← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7532

الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم

أحمد القصير

Полный текст (723 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المبحث الثالث: مسالك العلماء في دفع التعارض بين النصوص الشرعية: إذا وقع تعارضٌ ظاهري بين نصين شرعيين فإن للعلماء في دفعه ثلاثة مسالك، يجب اتباعها حسب الترتيب الآتي (١): أولاً: الجمع: فأول ما يجب على المجتهد أنْ يُحاول الجمع بين النصين المتعارضين بقدر الإمكان، ولا يجوز له إعمال أحد النصين وترك الآخر؛ إلا إذا تعذر الجمع، أو ثبت أنَّ أحدهما ناسخ والآخر منسوخ، أو ثبت أنَّ في أحدهما علة توجب رده وعدم قبوله. قال الشافعي: «لا يُنسب الحديثان إلى الاختلاف ما كان لهما وجهٌ يمضيان معاً». اهـ (٢) وقال: «وكلما احتمل حديثان أنْ يُستعملا معاً استعملا معاً، ولم يُعَطِّلْ واحدٌ منهما الآخر». اهـ (٣) وقال الخطابي: «وسبيل الحديثين إذا اختلفا في الظاهر وأمكن التوفيق بينهما وترتيب أحدهما على الآخر أنْ لا يُحملا على المنافاة ولا يُضرب بعضها ببعض، لكن يُستعمل كل واحدٍ منهما في موضعه، وبهذا جرت قضية العلماء». اهـ (٤)

стр. 37

ثانياً: النسخ: إذا تعذَّر الجمع بين النصيين المتعارضين، أو ثبت أنَّ أحدهما ناسخ للآخر؛ فإنه يُصار حينئذٍ إلى النسخ. قال الشافعي: «فإذا لم يحتمل الحديثان إلا الاختلاف، كما اختلفت القبلة نحو بيت المقدس والبيت الحرام، كان أحدهما ناسخاً والآخر منسوخاً، ولا يستدل على الناسخ والمنسوخ إلا بخبرٍ عن رسول الله ﷺ ، أو بقولٍ، أو بوقتٍ، يدل على أنَّ أحدهما بعد الآخر، فيُعلم أنَّ الآخر هو الناسخ، أو بقولِ من سمع الحديث ... ». اهـ (١) ثالثاً: الترجيح: إذا تعذر الجمع بين النصين، ولم يَقُم دليل على النسخ؛ فإنه يُصار حينئذ إلى الترجيح، فيُعمل بأحد الدليلين ويترك الآخر. قال الشافعي: «لا يخلو أحد الحديثين أنْ يكون أشبه بمعنى كتاب الله، أو أشبه بمعنى سنن النبي ﷺ ، مما سوى الحديثين المختلفين، أو أشبه بالقياس، فأي الأحاديث المختلفة كان هذا فهو أولاهما عندنا أنْ يصار إليه». اهـ (٢) ****

стр. 38

الفصل الثالث: المراد بالأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم، وبيان الفرق بينها وبين مشكل القرآن، ومشكل الحديث ، وفيه مباحث:

стр. 39

المبحث الأول: المراد بالأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم (١): يُطلق هذا المصطلح ويراد به ثلاثة أنواع من مشكل الحديث: ١ - الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها مُعارضة آيةٍ قرآنية. ٢ - الأحاديث التي ترد في تفسير آيةٍ ما، ويُوهِمُ ظاهرها معارضة حديث آخر وارد في تفسير الآية نفسها. ٣ - الأحاديث التي ترد في تفسير آيةٍ ما، ويُوهِمُ ظاهرها معارضة مُعْتَبَرٍ مِنْ: إجماعٍ، أو قياسٍ، أو قاعدةٍ شرعيةٍ كليةٍ ثابتةٍ، أو أصلٍ لغوي، أو حقيقةٍ علمية، أو حِسٍ، أو معقولٍ.

стр. 40

المبحث الثاني: الفرق بين الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم، ومشكل القرآن: ثمة فرق بين الأحاديث المشكلة في التفسير، ومشكل القرآن، وثمة تداخل بين الاثنين، فمن أوجه التداخل: ١ - أنَّ الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع القرآن تدخل في مشكل القرآن ومشكل الحديث، فكل آية أوهمت معارضة صحيح السُّنة فهي مشكلة، وكل حديث أوهم معارضة القرآن فهو مشكل، وكلاهما يُوهِمُ معارضة الآخر. ٢ - أنَّ الإشكال قد يَرِدُ على الآية والحديث الوارد في تفسيرها معاً، بمعنى أنَّ الآية قد يُوهِمُ ظاهرها معنى مشكلاً، ويأتي حديثٌ يؤكد هذا المعنى المشكل في الآية (١)، فيكون هذا المعنى المشكل صادراً من الآية والحديث معاً، وبهذا يكون الإشكال قد تجاذبه طرفان هما: الآية والحديث، ويكون داخلاً في مصطلح مشكل القرآن ومشكل الحديث. ومن أوجه الاختلاف بينهما: ١ - أنَّ الإشكال قد يكون متعلقاً بالحديث الوارد في تفسير الآية دون الآية ذاتها، فيكون داخلاً في مشكل الحديث دون مشكل القرآن. ٢ - أن مصطلح «مشكل القرآن» خاص بالقرآن وآياته، وما يطرأ عليهما من إشكال، بخلاف الأحاديث المشكلة في التفسير فإن الإشكال ربما طرأ على الحديث ذاته لإيهامه معنىً مشكلاً على النحو الذي ذكرته في تعريف المشكل. (٢)

стр. 41

المبحث الثالث: الفرق بين الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم، ومشكل الحديث: تُعد الأحاديث المشكلة في التفسير نوعاً من أنواع مشكل الحديث؛ ولو رجعنا إلى التعريف العام لمشكل الحديث لوجدناه مشتملاً على عدة أنواع من مشكل الحديث، ومن تلك الأنواع أحاديث التفسير المشكلة، ومن أظهر ما تتميز به الأحاديث المشكلة في التفسير عن سائر أنواع مشكل الحديث: ١ - أنَّ ظاهرها يُوهِمُ معارضة آية قرآنية. ٢ - أنها ترد في تفسير آيات القرآن الكريم، ولا تخرج عنها. وخلاصة الفرق بينهما: أن مشكل الحديث عام والأحاديث المشكلة في التفسير جزء منه. ****

