← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 7534

الغرة المنيفة في تحقيق بعض مسائل الإمام أبي حنيفة

الغزنوي، سراج الدين

Полный текст (181 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة المؤلف بسم الله الرحمن الرحيم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الحمد لله على آلائه، والشكر له على جزيل عطائه، وأفضل الصلاة والسلام على سيد أصفيائه، محمد أفضل الخليقة وخاتم أنبيائه، وعلى آله وأصحابه وأوليائه. وبعد: فقد أشار إلى من طاعته قرض يلزمني أداؤه، وامتثاله فرض يجب عليّ قضاؤه. وهو الأمير الفاضل والكريم الباذل، مفخر الأمراء، كهف الفقراء، ذو الأخلاق المرضية، والأوصاف السنية، ولي الأيادي والنعم، صاحب السيف والقلم، المتعيّن بين أمثاله بمحبة العلم كالعلم، الأمير الكبير صرغتمش الملكي الناصري، نور الله بالعلوم النافعة بصيرته، وحسن سيرته وسريرته، وأدام عليه نعمته وبهجته، وحرس من الآفات مهجته، وأبقاه في خير وعافية لأهله ومحبيه، ويبلغه من خيري الدنيا والآخرة ما يؤمله ويرتجيه، أن أترجم بالعربية كتاب الطريقة البهائية، الذي صنفه الإمام فخر الدين للسلطان المرحوم بهاء الدين بالفارسية، وأزيد عليه دلائل وأجوبة من جانب الإمام الأعظم أبي حنيفة ﵁ وأرضاه وجعل الجنة مثواه. فبادرت إلى امتثال أمره بالجد والهناء فجاء بحمد الله كما يرتضيه العلماء، ويثني عليه الفضلاء، وسميته "بالغرة المنيفة في تحقيق بعض مسائل الإمام أبي حنيفة" والله المستعان وعليه التكلان.

стр. 2

كتاب الطهارة مسألة: يجوز إزالة النجاسة من البدن والثوب بكل مائع طاهر يمكن إزالتها به كالخل وماء الورد عند أبي حنيفة ﵁ وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف ﵀، وقال: الشافعي ﵁: لا يجوز إلا بالماء، وهو قول محمد ﵀. [حجة أبي حنيفة ﵁ من وجوه: الأول: ما روى مجاهد عن عائشة ﵂ أنها قالت: "ما كان لإحدانا إلا ثوب تحيض فيه فإذا أصابه شيء من دم قالت بريقها فمصعته بظفرها، والمصع: الحك بالظفر لاستخراج الدم فإذا زالت النجاسة بالريق فبالخل وماء الورد أولى. أخرجه البخاري، وفي رواية الترمذي: "فإن أصابه شيء من دم بلته بريقها ثم قصعته، والقصع: هو الدلك". الثاني: قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ١. فإنه مطلق فمن قيد بالماء فقد زاد على النص من غير دليل. الثالث: قوله ﷺ : "إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات" أمر بالغسل مطلقا فيجري على إطلاقه، والغسل غير مختص بالماء، قال: الشاعر: فيا حسنها إذ يغسل الدمع كحلها الرابع: ما رواه أبو داود عن بكار بن يحيى قال: "حدثتني جدتي،

стр. 3

قالت: دخلت على أم سلمة ﵂ زوج النبي ﷺ فسألتها امرأة من قريش عن الصلاة في ثوب الحائض، فقالت: قد كان يصيبنا الحيض على عهد رسول الله ﷺ فتلبث إحدانا أيام حيضها ثم تطهر فتنظر الثوب الذي كانت تلتف فيه فإن أصابه دم غسلناه وصلينا فيه وإن لم يكن أصابه شيء تركناه ولم يمنعنا ذلك أن نصلي فيه. فقول أم سلمة غسلنا مطلق غير مقيد بالماء فيجرى على إطلاقه كما مر. الخامس: دلالة النص وهو أنه لما زالت النجاسة بالماء فبالخل وماء الورد أولى، لأن تأثير الخل في قلع النجاسة أكثر لأنه قال: ع للأثر وماء الورد مذهب للرائحة الكريهة. السادس: القياس وهو أن المائع قال: ع للنجاسة والطهورية بعلة القلع وإزالة النجاسة المجاورة إذ الثوب كان طاهرا قبل إصابة النجاسة وإزالة النجاسة كما تحصل بالماء تحصل بسائر المائعات المزيلة لها فإذا زالت النجاسة بقي الثوب طاهراً ولهذا لو قطع موضع النجاسة بالمقراض طهر الثوب. حجة الشافعي ﵁ من وجوه: الأول: أن النبي ﷺ كان يغسل ثيابه بالماء ولم ينقل عنه أنه ﷺ غسلها بالخل ومتابعته واجبة، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ ١. فلزم على الأمة غسل الثوب بالماء دون الخل. الجواب عنه: أن النبي ﷺ إنما غسل الثياب بالماء لكثرته وسهولة إصابته وقلة الخل وماء الورد فلا يدل على عدم جواز الغسل بغيره إن لم يمنع عن ذلك بل أمره بالغسل مطلقا كما مر، ونحن نتبعه حيث تجوز إزالة النجاسة بالماء مع الزيادة وإنما تلزم المخالفة لو منع عن الإزالة بغير الماء ولم ينقل ذلك.

стр. 4

الثاني: ما أخرجه الترمذي عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ أن امرأة سألت النبي ﷺ عن الثوب يصيبه الدم من الحيض فقال: النبي ﷺ : "حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء" قيد غسل الثوب بالماء فلا يجوز بغيره. الجواب عنه: أن ذكر الماء لا يدل على نفي ما عداه فإن مفهوم اللقب ليس بحجة بالاتفاق وقد جاز الاستنجاء بغير الأحجار اتفاقاً مع التقييد بالأحجار في قوله ﷺ : "فليستنج بثلاثة أحجار" على أن ذكر الماء خرج مخرج الغالب لا مخرج الشرط والصفة، فإذا خرجت مخرج الغالب لا يقتضي النفي عما عداها كما في قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ ١. فاسم الجنس أوفى. الثالث: أن الثوب إذا تنجس يبقى نجساً إلى وجود استعمال المطهر والمطهرية حكم شرعي فلا يعرف إلا منه ولم يرد في الشرع الأمر إلا بمطهرية الماء قال: تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً﴾ ٢. ولم يقل خلا طهوراً فظهر أنه لا يطهر الثوب إلا الماء. فالجواب عنه: كما مر من أن ذكر الشيء لا يدل على نفي ما عداه وأن ذكر الماء خرج مخرج الغالب. الرابع: أن في غسل النجاسة بالخل وماء الورد إضاعة المال وهو منهي عنه لقوله ﷺ : "نهى عن إضاعة المال". الجواب عنه: إنما كان إضاعة لو استعمل بلا غرض وأي غرض أعظم من حصول الطهارة إذ لو لم نجوز إزالة النجاسة بالخل وماء الورد تلزم الصلاة مع النجاسة إذا لم يجد الماء ووجد الخل لأجل إضاعة خل قيمته فليس٣ على أنا نفرض المسألة: في موضع يكون فيه أعز بحيث تكون قيمة

