← Акыда

Акыда · id 7529

الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد

صالح الفوزان

Полный текст (376 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ١. ومعنى الآيات أن الله لما ذكر حال أهل القرى المكذبين للرسل المتمادين في الكفر والمعاصي؛ ذكر أن الذي حملهم على ذلك هو الأمن من مكر الله وعدم الخوف منه، ومكر الله هو أنه إذا عصاه العبد وأغضبه أنعم عليه بأشياء يظن العبد أنها من رضى الله عنه وهي استدراج له؛ فهؤلاء الكفرة أمنوا مكر الله بهم لمَّا استدرجهم بالسراء والنعم، وعصوا رسلهم، وتمادوا في المعاصي، حتى أهلكهم الله، وحذر من جاء بعدهم أن يفعل مثل فعلهم فيصيبه ما أصابهم؛ فقال - سبحانه -: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ ٢. قال بعض العلماء: خوف العبد ينشأ من أمور هي: أولاً: معرفته بالجناية وقبحها. ثانيا: تصديقه بالوعيد، وأن الله رتب على المعصية عقوبتها. ثالثا: كونه لا يعلم؛ لعله يمنع من التوبة ويحال بينه وبينها إذا ارتكب الذنب. وبهذه الثلاثة يتم له الخوف قبل الذنب وبعده، ويكون خوفه أشد. وكان الأنبياء ﵈ لا ينقطع أملهم بالله أبداً، ولا ييأسون من رحمة الله في جميع الأحوال، مهما اشتد الخطب وضعفت الأسباب. فهذا خليل الله إبراهيم ﵇ لما بشرته الملائكة بالولد مع كبر سنه وحال زوجه التي يستبعد معها حصول الولد؛ قال عند ذلك: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ

стр. 72

مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاّ الضَّالُّونَ﴾ ١، لأنه يعلم من قدرة الله ورحمته ما هو أبلغ من ذلك وأعظم، لكنه قال للملائكة: ﴿أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ ٢، قال ذلك على وجه التعجب والتفكر في عظيم قدرة الله ورحمته. وهذا نبي الله يعقوب ﵇، لما أشتد به الأمر، وتأزم الحال بفراق بنيه؛ عظم رجاؤه بالله وطمعه برحمته، وقال لبنيه الحاضرين عنده: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٣، وقال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً﴾ ٤. وهذا نبيا محمد ﷺ قال الله عنه: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ٥، فعظم رجاؤه عند الشدة، ويقول: "واعلم أن الفرج مع الكرب". والله - سبحانه - ينهى عباده الذي كثرت ذنوبهم وعظمت جرائمهم أن يحملهم ذلك على القنوط من رحمته وترك التوبة منها؛ قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ ٦، فنهى - سبحانه - عباده أن تحملهم كثرة ذنوبهم على ترك التوبة واليأس من المغفرة. وقد عد النبي ﷺ اليأس من روح الله من الكبائر؛ فعن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ سئل عن الكبائر؟ فقال: "الإشراك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله". وعن ابن مسعود؛ قال: "أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح

стр. 73

الله"؛ لأن القنوط من رحمة الله سوء ظن بالله، وجهل بسعة رحمته ومغفرته، والأمن من مكر الله جهل بالله وبقدرتهن وثقة بالنفس، وإعجاب بها، وفي ذلك تنبيه على أن يكون العبد دائما بين الخوف والرجاء، فإذا خاف؛ فلا يقنط ولا ييأس، بل يرجو رحمة الله، وإذا رجا؛ فلا يتمادى به الرجاء حتى يأمن العقوبة. وكان بعض السلف يستحبون للعبد أن يقوي في حال الصحة جانب الخوف، وفي حالة المرض وعند الموت جانب الرجاء. فتوازن القلب بين الخوف والرجاء يدفع على العمل الصالح والبعد عن المعاصي والتوبة من الذنوب، أما إذا اختل توازن القلب، فمال إلى جانب واحد؛ فإن هذا مما يعطل حركة العمل، ويعرقل سبيل التوبة، ويوقع الهلاك. وفيما قصه الله عن الأمم السابقة التي عطلت جانب الخوف فحل بها عقاب الله خير مذكر لأهل الإيمان. فها هم قوم هود يقولون له: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ إِنْ هَذَا إِلاّ خُلُقُ الأوَّلِينَ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ ١. والخوف والرجاء من أعظم أنواع العبادات، يجب إخلاصهما لله ، والإخلال بهما إخلال بالتوحيد وإفساد للعقيدة. ٢- الشرك في المحبة: قلنا فيما سبق: إن الخوف من الله تعالى لا بد أن يكون مقرونا بمحبته سبحانه؛ لأن تعبده بالخوف فقط هو أصل دين الخوارج؛ فالمحبة هي أصل دين الإسلام الذي تدور عليه رحاه؛ فبكمال محبة الله يكمل دين الإسلام، وبنقصها ينقص توحيد الإنسان.

стр. 74

والمراد بالمحبة هنا محبة العبودية المستلزمة للذل والخضوع وكمال الطاعة وإيثار المحبوب على غيره؛ فهذه المحبة خالصة لله، لا يجوز أن يشرك معه فيها أحد؛ لأن المحبة قسمان: محبة مختصة، وهي محبة العبودية التي تستلزم كمال الذل والطاعة للمحبوب، وهذه خاصة بالله - سبحانه تعالى، والقسم الثاني محبة مشتركة، وهي ثلاثة أنواع: النوع الأول: محبة طبيعية؛ كمحبة الجائع للطعام. النوع الثاني: محبة إشفاق؛ كمحبة الوالد لولده. النوع الثالث: محبة أنس وألف؛ كمحبة الشريك لشريكه والصديق لصديقه. وهذه المحبة بأقسامها الثلاثة لا تستلزم التعظيم والذل، ولا يؤاخذ أحدبها، ولا تزاحم المحبة المختصة؛ فلا يكون وجودها شركا، لكن؛ لا بد أن تكون المحبة المختصة مقدمة عليها. والمحبة المختصة - وهي محبة العبودية - هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ ١. قال الإمام ابن القيم ﵀ على هذه الآية: "أخبر تعالى أن من أحب من دون الله شيئا كما يحب الله تعالى؛ فهو ممن اتخذ من دون الله أندادًا في الحب والتعظيم". وقال ابن كثير ﵀: "يذكر تعالى حال المشركين في الدنيا وما لهم في الآخرة من العذاب والنكال؛ حيث جعلوا لله ﴿أَنْدَاداً﴾ ؛ أي أمثالاً ونظراء، ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ ؛ أي: يساوونهم بالله في المحبة والتعظيم".

стр. 75

وهذا الذي قاله ابن كثير رحمه هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ كما حكى الله هذه التسوية عنهم في قوله: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ٢. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ ٣، أي: أشد حبا لله من أصحاب الأنداد لله، وقيل: أشد حبا لله من أصحاب الأنداد لأندادهم. فدلت الآية على أن من أحب شيئا كحب الله؛ فقد اتخذه ندّاً لله. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: "وفيه أن من اتخذ ندّاً تساوى محبته محبة الله؛ فهو الشرك الأكبر". وقلنا قريبا: إن محبة الله التي هي محبة العبودية، يجب أن تقدم على المحبة التي ليست عبودية، وهي المحبة المشتركة؛ كمحبة الآباء والأولاد والأزواج والأموال؛ لأن الله توعد من قدَّم هذه المحبة على محبة الله؛ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ٤، فتوعد سبحانه من قدم هذه المحبوبات الثمان على محبة الله ورسوله والأعمال التي يحبها، ولم يتوعد على مجرد حب هذه الأشياء؛ لأن هذا شيء جُبل عليه الإنسان ليس اختياريّا، وإنما توعد من قدم محبتها على محبة الله ورسوله ومحبة ما يحبه الله ورسوله؛ فلا بد من إيثار ما أحبه الله من عبده وأراده على ما يحبه العبد ويريده؛ فمحبة الله لها علامات تدل عليها: منها: أن من أحب الله تعالى: فإنه يقدم ما يحبه الله من الأعمال على

