أحدثه عباد القبور في زمانه، وقد زاد الأمر بعده وتطور إلى أشد وأشنع، واعتبر من ينكر ذلك شاذًا متشددًا متنقصا لحق الأولياء، ومن العجب أنهم يغارون لتنقص حق الأولياء حيث اعتبروا ترك عبادتهم تنقصا لهم، ولا يغارون لتنقص حق الله بالشرك الأكبر، ولا يغارون لتنقص رسول الله ﷺ بمخالفة سنته؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ٨ - الغلو في حقه ﷺ : لقد نهى النبي ﷺ عن الغلو في تعظيمه ومدحه، وغيره من باب أولى؛ لأن ذلك يؤدي إلى إشراك المخلوقين في حق الخالق - سبحانه تعالى -. ولهذا نهى النبي ﷺ عن الغلو في مدحه؛ كما قال ﷺ : "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، وإنما أنا عبد؛ فقولوا: عبد الله ورسوله"، رواه البخاري ومسلم، والإطراء هو مجاوزة الحد في مدحه؛ أي: لا تمدحوني فتغلوا

стр. 49

في مدحي كما غلت النصارى في عيسى ابن مريم ﵇، حتى ادعوا فيه الألوهية، " إتما أنا عبد؛ فقولوا: عبد الله ورسوله"؛ أي: صفوني بذلك، ولا تزيدوا عليه؛ فقولوا: عبد الله ورسوله؛ كما وصفني ربي بذلك؛ كما في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ ١، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ الله يَدْعُوهُ﴾ ٣، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ ، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ . فأبى المشركون إلا مخالفة أمره، وارتكاب نهيه؛ فعظموه بما نهاهم عنه وحذرهم منه، وناقضوه أعظم مناقضة، وشابهوا النصارى في غلوهم وشركهم، وجرى منهم من الغلو في حقه ﷺ بما هو صريح الشرك في نثرهم وشعرهم؛ كقوله البوصيري في (البردة) يخاطب النبي ﷺ : يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم وما بعده من الأبيات التي مضمونها توجيه الدعاء والعياذ واللياذ إلى رسول ﷺ ، وطلب تفريج الكربات منه في أضيق الحالات وأشد الصعوبات، ونسي الله ، وذلك أن الشيطان زين لهذا الناظم ولأمثاله سوء عملهم، فأظهر لهم هذا الغلو في مدحه - وإن كان شركا أكبر - في قالب حبه وتعظيمه ﷺ ، وأظهر لهم التزام السنة في عدم الغلو به "في قالب بغضه وتنقصه، وفي الحقيقة أن ارتكاب ما نهى عنه ﷺ من الإفراط في مدحه وترك متابعته في أقواله وأفعاله وعدم الرضى بحكمه هو التنقص الحقيقي له ﷺ ، فلا يحصل تعظيمه ولا تتحقق محبته إلا باتباعه ونصرة دينه وسنته. وقد جاء في حديث عبد الله بن الشخير ﵁، قال: "انطلقت مع وفد بني عامر إلى الرسول ﷺ ، فقلنا: أنت سيدنا وابن سيدنا. فقال: " السيد

стр. 50

الله تبارك تعالى. فقلنا: وأفضلنا فضلاً وأعظمنا طولاً. فقال: قولوا بقولكم أو: بعض قولكم) ، ولا يستجرينكم الشيطان"، رواه أبو دواد بسند جيد. ففي هذا الحديث منع ﷺ هؤلاء أن يقولوا له: أنت سيدنا، وقال: "السيد الله ﵎"، ونهاهم أن يقولوا: وأفضلنا فضلاً وأعظمنا طولاً، وذلك لأنه خشي عليهم الغلو، وكره أن يواجهوه بالمدح فيفضي بهم إلى الغلو، وقال: "لا يستجرينكم الشيطان"، أي: يتخذكم جريا له، والجري الرسول والوكيل؛ فبين بهذا أن مواجهة المادح لممدوح بالمدح - ولو بما فيه - أنه من عمل الشيطان؛ لأن ذلك يسبب تعاظم الممدوح، وذلك مما ينافي كمال التوحيد، كما أنه قد يسبب غلو المادح حتى ينزل الممدوح منزلة لا يستحقها. وقد نهى ﷺ عن إطرائه، والإطراء هو الزيادة في المدح حتى يفضي ذلك إلى الشرك به ووصفه بأوصاف الربوبية، كما حصل في كثير من المدائح النبوية، التي نظمها بعض الغالين، كصاحب (البردة) وغيره، مما جرهم إلى الشرك الأكبر؛ كقول صاحب (البردة) . يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم وقوله: فإن من جودك الدينا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم والنبي ﷺ لما أكمل الله له مقام العبودية؛ صار يكره أن يمدح؛ صيانة لمقام العبودية، وحماية للعقيدة، وأرشد الأمة إلى ترك ذلك؛ نصحا لها، وحماية لمقام التوحيد عن أن يدخله ما يفسده أو يضعفه من الشرك ووسائله، ومن ذلك نهيه لهؤلاء أن يقولوا له: أنت سيدنا، والسيد مأخوذ من السؤدد. قال ابن الأثير في (النهاية) : "والسيد يطلق على الرب، والمالك،