стр. 42

الفصل الرابع: عناية العلماء بالأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم:

стр. 43

سبق وأنْ أشرت في مقدمة هذا البحث أنَّ الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم لم تُفرد بالتصنيف على حدة، وقد تطرق جمع من العلماء لتحقيقها ودفع الإشكال عنها في كتبٍ متفرقة، وفنون مختلفة، وتميز هذا البحث بجمع هذه الأحاديث، وجمع أقوال العلماء فيها، مع زيادة تحقيق ودراسة، وقد عمِلْتُ على إحصاء تلك الأحاديث في أمهات تلك الكتب، وصنفتها حسب الفنون الآتية: كُتُب التفسير وعلوم القرآن، وكُتُب مشكل الحديث، وكُتُب الحديث وشروحه، وكُتُبٍ أخرى متفرقة، وجعلت هذه الأقسام الأربعة في مباحث، وجعلت في كل مبحث جدولاً يُبين عدد الأحاديث المشكلة الواردة في كل كتاب:

стр. 44

المبحث الأول: أحاديث التفسير المشكلة في كتب «التفسير وعلوم القرآن»: عنوان الكتاب ومؤلفه ... عدد أحاديث التفسير المشكلة في الكتاب روح المعاني، للآلوسي ... ٣٣ تفسير القرطبي ... ٢٦ تفسير الحافظ ابن كثير ... ٢٣ المحرر الوجيز، لابن عطية ... ٢٢ مفاتيح الغيب، للرازي ... ١٩ فتح القدير، للشوكاني ... ١٦ أضواء البيان، للشنقيطي ... ١٦ محاسن التأويل، للقاسمي ... ١٤ زاد المسير، لابن الجوزي ... ١٢ تفسير البحر المحيط، لأبي حيان ... ١٢ التحرير والتنوير، للطاهر ابن عاشور ... ١٢ الكشاف، للزمخشري ... ١٠ أحكام القرآن، لابن العربي ... ١٠ التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي ... ٩ النحاس في: الناسخ والمنسوخ في أربعة مواضع، وإعراب القرآن في ثلاثة مواضع، ومعاني القرآن في موضعين ... ٩ تفاسير ابن عثيمين ... ٧ تفسير أبي السعود ... ٧ أحكام القرآن للجصاص ... ٧

стр. 45

تفسير الطبري ... ٦ تفسير البيضاوي ... ٦ تفسير البغوي ... ٦ السيوطي في: معترك الأقران في خمسة مواضع، والإتقان في موضع واحد ... ٦ الوسيط في تفسير القرآن المجيد، للواحدي ... ٥ اللباب في علوم الكتاب، لابن عادل الحنبلي ... ٤ لباب التأويل في معاني التنزيل، للخازن ... ٤ تفسير الثعالبي ... ٤ تيسير الكريم الرحمن، للسعدي ... ٣ الكشف والبيان، للثعلبي ... ٢ حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي ... ٢ تفسير النسفي ... ٢ تفسير السمعاني ... ٢ البرهان في علوم القرآن، للزركشي ... ٢ الانتصار للقرآن، للباقلاني ... ٢

стр. 46

المبحث الثاني: أحاديث التفسير المشكلة في كتب «مشكل الحديث»: عنوان الكتاب ومؤلفه ... عدد أحاديث التفسير المشكلة في الكتاب مشكل الآثار، للطحاوي ... ١٥ تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة ... ٨ اختلاف الحديث، للشافعي ... ٢

стр. 47

المبحث الثالث: أحاديث التفسير المشكلة في كتب «الحديث وشروحه»: عنوان الكتاب ومؤلفه ... عدد أحاديث التفسير المشكلة في الكتاب فتح الباري، لابن حجر ... ٣٦ القاضي عياض في: إكمال المعلم في أربعة وعشرين موضعاً، والشفا في سبعة مواضع ... ٣١ شرح صحيح مسلم، للنووي ... ٢٩ المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي ... ٢٨ عمدة القاري، للعيني ... ٢٨ ابن القيم في: زاد المعاد في ستة مواضع، وحاشيته على مختصر سنن أبي داود في أربعة مواضع، وفي أخرى متفرقة ثماني عشرة موضعاً ... ٢٨ فيض القدير، للمناوي ... ٢١ شيخ الإسلام ابن تيمية في: مجموع الفتاوى في أربعة عشر موضعاً، ومنهاج السنة في موضعين، وتفسير آيات أشكلت في موضع واحد، وبغية المرتاد في موضع واحد، والفرقان في موضع واحد، والجواب الصحيح في موضع واحد، وجامع الرسائل في موضع واحد ... ٢١ ابن حزم في: المحلى في ثمانية مواضع، والإحكام في ثلاثة مواضع، والفصل في تسعة مواضع ... ٢٠ مرقاة المفاتيح، للملا علي القاري ... ١٦ كشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي ... ١٢ السيوطي في عدة كتب ... ١٢

стр. 48

ابن رجب في: جامع العلوم والحكم في ثلاثة مواضع، والمحجة في موضع واحد، وفتح الباري في خمسة مواضع، وأهوال القبور في موضعين، والتخويف من النار في موضع واحد ... ١٢ الألباني في عدة كتب ... ١١ التمهيد، لابن عبد البر ... ١٠ تحفة الأحوذي، للمباركفوري ... ١٠ البيهقي في عدة كتب ... ١٠ أعلام الحديث، للخطابي ... ٩ عون المعبود، للآبادي ... ٨ شرح الطيبي على مشكاة المصابيح ... ٨ طرح التثريب، للعراقي ... ٧ شرح الزرقاني على موطأ مالك ... ٧ شرح السنة، للبغوي ... ٧ شرح سنن ابن ماجه، للسندي ... ٦ معالم السنن، للخطابي ... ٦ شرح البخاري، لابن بطال ... ٦ المنتقى شرح الموطأ، لأبي الوليد ... ٥ الروض الأنف، للسهيلي ... ٥ الآداب الشرعية، لابن مفلح ... ٥ نيل الأوطار، للشوكاني ... ٥ صحيح ابن حبان ... ٤ إكمال إكمال المعلم، للأبي ... ٤ ابن الوزير اليماني في: العواصم والقواصم في موضعين، وإيثار الحق في موضعين ... ٤

