← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7532

الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم

أحمد القصير

Полный текст (723 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وقد ساق الحافظ ابن حجر عدة آثار تدل على أنَّ الشمس إذا طلعت من مغربها أُغلق باب التوبة ولم يفتح بعد، ثم قال: «فهذه آثار يشد بعضها بعضاً، متفقة على أنَّ الشمس إذا طلعت من المغرب أُغلق باب التوبة ولم يفتح بعد، وأنَّ ذلك لا يختص بيوم الطلوع، بل يمتد إلى يوم القيامة». اهـ (١) المسلك الثاني: مسلك تضعيف الحديث: فقد ذهب أبو العباس القرطبي إلى أنَّ ذكر الدجال في حديث أبي هريرة ﵁ وهمٌ من بعض الرواة، وأنَّ التكليف لا يرتفع إلا بطلوع الشمس من مغربها، كما دلت عليه بقية الأحاديث. (٢) المبحث الخامس: الترجيح: الذي يَظْهُرُ صَوَابُه ـ والله تعالى أعلم ـ هو مسلك قبول الحديث، مع توجيهه، ودفع التعارض بينه وبين بقية الأحاديث التي اقتصرت على تفسير الآية بطلوع الشمس من مغربها، فيكون معنى حديث أبي هريرة: أنَّ عدم قبول التوبة مترتب على مجموع الثلاث - الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها - فإذا اجتمعت الثلاث انقطعت التوبة، ويكون طلوع الشمس هو آخرها، وهو الذي يتحقق به عدم القبول. ويمكن تلخيص المسألة وحصرها في خمسة أمور: ١ - أنَّ المراد بـ «البعض» في الآية هو طلوع الشمس من مغربها فقط، دون غيرها. ٢ - أنَّ التوبة لا تنقطع إلا بطلوع الشمس من مغربها. ٣ - أنَّ طلوع الشمس من مغربها هو آخر الآيات الثلاث المذكورة في حديث أبي هريرة.

стр. 562

٤ - أنَّ زمن عيسى ﵇ يعقب الدجال. ٥ - أنَّ زمن عيسى ﵇ فيه خير كثير، دنيوي وأخروي، والتوبة والإيمان مقبولان فيه. وسأذكر من الأدلة ما يؤيد كل أمر، مع ذكر الإيرادات والاعتراضات، والجواب عنها. أولاً: الأدلة على أنَّ المراد بـ «البعض» في الآية هو طلوع الشمس من مغربها فقط، دون غيرها: بعد النظر في الأحاديث الواردة في تفسير الآية وجدتُ أنها متفقة على تفسير «البعض» بطلوع الشمس من مغربها، ولم يأتِ ما يُخالف ذلك إلا ما يظهر من حديث أبي هريرة ﵁، ولكن عند التأمل فإنه لا يظهر بينه وبين بقية الأحاديث تعارض، لإمكان حمله على بقية الأحاديث التي اقتصرت على تفسير الآية بطلوع الشمس من مغربها، وإنَّ في اتفاق الأحاديث على تفسير «البعض» بالطلوع فقط، لدلالة واضحة على أنه هو المراد. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: «وقد تكاثرت الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ أنَّ المراد بـ «بعض آيات الله» طلوع الشمس من مغربها». اهـ (١) وقال الآلوسي: «رُويَ هذا التعيين عنه ﷺ في غير ما خبر صحيح». اهـ (٢) ولنورد بعضاً من هذه الأخبار الصحيحة: ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا؛ فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ آمَنَ مَنْ عَلَيْهَا، فَذَاكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ». (٣)

стр. 563

٢ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ ـ في قول الله : (أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ) [الأنعام: ١٥٨] قَالَ: «طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا». (١) ٣ - وعن أبي ذر الغفاري ﵁، أنَّ النبي ﷺ قال يوماً: «أَتَدْرُونَ أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: إِنَّ هَذِهِ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، فَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا ارْتَفِعِي، ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَرْجِعُ فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا، ثُمَّ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، وَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا ارْتَفِعِي ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَرْجِعُ فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا، ثُمَّ تَجْرِي لَا يَسْتَنْكِرُ النَّاسَ مِنْهَا شَيْئًا، حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا ذَاكَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَيُقَالُ لَهَا: ارْتَفِعِي أَصْبِحِي طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِكِ، فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَتَدْرُونَ مَتَى ذَاكُمْ؟ ذَاكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا». (٢)

стр. 564

٤ - وعن صفوان بن عسال المرادي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ مِنْ قِبَلِ مَغْرِبِ الشَّمْسِ بَابًا مَفْتُوحًا عَرْضُهُ سَبْعُونَ سَنَةً، فَلَا يَزَالُ ذَلِكَ الْبَابُ مَفْتُوحًا لِلتَّوْبَةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ نَحْوِهِ؛ فَإِذَا طَلَعَتْ مِنْ نَحْوِهِ لَمْ يَنْفَعْ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا». (١) ٥ - ومما يؤكد أنَّ المراد بـ «البعض» هو طلوع الشمس فقط، اتفاق الصحابة على تفسير الآية بذلك، رُويَ هذا التفسير عن: ابن عباس، وعبد الله بن عمرو، وابن مسعود، وصفوان بن عسال (٢)، ولا يعرف لهم مخالف؛ إلا ما رُوي عن ابن مسعود - في إحدى الروايات عنه - بأنه فسرها بإحدى ثلاث: الطلوع، أو الدابة، أو يأجوج ومأجوج، وقد تقدم أنَّ ذلك لا يصح عنه. (٣) فهذه الأحاديث مع اتفاق الصحابة ﵃ تؤكد القول بأن المراد بالبعض هو طلوع الشمس من مغربها دون غيرها، ولو كانت الثلاث المذكورة في حديث أبي هريرة هي المرادة بتفسير الآية، أو بعض المراد لذُكِرَت في بقية الأحاديث، وفي هذا دلالة واضحة على أنَّ أحد الثلاث غير مستبد بانقطاع التوبة بوجوده، بل لا بد من اجتماعها معاً، والله تعالى أعلم. فإن قيل: هذا التأويل فيه إهمال لبقية الثلاث المذكورة في الحديث؛ لأنكم قصرتم تفسير الآية على واحدة من هذه الثلاث، ولم تعملوا البقية،

