← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7532

الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم

أحمد القصير

Полный текст (723 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ـ[الأحاديْثُ المُشْكِلَةُ الواردةُ في تفسير القرآنِ الكريم (عَرْضٌ وَدِراسَةٌ)]ـ المؤلف: د. أحمد بن عبد العزيز بن مُقْرِن القُصَيِّر الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية الطبعة: الأولى، ١٤٣٠ هـ عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] (وقد أهداه مؤلفه - جزاه الله خيرا - للمكتبة الشاملة)

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أصل هذا الكتاب اطروحة علمية تقدم بها المؤلف لنيل درجة الدكتوراه في التفسير وعلوم القرآن من جامعة أم القرى بمكة المكرمة، في كلية الدعوة وأصول الدين، قسم الكتاب والسنة. وقد نوقشت من قبل اللجنة العلمية المكونة من أصحاب الفضيلة: الدكتور: سليمان الصادق البيرة، الأستاذ المشارك في قسم الكتاب والسنة، في جامعة أم القرى، مشرفاً. والدكتور: نايف بن قبلان العتيبي، الأستاذ في قسم الكتاب والسنة، في جامعة أم القرى، عضواً. والدكتور: عادل بن علي الشدي، الأستاذ المشارك في كلية التربية، في جامعة الملك سعود، عضواً. وأجيزت بتقدير ممتاز، مع مرتبة الشرف الأولى والتوصية بالطبع والتبادل مع الجامعات. وتمت المناقشة مساء يوم الأربعاء الموافق: ٢٠/ ٥/١٤٢٨هـ.

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونتوبُ إليه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا، ومن سيئاتِ أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهدُ أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، وصفوتُه من خلقه، بلّغ الرسالةَ، وأدّى الأمانةَ، ونصح الأمّةَ، وجاهدَ في الله حقَّ جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين. أما بعد: فإنَّ المولى سبحانه أنزل كتابه (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) [آل عمران: ٧]، وَوَكَلَ سبحانه بيان كتابه لنبيه ﷺ ، فجاءت السُّنةُ شارحةً للقرآن ومبيِّنةً له، تُفَسِّرُ مُبهَمه، وتُفَصِّلُ مُجْمَلَه، وتُقَيّد مُطْلَقه، وهي محكمةٌ في ذلك كله، إلا أنه رُبما وقع فيها ما يدخل في حكم المتشابه، فربما رُويَ عنه ﷺ حديثاً يُوهِمُ معارضة آية قرآنية، وربما رُويَ عنه تفسير آيةٍ ما، وفي هذا التفسير ما يُوهِمُ معنىً مشكلاً. ولما كانت نصوص الوحيين فيها محكم ومتشابه فقد نَفِذَ من تلك النصوص المتشابهة أعداءُ الإسلام؛ ليثيروا الشبهاتِ حولَ القرآنِ الكريمِ والسنةِ النبويةِ المطهرة، تارةً بالطعن فيهما، وتارةً بالتشكيك وإثارةِ الشبهِ حولهما، يريدون بذلك تضليلَ الأمة، وصدِّها عن دينها القويم، كما أخبر سبحانه عنهم بقوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ) [آل عمران: ٧]. إلا أنَّ الله رَدَّ كيدَهم في نحورهم؛ فهيأ لكتابه وسنةَ نبيه ﷺ رجالاً

стр. 4

أفذاذاً من علماء المسلمين، ينفون عنهما انتحال المبطلين وتحريف الغالين، فكشفوا زيفَ تلك الشبه والأكاذيب، وأزاحوا الستار عن خطرها وكيدها، ثم نظروا بعد ذلك في الصحيحِ من سُنَّةِ النبي ﷺ ، فيما يقع فيها من وهْمٍ وغَفْلةٍ، من رواةٍ ثقاتٍ عدول، فأبانوا عِللَها، وقَيَّدوا مُهْمَلَها، وأقاموا مُحرّفَها، وعانَوا سقيمها، وصححوا مُصحّفها (١)، وبيَّنوا أنَّ نصوص الوحيين حقٌّ وصدقٌ، لا تتعارض ولا تتناقض، وقد ألّفوا في ذلك تصانيف عِدَّة، اتخذها من جاء بعدهم قُدْوَة، فجزاهم الله عنا وعن سعيهم الحميدِ خير الجزاء، وجعلنا وإياهم عند لقائه من السعداء. إلا أنَّ الأحاديثَ المُشْكِلَة - التي تتعلق بالتفسير - لا تزال تحتاجُ إلى مزيدٍ من الدراسةِ والتحقيق؛ إذ إنَّ علماءَنا ﵏ لم يفردوها بالدراسةِ على حِدة، وإنما كانت مبثوثةً في ثنايا كُتُبِهم؛ وقد يجد من يقفُ على بعضٍ من هذه الأحاديثِ صعوبةً في تحريرها، وجمعِ شتاتِ أقوالِ العلماء فيها، فتبقى الشبهةُ عالقةً في ذهنه دون جواب، ومن هذا المنطلقِ أحببتُ إفراد هذا الموضوعِ بالتصنيف، وعرضَ مسائِله بالدراسة والتحقيق، على منهجِ سلفِنا الصالحِ - رضوانُ الله عليهم - مُدعِّماً ذلك بأقوالهم وآرائِهم. ويمكنُ إجمالُ أهميةِ الموضوعِ، وسببِ اختيارهِ في النقاط الآتية: ١ - أنه قد أُلّفَ في مشكلِ القرآنِ (٢)، ومشكلِ الحديثِ (٣)، على حين لم يُفردْ بالتصنيفِ الأحاديثُ التي تردُ في التفسير، وتُعدُّ: مشكلةً في ذاتها، أو يُوهِمُ ظاهرُها التعارضُ مع القرآنِ الكريم (٤)، أو يُوهِمُ ظاهرُها التعارضُ فيما بينها.

стр. 5

٢ - الرَّدُ على مطاعنِ أعداءِ الإسلام، والتصدي لكل ما يُثار حول القرآن الكريم والسنة النبوية. ٣ - إبرازُ عظمةِ الوحيين، وخلوِهِما من التناقض. ٤ - بيانُ عنايةِ علماءِ الأمةِ بهذا الموضوع.

стр. 6

خطة البحث يتكونُ البحثُ من مقدمةٍ، وقسمين، وخاتمة. المقدمة: وفيها بيانُ أهميةِ الموضوع، وسببِ اختياره، وخطةِ البحث، والمنهجِ المتبعِ فيه. القسم الأول: دراسةٌ نظريةٌ في الأحاديثِ المُشْكِلَةِ الواردةِ في تفسير القرآن الكريم، وفيه فصول: الفصلُ الأول: تعريفُ المشكل، وبيانُ الفرقِ بينه وبين التعارضِ والمختلف، وفيه مباحث: الأول: تعريفُ المشكل في اللغة والاصطلاح. الثاني: تعريف التعارض في اللغة والاصطلاح. الثالث: تعريف المختلف في اللغة والاصطلاح. الرابع: الفرق بين المشكل والتعارض والمختلف. الفصل الثاني: أسباب التعارض، وشروطه، ومسالك العلماء في دفعه، وفيه مباحث: الأول: أسباب وقوع التعارض بين النصوص الشرعية. الثاني: شروط التعارض بين النصوص الشرعية. الثالث: مسالك العلماء في دفع التعارض بين النصوص الشرعية. الفصل الثالث: المراد بالأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم، وبيان الفرق بينها وبين مشكل القرآن، ومشكل الحديث، وفيه مباحث: الأول: المراد بالأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم. الثاني: الفرق بين الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم، ومشكل القرآن.

