← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7532

الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم

أحمد القصير

Полный текст (723 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الثاني: أنها «فوق السماء السابعة»، وهو ما دلَّ عليه حديث أنس بن مالك، من طريق شريك بن عبد الله، عنه. الثالث: أنها «في السماء السادسة»، وهو ما دلَّ عليه حديث عبد الله بن مسعود ﵁. وهذه الأحاديثُ الثلاثة يُوهِمُ ظاهرها التعارض فيما بينها في تعيين مكان سدرة المنتهى. (١) المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الأحاديث: للعلماء في دفع التعارض بين الأحاديث مسلكان: الأول: مسلك الجمع بين الأحاديث: ولأصحاب هذا المسلك مذهبٌ واحدٌ في الجمع بين هذه الأحاديث، وجملة مذهبهم: أنَّ أصل سدرة المنتهى في السماء السادسة، وأغصانها وفروعها في السماء السابعة. وعلى هذا المذهب: النووي، والحافظ ابن كثير، والحافظ ابن حجر، والعيني، والمناوي، والألباني. (٢) قال النووي: «ويمكن أنْ يُجْمَعَ بينها، فيكون أصلها في السادسة، ومعظمها في السابعة، فقد عُلِمَ أنها في نِهايةٍ من العِظَمِ». اهـ (٣)

стр. 527

وقال الحافظ ابن حجر: «ولا يُعارض قوله إنها في السادسة ما دلَّت عليه بقية الأخبار أنه وصل إليها بعد أنْ دخل السماء السابعة؛ لأنه يُحمل على أنَّ أصلها في السماء السادسة، وأغصانها وفروعها في السابعة، وليس في السادسة منها إلا أصل ساقها». اهـ (١) الثاني: مسلك الترجيح بين الأحاديث: ويرى أصحاب هذا المسلك أنَّ لسدرة المنتهى مكاناً واحداً لا غير، وهذا المكان هو ما جاء مرفوعاً في حديث أنس من أنها في السماء السابعة، وأما ما جاء في حديث عبد الله بن مسعود من أنها في السادسة فموقوف عليه، والمرفوع أولى من الموقوف. وهذا مذهب: ابن العربي، والقاضي عياض، وأبي العباس القرطبي، والحافظ ابن رجب، والملا علي القاري. (٢) قال أبو العباس القرطبي: «في حديث أنس ما يقتضي أنَّ السدرة في السماء السابعة أو فوقها؛ لقوله: «ثم ذهب بي إلى السدرة» بعد أنْ استفتح السماء السابعة فَفُتِحَ له فدخل، وفي حديث عبد الله أنها في السماء السادسة، وهذا تعارضٌ لا شك فيه، وما في حديث أنس أصح، وهو قول الأكثر، وهو الذي يقتضيه وصفها بأنها التي يَنْتَهي إليها علمُ كلِّ مَلَكٍ مُقَرَّب ... ، وأيضاً فإنَّ حديث أنس مرفوع، وحديث عبد الله موقوف عليه من قوله، والمسند المرفوع أولى». اهـ (٣) وقال الحافظ ابن رجب: «وقول ابن مسعود: «إنَّ سدرة المنتهى في السماء السادسة» يُعارضه حديث أنس المرفوع من طُرُقِهِ كُلِّها؛ فإنَّه يدل على أنها في

стр. 528

السماء السابعة، أو فوق السماء السابعة، والمرفوع أولى من الموقوف». اهـ (١) المبحث الخامس: الترجيح: الذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - هو مسلك الجمع بين الأحاديث، إذ يُحمل حديث عبد الله بن مسعود: على أنَّ أصل السدرة في السماء السادسة، ويُحمل حديث مالك بن صعصعة، وأنس: على أنَّ فروعها وأغصانها في السماء السابعة. يدل على هذا الاختيار: ١ - أنه قد روي عن النبي ﷺ ما يؤيد هذا الجمع؛ فعن أنس بن مالك ﵁ في قوله تعالى: (عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤)) - أنَّ النبي ﷺ قال: «رُفِعَتْ لِي سِدْرَةٌ مُنْتَهَاهَا فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ». (٢) (٣) فقوله: «مُنْتَهَاهَا فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ» يُفْهَمُ منه أنَّ أصلها ليس في السابعة، ولما جاء في حديث ابن مسعود ﵁ أنها في السادسة، علمنا أنَّ مراد الأحاديث أنَّ أصلها في السادسة ومنتهاها في السابعة. ٢ - أنَّ الترجيح لا يُصار إليه إلا إذا تعذر الجمع، أو تَبَيَّنَ بجلاء ضعف الروايةِ المرجوحة، أو وقوع الخطأ فيها، وهذا كله مفقود في مسألتنا هذه؛ إذ الجمع ممكن، والروايات كلها صحيحة.

стр. 529

وأما رواية شريك - والتي فيها أنَّ السدرة فوق السماء السابعة - فالأظهر أنها وَهْمٌ منه ﵀، وقد عُدَّتْ عليه أوهامٌ في روايته لحديث الإسراء، وهذه منها. (١) وأما قول أصحاب المسلك الثاني: إنَّ حديث ابن مسعود موقوف عليه؛ فغير مُسَلَّمٍ لهم، بل هو في حكم المرفوع؛ لأنَّ مثله لا يُقال بالرأي، ولأنَّ بعض ألفاظه قد رويت في حديث أنس المرفوع، فصار له حكم الرفع مثله، والله تعالى أعلم. ****