стр. 5

قدح من الماء ألف قدح من الخل ففي هذه الصورة لو أوجبنا استعمال الماء كان إضاعة للمال على أن الإضاعة لا تقتضي عدم حصول الطهارة بعد زوال النجاسة كما في القطع بالمقراض. الخامس: أنه لو استعمل الخل في إزالة النجاسة يصير حراماً وتحريم الطعام الطاهر لا يجوز لقوله تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ١. الجواب عنه: أن هذا بعينه وارد في الماء فإنه جاز استعماله وإن كان فيه تحريم الماء الطاهر، على أنه جاز ذلك لغرض صحيح كما بينا، على أن النص ورد في تحريم النبي ﷺ مارية القبطية على نفسه فالمراد من تحريم النبي ﷺ غير ما ذكره. السادس: أن الطهارة عن النجاسة أقوى من الطهارة عن الحدث لأن الأول: ى حقيقية والثاني: حكمية وبالاتفاق لا يقيد الخل وماء الورد طهارة الحدث فلا يفيد أيضاً طهارة الخبث. الجواب عنه: بالفرق بينهما وهو أن النص جعل الماء مطهراً للحدث غير معقول المعنى لأنه لا نجاسة على الأعضاء عيناً لتزول به فيقتصر على ما ورد به الشرع وهو الماء بخلاف النجاسة الحقيقية فإن الإزالة ثمة معقولة وهي حاصلة بالمائعات أيضاً ولم يذكر الإمام لأبي حنيفة إلا القياس. ثم قال: دلائلنا من النصوص ودليلكم من القياس والنص أولى منه ففي هذا القول قلة الإنصاف وكثرة الاعتساف فإن الدلائل المذكورة لنا أيضاً من النصوص فإن لم يعلم بها فهو دليل على عدم إطلاعه على مدارك العلماء فكيف تجزم بأن دليلنا قياس فقط وإن علم بها ولم يذكرها ترويجا لدلائله الضعيفة فذلك أشنع فهو كما قيل: فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

стр. 6

مسألة: الوضوء: يجوز بدون النية عند الإمام أبي حنيفة وأصحابه ﵏، وعند الشافعي ﵀ لا يجوز بدونهما. حجة الإمام أبي حنيفة ﵁ من وجوه: الأول: ما رواه مسلم عن أم سلمة ﵂ أنها قالت: يا رسول الله: "إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة؟ فقال: "لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين الماء عليك فتطهرين" فما زاد على الجواب النية وقد علمنا أنه ﵊ أراد تعليمها صفة الغسل المجزي فلو كانت النية شرطاً لعلمها. الثاني: أن الله تعالى: أمر في آية الوضوء بغسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس ولم يزد عليها فلو كانت النية شرطاً لذكرها. الثالث: أنه لو شرطنا النية في الوضوء والغسل يلزم منه الزيادة على الكتاب بخبر الواحد وهو نسخ فلا يجوز. الرابع: أن النبي ﷺ حين علم الأعرابي أركان الوضوء لم يذكر فيها النية. الخامس: أن الماء خلق مطهراً طبعاً فلا يحتاج التطهير إلى النية كما لا يحتاج في حصول الري به إليها. حجة الإمام الشافعي ﵀ من وجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ ١. فإذا لم يقصد رفع الحدث لا يرتفع عنه. الجواب عنه: أن رفع الحدث بالماء لا يتوقف على القصد لكونه مطهرا طبعاً. والمراد بالنص والله أعلم أن ليس للإنسان إلا ثواب ما سعى ونحن

стр. 7

نقول بموجبه فإنه لا يحصل له ثواب الوضوء بدون النية، إذ الثواب لا يحصل إلا بالقربة ولا يقع قربة إلا بالنية عندنا أيضاً، ولكنه يقع مفتاحاً للصلاة بدونها. الثاني: أن الوضوء عبادة لأنه مأمور به وكل مأمور به عبادة محتاج إلى النية؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ١. والإخلاص لا يتحقق إلا بالنية فالوضوء لا يصح إلا بالنية. الجواب عنه: لا نسلم أن كل عبادة تحتاج إلى النية فإن تطهير الثوب مأمور به وعبادة بقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ٢. وستر العورة بقوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ٣. أي استروا عورتكم عند كل صلاة، واستقبال القبلة بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ٤. وأداء الأمانة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ ٥. وغير ذلك ومع هذا لا يشترط لهذه الأشياء النية، على أن العبادة على نوعين: مقصودة لذاتها كالصلاة وهي لا تصح إلا بالنية، وغير مقصودة لذاتها بل هي وسيلة لغيرها كالوضوء وغيره من الشرائط فإنه لا يراعى وجودها قصداً فيتحقق بدون النية، وهذا لأن النص مطلق فيقتضي كون الإخلاص شرطاً في العبادة المطلقة الكاملة. الثالث: قوله ﷺ : "ليس للمرء من عمله إلا ما نوى" فالوضوء الذي لا يكون منويا لا يرفع الحدث. الجواب عنه: أن معنى الحديث "ليس للمرء من ثواب عمله إلا