стр. 51

والشريف، والفاضل، والكريم، والحليم، ومتحمل أذى قومه، والزوج، والرئيس، والمقدم، وقوله: "هذا الحديث الشريف: (السيد الله) ؛ يريد أن السؤدد حقيقة لله ، وأن الخلق كلهم عبيد له، والسيد إذا أطلق على الله - تعالى، فهو بمعنى المالك والمولى والرب، وقال ابن عباس: ﴿الله الصَّمَدُ﴾ ؛ أي: السيد الذي كمل في جميع أنواع السؤدد". قال ابن الأثير ﵀: "فيه أنه جاء رجل من قريش، فقال: أنت سيد قريش. فقال: (السيد الله) . أي: هو الذي تحق له السيادة، كأنه كره أن يحمد في وجهه، وأحب التواضع، وحديث: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر"؛ قاله إخبارًا عما أكرمه الله به من الفضل والسؤدد، وتحدثا بنعمة الله تعالى عليه، وإعلاما لأمته؛ ليكون إيمانهم به على حسبه وموجبه، ولهذا أتبعه بقوله: (ولا فخر) ؛ أي أن هذه الفضيلة التي نلتها كرامة من الله، ولم أنلها من قبل نفسي، ولا بلغتها بقوتي؛ فليس لي أن أفتخر بها ... " انتهى. فهو ﷺ سيد ولد آدم كما أخبر بذلك، لكن لما واجهه هؤلاء بهذا اللفظ؛ نهاهم عنه؛ خوفا من الغلو، الذي يفضي بهم إلى الشرك. ومما يوضح هذا ما ورد عن أنس بن مالك ﵁، أن ناسا قالوا: يا خيرنا وابن خيرنا! وسيدنا وابن سيدنا! فقال: "يا أيها الناس! قولوا بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، وأنا محمد، عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله " رواه النسائي بسند جيد. ففي هذا الحديث ما يبين أنه نهاهم أن يقولوا: يا سيدنا! خشية عليهم من الغلو في حقه؛ فسد هذا الطريق من أساسه، وأرشدهم أن يصفوه بصفتين هما أعلى مراتب العبودية، وقد وصفه الله بهما في مواضع من كتابه، وهما قوله: "عبد الله ورسوله"، ولم يحب أن يرفعوه فوق ما أنزله الله ؛ حماية

стр. 52

للتوحيد. وهذا كثير في السنة الثابتة عنه ﷺ ، كقوله: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، وإنما أنا عبد؛ فقولوا: عبد الله ورسوله"، وقوله: " إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله "، ونهى عن التمادح، وشدد فيه؛ كقوله لمن مدح إنسانا: "ويلك! قطعت عنق صاحبك"، وقال: "إذا لقيتم المداحين؛ فاحثوا في وجههم التراب"، وذلك لما يخاف على المادح من الغلو، وعلى الممدوح من الإعجاب، وكلاهما يؤثران على العقيدة. بقي أن يقال: هل يجوز أن يقال للمخلوق سيد؟. قال العلامة ابن القيم: "اختلف الناس في جواز إطلاق السيد على البشر فمنعه قوم، ونقل عن مالك، واحتجوا بقول النبي ﷺ لما قيل له: يا سيدنا! قال: "السيد الله ﵎"، وجوزه قوم، واحتجوا بقول النبي ﷺ للأنصار: "قوموا إلى سيدكم"، وهذا أصح من الحديث الأول ... " انتهى. قال الشارح: "وأما استدلالهم بقول النبي ﷺ للأنصار: "قوموا إلى سيدكم"؛ فالظاهر أن النبي ﷺ لم يواجه سعدًا به؛ فيكون في هذا المقام تفضيل" انتهى. وكأنه يقصد بالتفصيل أنه لا يجوز أن يواجه الإنسان ويقال له: يا سيد! من باب المدح، ويجوز أن يقال هذا في حقه إذا كان غائبا، وكان ممن يستحق هذا الوصف؛ جمعا بين الأدلة. والله أعلم. ٩- الغلو في الصالحين: إذا كان الغلو في حقه ﷺ ممنوعا؛ فالغلو في حق غيره من الصالحين من باب أولى.

стр. 53

والمراد بالغلو في الصالحين: رفعهم فوق منزلهم التي أنزلهم الله إلى ما لا يجوز إلا لله؛ من الاستغاثة بهم في الشدائد، والطواف بقبورهم، والتبرك بتربتهم، وذبح القرابين لأضرحتهم، وطلب المدد منهم ... وقد أدخل الشيطان الشرك على قوم نوح من باب الغلو في الصالحين؛ فيجب الحذر من ذلك، وإن كان القصد حسنا. وقد وقع في هذه الأمة مثل ما وقع لقوم نوح لما أظهر الشيطان لكثير من المفتونين الغلو والبدع في قالب تعظيم الصالحين ومحبتهم؛ ليوقعهم فيما أوقع به قوم نوح؛ فما زال الشيطان يوحي إلى عباد القبور ويلقي إليهم أن البناء والعكوف على قبور الصالحين يعد محبة لهم، وأن الدعاء عند قبورهم يستجاب، ثم ينقلهم من هذه المرتبة إلى الدعاء والتوسل بها، فإذا ألفوا ذلك؛ نقلهم منه إلى دعاء المقبورين وعبادتهم وسؤالهم الشفاعة من دون الله ، فتصبح قبورهم أوثانا، تعلق عليها القناديل، وتسدل عليها الستور، ويطاف بها، وتستلم، وتقبل ... فإذا ألفوا ذلك؛ نقلهم إلى أن يدعوا الناس إلى عبادة هذه القبور، واتخاذها أعيادًا ومناسك، فإذا ألفوا ذلك، وتقرر عندهم؛ نقلهم إلى اعتقاد أن من نهى عنه؛ فقد تنقص الأولياء وأبغضهم، وزعم أنه لا حرمه لهم ولا قدر لهم، وقد سرى ذلك في نفوس كثير من الجهال والطغام، وكثير ممن ينتسب إلى العلم والدين؛ حتى عادوا أهل التوحيد، ورموهم بالعظائم، ونفروا الناس عنهم؛ فعلوا ذلك كله تحت ستار حب الصالحين وتعظيمهم، وقد كذبوا في ذلك؛ لأن محبة الصالحين على الحقيقة تكون على وفق الكتاب والسنة، وذلك بمعرفة فضلهم، والاقتداء بهم في الأعمال الصالحة، من غير إفراط ولا تفريط، ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ١.