стр. 530

الفصل الثالث الأحاديث التي ترد في تفسير آية ما، ويوهم ظاهرها معنىً مشكلاً

стр. 531

المسألة [١]: في قصة هاروت وماروت . المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة: قال الله تعالى: (وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ (١٠٢)) [البقرة: ١٠٢]. المبحث الثاني: ذكر الحديث المشكل الوارد في تفسير الآية: (٧٦) ـ (٦٥): عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵁: أَنَّهُ سَمِعَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ آدَمَ ﷺ لَمَّا أَهْبَطَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الْأَرْضِ قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ: أَيْ رَبِّ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ؟ قَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ. قَالُوا: رَبَّنَا نَحْنُ أَطْوَعُ لَكَ مِنْ بَنِي آدَمَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ: هَلُمُّوا مَلَكَيْنِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، حَتَّى يُهْبَطَ بِهِمَا إِلَى الْأَرْضِ، فَنَنْظُرَ كَيْفَ يَعْمَلَانِ؟ قَالُوا: رَبَّنَا هَارُوتُ وَمَارُوتُ. فَأُهْبِطَا إِلَى الْأَرْضِ، وَمُثِّلَتْ لَهُمَا الزُّهَرَةُ، امْرَأَةً مِنْ أَحْسَنِ الْبَشَرِ، فَجَاءَتْهُمَا فَسَأَلَاهَا نَفْسَهَا، فَقَالَتْ: لَا وَاللَّهِ حَتَّى تَكَلَّمَا بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنْ الْإِشْرَاكِ. فَقَالَا: وَاللَّهِ لَا نُشْرِكُ بِاللَّهِ أَبَدًا. فَذَهَبَتْ

стр. 532

عَنْهُمَا، ثُمَّ رَجَعَتْ بِصَبِيٍّ تَحْمِلُهُ، فَسَأَلَاهَا نَفْسَهَا، فَقَالَتْ: لَا وَاللَّهِ، حَتَّى تَقْتُلَا هَذَا الصَّبِيَّ. فَقَالَا: وَاللَّهِ لَا نَقْتُلُهُ أَبَدًا. فَذَهَبَتْ، ثُمَّ رَجَعَتْ بِقَدَحِ خَمْرٍ تَحْمِلُهُ، فَسَأَلَاهَا نَفْسَهَا، قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ حَتَّى تَشْرَبَا هَذَا الْخَمْرَ. فَشَرِبَا فَسَكِرَا فَوَقَعَا عَلَيْهَا وَقَتَلَا الصَّبِيَّ، فَلَمَّا أَفَاقَا قَالَتْ الْمَرْأَةُ: وَاللَّهِ مَا تَرَكْتُمَا شَيْئًا مِمَّا أَبَيْتُمَاهُ عَلَيَّ إِلَّا قَدْ فَعَلْتُمَا حِينَ سَكِرْتُمَا، فَخُيِّرَا بَيْنَ عَذَابِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ فَاخْتَارَا عَذَابَ الدُّنْيَا» (١).

стр. 533

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 534

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 535

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 536

المبحث الثالث: بيان وجه الإشكال في الحديث: ظاهر الحديث الوارد في تفسير الآية أَنَّ الله تعالى أنزل إلى الأرض ملَكين، وهما «هاروت» و «ماروت»، وأنهما عصيا الله تعالى، فشربا الخمر، وحكما بالزور، وقتلا النفس المحرمة، وزنيا، وهذا الظاهر مشكل، لما فيه من القدح بعصمة الملائكة (١) ﵈ والتي قررها القرآن الكريم في غير ما آية؛ كقوله تعالى: (وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)) [الأنبياء: ١٩ - ٢٠]، وقوله تعالى: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم: ٦]. (٢)

стр. 537

المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث: للعلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث مسلكان: الأول: مسلك تضعيف الحديث: ويرى أصحاب هذا المسلك أَنَّ الحديث المروي في قصة هاروت وماروت هو من الإسرائيليات المُتَلَقَّفة عن مَسْلَمَة أهل الكتاب، وأنَّ رفعه للنبي ﷺ خطأ من قِبَلِ بعض الرواة، إذ الصواب وقفه على كعب الأحبار، وهو مما أخذه من كتب بني إسرائيل. وعلى هذا المسلك عامة العلماء، من مفسرين ومحدثين، وممن قال به: ابن أبي حاتم، وابن حزم، والبيهقي، وابن العربي، والقاضي عياض، والقاضي ابن عطية، وابن الجوزي، والفخر الرازي، والخازن، وأبو عبد الله القرطبي، والبيضاوي، وأبو حيان، والحافظ ابن كثير، وابن رجب، وأبو السعود، والثعالبي، والآلوسي، والقاسمي، وابن عاشور، والألباني. (١) قال القاضي عياض: «اعلم ـ أكرمك الله ـ أَنَّ هذه الأخبار لم يُروَ منها شيء - لا سقيمٌ ولا صحيحٌ - عن رسول الله ﷺ ، وليس هو شيئاً يؤخذ

стр. 538

بقياس، والذي منه في القرآن اختلف المفسرون في معناه، وأنكر ما قال بعضهم فيه كثيرٌ من السلف، وهذه الأخبار من كتب اليهود وافترائهم، كما نَصَّ الله أول الآيات، من افترائهم بذلك على سليمان، وتكفيرهم إياه». اهـ (١) وقال أبو عبد الله القرطبي - بعد أنْ أورد القصة من طريق ابن عمر-: «هذا كله ضعيف، وبعيد عن ابن عمر وغيره، لا يصح منه شيء؛ فإنه قول تدفعه الأصول في الملائكة، الذين هم أُمناء الله على وحيه، وسفراؤه إلى رسله». اهـ (٢) وقال الحافظ ابن كثير: «وقد رُويَ في قصة هاروت وماروت، عن جماعة من التابعين، كمجاهد، والسدي، والحسن البصري، وقتادة، وأبي العالية، والزهري، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان، وغيرهم، وقصها خلق من المفسرين، من المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل؛ إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم، الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن، على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال». اهـ (٣) واستدل أصحاب هذا المسلك على بطلان القصة بأدلة، منها: ١ - قول الله تعالى: (مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ) [الحجر: ٨]، حيث قطع الله أَنَّ الملائكة لا تنزل إلا بالحق، وليس شرب الخمر، ولا الزنا، ولا قتل النفس المحرمة من الحق، بل كل ذلك من الباطل. (٤) ٢ - قوله تعالى: (وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ (٩)) [الأنعام: ٨ - ٩]، حيث أبطل الله أنه يمكن ظهور ملَكٍ إلى الناس إلا إلى الأنبياء. (٥)