стр. 7

الثالث: الفرق بين الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم، ومشكل الحديث. الفصل الرابع: عناية العلماء بالأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم، وفيه أربعة مباحث: الأول: أحاديث التفسير المشكلة في كتب «التفسير وعلوم القرآن». الثاني: أحاديث التفسير المشكلة في كتب «مشكل الحديث». الثالث: أحاديث التفسير المشكلة في كتب «الحديث وشروحه». الرابع: أحاديث التفسير المشكلة في كتبٍ أخرى متفرقة. القسم الثاني: دراسة تطبيقية للأحاديث المُشْكِلَة الواردة في تفسير القرآن الكريم، وفيه فصول: الفصل الأول: الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع القرآن الكريم. الفصل الثاني: الأحاديث التي ترد في تفسير آيةٍ ما، ويُوهِمُ ظاهرها التعارض فيما بينها. الفصل الثالث: الأحاديث التي ترد في تفسير آيةٍ ما، ويُوهِمُ ظاهرها معنىً مشكلاً.

стр. 8

منهج البحث اصطنعت منهجاً في البحث يقوم على الخطوات الآتية: ١ - جمعُ الأحاديثِ المشكلة - الواردة في تفسير القرآن الكريم - من كتب: الحديث، والتفسير، ومشكل الحديث، وشروح الحديث، وغيرها من مظان مشكل الحديث. ٢ - اقتصرتُ على دراسةِ الأحاديث المشكلة الواردة في الكتب التسعة، وهي: صحيحا البخاري ومسلم، وسننُ أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابنُ ماجة، والدارمي، وموطأ مالك، ومسندُ الإمام أحمد. (١) ٣ - قمتُ بدراسة جميع الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير جميع سور القرآن. ٤ - جعلتُ البحث في مسائل، وقسَّمتُ المسائل على ثلاثة فصول، ورتبتها في كل فصل حسب ترتيب سور وآيات القرآن الكريم. ٥ - في كل مسألة أذكر المباحث الآتية: الأول: ذكرُ الآيةِ، أو الآيات الواردة في المسألة، وإذا كان في المسألة أكثرُ من آية فإني أذكر بعضها وأحيل في الحاشية على المتبقي منها. الثاني: ذكرُ الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير الآية أو الآيات، وقد جعلتُ للأحاديث رقماً متسلسلاً في البحث كله، وعددها [٧٦] حديثاً، وجعلتُ لكل حديثٍ رقمين: الأول ويعني التسلسل العام للأحاديث في البحث كله،

стр. 9

والثاني ويعني تسلسل الأحاديث ذات المعنى المختلف؛ فإذا كان الحديث - في المسألة الواحدة - شاهداً للذي قبله، وفي معناه، وليس فيه معنىً زائداً؛ جعلتُ رقمه الثاني خالياً من الترقيم هكذا: ( .. )؛ للدلالة على أنه بمعنى الذي قبله، وإذا كان يحمل معنى زائداً جعلتُ له رقماً خاصاً، وهكذا. وقد بلغ مجموع الأحاديث التي تمت دراستها بجميع الروايات [٨٩] حديثاً، وبلغ مجموع الأحاديث ذات المعنى المختلف [٧٦] حديثاً. الثالث: بيان وجه الإشكال في الأحاديث. الرابع: ذكر مسالك العلماء في توجيه الإشكال، مع بيان أدلتهم إن وجدت. الخامس: بيان القول الراجح في كل مسألة، مع ذكر حجة الترجيح. ٦ - اقتصرتُ على دراسة الصحيح، أو المختلف في تصحيحه، من الأحاديث المشكلة في التفسير، دون المتفق على تضعيفه، إلا أنْ يرد في المسألة الواحدة أكثر من حديث فإني أذكرها جميعاً وإن كان بعضها متفقاً على ضعفه، بشرط أنْ لا تخرج عن الكتب التسعة. ٧ - ضابط الأحاديث المشكلة في هذا البحث: ما نص عالم أو أكثر على وجود الإشكال أو نفيه (١)، مع مراعاة اصطلاح المحدِّثين دون الأصوليين في ضابط المشكل. (٢) ٨ - لم أدخل في هذا البحث أحاديث الصفات، والتي يعدها البعض من المشكل. (٣) ٩ - خرّجتُ الأحاديث الواردة في ثنايا البحث من الكتب المعتمدة في ذلك، فإن كانت في الصحيحين أو في أحدهما اكتفيت بهما لصحتهما، وإذا لم تكن فيهما فإني أخرجها من مظانها في كتب الحديث الأخرى، وأذكر كلام أهل العلم فيها؛ فإن لم أجد اجتهدتُ رأيي في الحكم على الحديث حسب الصناعة الحديثية.

стр. 10

وقد توسعت في تخريج الأحاديث المشكلة - الواردة في كل مسألة - فبينت طرقها ومخارجها وما فيها من علل إن وجدت، وذلك لما في التوسع من فائدة لمعرفة منشأ الإشكال، والذي غالباً ما يكون بسبب وهم أو اضطراب من بعض الرواة، وأما إذا كان الحديث ليس هو في صلب المسألة؛ فإني اختصر في تخريجه وبيان حكمه، إلا أن يكون معلولاً وهو محل استدلال فإني ربما توسعت في تخريجه لبيان علله. ١٠ - خرّجتُ الآثار من الكتب المعتمدة في ذلك قدر جهدي واستطاعتي. ١١ - تركتُ الآثار المروية عن الصحابة والتابعين دون حكم على أسانيدها؛ إلا ما كان له أثر على الخلاف في المسألة، أو كان له حكم الرفع؛ فإني أبين حكمه حسب ما ورد في الفقرة التاسعة. ١٢ - وثّقتُ القراءات من مصادرها الأصلية. ١٣ - بيَّنْتُ معاني الكلمات الغريبة التي تحتاج إلى بيان عند أول ورودها، وذلك بالرجوع إلى مصادرها المختصة. ١٤ - خرّجتُ الأبيات الشعرية من دواوين قائليها إن وجدت، وإلا فمن المعاجم التي تذكر الأبيات، مع عزو البيت لقائله. ١٥ - ترجمتُ للأعلام غير المشهورين الذين يردون في البحث. ١٦ - عند إيراد إسنادِ حديثٍ ما فإني لا أترجم لرجال إسناده؛ إلا إذا تطلب الأمر ذلك؛ لفائدة تتعلق بالراوي أو السند. ١٧ - أشرتُ إلى مواضع الآيات، بذكر أسماء السور وأرقام الآيات. ١٨ - عرّفتُ بالأماكن المبهمة - التي تُذكر في البحث - عند أول ورودها، وذلك بالرجوع إلى المعاجم المختصة. الخاتمة: وذكرتُ فيها أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال البحث. شكر وتقدير وفي ختام هذه المقدمة أرى لزاماً علي أن أُزجي الشكر والثناء لكل من أعانني على إتمام هذا البحث، فبعد شكر الله تعالى الذي له الحمد أولاً وآخراً أتوجه بالشكر الجزيل لوالدي الكريمين، فقد كان فضلهما علي عظيماً، وهما اللذان غرسا في نفسي حب الخير والعلم وأهله، وقد كان لتشجيعهما ووقوفهما معي الأثر البالغ في مواصلة مسيرتي العلمية، فلا أملك في هذا المقام إلا أن أرفع أكف الضراعة إلى الله تعالى بأن يرحمهما كما ربياني