стр. 49

المنهاج، للحليمي ... ٣ المعلم بفوائد مسلم، للمازري ... ٣ سبل السلام، للصنعاني ... ٣ شرح النسائي للسندي ... ٣ الزواجر عن اقتراف الكبائر، للهيتمي ... ٢ التاريخ الكبير، للبخاري ... ٢ الأنوار الكاشفة، للمعلمي ... ٢ الأم، للشافعي ... ٢ تهذيب الآثار، للطحاوي ... ٢

стр. 50

المبحث الرابع: أحاديث التفسير المشكلة في كتبٍ أخرى متفرقة: عنوان الكتاب ومؤلفه ... عدد أحاديث التفسير المشكلة في الكتاب ابن عثيمين في: مجموع الفتاوى في ثلاثة مواضع، والشرح الممتع في ثلاثة مواضع، والقول المفيد في موضعين، وشرح الواسطية في موضع واحد ... ٩ التذكرة في أحوال الموتى والآخرة، للقرطبي ... ٦ البداية والنهاية، لابن كثير ... ٥ شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي ... ٤ لوامع الأنوار البهية، للسفاريني ... ٣ فتاوى ابن باز ... ٣ المغني، لابن قدامة ... ٢ ****

стр. 51

القسم الثاني دراسة تطبيقية للأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم

стр. 52

الفصل الأول الأحاديث التي يوهم ظاهرها التعارض مع القرآن الكريم

стр. 53

المسألة [١]: في حكم المفاضلة بين الأنبياء ﵈ . المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة: قال الله تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) [البقرة: ٢٥٣]. وقال تعالى: (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا) [الإسراء: ٥٥]. وقال تعالى: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨)) [القلم: ٤٨]. المبحث الثاني: ذكر الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع الآيات: (١) ـ (١): عن أبي هريرة ﵁، أنَّ النبي ﷺ قال: "لاَ تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ". (١) (٢) ـ ( .. ): وعن أبي سعيد الخدري ﵁، أنَّ النبي ﷺ قال: "لاَ تُخَيِّرُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ". (٢) (٣) ـ (٢): وعن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لاَ

стр. 54

يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى". (١) المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآيات والأحاديث: ظاهر الآيات الكريمة جواز التفضيل بين الأنبياء والرسل ﵈، وأما الأحاديث ففيها النهي عن ذلك، وهذا يُوهِم خلاف الآيات. (٢) المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآيات والأحاديث (٣): أجمع العلماء على أنَّ الأنبياء بعضهم أفضل من بعض، وأجمعوا على تفضيل الرسل منهم على الأنبياء؛ لتميزهم بالرسالة التي هي أفضل من النبوة، وأجمعوا على تفضيل أولي العزم منهم على بقيتهم، وعلى تفضيل نبينا محمد ﷺ على الجميع. (٤) وأما أحاديث النهي عن التفضيل بين الأنبياء فإنَّ للعلماء في دفع التعارض بينها وبين الآيات مسلكين: الأول: مسلك الجمع: وإليه صار الجمهور من العلماء، لكن اختلفوا في الجمع على مذاهب: الأول: أنَّ النهي - في الأحاديث - محمولٌ على ما إذا كان التفضيل

стр. 55

يؤدي إلى توهم النقص في المفضول، أو الغَضِّ منه، أو كان على وجه الإزراء به، وليس المراد النهي عن اعتقاد التفاضل بينهم في الدرجات؛ لأن الله تعالى قد أخبر أنه فاضل بينهم. وهذا مذهب: الخطابي، والبغوي، والحليمي (١)، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن أبي العز الحنفي (٢)، وحافظ حكمي. (٣) قال المازري - فيما نقله عن بعض شيوخه-: "وقد خرج الحديث على سبب، وهو لطم الأنصاري وجه اليهودي، فقد يكون ﵊ خاف أنْ يُفهم من هذه الفِعْلَة انتقاصُ حق موسى ﵇؛ فنهى عن التفضيل المؤدي إلى نقص الحقوق". اهـ (٤) وقال البغوي: "وليس معنى النهي عن التخيير أنْ يعتقد التسوية بينهم في درجاتهم؛ فإنَّ الله قد أخبرنا أنه فضل بعضهم على بعض، فقال الله : (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) بل معناه ترك التخيير على وجه الإزراء ببعضهم، والإخلال بالواجب من حقوقهم؛ فإنه يكون سبباً لفساد الاعتقاد في بعضهم، وذلك كفر". اهـ (٥) المذهب الثاني: أنَّ النهي محمول على ما إذا كان التفضيل يؤدي إلى المجادلة والمخاصمة والتشاجر والتنازع. حكى هذا المذهب: النووي، والحافظ ابن كثير، والحافظ ابن حجر. (٦) ويؤيد هذا المذهب: سبب ورود الحديث؛ فعن أبي هريرة، وأبي