стр. 76

ما تحبه نفسه من الشهوات والملذات والأموال والأولاد والأوطان. ومنها: أن من أحب الله - تعالى، فإنه يتبع رسوله ﷺ فيما جاء به، فيفعل ما أمر به، ويترك ما هي عنه؛ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ قال بعض السلف: "ادعى قوم محبة الله، فأنزل الله تعالى آية المحبة: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ؛ ففي الآية بيان دليل محبة الله وثمرتها وفائدتها؛ فدليلها وعلامتها: اتباع الرسول ﷺ ، وفائدتها وثمرتها: نيل محبة الله للعبد ومغفرته لذنوبه. ومن علامات صدق محبة العبد لله ما ذكره الله بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ ١، فذكر في هذه الآية الكريمة لمحبة الله أربع علامات: العلامة الأولى: أن المحبين لله يكونون أذلة على المؤمنين؛ بمعنى أنهم يشفقون عليهم ويرحمونهم ويعطفون عليهم؛ قال عطاء ﵀: "يكونون للمؤمنين كالوالد لولده". العلامة الثانية: أنهم يكونون أعزة على الكافرين؛ أي: يظهرون لهم الغلظة والشدة والترفع عليهم، ولا يظهرون لهم الخضوع والضعف. العلامة الثالثة: أنهم يجاهدون في سبيل الله بالنفس واليد والمال واللسان؛ لإعزاز دين الله أعدائه بكل وسيلة. العلامة الرابعة: أنهم لا تأخذهم في الله لومة لائم؛ فلا يؤثر فيهم ازدراء

стр. 77

الناس لهم ولومهم إياهم على ما يبذلون من أنفسهم وأموالهم لنصرة الحق؛ لقناعتهم بصحة ما هم عليه، وقوة إيمانهم ويقينهم؛ فكل محب يؤثر فيه اللوم فيضعفه من مناصرة حبيبه فليس بمحب على الحقيقة. والأسباب الجالبة لمحبة الله تعالى عشرة أشياء، ذكرها ابن القيم ﵀، وهي: أحدهما: قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أريد به. الثاني: التقرب إلى الله تعالى بالنوافل بعد الفرائض. الثالث: دوام ذكر الله على حال باللسان والقلب والعمل. الرابع: إيثار ما يحبه الله على ما يحبه العبد عند تزاحم المحبتين. الخامس: التأمل في أسماء الله وصفاته وما تدل عليه من الكمال والجلال، وما لها من الآثار الحميدة. السادس: التأمل في نعم الله الظاهرة والباطنة ومشاهدة بره وإحسانه وإنعامه على عباده. السابع: انكسار القلب بين يدي الله وافتقاره إليه. الثامن: الخلوة بالله وقت النزول الإلهي حين يبقى ثلث الليل الآخر وتلاوة القرآن في هذا الوقت، وختم ذلك بالاستغفار والتوبة. التاسع: مجالسة أهل الخير والصلاح المحبين لله والاستفادة من كلامهم. العاشر: الابتعاد عن كل سبب يحول بين القلب وبين الله من الشواغل. ومن توابع محبة الله ولوازمها: محبة رسول الله ﷺ ؛ كما أخرج البخاري

стр. 78

ومسلم عن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين"؛ أي: لا يؤمن الإيمان الكامل إلا من كان الرسول أحب إليه من نفسه وأقرب الناس إليه. ومحبة الرسول تابعة لمحبة الله، ملازمة لها، ومن أحب الرسول ﷺ ، اتبعه، فمن ادعى محبته ﵊، وهو يخالفه فيما جاء به، فيطيع غيره من المنحرفين والمبتدعين والمخرفين، فيحيي البدع ويترك السنن؛ فهو كاذب في دعواه أنه يحب الرسول ﷺ ، أن المحب يطيع محبوبه. فالذين يحدثون البدع المحالفة لسنة الرسول بإحياء الموالد وغيرها من البدع، أو يفعلون ما هو أعظم من ذلك من الغلو في النبي "ودعائه من دون الله وطلب المدد منه والاستغاثة به، ومع هذا يدعون أنهم يحبونه؛ فهذا من أعظم الكذب، وهم كالذين قال الله فيهم: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ ١؛ لأن الرسول "نهى عن هذه الأمور، وقد خالفوا نهيه، وارتكبوا معصيته، وهم يدعون أنهم يحبونه؛ فكذبوا، نسأل الله العافية. ٣ - الشرك في التوكل: التوكل في اللغة معناه: الاعتماد والتفويض، وهو من عمل القلب، يقال: توكل في الأمر: إذا ضمن القيام به، ووكلت أمري إلى فلان: إذا اعتمدت عليه. والتوكل على الله من أعظم أنواع العبادة التي يجب إخلاصها لله؛ قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٢. والتوكل على غير الله تعالى أقسام:

стр. 79

أحدها: التوكل في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله؛ كالتوكل على الأموات والغائبين ونحوهم من الطواغيت في تحقيق المطالب من النصر والحفظ والرزق أو الشفاعة؛ فهذا شرك أكبر. الثاني: التوكل في الأسباب الظاهرة؛ كمن يتوكل على سلطان أو أمير أو أي شخص حي قادر فيما أقدره الله من عطاء أو دفع أذى ونحو ذلك؛ فهذا شرك اصغر؛ لأنه اعتماد على الشخص. الثالث: التوكل الذي هو إنابة الإنسان من يقوم بعمل عنه مما يقدر عليه؛ كبيع وشراء؛ فهذا جائز، ولكن ليس له أن يعتمد عليه في حصول ما وكله فيه، بل يتوكل على الله في تيسير أموره التي يطلبها بنفسه أو نائبه؛ أن توكيل الشخص في تحصيل الأمور الجائزة من جملة الأسباب، والأسباب لا يعتمد عليها، وإنما يعتمد على الله - سبحانه، الذي هو مسبب الأسباب وموحد السبب والمسبِّب. والتوكل على الله في دفع المضار وتحصيل الأرزاق وما لا يقدر عليه إلا هو من أعظم أنواع العبادة، والتوكل على غيره في ذلك شرك أكبر؛ قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١، فأمر - سبحانه - بالتوكل عليه وحده؛ أن تقديم المعمول يفيد الحصر، وجعل التوكل عليه شرطا في الإيمان؛ كما جعله شرطا في الإسلام في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ ٢، فدل على انتفاء الإيمان والإسلام عمن لم يتوكل على الله أو توكل على غيره فيما لا يقدر عليه إلا هو من أصحاب القبور والأضرحة وسائر الأوثان. فالتوكل على الله فريضة يجب إخلاصها لله، وهو أجمع أنواع العبادة، وأعلى مقامات التوحيد وأعظمها وأجلها؛ لما ينشأ عنه من الأعمال الصالحة؛

стр. 80

فإنه إذا اعتمد على الله في جميع أموره الدينية والدنيوية دون كل ما سواه؛ صح إخلاصه ومعاملته مع الله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وما رجا أحدُ مخلوقا ولا توكل عليه؛ إلا خاب ظنه فيه ... " انتهى. والتوكل على الله من أعظم منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ؛ فلا يحصل كمال التوحيد بأنواعه الثلاثة إلا بكمال التوكل على الله - سبحانه، قال الله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾ ١، والآيات في الأمر به كثيرة جدّا، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِه﴾ ٢. قال الإمام ابن القيم ﵀ على قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٣:"فجعل التوكل على الله شرطا في الإيمان، فدل على انتفاء الإيمان عند انتفائه". وكلما قوي إيمان العبد؛ كان توكله أقوى، وإذا ضعف الإيمان، ضعف التوكل، وإذا كان التوكل ضعيفا؛ كان دليلاً على ضعف الإيمان ولا بد. والله تعالى في مواضع من كتابه يجمع بين التوكل والعبادة، وبين التوكل والإيمان، وبين التوكل والتقوى، وبين التوكل والإسلام، وبين التوكل والهداية؛ فظهر أن التوكل أصل لجميع مقامات الإيمان والإحسان لجميع أعمال الإسلام، وأن منزلته منها كمنزلة الرأس من الجسد؛ فكما لا يقوم الرأس إلا على البدن؛ فكذلك لا يقوم الإيمان ومقاماته وأعماله إلا على ساق التوكل. وقد جعل الله التوكل عليه من أبرز صفات المؤمنين؛ فقال : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ٤، أي: يعتمدون عليه