стр. 565

والحديث صريح بأن المراد بالبعض هو الثلاث، لا واحدة منها. والجواب على هذا الإيراد سيأتي تبعاً عند ذكر فائدة مجيء الثلاث في الحديث، وسيأتي أنَّ قصر تفسير الآية على واحدة من الثلاث لا يعني إهمال البقية، وإنما ذكرت لفائدة أخرى كما سيأتي تقريره. ثانياً: الأدلة على أنَّ التوبة لا تنقطع إلا بطلوع الشمس من مغربها: ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ». (١) ٢ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا». (٢) ٣ - وعن معاوية بن أبي سفيان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا». (٣) فهذه الأحاديث متفقة على أنَّ التوبة لا تنقطع إلا بطلوع الشمس من مغربها، والقول بأن زمن الدجال لا ينفع فيه الإيمان ولا التوبة فيه مخالفة صريحة لهذه الأحاديث؛ لأن وقته قبل طلوع الشمس من مغربها. ثالثاً: الأدلة على أنَّ طلوع الشمس من مغربها هو آخر الآيات الثلاث المذكورة في حديث أبي هريرة. هناك عدة أدلة تؤيد القول بأن طلوع الشمس من مغربها هو آخر الثلاث المذكورة في الحديث، ومن هذه الأدلة:

стр. 566

١ - حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: «مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ». (١) ومفهوم هذا الحديث أنَّ من تاب بعد أن تطلع الشمس من مغربها لم تقبل منه توبته، والأصل بقاء الحديث على إطلاقه، ولا يصح تقييد ذلك بوقت الطلوع، وإذا كانت التوبة بعد طلوع الشمس من مغربها مردودة امتنع أن يكون وقت الدجال بعد طلوعها؛ لأن عيسى ﵇ بعد الدجال، وزمنه فيه خير كثير، والإيمان والتوبة مقبولان فيه، فلم يبق إلا أن يكون طلوعها بعد الدجال. ٢ - وحديث أبي هريرة ﵁، أنَّ النبي ﷺ قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُهِلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ، حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، أَوْ لَيَثْنِيَنَّهُمَا» (٢)، وعن أبي سعيد الخدري ﵁، أنَّ النبي ﷺ قال: «لَيُحَجَّنَّ الْبَيْتُ وَلَيُعْتَمَرَنَّ بَعْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ». (٣) وقد ثبت أنَّ خروج يأجوج ومأجوج يكون بعد عيسى ﵇ (٤)، فهذان الحديثان يدلان على أنَّ باب التوبة لم يغلق بعد في زمن عيسى، إذ لو كان قد أغلق لما كان للحج فائدة، وقد سبق أنَّ وقت الدجال قبل زمن عيسى ﵇، وفي ذلك دلالة واضحة على أنَّ طلوع الشمس يعقب الدجال.

стр. 567

٣ - ومما يؤكد أنَّ طلوع الشمس هو آخر الثلاث، أنَّ الأحاديث متظافرة على أنَّ التوبة لا تنقطع إلا بطلوع الشمس من مغربها، ولو كانت هي الأولى في الخروج لما كان لذكر بقية الثلاث فائدة؛ لأن انقطاع التوبة قد وقع بطلوع الشمس قبل ذلك. قال الشيخ حمود التويجري - بعد أن أورد حديث (ثلاث إذا خرجن) -: «وظاهر هذا الحديث يدل على أنَّ التوبة لا تزال مقبولة حتى تخرج الثلاث كلها، وقد تواترت الأحاديث الدالة على أنَّ التوبة لا تزال مقبولة ما لم تطلع الشمس من مغربها، فيستفاد من حديث أبي هريرة ﵁ مع الأحاديث الواردة في قبول التوبة ما لم تطلع الشمس من مغربها أنَّ خروج الدابة والدخان (١) متقدم على طلوع الشمس من مغربها، والله أعلم». اهـ (٢) وأما الدابة فالأظهر أنَّ خروجها متقدم على طلوع الشمس من مغربها، لكن الزمن الذي بينهن يسير جداً، وليس في هذا القول مخالفة لحديث عبد الله بن عمرو ﵁، أنَّ النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ عَلَى النَّاسِ ضُحًى». (٣)؛ لأن الحديث إنما ذكر الأولية للشمس والدابة معاً، لا للشمس وحدها؛ بدليل قوله في الحديث: «وَأَيُّهُمَا مَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا فَالْأُخْرَى عَلَى إِثْرِهَا قَرِيبًا». (٤)، ولو كان مراده ﷺ في الأولية الشمس دون الدابة لما قال ذلك، ومما يؤكد هذا المعنى أنَّ عبد الله بن عمرو راوي الحديث لم يفهم من الحديث أنَّ طلوع الشمس متقدم على الدابة، حيث وقع منه تردد في الأولية بقوله: «وَأَظُنُّ أُولَاهَا خُرُوجًا طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا» (٥) وترجيحه لأولية الشمس مبنيٌ على

стр. 568

اطلاعه على كتب أهل الكتاب، لا أنه سمع ذلك من النبي ﷺ ، يدل على ذلك أنَّ الراوي عن ابن عمرو قال: «ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ - وَكَانَ يَقْرَأُ الْكُتُبَ -: وَأَظُنُّ أُولَاهَا خُرُوجًا طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا» (١)، قال الحافظ ابن كثير: «وقد ظن عبد الله بن عمرو أنَّ طلوع الشمس متقدم على الدابة، وذلك محتمل ومناسب». اهـ (٢) قلت: لكن الذي يظهر تقدم الدابة على الطلوع، وأما الأحاديث الواردة بتقدم طلوع الشمس على الدابة، فإنها ضعيفة، والله تعالى أعلم. (٣)

стр. 569

الإيرادات والاعتراضات على القول بأن زمن الدجال متقدم على طلوع الشمس من مغربها: الإيراد الأول: فإن قيل: فما جوابكم عن حديث عبد الله بن عمرو ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ عَلَى النَّاسِ ضُحًى، وَأَيُّهُمَا مَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا فَالْأُخْرَى عَلَى إِثْرِهَا قَرِيبًا». (١) فهذا الحديث صريح بأن طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة يُعد من أول الآيات، ويلزم منه أنَّ خروج الدجال متأخر عنهما. والجواب: أنَّ الروايات مختلفة في تعيين أول الآيات: ١ - ففي رواية: «أنَّ أولها طلوع الشمس من مغربها». (٢) ٢ - وفي رواية: «أنَّ أولها نار تحشر الناس إلى محشرهم». (٣) ٣ - وقيل: أولها خروج الدجال. (٤) وللعلماء في الجمع بين هذه الأحاديث أقوال: ١ - قال الحافظ ابن حجر: «الذي يترجح من مجموع الأخبار أنَّ خروج الدجال أول الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة في معظم الأرض، وينتهي ذلك بموت عيسى ابن مريم ﵇، وأنَّ طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي، وينتهي ذلك بقيام الساعة، ولعل خروج الدابة يقع في ذلك اليوم الذي تطلع فيه الشمس من المغرب ....