стр. 539

٣ - قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢)) [الفرقان: ٢١ - ٢٢]، حيث قَرَن نزول الملائكة في الدنيا برؤيته فيها، فدلَّ على أَنَّ نزولهم في الدنيا إلى غير الأنبياء ممتنع ألبتة، ولا يجوز، وأنَّ من قال ذلك فقد قال حجراً محجوراً. (١) ٤ - قوله تعالى: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم: ٦]، وقوله تعالى: (بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)) [الأنبياء: ٢٦ - ٢٧]، وهذا صريح في براءتهم عن المعاصي، وكونهم متوقفين في كل الأمور، إلا بمقتضى الأمر والوحي. (٢) ٥ - أنه تعالى حكى عنهم أنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون، ومن كان كذلك امتنع صدور المعصية منه. (٣) المسلك الثاني: مسلك قبول الحديث وتصحيحه: حيث ذهب بعض العلماء إلى تصحيح الحديث وقبوله، إلا أنهم لم يجيبوا عن الإشكال الوارد فيه، ومن هؤلاء: ابن حبان، وأبو بكر الهيثمي، والحافظ ابن حجر، والسيوطي، وابن حجر الهيتمي، والمناوي. (٤)

стр. 540

قال الحافظ ابن حجر: «وقصة هاروت وماروت جاءت بسند حسن، من حديث ابن عمر، في مسند أحمد، وأطنب الطبري في إيراد طرقها، بحيث يقضي بمجموعها على أَنَّ للقصة أصلاً، خلافاً لمن زعم بطلانها». اهـ (١) وقال: «له طرقٌ كثيرة، جمعتها في جزء يكاد الواقف عليه يقطع بوقوع هذه القصة، لكثرة طرقه الواردة فيها، وقوة مخارج أكثرها». اهـ (٢) وقال السيوطي في اللآلئ المصنوعة: «وقد وقفت على الجزء الذي جمعه فوجدته أورد فيه بضعة عشر طريقاً، أكثرها موقوفاً، وأكثرها من تفسير ابن جرير، وقد جمعت أنا طرقها في التفسير المسند وفي التفسير المأثور فجاءت نيفاً وعشرين طريقاً، ما بين مرفوع وموقوف». اهـ (٣) المبحث الخامس: الترجيح: الذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - أَنَّ الحديث لا يصح رفعه للنبي ﷺ ، وأنَّ رفعه خطأ من بعض الرواة، والأصح أنه مما أخذه الصحابة عن مسلمة أهل الكتاب، ككعب الأحبار، وغيره، ومما يؤكد ذلك: ١ - أنه قد ورد في بعض طرقِ حديثِ ابنِ عمر وقفُ القصة على كعب الأحبار، وهذا مما يؤكد وقوع الوهم من بعض الرواة في رفعها للنبي ﷺ ، وأنَّ مدار الحديث راجع إلى نقل كعب الأحبار عن كتب بني إسرائيل. ٢ - أَنَّ الطرق التي جاء الحديث فيها مرفوعاً كلها ضعيفة، ولا يصح منها شيء. ٣ - أَنَّ الحديث رواه عدد من الصحابة غير ابن عمر ولم يصرح أحد منهم برفعه للنبي ﷺ .

стр. 541

٤ - أَنَّ في القصة من الغرابة ما يؤكد كونها من قصص بني إسرائيل، وبيان ذلك من وجوه: الأول: أنَّ الملكين خُيّرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وذلك فاسد؛ لأن الله تعالى لا يُخيّر من أشرك به، ولأنهما إنْ كانت قد صحت توبتهما فلا عقوبة عليهما. الوجه الثاني: أنه جاء في بعض طرق الحديث أَنَّ المرأة لما فجرت صعدت إلى السماء وصارت كوكباً، فكيف يعقل أنها تصعد إلى السماء وتصير كوكباً لمجرد أنها فجرت. فبان بهذه الوجوه ضعف الحديث وبطلانه، وأنه لا يصح رفعه للنبي ﷺ ، والله تعالى أعلم. (١) ****

стр. 542

المسألة [٢]: في نسبة الشك لإبراهيم الخليل ﵇ . المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة: قال الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنْ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)) [البقرة: ٢٦٠]. المبحث الثاني: ذكر الحديث المشكل الوارد في تفسير الآية: (٧٧) ـ (٦٦): عن أبي هريرة ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ (١) مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِذ قَالَ: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوْ لَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)». (٢)

стр. 543

المبحث الثالث: بيان وجه الإشكال في الحديث: ظاهر الحديث الشريف إثبات الشك (١) لإبراهيم الخليل ﵇، في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، وهذا الظاهر مشكل؛ لأن الشك كفر، والأنبياء معصومون منه بالإجماع. (٢) المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث: للعلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث مسلكان: الأول: مسلك تأويل الحديث، ونفي الشك مطلقاً عن إبراهيم الخليل ﵇. وعلى هذا المسلك الجمهور من العلماء، وقد اختلفوا في تأويل الحديث على مذاهب:

стр. 544

الأول: أنَّ معنى الحديث: أنَّ الشك يستحيل في حق إبراهيم ﵇؛ فإنَّ الشك في إحياء الموتى لو كان متطرقاً إلى الأنبياء لكنت أنا أحق به من إبراهيم، وقد علمتم أني لم أشك فاعلموا أنَّ إبراهيم لم يشك، وإنما خص إبراهيم لكون الآية قد يسبق منها إلى بعض الأذهان الفاسدة احتمال الشك، وإنما رجح إبراهيم على نفسه تواضعاً وأدباً، أو قبل أنْ يعلم أنه خير ولد آدم. (١) وهذا التأويل قال به جمع من العلماء، منهم: ابن قتيبة، وأبو سليمان الخطابي، والطحاوي، وابن حزم، وأبو المظفر السمعاني، والقاضي عياض، وابن عطية، وابن الجوزي، وأبو عبد الله القرطبي، والنووي، والخازن، والثعالبي، وابن حجر، والكرماني، والسيوطي، والسندي، والآلوسي، وابن عثيمين. (٢) المذهب الثاني: أنَّ الحديث كان رداً على قوم أثبتوا الشك لإبراهيم؛ فقد رُوي أنه لما نزل قوله تعالى: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى) قال بعض الناس: شكَّ إبراهيم، فقال النبي ﷺ هذا القول رداً عليهم، وتواضعاً منه، وتقديراً لإبراهيم ﵇. وهذا التأويل ذكره ابن قتيبة، والقاضي عياض، والنووي، والبغوي،