стр. 56

سعيد، ﵄، قالا - واللفظ لأبي هريرة -: "بَيْنَمَا يَهُودِيٌّ يَعْرِضُ سِلْعَتَهُ أُعْطِيَ بِهَا شَيْئًا كَرِهَهُ فَقَالَ: لَا وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ. فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَامَ فَلَطَمَ وَجْهَهُ وَقَالَ: تَقُولُ وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا. فَذَهَبَ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَبَا الْقَاسِمِ إِنَّ لِي ذِمَّةً وَعَهْدًا فَمَا بَالُ فُلَانٍ لَطَمَ وَجْهِي. فَقَالَ: لِمَ لَطَمْتَ وَجْهَهُ؟ فَذَكَرَهُ. فَغَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى رُئِيَ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ: لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَيَصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ، فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِالْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَحُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ الطُّورِ، أَمْ بُعِثَ قَبْلِي، وَلَا أَقُولُ إِنَّ أَحَدًا أَفْضَلُ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى". (١) قالوا: فالنهي إنما ورد إثر هذه الخصومة؛ فهو محمولٌ على مثل هذه الحالة. المذهب الثالث: أنَّ النهي محمولٌ على ما إذا كان التفضيل بمجرد الرأي والهوى، لا بمقتضى الدليل. وهذا مذهب: الطحاوي، وابن كثير، والمناوي، والسندي، وابن عثيمين، وهو الظاهر من كلام الشوكاني. (٢) قال الطحاوي: "وَكَانَ هَذَا عَنَدْنَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى التَّفْضِيلِ بَيْنَهُمْ وَعَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَهُمْ بِآرَائِنَا وَبِمَا لَمْ يُوقِفْنَا عَلَيْهِ وَلَمْ يُبَيِّنْهُ لَنَا، فَأَمَّا مَا بَيَّنَهُ لَنَا وَأَعْلَمَنَا فَقَدْ أَطْلَقَهُ لَنَا وَعَادَ مَا نَهَى عَنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ إلَى مَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يُبَيِّنْهُ لَنَا، وَلَمْ يُطْلِقْ لَنَا الْقَوْلَ فِيهِ بِمَا قَدْ تَوَلَّاهُ اللَّهُ وَمَنَعَنَا مِنْهُ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ". اهـ (٣) وقال الحافظ ابن كثير: "قوله تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ

стр. 57

مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ) [البقرة: ٢٥٣] لا ينافي ما ثبت في الصحيحين أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لاَ تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ"؛ فإنَّ المراد من ذلك هو التفضيل بمجرد التَّشهّي والعصبية، لا بمقتضى الدليل، فإذا دلَّ الدليل على شيء وجب اتباعه". اهـ (١) المذهب الرابع: أنَّ نهيه ﷺ إنما هو على سبيل التواضع منه؛ لأنه يعلم أنه أفضل الأنبياء، يدل على ذلك قوله ﷺ : "أَنَا سَيِّد وَلَد آدَم وَلَا فَخْرَ". (٢) وهذا قول: ابن قتيبة، واختاره وجهاً آخر في الجمع: ابن كثير، والسيوطي. (٣) المذهب الخامس: أنَّ المنع من التفضيل إنما هو من جهة النبوة التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها، وإنما التفضيل في زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والألطاف والمعجزات المتباينات، وأما النبوة في نفسها فلا

стр. 58

تتفاضل، وإنما تتفاضل بأمور أُخر زائدة عليها؛ ولذلك منهم رسل وأولو عزم، ومنهم من اتُخِذَ خليلاً، ومنهم من كلم اللهُ، ورفع بعضهم درجات. وهذا مذهب: أبي عبد الله القرطبي (١). (٢) المذهب السادس: أنَّ المراد بالنهي: المنع من تعيين المفضول؛ فلا يُفَضَّل أحدٌ من الرسل على آخر بعينه؛ لأنَّ في ذلك تنقيصٌ للمفضول وغضٌّ منه، وأما تفضيل بعضهم على بعض في الجملة فلا مانع منه. وهذا مذهب: ابن عطية، وابن جزي، وأبي حيان، وابن عاشور. (٣) المذهب السابع: أنَّ الآيات فيها إخبار من الله تعالى بأنه فضَّل بعض أنبيائه على بعض، وأما السنة ففيها النهي لعباده أنْ يُفَضَّلوا بين أنبيائه، فيكون النّهي خاصاً بآحاد الناس، فليس لأحد أنْ يُفضِّل بين الأنبياء، وأما الله تعالى فله أنْ يُفاضل بين خلقه كما يشاء سبحانه. وهذا المذهب: ذكره ابن كثير (٤)، ويحتمل وجهاً آخر عند الشوكاني. قال الشوكاني: "وعندي أنه لا تعارُض بين القرآن والسنة؛ فإنَّ القرآن دلَّ على أنَّ الله فضَّل بعض أنبيائه على بعض، وذلك لا يستلزم أنه يجوز لنا أنَّ نُفَضِّل بعضهم على بعض، فإنَّ المزايا التي هي مناط التفضيل معلومة عند الله، لا تخفى عليه مِنَّا خافية، وليست بمعلومة عند البشر، فقد يجهل أتباع نبي من الأنبياء بعض مزاياه وخصوصياته فضلاً عن مزايا غيره، والتفضيل لا يجوز إلا بعد العلم بجميع الأسباب التي يكون بها هذا فاضلاً وهذا مفضولاً، لا قبل العلم ببعضها أو بأكثرها أو بأقلها؛ فإنَّ ذلك تفضيل بالجهل، وإقدام على أمر لا يعلمه الفاعل له، وهو ممنوع منه، فلو فرضنا أنه لم يَرِدْ إلا القرآن في الإخبار لنا بأن الله فضل بعض أنبيائه على بعض لم يكن فيه دليل على أنه يجوز للبشر أنْ يفضلوا بين الأنبياء، فكيف وقد وردت السنة

стр. 59

الصحيحة بالنهي عن ذلك، وإذا عرفتَ هذا علمتَ أنه لا تعارض بين القرآن والسنة بوجه من الوجوه، فالقرآن فيه الإخبار من الله بأنه فضل بعض أنبيائه على بعض، والسنة فيها النهي لعباده أنْ يفضلوا بين أنبيائه". اهـ (١) المسلك الثاني: مسلك الترجيح: حيث ذهب بعض العلماء إلى أنَّ النهي الوارد في الأحاديث كان قبل نزول الآيات، وقبل أنْ يعلم النبي ﷺ أنه سيد ولد آدم، فلما نزل القرآن نسخ المنع من التفضيل. وهذا المسلك قال به ابن حزم، والمازري، والسيوطي، (٢) وذكره عدد من العلماء. (٣) المبحث الخامس: الترجيح: الذي يَظْهُرُ صَوَابُه ـ والله تعالى أعلم ـ هو مسلك الجمع بين الآيات والأحاديث، وأحسن ما يُجمع به: أنْ يُحمل النهي الوارد في الأحاديث على ما إذا كان التفضيل بمجرد الرأي والهوى؛ فإنَّ ذلك هو المحذور؛ فلا يَحِلُّ لنا تفضيل نبيٍّ على غيره إلا بدليل. كما أنه يتأكد المنع إذا كان التفضيل يؤدي إلى المخاصمة والمشاجرة، كما دلَّ على ذلك حديث أبي هريرة وأبي سعيد المتقدمين (٤)، فإنَّ النبي ﷺ نهى عن ذلك حينما وقعت الخصومة.