стр. 570

قال: وأول الآيات المؤذنة بقيام الساعة النار التي تحشر الناس». اهـ (١) واختار هذا الجمع البرزنجي (٢)، حيث نقله عن الحافظ ابن حجر واستحسنه. (٣) ٢ - ويرى الحافظ ابن كثير: أنَّ طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة يعد من أول الآيات السماوية التي ليست بمألوفة، وأما خروج الدجال ونزول عيسى ﵇، وكذلك خروج يأجوج ومأجوج فكلها أمور مألوفة، وهي من أول الآيات الأرضية. قال الحافظ ابن كثير - بعد أن أورد حديث عبد الله بن عمرو -: «أي أول الآيات التي ليست مألوفة، وإن كان الدجال ونزول عيسى ﵇ من السماء قبل ذلك، وكذلك خروج يأجوج ومأجوج، فكل ذلك أمور مألوفة؛ لأن أمر مشاهدته ومشاهدة أمثاله مألوف؛ فأما خروج الدابة على شكل غريب غير مألوف ومخاطبتها الناس ووسمها إياهم بالإيمان أو الكفر؛ فأمر خارج عن مجاري العادات، وذلك أول الآيات الأرضية، كما أنَّ طلوع الشمس من مغربها على خلاف عادتها المألوفة أول الآيات السماوية». اهـ (٤) واختار هذا الجمع ابن أبي العز الحنفي. (٥) ٣ - ويرى الطيبي أنَّ الآيات عبارة عن أمارات على الساعة، إما على قربها، وإما على حصولها؛ فمن الأول: الدجال، ونزول عيسى ﵇، ويأجوج ومأجوج، والخسف، ومن الثاني: الدخان، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، والنار التي تحشر الناس. (٦) واختار هذا الجمع المناوي. (٧)

стр. 571

٤ - ويرى أبو العباس القرطبي أنَّ الأولية في حديث عبد الله بن عمرو المراد بها: أول الآيات الكائنة في زمان ارتفاع التوبة والطبع على كل قلب بما فيه، وعلل ذلك: بأن ما قبل طلوع الشمس من مغربها التوبة فيه مقبولة، وإيمان الكافر فيه يصح. (١) وأما حديث أنس أنَّ النبي ﷺ قال: «أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ نَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنْ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ». (٢) فقد جاء في حديث آخر أنها آخر الآيات؛ فعن حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁ قال: «اطَّلَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ فَقَالَ: مَا تَذَاكَرُونَ؟ قَالُوا: نَذْكُرُ السَّاعَةَ. قَالَ: إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ، فَذَكَرَ: الدُّخَانَ، وَالدَّجَّالَ، وَالدَّابَّةَ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَيَأَجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ الْيَمَنِ تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ» (٣). قال الحافظ ابن حجر: «ويجمع بينهما بأن آخريتها باعتبار ما ذُكِرَ معها من الآيات، وأوليتها باعتبار أنها أول الآيات التي لا شيء بعدها من أمور الدنيا أصلاً، بل يقع بانتهائها النفخ في الصور، بخلاف ما ذكر معها فإنه يبقى بعد كل آية منها أشياء من أمور الدنيا». اهـ (٤) قلت: ويؤيد هذا الجمع أنَّ حديث أنس روي بلفظ: «وَأَمَّا أَوَّلُ شَيْءٍ يَحْشُرُ النَّاسَ فَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ فَتَحْشُرُهُمْ إِلَى الْمَغْرِبِ». (٥) حيث لم ينص على أنها أول الآيات، بل فيه أنها أول من يحشر الناس. (٦)

стр. 572

ويحتمل أنَّ النار المذكورة في حديث أنس نار أخرى غير المذكورة في حديث حذيفة، فالأولى تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، والثانية تخرج من اليمن فتسوق الناس إلى المحشر الذي هو أرض الشام، فتكون الأولى أول الآيات، والثانية آخر الآيات. يقوي هذا الاحتمال اختلاف مكان وصفة خروج كل من النارين؛ فالأولى تخرج من المشرق وتسوق الناس إلى المغرب، والثانية تخرج من اليمن وتسوق الناس إلى محشرهم. (١) وبهذا يتبين أنَّ الحديث الوارد في أنَّ أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة، لا ينافي القول بأن أولها خروج الدجال ونزول عيسى ﵇، لما علمت من اختلاف الروايات في أول الآيات، ولما ذُكِرَ من أنَّ الأولية في الحديث ليست على إطلاقها، وعليه فلا يصح الاعتراض، والله تعالى أعلم. (٢) الإيراد الثاني: أنَّ في حديث أبي هريرة ﵁ تقديم طلوع الشمس من مغربها على الدجال، فكيف يقال إن طلوعها آخر الثلاث؟ والجواب: أنَّ هذا الترتيب غير مُتفقٍ عليه بين رواة الحديث، وتفصيل ذلك: أنَّ الحديث رواه فضيل بن غزوان، وقد رُويَ عن فضيل من أربعة طرق، وفي كل طريق اختلاف في ترتيب الآيات: الأول: طريق وكيع بن الجراح: وقد اتفق الرواة عنه على الترتيب الآتي: طلوع الشمس، والدجال، والدابة. الثاني: طريق يعلى بن عبيد: وقد اختلف الرواة عنه في الترتيب: فرواه عبد بن حميد، وإسحاق بن راهويه، والصغاني، بلفظ: الدجال، والدابة، وطلوع الشمس. ورواه عنه محمد بن عبد الوهاب، بلفظ: طلوع الشمس، والدجال، والدابة.

стр. 573

الثالث: طريق محمد بن فضيل: وقد اختلف الرواة عنه في الترتيب: فرواه محمد بن العلاء، وعبد الله بن عامر بلفظ: طلوع الشمس، والدجال، والدابة. ورواه أبو هشام الرفاعي بلفظ: الدابة، والدجال، وطلوع الشمس. الرابع: طريق إسحاق بن يوسف: ولم يخرجه من هذا الطريق إلا مسلم في صحيحه، ولم يذكر لفظ الحديث، وإنما ذكر هذا الطريق متابعة. (١) والخلاصة: أنَّ هذه الروايات الواردة في ترتيب الحديث لا يمكن الجزم بأن أحدها هو الذي قاله النبي ﷺ ؛ وإذ الأمر كذلك فلا يصح الجزم بأن طلوع الشمس من مغربها هو أول الثلاث. وعلى التسليم بأن الحديث قد جاء هكذا عن النبي ﷺ بتقديم الطلوع على الثلاث؛ فإنه لا يدل على تقدم الطلوع؛ لأن تقديمها في الذكر لا يقتضي تقدمها في الوقوع (٢)، كما أنَّ العطف لا يفيد الترتيب (٣)، ولاحتمال أن يكون