стр. 8

ما نوى". ونحن نقول بموجبه، فإن الثواب لا يحصل له بالوضوء إلا إذا نوى. الرابع: قوله ﷺ : "لا وضوء لمن لم يسم الله عليه" ومعلوم أن من لم ينو لم يذكر اسم الله عليه فلا يصح وضوءه. الجواب عنه: أن هذا الحديث لا دلالة له على اشتراط النية، وإنما يدل على اشترط التسمية والخصم لا يقول به، والنية غير التسمية. الخامس: إنا اتفقنا على أن الوضوء المنوي أفضل من غيره فالوضوء الذي كان النبي ﷺ يفعله ما يكون إلا منويا لأن النبي ﷺ كان يفعل ما هو الأفضل فيجب على الأمة الاتباع، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ ١. فعلم أن النية واجبة في الوضوء. ثم قال: لا يجب على الأمة المتابعة في جميع الأفعال، وإلا يلزم أن يجوز للأمة التزوج بالتسع. قلنا: العام المخصوص حجة فيما بقي والمتابعة في ذلك كان واجباً لولا قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ ٢. الجواب عنه: المتابعة عبارة عن إتيان الفعل على الصفة التي أتى بها النبي ﷺ ، والنبي ﷺ إنما أتى بها على سبيل الندب فيجب علينا إتيانها على تلك الصفة إذ لو وجب علينا لكان مخالفة لا اتباعاً، فنحن متبعون له والخصم مخالفه في الصفة. مسألة: الترتيب في الوضوء ليس بشرط عند أبي حنيفة وأصحابه ﵏، وعند الشافعي ﵀ شرط. حجة الإمام أبي حنيفة ﵀ من وجوه:

стр. 9

الأول: قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ ١. الآية وجه التمسك أنه تعالى عطف بعض الأعضاء على البعض بحرف الواو، وهو لمطلق الجمع عند الجمهور دون الترتيب. الثاني: ما ذكره أبو داود أن النبي ﷺ : تيمم فبدأ بذراعيه ثم بوجهه. فترك النبي ﷺ الترتيب في التيمم، فلو كان شرطاً لما تركه. وإذا لم يكن شرطاً في التيمم لا يكون شرطاً في الوضوء لعدم القائل بالفصل. الثالث: ما روي أن النبي ﷺ ، نسي مسح الرأس في وضوئه فتذكره بعد فراغه فمسح ببلل كفه وهو دليل ظاهر على أن الترتيب ليس بشرط. الرابع: ما رواه الدارقطني عن علي ﵁ أنه قال: "ما أبالي إذا أتممت وضوئي بأي أعضائي بدأت" وكذلك روى عن ابن مسعود، وبه قال: سعيد بن المسيب وعطاء والنخعي والثوري ﵏. الخامس: أن الركن تطهير الأعضاء وذلك حاصل بدون الترتيب ألا ترى أنه لو انغمس بنية الوضوء أجزأه ولم يوجد الترتيب. حجة الشافعي ﵀ من وجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ ٢. الآية والفاء للتعقيب ويقتضي بداية الوجه عقيب القيام إلى الصلاة فيثبت الترتيب في الجميع لعدم القائل بالفصل. الجواب عنه: أن المذكور في الآية كلمتان الفاء والواو وهو لمطلق الجمع كما مر فكان العمل بهما أولى من ترك العمل بأحدهما فيكون مقتضى الآية إعقاب غسل جملة الأعضاء من غير اشتراط الترتيب. الثاني: قوله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور

стр. 10

مواضعه، فيغسل وجهه، ثم يغسل ذراعيه، ثم يمسح برأسه، ثم يغسل رجليه، وكلمة ثم للترتيب. الجواب عنه: أن الحديث ليس بصحيح، ولو صح لحملت كلمة ثم على الواو كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ ١. توفيقاً بين هذا الحديث وبين ما روينا على أنه لو عمل بهذا الحديث يلزم الزيادة على الكتاب بخبر الواحد، فإنه يقتضي مطلق الجمع والزيادة نسخ فلا يجوز بخبر الواحد. الثالث: قوله ﷺ : "ابدؤوا بما بدأ الله تعالى" والله تعالى: بدأ بالوجه فيكون الترتيب شرطاً. الجواب عنه: أن الحديث وقع جواباً عن سؤال الصحابة حين اشتبه عليهم أمر البداية بالصفا والمروة، فقالوا: بماذا نبدأ يا رسول الله فلا تكون كلمة ما للعموم إذ لو كانت للعموم يلزم أن يكون الترتيب واجباً بين الصلاة والزكاة لأن الله تعالى بدأ بالصلاة في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ٢. على أنه لا يمكن حمله على الترتيب لئلا يلزم الزيادة على الكتاب بخبر الواحد. مسألة: الخارج النجس من غير السبيلين كالدم، والقيح، والقيء، ملء الفم ينقض الوضوء عند أبي حنيفة وأصحابه ﵏، وهو مذهب العشرة المبشرين بالجنة، وابن مسعود وابن عمر وزيد بن ثابت وأبي موسى الأشعري وأبي الدرداء وصدور التابعين كسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعطاء والحسن البصري وغيرهم من جمهور العلماء. وعند الشافعي ﵀، لا ينقض.

стр. 11

حجة أبي حنيفة ﵁ من وجوه: الأول: ما رواه الدارقطني وابن ماجة عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قاء أحدكم في صلاته أو قلس فلينصرف وليتوضأ ثم ليبن على صلاته ما لم يتكلم". الثاني: ما رواه الدارقطني عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس في القطرة والقطرتين وضوء إلا أن يكون سائلاً". الثالث: عن سلمان ﵁ قال: قال: له رسول الله ﷺ : "أحدث لما حدث بك وضوءاً". الرابع: ما أخرجه الدارقطني، عن تميم الداري ﵁: "الوضوء من كل دم سائل". الخامس: عن زيد بن علي عن أبيه عن جده، قال: قال: رسول الله ﷺ : "القلس حدث". رواه الخلال. السادس: عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ : "قاء فتوضأ، فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت له ذلك فقال: "صدق أنا صببت له وضوءاً". رواه أحمد وقال: الترمذي: حديث حسين المعلم أصح شيء في الباب. السابع: ما رواه البيهقي، أن النبي ﷺ : قال: "يعاد الوضوء من سبع من نوم غالب، وقيء ذارع، وتقطار بول، ودم سائل، ودسعة تملأ الفم، والقهقهة في الصلاة والإغماء". الثامن: عن علي ﵁ حين عد الأحداث أو دسعة تملأ الفم وعن ابن عباس ﵄ "إذا كان القيء يملأ الفم أوجب الوضوء". قال: الخطابي: أكثر الفقهاء على انتقاض الوضوء بسيلان الدم، وهو أقوى في الاتباع وروى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر ﵄ كان إذا رعف انصرف وتوضأ، ثم رجع فبنى ولم يتكلم ولأن المؤثر في انتقاض الطهارة