стр. 81

بقلوبهم؛ فلا يرجون سواه، وفي الآية وصف المؤمنين حقا بثلاثة مقامات من مقامات الإحسان، وهي: الخوف، وزيادة الإيمان، والتوكل على الله وحده. والتوكل على الله - سبحانه - لا ينافي السعي في الأسباب والأخذ بها؛ فإن الله - سبحانه تعالى - قدَّر مقدورات مربوطة بأسباب، وقد أمر الله تبارك تعالى بتعاطي الأسباب مع أمره بالتوكل؛ فالأخذ بالأسباب طاعة لله؛ لأن الله أمر بذلك، وهو من عمل الجوارح، والتوكل من عمل القلب، وهو إيمان بالله قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ٢قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ ٣. وقال بعض العلماء: من طعن الحركة "يعني: في السعي والكسب والأخذ بالأسباب"؛ فقد طعن في السنة، ومن طعن في التوكل؛ فقد طعن في الإيمان. قال الإمام ابن رجب ﵀: "والأعمال التي يعملها العبد ثلاثة أقسام: أحدها: الطاعات التي أمر الله بها عباده وجعلها سببا للنجاة من النار ودخول الجنة؛ فهذا لا بد من فعله مع التوكل على الله فيه والاستعانة به عليه؛ فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فمن قصر في شيء من ذلك؛ استحق في الدنيا والآخرة قدرًا وشرعا. قال يوسف بن أسباط: "يقال: اعمل عمل رجل لا ينجيه إلا عمله، وتوكل توكل رجل لا يصيبه إلا ما كتب له". والثاني: ما أجرى الله العادة به في الدنيا وأمر عباده بتعاطيه؛ كالأكل عند الجوع، والشرب عند العطش، والاستظلال من الحر، والتدفئة من البرد ...

стр. 82

ونحو ذلك؛ فهذا - أيضا - واجب على العبد تعاطي أسبابه، ومن قصر فيه حتى تضرر بتركه مع القدرة على استعماله؛ فهو مفرط يستحق العقوبة، لكن الله يقوي بعض عباده من ذلك على ما لا يقوي عليه غيره، فإذا عمل بمقتضى قوته التي اختص بها عن غيره؛ فلا حرج عليه، ولهذا؛ كان النبي ﷺ يواصل في صيامه، وينهى عن ذلك أصحابه، ويقول لهم: "إني لست كهيئتكم، إني أطعم وأسقى"، وقد كان من السلف لهم من القوة على ترك الطعام والشراب ما ليس لغيرهم، فمن كان له قوة، فعمل بمقتضى قوته، ولم يضعفه ذلك عن طاعة الله؛ فلا حرج عليه، من كلف نفسه حتى أضعفها عن بعض الواجبات؛ فإنه ينكر عليه ذلك. القسم الثالث: ما أجرى الله العادة به في الدنيا في الأعم الأغلب....". إلى أن قال: "وقد روي عن ابن عباس؛ قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن متوكلون، فيحجون، فيأتون مكة ويسألون الناس، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ ١. وقد سئل أحمد ﵀ عمن يقعد ولا يكتسب ويقول: توكلت على الله؟ فقال: ينبغي للناس كلهم يتوكلون على الله، ولكن يعودون على أنفسهم بالكسب، قد كان الأنبياء يُؤَجِّرونَ أنفسهم، وكان النبي "يؤجر نفسه، وأبو بكر، وعمر، ولم يقولوا: نقعد حتى يرزقنا الله. وقال الله تعالى: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ ٢، وخرج الترمذي من حديث أنس؛ قال: "قال رجل: يا رسول الله! أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل؟ قال: أعقلها وتوكل"، وهذا كله إشارة إلى أن التوكل لا ينافي الإتيان بالأسباب المباحة، بل قد يكون جمعها أفضل.

стр. 83

وقد لقي عمر بن الخطاب من أهل اليمن، فقال: من أنتم؟ قالوا نحن المتوكلون. قال: "بل أنتم المتأكلون، إنما المتوكل الذي يلقي حبه في الأرض ويتوكل على الله". ٤- الشرك في الطاعة: اعلموا وفقني الله وإياكم أن من الشرك طاعة العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله: قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١. وفي الحديث الصحيح: "أن النبي ﷺ تلا هذه الآية على عدي بن حاتم الطائي، فقال: يا رسول الله! لسنا نعبدهم. قال: أليس يحلون لكم ما حرم الله؛ فتحلونه، ويحرمون ما أحل الله؛ فتحرمونه؟. قال: بلى. قال النبي ﷺ : فتلك عبادتهم". رواه الترمذي وغيره. وقد فسر النبي ﷺ فيه اتخاذ الأحبار والرهبان أربابا من دون الله بأنه ليس معناه الركوع والسجود لهم، وإنما معناه طاعتهم في تغير أحكام الله وتبديل شريعته؛ حيث نصبوا أنفسهم شركاء لله في التشريع، فمن أطاعهم في ذلك؛ فقد اتخذهم شركاء لله في التشريع والتحليل والتحريم، وهذا من الشرك الأكبر؛ لقوله تعالى في الآية: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢. ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ

стр. 84

إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ ١. ومن هذا طاعة الحكام والرؤساء في تحكيم القوانين الوضعية المخالفة للأحكام الشرعية في تحليل الحرام؛ كإباحة الربا والزنا وشرب الخمر، ومساواة المرأة للرجل في الميراث، وإباحة السفور والاختلاط، أو تحريم الحلال؛ كمنع تعدد الزوجات ... وما أشبه ذلك من تغيير أحكام الله واستبدالها بالقوانين الشيطانية؛ فمن وافقهم على ذلك ورضي به واستحسنه؛ فهو مشرك كافر والعياذ بالله. ومن ذلك تقليد الفقهاء بإتباع أقوالهم المخالفة للأدلة إذا كانت توافق أهواء بعض الناس وما يشتهونه؛ كما يفعل بعض أنصاف المتعلمين من تلمس الرخص، والواجب أن يؤخذ من قول المجتهد ما وافق الدليل، ويطرح ما خالفه. قال الأئمة ﵏: "كل يؤخذ من قوله ويترك؛ إلا رسول الله ﷺ ". قال الإمام أبو حنيفة ﵀: "إذا جاء الحديث عن رسول الله ﷺ ، فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن التابعين؛ فهم رجال ونحن رجال"؛ يريد ﵀ أمثاله وأمثال الأئمة الكبار. وقد استغل هذه الكلمة بعض أنصاف المتعلمين، الذين جعلوا أنفسهم في مصاف الأئمة المجتهدين، وهم لا يزالون جهالاً، ولا شك أن الإمام أبا حنيفة لا يقصد مساواة العلماء بالجهال. وقال ملك ﵀: "كلنا راُّد ومردود عليه؛ إلا صاحب هذا القبر ... "؛ يعني: رسول الله ﷺ . وقال الإمام الشافعي ﵀: "إذا صَّح الحديث؛ فهو مذهبي". وقال: "إذا خالف قولي رسول الله ﷺ ، فاضربوا بقولي عرض الحائط".

стр. 85

وقال الإمام أحمد ﵀: "عجب لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١". ويقول عبد الله بن عباس ﵄: "يوشك أن ينزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟! ". قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀ في "فتح المجيد": "فالواجب على كل مكلف إذا بلغه الدليل من كتاب الله وسنة رسوله، وفهم معنى ذلك: أن ينتهي إليه، ويعمل به، وإن خالفه من خالفه ... ". إلى أن قال: "فيجب على من نصح نفسه إذا قرأ كتب العلماء ونظر فيها وعرف أقوالهم أن يعرضها على ما في الكتاب والسنة، فإن كل مجتهد من العلماء ومن تبعه وانتسب إليه يذكر دليله، والحق في المسألة واحد، والأئمة مثابون على اجتهادهم؛ فالمنصف يجعل النظر في كلامهم وتأمله طريقا إلى معرفة المسائل واستحضارها وتمييز الصواب من الخطأ بالأدلة التي يذكرها المستدلون، ويعرف بذلك من هو أسعد بالدليل من العلماء فيتبعه". وقال ﵀ على قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ ٢: "وهذا قد وقع فيه كثير من الناس مع من قلدوهم؛ لعدم اعتبارهم الدليل إذا خالف المقلَّد، وهو من الشرك٣، ومنهم من يغلو في ذلك، ويعتقد أن الأخذ بالدليل والحالة هذه يكره أو يحرم؛ فعظمت الفتنة، ويقول: هو أعلم منا بالأدلة ... " انتهى. وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: "المسألة الخامسة: تغير الأحوال إلى هذه الغاية، حتى صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل

стр. 86

الأعمال، وتسمى الولاية، وعبادة الأحبار هي العلم والفقه، ثم تغيرت الحال إلى أن عبد من دون الله مَن ليس من الصالحين، وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين ... " انتهى. ومن اتخاذ الأخبار والرهبان أربابا طاعة علماء الضلال فيما أحدثوه في دين الله من البدع والخرافات والضلالات؛ كإحياء أعياد الموالد، والطرق الصوفية، والتوسل بالأموات، ودعائهم من دون الله؛ حتى إن هؤلاء العلماء الضالين شرعوا ما لم يأذن به الله، وقلدهم فيه الجهال السذج، وعدوه هو الدين، ومن أنكره ودعا إلى اتباع ما جاء به الرسول ﷺ ، عدوه خارجا من الدين، أو أنه يبغض العلماء والصالحين؛ فعاد المعروف منكرًا، والمنكر معروفا، والسنة بدعة، والبدعة سنة، حتى شب على ذلك الصغير، وهرم عليه الكبير، وهذا من غربة الدين، وقلة الدعاة المصلحين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وإذا كان لا يجوز اتباع أئمة الفقه المجتهدين فيما أخطؤوا فيه من الاجتهاد مع أنهم معذورون ومأجورون فيما أخطؤوا فيه من غير قصد؛ إلا أنه يحرم على الخطأ؛ فكيف لا يحرم تقليد هؤلاء المضللين والدجالين، الذين أخطؤوا فيما لا يجوز الاجتهاد فيه، وهو أمر العقيدة؛ لأن العقيدة توقيفية، تتوقف على النصوص، ولكن الأمر كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُبْطِلُونَ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ ١. وإلى جانب هؤلاء المغرقين في التقليد الأعمى في الأصول والفروع، إلى جانبهم جماعة أخرى على النقيض منهم، ترى وجوب الاجتهاد على كل أحد، ولو كان جاهلاً لا يحسن قراءة القرآن ولا يعرف سيئا عن العلم، ويحرمون ١ سورة الروم، الآيتان: ٥٨ ـ ٦٠.

стр. 87

النظر في كتب الفقه، ويريدون من الجهال أن يستنبطوا الأحكام من الكتاب والسنة، وهذا تطرف شنيع، وخطر هؤلاء على المسلمين لا يقل عن خطر الفريق الأول، إن لم يزد عليه، وخير الأمور الوسط والاعتدال؛ بأن لا نقلد الفقهاء تقليدًا أعمى، ولا نزهد بعلمهم نترك أقوالهم الموافقة للكتاب والسنة، بل ننتفع بها، ونستعين بها على فهم الكتاب والسنة؛ لأنها ثروة علمية، ورصيد فقهي عظيم، يؤخذ منه ما وافق الدليل، ويترك ما خالف الدليل؛ كما كان السلف الصالح يفعلون ذلك، خصوصا في زمان الذي تقاصرت فيه الهمم وفشا فيه الجهل؛ فالواجب الاعتدال بلا إفراط ولا تفريط، ولا غلو ولا تساهل، ونسأل الله أن يهدي ضال المسلمين، ويثبت أئمتهم وقادتهم على الحق؛ إنه سميع مجيب. وكما لا يجوز طاعة العلماء في تحليل الحرام وتحريم الحلال؛ فكذلك لا تجوز طاعة الأمراء والرؤساء في الحكم بين الناس بغير الشريعة الإسلامية؛ لأنه يجب التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله في جميع المنازعات والخصومات وشؤون الحياة؛ لأن هذا هو مقتضى العبودية والتوحيد؛ لأن التشريع حق لله وحده؛ كما قال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ﴾ ١، أي: هو الحكم وله الحكم، وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ٣. فالتحاكم إلى شرع الله ليس لطلب العدل فقط، وإنما هو في الدرجة الأولى تعبُّد لله، وحق لله وحده، وعقيدة، فمن احتكم إلى غير شرع الله من سائر الأنظمة والقوانين البشرية؛ فقد اتخذ واضعي تلك القوانين والحاكمين بها شركاء لله في تشريعه؛ قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّه﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ

стр. 88

إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ ١. وقد نفى الله الإيمان عمن تحاكم إلى غير شرعه؛ قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ٢. فمن دعا إلى تحكيم القوانين البشرية؛ فقد جعل لله شريكا في الطاعة والتشريع، ومن حكم بغير ما أنزل الله؛ يرى أنه أحسن أو مساو لما أنزل الله وشرعه، أو أنه يجوز الحكم بهذا؛ فهو كافر بالله، وإن زعم أنه مؤمن؛ لأن الله أنكر على من يريد التحاكم إلى غير شرعه، وكذبهم في زعمهم الإيمان؛ لأن قوله: ﴿يَزْعُمُونَ﴾ : متضمن لنفي إيمانهم؛ لأن هذه الكلمة تقال غالبا لمن يدعي دعوى هو فيها كاذب، ولأن تحكيم القوانين تحكيم للطاغوت، والله قد أمر بالكفر بالطاغوت، وجعل الكفر بالطاغوت ركن التوحيد؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ٣، فمن حكم القوانين؛ لم يكن موحدًا؛ لأنه اتخذ لله شريكا في التشريع والطاعة، ولم يكفر بالطاغوت الذي أمر أن يكفر به، وأطاع الشيطان؛ كما قال تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ ٤ وقد أخبر الله عن المنافقين أنهم حينما يدعون إلى التحاكم إلى شرع الله يأبون ويعرضون؛ فقال - سبحانه -: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ ٥، كما أخبر أنهم يرون الفساد صلاحا؛ لانتكاس فطرهم، وفساد قلوبهم؛ فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ

стр. 89

الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ ١، فالتحاكم إلى غير الله من أعمال المنافقين، وهو من أعظم الفساد في الأرض. قال الإمام ابن القيم ﵀ على هذه الآية: "قال أكثر المفسرين: ولا تفسدوا فيها بالمعاصي والدعاء إلى طاعة غير الله بعد إصلاح الله لها ببعثة الرسل وبيان الشريعة والدعاء إلى طاعة الله؛ فإن عبادة غير الله والدعوة إلى غيره بالشرك ومخالفة أمره؛ فالشرك والدعوة إلى غير الله وإقامة معبود غيره وطاع متبع غير الرسول ﷺ هو أعظم فساد في الأرض، ولا صلاح لها ولأهلها إلا بأن يكون الله وحده هو المعبود المطاع، والدعوة له لا لغيره، والطاعة والإتباع للرسول ليس إلا، وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول ﷺ ، فإذا أمر بمعصيته وخلاف شريعته؛ فلا سمع ولا طاعة، ومن تدبر أحوال العالم؛ وجد كل صلاح في الأرض؛ فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله، وكل شر في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو وغير ذلك؛ فسببه مخالفة رسوله والدعوة إلى غير الله ورسوله". وقد سمى الله كل حكم يخالف حكمه بأنه حكم الجاهلية؛ قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ٢. قال ابن كثير ﵀: "ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله تعالى، المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الجهالات والضلالات، وكما تحكم به التتار من السياسات المأخوذة عن جنكيز خان، الذي وضع لهم "الياسق"، وهو عبارة عن

стр. 90

كتاب أحكام اقتبسها من شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها عن مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعا، يقدمونها على الحكم بالكتاب والسنة، فمن فعل ذلك؛ فهو كافر، يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله؛ فلا يحكم بسواه في قليل أو كثير ... " انتهى كلامه ﵀. ومثل القانون الذي ذكره عن التتار وحكم بكفر من جعله بديلاً من الشريعة الإسلامية القوانين الوضعية التي جعلت اليوم في كثير من الدول هي مصادر الأحكام وألغيت من أجلها الشريعة الإسلامية؛ إلا فيما يسمونه بالأحوال الشخصية. والدليل على كفر من فعل ذلك آيات كثيرة: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ١، وقوله: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ٣. وكما قلنا قريبا: إنه يجب تحكيم الشريعة عقيدة ودينا يدان الله به، لا من أجل طلب العدالة فقط. هذا؛ ولا بد للعبد من قبول حكم الله، سواء كان له أم عليه، وسواء وافق هواه أم لا؛ قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ

стр. 91

فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ ١. وعن عبد الله بن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به". قال ابن رجب ﵀: "معنى الحديث أن الإنسان لا يكون مؤمنا كامل الإيمان الواجب حتى تكون محبته محته تابعة لما جاء به الرسول ﷺ من الأوامر والنواهي وغيرها؛ فيحب ما أمر به، ويكره ما نهى عنه، وقد ورد القرآن بمثل هذا المعنى في غير موضع، وذم سبحانه من كره ما أحبه الله أو أحب ما كرهه الله؛ كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ ٢ ... ". إلى أن قال: "وصف المشركين بإتباع الهوى في مواضع من كتابه؛ فقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ ٣. وكذلك البدع إنما تنشأ من تقديم الهوى على الشرع، ولهذا سمي أهلها أهل الأهواء، وكذلك المعاصي إنما تنشأ من تقديم الهوى على الشرع، ولهذا سمّي أهلها أهل الأهواء، وكذلك المعاصي إنما تنشأ من تقديم الهوى على محبة الله ومحبة ما يحبه، وكذلك حب الأشخاص الواجب فيه أن يكون تبعا لما جاء به الرسول ﷺ ؛ فيجب على المؤمن محبة من يحبه الله من الملائكة والرسل والأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين عموما ... " انتهى كلامه ﵀.