стр. 574

قدم الطلوع؛ لأن مدار عدم قبول التوبة متوقف عليه. (١) ومما يؤكد أنَّ الترتيب غير مراد في الحديث: ذكر الدجال بين طلوع الشمس وخروج الدابة، وقد جاء في حديث عبد الله بن عمرو ﵁ أنَّ طلوع الشمس وخروج الدابة قريبان من بعضهما، ونص الحديث: «وَأَيُّهُمَا مَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا فَالْأُخْرَى عَلَى إِثْرِهَا قَرِيبًا». (٢)، وقد تقدم أنَّ مدة مكث الدجال إلى أن يقتله ابن مريم تُعد طويلة، وهذا دليل واضح بأن طلوع الشمس ليس بأول الثلاث، والله تعالى أعلم. الإيراد الثالث: إذا كانت التوبة لا تنقطع إلا بطلوع الشمس من مغربها، فما فائدة ذكر الدجال والدابة في الحديث؟ والجواب: أنَّ ذكرهما هو بمثابة التحذير والإعلام بقرب طلوع الشمس من مغربها، فكأن خروجهما إرهاصٌ وإيذانٌ بقرب طلوع الشمس من مغربها، يدل على ذلك: حديث أبي مالك الأشعري ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: «إن ربكم أنذركم ثلاثاً .... ، فذكر الدخان، والدابة، والدجال». (٣)

стр. 575

وهذا الحديث واضح الدلالة في المقصود؛ لأن فيه التصريح بأن الدجال والدابة إنما هي نذرٌ لما بين يديها من طلوع الشمس من مغربها، والذي يعني رفع التوبة، وعدم قبول الإيمان، فيكون خروجهما تحذيراً للناس وتنبيهاً لهم بأن عليهم التوبة قبل أن يأت يوم لا تنفع فيه، وذلك اليوم هو طلوع الشمس من مغربها. وإنما لم يذكر في حديث أبي مالك طلوع الشمس من مغربها؛ لأن طلوعها لا يقع فيه إنذار، وهذا مما يؤكد أنَّ الدجال والدابة إنما هي نذر، والله تعالى أعلم. ويلاحظ في حديث أبي هريرة تعليق الشرط على ثلاثة أشياء، مع أنَّ الجواب حاصل بأحدها، وهو طلوع الشمس من مغربها، ولهذا نظائر في الكتاب والسنة: فمن الكتاب: قوله تعالى: (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)) [الانفطار: ١ - ٥] فانظر كيف علق الشرط على أربعة أشياء، وهي: انفطار السماء، وانتثار الكواكب، وتفجير البحار، وبعثرة القبور، مع أنَّ الجواب - وهو علم النفس بما قدمت وأخرت - لا يكون إلا بعد بعثرة القبور. ونظير هذا المثال من السنة قوله ﷺ : «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ (١)،

стр. 576

وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ (١)؛ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ». (٢) فانظر كيف علق وجوب الغسل على شيئين، مع أنه لا يجب إلا بواحد منهما، وهو التقاء الختانين. رابعاً: الأدلة على أنَّ زمن عيسى ﵇ يعقب الدجال: تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ بخروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵇ (٣)، وأغلب هذه الأحاديث فيها التصريح بقتل عيسى ابن مريم للدجال، وفي هذا دلالة واضحة بأن زمن عيسى يعقب الدجال، وفيما يأتي ذكر بعض الأحاديث الدالة على قتل عيسى ﵇ للدجال: ١ - عن أبي هريرة ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ الرُّومُ بِالْأَعْمَاقِ، أَوْ بِدَابِقٍ (٤)، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنْ الْمَدِينَةِ مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ، فَإِذَا تَصَافُّوا قَالَتْ الرُّومُ: خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سَبَوْا مِنَّا نُقَاتِلْهُمْ. فَيَقُولُ الْمُسْلِمُونَ: لَا وَاللَّهِ، لَا نُخَلِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا، فَيُقَاتِلُونَهُمْ، فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ لَا يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَبَدًا، وَيُقْتَلُ ثُلُثُهُمْ أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللَّهِ، وَيَفْتَتِحُ الثُّلُثُ لَا يُفْتَنُونَ أَبَدًا، فَيَفْتَتِحُونَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ (٥)، فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ

стр. 577

الْغَنَائِمَ قَدْ عَلَّقُوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ إِذْ صَاحَ فِيهِمْ الشَّيْطَانُ: إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ خَلَفَكُمْ فِي أَهْلِيكُمْ. فَيَخْرُجُونَ وَذَلِكَ بَاطِلٌ، فَإِذَا جَاءُوا الشَّأْمَ خَرَجَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يُعِدُّونَ لِلْقِتَالِ يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ إِذْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﷺ فَأَمَّهُمْ، فَإِذَا رَآهُ عَدُوُّ اللَّهِ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ، فَلَوْ تَرَكَهُ لَانْذَابَ حَتَّى يَهْلِكَ، وَلَكِنْ يَقْتُلُهُ اللَّهُ بِيَدِهِ فَيُرِيهِمْ دَمَهُ فِي حَرْبَتِهِ». (١) ٢ - وعن النواس بن سمعان ﵁ أنَّ النبي ﷺ ذكر الدجال فقال: « .... فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ، إِذْ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ (٢) بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ (٣) وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ (٤) كَاللُّؤْلُؤِ، فَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ، فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ فَيَقْتُلُهُ .... ». (٥)

стр. 578

خامساً: الأدلة على أنَّ زمن عيسى ﵇ فيه خير كثير، دنيوي وأخروي، والتوبة والإيمان مقبولان فيه: هناك عدة أدلة تدل على أنَّ زمن عيسى ﵇ التوبة والإيمان مقبولان فيه، سواء كانت التوبة والإيمان قبل نزوله، أم بعد ذلك. وفيما يلي ذكر بعض هذه الأدلة: الدليل الأول: قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)) [النساء: ١٥٩]. حيث أخبر سبحانه في هذه الآية الكريمة أنَّ جميع أهل الكتاب يؤمنون بعيسى ﵇ بعد نزوله، ولا يتخلف أحد منهم عن التصديق والإيمان به (١)، فدل على قبول الإيمان في زمنه. الإيرادات والاعتراضات على هذا الدليل: الإيراد الأول: أنَّ الاستدلال بهذه الآية غير مستقيم؛ لأن هناك خلافاً بين المفسرين في مرجع الضمير في قوله: (قَبْلَ مَوْتِهِ) [النساء: ١٥٩] فبعضهم يقول: إن الضمير راجع إلى الكتابي، والمعنى أنَّ الكتابي يؤمن عند الموت والمعاينة، بأن عيسى ﵇ عبد الله ورسوله. (٢) وقال آخرون: معنى الآية: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بمحمد ﷺ قبل موت الكتابي. (٣) والجواب: أنَّ الصواب رجوع الضمير إلى عيسى ﵇، لا إلى الكتابي، وهذا هو مذهب الجمهور من المفسرين، روي عن أبي هريرة (٤)، وابن