стр. 54

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فكل من غلا في نبي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الإلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان انصرني أو أغنثني أو ارزقني أو أنا في حسبك ... ونحو هذه الأقوال؛ فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه، فإن تاب، وإلا؛ قتل؛ فإن الله - سبحانه تعالى - إنما أرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده لا شريك له، ولا يدعى معه إله آخر، والذين يدعون مع الله إلها آخر مثل المسيح والملائكة والأصنام لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق أو تنزل المطر أو تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم أو يعبدون صورهم ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إلاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى﴾ ١، ويقولون: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ الله﴾ ٢، فبعث الله - سبحانه - رسله تنهى أن يدعى أحد من دونه؛ لا دعاء عبادة، ولا دعاء استغاثة ... " انتهى كلام الشيخ ﵀. وبه يتضح كشف شبهة هؤلاء القبوريين، الذين يسوغون فعلهم هذا بأنهم لا يعتقدون في الأولياء مشاركة الله في الخلق والرزق والإحياء والإماتة، وإنما يعتقدون فيهم أنهم وسائط بينهم وبين الله في قضاء حاجاتهم وتفريج كربتهم، وهي نفس الشبهة التي قالها مشركو الجاهلية كما ذكرها الله في كتابه وأبطلها. والواقع أن الشرك هؤلاء المتأخرين زاد على شرك الجاهلية؛ فصاروا يهتفون بأسماء هؤلاء الأموات في كل مناسبة، ولا يذكرون اسم الله إلا قليلاً، وإنما يجري على ألسنتهم اسم الولي دائما، والأولون كاونوا يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة، وهؤلاء شركهم دائم في الرخاء والشدة؛ كما قال الإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني ﵀: وكم هتفوا عند الشدائد باسمها كما يهتف المضطر بالصمد الفرد فيا علماء المسلمين! أنتم المسؤولون عن هذه القطعان الضائعة والتائهة

стр. 55

في الضلال: لماذا لا تبينون لهم طريق الحق، وتنهونهم عن هذا الشرك العظيم، وأنتم تسكنون معهم وتخالطونهم؟! لماذا ضيعتم ما أوجب الله عليكم من الدعوة والبيان بقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ ١؟! أليس العلماء ورثة الأنبياء، والأنبياء جاؤوا بإنكار هذا الشرك وجهاد أهله حتى يكون الدين كله لله؟! فاتقوا الله الذي حملكم هذه المسؤولية وسيسألكم عنها؛ فقد ورد في الحديث الصحيح أن العالم الذي لا يعمل بعلمه من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة. إن كنتم ترون هذا شركا وتركتم الناس عليه؛ فالأمر خطير، وإن كنتم لا ترونه شركا؛ فالأمر أشد خطرًا؛ لأنكم جهلتم ما هو من أوضح الواضحات. اللهم أصلح أحوال المسلمين، واهد ضلالهم؛ إنك على كل شيء قدير. ١٠- التصوير وسيلة إلى الشرك. والتصوير معناه: نقل شكل وهيئته بواسطة الرسم أو الالتقاط بالآلة أو النحت، وإثبات هذا الشكل على لوحة أو ورقة أو تمثال. وكان العلماء يتعرضون للتصوير في مواضيع العقيدة؛ لأن التصوير وسيلة من وسائل الشرك وادعاء المشاركة لله بالخلق أو المحاولة لذلك. وأول شرك حدث في الأرض كان بسبب التصوير، حينما أقدم قوم نوح على تصوير الصالحين ونصب صورهم

стр. 56

على المجالس. وقد حذر النبي ﷺ من التصوير بجميع أنواعه، ونهى عنه، وتوعد من فعله بأشد الوعيد، وأمر بطمس الصور وتغيرها؛ لأن التصوير فيه مضاهاة لخلق الله ، الذي انفرد بالخلق؛ فهذا الإنسان المصور يحاول أن يضاهي الله فيما انفرد به من الخلق، ولأن التصوير وسيلة من وسائل الشرك؛ فأول حدوث الشرك في الأرض كان بسبب التصوير؛ لما زين الشيطان لقوم نوح تصوير الصالحين، ونصب صورهم على المجالس؛ لأجل تذكر أحوالهم، والاقتداء بهم في العبادة، حتى آل الأمر إلى عبادة تلك الصور، واعتقاد أنها تنفع وتضر من دون الله. فالتصوير هو منشأ الوثنية؛ لأن تصوير المخلوق تعظيم له، وتعلق به في الغالب، خصوصا إذا كان المصور له شأن من سلطة أو علم أو صلاح، وخصوصا إذا عظمت الصورة بنصبها على حائط أو إقامتها في شارع أو ميدان؛ فإن ذلك يؤدي إلى التعلق بها من الجهال وأهل الضلال، ولو بعد حين، ثم هذا - أيضا - فيه فتح باب لنصب الأصنام والتماثيل التي تعبد من دون الله. وسأورد الأحاديث الصحيحة والصريحة في هذا الموضوع مع التعليق عليها بما تيسر. ١- عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي؟! فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة"، أخرجه البخاري ومسلم. ومعناه: لا أحد أشد ظلما من المصور؛ لأنه لما صور الصورة على شكل ما خلقه الله من إنسان أو بهيمة أو غيرهما من ذوات الأرواح؛ صار مضاهيا لخلق الله، الذي هو خالق كل شيء، وهو رب كل شيء، وهو الذي صور جميع