стр. 92

أمور أخرى تنافي التوحيد: هذا؛ وهناك أشياء تنافي التوحيد، وتقتضي الردة عن دين الإسلام؛ منها سوء الظن بالله، ومنها الاستهزاء بشيء فيه الله :

стр. 93

١ - سوء الظن بالله: فسوء الظن بالله خطير؛ لأن حسن الظن بالله من واجبات التوحيد، وسوء الظن به ينافي التوحيد. وقد وصف الله المنافقين بأنهم يظنون به غير الحق؛ فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ ١، وأخبر عنهم في الآية الأخرى أنهم يظنون به ظن السوء، فقال: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ ٢. قال الإمام ابن القيم في تفسير الآية الأولى: "فسر هذا الظن بأنه سبحانه لا ينصر رسوله وأن أمره سيضمحل، وفسر بأن ما أصابه لم يكن بقدر الله وحكمته؛ ففسر بإنكار الحكمة وإنكار القدر وإنكار أن يتم أمر رسوله وأن يظهره الله على الدين كله، وهذا هو ظن السوء الذي ظن المنافقون والمشركون في سورة الفتح، وإنما كان هذا ظن السوء؛ لأنه لا يليق به سبحانه ولا بحكمته وحمده ووعده الصادق، فمن ظن أنه يديل الباطل على الحق إدالة مستمرة يضمحل معها الحق، أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره، أو أنكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجردة؛ فذلك ظن الذين كفروا؛ فويل للذين كفروا من النار، وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته وموجب حكمته وحمده؛ فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا، وليتب إلى الله، وليستغفره من ظنه بربه ظن السوء". ولو فتشت من فتشت؛ لرأيت عنده تعنتا على القدر، وملامة له، وأنه كان

стр. 94

ينبغي أن يكون كذا وكذا؛ فمستقل ومستكثر، وفتش نفسك هل أنت سالم؟ فإنْ تَنْج مِنْ ذي عَظيَمٍة ... وإلاَّ فَإنِّي لا أَخَالكَ نَاجِيا قال ابن القيم ﵀: "فمن ظن به أنه لا ينصر رسوله ولا يتم أمره ولا يؤيده ويؤيد حزبه ويعليهم ويظفرهم بأعدائهم ويظهرهم، وأنه لا ينصر دينه وكتابه، وأنه يديل الشرك على التوحيد الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها التوحيد والحق اضمحلالاً لا يقوم بعده أبدًا؛ فقد ظن بالله ظن السوء، ونسبه إلى خلاف ما يليق بجلاله وكماله وصفاته ونعوته؛ فإن حمده وعزته وحكمته وإلهيته تأبى ذلك، وتأبي أن يذل حزبه وجنده، وأن تكون النصرة المستقرة والظفر الدائم لأعدائه المشركين به العادلين به، فمن ظن به ذلك؛ فما عرفه، ولا عرف أسماءه، ولا عرف صفاته وكماله". وكذلك من أنكر أن يكون ذلك بقضائه؛ فما عرفه، ولا عرف ربوبيته وملكه وعظمته. وكذلك من أنكر أن يكون قدَّر ما قدَّره من ذلك وغيره لحكمة بالغة وغاية محمودة يستحق عليها الحمد، ظن أن ذلك إنما صدر عن مشيئة مجردة عن حكمة وغاية مطلوبة هي أحب إليه من فواتها، وأن تلك الأسباب المكروهة له المفضية إليها لا يخرج تقديرها عن الحكمة؛ لإفضائها إلى ما يحب، وإن كانت مكروهة له؛ فما قدرها سدى، ولا شاءها عبثا، ولا خلفها باطلاً، ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ ١. وأكثر الناس يظنون بالله غير الحق، ظن السوء، فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله، وعرف أسماءه وصفاته، وعرف موجب حكمته وحمده:

стр. 95

فمن قنط من رحمته، وآس من روحه؛ فقد ظن به ظن السوء. ومن جوز عليه أن يعذب أولياءه مع إحسانهم وإخلاصهم ويسوي بينهم وبين أعدائه؛ فقد ظن به ظن السوء. ومن يظن أنه يترك خلفه سدى معطلين عن الأمر والنهي لا يرسل إليهم رسله ولا ينزل عليهم كتبه، بل يتركهم هملاً كالأنعام؛ فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن أنه لا يجمع عبيده بعد موتهم للثواب والعقاب في دار يجازى المحسن فيها بإحسانه والمسيء بإساءته ويبين لخلقه حقيقة ما اختلفوا فيه ويظهر للعالمين كلهم صدقه وصدق رسوله وأن أعداءه كانوا هم الكاذبين؛ فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن أنه يضيع عليه عمله الصالح الذي عمله خالصا لوجهه على امتثال أمره ويبطله بلا سبب من العبد، وأنه يعاقبه بما لا صنع له فيه ولا اختيار له ولا قدرة ولا إرادة له في حصوله، بل يعاقبه على فعله هو - سبحانه - به، أو ظن به أنه يجوز عليه أن يؤيد أعداءه الكاذبين عليه بالمعجزات التي يؤيد بها أنبياءه ورسله، ويجريها على أيديهم ليضلوا بها عبادة، وأنه يحسن منه كل شيء، حتى تعذيب من أفنى عمره في طاعته، فيخلده في الجحيم في أسفل سافلين، وينعم من استنفذ عمره في عداوته وعداوة رسله ودينه، فيرفعه إلى أعلى عليين، وكلا الأمرين في الحسن عنده سواء، ولا يعرف امتناع أحدهما ووقوع الآخر إلا بخير صادق، وإلا فالعقل لا يقضي بقبح أحدهما وحسن الآخر؛ فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن أنه أخبر عن نفسه وصفاته وأفعاله بما ظاهره باطل وتشبيه وتمثيل، وترك الحق؛ لم يخبر به، وإنما رمز إليه رموزًا بعيدة، وأشار إليه إشارات ملغزة، ولم يصرح به، وصرح دائما بالتشبيه والتمثيل والباطل، وأراد من خلفه أن

стр. 96

يتعبوا أذهانهم وقواهم وأفكارهم في تحريف كلامه عن مواضعه، وتأويله على غير تأويله، ويتطلبوا له الوجوه والاحتمالات المستكرهة والتأويلات التي هي بالألغاز والأحاجي أشبه منها بالكشف والبيان، وأحالهم في معرفة أسمائه وصفاته على عقولهم وآرائهم لا على كتابه، بل أراد منهم أن لا يحملوا كلامه على ما يعرفونه من خطابهم ولغتهم، مع قدرته على أن يصرح لهم بالحق الذي ينبغي التصريح به ويريحهم من الألفاظ التي توقعهم في اعتقاد الباطل؛ فلم يفعل، بل سلك بهم خلاف طريق الهدى والبيان؛ فقد ظن به ظن السوء؛ فإنه إن قال: إنه غير قادر على التعبير عن الحق باللفظ الصريح الذي عبر به هو وسلفه؛ فقد ظن بقدرته العجز، وإن قال: إنه قادر، ولم يبين، وعدل عن البيان وعن التصريح بالحق إلى ما يوهم بل يوقع في الباطل المحال والاعتقاد الفاسد؛ فقد ظن بحكمته ورحمته ظن السوء. ومن ظن أنه هو وسلفه عبروا عن الحق بصريحه دون الله ورسوله، وأن الهدى والحق في كلامهم، وأما كلام الله؛ فإنما يؤخذ من ظاهره التشبيه والتمثيل والضلال، وظاهر كلام المشركين والحيارى هو الهدى والحق؛ لهذا من أسوأ الظن. فكل هؤلاء من الظانين بالله ظن السوء، ومن الظانين بالله غير الحق، ظن الجاهلية ... " انتهى كلام ابن القيم في بيان من هم الذين يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، ومن أراد استيفاءه؛ فليراجعه في (زاد المعاد) ، والله المستعان. ٢- الاستهزاء بشيء فيه ذكر الله: يجب على المسلم احترام كتاب الله وسنة رسوله وعلماء المسلمين، وأن يعرف حكم من استهزأ بذكر الله أو القرآن أو الرسول؛ ليكون المسلم على حذر من ذلك؛ فإن من استهزأ بذكر الله أو القرآن أو الرسول أو بشيء من