стр. 579

عباس (١)، وبه قال أبو مالك (٢)، والحسن البصري (٣)، وقتادة (٤)، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٥). وهو اختيار: ابن جرير، وابن كثير، والشوكاني، والشنقيطي. (٦) ومما يرجح هذا الاختيار: ١ - أنَّ الضمائر في الآيات التي قبلها كلها راجعة إلى عيسى ﵇، قال تعالى: (وَقولهمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)) [النساء: ١٥٧ - ١٥٨]. فقوله: (وَمَا قَتَلُوهُ) (وَمَا صَلَبُوهُ) (وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) (اخْتَلَفُوا فِيهِ) (لَفِي شَكٍّ مِنْهُ) (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ) (وَمَا قَتَلُوهُ) (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ) كل هذه الضمائر راجعة إلى عيسى ﵇، ولما عطف عليها قوله: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) وجب أن يكون الضمير عائداً إلى عيسى ﵇، حتى تنسجم الضمائر. (٧) ٢ - ومما يقوي عود الضمير إلى عيسى ﵇، أنَّ الأصل في الضمير عوده على مفسر مذكور، وليس في الآية ذكر للكتابي، وإنما المذكور عيسى ﵇. (٨)

стр. 580

«فأما من فسر الآية بأن المعنى أنَّ كل كتابي لا يموت حتى يؤمن بعيسى أو بمحمد عليهما الصلاة والسلام؛ فهذا هو الواقع، وذلك أنَّ كل أحد عند احتضاره ينجلي له ما كان جاهلاً به فيؤمن به، ولكن لا يكون ذلك إيماناً نافعاً له إذا كان قد شاهد الملك؛ كما قال تعالى: (وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآن) [النساء: ١٨]، وقال تعالى: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِين (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَاَ) [غافر: ٨٤ - ٨٥]، ومن تأمل هذا القول وأمعن النظر فيه اتضح له أنه هو الواقع، لكن لا يلزم منه أن يكون هو المراد من الآية، والله تعالى أعلم». (١) الإيراد الثاني: على التسليم بأن الضمير عائد على عيسى ﵇؛ فإن هذا الإيمان إيمان اضطراري، بمعنى أنَّ أهل الكتاب يتحققون أنَّ عيسى عبد الله ورسوله، ومثل هذا لا ينفع صاحبه، كحالة الغرغرة فإن الإيمان لا ينفع عندها. (٢) والجواب: أنَّ الآية لم تُفصل في هذا الإيمان، من حيث القبول والرد، فبقيت على إطلاقها بأن الإيمان نافع في زمن عيسى ﵇، ولا يصح تقييدها إلا بدليل. الدليل الثاني: على أنَّ من أحدث إيماناً أو توبة في زمن عيسى ﵇ قُبِلَ منه، حديث أبي هريرة، وفيه أنَّ النبي ﷺ ذكر عيسى ابن مريم فقال: « ... وَإِنَّهُ نَازِلٌ ... فَيَدُقُّ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ». (٣)

стр. 581

والشاهد من الحديث قوله: «وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ»، وهذا نص صريح بأن عيسى ﵇ يدعو إلى الإسلام، ويلزم من دعوته أنَّ الإيمان مقبول ممن آمن به واتبعه، وإلا فكيف يدعوهم إلى الإسلام وهو يعلم أنَّ إسلامهم غير نافع لهم. فإن قيل: إن اللفظ الذي استدللتم به غير متفق عليه بين رواة الحديث، حيث روي بلفظ: «فَيُقَاتِلُ النَّاسَ عَلَى الْإِسْلَامِ»، وبلفظ: «وَيُعَطِّلُ الْمِلَلَ، حَتَّى يُهْلِكَ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا غَيْرَ الْإِسْلَامِ». (١) وهذه الروايات ليس فيها أنه يدعو للإسلام، وعليه فلا يستقيم الاستدلال.

стр. 582

فالجواب: أنَّ لفظ: «فَيُقَاتِلُ النَّاسَ عَلَى الْإِسْلَامِ» هو بمعنى لفظ «وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ» ولا فرق؛ لأن قتاله الناس على الإسلام إنما هو من أجل أن يسلموا، فمن أسلم كف عنه، ومن أبى قاتله، يدل على هذا المعنى حديث: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ .... » (١) ومعلوم أنَّ النبي ﷺ لم يبعث للقتال وحسب، وإنما بعث لدعوة الناس للإيمان، والقتال إنما هو لمن أعرض وأبى. وكذا الرواية الثانية هي بمعنى هذه الرواية، والله تعالى أعلم. الدليل الثالث: ما ورد من أحاديث أنَّ المسلمين يقاتلون العدو في زمن الدجال، وزمن عيسى ﵇ (٢)، وقد جاء ما يفيد بأن التوبة لا تنقطع ما دام المسلمون يقاتلون العدو؛ فعن عبد الله بن وَقْدَانَ السَّعْدِيِّ (٣) أنَّ النبي ﷺ قال: «لاَ تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْكُفَّارُ» (٤)، والهجرة لا تنقطع حتى تنقطع التوبة؛

стр. 583

لحديث: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا». (١) وفي هذا كله دلالة واضحة على أنَّ التوبة لا تزال مقبولة في زمن الدجال، وعيسى ﵇، إلى أن تطلع الشمس من مغربها. الدليل الرابع: قوله ﷺ عن عيسى ﵇: «ويُهْلِكُ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِسْلَامَ». (٢) فهذا الحديث يدل على دخول الناس كافة في دين الله في زمن عيسى ﵇، ولا يقال بأن عيسى يقتل جميع من لم يكن مؤمناً؛ لأن هذا لم يرد به دليل، ويبعد أن يقتل أعداداً هائلة من البشر؛ لأن نزوله إنما هو لهداية الناس، لا لإزهاق أرواحهم، فدل على أنَّ وقته يكون لدعوة الناس للإيمان، وبالتالي فزمنه زمن إيمان وقبول، والله تعالى أعلم. ****

стр. 584

المسألة [٤]: هل وقع الشرك من آدم وحواء ﵉ ؟ المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة: قال الله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)) [الأعراف: ١٨٩ - ١٩٠]. المبحث الثاني: ذكر الحديث المشكل الوارد في تفسير الآيتين: (٧٩) ـ (٦٨): عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لَمَّا حَمَلَتْ حَوَّاءُ، طَافَ بِهَا إِبْلِيسُ، وَكَانَ لَا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ، فَقَالَ: سَمِّيهِ عَبْدَ الْحَارِثِ (١)؛ فَإِنَّهُ يَعِيشُ؛ فَسَمَّوْهُ عَبْدَ الْحَارِثِ، فَعَاشَ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ وَحْيِ الشَّيْطَانِ وَأَمْرِهِ». (٢)