стр. 60

كما يتأكد أيضاً إذا كان التفضيل يؤدي إلى توهم النقص في المفضول أو الغض منه، أو كان على وجه الإزراء به، فإنَّ النبي ﷺ قال: "لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى". (١) قال الحافظ ابن حجر: "وخَصَّ يونس بالذكر لما يُخشى على من سمع قصته أنْ يقع في نفسه تنقيصٌ له، فبالغ في ذكر فضله لسَدِّ هذه الذريعة". اهـ (٢) وأما إذا كان التفضيل بمقتضى الدليل، ومن غير أنْ يترتب عليه محذور شرعي؛ فإنه لا مانع منه، والله تعالى أعلم. وأما القول: بأنَّ المراد بالأحاديث النهي عن تعيين المفضول؛ فيَرُدُّهُ قوله تعالى: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨)) [القلم: ٤٨]، ففي هذه الآية تعيين للمفضول. قال ابن قتيبة: "أراد أنَّ يونس لم يكن له صبر كصبر غيره من الأنبياء، وفي هذه الآية ما دلَّك على أنَّ رسول الله ﷺ أفضل منه؛ لأن الله تعالى يقول له: لا تكن مثله". اهـ (٣) وأما القول: بأنَّ النهي كان قبل أنْ يعلم النبي ﷺ أنه سيد ولد آدم، وقبل نزول الآيات؛ فيحتاج إلى معرفة التاريخ حتى نعلم المتقدم من المتأخر، ومن ثم تصح دعوى النسخ، علماً بأنَّ دعوى النسخ يَرُدُّهُا أنَّ بعض الآيات التي ورد فيها التفضيل مكية، وهي قوله تعالى: (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا) [الإسراء: ٥٥] حيث وردت في سورة الإسراء وهي مكية. (٤) وقوله تعالى: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨)) [القلم: ٤٨]، حيث وردت في سورة القلم وهي مكية. (٥) وحديثا أبي هريرة، وأبي سعيد، الواردان في النهي عن التفضيل، قالهما

стр. 61

النبي ﷺ بالمدينة؛ بدليل أنَّ سبب القصة هو لطم أحد الأنصار ليهودي كان يعرض سلعته، وفيها أنَّ اليهودي قال للنبي ﷺ : يا أبا القاسم إنَّ لي ذمة وعهداً، فهذا يدل على أنَّ ورود هذه الأحاديث كان في المدينة؛ لأن اليهود وإعطاء الذمة لهم لم يكن بمكة وإنما كان بالمدينة، وعليه فالأحاديث متأخرة عن نزول الآيات؛ فلا تصح حينئذ دعوى النسخ، والله تعالى أعلم. ****

стр. 62

المسألة [٢]: في تأخير الأجل بالبر والصلة . المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة: قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا) [آل عمران: ١٤٥]. وقال تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)) [الأعراف: ٣٤]. (١) المبحث الثاني: ذكر الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع الآيات: (٤) ـ (٣): عن أنس بن مالك ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ (٢) لَهُ فِي أَثَرِهِ (٣) فَلْيَصِلْ رَحِمَه". (٤)

стр. 63

(٥) ـ (٤): وعن سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ". (١) المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآيات والأحاديث: ظاهرُ الآيات الكريمة أنَّ لكل نفسٍ أجلاً محدوداً، لا يتقدم ولا يتأخر، وأنَّ عُمُرَ كل إنسان له أمد لا يتعداه، وأما الأحاديث ففيها أنَّ البر والصلة يزيدان في الأعمار، وهذا يُوهِمُ خلاف الآيات. (٢) المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآيات والأحاديث: لم يتجاوز العلماء في هذه المسألة مسلك الجمع بين الآيات والأحاديث، وقد اختلفوا في هذه المسألة وفي الجمع بين الآيات والأحاديث على مذهبين: الأول: مذهب تجويز الزيادة في الأعمار، وحمل الأحاديث الواردة في المسألة على الحقيقة.

стр. 64

وهذا مذهب الجمهور، واختاره جمع من العلماء المحققين، كابن حزم، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ ابن حجر، والشوكاني، وغيرهم. وقد اختلف أصحاب هذا المذهب في الجواب عن الآيات، والجمع بينها وبين الأحاديث على أقوال: الأول: أنَّ الزيادة الواردة في الأحاديث هي بالنسبة لعلم المَلَك الموكل بالعمر، وأما ما ورد في الآيات فهو بالنسبة لعلم الله تعالى، فيكون معنى الأحاديث: أنَّ التأخير يكون في أثره المكتوب في صحف الملائكة، وأما أثره المعلوم عند الله تعالى؛ فلا تقديم فيه ولا تأخير. وهذا قول: البيهقي (١)، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ ابن حجر، والسفاريني (٢) (٣)، وعبد الرحمن السعدي (٤). وذكره النووي، وابن الجوزي، وأبو العباس القرطبي (٥)، وأبو عبد الله القرطبي، والمناوي (٦). (٧) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والجواب المحقق: أنَّ الله يكتب للعبد أجلاً في صحف الملائكة، فإذا وصل رحمه زاد في ذلك المكتوب، وإنْ عمل ما يوجب النقص نقص من ذلك المكتوب ... ، والله سبحانه عالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون; فهو يعلم ما كتبه له، وما يزيده إياه بعد ذلك، والملائكة لا علم لهم إلا ما علمهم الله، والله يعلم الأشياء قبل كونها وبعد كونها; فلهذا قال العلماء: إنَّ المحو والإثبات في صحف الملائكة، وأما علم الله سبحانه فلا يختلف ولا يبدو له ما لم يكن عالماً به، فلا محو فيه ولا إثبات". اهـ (٨)