стр. 97

السنة؛ فقد كفر بالله لاستخفافه بالربوبية والرسالة، وذلك مناف للتوحيد، وكفر بإجماع أهل العلم. قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ... ﴾ ١الآية. وقد جاء بيان سبب نزول هاتين الآيتين الكريمتين؛ أنه ما حصل من المنافقين في بعض الغزوات من سخرية بالرسول ﷺ وأصحابه؛ فقد روى ابن جرير وغيره عن ابن عمر ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم وقتادة "دخل حديث بعضهم في بعض"؛ "أنه قال رجل في غزوة تبوك: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء "يعني: رسول الله ﷺ وأصحابه القراء". فقال له عوف بن مالك: كذبت، ولكتك منافق، لأخبرن رسول الله ﷺ فذهب عوف فذهب عوف إلى رسول الله ﷺ ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله! إنما كنا نخوض ونتحدث حديث الركب نقطع به الطريق". قال ابن عمر: "كأني أنظر إليه متعلقا بنسعة نتقة رسول الله ﷺ ، وإن الحجارة تنكب رجليه، وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب. فيقول له رسول الله ﷺ : ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ.﴾ ٢. ففي هاتين الآيتين الكريمتين مع بيان سبب نزولهما دليل واضح على كفر من استهزأ بالله أو رسوله أو آيات أو سنة رسوله أو بصحابة رسول الله؛ لأن من فعل ذلك؛ فهو مستخف بالربوبية والرسالة، وذلك مناف للتوحيد والعقيدة، ولو لم حقيقة الاستهزاء. ومن هذا الباب الاستهزاء بالعلم وأهله، وعدم احترامهم، أو الوقيعة فيهم

стр. 98

من أجل العلم الذي يحملونه، وكون ذلك كفرًا، لو لم يقصد حقيقة الاستهزاء؛ لأن هؤلاء الذين نزلت فيهم الآيات جاؤوا معترفين بما صدر منهم، ومعتذرين بقولهم: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ ؛ أي: لم نقصد الاستهزاء والتكذيب، وإنما قصدنا اللعب ضد الجد؛ فأخبرهم الله على لسان رسوله ﷺ أن عذرهم هذا لا يغني من الله شيئا، وأنهم كفروا بعد إيمانهم بهذه المقالة التي استهزؤوا بها، ولم يقبل اعتذارهم بأنهم لم يكونوا جادين في قولهم، وإنما قصدوا اللعب، ولم يزدصلى الله عليه وسلم في إجابتهم على تلاوة قول الله تعالى: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ١؛ لأن هذا لا يدخله المزاح واللعب، وإنما الواجب أن تحترم هذه الأشياء وتعظم، وليخشع عند آيات الله إيمانا بالله ورسوله وتعظيما لآياته، والخائض اللاعب متنقص لها. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب - يرحمه الله -: "القول الصريح في الاستهزاء هذا وما شابهه، وأما الفعل الصريح؛ فمثل مد الشفة وإخراج اللسان ورمز وما يفعله كثير من الناس عند الأمر بالصلاة والزكاة؛ فكيف بالتوحيد؟! " انتهى. ومثل هذا الاستهزاء بالسنة الثابتة عن رسول الله ﷺ ؛ كالذي يستهزئ بإعفاء اللحى وقص الشوارب، أو يستهزئ بالسواك ... أو غير ذلك، وكالاستهزاء بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال ابن إسحاق: "وقد كان جماعة من المنافقين، منهم وديعة بن ثابت أخو بني أمية بن زيد عمرو بن عوف، ورجل من أشجع لبني سلمة، يقال له: مخشي بن حمير، يشيرون إلى رسول الله ﷺ وهو منطلق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض: أتحبسون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا؟!

стр. 99

والله لكأنا بكم غبرًا مقرنين في الحبال! إرجافا وترهيبا للمؤمنين؛ فقال مخشي ابن حمير: والله لوددت أني أقاضى على أن يضرب كل رجل منا مئة جلدة، وإنا نتلفت أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه. وقال رسول الله ﷺ فيما بلغني لعمار ابن ياسر: "أدرك القوم؛ فإنهم قد احترقوا؛ فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا؛ فقل: بلى، قلتم كذا وكذا". فانطلق إليهم عمار، فقال لهم ذلك، فأتوا رسول الله ﷺ يعتذرون إليه، فقال وديعة بن ثابت ورسول الله ﷺ واقف على راحلته، فجعل يقول وهو آخذ بحقيها: يا رسول الله! إنما كنا نخوض ونلعب. فقال مخشي بن حمير: يا رسول الله! قعد بي اسمي واسم أبي. فكان الذي عناه - أي: بقوله تعالى: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ ١ في هذه الآية - مخشي بن حمير؛ فسمي عبد الرحمن، وسأل الله أن يقتل شهيدًا لا يعلم بمكانه، فقتل يوم اليمامة، فلم يوجد له أثر". قال شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀: "فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم، مع قولهم: إنما تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له، بل إنما كنا نخوض ونلعب، وبيَّن أن الاستهزاء بآيات الله كفر، ولا يكون هذا إلا ممَّن شرح صدرًا بهذا الكلام، ولو كان الإيمان في قلبه؛ لمنعه أن يتكلم بهذا الكلام، والقرآن يبين أن إيمان القلب يستلزم العمل الظاهر بحسبه؛ كقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢، نفى الإيمان عمن طاعة الرسول، وأخبر أن المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم؛ سمعوا وأطاعوا؛ فبين

стр. 100

أن هذا من لوازم الإيمان ... " انتهى. وبه يعلم كفر من يتنقصون الشريعة الإسلامية، ويصفونها بأنها لا تصلح لهذا الوقت الحاضر، وأن الحدود الشرعية فيها قسوة ووحشية، وأن الإسلام ظلم المرأة ... إلى غير ذلك من مقالات الكفر والإلحاد؛ نسأل الله العافية والسلامة.

стр. 101

أمور يفعلها بعض الناس وهي من الشرك أو من وسائله: هناك أشياء مترددة بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر، بحسب ما يقوم بقلب فاعلها وما يصدر عنه الأفعال والأقوال، ويقع فيها بعض الناس، قد تتنافى مع العقيدة، أو تعكر صفوها، وهي تمارس على المستوى العام، ويقع فيها بعض العوام؛ تأثرًا بالدجالين والمحتالين والمشعوذين، وقد حذر منها النبي ﷺ ، ومن هذه الأمور: ١- لبس الحلقة والخيط ونحوهما بقصد رفع البلاء أو دفعه: وذلك من فعل الجاهلية، وهو من الشرك الأصغر، وقد يترقى إلى درجة الشرك الأكبر؛ بحسب ما يقوم بقلب لا بسها من الاعتقاد بها. فعن عمران بن حصين ﵁؛ "أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً في يده حلقة من صفر، فقال: "ما هذا؟ ". قال: من الواهنة فقال: "انزعها؛ فإنها لا تزيدك إلا وهنا؛ فإنك لو مت وهي عليك؛ ما أفلحت أبدًا"، رواه أحمد بسند لا بأس به، وصححه ابن حبان والحاكم وأقره الذهبي. ٢- تعليق التمائم: وهي خرزات كانت العرب تعلقها على أولادها، يتقون بها العين، ويتلمحون من اسمها أن يتم الله لهم مقصودهم.