стр. 11

صغيراً، وأن يرزقني برهما والقيام بحقهما على الوجه الذي يُرضيه عني. كما أتقدم بالشكر لفضيلة شيخي وأستاذي سعادة الدكتور سليمان الصادق البيرة، حفظه الله ورعاه، الذي تفضل بقبول الإشراف على هذه الرسالة، وقد أعطاني من وقته - مع كثرة أعماله وأشغاله - الشيء الكثير، وكان لآرائه وتوجيهاته الأثر الكبير في تقويم هذا البحث، وإخراجه بهذه الحلة، فجزاه الله عني خير الجزاء، وأجزل له المثوبة والعطاء. كما أتوجه بالشكر لجامعة أم القرى ممثلة في كلية الدعوة وأصول الدين، قسم الكتاب والسنة، التي منحتني الفرصة لمواصلة تعليمي العالي، والتزود من معين العلم الشرعي، وأخص بالشكر سعادة عميد الكلية الدكتور عبد الله بن محمد الرميان، حفظه الله ورعاه، فقد كان معروفه علي وارفاً، وله وقفات، ستبقى خالدةً لا تُنسى. وبعد: فقد بذلت قصارى جهدي في إخراج هذا البحث على أحسن ما يكون، متحرياً فيه الدقة والأمانة العلمية، فما كان من صواب فمن الله وحده، وله الشكر على ذلك، وما كان من خطأ فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله من ذلك. وفي الختام: أسأل الله العلي القدير أن يجعل عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفعني به دنياً وأخرى، وأن يكلل جميع أعمالي بالتوفيق والنجاح، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ٢٠/ ٥/١٤٢٨ هـ *****

стр. 12

القسم الأول دراسة نظرية في الأحاديث المُشْكِلَة الواردة في تفسير القرآن الكريم

стр. 13

الفصل الأول تعريف المشكل، وبيان الفرق بينه وبين التعارض والمختلف وفيه مباحث:

стр. 14

الفصل الأول: تعريف المشكل، وبيان الفرق بينه وبين التعارض والاختلاف. المبحث الأول: تعريف المُشْكِل في اللغة والاصطلاح: المطلب الأول: تعريف المُشْكِل في اللغة: المُشْكِل: اسم فاعل، مِنْ أشْكَلَ يُشْكِلُ إشْكالاً؛ فهو مُشْكِلٌ. واسم الفاعل من غير الثُلاثي يأتي على زِنَةِ مُضارِعه، بإبدال حرف المضارعة ميماً مضمومة، وكسر ما قبل الآخر. (١) والمعنى اللغوي للمُشْكِل يدور حول: الاختلاط، والالتباس، والاشتباه، والمماثلة. (٢) تقول: أشكل عليَّ الأمر، أي: اختلط بغيره. (٣) ويُقال: حرف مُشْكِلٌ، أي: مُشْتَبِهٌ مُلتبسٌ، وأمورٌ أشكال، أي: ملتبسة، وبينهم أشكلة، أي: لبس. (٤) والشَّكْلُ: الشَّبَهُ والمِثْلُ، والجمع أشْكَالٌ، وشُكُولٌ، يُقال: هذا أشْكَلُ بكذا، أي: أشْبَه. (٥)

стр. 15

قال ابن فارس (١): «الشين والكاف واللام، مُعظمُ بابِهِ المُماثَلة، تقول: هذا شَِكْل هذا، أي: مِثْلُه، ومن ذلك يُقال: أمرٌ مُشْكِل، كما يُقال: أمرٌ مُشْتبِه». اهـ (٢) المطلب الثاني: تعريف المُشْكِل في الاصطلاح: تباينت آراء العلماء في تعريف المُشْكِل، فتعريفه عند الأصوليين يختلف عن تعريفه عند المُحَدِّثين والمفسرين، وسأذكر أولاً تعريفه عند أهل كلِّ فن، ثم أُبَيّن أوجه الفرق بين هذه التعريفات، ثم بعد هذا سأذكر تعريفاً جامعاً مانعاً يضبط معناه في اصطلاح المحدثين؛ لأن ما يعنينا في هذا البحث هو معناه في اصطلاح المحدثين دون الأصوليين، ثم أُتْبِع ذلك كله بتعريفٍ عامٍ للمشكل، يشمل معناه في اصطلاح الأصوليين، والمحدثين، والمفسرين. أولاً: تعريف المُشْكِل في اصطلاح الأصوليين: أكثر من تناول تعريف المُشْكِل في اصطلاح الأصوليين هم علماء الحنفية، وقد عرَّفه السرخسي (٣)، بقوله: «هو اسم لما يشتبه المراد منه، بدخوله في أشكاله على وجهٍ لا يُعرف المُراد إلا بدليل يتميز به من بين سائر الأشكال». اهـ (٤) وقد أوضح السرخسي مراده بهذا التعريف عند بيانه للفرق بين المُشْكِل والمجمل، فقال: «والمُشْكِل قريب من المجمل، ولهذا خفي على بعضهم فقالوا: المُشْكِل والمجمل سواء، ولكن بينهما فرق، فالتمييز بين الإشكال ـ ليوقف على المراد ـ قد يكون بدليل آخر، وقد يكون بالمبالغة في التأمل حتى يظهر به الراجح، فيتبين به المراد، فهو من هذا الوجه قريب من الخفي، ولكنه فوقه، فهناك الحاجة إلى التأمل في الصيغة وفي أشكالها، وحكمه

стр. 16

اعتقاد الحقيقة فيما هو المراد، ثم الإقبال على الطلب والتأمل فيه إلى أنْ يتبين المراد فيعمل به. وأما المجمل فهو ضد المُفَسَّر، مأخوذ من الجملة، وهو لفظ لا يُفهم المراد منه إلا باستفسار من المُجْمِلِ، وبيان من جهته يُعرف به المراد. وبهذا يتبين أنَّ المجمل فوق المُشْكِل؛ فإنَّ المراد في المُشْكِل قائم، والحاجة إلى تمييزه من أشكاله، والمراد في المجمل غير قائم، ولكن فيه توهم معرفة المراد بالبيان والتفسير». اهـ (١) وعرَّفه الشاشي (٢) فقال: «هو ما ازداد خفاءً على الخفي، كأنه بعدما خفي على السامع حقيقة دخل في أشكاله وأمثاله، حتى لا يُنال المراد إلا بالطلب ثم بالتأمل، حتى يتميز عن أمثاله». اهـ (٣) وعرَّفه أبو زيد الدَّبُوسي (٤)، فقال: «هو الذي أشكل على السامع طريق الوصول إلى المعنى الذي وضعه له واضع اللغة، أو أراده المستعير». اهـ (٥) وعرَّفه الجُرْجَاني (٦)، فقال: «المُشْكِل: هو ما لا يُنال المراد منه إلا بتأملٍ بعد الطلب، وهو الداخل في أشكاله، أي: في أمثاله وأشباهه، مأخوذ من قولهم: أشكل، أي: صار ذا شَكْلٍ، كما يُقال: أحرم، إذا دخل في الحرم، وصار ذا حُرْمَةٍ». اهـ (٧) وجمع بين هذه التعريفات الأستاذ عبد الوهاب خلاف؛ فقال: «المراد بالمُشْكِل في اصطلاح الأصوليين: اللفظ الذي لا يدل بصيغته على المراد منه، بل لا بُدَّ من قرينة خارجية تُبيّن ما يُراد منه». اهـ (٨) ويلاحظ من مجموع هذه التعريفات أنَّ معنى المُشْكِل عند الأصوليين:

стр. 17

هو اللفظ الذي استغلق وخفي معناه على السامع، ولم يتبين إلا بعد طلبٍ وتأمل، فقد يظهر معناه من قرينةٍ في النص، أو من دليلٍ آخر منفصلٍ عن النص، أو بتأمل ونظر، وقد لا يظهر. ويقابل المُشْكِل عند الأصوليين: المتشابه، فقد يُعَبِّرُ بعضهم عن المُشْكِل بالمُتَشَابِه، كما إنَّ تعريفهم للمتشابه هو بعينه تعريف المُشْكِل، وقد عرَّفه أبو الوليد الباجي فقال: «المتشابه: هو المُشْكِل الذي يُحتاج في فهم المراد به إلى تفكرٍ وتأمل». اهـ (١) وعرَّفه الشاطبي فقال: «ومعنى المتشابه: ما أشكل معناه، ولم يتبين مغزاه». اهـ (٢) وقد أشار إلى هذا التداخل بين اللفظين شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: «ولهذا كان السلف ﵃ يُسَمُّون ما أشكل على بعض الناس حتى فُهِمَ منه غير المراد: مُتشابهاً». اهـ (٣) وهذا المصطلح للمُشكل استعمله بعض المفسرين والمحدثين، فقد يُطلقون الإشكال ويريدون به الخفاء وعدم وضوح المعنى، وقد ألَّفَ مكي بن أبي طالب كتاباً في غريب القرآن سمَّاه: «تفسير المُشْكِل من غريب القرآن»، حيث سمَّى الغريبَ مُشْكِلاً. (٤) وألَّف ابن الجوزي كتاباً سمَّاه: «كشف المُشْكِل من حديث الصحيحين»، ومراده: شرح الألفاظ التي يراها غريبة، أو بحاجة إلى توضيح وبيان. (٥) ثانياً: تعريف المُشْكِل في اصطلاح المحدثين: لم يتطرق الأوائل ـ ممن ألف في مشكل الحديث ـ لتعريفِ المُشْكِلِ

стр. 18

بمعناه في اصطلاح المحدثين ـ إلا ما ذكره أبو جعفر الطحاوي في كتابه «مشكل الآثار»، حيث أشار في مقدمة كتابه لمعنى المُشْكِل فقال: «وإني نظرت في الآثار المروية عنه ﷺ ، بالأسانيد المقبولة، التي نقلها ذوو التثبت فيها والأمانة عليها، وحسن الأداء لها، فوجدت فيها أشياء مما يسقط معرفتها، والعلم بما فيها عن أكثر الناس، فمال قلبي إلى تأملها، وتبيان ما قدرت عليه من مشكلها، ومن استخراج الأحكام التي فيها، ومن نفي الإحالات عنها». اهـ (١) وهذا الذي ذكره الطحاوي يُعد وصفاً لمعنى المشكل، لا تعريفاً له، وقد استفاد منه من جاء بعده من المتأخرين، حيث نقله الدكتور أسامة خياط، واستخلص منه تعريفاً لمشكل الحديث بأنه: «أحاديثُ مرويةٌ عن رسول الله ﷺ ، بأسانيد مقبولة، يُوهِمُ ظاهرها معاني مستحيلة، أو مُعارضة لقواعد شرعية ثابتة». (٢) وأفاد من هذين التعريفين الدكتور فهد بن سعد الجهني، فإنه نقل كلام الطحاوي ثم قال: «فمن الممكن استخلاص تعريفٍ للمشكل من خلال نص الطحاوي هذا بأنه: الحديث المروي عن رسول الله ﷺ بسند مقبول، وفي ظاهره تعارض يقتضي معنى مستحيلاً، عقلاً أو شرعاً؛ يحتاج في دفعه إلى نظر وتأمل». (٣) وقد أشار إلى أنه أفاد من تعريف الدكتور أسامة. (٤) وذكر الأستاذ عبد الله المنصور في كتابه «مشكل القرآن» تعريفاً مقارباً لما ذُكِرَ، مع إضافة بعض الضوابط التي استخلصها من خلال استقرائه لبعض المؤلفات في مشكل الحديث، وقد خلص إلى أنَّ المراد بمشكل الحديث:

стр. 19

«الآثار المروية عن رسول الله ﷺ ، بالأسانيد المقبولة، وجاء ما يُناقضها في الظاهر من آية أو حديث أو غير ذلك، مما هو ظاهر ومعتبر، أو فيها ألفاظ أو معانٍ لا تُعلم عند كثير من الناس». (١) ويلاحظ من مجموع هذه التعريفات أنها لم تأتِ بتعريف جامعٍ مانعٍ لمشكل الحديث، وإنما ذكرت بعض أنواعه. كما يُلاحظ أنَّ معنى المُشْكِل عند عامة المحدثين مغاير تماماً لمعناه عند الأصوليين؛ إلا أنَّ بعضهم ربما أطلق الإشكال وأراد به معناه عند الأصوليين. وهذه التعريفات التي ذكرناها سابقاً نستطيع أنْ نستخلص منها تعريفاً جامعاً مانعاً شاملاً لكل أنواع مشكل الحديث، مع إضافة بعض الضوابط التي لم تُذكر في تلك التعريفات. وعليه فإن مشكل الحديث: هو الحديث المروي عن رسول الله ﷺ بسند مقبول، ويُوهِمُ ظاهره مُعارضةَ آيةٍ قرآنية، أو حديثٍ آخر مثله، أو يُوهِمُ ظاهره مُعارضةَ مُعْتَبَرٍ مِنْ: إجماعٍ، أو قياسٍ، أو قاعدةٍ شرعيةٍ كليةٍ ثابتة، أو أصلٍ لغوي، أو حقيقةٍ علميةٍ، أو حِسٍ، أو معقولٍ. ثالثاً: تعريف المُشْكِل عند علماء التفسير وعلوم القرآن: معرفة المُشْكِل عند علماء التفسير وعلوم القرآن يتطلب النظر في نوعين من المؤلفات: الأول: الكتب المؤلفة في تفسير القرآن الكريم، والثاني: الكتب المؤلفة في علوم القرآن. ففي الكتب المؤلفة في التفسير نجد أنَّ هناك نوعين من التأليف: الأول: كتبٌ مفردة في مشكل القرآن، وموهم التعارض بين آياته. والثاني: كتبٌ عامة، جل اهتمامها هو التفسير؛ إلا أنَّ مؤلفيها ربما تطرقوا لحلِّ بعض مشكلات القرآن. فمن الأول: كتاب «تأويل مشكل القرآن»، لابن قتيبة، وكتاب «حل