стр. 65

وقال الحافظ ابن حجر: والحق أنَّ الذي سبق في علم الله لا يتغير ولا يتبدل، وأنَّ الذي يجوز عليه التغيير والتبديل ما يبدو للناس من عمل العامل، ولا يبعد أنْ يتعلق ذلك بما في علم الحفظة والموكلين بالآدمي، فيقع فيه المحو والإثبات، كالزيادة في العمر والنقص، وأما ما في علم الله فلا محو فيه ولا إثبات، والعلم عند الله. اهـ (١) والمراد بالمكتوب في صحف الملائكة يفسره حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "وَكَّلَ اللَّهُ بِالرَّحِمِ مَلَكًا فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ نُطْفَةٌ، أَيْ رَبِّ عَلَقَةٌ، أَيْ رَبِّ مُضْغَةٌ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقَهَا قَالَ: أَيْ رَبِّ، أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى، أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ، فَمَا الرِّزْقُ؟ فَمَا الْأَجَلُ؟ فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ". (٢) وحديث حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ ﵁، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "يَدْخُلُ الْمَلَكُ عَلَى النُّطْفَةِ ـ بَعْدَ مَا تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِمِ بِأَرْبَعِينَ أَوْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً ـ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، فَيُكْتَبَانِ؟ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى، فَيُكْتَبَانِ؟ وَيُكْتَبُ عَمَلُهُ وَأَثَرُهُ وَأَجَلُهُ وَرِزْقُهُ، ثُمَّ تُطْوَى الصُّحُفُ، فَلَا يُزَادُ فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ". (٣) وفي رواية: "فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَخْرُجُ الْمَلَكُ بِالصَّحِيفَةِ فِي يَدِهِ، فَلَا يَزِيدُ عَلَى مَا أُمِرَ وَلَا يَنْقُصُ". (٤) وعلى هذا فإنَّ زيادة العمر ونقصانه إنما هي بالنسبة لعلم الملك الموكل بالآجال، وأما ما سبق في علم الله تعالى وقضاه في الأزل فلا زيادة فيه ولا نقصان، وعليه تحمل الآيات الواردة بأنَّ الأجل لا يتقدم ولا يتأخر. (٥)

стр. 66

القول الثاني: أنَّ معنى الأحاديث: أنَّ الله تعالى جعل صلة الرحم سبباً لطول العمر، كسائر الأعمال التي أمر الله بها شرعاً، ورتب عليها جزاء قدرياً، فمن عَلِمَ أنه يصل رحمه جعل أجله إلى كذا، ومن عَلِمَ أنه يقطع رحمه جعل أجله ينتهي إلى كذا، والكل قد فُرِغَ منه في الأزل، وجف به القلم. وهذا قول: الطحاوي، والقاضي عياض، وابن حزم، والزمخشري، وابن عطية، والقرافي، وابن أبي العز الحنفي، والمناوي، وشمس الحق آبادي، والشوكاني، والآلوسي، وابن عثيمين. (١) وذكره: ابن فورك، وابن الجوزي. (٢) قال ابن حزم: "وأما قول رسول الله ﷺ : "من سره أنْ يُنسأ في أجله فليصل رحمه" فصحيح موافق للقرآن، ولما توجبه المشاهدة، وإنما معناه: أنَّ الله لم يزل يعلم أنَّ زيداً سيصل رحمه، وأنَّ ذلك سببٌ إلى أنْ يبلغ من العمر كذا وكذا، وهكذا كل أجل في الدنيا؛ لأن مَنْ عَلِمَ الله تعالى أنه سيُعمَّر كذا وكذا من الدهر؛ فإنَّ الله تعالى قد عَلِمَ وقدَّر أنه سيتغذى بالطعام والشراب، ويتنفس بالهواء ويسلم من الآفات القاتلة تلك المدة التي لا بد من استيفائها، والمسبب والسبب كل ذلك قد سبق في علم الله كما هو لا يُبَدَّل، قال تعالى: (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩)) [ق: ٢٩] ولو كان على غير هذا لوجب البداء (٣) ضرورة، ولكان غير عليم بما

стр. 67

يكون، متشككاً فيه أيكون أم لا يكون؟ أو جاهلاً به جملة، وهذه صفة المخلوقين لا صفة الخالق، وهذا كفر ممن قال به". اهـ (١) وقال القرافي: "الحق أنَّ الله تعالى قدَّر له ستين سنة مرتبة على الأسباب العادية، من الغذاء والتنفس في الهواء، ورتب له عشرين سنة أخرى مرتبة على هذه الأسباب وصلة الرحم، وإذا جعلها الله تعالى سبباً أمكن أن يُقال: إنها تزيد في العمر حقيقة، كما نقول الإيمان يُدخل الجنة، والكفر يُدخل النار، بالوضع الشرعي لا بالاقتضاء العقلي، ومتى علم المكلف أنَّ الله تعالى نصب صلة الرحم سبباً لزيادة النساء في العمر بادر إلى ذلك كما يُبادر لاستعمال الغذاء وتناول الدواء والإيمان رغبة في الجنان، ويَفِرُّ من الكفر رهبة من النيران، وبقي الحديث على ظاهره من غير تأويل يُخِلُّ بالحديث". اهـ (٢) القول الثالث: أنَّ معنى الحديث: أنَّ الله تعالى يكتب أجل عبده عنده مائة سنة، ويجعل بُنْيَتَهُ وتركيبه وهيئته لتعمير ثمانين سنة؛ فإذا وصل رحمه زاد الله تعالى في ذلك التركيب وفي تلك البنية، ووصل ذلك النقص فعاش عشرين أخرى حتى يبلغ المائة، وهي الأجل الذي لا مستأخر عنه ولا متقدم. ذكر هذا القول: ابن قتيبة، وابن فورك، وابن الجوزي. (٣) القول الرابع: أنَّ معنى الحديث: أنَّ من وصل رحمه زاد الله في عمره في الدنيا من أجله في البرزخ، ومن قطع رحمه نقّص الله من عمره في الدنيا، وزاده في أجل البرزخ. روي هذا القول عن ابن عباس ﵁.