стр. 585

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 586

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 587

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 588

المبحث الثالث: بيان وجه الإشكال في الحديث: ظاهر الحديث الشريف وقوع الشرك من آدم وحواء ﵉، حيث جعلا لله شركاء في ذلك الولد الذي وُلِدَ لهما؛ إذ عَبَّدَاهُ لغير الله، وهو الذي تفرد سبحانه بإيجاده، وهذا مشكل؛ لأن الأنبياء ﵈ معصومون من الشرك قبل النبوة وبعدها إجماعاً. (١) المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث: اتفق المفسرون على تنزيه مقام آدم ﵇ من الشرك، وأنَّ ذلك لم يقع منه، ولا من الأنبياء قط، وقد عدّوا هذه الآيات - والحديث الوارد في تفسيرها - من مشكلات التفسير، ولهم في دفع الإشكال الوارد فيهما مسلكان:

стр. 589

الأول: مسلك قبول الحديث، وإجراء الآيتين على ظاهرها في قصة آدم وحواء: وهذا رأي الجمهور من المفسرين (١)، حيث ذهبوا إلى أنَّ الآيات معنيٌ بها آدم وحواء ﵉ حيث سميا ابنهما عبد الحارث. رُوي ذلك عن: أبي بن كعب (٢)، وسمرة بن جندب (٣)، وابن عباس (٤)،

стр. 590

وعكرمة (١)، ومجاهد (٢)، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٣)، وبكر بن عبد الله المزني (٤). وهو اختيار جمع من المفسرين كما سيأتي ذكرهم. واختلف هؤلاء في معنى الشرك المضاف إلى آدم وحواء ﵉ على أقوال: الأول: أنه كان شركاً في التسمية، ولم يكن شركاً في العبادة. وهذا هو المروي عن: قتادة (٥)، وسعيد بن جبير (٦)، والسدي (٧). واختيار: ابن جرير الطبري (٨)، وأبي المظفر السمعاني (٩)، والبغوي، وابن عطية (١٠)، وابن الجوزي (١١)، والسيوطي (١٢)، والآلوسي (١٣)، ومحمد بن عبد الوهاب (١٤)، وعبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (١٥). قال البغوي: «جعلا له شريكاً إذ سمياه عبد الحارث، ولمن يكن هذا

стр. 591

إشراكاً في العبادة، ولا أنَّ الحارث ربهما؛ فإن آدم كان نبياً معصوماً من الشرك، ولكن قصد إلى أنَّ الحارث كان سبب نجاة الولد وسلامة أُمِّهِ، وقد يطلق اسم العبد على من يُراد به أنه معبود هذا، كالرجل إذا نزل به ضيف يُسمي نفسه عبد الضيف، على وجه الخضوع، لا على وجه أنَّ الضيف ربَّه، ويقول للغير أنا عبدك، وقال يوسف ﵇ لعزيز مصر: (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ) [يوسف: ٢٣] ولم يُرِدْ به أنه معبوده، كذلك هذا». اهـ (١) القول الثاني: أنه كان شركاً في الطاعة، ولم يكن شركاً في العبادة. وهذا هو المروي عن: ابن عباس ﵄ (٢)، وقتادة (٣). القول الثالث: أنَّ الإشراك وقع من حواء لا من آدم ﵇، ولم يشرك آدم قط، وأما قوله: (جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا) [الأعراف: ١٩٠] بصيغة التثنية فلا ينافي ذلك؛ لأنه قد يسند فعل الواحد إلى الاثنين، بل إلى جماعة، وهو شائع في كلام العرب. وهذا قول القنوجي. (٤) (٥) واعتُرِضَ: بأن الله تعالى قال: (جَعَلاَ) حيث نسب الجعل إليهما، والأصل حمل اللفظ على ظاهره، وبأن آدم ﵇ قد أقرَّ حواء على ذلك، وبأن في حديث سمرة ﵁ التصريح بأنهما سمياه بذلك معاً. (٦) أدلة هذا المذهب: استدل القائلون بأن الآيات معنيٌّ بها آدم وحواء ﵉ بأدلة منها: الدليل الأول: حديث سمرة ﵁، حيث أورده أصحاب هذا المذهب وجعلوه عمدة في تفسير الآيات، وقد صرح بعضهم بصحته، والبعض الآخر أورده وسكت عنه، وهو مشعر باعتماده له.

стр. 592

الدليل الثاني: أنَّ هذا المذهب هو المروي عن سمرة، وأبي بن كعب، وابن عباس ﵃، ومثل هذا لا يقال بالرأي، فدل على أنَّ للقصة أصلاً؛ فيكون لها حكم الرفع. (١) الدليل الثالث: إجماع الحجة من أهل التأويل على أنَّ الآيات معنيٌ بها آدم وحواء، حكى الإجماع ابن جرير الطبري في تفسيره. (٢) الإيرادات والاعتراضات على هذا المذهب: اعتُرِضَ على هذا المذهب بقوله تعالى في آخر الآيتين: (فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الأعراف: ١٩٠] بصيغة الجمع، فلو كان المراد آدم وحواء ﵉ لقال: يشركان، بصيغة التثنية، وفي هذا دلالة واضحة بأن الآيات معني بها الذرية لا آدم وحواء. وقد أجاب بعض أصحاب هذا المذهب عن هذا الاعتراض: بأن آخر الآيات معنيٌّ بها مشركو العرب من عبدة الأوثان، وأنَّ الخبر عن آدم وحواء قد انقضى عند قوله: (جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا). وهذا رأي ابن جرير الطبري (٣)، والسيوطي (٤)، وهو المروي عن السدي (٥)، وأبي مالك (٦). الثاني: مسلك تضعيف الحديث، وتأويل الآية في غير آدم وحواء: حيث ذهب آخرون إلى تضعيف حديث سمرة ﵁، وأنَّ الشرك - المذكور في الآيتين - معني به غير آدم وحواء ﵉. واختلف هؤلاء بالمعنيِّ به على أقوال:

стр. 593

القول الأول: أنَّ الشرك نُسب إلى آدم وحواء، والمعنيّ به أولادهما، كاليهود والنصارى، والمشركين. وآدم وحواء بريئان من الشرك، والآيات فيها انتقال من ذكر النوع إلى الجنس؛ فإن أول الكلام في آدم وحواء، ثم انتقل الكلام إلى الجنس من أولادهما. وقد اشتهر هذا القول عن الحسن البصري ﵀. وروي عن ابن عباس ﵄ في إحدى الروايات عنه (١). قال الحسن في تفسير الآية: «كان هذا في بعض أهل الملل ولم يكن بآدم». (٢) وعنه قال: «عُنيَ بهذا ذرية آدم، من أشرك منهم بعده». (٣) وعنه قال: «هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولاداً، فهوَّدوا ونصَّروا». (٤) واختار هذا القول جمع من المفسرين، والمحققين، منهم: الزمخشري، وأبو عبد الله القرطبي (٥)، والنسفي (٦)، وابن جزي (٧)، وابن القيم (٨)، وابن كثير، والثعالبي (٩)، وأبو السعود (١٠)، والمباركفوري (١١)، والسعدي (١٢)، والشنقيطي (١٣). قال الزمخشري - في قوله تعالى: (جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء) -: «أي جعل أولادهما له شركاء، على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكذلك فيما آتاهما، أي آتى أولادهما .... ، وآدم وحواء بريئان من الشرك، ومعنى