стр. 57

المخلوقات، وجعل فيها الأرواح التي تحصل بها حياتها؛ كما قال تعالى-: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالآرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ ١، وقال تعالى-: ﴿هُوَ الله الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ ٢، ثم إن الله تحدى هؤلاء المصورين الذين يحاولون مضاهاة خلقه أن يوجدوا في تلك الصور التي صوروها أرواحا تحيا بها كما في المخلوق الذي صوروا، وهذا بيان لعجزهم وفشلهم في محولتهم، وكما أنهم عاجزون عن إيجاد حيوان ذي روح؛ فهم عاجزون عن إيجاد الثمر والحب؛ (فليخلقوا حبة) . ٢- وروى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: "أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله". فهذا إخبار منه ﷺ بشدة عذاب المصورين يوم القيامة، وسوء عاقبتهم، وإن عاشوا في هذه الدنيا سالمين، وسموا فنانين، وشجعوا بأنواع التشجيع؛ فإن لهم مصيرًا ينتظرهم إذا لم يتوبوا؛ لأنهم بعملهم هذا يضاهون بخلق الله؛ أي: يشابهون بما يصنعونه من الصور ما صنعه الله من الخلق وتفرد به وهو الخلاق العليم، ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ٣. قال الإمام النووي ﵀ في هذا الحديث: "قيل هذا محمول على صانع الصورة لتعبد، وهو صانع الأصنام ونحوها؛ فهذا كافر، وهو أشد الناس عذابا، وقيل هو فيمن قصد هذا المعنى الذي في الحديث من مضاهاته خلقه، واعتقد ذلك؛ فهذا كافر - أيضا، وله من شدة العذاب ما للكافر، ويزيد عذابه بزيادة كفره، فأما من لم يقصد بها العبادة ولا المضاهاة؛ فهو فاسق، صاحب ذنب كبير، لا يكفر". قال شيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: "وإذا كان هذا فيمن صور

стр. 58

صورة على مثال ما خلقه الله من الحيوان؛ فكيف بمن سوى المخلوق برب العالمين، وصرف له شيئا من العبادة؟! ". ٣- وروى البخاري ومسلم - رحمهما الله - عن ابن عباس ﵄: سمعت رسول الله يقول: "كل مصور يجعل له بكل صورة صوَّرها نفس يعذَّب بها في جهنم". ومعناه: أنه في يوم القيامة تحضر الصور التي صورَّها في الدنيا، ويجعل في كل واحدة منه نفس يعذب بها في جهنم؛ قلَّت الصور أم كثرت، فقياسي عذابها؛ بحيث يُكَوَّن من كل صورة شخص يعذب به في جهنم. ٤- وروى البخاري ومسلم - رحمهما الله - عن ابن عباس - أيضا -: "من صور صورة؛ كلف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ". وهذا نوع آخر من العذاب للمصور، ومعناه واضح، وهو أن المصور تحضر أمامه جميع الصور التي صورها في الدنيا، ثم يؤمر أن ينفخ في كل واحدة منها الروح، وأنَّى له ذلك والروح من أمر ربي؟! وإنما هذا تعذيب له وتعجيز له؛ لأنه يكلف ما لا يطيق، فيكون معذبا؛ فالحديث يدل على طول تعذيبه، وإظهار عجزه عما كان يتعاطاه في دنياه من مضاهاة خلق الله. ٥- وروى مسلم ﵀ عن أبي الهياج؛ قال: قال لي علي ﵁: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسوله الله ﷺ ؟. أن لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرًا مشرفا إلا سويته". ففي هذا الحديث الأمر بطمس الصور، وهو تغييرها عن هيئتها حتى لا تبقى على حالها المشابهة لخلق الله، وفيه الأمر بهدم المباني المقامة على القبور من قباب ومساجد وغيرها من مظاهر الوثنية، ففي هذا الحديث الأمر بالقضاء على وسيلتين من أكبر وسائل الشرك وذرائعه المفضية إليه، وهما:

стр. 59

التصوير والبناء على القبور، وهذا وأمثاله من أكبر مصالح الدين وحماية عقيدة المسلمين. وقد كثر في زماننا هذا التصوير واستعماله ونصب الصور بتعليقها والاحتفاظ بالصور التذكارية١، وكثر - أيضا - في هذا الزمان البناء على القبور، حتى صار ذلك أمرًا مألوفا، وذلك بسب غربة الدين، وخفاء السنن، وظهور البدع، وسكوت كثير من العلماء، واستسلامهم للأمر الواقع، حتى أصبح المعروف منكرًا والمنكر معروفا في غالب البلدان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فالواجب التنبيه والنصيحة لله ولكتابه ولنبيه ولأئمة المسلمين وعامتهم، خصوصا وأن دعاة الضلال والمروجين للباطل كثيرون؛ فلا بد من كشف زيفهم، ورد ضلالهم، وتبصير المسلمين بشرهم حتى يحذرهم. وفق الله المسلمين للعمل بكتابه وسنة رسوله.

стр. 60

نقض المشركين التى يتعلقون بها في تسويغ شركهم في توحيد الإلهية ... نقض شبهات المشركين التي يتعلقون بها في تسويغ شركهم في توحد الإلهية: إنه بسبب رواج الشبه والحكايات التي ضل بها أكثر الناس وعدوها أدلة يستندون إليها في تبرير ضلالتهم وشركهم؛ استمرؤوا ما هم عليه؛ فكان لا بد من كشف زيفها وبيان بطلانها؛ ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ ٢. وهذه الشُّبَه منها ما هو قديم أدلى به المشركون من الأمم السابقة، ومنها ١ وإذا جاء التصوير في الحالات الضرورية؛ كالتصوير لحفيظة النفوس وجواز السفر ورخصة القيادة؛ فإنه يقتصر على تلك الحالات الضرورية، ولا يتوسع في غيرها؛ لأن الرخص تقدر بالضرورة.