стр. 68

قال أبو عبد الله القرطبي: "قيل لابن عباس لما روى الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من أحب أن يمد الله في عمره وأجله ويبسط له في رزقه فليتق الله وليصل رحمه" كيف يزاد في العمر والأجل؟ فقال: قال الله : (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) [الأنعام: ٢] فالأجل الأول: أجل العبد من حين ولادته إلى حين موته، والأجل الثاني، يعني المسمى عنده: من حين وفاته إلى يوم يلقاه في البرزخ، لا يعلمه إلا الله؛ فإذا اتقى العبد ربه ووصل رحمه زاده الله في أجل عمره الأول من أجل البرزخ ما شاء، وإذا عصى وقطع رحمه نقصه الله من أجل عمره في الدنيا ما شاء فيزيده في أجل البرزخ، فإذا تحتم الأجل في علمه السابق امتنع الزيادة والنقصان؛ لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) [الأنعام: ٢]. قال القرطبي: فتوافق الخبر والآية، وهذه زيادة في نفس العمر وذات الأجل على ظاهر اللفظ، في اختيار حبر الأمة، والله أعلم". اهـ (١) ونقل الحافظ ابن حجر نحو هذا القول عن الحكيم الترمذي (٢)، حيث قال: "المراد بذلك قلة البقاء في البرزخ". (٣) أدلة هذا المذهب: لأصحاب هذا المذهب عدة أدلة تؤيد ما ذهبوا إليه من أنَّ الزيادة الواردة في الأحاديث حقيقية وليست معنوية، وأنَّ إثبات الزيادة لا ينافي الآيات التي فيها أنَّ الأجل لا يتقدم ولا يتأخر، ومن هذه الأدلة: الأول: قوله تعالى: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) [الرعد: ٣٩]. ووجه الدلالة: أنَّ المحو والإثبات - المذكورين في الآية - هما بالنسبة لما في علم المَلَك، وأما الذي في أم الكتاب - وهو الذي في علم الله تعالى - فلا محو فيه ألبتة، وهو الذي يقال له القضاء المبرم، ويقال للأول

стр. 69

القضاء المعلق. (١) والأحاديث الواردة في أنَّ صلة الرحم تزيد في العمر محمولة على المعنى الأول؛ فإنَّ الله يمحو ما يشاء فيه ويثبت، والآيات التي تفيد أنَّ الأجل لا يتقدم ولا يتأخر محمولة على المعنى الثاني، فلا محو فيه ولا إثبات. قالوا: ومما يؤكد هذا المعنى قوله في الآية التي قبلها: (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ) ثم قال: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ) أي من ذلك الكتاب (وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) أي أصله وهو اللوح المحفوظ فلا محو فيه ولا إثبات. (٢) قال الشوكاني: "المحو والإثبات في الآية عامان يتناولان العمر والرزق، أو السعادة والشقاوة ... ، ولم يأت القائلون بمنع زيادة العمر ونقصانه بما يخصص هذا العموم". اهـ (٣) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: المحو والإثبات في صحف الملائكة، وأما علم الله سبحانه فلا يختلف ولا يبدو له ما لم يكن عالماً به، فلا محو فيه ولا إثبات.

стр. 70

قال: ونظير هذا ما في الترمذي وغيره، عن النبي ﷺ : "أنَّ آدم لما طلب من الله أن يُريه صورة الأنبياء من ذريته، فأراه إياهم، فرأى فيهم رجلاً له بصيص (١) فقال: من هذا يا رب؟ فقال: ابنك داود. قال: فكم عمره؟ قال: أربعون سنة. قال: وكم عمري؟ قال: ألف سنة. قال: فقد وهبت له من عمري ستين سنة. فكتب عليه كتاب وشهدت عليه الملائكة، فلما حضرته الوفاة قال: قد بقي من عمري ستون سنة. قالوا: وهبتها لابنك داود. فأنكر ذلك، فأخرجوا الكتاب. قال النبي ﷺ : فنسي آدم فنسيت ذريته، وجحد آدم فجحدت ذريته" (٢)، وروي: "أنه كمل لآدم عمره ولداود عمره" (٣). فهذا داود كان عمره المكتوب أربعين سنة ثم جعله ستين (٤)، وهذا معنى ما روي عن عمر أنه قال: "اللهم إن كنت كتبتني شقياً فامحني واكتبني سعيداً؛ فإنك تمحو ما تشاء وتثبت (٥). اهـ (٦)

стр. 71

الدليل الثاني: قوله تعالى: (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ) [فاطر: ١١]، فالزيادة والنقصان المشار إليهما في الآية المراد بهما ما يُكتب في صحف الملائكة، ومعنى الآية: أنه لا يطول عمر إنسان ولا يُنقص منه إلا وهو في كتاب، أي صحف الملائكة. (١) الدليل الثالث: قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) [الأنعام: ٢]، فالمراد بالأجل الأول هو ما في صحف الملائكة، وما عند مَلَك الموت وأعوانه، وأما الأجل الثاني فالمراد به ما ذُكِرَ في قوله تعالى: (وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) وقوله: (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) [الأعراف: ٣٤]. (٢) الدليل الرابع: ما رُوي عن عدد من الصحابة أنهم كانوا يقولون في أدعيتهم: اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة؛ فأثبتني فيهم، وإن كنت كتبتني في أهل الشقاوة فامحني وأثبتني في أهل السعادة. رُوي ذلك عن عمر بن الخطاب (٣)، وابن مسعود (٤) ﵃، فدل على أنَّ مذهب الصحابة جواز المحو والإثبات في الشقاء والسعادة، فكذلك زيادة العمر ونقصانه. (٥) الإيرادات والاعتراضات على هذا المذهب وأدلته: ذكر أصحاب المذهب الثاني - القائلون بمنع الزيادة - بعض الإيرادات والاعتراضات على هذا المذهب وأدلته، منها: الأول: إذا كان المحتوم واقعاً فما الذي يفيده زيادة المكتوب ونقصانه؟ وأجيب: بأن الأصل أن تُجرى المعاملات على الظاهر، وأما الخفي الباطن الذي لا يعلمه إلا الله فلا يعلق عليه حكم، فيجوز أن يكون المكتوب