стр. 20

مشكلات القرآن»، لابن فورك، وكتاب «درة التنزيل وغرة التأويل»، للخطيب الإسكافي، وكتاب «دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب»، للشنقيطي. (١) ومن أشهر الذين اعتنوا بحل بعض مشكلات القرآن في مؤلفاتهم التفسيرية: القاضي ابن عطية، في كتابه «المحرر الوجيز»، وأبو عبد الله القرطبي في كتابه «الجامع لأحكام القرآن»، والخازن في كتابه «لباب التأويل في معاني التنزيل»، والآلوسي في كتابه «روح المعاني». وفي تلك الكتب لم نجد أحداً منهم تطرق لتعريف المُشْكِل، إلا أنَّ مقتضى صنيعهم يدلُّ على أنَّ مصطلح المُشْكِل عندهم عامٌ يشمل كل إشكال يطرأ على الآية، سواء كان في اللفظ أم في المعنى، أو كان لتوهم تعارض، أو توهم إشكال في اللغة، أو غير ذلك. (٢) وأما كتب علوم القرآن فقد أفرد بعض مؤلفيها أبواباً خاصة لمشكل القرآن، تناولوا فيها تعريف المُشْكِل، وموهم التناقض بين آي القرآن، ومن أبرز من اعتنى بذلك: الزركشي، في كتابه «البرهان في علوم القرآن»، والسيوطي في كتابه «الإتقان في علوم القرآن»، وابن عقيلة المكي (٣)، في كتابه «الزيادة والإحسان في علوم القرآن». قال الزركشي في النوع الخامس والثلاثين: «معرفة موهم المُخْتلف»، ثم عرَّف هذا النوع فقال: «وهو ما يُوهِمُ التعارض بين آياته». (٤) ويلاحظ اقتصار الزركشي على نوع واحد من أنواع مشكل القرآن، وهو ما يُوهِمُ التعارض بين آياته، وقد ذكر نوعاً آخر في فصل مستقل، وهو موهم التعارض بين القرآن والسنة (٥)، وفي النوع السادس والثلاثين جعل خفاء اللفظ من المُشْكِل وأدخله في نوع المتشابه والذي يَعُدُّه من المُشْكِل. (٦)

стр. 21

وأما السيوطي في الإتقان فقد أفاد من الزركشي وزاد عليه، حيث قال: «النوع الثامن والأربعون: في معرفة مُشكله، وموهم الاختلاف والتناقض». (١) وظاهر صنيعه أنَّ المُشْكِل مغايرٌ لموهم الاختلاف والتناقض، لكن هذا الظاهر غير مراد منه قطعاً، بل مراده أنَّ موهم الاختلاف والتناقض هو المُشْكِل بعينه، يدل على ذلك ما سطَّره في كتابه «معترك الأقران»؛ فإنه قال: «الوجه السابع من وجوه إعجازه: ورود مشكله حتى يُوهِمَ التعارض بين الآيات». (٢) وأما ابن عقيلة فقد فرَّق بين المُشْكِل وموهم التناقض؛ فالمُشْكِل عنده هو ما خفي معناه من الآيات، وموهم التناقض هو ما جاء من آيات يُعارض بعضها بعضاً. قال ابن عقيلة في تعريف المُشْكِل: «هو ما أشكل معناه على السامع، ولم يصل إلى إدراكه إلا بدليلٍ آخر». (٣) وقال ـ بعد أنْ أورد كلام السيوطي في الإتقان ـ: «قلت: تقدم تعريف المُشْكِل، وأنه هو الذي أشكل معناه فلم يتبين حتى بُيّن، وليس هذا النوع من ذلك، بل هذا النوع آيات يُعارض بعضها بعضاً، وكلام الله تعالى مُنزَّهٌ عن ذلك». اهـ (٤) ومن مجموع ما سبق يتبين أنَّ علماء التفسير وعلوم القرآن يطلقون المُشْكِل ويعنون به: الآيات التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض فيما بينها، أو الآيات التي يُوهِمُ ظاهرها معارضة حديث نبوي، أو الآيات التي في معناها خفاء وغموض، لا يدرك إلا بدليل آخر. وربما أطلقوا المُشْكِل على الآيات أو القراءات التي خالفت قاعدة لغوية، من نحوٍ أو تصريف أو إعراب. والتعريف الجامع المانع ـ في نظري ـ أنْ يُقال: مشكل القرآن: هو

стр. 22

الآيات القرآنية التي يُوهِمُ ظاهرها معارضة نصٍ آخر؛ من آيةٍ قرآنية، أو حديث نبوي ثابت، أو يُوهِمُ ظاهرها معارضة مُعْتَبَرٍ مِنْ: إجماعٍ، أو قياسٍ، أو قاعدةٍ شرعيةٍ كليةٍ ثابتة، أو أصلٍ لغوي، أو حقيقةٍ علميةٍ، أو حِسٍ، أو معقولٍ. رابعاً: التعريف العام للمُشْكِل: مما سبق يمكن استخلاص تعريفٍ عامٍ للمشكل، يشمل معناه في جميع الاصطلاحات، فيقال: هو: كلُّ نصٍ شرعي؛ استغلق وخفي معناه، أو أوهم مُعارضة نصٍ شرعي آخر؛ من آيةٍ قرآنية، أو سنةٍ ثابتة، أو أوهم مُعارضة مُعْتَبَرٍ مِنْ: إجماعٍ، أو قياسٍ، أو قاعدةٍ شرعيةٍ كليةٍ ثابتة، أو أصلٍ لغوي، أو حقيقةٍ علميةٍ، أو حِسٍ، أو معقولٍ. (١) ويمكن اختصار هذا التعريف فيكون باللفظ الآتي: هو: كلُّ نصٍ شرعي؛ استغلق وخفي معناه، أو أوهم مُعارضة نصٍ شرعي آخر، أو أوهم معاني مستحيلة؛ شرعاً أو عقلاً، أو شرعاً وعقلاً. وبهذا التعريف نكون قد استوعبنا معناه في جميع الاصطلاحات، فيكون شاملاً لكل ما تقدم من تعريفات للمشكل؛ في اصطلاح الأصوليين، والمحدثين، وعلماء التفسير وعلوم القرآن. ****

стр. 23

المبحث الثاني: تعريف التعارض في اللغة والاصطلاح: المطلب الأول: تعريف التعارض في اللغة: التعارض لغة: مصدر للفعل تَعَارَضَ، يقال: تعارض تعارُضاً، فهو متعارض، وهو يدل على المشاركة بين اثنين فأكثر. وأصله راجع لمادة «عَرَضَ»، وهذه المادة تدور حول المعاني الآتية: الأول: المنع: يُقال: عَرَضَ الشيء يَعْرِضُ واعترض، إذا انتصب ومنع وصار عارضاً؛ كالخشبة المنتصبة في النهر والطريق ونحوها تمنع السالكين سلوكها. والعَرَض: هو ما يعْرِضُ للإنسان من أمر يحبِسُه، من مرضٍ أو لُصوص أو نحو ذلك. الثاني: الظهور: يُقال: عرض عليه الشيء، إذا أظهره وأبداه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ﴾ (? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: ٣١]. الثالث: المُعارَضَة: يُقال: عارض الشيء بالشيء مُعارضة، أي قابله، وعارضتُ كتابي بكتابه، أي قابلته، وفي الحديث: «إنَّ جبريل ﵇ كان يُعارضه القرآن في كل سنة مرة، وإنه عارضه العام مرتين» (١)، أي كان يُدارسه جميع ما نزل من القرآن، من المعارضة أي المقابلة. (٢) الرابع: المساواة والمِثْل: يُقال: عارض فلانٌ فلاناً إذا فعل مثل فعله،