стр. 61

ما أدلى به مشركو هذه الأمة. ومن هذه الشبه: أولاً: شبهة تكاد تكون مشتركة بين طوائف المشركين في مختلف الأمم، وهي: شبهة الاحتجاج بما كان عليه الآباء والأجداد، وأنهم ورثوا هذه العقيدة خلفا عن سلف. كما قال - الله تعالى - عنهم: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ١. وهذه حجة يلجأ إليها من يعجز عن إقامة الدليل على دعواه، وهي حجة داحضة، لا يقام لها وزن في سوق المناظرة؛ فإن هؤلاء الآباء الذين قلدوهم ليسوا على هدى، ومن كان كذلك؛ لا تجوز متابعته والاقتداء به؛ قال تعالى ردّاً عليهم: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ ٢وقال تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ ٣وقال: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ ٤. وإنما يكون الاقتداء بالآباء محمودًا إذا كانوا على حق؛ كما قال تعالى عن يوسف ﵇؛ أنه قال: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ ٦. وشبهة الاحتجاج بما كان عليه الآباء الضالون متغلغلة في نفوس المشركين، يقابلون بها دعوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: فقوم نوح لما قال لهم نوح: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأُوَّلِينَ﴾ ٧.

стр. 62

فجعلوا ما عليه آباؤهم حجة يعارضون بها ما جاءهم به نبيهم نوح ﵇. وقوم صالح يقولون له: ﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ ١. وقوم إبراهيم يقولون له: ﴿بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون﴾ ٢.وفرعون يقول لموسى ﵇: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى﴾ ٣.ومشركوا العرب يقولون لمحمد ﷺ لما قال لهم: (قولوا لا إله إلا الله) ؛ قالوا: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاّ اخْتِلاقٌ﴾ ٤. ثانيا: ومن الشبه التي يدلي بها عباد القبور اليوم: ظنهم أن مجرد النطق بلا إله إلا الله يكفي لدخول الجنة، ولو فعل الإنسان ما فعل؛ فإنه لا يكفر، وهو يقول: لا إله إلا الله، متمسكين بظواهر الأحاديث التي ورد فيها أن من نطق بالشهادتين؛ حرم على النار. والجواب عن هذه الشبهة: أن هذه الأحاديث ليست على إطلاقها، وإنما هي مقيدة بأحاديث أخرى جاء فيها؛ أنه لا بد لمن قال: لا إله إلا الله أن يعتقد معناها بقلبه، ويعمل بمقتضاها، فيكفر بما يعبد من دون الله؛ كما في حديث عتبان: "فإن الله حرم النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله "، وإلا فالمنافقون يقولون لا إله إلا الله بألسنتهم، وهم في الدرك الأسفل من النار، ولم ينفعهم النطق بلا إله إلا الله؛ لأنهم لا يعتقدون ما دلت عليه بقلوبهم، وفي (صحيح مسلم) : "من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله؛ حرم ماله ودمه، وحسابه على الله"؛ فعلق النبي ﷺ حرمة المال والدم على أمرين: الأول: قول: لا إله إلا الله. والثاني: الكفر بما يعبد من دون

стр. 63

الله. ولم يكتف بمجرد النطق بلا إله إلا الله؛ فدل على أن الذي يقول: لا إله إلا الله، ولا يترك عبادة الموتى والتعلق بالأضرحة، لا يحرم ماله ولا دمه. ثالثا: ومن الشبه التي يدلون بها أيضا: دعواهم أنه لا يقع في هذه الأمة المحمدية شرك، وهم يقولون: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وأن هذا الذي يمارسونه عند الأضرحة من عبادة الموتى ودعائهم من دون الله لا يسمى شركا عندهم. والجواب عن هذه الشبهة أن النبي ﷺ أخبر أنه سيكون في هذه الأمة مشابهة لليهود والنصارى فيما هم عليه، ومن جملة ذلك اتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، وأخبر ﷺ أنها لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمته بالمشركين، وحتى تعبد فئات من أمته الأوثان، وقد حدث في هذه الأمة من الشرك والمبادىء الهدامة والنحل الضالة ما خرج به كثير من الناس عن دين الإسلام وهم يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله. رابعا: ومن الشبه التي تعلقوا بها: قضية الشفاعة؛ حيث يقولون: نحن لا نريد من الأولياء والصالحين قضاء الحاجات من دون الله، ولكن نريد منهم أن يشفعوا لنا عند الله؛ لأنهم أهل صلاح ومكانة عند الله؛ فنحن نريد بجاههم وشفاعتهم. والجواب: أن هذا هو عين ما قاله المشركون من قبل في تسويغ ما هم عليه، وقد كفَّرهم الله، وسمَّاهم مشركين؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ١. والشفاعة حق؛ ولكنها ملك لله وحده؛ كمال قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ ٢ فهي تطلب من الله من الأموات؛ لأن الله لم يرخص

стр. 64

في طلب الشفاعة من الملائكة ولا من الأنبياء ولا غيرهم؛ لأنها ملكه سبحانه، وتطلب منه؛ ليأذن للشافع أن يشفع، وليس كما هو عند المخلوقين من تقدم الشفعاء لديهم بدون إذنهم، ويضطرون إلى قبول الشفاعة؛ لحاجتهم إليهم، وإن لم يرضوا عن المشفوع فيه؛ لأنهم يحتاجون إلى الأعوان والوزراء، أما الله سبحانه؛ فلا يشفع أحد إلا بإذنه ورضاه عن المشفوع فيه، قال تعالى ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ١. خامسا: ومن شبه هؤلاء أنهم يقولون: إن الأولياء والصالحين لهم مكانة عند الله، ونحن نسأل الله بجاههم ومكانتهم. والجواب: أن المؤمنين كلهم أولياء الله، ولكن الجزم لشخص معين أنه ولي لله يحتاج إلى دليل من الكتاب والسنة، ومن ثبت ولايته بالكتاب والسنة؛ لم يجز لنا الغلو فيه والتبرك به؛ لأن ذلك من وسائل الشرك، والله أمرنا بدعائه مباشرة؛ دون اتخاذ وسائط بيننا وبينه، ولأن هذا هو التعليل الذي علل به المشركون من قبل؛ أنهم اتخذوا هؤلاء شفعاء ووسائط بينهم وبين الله، يسألون الله بجاههم وقربهم؛ فأنكر عليهم ذلك.