стр. 12

خروج النجاسة من السبيلين وإليه الإشارة في قوله ﵊:: "فإنهما دم عرق انفجر" وقد وجد ذلك المعنى في الخارج النجس من غير السبيلين فوجد الانتقاض. حجة الشافعي ﵀ من وجوه: الأول: ما رواه الدارقطني أن النبي ﷺ : "احتجم وصلى ولم يتوضأ ولم يزد على غسل حجامته". الجواب عنه: أن ما ذكرناه من الأحاديث قول وهذا فعل والقول مقدم على الفعل، أو نقول ما ذكرناه مثبت وهذا ناف والمثبت أولى من النافي، ولئن سلم التعارض فالترجيح فيما ذكرنا لأنه أحوط في باب العبادة، إذ المراد بالاحتجام قص الأظفار وحلق الشعر دفعاً للتعارض وهو لا ينقض الوضوء. الثاني: ما رواه الدارقطني أن النبي ﷺ : قاء ولم يتوضأ. وروى عنه أنه قاء ولم يتوضأ، فغسل فمه فقيل له: ألا تتوضأ وضوء الصلاة فقال: "هكذا الوضوء من القيء". الجواب عنه: أن هذا الحديث غريب فلا يعارض ما ذكرناه، أو يحمل على ما دون ملء الفم توفيقاً بين الأحاديث وهو الظاهر من حال النبي ﷺ ، فإن كثرة القيء إنما تنشأ من كثرة الأكل والنبي ﷺ لم يشبع مدة عمره، أو يحتمل أنه كان ذلك في غير وقت الصلاة؛ فلا يحتاج إلى الوضوء فاكتفى بذلك. الثالث: ما رواه أبو داود أن أنصاريا رمى في فيه في غزوة ذات الرقاع، فنزعه حتى رمى ثلاثة أسهم وهو في الصلاة فلم يقطعها فلما فرغ من صلاته نبه صاحبه المهاجري ما بالأنصاري من الدماء قال: سبحان الله هلا نبهتني أول ما رميت؟ فقال: كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها. والجواب عنه: من وجوه:

стр. 13

الأول: أن الدماء التي خرجت من ثلاثة أسهم أصابت ثوبه وبدنه بلا شك ولا تجوز الصلاة معها بالاتفاق ولا يمكن إنكار ذلك فإنه قد رآه المهاجري بالليل حتى هاله ما رأى من الدماء فلما لم يدل مضيه في الصلاة على جواز الصلاة مع النجاسة كذلك لم يدل على أن الدم لا ينقض الوضوء. الثاني: أنه فعل واحد من الصحابة فلعله كان مذهباً له، أو كان غير عالم بحكمه ولم ينقل أنه عرف النبي ﷺ حاله وقدره ولم ينكر عليه، أو يجعل له ذهول في ذلك الوقت غير كون الدم ناقضاً، ولئن سلم ففعل الصحابي ليس بحجة عند الشافعي فكيف يحتج به. الثالث: أن البخاري رواه تعليقا وهو ليس بحجة. الرابع: أنه لا معارضة بين ما ذكرنا من قول النبي ﷺ وفعله وبين فعل الصحابي، ولو سلم التعارض فالترجيح معنا، لأن مذهبنا مروي عن أكثر الصحابة وهو أحفظ، وأحاديثنا أصح وأكثر والترجيح بالكثرة ثابت عندهم وعند بعض أصحابنا، لأن ما ذكرناه مثبت وما ذكره ناف والمثبت أولى. الحجة الرابعة له: أنه لو كان القيء الكثير مبطلاً للوضوء لكان القليل أيضاً مبطلاً له كالبول والغائط فلما سلم أبو حنيفة أن القليل غير ناقض لزم أن الكثير أيضاً غير ناقض. الجواب عنه: أن هذا قياس في مقابلة النص الذي ذكرنا فلا يقبل، أو نقول الفرق ثابت بين القليل والكثير، وهو أن الناقض هو الخارج النجس والفم له حكم الظاهر من وجه وحكم الباطن من وجه بدليل أن المضمضة لا تفسد صومه وكذا لو بلع بصاقه لا يفسد صومه أيضاً عملاً بالشبيهين فالقيء الكثير أعطى له حكم الخارج، فإنه يمكن ضبطه نظراً إلى الوجهين. ثم قال: دلائلنا نصوص ودليلكم قياس والنص أولى. فالجواب عنه: أن ما ذكرناه نصوص صحيحة وما ذكره ضعيف كما مر تحقيقه.

стр. 14

كتاب الصلاة مسألة: الصلاة في أول الوقت أفضل عند الشافعي ﵀، وعند أبي حنيفة وأصحابه ﵃ يستحب الإسفار بالفجر، والإبراد بالظهر في الصيف وتقديمهما في الشتاء، وتأخير العصر ما لم يتغير قرص الشمس، وتعجيل المغرب، وتأخير العشاء إلى ما قبل ثلث الليل. حجة أبي حنيفة ﵁ في الإسفار بالفجر من وجوه: الأول: ما رواه أبو داود والترمذي عن رافع بن خديج ﵁ قال: سمعت رسرل الله ﷺ يقول: "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر" وفي لفظ أبي داود: "أصبحوا بالصبح فإنه أعظم لأجوركم" قال: الترمذي هذا حديث حسن صحيح. الثاني: ما قاله ابن مسعود ﵁ ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة قبل ميقاتها إلا صلاة الفجر صبيحة الجمعة فإنه صلاها يومئذ بغلس. ولفظ البخاري: "ما رأيت النبي ﷺ صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين جمع بين المغرب والعشاء وصلى الفجر قبل ميقاتها" يعني بمزدلفة. فدل أن المعهود إسفاره بها والتغليس كان بعذر الخروج إلى سفر. أو كان ذلك حين تحضر النساء المساجد ثم انتسخ ذلك حين أمرن بالقرار في البيوت. الثالث: ما رواه الطحاوي عن القضبي عن عيسى بن يونس عن إبراهيم قال: ما اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ على شيء ما اجتمعوا على التنوير بالفجر. وهذا لا يكون إلا بعد ثبوت نسخ التغليس عندهم. الرابع: مارواه الطحاوي عن شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك ﵁ قال: صلى بنا أبو بكر صلاة الصبح فقرأ سورة آل عمران فقالوا: كادت الشمس تطلع فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين ولم ينكر عليه أحد.