стр. 545

وابن الجوزي، وابن الأثير، والحافظ ابن حجر. (١) وهو في معناه راجع إلى التأويل السابق؛ إلا أنَّ فيه ذكراً لسبب الحديث، لكن لم يَرِدْ في شيء من روايات الحديث التصريح بهذا السبب. المذهب الثالث: أنَّ المراد بقوله ﷺ : «نحن» أمته الذين يجوز عليهم الشك، وإنما عبر بـ «نحن» تأنيساً لهم بإيهام دخوله معهم. وهذا التأويل ذكره القاضي عياض، والعيني، والحافظ ابن حجر. (٢) المذهب الرابع: أنَّ لفظة «أحق» الواردة في الحديث جاءت لنفي المعنى، أي لا شك عندنا جميعاً، ومن هذا الباب قوله تعالى: (أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ) [الدخان: ٣٧]، أي لا خير في الفريقين. وهذا التأويل قال به الآلوسي. (٣) المذهب الخامس: أنَّ الحديث خرج مخرج العادة في الخطاب؛ فإنَّ من أراد المدافعة عن إنسان قال للمتكلم فيه: ما كنت قائلاً لفلان، أو فاعلاً معه من مكروه فقله لي، وافعله معي، ومقصوده لا تقل ذلك فيه. وهذا التأويل ذكره النووي، ونسبه لصاحب التحرير (٤). (٥)

стр. 546

المذهب السادس: أنَّ إبراهيم ﵇ أراد أنْ يترقى من درجة علم اليقين بالخبر، إلى درجة عين اليقين بالمشاهدة، فسأل ربه أنْ يريه كيف يُحيي الموتى ليحصل له ذلك، وقد عبَّر النبي ﷺ عن هذا المعنى بقوله: «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ»، وهو لم يشك ولا إبراهيم، حاشاهما من ذلك، وإنما عبَّر عن هذا المعنى بهذه العبارة. وهذا التأويل قال به أبو العباس القرطبي، وأبو عبد الله القرطبي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم. (١) المذهب السابع: أنَّ الشك وقع لأمة إبراهيم ﵇، حيث سأل إبراهيمُ ربَه أنْ يريه وأمَّتَه كيفية إحياء الموتى ليطمئنَّ قلبه بظهور حجته عليهم، وبإزالة الشك عنهم. وهذا التأويل رُويَ عن الضحاك، وابن إسحاق (٢)، وعكرمة. (٣) المذهب الثامن: أنَّ الشك وقع لإبراهيم ﵇ في كونه خليلاً. وهذا التأويل رُويَ عن السدي، وسعيد بن جبير. فعن السدي قال: «لما اتخذ اللهُ إبراهيمَ خليلاً استأذنه ملك الموت أن يُبَشِّرَه فإذن له ... ، فقام إبراهيمُ يدعو ربَه: رب أرني كيف تحيي الموتى حتى أعلمَ أني خليلك». (٤) وعن سعيد بن جبير، في قوله تعالى: (وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) قال: «بالخُلَّة». (٥) المذهب التاسع: أنَّ إبراهيم وقع له الشك في كونه مُجاب الدعوة.

стр. 547

وهذا التأويل رُويَ عن ابن عباس، في قوله تعالى: (وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) قال: «أعلم أنك تجيبني إذا دعوتك، وتعطيني إذا سألتك». (١) وقال ابن حبان: «قوله ﷺ : «نحن أحق بالشك من إبراهيم» لم يُرِدْ به إحياء الموتى، إنما أراد به في استجابة الدعاء له، وذلك أنَّ إبراهيم ﵇ قال: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى) ولم يتيقن أنه يستجاب له فيه، يريد في دعائه وسؤاله ربه عما سأل، فقال ﷺ : «نحن أحق بالشك من إبراهيم» به في الدعاء؛ لأنا إذا دعونا ربما يُستجاب لنا وربما لا يُستجاب، ومحصول هذا الكلام أنه لفظةُ إخبارٍ مرادُها التعليم للمخاطب». اهـ (٢) وبنحو هذا التأويل قال: إسماعيل بن يحيى المُزَني (٣)، وابن أبي حاتم (٤)، وأبو بكر الباقلاني (٥)، وابن الأنباري (٦)، والعيني (٧). المذهب العاشر: أنَّ إبراهيم وقع له الشك في كيفية الإحياء، لا في أصل الإحياء. وهذا التأويل قال به العيني (٨). المذهب الحادي عشر: أنَّ الشك وقع لإبراهيم قبل النبوة. ذكره الحافظ ابن حجر. (٩)

стр. 548

المسلك الثاني: مسلك إعمال الحديث على ظاهره، وإثبات الشك حقيقة لإبراهيم الخليل ﵇. فعن ابن عباس، ﵄ في قوله تعالى: (وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) [البقرة: ٢٦٠]ـ: قال: «ما في القرآن آية أرجى عندي منها». (١) وقال: «هذا لما يَعْرضُ في الصدور، ويُوسوِسُ به الشيطان، فرضي الله تعالى من إبراهيم قوله: بلى». (٢) وسُئل عطاء بن أبي رباح عن معنى الآية فقال: «دخل قلبَ إبراهيمَ بعضُ ما يدخل قلوب الناس». (٣) واختار هذا المسلك ابن جرير الطبري، فقال: «وأولى الأقوال بتأويل الآية، ما صح به الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال: «نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ) وأن تكون