стр. 24

وأتى إليه مثل الذي أتى به. (١) والمنع هو المقصود في معنى التعارض الذي يقع بين النصوص الشرعية، بمعنى أنَّ أحد الدليلين يمنع مدلول الآخر، ويَعْتَرِضُ له. المطلب الثاني: تعريف التعارض في الاصطلاح: أكثر من تناول تعريف التعارض في الاصطلاح هم الأصوليون، ولم نجد في كتابات المتقدمين ممن ألف في مشكل الحديث تعريفاً للتعارض بعينه، وإنْ كانوا يعبرون عنه في بعض كتاباتهم، فقد ذكر الحاكم في النوع التاسع والعشرين من معرفة علوم الحديث أنَّ من هذا النوع: معرفة سُننٍ لرسول الله ﷺ يُعارضها مثلها. (٢) وأفرد الخطيب البغدادي في كتابه «الكفاية» باباً للتعارض قال فيه: «باب القول في تعارض الأخبار، وما يصح التعارض فيه وما لا يصح». (٣) واستعمل هذا اللفظ جمع من المحدثين، كابن حبان، (٤)، والطبري (٥)، والطحاوي (٦)، وغيرهم. وقد كانوا يستعملون لفظاً مرادفاً للتعارض، وهو مختلف الحديث، وظاهر صنيعهم أنْ لا فرق بين المصطلحين، وقد عرَّفوا المختلف بتعريفات عدة، هي في جملتها راجعة لمعنى التعارض، وستأتي في المبحث الثالث إنْ شاء الله تعالى.

стр. 25

بقي أنْ نُشير إلى تعريفات الأصوليين للتعارض في الاصطلاح، ونُحيل في تعريفه عند المحدثين للمبحث الثالث بعد هذا. وقد عرَّف الأصوليون التَّعارض بصيغٍ عدَّةٍ هي في جملتها راجعة لمعنى واحد، ومن هذه التعريفات: تعريف ابن الهُمام (١) من الحنفية بأنه: «اقتضاء كل من دليلين عدم مقتضى الآخر». (٢) وعرَّفه الزركشي من الشافعية بأنه: «تقابل الدليلين على سبيل الممانعة». (٣) ونحوه تعريف الإسنوي (٤) من الشافعية حيث قال: «التعارض بين الشيئين: هو تقابلهما على وجه يمنع كل منهما مُقتضى صاحبه». (٥) وعرَّفه الفتوحي (٦) من الحنابلة بأنه: «تقابل دليلين - ولو عامَّين - على سبيل الممانعة». (٧)

стр. 26

المبحث الثالث: تعريف المختلف في اللغة والاصطلاح: المطلب الأول: تعريف المختلف في اللغة: المُخْتلِف ـ بكسر اللام ـ اسم فاعل للفعل: اختلَفَ، والمصدر: اختلاف، يقال: اختلف اختلافاً، فهو مختلِف. والمُختلَف ـ بفتح اللام ـ اسم مفعول، والاختلاف ضد الاتفاق، يُقال: تَخَالَفَ الأمْرانِ واختلفا؛ إذا لم يَتَّفِقَا، وكَلُّ ما لم يَتَسَاوَ فقد تَخَالَفَ واخْتَلَفَ. وتَخَالَفَ القوم واخْتَلَفُوا؛ إذا ذهب كلّ واحد إلى خِلافِ ما ذهب إليه الآخر. (١) المطلب الثاني: تعريف مختلف الحديث في الاصطلاح: لمختلف الحديث تعريفات عدة ذَكَرَهَا من كَتَبَ في مصطلح الحديث، هي في جُملتها راجعة لمعنى واحد، ومن أشهرها تعريف النووي، حيث قال: «هو أنْ يأتي حديثان متضادَّان في المعنى ظاهراً، فيُوفَّقُ بينهما، أو يُرجَّح أحدهما». (٢)

стр. 27

وعرفه الحافظ ابن حجر بأنه: «الحديث الذي عارضه ظاهراً مثله». (١) وعرَّفه بعض المتأخرين بأنه: «تقابل حديثين نبويين على وجه يمنع كل منهما مقتضى الآخر، تقابلاً ظاهراً». (٢) وهذا التعريف الأخير يصلح تعريفاً للتعارض لا المختلف، لأن التعارض فيه تناقض بخلاف المختلف. وعُرِّف التعارض بأنه: «تناقض ظاهري، واقع بين مدلولي حديثين أو أكثر، وخفي وجه الجمع بينهما». (٣) وهذا التعريف الأخير هو الأقرب في معنى التعارض، والله تعالى أعلم.

стр. 28

المبحث الرابع: الفرق بين المشكل والتعارض والمختلف: المطلب الأول: الفرق بين مشكل الحديث ومختلف الحديث: مشكل الحديث أعم من مختلف الحديث، فمشكل الحديث يتناول كل إشكال يطرأ على الحديث، على النحو الذي ذكرته في تعريف مشكل الحديث. (١) وأما مختلف الحديث فهو خاص بالأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها الاختلاف فيما بينها وحسب. وعليه فإن مختلف الحديث أخص من مشكل الحديث، فكل مختلف مشكل، وليس كل مشكل مختلفاً، إذ بينهما عموم وخصوص مطلق. (٢) المطلب الثاني: الفرق بين التعارض والمختلف: ظاهر صنيع المتقدمين أنْ لا فرق بين موهم التعارض والمختلف، وقد أسلفت أنَّ بعضهم يُعبر بالتعارض تارة والبعض الآخر يُعبر بالمختلف تارة أخرى.

стр. 29

ولم أجد في كتابات المتأخرين تفريقاً بينهما أيضاً، ويظهر لي أنَّ ثمة فرق في المعنى بين المصطلحين؛ إذ المُختلف يقع على أفراد ذُكِرَتْ في نصٍ ما، وجاء في نصٍ آخر ما يُخالف في الوصف بعض تلك الأفراد، كأن يأتي في حديث وصف شيء ما بعدة أوصاف، ويأتي في حديث آخر ما يُخالفه في ذكر بعض هذه الأوصاف، أو يأتي في حديث ذكر عدد معين، ويأتي في حديث آخر اختلاف في العدد، وهكذا. وأما التعارض فإنه تقابل نصين شرعيين، بحيث يمنع مدلول أحدهما مدلول الآخر؛ كأن يأتي نص بإثبات شيء ما، ويأتي في نص آخر نفيٌ له، أو يأتي نص بتحريم أمر ما، ويأتي في نص آخر الأمر به، فالأول تناقض في الخبر، والآخر تناقض في الحكم. (١) إلا أنَّ هذا التفريق هو في المعنى وحسب، ولا يلزم منه تخطئة من لم يُفرق بينهما، أو التثريب على من لم يتقيد بهذا التفريق؛ إذ لا مُشاحة في الاصطلاح؛ لأن العبرة في المصطلحات هو ما تعارف عليه أهل كل مصطلح وتناقلوه فيما بينهم، بغض النظر عن الاختلاف في معاني المصطلحات من ناحية اللغة. المطلب الثالث: الفرق بين مشكل الحديث وموهم التعارض: أما في اصطلاح المحدثين فالفرق هو ما تقدم في الفرق بين مختلف الحديث ومشكل الحديث؛ إذ لا فرق عندهم بين المختلف وموهم التعارض، وأما على التفريق الذي ذكرته بين المختلف وموهم التعارض، فيكون موهم التعارض أخص من المشكل، على المعنى الذي ذكرته سابقاً. ****