стр. 15

الخامس: ما رواه الطحاوي عن السائب بن يزيد قال: صليت خلف عمر بن الخطاب الصبح فقرأ فيها البقرة فلما انصرفوا استشرقوا الشمس فقالوا ما طلعت فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين فكان يدخل فيها بغلس ويخرج منها بتنوير وكذلك كتب إلى عامله وهو اختيار الطحاوي. السادس: أن مكث المصلي في موضع صلاته حتى تطلع الشمس مندوب قال: ﷺ "من صلى الفجر ومكث في مكان الصلاة حتى تطلع فكأنما أعتق أربع رقاب من ولد إسماعيل" وبالاسفار يمكن إحراز هذه الفضيلة وبالتغليس قل ما يتمكن منها. وأما الحجة على الأبراد بالظهر في الصيف فمن وجوه: الأول: ما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ : "أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم". الثاني: ما رواه الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ : "إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم". قال: الترمذي هذا حديث حسن صحيح. الثالث: ما رواه الترمذي عن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ كان في سفر ومعه بلال فأراد أن يقيم، فقال: "أبرد" ثم أراد أن يقيم، فقال: "أبرد" ثم أراد أن يقيم فقال: رسول الله ﷺ "أبرد" حتى رأينا فيء التلول. ثم أقام فصلى فقال: رسول الله ﷺ : "إن شدة الحر من فيح جهنم فأبردوا عن الصلاة". قال: حديث حسن صحيح. الرابع: قال: النبي ﷺ لمعاذ حين وجهه إلى اليمن: "إذا كان الصيف فأبرد فإنهم يقيلون فأمهلهم حتى يدركوا وإذا كان الشتاء فصل الظهر حين تزول الشمس فان الليالي طوال". الخامس: أن فيتن التعجيل في الصيف تقليل الجماعات وإضرارا بالناس فإن الحر يؤذيهم.

стр. 16

وأما الحجة على تأخير العصر في الصيف والشتاء فمن وجوه: الأول: مارواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي فيقولون تركناهم وهم يصلون" وأتيناهم وهم يصلون"وفيه دليل على أنه يستحب فعلهما في آخر الوقت حين تعرج الملائكة الثاني: ما رواه أبو داود عن علي بن شيبان قال: قدمنا على رسول الله ﷺ المدينة فكان يؤخر العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية. الثالث: ما رواه الترمذي عن أم سلمة ﵂ قالت كان رسول الله ﷺ أشد تعجيلا للظهر وأنتم أشد تعجيلا للعصر. الرابع: ما رواه الطحاوي عن الحكم بن أبان عن عكرمة قال: كنا مع أبي هريرة ﵁ في جنازة فلم يصل العصر وسكت حتى راجعناه مرارا فلم يصل العصر حتى رأينا الشمس على رأس أطول جبل في المدينة. الخامس: أن في تأخير العصر تكثير النوافل لأن أداء النافلة بعدها مكروه ولهذا كان التعجيل في المغرب أفضل لأن النافلة قبله مكروهة. السادس: أن المكث بعد العصر إلى غروب الشمس مندوب إليه قال: النبي ﷺ : "من صلى العصر ومكث في المسجد إلى غروب الشمس فكأنما أعتق ثمانية من ولد إسماعيل ﵇" وإذا أخر العصر يتمكن من إحراز هذه الفضيلة فيكون أفضل وقيل سميت العصر لأنها تعصر أي تؤخر. وأما الحجة على تعجيل المغرب فالمستحب تعجيلها مطلقا لقوله ﵊:: "لا تزال أمتي بخير ما لم تؤخر المغرب إلى أن تشتبك النجوم".

стр. 17

وأما الحجة على تأخير العشاء إلى ما قبل ثلث الليل فمن وجوه: الأول: ما رواه الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل" حديث حسن صحيح. الثاني: ما رواه أبو داود عن النبي ﷺ أخر العشاء إلى ثلث الليل ثم خرج فوجد أصحابه في المسجد ينتظرونه فقال: "أما إنه لا ينتظر هذه الصلاة إلى هذا الوقت أحد غيركم ولولا سقم السقيم وضعف الضعيف لأخرت العشاء إلي هذا الوقت". الثالث: ما رواه البخاري قال: سئل أنس ﵁ هل اصطنع رسول الله ﷺ خاتما؟ قال: نعم أخر الصلاة ليلة إلى شطر الليل فلما صلى أقبل بوجهه فقال: "إن الناس قد رقدوا وإنكم لن تزالوا في الصلاة ما انتظرتم الصلاة". الرابع: عن عائشة ﵂ قالت أعتم النبي ﷺ ذات ليلة فذهب عامة الليل ونام أهل المسجد ثم خرج فصلى فقال: "إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي". الخامس: كتب عمر ﵁ إلي أبي موسي الأشعري أن صل العشاء حتي يذهب ثلث الليل. السادس: أن في التأخير قطع السمر المنهي بعد العشاء فانه ﵊ كان لا يحب النوم قبلها ولا الحديث بعدها. حجة الشافعي ﵀ من وجوه: الأول: أن العبادة في أول الوقت رضوان وهو أكبر الدرجات فيلزم أن تكون الصلوات أول الوقت أفضل. أما بيان أن العبادة في أول الوقت رضوان الله فإنه تعالى قال: حكاية عن موسى ﵇: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ

стр. 18

رَبِّ لِتَرْضَى﴾ ١ فعلم أن تعجيل العبادة سبب الرضوان وقد قال: النبي ﷺ : "أول الوقت رضوان الله" فهذه الآية وهذا الحديث بهما علم أن تعجيل العبادة سبب الرضوان وأما بيان أن الرضوان أكبر الدرجات فلأنه تعالى قال: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ ٢ فصح أن تعجيل الصلاة أعلى الدرجات. الجواب عنه: أن التعجيل إنما يكون سببا في العبادات التي ندب تعجيلها كالمغرب والظهر في الشتاء أما في العبادات التي ندب تأخيرها فالرضوان إنما هو باتباع النبي ﷺ فانه سبب لمحبة الله تعالى قال: الله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ٣ وقد أخرالنبي ﷺ بعض الصلوات وأمر بتأخير بعضها كما مر من قوله ﷺ : "أسفروا بالفجر وأبردوا بالظهر" وحذر الله تعالى عن مخالفة أمره حيث قال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ ٤ على أن التعجيل ليس بأولى في جميع العبادات بالإجماع فإن تأخير المغرب إلى مزدلفة واجب وتأخير الوتر مستحب فلما دل الدليل على استحباب تأخير بعض العبادات فقد خرج دليلكم عن الدلالة لأن الدليل قد دل على تأخير بعض الصلوات كما ذكرناه فيجب إعمال دليلكم في غير ما دل دليلنا عليه عملا بالدليلين على أن الآية فيها إنكار التعجيل في نفسه حيث قال: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ﴾ ٥وحديث أول الوقت رضوان ضعيف الحجة. الثاني: أن الله تعالى أمر بتعجيل العبادة ورغب فيها بأربع آيات الأولى بقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ ٦ والثانية: بقوله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ ٧ الثالثة: مدح