стр. 549

مَسْألتُه ربَّه ما سأله أنْ يُريه من إحياء الموتى لعارض من الشيطان عرض في قلبه، كالذي ذكرنا عن ابن زيد: من أنَّ إبراهيم لما رأى الحوت الذي بعضه في البر وبعضه في البحر، قد تعاوره دواب البر ودواب البحر وطير الهواء، ألقى الشيطان في نفسه فقال: متى يجمع الله هذا من بطون هؤلاء؟ فسأل إبراهيم حينئذ ربه أنْ يريه كيف يحيي الموتى؛ ليعاين ذلك عياناً، فلا يقدر بعد ذلك الشيطان أنْ يُلقي في قلبه مثل الذي ألقى فيه عند رؤيته ما رأى من ذلك، فقال له ربه: أولم تؤمن؟ يقول: أولم تصدق يا إبراهيم بأني على ذلك قادر؟ قال: بلى يا رب، لكن سألتك أنْ تُريني ذلك ليطمئن قلبي، فلا يقدر الشيطان أنْ يُلقي في قلبي مثل الذي فعل عند رؤيتي هذا الحوت». اهـ (١) المبحث الخامس: الترجيح: الذي يَظْهُرُ صَوَابُه ـ والله تعالى أعلم ـ هو ما ذهب إليه الجمهور من تأويل الحديث، ونفي الشك مطلقاً عن إبراهيم الخليل ﵇، والمختار من أقوال الجمهور - هو القول الأول - أنَّ معنى الحديث: أنَّ الشك لو كان متطرقاً إلى إبراهيم لكنت أنا أحق به منه، ولكن لم أشك ولم يشك إبراهيم، وإنما قال النبي ﷺ ذلك تواضعاً منه، وتأدباً مع إبراهيم الخليل ﵇. يؤيد هذا الاختيار: ١ - أنَّ الشك كفر، وهو غير جائز في حق الأنبياء ﵈، لعصمتهم منه إجماعاً. (٢) ٢ - أنه لو وقع من إبراهيم ﵇ شك لكان قوله: «بلى» خلافَ الواقع؛

стр. 550

إذ كيف يقول «بلى» وهو في الباطن على خلاف ذلك، والأنبياء ﵈ لا يقولون إلا الصدق. (١) ٣ - أنه لو كان قوله: «بلى» خلافَ الواقع لما أقرَّه الله تعالى على ذلك؛ فدلَّ على أنَّ إبراهيم لم يشك قط، إذ لو كان منه شك لأنكر الله عليه قوله: «بلى». (٢) ٤ - أنَّ الله تعالى قد أخبر عنه في أول القصة أنه قال للنمرود (٣): (رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) [البقرة: ٢٥٨] فلو كان عنده شك لما ادعى ذلك وهو غير مؤمن به. (٤) ٥ - ومما يدل على أنَّ النبي ﷺ قال ذلك تواضعاً وأدباً، ولم يُرِدْ به إثبات الشك حقيقة، قوله في آخر الحديث: «وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ»، ومعلوم أنَّ النبي ﷺ قد أُعطي من التثبت في الأمور، والصبر على المكاره الحظَّ الأوفر، والنصيب الأكبر، لكنه قال ذلك تواضعاً لله، وتأدباً مع أخيه نبي الله ﷺ . (٥) قال ابن عطية: «وإذا تأملت سؤاله ﵇ وسائر ألفاظ الآية لم تُعطِ شكاً؛ وذلك أنَّ الاستفهام بكيف إنما هو سؤالٌ عن حالة شيءٍ موجودٍ متقرر الوجود عند السائل والمسؤول، نحو قولك: كيف عِلمُ زيد؟ وكيف نسْجُ الثوب؟ ونحو هذا، ومتى قلت: كيف ثوبك؟ وكيف زيد؟ فإنما السؤال عن حالة من أحواله، وقد تكون كيف خبراً عن شيء شأنه أنْ يُستفهم عنه بكيف، نحو قولك: كيف شئت فكن، ونحو قول البخاري: كيف كان بدء الوحي،

стр. 551

وكيف في هذه الآية إنما هي استفهام عن هيئة الإحياء، والإحياء متقرر، ولكن لما وجدنا بعض المنكرين لوجود شيء قد يعبرون عن إنكاره بالاستفهام عن حاله لذلك الشيء يعلم أنها لا تصح فيلزم من ذلك أنَّ الشيء في نفسه لا يصح؛ مثال ذلك: أنْ يقول مُدَّعٍ: أنا أرفع هذا الجبل، فيقول المُكذِّب له: أرني كيف ترفعه، فهذه طريقة مجاز في العبارة، ومعناه تسليم جدلي، كأنه يقول: افرض أنك ترفعه، فأرني كيف ترفعه؟ فلما كانت عبارة الخليل ﵇ بهذا الاشتراك المجازي خلص الله له ذلك وحمله على أنْ بَيَّنَ له الحقيقة فقال له: أولم تؤمن؟ قال: بلى، فكمُل الأمر، وتخلَّص من كل شك، ثم علل ﵇ سؤاله بالطمأنينة». اهـ (١) وأما ما روي عن ابن عباس، وعطاء، واختاره ابن جرير من إثبات الشك لإبراهيم، وجَعْلُ سببه وسوسة الشيطان؛ فليس في الآية ولا في الحديث ما يدل عليه. قال ابن عطية: «وما ترجم به الطبري عندي مردود، وما أدخل تحت الترجمة مُتأول: فأما قول ابن عباس: «هي أرجى آية» فمن حيث فيها الإدلال على الله تعالى وسؤال الإحياء في الدنيا، وليست مظنة ذلك، ويجوز أنْ يقول: هي أرجى آية؛ لقوله: (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ) أي إنَّ الإيمان كافٍ لا يحتاج معه إلى تنقير وبحث. وأما قول عطاء: «دخل قلبَ إبراهيمَ بعضُ ما يدخل قلوب الناس»، فمعناه من حيث المعاينة، وذلك أنَّ النفوس مستشرفة إلى رؤية ما أُخْبرَتْ به، ولهذا قال النبي ﷺ : «ليس الخبر كالمعاينة» (٢)». اهـ (٣)