стр. 30

الفصل الثاني: أسباب التعارض، وشروطه، ومسالك العلماء في دفعه ، وفيه مباحث:

стр. 31

المبحث الأول: أسباب وقوع التعارض بين النصوص الشرعية: مما يجدر التنبيه له أنَّ التعارض الحقيقي بين النصوص الشرعية لا يكاد يوجد ألبتة؛ لأن الشريعة لا تعارض فيها أبداً، ولذلك لا تجد دليلين أجمع المسلمون على تعارضهما، بحيث وجب عليهم التوقف، لكن لما كان أفراد المجتهدين غير معصومين من الخطأ أمكن التعارض بين الأدلة عندهم (١)، وهذا التعارض هو في الظاهر وحسب، وليس له حقيقة أبداً، وهو نسبي يختلف باختلاف نظر المجتهدين وفهمهم، وقد ذكر العلماء عدة أسباب توهِم وقوع التعارض بين النصوص الشرعية، نذكر جملة منها على سبيل الإيجاز: الأول: أنَّ نصوص الشريعة ترد تارة بصيغة العموم، ومرة بصيغة الخصوص، وتارة يرد النص عاماً ويُراد به الخصوص، ومرة خاصاً ويُراد به العموم، فيُظَنُّ أنَّ بينهما تعارضاً واختلافاً، وليس الأمر كذلك؛ إذ اللفظ العام يمكن تخصيصه بالخاص فينتفي التعارض، والعام المراد به الخصوص يمكن معرفة خصوصه بقرينة في النص ذاته، أو بدليل آخر منفصل عنه، وكذا الخاص المراد به العموم. (٢) السبب الثاني: أنْ يكون لفظ أحد النصين مُطلقاً والآخر مُقيداً؛ فيُظن أنَّ بينهما تعارضاً واختلافاً، لكن عند حمل المطلق على المقيد ينتفي الاختلاف ويزول التعارض. (٣) السبب الثالث: أنْ يقع وهمٌ وغلطٌ من أحد الرواة، فيروي حديثاً مشكلاً مرفوعاً للنبي ﷺ ، وهذا الوهم قد يكون في المتن، فيأتي الراوي بلفظٍ لم يقله

стр. 32

النبي ﷺ ، وقد يكون في الإسناد؛ فيقع وهم من أحد الرواة فيروي حديثاً مرفوعاً للنبي ﷺ ، وهو في الحقيقة ليس من كلام النبي ﷺ ، وهذا السبب يكاد يكون الأكثر في وقوع الإشكال في الأحاديث النبوية؛ وفي هذا البحث جملةٌ من الأحاديث المشكلة التي تَبَيَّنَ بعد التحقيق أنَّ الإشكال الوارد فيها إنما كان بسبب وقوع الغلط من الرواة في نقلها. (١) السبب الرابع: أنْ يكون الإشكال أو التعارض الوارد في نظر المجتهد صادراً عن عدم فهمه واستيعابه للنص الشرعي، وقد وقع شيء من ذلك لصحابة النبي ﷺ في حياته ﷺ ، فعن أُمِّ مُبَشِّرٍ أَنَّهَا سَمِعَتْ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ، عِنْدَ حَفْصَةَ: «لَا يَدْخُلُ النَّارَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ، الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا». قَالَتْ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَانْتَهَرَهَا، فَقَالَتْ حَفْصَةُ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «قَدْ قَالَ اللَّهُ : ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ [مريم: ٧٢]». (٢) ولما قال النبي ﷺ : «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ»، استشكل بعض الصحابة وجه كون المقتول في النار؛ فأبان لهم النبي ﷺ سبب كونه في النار فقال: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ». (٣) السبب الخامس: أنْ يرد النصان على حالين مختلفين، ويفيدان حكمين متضادين، فيُظن أنَّ بينهما تعارضاً، وليس الأمر كذلك؛ لأن اختلاف الحكم إنما هو لاختلاف السبب الذي من أجله ورد النص، ولأن الحكم يختلف باختلاف الحال والزمان، ومن هذا النوع ما ورد أنَّ النبي ﷺ نهى عن ادخار لحوم الأضاحي (٤)، وورد عنه أنه رخص فيه (٥)، فظاهر هذين الحديثين

стр. 33

التعارض، لكن عند معرفة السبب يزول هذا التعارض، فنهيه ﷺ إنما كان لحاجة الناس آنذاك، نظراً لما تعرَّض له الناس من مجاعة شديدة أوجبت منه ﷺ تعاطف الناس فيما بينهم سداً لهذه المجاعة، ولما زالت هذه العلة أباح الادخار، وقد جاء التصريح بذكر هذه العلة في أحاديث أُخر؛ فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُؤْكَلَ لُحُومُ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ؟ قَالَتْ: مَا فَعَلَهُ إِلَّا فِي عَامٍ جَاعَ النَّاسُ فِيهِ، فَأَرَادَ أَنْ يُطْعِمَ الْغَنِيُّ الْفَقِيرَ». (١) (٢) السبب السادس: احتمال الحقيقة والمجاز في أحد النصين المتعارضين، إذ قد يرد نصان يحملان معنيين إذا حُملا معاً على الحقيقة أوهما التعارض، لكن عند معرفة أنَّ أحدهما أُريد به المجاز والآخر أُريد به الحقيقة فإنَّ التعارض يزول عنهما وينتفي. (٣) السبب السابع: أنْ يكون أحد النصين ناسخاً للآخر، ويخفى على بعض المجتهدين معرفة الناسخ منهما، فيظن أنَّ بينهما تعارضاً، وليس الأمر كذلك. (٤)

стр. 34

المبحث الثاني: شروط التعارض بين النصوص الشرعية: ذكر العلماء عدة شروط يجب توفرها حتى يُحْكَمَ بالتعارض بين النصوص الشرعية، وهذه الشروط هي (١): الأول: اتحاد المحل: ومعنى هذا الشرط: أنْ يكون النصان المتعارضان واردين في محل واحد؛ لأنه إذا اختلف المحل جاز أنْ يجتمع النصان، فلا يكون هناك تعارض. ومثال ذلك: نهيه ﷺ عن استقبال القبلة بغائط أو بول (٢)، وقد رُويَ عنه ﷺ أنه قضى حاجته وهو مستقبل القبلة (٣)، فهذان النصان وردا على محل واحد، وكل منهما يفيد حكماً يُعارض الآخر، وقد جمع بعض العلماء بينهما بأنَّ النهي محمول على ما إذا كان الاستقبال في العراء؛ فإنه يُكره استقبال القبلة والحالة هذه، وأما إذا كان في البنيان فلا يمتنع؛ لأن