стр. 19

الأنبياء به وقال: تعالى ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ ١ والرابعة بقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ ٢ وهذه النصوص قاطعة دالة على أن تعجيل العبادة في غاية الفضيلة. الجواب عنه: أن ما ذكرنا من الأدلة صريحة على استحباب التأخير في بعض العبادات وهذه الآيات ليست بصريحة على استحباب تعجيلها فيحمل على استحباب ما اتفق العلماء على تعجيله عملا بالدليل على أن قوله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ, وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ نكرة في الإثبات فلا تقتضي العموم: وباقي الآيات وإن كانت عامة لكنها خصت عنها المواضع التي ندب التأخير فيها بالإجماع فليخص بما ذكرناه من الأدلة المتنازع فيها إذ العام إذا خص منه البعض يخص الباقي بخبر الواحد فبقي تحته المواضع التي لم يدل الدليل على تأخيرها. الثالث: أن الصحابي الذي تقدم إيمانه أفضل من غيره قال: الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأول: ونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ٣﴾ وإذا كان السبق في الإيمان سببا لزيادة الفضيلة والرضى فكذا السبق في الطاعة التي هي ثمرته. الجواب عنه: أن قياس الطاعة على الإيمان قياس في مقابلة النصوص الدالة على استحباب تأخير بعضها لما ذكرنا فلا يقبل على أن هذا قياس مع الفارق فان الإيمان حسن في جميع الأوقات والكفر قبيح في كلها فلا يجوز تأخير الإيمان بخلاف غيره من الطاعات. الرابع: قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ , أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ٤ وهذا نص قاطع فيمن يكون سابقا في العبادة يكون مقربا إلى حضرة الله تعالى.

стр. 20

الجواب عنه: أن المفسرين قد اختلفوا في المراد من السابق فقيل المراد بالسابق في الإيمان وقيل في الهجرة إلى النبي ﷺ وقيل: السابق في طلب معرفة الله تعالى فلا تكون الآية دليلا على تعجيل العبادة فتحمل على عبادة لم يدل الدليل على تأخيرها عملا بالدليلين. الخامس: قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ ١ قال: المفسرون أشار بقوله ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ إلى صلاة الظهر والعصر وأشار بقوله: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ يعني ظلمته إلى صلاة المغرب والعشاء وأشار بقوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ إلى صلاة الصبح ثم قال: ﴿كَانَ مَشْهُوداً﴾ يعني صلاة الفجر مشهود بحضور الملائكة وهم الشهداء ومعلوم أن هذا المعنى إنما يمكن إذا أدى الفجر في الغلس أول الصبح لتحضر ملائكة النهار. الجواب: أن هذا الاستدلال تكلف بعيد لا نترك به الدلائل الصريحة ولا نسلم أن كون الفجر مشهودا لا يمكن إلا بالصلاة في الغلس فإن قيل إن المراد بكونه المشهود إنه يشهده الكثير من المصلين في العادة وذلك يقتضي أن تؤخر لتكثير الجماعة فإنه وقت النوم والقيام منه ولهذا قيل قوله ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ حث على طول القراءة وقد قال: الطحاوي: من أصحابنا إنه إذا أراد تطويل القراءة يدخل في الغلس ويخرج في الإسفار جمعا بين الدلائل. السادس: قول النبي ﷺ : "أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله" ورضاه أفضل من عفوه لأن الرضى للمطيعين والعفو للمقصرين. الجواب عنه: هذا الحديث رواه يعقوب بن الوليد عن العمري وهما ضعيفان قال: أحمد بن حنبل ﵀ لا أعرف شيئا يثبت في أوقات الصلوات أولها أو آخرها يعني الرضوان والعفو وإن صح فنقول: المراد

стр. 21

بالعفو هو الفضل قال: الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ ١ أي الفضل من المال ولا يجوز أن يحمل العفو هنا على التجاوز عن التقصير فقد ذكر في إمامة جبريل ﵇ تأخير أداء الصلوات في اليوم الثاني: إلى آخر الوقت ولايجوز أن يقصر جبريل ومتابعة النبي ﷺ شيئا فيه تقصير يحتاج إلى العفو على أن مذهبنا ليس فيه أداء الصلاة في آخر الوقت بل وسطه حتى قلنا إن أداء الصلاة بعد تغيير قرص الشمس مكروه فيكون من قبل عفو الله تعالى وكذا تأخير العشاء والمغرب إلى آخر وقتهما فنحن قائلون بموجب دليلكم وفي التحقيق ما قلناه أولى لأنه أوسط الأمور وهو الذي أشار إليه جبريل ﵇ بقوله: [والوقت ما بين هذين الوقتين لك ولأمتك] أي وقت الاستحباب والأول: وية إذ الجواز ثابت في أول الوقت وفي آخره فلو كان أول الوقت أولى لكان ينبغي لجبريل ﵇ في معرض التعليم أن يقول أول الوقت وقت لك ولأمتك. السابع: المسافر له الإفطار والصوم في رمضان وقد اتفقنا على أن تعجيل الصوم أفضل قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٢ فعلم أن تأخير الصلاة وإن كان جائزا ولكن الأفضل تقديمها. الجواب: أن هذا قياس في مقابلة النصوص الدالة على استحباب تأخير بعض الصلوات فلا يقبل مع أن الفرق بين الصوم والصلاة ثابت وهو أن في تعجيل الصوم أداءها في وقته وفي تأخيرها قضاءها في أيام أخر والأداء أفضل من القضاء ولا يلزم من تأخير الصلاة إلى الوقت المستحب قضاء. الثامن: أن التعجيل حرفة العباد المخلصين والتأخير حرفة الكسالى المقصرين ولا شك أن الأول: أفضل وقد ذم الله تعالى وأوعد الكسالى في الصلاة وقال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ, الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ ٣ فإذا