стр. 552

وقال أبو العباس القرطبي معلقاً على أثر ابن عباس: ما نُقل عن ابن عباس فإنه قول فاسد، لا يصح نقله ولا معناه، وليس في الآية ما يدلُّ على أنَّ إبراهيم شك. اهـ (١) قلت: أثر ابن عباس صحيح، وهو قوله: «هذا لما يعرض في الصدور، ويوسوس به الشيطان، فرضي الله تعالى من إبراهيم قوله: بلى»، لكن لم يوافقه على هذا القول أحد إلا ما روي عن عطاء، واختاره ابن جرير، ولعل ابن جرير إنما اختار هذا القول مستأنساً بهذه الرواية عن ابن عباس، لكن هذا القول من ابن عباس لا يعدو أن يكون اجتهاداً منه، وقد تبين بالأدلة أنه لا يصح حمل الآية والحديث على هذا المعنى، والله تعالى أعلم. ****

стр. 553

المسألة [٣]: في بيان الزمن الذي لا ينفع فيه الإيمان . المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة: قال الله تعالى: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلْ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ (١٥٨)) [الأنعام: ١٥٨]. المبحث الثاني: ذكر الحديث المشكل الوارد في تفسير الآية: (٧٨) ـ (٦٧): عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثَلاثٌ إِذَا خَرَجْنَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الْأَرْضِ». (١)

стр. 554

المبحث الثالث: بيان وجه الإشكال في الحديث: استشكل جمع من العلماء حديث أبي هريرة؛ لأمرين: الأول: أنَّ ظاهره أنَّ الإيمان لا ينفع بعد خروج الدجال، ووجه

стр. 555

الإشكال: أنَّ وقت خروج الدجال يكون قبل زمن عيسى ﵇ (١)، وعليه فإنه لا ينفع الكفار إيمانهم، ولا الفساق توبتهم، عند نزول عيسى ﵇؛ لأن باب التوبة قد أُغلق في زمن الدجال، وقد جاء النص صريحاً (٢) بأنَّ الإيمان ينفع في زمن عيسى ﵇، وإلا لما صار الدين واحداً، ولا كان في نزوله كبير فائدة. (٣) الثاني: أنَّ النصوص متظافرةٌ على تفسير الآية بطلوع الشمس من مغربها، دون ذكر الدجال، أو الدابة. (٤) المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث: مذهب عامة المفسرين أنَّ المراد بـ «البعض» في الآية، هو: طلوع الشمس من مغربها. (٥)

стр. 556

ورُوي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «التوبة معروضة على ابن آدم إن قَبلَهَا مالم تخرج إحدى ثلاث: مالم تطلع الشمس من مغربها، أو الدابة، أو فتح يأجوج ومأجوج». (١) وهذا الأثر عن ابن مسعود ﵁ لا يصح، وقد رُويَ عنه من عدة طرق أنه فسر الآية بطلوع الشمس من مغربها دون ذكر الدابة، أو يأجوج ومأجوج. (٢) وأما حديث أبي هريرة ﵁ والذي فيه ذكر الثلاث؛ فقد قال بعض أهل العلم إنَّ التوبة تنقطع بخروج إحدى هذه الثلاث. قال ابن هبيرة (٣): «حكم هاتين الآيتين (يعني الدابة، والدجال) في أنَّ نفساً لا ينفعها إيمانها، الحكم في طلوع الشمس من مغربها». اهـ (٤) وقال المناوي: «كلٌ من الثلاثة مستبد في أنَّ الإيمان لا ينفع بعد مشاهدتها؛ فأيها تقدمت ترتب عليها عدم النفع». اهـ (٥) لكن مذهب عامة أهل العلم أنَّ التوبة لا تنقطع إلا بطلوع الشمس من مغربها، وأما حديث أبي هريرة فلهم في الجواب عنه مسلكان: الأول: مسلك قبول الحديث، مع توجيهه: وهذا مذهب الجمهور من العلماء، حيث ذهبوا إلى توجيه الحديث،

стр. 557

ودفع التعارض بينه وبين بقية الأحاديث، والتي اقتصرت على تفسير الآية بطلوع الشمس من مغربها، ولهم في التوجيه مذاهب: الأول: أنَّ عدم قبول التوبة مترتبٌ على مجموع الثلاث - الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها - فإذا اجتمعت الثلاث انقطعت التوبة، وطلوع الشمس هو آخرها، وهو الذي يتحقق به عدم القبول. قال ابن مفلح - بعد أنْ أورد حديث «ثلاث إذا خرجن» -: «فهذا المراد به أنَّ طلوع الشمس آخر الثلاثة خروجاً؛ فلا تعارض بينه وبين ما سبق». اهـ (١) يريد الأحاديث التي اقتصرت على تفسير الآية بطلوع الشمس من مغربها. واختار هذا الجمع: المُلا علي بن سلطان القاري (٢)، والمباركفوري (٣)، غير أنهما لم يذكرا أنَّ طلوع الشمس من مغربها هو آخر الثلاث. وذكر الشيخ حمود التويجري حديث أبي هريرة من رواية الإمام أحمد، والتي فيها لفظ «الدخان» بدل «الدجال» وبين أنَّ التوبة لا تزال مقبولة حتى تجتمع الثلاث، والتي آخرها طلوع الشمس من مغربها. (٤) المذهب الثاني: إنْ كان البعض المذكور في الآية عدة آيات؛ فطلوع الشمس هو آخرها المتحقق به عدم القبول، وإنْ كان إحدى آيات؛ فهو محمول على طلوع الشمس من مغربها؛ لأنه أعظم الثلاث. ذكره القاسمي في تفسيره (٥)، وهو بمعنى التوجيه الأول. المذهب الثالث: أنَّ خروج الثلاث يكون متتابعاً، بحيث يكون الزمن الذي بينها يسير جداً؛ فتكون النسبة التي بينها مجازية، فكأنها خرجت في وقت واحد.