стр. 102

وقد تكون التمائم من عظام ومن خرز ومن كتابة وغير ذلك، وهذا لا يجوز. وقد يكون المعلق من القرآن، فإذا كان من القرآن؛ فقد اختلف العلماء في جوازه وعدم جوازه، والراجح عدم جوازه؛ سدّاً للذريعة، فإنه يفضي إلى تعليق غير القرآن، ولأنه لا مخصص للنصوص المانعة من تعليق التمائم؛ كحديث ابن مسعود ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الرقى والتمائم والتولة شرك"، رواه أحمد وأبو داود، وعن عقبة بن عامر مرفوعا: "من علق تميمة؛ فقد أشرك"، وهذه نصوص عامة لا مخصص لها. ٣- التبرك بالأشجار والآثار والبنايات: والتبرك معناه طلب البركة ورجاؤها واعتقادها في تلك الأشياء. وحكمه أنه شرك أكبر؛ لأنه تعلق على غير الله سبحانه في حصول البركة، وعباد الأوثان إنما كانوا يطلبون البركة منها؛ فالتبرك بقبور الصالحين كالتبرك باللات، والتبرك بالأشجار والأحجار كالتبرك بالعزى ومناة. وعن أبي واقد الليثي؛ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله ﷺ : "الله أكبر؛ إنها السنن، قلتم - والذي نفسي بيده - كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ١، لتركبن سنن من كان قبلكم"، رواه الترمذي وصححه. ٤- السحر: وهو عبارة عما خفي ولطف سببه، سمي سحرًا لأنه يحصل بأمور خفية لا

стр. 103

تدرك بالأبصار، وهو عبارة عن عزائم ورقى وكلام يتكلم به وأدوية وتدخينات، ومنه ما يؤثر في القلوب والأبدان فيمرض ويقتل ويفرق بين المرء وزوجه، وتأثيره بإذن الله الكوني القدري، وهو عمل شيطاني، وكثير منه لا يتوصل إليه إلا بالشرك والتقرب إلى الأرواح الخبيثة بشيء مما تحب، والاستعانة بالتحيل على استخدامها بالإشراك بها، ولهذا يقرنه الشارع بالشرك، وهو داخل في الشرك من ناحيتين: الأولى: ما فيه من استخدام الشياطين والتعلق بهم، وربما تقرب إليهم بما يحبونه ليقومون بخدمته. الثانية: ما فيه من دعوى علم الغيب ودعوى مشاركة الله في ذلك، وهذا كفر وضلال. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ ١. وعن أبي هريرة ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: " اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: يا رسول الله! وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات". ٥- الكهانة: وهي ادعاء علم الغيب؛ كالإخبار بما سيقع في الأرض، مع الاستناد إلى سبب، هو استراق السمع، يسترق الجني الكلمة من كلام الملائكة، فيلقيها في أذن الكاهن، فيكذب معها مئة كذبة، فيصدقه الناس بسبب تلك الكلمة. والله هو المتفرد بعلم الغيب؛ فمن ادعى مشاركته في شيء من ذلك بكهانة أو غيرها، أو صدَّق من يدَّعي ذلك؛ فقد جعل لله شريكا فيما هو من

стр. 104

خصائصه، وهو مكذب لله ولرسوله. وكثير من الكهانة المتعلقة بالشياطين لا تخلو من الشرك والتقرب إلى الوسائط التي يستعين بها على دعوى العلوم الغيبية. فالكهانة شرك من جهة دعوى مشاركة الله في علمه الذي اختص به، ومن جهة التقرب إلى غير الله. وفي صحيح مسلم عن بعض أزواج النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ ؛ قال: "من أتى عرافا، فسأله عن شيء، فصدقه بما يقول؛ لم تقبل له صلاة أربعين يوما". وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ؛ قال: "من أتى كاهنا، فصدقه بما يقول؛ فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ "، رواه أبو داود. ومما يجب التنبيه عليه والتحذير منه أمر السحرة والكهان والمشعوذين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون؛ فبعضهم يظهر للناس بمظهر الطبيب الذي يداوي المرض، وهو في الحقيقة مفسد للعقائد؛ بحيث يأمر المريض أن يذبح لغير الله، أو يكتب له الطلاسم الشركية والتعاويذ الشيطانية، والبعض الآخر منهم يظهر بمظهر المخبر عن المغيبات وأماكن الأشياء المفقودة؛ بحيث يأتيه الجهال يسألونه عن الأشياء الضائعة، فيخبرهم عن أماكن وجودها، أو يحضرها لهم بواسطة الشياطين، والبعض الآخر منهم يظهر بمظهر الولي الذي له خوارق وكرامات؛ كدخول النار، وضرب نفسه بالسلاح، ومسك الحيات ... وغير ذلك، وهو في الحقيقة دجال مشعوذ وولي للشيطان ... وكل هذه الأصناف تريد الاحتيال والنصب لأكل أموال الناس وإفساد عقائدهم؛ فيجب على المسلمين أن يحذروهم ويبتعدوا عنهم، ويجب على ولاة الأمور استتابة هؤلاء، فإن تابوا وإلا قتلوا؛ لإراحة المسلمين من شرهم وفسادهم، وتنفيذًا

стр. 105

لحكم الله فيهم؛ ففي "صحيح البخاري" عن بجالة بن عبدة؛ قال: "كتب عمر بن الخطاب أن اقتلوا كل ساحر وساحرة"، وعن جندب مرفوعا: "حد الساحر ضربه بالسيف"، رواه الترمذي. ٦- التطير: وهو التشاؤم بالطيور والأسماء والألفاظ والبقاع والأشخاص وغير ذلك فإذا عزم شخص على أمر من أمور الدين أو الدنيا، فرأى أو سمع ما يكره؛ أثر فيه ذلك أحد أمرين: إما الرجوع عما كان عازما عليه تطيرًا وتأثرًا بما رأى أو سمع، فيعلِّقُ قَلْبَه بذلك المكروه، ويؤثر ذلك على إيمان، ويخل بتوحيده وتوكله على الله. وإما أن لا يرجع عما عزم عليه، ولكن يبقى في قلبه أثر ذلك التطير من الحزن والألم والهم والوساوس والضعف. فيجب على من وجد شيئا من ذلك في نفسه: أن يجاهدها على دفعه، ويستعين بالله، ويتوكل عليه، ويمضي في شأنه، ويقول: "اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك". والتطير داء قديم، ذكره الله عن الأمم الكافرة، وأتهم كانوا يتطيرون بخير الخلق، وهم الأنبياء وأتباعهم المؤمنين؛ كما ذكر الله عن فرعون وقومه؛ أنهم إذا أصابتهم سيئة ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ ١، وكما ذكر الله عن قوم صالح أنهم قالوا له: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ ٢، وكما ذكر الله عن أصحاب القرية أنهم قالوا لرسل الله ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٣، وكما ذكر الله عن المشركين أنهم تطيروا بمحمد ﷺ ؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ ٤. وهكذا دين المشركين واحد؛ حيث انتكست قلوبهم وعقولهم؛ فاعتقدوا

стр. 106

الشر بمن هو مصدر الخير، وهم الرسل عليهم الصلاة والسلام، وما ذلك إلا لتمكن الضلالة في نفوسهم، وانتكاس فطرهم، وإلا؛ فالخير والشر كلاهما بقضاء الله وقدره، ويجريان حسب حكمته وعلمه تفضلاً؛ فالخير تفضل منه وجزاء على فعل الطاعة، والشر عدل منه وجزاء وعقوبة على فعل المعصية؛ قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ ١. والتطير شرك؛ لكونه تعلق على غير الله، واعتقاد بحصول الضرر من مخلوق لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعا، ولكونه من إلقاء الشيطان ووسوسته، ولكونه يصدر عن القلب خوفا وخشية، وهو ينافي التوكل. وإليكم ما قاله الرسول ﷺ محذرًا من التطير: فقد روى الشيخان عن النبي ﷺ ؛ أنه قال: "لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر". وقال ﷺ : "لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل. قالوا: وما الفأل؟ قال: الكلمة الطيبة"، متفق عليه. وعن ابن مسعود مرفوعا: "الطيرة شرك، الطيرة شرك". وفي "صحيح مسلم" عن معاوية بن الحكم؛ أنه قال لرسول الله ﷺ : "ومنا أناس يتطيرون؟ قال: ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه؛ فلا يصدَّنَّكم"؛ فأخبر صلى الله عليه وسلمأن تأذيه وتشاؤمه بالطَّيَرة إنما هو في نفسه وعقيدته لا في المتطيَّر به؛ فوهمه وخوفه وإشراكه هو الذي يطيره ويصده تأثرًا بما رآه أو سمعه. فأوضح صلى الله عليه وسلملأمته وبين لهم فساد الطيرة؛ ليعلموا أن الله سبحانه لم يجعل لهم عليها علامة، ولا فيها لهم دلالة، ولا نصبها سببا لما يخافونه ويحذرونه، ولتطمئن قلوبهم وتسكن نفوسهم إلى وحدانيته - تعالى، التي أرسل بها رسله، وأنزل بها كتبه، وخلق لأجلها السماوات والأرض؛ فقطع علق الشرك من قلوبهم، فمن استمسك بعروة التوحيد الوثقى، واعتصم بحبله المتين، وتوكل