стр. 72

يزيد وينقص، ويُمحى ويُثبت ليبَّلغَ ذلك على لسان الشرع إلى الآدمي، فبذلك يُعلم فضيلة البر وسوء العقوق، ويجوز أن يكون هذا مما يتعلق بالملائكة؛ فتؤمر بالإثبات والمحو، والعلم المحتوم لا يطلعون عليه، ومن هذا الباب إرسال الرسل إلى من علم الله أنهم لا يؤمنون. (١) الاعتراض الثاني: أنَّ قوله تعالى: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) [الرعد: ٣٩] معناه: يمحو ما يشاء من الشرائع، ويثبت ما يشاء فلا ينسخه، والسياق أدل على هذا الوجه، وهو قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) [الرعد: ٣٨] فأخبر تعالى أنَّ الرسول لا يأتي بالآيات من قبل نفسه، بل من عند الله تعالى، ثم قال: (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨) يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)) [الرعد: ٣٨، ٣٩] أي أنَّ الشرائع لها أجل وغاية تنتهي إليها ثم تُنسخ بالشريعة الأخرى، فينسخ الله ما يشاء من الشرائع عند انقضاء الأجل، ويثبت ما يشاء. (٢) وأجيب: بأن هذا تخصيص لعموم الآية من غير مخصص، وأيضاً فإن الشرائع والفرائض هي مثل العمر؛ فإذا جاز فيها المحو والإثبات جاز في العمر المحو والإثبات. (٣) الاعتراض الثالث: أنَّ قوله تعالى: (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ) [فاطر: ١١]، الضمير في قوله: (مِنْ عُمُرِهِ) هو بمنزلة قولهم عندي درهم ونصفه، أي ونصف درهم آخر، فيكون معنى الآية: وما يعمر من معمر، ولا ينقص من عمر آخر إلا في كتاب. (٤) وأجيب: بأن الأصل اتساق الضمائر، وعودها لمذكور واحد، فالضمير

стр. 73

في قوله: (مِنْ عُمُرِهِ) عائد على قوله: (مِنْ مُعَمَّرٍ)، وهذا ظاهر النظم الكريم، وأما التأويل الذي ذكرتم ففيه إرجاع الضمير لشيء ليس له ذكر في الآية، وهذا خلاف الأصل، وخلاف الظاهر. (١) الاعتراض الرابع: أنَّ قوله تعالى: (ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) [الأنعام: ٢]، المراد بالأجل الأول أجل الحياة إلى الموت، والأجل الثاني أجل الموت إلى البعث، وقيل: الأجل الأول: أجل الدنيا، والثاني: الآخرة. (٢) وأجيب: بأن الآية محتملة لهذه الأقوال، وغيرها، والآية إذا كانت محتملة لعدة معانٍ لا تضاد بينها؛ فإنها تُحمل على الجميع، ولا يصح تخصيصها بمعنى دون غيره. (٣) المذهب الثاني: منع الزيادة في الأعمار. وهذا مذهب عدد من العلماء، ونسبه بعضهم للجمهور. (٤)

стр. 74

وأجاب أصحاب هذا المذهب عن الأحاديث بأنها محمولة على المجاز، لا الحقيقة، إلا أنهم اختلفوا في معنى "الزيادة" الواردة فيها على أقوال: الأول: أنَّ الزيادة كناية عن البركة في العمر؛ بسبب توفيق صاحبه إلى الطاعة، وعمارة وقته بما ينفعه في الآخرة، وصيانته عن تضييعه في غير ذلك، فينال في قصير العمر ما يناله غيره في طويله. (١) وهذا قول: أبي حاتم السجستاني (٢) (٣)، وابن حبان (٤)، وابن التين (٥). واختاره: النووي (٦)، والطيبي (٧) (٨). القول الثاني: أنَّ الزيادة كناية عما يبقى بعد موته من الثناء الجميل، والذكر الحسن، والأجر المتكرر، حتى كأنه لم يمت. حكى هذا القول القاضي عياض (٩)، وهو مذهب أبي العباس القرطبي. (١٠) القول الثالث: أنَّ معنى الزيادة في العمر: نفي الآفات عمن وصل رحمه، والزيادة في فهمه وعقله وبصيرته.

стр. 75

وهذا قول ابن فورك. (١) القول الرابع: أنَّ المراد بالزيادة التوسعة في الرزق، والصحة في البدن، إذ إنَّ الغنى يُسمى حياةً، والفقر يُسمى موتاً. ذكره ابن قتيبة. (٢) القول الخامس: أنَّ المراد بالزيادة ما يكون للواصل من ذرية صالحة يدعون له بعد موته. ذكره الحافظ ابن حجر (٣)، وهو اختيار: الشيخ حافظ حكمي (٤). وقد ورد في هذا المعنى حديث مرفوع، لكنه لا يصح، فعن أبي الدرداء ﵁ قال: ذكرنا عند رسول الله ﷺ الزيادة في العمر فقال: "إن الله لا يؤخر نفساً إذا جاء أجلها، وإنما الزيادة في العمر أنْ يَرزقَ اللهُ العبدَ ذريةً صالحةً يدعون له؛ فيلحقه دعاؤهم في قبره". (٥) القول السادس: أنَّ النبي ﷺ قصد بالحديث الحث على صلة الرحم بطريق المبالغة، ومعناه لو كان شيء يبسط الرزق والأجل لكان صلة الرحم.
следующие страницы →