стр. 558

ذكره الحافظ ابن حجر، وتعقبه بقوله: «وهذا بعيد؛ لأن مدة لبث الدجال إلى أنْ يقتله عيسى، ثم لبث عيسى وخروج يأجوج ومأجوج، كل ذلك سابق على طلوع الشمس من المغرب». اهـ (١) قلت: بل جاء النص صريحاً بأن مدة لبث الدجال إلى أنْ يقتله ابن مريم ﵇، أطول من ذلك؛ فعن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ، لَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ أَرْبَعِينَ شَهْرًا، أَوْ أَرْبَعِينَ عَامًا، فَيَبْعَثُ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ فَيَطْلُبُهُ فَيُهْلِكُهُ، ثُمَّ يَمْكُثُ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ، لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ .... ». (٢) وعن النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ ﵁ قال: «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الدَّجَّالَ ..... فقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَمَا لُبْثُهُ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ». (٣) قال النووي: «قوله ﷺ : (يَوْم كَسَنَةٍ، وَيَوْم كَشَهْرٍ، وَيَوْم كَجُمْعَةٍ، وَسَائِر أَيَّامه كَأَيَّامِكُمْ) قال العلماء: هذا الحديث على ظاهره، وهذه الأيام الثلاثة طويلة على هذا القدر المذكور في الحديث؛ يدل عليه قوله ﷺ : (وَسَائِر أَيَّامِه كَأَيَّامِكُمْ)». اهـ (٤) وأما عيسى ابن مريم ﵇ فقد جاء أنَّ مدة لبثه أربعون سنة؛ فعن أبي هريرة ﵁ أنَّ النبي ﷺ ذكر عيسى فقال: « .... وَيُهْلِكُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُتَوَفَّى فَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ» (٥).

стр. 559

فهذه النصوص وغيرها ترد القول بأن خروج الثلاث يكون متتابعاً، وأنَّ الزمن الذي بينها يسير، وحسبك مدة بقاء عيسى ﵇؛ فإنَّ مكثه أربعين سنة ليس بالزمن اليسير. المذهب الرابع: ما قاله البيهقي: «إنْ كان في علم الله أنَّ طلوع الشمس سابقٌ احتمل أن يكون المراد نفى النفع عن أنفس القرن الذين شاهدوا ذلك، فإذا انقرضوا وتطاول الزمان وعاد بعضهم إلى الكفر عاد تكليف الإيمان بالغيب، وكذا في قصة الدجال لا ينفع إيمانُ من آمن بعيسى عند مشاهدة الدجال، وينفعه بعد انقراضه». اهـ (١) قلت: يتخرج من كلام البيهقي أنَّ التوبة تنقطع عند طلوع الشمس من مغربها، ثم تعود بعد تطاول الزمان؛ فإذا خرج الدجال انقطعت، ثم تعود بعد ذلك لتنفع وقت عيسى ﵇. وقريباً منه قول أبي عبد الله القرطبي: «توبة كل من شاهد ذلك (يعني طلوع الشمس من مغربها) أو كان كالمشاهد له مردودة ما عاش؛ لأن علمه بالله تعالى وبنبيه ﷺ وبوعده قد صار ضرورة؛ فإن امتدت أيام الدنيا إلى أن ينسى الناس من هذا الأمر العظيم ما كان، ولا يتحدثون عنه إلا قليلاً، فيصير الخبر عنه خاصاً وينقطع التواتر عنه؛ فمن أسلم في ذلك الوقت أو تاب قُبلَ منه». اهـ (٢) وأيّد ذلك: ١ - بما رُوي: «أنَّ الشمس والقمر يُكسيان بعد ذلك الضوء والنور، ثم يطلعان على الناس ويغربان كما كانا قبل ذلك». (٣) ٢ - وبما رُوي عن عبد الله بن عمرو ﵁ أنه قال: «يبقى الناس بعد

стр. 560

طلوع الشمس من مغربها مائة وعشرين سنة، حتى يغرسوا النخل». (١) ٣ - وبما رُوي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: «لا يقبل الله من كافر عملاً ولا توبة إذا أسلم حين يراها إلا من كان صغيراً يومئذ؛ فإنه لو أسلم بعد ذلك قُبِل ذلك منه، ومتى كان مؤمناً مذنباً فتاب من الذنب قُبِلت منه». (٢) ٤ - وبما رُوي عن عمران بن حصين ﵁ أنه قال: «إنما لم يُقبل وقت الطلوع حتى تكون صيحة فيهلك كثير من الناس، فمن أسلم أو تاب في ذلك الوقت وهلك لم يُقبل منه، ومن تاب بعد ذلك قُبِلت منه». (٣) ونقل الحافظ أبو زرعة العراقي عن شيخه البلقيني أنه قال: «إذا تراخى الحال بعد ذلك، وبَعُدَ العهد بهذه الآية، وتناساه أكثر الناس قُبِلت التوبة والإيمان بعد ذلك؛ لزوال الآية التي تضطر الناس إلى الإيمان». اهـ (٤) ونقله عن البلقيني: الإمام الآلوسي، ومال إليه وأيَّده. (٥) واعتُرِضَ على هذا المذهب: بأن لا دليل عليه، وبأن الأخبار الصحيحة ترده؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ». (٦) فمفهوم هذا الحديث أنَّ من تاب بعد ذلك لم تُقبل منه. (٧)

стр. 561

وقد ساق الحافظ ابن حجر عدة آثار تدل على أنَّ الشمس إذا طلعت من مغربها أُغلق باب التوبة ولم يفتح بعد، ثم قال: «فهذه آثار يشد بعضها بعضاً، متفقة على أنَّ الشمس إذا طلعت من المغرب أُغلق باب التوبة ولم يفتح بعد، وأنَّ ذلك لا يختص بيوم الطلوع، بل يمتد إلى يوم القيامة». اهـ (١) المسلك الثاني: مسلك تضعيف الحديث: فقد ذهب أبو العباس القرطبي إلى أنَّ ذكر الدجال في حديث أبي هريرة ﵁ وهمٌ من بعض الرواة، وأنَّ التكليف لا يرتفع إلا بطلوع الشمس من مغربها، كما دلت عليه بقية الأحاديث. (٢) المبحث الخامس: الترجيح: الذي يَظْهُرُ صَوَابُه ـ والله تعالى أعلم ـ هو مسلك قبول الحديث، مع توجيهه، ودفع التعارض بينه وبين بقية الأحاديث التي اقتصرت على تفسير الآية بطلوع الشمس من مغربها، فيكون معنى حديث أبي هريرة: أنَّ عدم قبول التوبة مترتب على مجموع الثلاث - الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها - فإذا اجتمعت الثلاث انقطعت التوبة، ويكون طلوع الشمس هو آخرها، وهو الذي يتحقق به عدم القبول. ويمكن تلخيص المسألة وحصرها في خمسة أمور: ١ - أنَّ المراد بـ «البعض» في الآية هو طلوع الشمس من مغربها فقط، دون غيرها. ٢ - أنَّ التوبة لا تنقطع إلا بطلوع الشمس من مغربها. ٣ - أنَّ طلوع الشمس من مغربها هو آخر الآيات الثلاث المذكورة في حديث أبي هريرة.