стр. 594

إشراكهم فيما آتاهم الله: تسميتهم أولادهم بعبد العزى، وعبد مناة، وعبد شمس، وما أشبه ذلك، مكان عبد الله، وعبد الرحمن، وعبد الرحيم». اهـ (١) وقال الحافظ ابن كثير: «وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري ﵀ في هذا، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء، وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته ... ، فذِكْرُ آدم وحواء أولاً كالتوطئة لما بعدهما من الوالدين (٢)، وهو كالاستطراد من ذكر الشخص إلى الجنس؛ كما في قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (١٣)) [المؤمنون: ١٢ - ١٣]، وقال تعالى: (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ) [الملك: ٥]، ومعلوم أنَّ المصابيح - وهي النجوم التي زُيِّنت بها السماء - ليست هي التي يُرمى بها، وإنما هذا استطراد من شخص المصابيح إلى جنسها، ولهذا نظائر في القرآن، والله أعلم». اهـ (٣) واعتُرِضَ على هذا القول: بأن فيه تشتيتاً للضمائر، والأصل اتساق الضمائر وعودها لمذكور واحد. (٤) القول الثاني: أنَّ الآيات معنيٌّ بها المشركون من بني آدم عموماً، وليس فيها تعرض لآدم وحواء بوجه من الوجوه. وهذا اختيار: النحاس (٥)، والقفال (٦)، وابن حزم (٧)، وابن العربي (٨)، والرازي (٩)، وناصر الدين ابن المنيِّر (١٠) (١١)، والقاسمي (١٢)، وابن عثيمين (١٣).

стр. 595

قال القفال: «ذكر الله تعالى هذه القصة على تمثيل ضرب المثل، وبيان أنَّ هذه الحالة صورة حالة هؤلاء المشركين في جهلهم، وقولهم بالشرك، وتقرير هذا الكلام، كأنه تعالى يقول: هو الذي خلق كل واحد منكم من نفس واحدة، وجعل من جنسها زوجها، إنساناً يساويه في الإنسانية، فلما تغشى الزوج زوجته، وظهر الحمل؛ دعا الزوج والزوجة ربهما لئن آتيتنا ولداً صالحاً سوياً لنكونن من الشاكرين لآلائك ونعمائك؛ فلما آتاهما الله ولداً صالحاً سوياً جعل الزوج والزوجة لله شركاء فيما آتاهما؛ لأنهم تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطبائع، كما هو قول الطبائعيين، وتارة إلى الكواكب كما هو قول المنجمين، وتارة إلى الأصنام والأوثان كما هو قول عبدة الأصنام، ثم قال تعالى: (فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) أي تنزه الله عن ذلك الشرك». اهـ (١) واعتُرِضَ على هذا القول: ١ - بأن قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) لا يصح حمله على غير آدم وحواء ﵉. ٢ - وبقوله: (دَّعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا) فإن كل مولود يولد بين الجنسين لا يكون منهما عند مقاربة وضعه هذا الدعاء. (٢) القول الثالث: أنَّ المشركين كانوا يقولون: إن آدم ﵇ كان يعبد الأصنام ويرجع في طلب الخير ودفع الشر إليها، فذكر تعالى قصة آدم وحواء ﵉ وحكى عنهما أنهما قالا: (لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) أي ذكرا أنه تعالى لو آتاهما ولداً سوياً صالحاً لاشتغلوا بشكر تلك النعمة، ثم قال: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء) فقوله: (جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء) ورد بمعنى الاستفهام على سبيل الإنكار والتبعيد والتقرير، والمعنى: أجعلا له شركاء فيما آتاهما؟ ثم قال: (فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) أي تعالى الله عن شرك هؤلاء المشركين الذين يقولون بالشرك وينسبونه إلى آدم ﵇.

стр. 596

ذكر هذا التأويل: الفخر الرازي في تفسيره. (١) ويرده: أنَّ الآية وردت بصيغة الخبر، وحملها على معنى الاستفهام يفتقر إلى دليل، وليس ثمة دليل. القول الرابع: أنَّ الخطاب لقريشٍ الذين كانوا في عهد رسول الله ﷺ ، وهم آل قصي، والمراد من قوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ واحدة) قصي، وجعل من جنسها زوجها، عربية قرشية ليسكن إليها، فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح السوي جعلا له شركاء فيما آتاهما، حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف، وعبد العزى، وعبد قصي، وعبد اللات، وجعل الضمير في (يُشْرِكُونَ) لهما ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك. ذكر هذا التأويل: الزمخشري واستحسنه (٢)، واختاره البيضاوي (٣)، وأشار إليه الفخر الرازي في تفسيره. (٤) الإيرادات والاعتراضات على هذا القول: قال ابن جزي: «وهذا القول بعيد لوجهين: أحدهما: أنَّ الخطاب على هذا خاص بذرية قصي من قريش، والظاهر أنَّ الخطاب عام لبني آدم. والآخر: أنَّ قوله: (وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا)، فإن هذا يصح في حواء؛ لأنها خُلِقتْ من ضلع آدم، ولا يصح في زوجة قصي». اهـ (٥) القول الخامس: أنَّ الضمير في قوله: (جَعَلاَ) راجع إلى الولد الصالح، والمعنى جعل ذلك الولد الصالح - الذي رزقهما الله إياه - جعل لله شركاء، وإنما قال: (جَعَلاَ)؛ لأن حواء كانت تلد في كل بطنٍ ذكراً وأنثى. ذكر هذا التأويل: الجصاص (٦)، وابن الجوزي (٧). أدلة هذا المذهب: استدل القائلون بأن الآيات معني بها غير آدم وحواء ﵉ بأدلة منها:

стр. 597

الدليل الأول: قوله تعالى في آخر الآيتين: (فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) وهذا يدل على أنَّ الذين أتوا بهذا الشرك جماعة، ولو كان المراد آدم وحواء ﵉ لعبَّرَ عنهما بصيغة التثنية. (١) الدليل الثاني: أنه تعالى قال بعد هذه الآيات: (أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)) [الأعراف: ١٩١]، وهذا يدل على أنَّ المقصود من هذه الآية الرد على من جعل الأصنام شركاء لله تعالى، وليس المراد بها آدم وحواء ﵉. (٢) الدليل الثالث: لو كان المراد إبليس لقال: أيشركون «من» لا يخلق شيئاً، ولم يقل «ما»؛ لأن العاقل إنما يُذكر بصيغة «من» لا بصيغة «ما». (٣) الدليل الرابع: أنَّ هذا القول فيه تنزيه لمقام آدم ﵇ من الشرك، والقول الذي فيه تنزيه لمقام الأنبياء وإجلال لمقامهم، مقدم في التفسير على القول الذي فيه قدح بعصمتهم، وحط من منزلتهم. (٤) الدليل الخامس: أنَّ المروي عن سمرة ﵁ في تفسير الآيتين لم يثبت بسند صحيح، وعليه فلا يصح حمل الآيات على أمور مغيبة لم يثبت فيها دليل من كتاب أو سنة. (٥) الدليل السادس: أنه لو كانت هذه القصة في أدم وحواء، لكان حالهما إما أنْ يتوبا من ذلك الشرك أو يموتا عليه، فإن قلنا: ماتا عليه، كان هذا القول فيه فرية عظيمة؛ لأنه لا يجوز موت أحد من الأنبياء على الشرك، وإن

стр. 598

كانا تابا من الشرك، فلا يليق بحكمة الله وعدله ورحمته أنْ يذكر خطأهما ولا يذكر توبتهما منه، فيمتنع غاية الامتناع أنْ يذكر الله الخطيئة من آدم وحواء وقد تابا، ثم لا يذكر توبتهما، والله تعالى إذا ذكر خطيئة بعض أنبيائه ورسله ذكر توبتهم منها، كما في قصة آدم نفسه حين أكل من الشجرة هو وزوجه وتابا من ذلك. (١) الدليل السابع: أنه ثبت في حديث الشفاعة أنَّ الناس يأتون إلى آدم يطلبون منه الشفاعة، فيعتذر بأكله من الشجرة (٢) - التي عصى الله تعالى بالأكل منها في الجنة - فلو كان وقع منه الشرك، لكان اعتذاره منه أقوى وأولى وأحرى. (٣) الدليل الثامن: أنَّ الله تعالى أسند فعل الذرية إلى آدم وحواء؛ لأنهما أصل لذريتهما، كما في قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ) [الأعراف: ١١] أي بتصويرنا لأبيكم آدم؛ لأنه أصلهم، بدليل قوله بعده: (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ) [الأعراف: ١١]. (٤)

стр. 599

الإيرادات والاعتراضات على هذا المذهب وأدلته: ١ - اعترض القاضي ابن عطية على الاستدلال بقوله تعالى: (فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) وأنَّ المراد بها مشركو العرب، اعترض قائلاً: «وهذا تحكم لا يساعده اللفظ، ويتجه أنْ يُقال: تعالى الله عن ذلك اليسير المتوهم من الشرك في عبودية الاسم، ويبقى الكلام في جهة أبوينا آدم وحواء ﵉ وجاء الضمير في «يشركون» ضميرَ جمعٍ؛ لأن إبليس مدبر معهما تسمية الولد عبد الحارث». اهـ (١) ٢ - واعتُرِضَ أيضاً: بأن هذا المذهب يرده قوله تعالى: (جَعَلاَ) بصيغة التثنية، فلو كان المراد المشركين من ذرية آدم ﵇ لورد اللفظ بصيغة الجمع. وقد أجاب الفخر الرازي عن هذا الاعتراض فقال: «فإن قيل: فعلى هذا التأويل ما الفائدة في التثنية في قوله: (جَعَلاَ)؟ قلنا: لأن ولده قسمان: ذكر وأنثى؛ فقوله: (جَعَلاَ) المراد منه الذكر والأنثى، مرة عبر عنهما بلفظ التثنية؛ لكونهما صنفين ونوعين، ومرة عبر عنهما بلفظ الجمع، وهو قوله تعالى: (فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)». اهـ (٢) قلت: الأولى أنْ يقال: التثنية لاعتبار اللفظ، والجمع لاعتبار المعنى، ومنه قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ) [البقرة: ٨] ثم قال: (وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) [البقرة: ٨] حيث أفرد أولاً باعتبار اللفظ في قوله: (مَن يَقُولُ)، ثم جمع باعتبار المعنى في قوله: (بِمُؤْمِنِينَ). (٣) المبحث الخامس: الترجيح: الذي يَظْهُرُ صَوَابُه ـ والله تعالى أعلم ـ أنَّ الآيتين ليست في آدم وحواء ﵉ وإنما هي خطاب للمشركين من قريش وغيرهم، والمقصود بها ضرب المثل، وأنَّ هذه هي حالة المشركين، فهو سبحانه يذكر أنه خلق كل

стр. 600

واحد منهم من نفس واحدة، وجعل من جنسها زوجها، ولما كان من طبيعة البشر حب الولد ذكر الله تعالى أنَّ هذين الزوجين كانا حريصين على أنْ يرزقا بولد صالح لينتفعا به، وأنهما قد عاهدا الله لأن آتاهما صالحاً ليكونن من الشاكرين، فلما آتاهما صالحاً جعلا لله شركاء فيما آتاهما، حيث نسبا هذه النعمة لغير الله؛ وعبدا أولادهما لغير الله، ثم أخبر سبحانه أنه منزهٌ عما يُشرك به هؤلاء، وغيرهم؛ فقال: (فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الأعراف: ١٩٠]. والآيات مراد بها ذكر الجنس لا النوع؛ فقوله تعالى: (خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ) أي من جنس واحدة، وقوله: (وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) أي وجعل من هذا الجنس زوجةً هي على شاكلته، ولم يجعلها من جنس آخر، ولفظ النفس قد يطلق ويراد به الجنس، كما في قوله تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ) [آل عمران: ١٦٤] أي من جنسهم. (١) أدلة هذا الاختيار: ذكرت فيما سبق ثمانية أدلة تؤيد هذا الاختيار (٢)، وهي أدلة قوية، ويمكن أنْ يضاف إليها أدلة أخرى، منها: ١ - أنَّ الله تعالى قال في هذه الآيات: (وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا)، وقال في سورة النساء: (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) (٣) [النساء: ١] وآية النساء معني بها آدم وحواء باتفاق، وعبر بقوله: (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا)؛ لأن حواء مخلوقة من نَفْسِ آدم، وأما في آية الأعراف فقال: (وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا)؛ لأن المراد ذكر الجنس، لا ذكر النوع، وهو آدم، والفرق بين الخلق والجعل: «أنَّ الخلق يكون عن عدمٍ سابق، بحيث لا يتقدمه مادة ولا سبب محسوس، وأما الجعل فيتوقف على موجودٍ مغايرٍ للمجعول، يكون منه المجعول أو عنه
следующие страницы →