стр. 35

فعله ﷺ كان في البنيان، كما دل عليه الحديث (١)، وبهذا يزول التعارض بين الحديثين لاختلاف المحل بينهما، لا كما يُتوهم أنهما وردا على محل واحد. الشرط الثاني: اتحاد الوقت: ومعنى هذا الشرط: أنْ يكون النصان المتعارضان واردين في زمنٍ واحد، فلا يكون أحدهما وارداً في زمن، والآخر في زمن آخر؛ لأنهما إذا وردا في زمنين مختلفين دخلا في باب الناسخ والمنسوخ، إذا كانا من الأحكام، وعليه فلا يكون بينهما تعارض. الشرط الثالث: وجود الاختلاف والتضاد بين النصين: كأن يدل أحدهما على الإثبات والآخر على النفي، أو يدل أحدهما على الحِل والآخر على الحرمة. (٢) الشرط الرابع: أنْ يكون النصان قطعيين في الثبوت والدلالة: ومعنى كونهما قطعيين في الثبوت: أنْ يُرويا عن طريق التواتر، كالقرآن الكريم، والحديث المتواتر، أو يُرويا عن طريق الآحاد، ولكن بسند متصل صحيح؛ فلا يصح اعتبار التعارض بين حديث صحيح وآخر ضعيف، لأن الآخر غير معتبر؛ لضعفه وعدم ثبوته. ومعنى كونهما قطعيين في الدلالة: أنْ تكون دلالتهما على المعنى صريحة، فلا يُحكم بالتعارض بين دلالة منطوق نص ومفهوم نص آخر؛ لأن دلالة المنطوق قطعية، بخلاف دلالة المفهوم. (٣)

стр. 36

المبحث الثالث: مسالك العلماء في دفع التعارض بين النصوص الشرعية: إذا وقع تعارضٌ ظاهري بين نصين شرعيين فإن للعلماء في دفعه ثلاثة مسالك، يجب اتباعها حسب الترتيب الآتي (١): أولاً: الجمع: فأول ما يجب على المجتهد أنْ يُحاول الجمع بين النصين المتعارضين بقدر الإمكان، ولا يجوز له إعمال أحد النصين وترك الآخر؛ إلا إذا تعذر الجمع، أو ثبت أنَّ أحدهما ناسخ والآخر منسوخ، أو ثبت أنَّ في أحدهما علة توجب رده وعدم قبوله. قال الشافعي: «لا يُنسب الحديثان إلى الاختلاف ما كان لهما وجهٌ يمضيان معاً». اهـ (٢) وقال: «وكلما احتمل حديثان أنْ يُستعملا معاً استعملا معاً، ولم يُعَطِّلْ واحدٌ منهما الآخر». اهـ (٣) وقال الخطابي: «وسبيل الحديثين إذا اختلفا في الظاهر وأمكن التوفيق بينهما وترتيب أحدهما على الآخر أنْ لا يُحملا على المنافاة ولا يُضرب بعضها ببعض، لكن يُستعمل كل واحدٍ منهما في موضعه، وبهذا جرت قضية العلماء». اهـ (٤)

стр. 37

ثانياً: النسخ: إذا تعذَّر الجمع بين النصيين المتعارضين، أو ثبت أنَّ أحدهما ناسخ للآخر؛ فإنه يُصار حينئذٍ إلى النسخ. قال الشافعي: «فإذا لم يحتمل الحديثان إلا الاختلاف، كما اختلفت القبلة نحو بيت المقدس والبيت الحرام، كان أحدهما ناسخاً والآخر منسوخاً، ولا يستدل على الناسخ والمنسوخ إلا بخبرٍ عن رسول الله ﷺ ، أو بقولٍ، أو بوقتٍ، يدل على أنَّ أحدهما بعد الآخر، فيُعلم أنَّ الآخر هو الناسخ، أو بقولِ من سمع الحديث ... ». اهـ (١) ثالثاً: الترجيح: إذا تعذر الجمع بين النصين، ولم يَقُم دليل على النسخ؛ فإنه يُصار حينئذ إلى الترجيح، فيُعمل بأحد الدليلين ويترك الآخر. قال الشافعي: «لا يخلو أحد الحديثين أنْ يكون أشبه بمعنى كتاب الله، أو أشبه بمعنى سنن النبي ﷺ ، مما سوى الحديثين المختلفين، أو أشبه بالقياس، فأي الأحاديث المختلفة كان هذا فهو أولاهما عندنا أنْ يصار إليه». اهـ (٢) ****

стр. 38

الفصل الثالث: المراد بالأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم، وبيان الفرق بينها وبين مشكل القرآن، ومشكل الحديث ، وفيه مباحث:

стр. 39

المبحث الأول: المراد بالأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم (١): يُطلق هذا المصطلح ويراد به ثلاثة أنواع من مشكل الحديث: ١ - الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها مُعارضة آيةٍ قرآنية. ٢ - الأحاديث التي ترد في تفسير آيةٍ ما، ويُوهِمُ ظاهرها معارضة حديث آخر وارد في تفسير الآية نفسها. ٣ - الأحاديث التي ترد في تفسير آيةٍ ما، ويُوهِمُ ظاهرها معارضة مُعْتَبَرٍ مِنْ: إجماعٍ، أو قياسٍ، أو قاعدةٍ شرعيةٍ كليةٍ ثابتةٍ، أو أصلٍ لغوي، أو حقيقةٍ علمية، أو حِسٍ، أو معقولٍ.

стр. 40

المبحث الثاني: الفرق بين الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم، ومشكل القرآن: ثمة فرق بين الأحاديث المشكلة في التفسير، ومشكل القرآن، وثمة تداخل بين الاثنين، فمن أوجه التداخل: ١ - أنَّ الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع القرآن تدخل في مشكل القرآن ومشكل الحديث، فكل آية أوهمت معارضة صحيح السُّنة فهي مشكلة، وكل حديث أوهم معارضة القرآن فهو مشكل، وكلاهما يُوهِمُ معارضة الآخر. ٢ - أنَّ الإشكال قد يَرِدُ على الآية والحديث الوارد في تفسيرها معاً، بمعنى أنَّ الآية قد يُوهِمُ ظاهرها معنى مشكلاً، ويأتي حديثٌ يؤكد هذا المعنى المشكل في الآية (١)، فيكون هذا المعنى المشكل صادراً من الآية والحديث معاً، وبهذا يكون الإشكال قد تجاذبه طرفان هما: الآية والحديث، ويكون داخلاً في مصطلح مشكل القرآن ومشكل الحديث. ومن أوجه الاختلاف بينهما: ١ - أنَّ الإشكال قد يكون متعلقاً بالحديث الوارد في تفسير الآية دون الآية ذاتها، فيكون داخلاً في مشكل الحديث دون مشكل القرآن. ٢ - أن مصطلح «مشكل القرآن» خاص بالقرآن وآياته، وما يطرأ عليهما من إشكال، بخلاف الأحاديث المشكلة في التفسير فإن الإشكال ربما طرأ على الحديث ذاته لإيهامه معنىً مشكلاً على النحو الذي ذكرته في تعريف المشكل. (٢)
следующие страницы →