стр. 562

٤ - أنَّ زمن عيسى ﵇ يعقب الدجال. ٥ - أنَّ زمن عيسى ﵇ فيه خير كثير، دنيوي وأخروي، والتوبة والإيمان مقبولان فيه. وسأذكر من الأدلة ما يؤيد كل أمر، مع ذكر الإيرادات والاعتراضات، والجواب عنها. أولاً: الأدلة على أنَّ المراد بـ «البعض» في الآية هو طلوع الشمس من مغربها فقط، دون غيرها: بعد النظر في الأحاديث الواردة في تفسير الآية وجدتُ أنها متفقة على تفسير «البعض» بطلوع الشمس من مغربها، ولم يأتِ ما يُخالف ذلك إلا ما يظهر من حديث أبي هريرة ﵁، ولكن عند التأمل فإنه لا يظهر بينه وبين بقية الأحاديث تعارض، لإمكان حمله على بقية الأحاديث التي اقتصرت على تفسير الآية بطلوع الشمس من مغربها، وإنَّ في اتفاق الأحاديث على تفسير «البعض» بالطلوع فقط، لدلالة واضحة على أنه هو المراد. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: «وقد تكاثرت الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ أنَّ المراد بـ «بعض آيات الله» طلوع الشمس من مغربها». اهـ (١) وقال الآلوسي: «رُويَ هذا التعيين عنه ﷺ في غير ما خبر صحيح». اهـ (٢) ولنورد بعضاً من هذه الأخبار الصحيحة: ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا؛ فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ آمَنَ مَنْ عَلَيْهَا، فَذَاكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ». (٣)

стр. 563

٢ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ ـ في قول الله : (أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ) [الأنعام: ١٥٨] قَالَ: «طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا». (١) ٣ - وعن أبي ذر الغفاري ﵁، أنَّ النبي ﷺ قال يوماً: «أَتَدْرُونَ أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: إِنَّ هَذِهِ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، فَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا ارْتَفِعِي، ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَرْجِعُ فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا، ثُمَّ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، وَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا ارْتَفِعِي ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَرْجِعُ فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا، ثُمَّ تَجْرِي لَا يَسْتَنْكِرُ النَّاسَ مِنْهَا شَيْئًا، حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا ذَاكَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَيُقَالُ لَهَا: ارْتَفِعِي أَصْبِحِي طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِكِ، فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَتَدْرُونَ مَتَى ذَاكُمْ؟ ذَاكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا». (٢)

стр. 564

٤ - وعن صفوان بن عسال المرادي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ مِنْ قِبَلِ مَغْرِبِ الشَّمْسِ بَابًا مَفْتُوحًا عَرْضُهُ سَبْعُونَ سَنَةً، فَلَا يَزَالُ ذَلِكَ الْبَابُ مَفْتُوحًا لِلتَّوْبَةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ نَحْوِهِ؛ فَإِذَا طَلَعَتْ مِنْ نَحْوِهِ لَمْ يَنْفَعْ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا». (١) ٥ - ومما يؤكد أنَّ المراد بـ «البعض» هو طلوع الشمس فقط، اتفاق الصحابة على تفسير الآية بذلك، رُويَ هذا التفسير عن: ابن عباس، وعبد الله بن عمرو، وابن مسعود، وصفوان بن عسال (٢)، ولا يعرف لهم مخالف؛ إلا ما رُوي عن ابن مسعود - في إحدى الروايات عنه - بأنه فسرها بإحدى ثلاث: الطلوع، أو الدابة، أو يأجوج ومأجوج، وقد تقدم أنَّ ذلك لا يصح عنه. (٣) فهذه الأحاديث مع اتفاق الصحابة ﵃ تؤكد القول بأن المراد بالبعض هو طلوع الشمس من مغربها دون غيرها، ولو كانت الثلاث المذكورة في حديث أبي هريرة هي المرادة بتفسير الآية، أو بعض المراد لذُكِرَت في بقية الأحاديث، وفي هذا دلالة واضحة على أنَّ أحد الثلاث غير مستبد بانقطاع التوبة بوجوده، بل لا بد من اجتماعها معاً، والله تعالى أعلم. فإن قيل: هذا التأويل فيه إهمال لبقية الثلاث المذكورة في الحديث؛ لأنكم قصرتم تفسير الآية على واحدة من هذه الثلاث، ولم تعملوا البقية،

стр. 565

والحديث صريح بأن المراد بالبعض هو الثلاث، لا واحدة منها. والجواب على هذا الإيراد سيأتي تبعاً عند ذكر فائدة مجيء الثلاث في الحديث، وسيأتي أنَّ قصر تفسير الآية على واحدة من الثلاث لا يعني إهمال البقية، وإنما ذكرت لفائدة أخرى كما سيأتي تقريره. ثانياً: الأدلة على أنَّ التوبة لا تنقطع إلا بطلوع الشمس من مغربها: ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ». (١) ٢ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا». (٢) ٣ - وعن معاوية بن أبي سفيان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا». (٣) فهذه الأحاديث متفقة على أنَّ التوبة لا تنقطع إلا بطلوع الشمس من مغربها، والقول بأن زمن الدجال لا ينفع فيه الإيمان ولا التوبة فيه مخالفة صريحة لهذه الأحاديث؛ لأن وقته قبل طلوع الشمس من مغربها. ثالثاً: الأدلة على أنَّ طلوع الشمس من مغربها هو آخر الآيات الثلاث المذكورة في حديث أبي هريرة. هناك عدة أدلة تؤيد القول بأن طلوع الشمس من مغربها هو آخر الثلاث المذكورة في الحديث، ومن هذه الأدلة:
следующие страницы →