стр. 22

كان كذلك كان التقديم أفضل. الجواب عنه: أن حرفة المخلصين الاتباع في أقوال النبي ﷺ وأفعاله وهو ما ذكرنا وهو واضح لمن تأمل وترك التعصب وحرفة المقصرين التأخير عن وقت الاستحباب لا التأخير لإدراك الفضيلة والوعيد لقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ, الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ لأجل اشتغالهم بأمور تلهيهم عن أداء الصلاة في أوقاتها ولا دلالة للاية على مذهب الخصم وهو ظاهر لا يخفى على المنصف. ثم قال: يفرض في مذهب الشافعي ﵀ في ركعتين خمسة وثلاثون شيئا النية وتكبيرة الافتتاح والجمع بين النية والتكبيرة والقيام وقت القراءة وقراءة فاتحة الكتاب في جميع الركعات والركوع والطمأنينة فيه والقومة من الركوع والطمأنينة فيها والسجود والطمأنينة فيه والرفع من السجود والطمأنينة فيه والسجدة الثاني: ة والطمأنينة فيها والترتيب بين هذه الأركان والموالاة ومجموع هذه الأركان سبعة عشر في الركعة الأول: ى وفي الركعة الثاني: ة تسقط من هذا المجموع ثلاثة وهي النية والتكبير والجمع بينهما وتبقى أربعة عشر إذا ضمت مع ما في الأول: ى يصير المجموع إحدى وثلاثين وأربعة أخرى تفرض في التشهد وهي القعدة وقراءة التشهد والصلاة على النبي ﷺ والسلام للخروج وإذا ضمت هذه الأربعة مع السابع: ة يصير المجموع خمسة وثلاثين فهذه هي أركان الصلاة عنده تفرض رعايتها فإن وقع الخلل في واحدة منها تبطل الصلاة وعند الإمام أبي حنيفة ﵁ جميع هذه الأشياء ليس من الأركان بل الأركان منها ستة والباقي من الواجبات والسنن وعند أبي حنيفة لا تشترط المقارنة بين النية والتكبير حتى لو نوى حين توضأ في بيته ولم يشتغل بعده بشيء يقطع النية جاز وتجعل المقدمة كالقائمة عند التكبير حكما كما في الصوم ولا يشترط عند أبي حنيفة ﵁ تعيين لفظة التكبير حتى لو قال: بدلا منه الله أجل أو أعظم أو الرحمن أكبر أو لا إله إلا الله جاز لأن التكبير هو التعظيم لغة قال: الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ ١ أي

стр. 23

عظمنه وقال: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ١ أي فعظم والتعظيم حاصل بقوله الله أعظم ولأن الركن ذكر الله على وجه التعظيم وهو الثابت بالنص قال: الله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ ٢ وإذا قال: الله أعظم فقد وجد ما هو الركن وأما لفظ التكبير فثابت في الخبر فيعمل به حتى يكره غيره لمن يحسنه ولكن الركن ما هو الثابت بالنص ثم من قال: الرحمن أكبر فقد أتى بالتكبير قال: الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٣ وروى مجاهد أن الأنبياء صلوات الله عليهم كانوا يفتتحون الصلاة بلا إله إلا الله وكذا تعيين قراءة الفاتحة ليس بفرض عند أبي حنيفة ﵀ وهي واجبة والفرض مطلق القرآن لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ ٤ في الأول: يين ولو لم يقرأ في الأخريين بشيء جاز لقوله ﵊::"القراءة في الأوليين قراءة في الأخريين" والقومة من الركوع ليس بواجب عنده وكذلك الرفع من السجود والطمأنينة فيها ليس بفرض وكذا قراءة التشهد والصلاة على النبي ﷺ ليس بفرض وكذا لفظة السلام حتى لو قعد مقدار التشهد وتعمد الحدث أو عمل ما ينافي الصلاة تتم صلاته. حجة الشافعي ﵀ أن النبي ﷺ في مدة ثلاث وعشرين سنة صلى وقد اتفق المسلمون أن صلاته لم تخل عن جميع ما ذكرنا من خمس وثلاثين خصلة وكل شيء فعله النبي ﷺ يجب علينا المتابعة فيه قال: الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ٥ وقال: النبي ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" ففي هذا الحديث دليل ظاهر على وجوب هذه الأركان نعم لو قام دليل من الآية أو الخبر على أن بعض هذه الأشياء ليس من الأركان نقره بذلك.

стр. 24

الجواب عنه: أنه يجب علينا متابعة النبي ﷺ على الصفة التي فعلها ولم يدل دليل على أن النبي ﷺ فعل هذه الأشياء على أنها من الأركان ولو كان جميع مافعل النبي ﷺ في الصلاة ركنا لكان ينبغي أن يكون رفع اليدين في تكبيرة الافتتاح وفي كل خفض ورفع عنده والثناء في الافتتاح والتحميد والتسميع وتسبيحات الركوع والسجود وسائر ما فعله من الآداب أيضا من الأركان لعين ما ذكره الخصم لأن النبي ﷺ مدة ثلاث وعشرين سنة فعله واتفق المسلمون على ذلك فلما لم تجعل هذه الأشياء من الأركان دل على أن ما ذكره من الدليل لا يصلح أن يكون دليلا على إثبات ركنية جميع ما جعله ركنا فكما قام الدليل عنده على كون هذه الأشياء ليس من الأركان فكذلك قام الدليل عند خصمه على كون بعض ما ذكره من الأركان ليس من الأركان على أن الركنية لا تثبت إلا بدليل قطعي وفي كون فعل النبي ﷺ موجبا خلاف المعروف عند أهل الأصول فكيف يصلح دليلا على الركنية نعم إذا واظب النبي ﷺ على فعل ولم يتركه ولم يدل دليل آخر على عدم الوجوب دل على الوجوب ونحن نقول بموجبه دون الركنية. مسألة: قراءة فاتحة الكتاب لا يتعين ركنا في الصلاة بل الركن مطلق القراءة وتعيين الفاتحة واجب في مذهب أبي حنيفة وأصحابه ﵃ وعند الشافعي ﵀ قراءة الفاتحة ركن في الصلاة. حجة الإمام أبي حنيفة ﵁ من وجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ ١ مطلق فتعيين الفاتحة يكون زيادة على هذا النص وهو نسخ فلا يثبت بخبر الواحد. الثاني: ما رواه البخاري ومسلم في حديث الأعرابي الذي صلى وخفف فجاء فسلم على النبي ﷺ فرده ﵊ قال: "ارجع فصل فإنك لم تصل" ثلاث مرات فقال: الرجل والذي بعثك بالحق ما أحسن غير