стр. 65

بيان أنواع الشرك الأكبر ... يان أنواع من الشرك الأكبر: الشرك نوعان: شرك أكبر وشرك أصغر، والشرك الأكبر ينافي التوحيد ويخرج من الملة، وله أنواع كثيرة سبق بيان بعضها بما يمارس حول الأضرحة، وهناك أنواع أخرا أخرى؛ منها: ١ - الشرك في الخوف: الخوف كما عرفه العلماء: توقع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة، وهو ثلاثة أقسام:

стр. 66

الأول: خوف السر، وهو أن يخاف من غير الله من وثن أو طاغوت أو ميت أو غائب من جن أو إنس أن يصيبه بما يكره. كما قال الله عن قوم هود ﵇؛ أنهم قالوا له: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلاّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ ، وقد خوف المشركون رسول الله محمدًا ﷺ من أوثانهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِه﴾ ١. وهذا الخوف من غير الله هو الواقع اليوم من عباد القبور وغيرها من الأوثان؛ يخافونها ويخوِّفون بها أهل التوحيد إذا أنكروا عبادتها وأمروا بإخلاص العبادة لله، وهذا النوع من الخوف من أهم أنواع العبادة، يجب إخلاصه لله وحده؛ قال تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ ٣. وهذا الخوف من أعظم مقامات الدين وأجلها، فمن صرفه لغير الله؛ فقد أشرك بالله الشرك الأكبر، والعياذ بالله. الثاني من أنواع الخوف: أن يترك الإنسان ما يجب عليه خوفا من بعض الناس. فهذا محرم، وهو شرك أصغر، وهذا هو المذكور في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٤. وهذا - أيضا - هو الخوف المذكور في الحديث الذي رواه ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: "لا يحقر أحدكم نفسه. قالوا: يا رسول الله! كيف يحقر أحدنا نفسه؟ ، قال: يرى أمرًا لله عليه

стр. 67

فيه مقال، ثم لا يقول فيه، فيقول الله له يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا؟ فيقول: خشية الناس. فيقول الله : فإياي كنت أحق أن تخشى". الثالث من أنواع الخوف: الخوف الطبيعي. وهو الخوف من عدو أو سبع أو غير ذلك. فهذا ليس بمذموم؛ كما قال تعالى في قصة موسى ﵇: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ ١. أما النوع الأول الذي هو خوف السر. فهو من أعظم أنواع العبادة؛ فيجب إخلاصه لله ، وكذلك النوع الثاني؛ فهو من حقوق العبادة ومكمِّلاتها. ومعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ ٢، أي: يخوفكم بأوليائه. ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾ نهي من الله للمؤمنين أن يخافوا غيره، وأمر لهم أن يقصروا خوفهم عليه، فإذا أخلصوا الخوف وجميع أنواع العبادة؛ أعطاهم ما يريدون، وأمَّنهم مما يخافون؛ قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ ٣. قال الإمام ابن القيم: "ومن كيد عدو الله أن يخوف المؤمنين من جنده وأوليائه؛ لئلا يجاهدوهم ولا يأمروهم بمعروف ولا ينهوهم عن منكر، وأخبر تعالى أن هذا من كيد الشيطان وتخويفه، ونهانا أن نخافهم، فكلما قوي إيمان العبد؛ زال منه خوف أولياء الشيطان، وكلما ضعف إيمانه؛ قوي خوفه منهم. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاّ اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ ٤. فأخبر سبحانه أن مساجد الله لا يعمرها إلا أهل الإيمان بالله واليوم

стр. 68

الآخر الذين آمنوا بقلوبهم، وعملوا بجوارحهم، وأخلصوا له الخشية دون سواه؛ فأثبت لهم عمارة المساجد بعد أن نفاها عن المشركين؛ لأن عمارة المساجد لا تكون إلا بالطاعة والعمل الصالح، والمشرك وإن عمل؛ فعمله ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾ ١. أو ﴿كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ ٢، وما كان كذلك؛ فالعدم خير منه. فلا تكون المساجد عامرة عمرانا صحيحا إلا بالعمل الصالح، المؤسس على الإخلاص التوحيد والعقيدة الصحيحة الخالية من الشرك والبدع والخرافات، وليس عمارتها بالطين والزخرفة وفخامة البناء فقط، أو إشادتها على القبور؛ فقد لعن النبي ﷺ من فعل ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلاّ اللَّهَ﴾ : قال ابن عطية: يريد خشية التعظيم والعبادة والطاعة، ولا محالة أن الإنسان يخشى المحاذير الدنيوية، وقد كتب معاوية ﵁ إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ يطلب منها أن تكتب له كتابا توصيه فيه ولا تكثر عليه؛ فكتبت له عائشة ﵂ ما نصه: إلى معاوية: سلام عليك، أما بعد؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من التمس رضى الله بسخط الناس؛ كفاه الله مؤونة الناس، ومن التمس رضى الناس بسخط الله؛ وكله الله إلى الناس"، والسلام. رواه أبو نعيم في (الحلية) ورواه ابن حبان في (صحيحه) ؛ بلفظ: "من التمس رضى الله بسخط الناس؛ ﵁ وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضى الناس بسخط الله؛ سخط الله عليه وأسخط عليه الناس ". قال شيخ الإسلام ابن تسمية ﵀: "وكتبت عائشة إلى معاوية وروي أنها رفعته: "من أرضى الله بسخط الناس؛ كفاه مؤونة الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله؛ لم يغنوا عنه من الله شيئا"، هذا اللفظ المرفوع، ولفظ