стр. 107

على الله؛ قطع هاجس الطيرة من قبل استقرارها، وبارد خواطرها قبل استكمالها. قال عكرمة: "كنا جلوسا عند ابن عباس، فمر طائر يصيح، فقال رجل من القوم، خير خير. فقال ابن عباس: لا خير ولا شر"، فبادره بالإنكار عليه؛ لئلا يعتقد تأثيره في الخير والشر، وكذلك سائر المخلوقات؛ لا تجلب خيرًا ولا تدفع شرّاً بذاتها. وقوله ﷺ : "ويعجبني الفأل"، ثم بينَّه ﷺ بأنه الكلمة الطيبة، وإنما أعجبه الفأل لأنه حسن ظن بالله، والعبد مأمور أن يحسن الظن بالله، والطيرة سوء الظن بالله وتوقع البلاء، ومن هنا جاء الفرق بينهما في الحكم؛ لأن الناس إذا أملوا الخير من الله؛ علقوا قلوبهم به، وتوكلوا عليه، وإذا قطعوا آمالهم ورجاءهم من الله؛ كان ذلك من الشر والتعلق على غير الله. قال الإمام ابن القيم ﵀: "ليس في الإعجاب بالفأل ومحبته شيء من الشرك، بل ذلك عن مقتضى الطبيعة، وموجب الفطرة الإنسانية، التي تميل إلى ما يوافقها ويلائمها، كما أخبرهم ﷺ أنه حبب إليه من الدنيا النساء والطيب؛ فكان يحب الحلواء والعسل، ويحب حسن الصوت بالقرآن والأذان ويستمع إليه، ويحب معالي الأخلاق ومكارم الشيم، وبالجملة يحب كل كمال وخير وما يفضي إليهما. والله - سبحانه - قد جعل في غرائز الناس الإعجاب لسماع الاسم الحسن، ومحبته، وميل نفوسهم إليه، وكذلك جعل فيها الارتياح والاستبشار والسرور باسم الفلاح والسلام والنجاح والتهنئة والبشرى والفوز والظفر، فإذا هذه الأسماء الأسماع؛ استبشرت بها النفس، وانشرح لها الصدر، وقوي بها القلب، وإذا سمعت أضدادها؛ أوجب لها ضد هذه الحال، فأحزنها ذلك، وأثار خوفا

стр. 108

وطيرة وانكماشا وانقباضا عما قصدت وعزمت عليه، فأورث لها ضررًا في الدنيا، ونقصا في الإيمان، ومقارفة للشرك.." انتهى كلامه ﵀. وفي الحديث الذي رواه أحمد عن ابن عمرو ﵄؛ عن النبي ﷺ : "من ردته الطيرة عن حاجته؛ فقد أشرك, قالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: أن تقول: اللهم ولا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك"؛ فتضمن هذا الحديث الشريف أن الطيرة لا تضر من كرهما ومضى في طريقه، وأما من لم يخلص توكله على الله، واسترسل مع الشيطان في ذلك؛ فقد يعاقب بالوقوع فيما يكره؛ لأنه أعرض عن واجب الإيمان بالله. هذا؛ ونسأل الله أن يمن علينا بالإيمان والتوكل عليه، ويجنبنا طريق الشر والشرك؛ إنه سميع مجيب. ٧ - التنجيم: وهو كما عرفه المحققين؛ بأنه الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية؛ كأوقات هبوب الرياح، ومجيء المطر، وظهور الحر والبرد، وتغير الأسعار، أو حدوث الأمراض أو الوفيات، أو السعود والنحوس، وهذا ما يسمى بعلم التأثير. وهو على نوعين: النوع الأول: أن يدعي المنجم أن الكواكب فاعلة مختارة، وأن الحوادث تجري بتأثيرها. وهذا كفر بإجماع المسلمين؛ لأنه اعتقاد أن هناك خالفا غير الله، وأن أحدًا يتصرف في ملكه بغير مشيئته وتقديره - سبحانه تعالى -. النوع الثاني: الاستدلال بمسير الكواكب واجتماعها وافتراقها على حدوث الحوادث، وهذا لا شك في تحريمه؛ لأنه من ادعاء علم الغيب، وهو

стр. 109

من السحر - أيضا؛ كما قال النبي ﷺ : "من اقتبس شعبة من النجوم؛ فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد"، رواه أبو داود، وإسناده صحيح، وصححه النووي والذهبي، ورواه ابن ماجه وأحمد وغيرهما، والسحر محرم بالكتاب والسنة والإجماع، والإخبار عن الحوادث عن الحوادث المستقبلية عن طريق الاستدلال بالنجوم من ادعاء علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه؛ فهو ادعاء لمشاركته - سبحانه - بعلمه الذي انفرد به، أو تصدق لمن ادعى ذلك، وهذا ينافي التوحيد؛ لما فيه من هذه الدعوى الباطلة. قال الخطابي: "علم النجوم المنهي عنه هو ما يدعيه أهل التنجيم من علم الكوائن والحوادث التي ستقع في مستقبل الزمان "أوقات هبوب الرياح ومجيء المطر وتغير الأسعار" وما في معناها من الأمور التي يزعمون أنها تدرك معرفتها بسير الكواكب في مجاريها واجتماعها وافتراقها؛ يدعون أن لها تأثيرًا في السفليات، وهذا منهم تحكم على الغيب، وتعاط لعلم قد استأثر به الله، ولا يعلم الغيب سواه". قال البخاري في "صحيحه": "قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك؛ أخطأ، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به ... " انتهى. وأخرج الخطيب عنه؛ قال: "وإن أناسا جهلة بأمر الله قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة: من أعرس بنجم كذا وكذا؛ كان كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا وكذا؛ كان كذا وكذا، ولعمري ما من نجم إلا يولد به الأحمر والأسود والطويل والقصير والحسن والذميم، وما علم هذه النجوم وهذه الدابة وهذا الطائر بشيء من هذا الغيب، ولو أن أحدًا علن الغيب؛ لعلمه آدم الذي خلقه الله بيده وأسجد له ملائكته وعلَّمه أسماء كل شيء ... ".انتهى.

стр. 110

أقول: ومن الخرافات الباطلة ما يروجه الدجَّالون في بعض الصحف والمجلات من ذكر البخث والنحوس والسعود، ويعلقون ذلك بحسابات البروج والنجوم، ويصدق به بعض السذج. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن- ﵀ في "فتح المجيد": "فإن قيل: المنجم قد يصدق. قيل: صدقه كصدق الكاهن؛ يصدق في كلمة ويكذب في مئة، وصدقه عن علم، بل قد يوافق قدرًا، فيكون فتنة في حق من صدقه". قال: "وقد جاءت الأحاديث عن النبي ﷺ بإبطال علم التنجيم؛ كقول: "من اقتبس شعبة من النجوم؛ فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد"، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وعن رجاء بن حيوة؛ أن النبي ﷺ قال: "إن مما أخاف على أمتي: التصديق بالنجوم، والتكذيب بالقدر، وحيف الأئمة"، رواه ابن حميد". وأما الاستدلال بالنجوم لمعرفة الاتجاه في الأسفار في البر البحر؛ فهذا لا بأس به، وهو من نعمة الله ؛ حيث يقول - سبحانه -: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ ١؛ أي: لتعرفوا بها جهة قصدكم، وليس المراد أنه يهتدي بها في علم الغيب كما يعتقده المنجمون. قال الخطابي: "وأما ما يستدل به من النجوم على جهة القبلة؛ فإنها كواكب رصدها أهل الخبرة من الأئمة، الذين لا نشك في عنايتهم بأمر الدين، ومعرفتهم بها، وصدقهم فيما أخبروا به عنها؛ مثل أن يشاهدها بحضرة الكعبة، ويشاهدها على حال الغيبة عنها؛ فكان إدراكهم الدلالة منها بالمعاينة، وإدراكنا ذلك بقبول خبرهم؛ إذ كانوا عندنا غير متهمين في دينهم، ولا مقصرين في
следующие страницы →