стр. 69

الموقوف: "من أرضى الله بسخط الناس؛ ﵁ وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله؛ عاد حامده من الناس له ذامّا"، وهذا من أعظم الفقه في الدين؛ فإن من أرضى الله بسخطهم؛ كان قد اتقاه، وكان عبده الصالح، والله يتولى الصالحين، والله كاف عبده، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ ١، والله يكفيه مؤونة الناس بلا ريب، وأما كون الناس كلهم يرضون عنه؛ فقد لا يحصل ذلك، ولكن يرضون عنه إذا سلموا من الأغراض، وإذا تبين لهم العاقبة. ومن أرضى الناس بسخط الله؛ لم يغنوا عنه من الله شيئا؛ كالظالم الذي يعض على يديه، وأما كون حامده ينقلب ذامّا؛ فهذا يقع كثيراً، ويحصل في العاقبة؛ فإن العاقبة للتقوى، ولا تحصل ابتداء عند أهوائهم" انتهى كلامه ﵀. ومن هذا الحديث برواياته يتبين أن الإنسان إذا كان يطلب بعمله إرضاء الله بماس يسخط الناس؛ حصل على مصلحتين عظيمتين: رضى الله تعالى ورضى الناس. ومن كان بالعكس يطلب بعمله إرضاء الناس بما يسخط الله ، حصل له مضرتان: سخط الله وسخط الناس؛ فدل على أن إرضاء الله تعالى يجمع الخير كله، وأن إرضاء الناس بما يسخط الله يجمع الشر كله، نسأل الله العافية والسلامة. هذا ويجب أن نعلم أن الخوف من الله - سبحانه - يجب أن يكون مقرونا بالرجاء والمحبة؛ بحيث لا يكون باعثا على القنوط من رحمة الله ، فالمؤمن يسير إلى الله بين الخوف والرجاء؛ بحيث لا يذهب مع الخوف فقط حتى يقنط من رحمة الله، ولا يذهب مع الرجاء فقط حتى يأمن من مكر الله؛ لأن القنوط من رحمة الله والأمن من مكر الله ينافيان التوحيد؛ قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٣.

стр. 70

وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاّ الضَّالُّونَ﴾ ١. قال إسماعيل بن رافع: "من الأمن من مكر الله إقامة العبد على الذنب يتمنى على الله المغفرة". وقال العلماء: القنوط: استبعاد الفرج واليأس منه، وهو يقابل الأمن من مكر الله، وكلاهما ذنب عظيم. فلا يجوز للمؤمن أن يعتمد على الخوف فقط حتى يقنط من رحمة الله ولا يعتمد على الرجاء فقط حتى يأمن من عذاب الله، بل يكون خائفا راجيا؛ يخاف ذنوبه، ويعمل بطاعة الله، ويرجو رحمته؛ كما قال تعالى عن أنبيائه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ ٢، وقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ ٣. والخوف والرجاء إذا اجتمعتا؛ دفعا العبد إلى العمل وفعل الأسباب النافعة؛ فإنه مع الرجاء يعمل الطاعات رجاء ثوابها، ومع الخوف يترك المعاصي خوف عقابها، أما إذا يئس من رحمة الله؛ فإنه يتوقف عن العمل الصالح، وإذا أمن من عذاب الله وعقوبته؛ فإنه يندفع إلى فعل المعاصي. قال بعض العلماء: من عبد الله بالحب وحده؛ فهو صوفي، ومن عبده بالخوف وحده؛ فهو حروري، ومن عبده بالرجاء وحده؛ فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن؛ كما وصف الله بذلك خيرة خلقه؛ حيث يقول - سبحانه -: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ ٤. وقد وصف الله الذين أهملوا جانب الخوف واندفعوا في المعاصي وأمنوا من العقوبة بأنهم الخاسرون؛ فقال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا

стр. 71

بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ١. ومعنى الآيات أن الله لما ذكر حال أهل القرى المكذبين للرسل المتمادين في الكفر والمعاصي؛ ذكر أن الذي حملهم على ذلك هو الأمن من مكر الله وعدم الخوف منه، ومكر الله هو أنه إذا عصاه العبد وأغضبه أنعم عليه بأشياء يظن العبد أنها من رضى الله عنه وهي استدراج له؛ فهؤلاء الكفرة أمنوا مكر الله بهم لمَّا استدرجهم بالسراء والنعم، وعصوا رسلهم، وتمادوا في المعاصي، حتى أهلكهم الله، وحذر من جاء بعدهم أن يفعل مثل فعلهم فيصيبه ما أصابهم؛ فقال - سبحانه -: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ ٢. قال بعض العلماء: خوف العبد ينشأ من أمور هي: أولاً: معرفته بالجناية وقبحها. ثانيا: تصديقه بالوعيد، وأن الله رتب على المعصية عقوبتها. ثالثا: كونه لا يعلم؛ لعله يمنع من التوبة ويحال بينه وبينها إذا ارتكب الذنب. وبهذه الثلاثة يتم له الخوف قبل الذنب وبعده، ويكون خوفه أشد. وكان الأنبياء ﵈ لا ينقطع أملهم بالله أبداً، ولا ييأسون من رحمة الله في جميع الأحوال، مهما اشتد الخطب وضعفت الأسباب. فهذا خليل الله إبراهيم ﵇ لما بشرته الملائكة بالولد مع كبر سنه وحال زوجه التي يستبعد معها حصول الولد؛ قال عند ذلك: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ

стр. 72

مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاّ الضَّالُّونَ﴾ ١، لأنه يعلم من قدرة الله ورحمته ما هو أبلغ من ذلك وأعظم، لكنه قال للملائكة: ﴿أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ ٢، قال ذلك على وجه التعجب والتفكر في عظيم قدرة الله ورحمته. وهذا نبي الله يعقوب ﵇، لما أشتد به الأمر، وتأزم الحال بفراق بنيه؛ عظم رجاؤه بالله وطمعه برحمته، وقال لبنيه الحاضرين عنده: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٣، وقال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً﴾ ٤. وهذا نبيا محمد ﷺ قال الله عنه: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ٥، فعظم رجاؤه عند الشدة، ويقول: "واعلم أن الفرج مع الكرب". والله - سبحانه - ينهى عباده الذي كثرت ذنوبهم وعظمت جرائمهم أن يحملهم ذلك على القنوط من رحمته وترك التوبة منها؛ قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ ٦، فنهى - سبحانه - عباده أن تحملهم كثرة ذنوبهم على ترك التوبة واليأس من المغفرة. وقد عد النبي ﷺ اليأس من روح الله من الكبائر؛ فعن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ سئل عن الكبائر؟ فقال: "الإشراك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله". وعن ابن مسعود؛ قال: "أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح

стр. 73

الله"؛ لأن القنوط من رحمة الله سوء ظن بالله، وجهل بسعة رحمته ومغفرته، والأمن من مكر الله جهل بالله وبقدرتهن وثقة بالنفس، وإعجاب بها، وفي ذلك تنبيه على أن يكون العبد دائما بين الخوف والرجاء، فإذا خاف؛ فلا يقنط ولا ييأس، بل يرجو رحمة الله، وإذا رجا؛ فلا يتمادى به الرجاء حتى يأمن العقوبة. وكان بعض السلف يستحبون للعبد أن يقوي في حال الصحة جانب الخوف، وفي حالة المرض وعند الموت جانب الرجاء. فتوازن القلب بين الخوف والرجاء يدفع على العمل الصالح والبعد عن المعاصي والتوبة من الذنوب، أما إذا اختل توازن القلب، فمال إلى جانب واحد؛ فإن هذا مما يعطل حركة العمل، ويعرقل سبيل التوبة، ويوقع الهلاك. وفيما قصه الله عن الأمم السابقة التي عطلت جانب الخوف فحل بها عقاب الله خير مذكر لأهل الإيمان. فها هم قوم هود يقولون له: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ إِنْ هَذَا إِلاّ خُلُقُ الأوَّلِينَ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ ١. والخوف والرجاء من أعظم أنواع العبادات، يجب إخلاصهما لله ، والإخلال بهما إخلال بالتوحيد وإفساد للعقيدة. ٢- الشرك في المحبة: قلنا فيما سبق: إن الخوف من الله تعالى لا بد أن يكون مقرونا بمحبته سبحانه؛ لأن تعبده بالخوف فقط هو أصل دين الخوارج؛ فالمحبة هي أصل دين الإسلام الذي تدور عليه رحاه؛ فبكمال محبة الله يكمل دين الإسلام، وبنقصها ينقص توحيد الإنسان.

стр. 74

والمراد بالمحبة هنا محبة العبودية المستلزمة للذل والخضوع وكمال الطاعة وإيثار المحبوب على غيره؛ فهذه المحبة خالصة لله، لا يجوز أن يشرك معه فيها أحد؛ لأن المحبة قسمان: محبة مختصة، وهي محبة العبودية التي تستلزم كمال الذل والطاعة للمحبوب، وهذه خاصة بالله - سبحانه تعالى، والقسم الثاني محبة مشتركة، وهي ثلاثة أنواع: النوع الأول: محبة طبيعية؛ كمحبة الجائع للطعام. النوع الثاني: محبة إشفاق؛ كمحبة الوالد لولده. النوع الثالث: محبة أنس وألف؛ كمحبة الشريك لشريكه والصديق لصديقه. وهذه المحبة بأقسامها الثلاثة لا تستلزم التعظيم والذل، ولا يؤاخذ أحدبها، ولا تزاحم المحبة المختصة؛ فلا يكون وجودها شركا، لكن؛ لا بد أن تكون المحبة المختصة مقدمة عليها. والمحبة المختصة - وهي محبة العبودية - هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ ١. قال الإمام ابن القيم ﵀ على هذه الآية: "أخبر تعالى أن من أحب من دون الله شيئا كما يحب الله تعالى؛ فهو ممن اتخذ من دون الله أندادًا في الحب والتعظيم". وقال ابن كثير ﵀: "يذكر تعالى حال المشركين في الدنيا وما لهم في الآخرة من العذاب والنكال؛ حيث جعلوا لله ﴿أَنْدَاداً﴾ ؛ أي أمثالاً ونظراء، ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ ؛ أي: يساوونهم بالله في المحبة والتعظيم".

стр. 75

وهذا الذي قاله ابن كثير رحمه هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ كما حكى الله هذه التسوية عنهم في قوله: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ٢. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ ٣، أي: أشد حبا لله من أصحاب الأنداد لله، وقيل: أشد حبا لله من أصحاب الأنداد لأندادهم. فدلت الآية على أن من أحب شيئا كحب الله؛ فقد اتخذه ندّاً لله. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: "وفيه أن من اتخذ ندّاً تساوى محبته محبة الله؛ فهو الشرك الأكبر". وقلنا قريبا: إن محبة الله التي هي محبة العبودية، يجب أن تقدم على المحبة التي ليست عبودية، وهي المحبة المشتركة؛ كمحبة الآباء والأولاد والأزواج والأموال؛ لأن الله توعد من قدَّم هذه المحبة على محبة الله؛ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ٤، فتوعد سبحانه من قدم هذه المحبوبات الثمان على محبة الله ورسوله والأعمال التي يحبها، ولم يتوعد على مجرد حب هذه الأشياء؛ لأن هذا شيء جُبل عليه الإنسان ليس اختياريّا، وإنما توعد من قدم محبتها على محبة الله ورسوله ومحبة ما يحبه الله ورسوله؛ فلا بد من إيثار ما أحبه الله من عبده وأراده على ما يحبه العبد ويريده؛ فمحبة الله لها علامات تدل عليها: منها: أن من أحب الله تعالى: فإنه يقدم ما يحبه الله من الأعمال على
следующие страницы →