стр. 25

هذا فعلمني فقال: "إذا قمت في الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع" إلى آخر الحديث فلو كان قراءة الفاتحة ركنا لعلمه النبي ﷺ لأنه كان في معرض بيان الأركان وتعليمها فدل على أن الركن مطلق القراءة: الثالث: ما روى عن أبي هريرة ﵁ قال: قال: لي رسول الله ﷺ : "أخرج فناد في المدينة لا صلاة إلا بالقرآن ولو بفاتحة الكتاب". حجة الشافعي ﵀ من وجوه: الأول: أن النبي ﷺ في مدة ثلاث وعشرين سنة صلى وقرأ بفاتحة الكتاب في صلاته فيجب متابعته على جميع الناس لقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ ١ فظهر أنه لا تجوز الصلاة بدون الفاتحة إذ لو كانت الصلاة جائزة بدونها لكان النبي ﷺ يتركها مرة فإذا لم يتركها مرة علم أن الصلاة بدونها لا تجوز. الجواب عنه: ما مر أن المواظبة تدل على الوجوب دون الركنية ونحن نقول بموجبه فإن الفاتحة عندنا واجبة ولا يلزم من كونها واجبة أن تبطل الصلاة بتركها وإذا لم يتركها النبي ﷺ لكونها واجبة وتركه الواجب قصدا لا يجوز فنحن نقول بالإجماع على الصفة التي أتى أتى بها. الثاني: أن النبي ﷺ قال: "يقول الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال: العبد الحمد لله رب العالمين يقول الله تعالى حمدني عبدي وإذا قال: الرحمن الرحيم يقول الله تعالى مجدني عبدي وإذا قال: مالك يوم الدين يقول الله تعالى أثنى علي عبدي وفوض أمره إلي فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين إلى آخر السورة يقول الله تعالى هذا بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل" المقصود من هذا الخبر أن الله تعالى قال: قسمت الصلاة نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي وهذه القسمة بناء على قراءة الفاتحة

стр. 26

في الصلاة فلو صحت الصلاة بدونها لما صحت هذه القسمة. الجواب عنه: المراد بالصلاة في هذا الحديث الفاتحة مجازا لأن الصلاة لا تجوز عنده ولا تكمل عندنا إلا بها فوجدت المناسبة بينهما ثم هذه القسمة لا تختص بالصلاة فإن الفاتحة تحميد وتمجيد وثناء ودعاء مطلقا سواء كان في الصلاة أو في غيرها فإذا قرأ العبد فاتحة الكتاب خارج الصلاة تصح هذه القسمة أيضا فلا تتعين كونها في الصلاة ولئن سلم كونها في الصلاة فلا تثبت الركنية بمثله إذ الركنية بخبر الواحد الصريح لاتثبت فبالمحتمل بطريق الأول: ى فغاية الحديث على تقدير التسليم أن تقتضي الوجوب فنحن نقول بموجبه: الثالث: قوله ﵊: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب". الجواب عنه: أن الركنية لا تثبت بخبر الواحد بل يثبت به الوجوب فالذي ذهبنا إليه عمل بالكتاب والسنة حيث قلنا إن مطلق القراءة ركن بالكتاب وهو قوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ ١ وتعيين الفاتحة واجب بالحديث عملا بالدليلين بقدر قوتهما والخصم مذهبه ضعيف من وجهين: الأول: أنه حط رتبة الكتاب حيث زاد عليه بخبر الواحد. والثاني: أنه رفع رتبة خبر الواحد حيث جعله ناسخا لإطلاق الكتاب التحقيق فيما قلناه حيث جمعنا بينهما وحملنا قوله ﵊: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" على نفي الكمال دون نفي الجواز فإن الصلاة بدون الفاتحة ناقصة عندنا وإليه الإشارة في قوله ﵊: "كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج" الخداج عبارة عن النقصان مع بقاء الذات دون البطلان كما في قوله ﵊: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" الرابع: جميع أهل الشرق والغرب والموافق والمخالف يقرؤون بفاتحة

стр. 27

الكتاب في الصلاة فالمخالف لهم يدخل تحت الوعيد لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ ١ الآية. الجواب عنه: إنما لم نترك الفاتحة قصدا في الصلاة لأنها واجبة عندنا وترك الواجب قصدا لا يجوز فلا نكون مخالفين ولكن الكلام في كونها ركنا أو غير ركن ودليلكم لم يدل على كونها ركنا على أنا نعارضه بالمثل بأن نقول إن أهل الشرق والغرب كلهم يسبحون في الركوع والسجود فيقتضي أن تكون تسبيحات الركوع والسجود ركنا والمخالف لهم يدخل تحت هذا الوعيد فكل جواب للخصم في تلك الصورة فهو جواب لنا في هذه على أنه قد عرف بأنه قيل إن المراد بسبيل المؤمنين الإيمان فاتباع غير سبيل المؤمنين الكفر فيكون الوعيد للكفار لا لمن ترك الفاتحة في الصلاة والشافعي ﵀ استدل به على كون الإجماع حجة وما سلم له الإستدلال به على ذلك فكيف نسلم استدلال الرازي به على كون الفاتحة ركنا في الصلاة وهو يعلم بضعف هذه الأدلة ولعل غرضه ترويج مذهبه على المقلدين فإنه يعلم قطعا أن كل شيء يفعله جميع المسلمين في الصلاة لا يقتضي أن يكون ركنا فيها. الخامس: أن قوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ ٢ في الحقيقة حجة للشافعي ﵀ تقريره أن الخطاب بقوله فاقرؤوا متوجه إلى جميع الأمة فما تيسر لجميع الأمة يكون مراده به وقراءة الفاتحة متيسرة لهم فعلم أن هذا دليل ظاهر على أن الفاتحة ركن في الصلاة. الجواب عنه: أن قول: ﴿مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ أعم من أن يكون فاتحة الكتاب أو غير ذلك كسورة الإخلاص والكوثر والعصر وغيرها كما أن الفاتحة متيسرة لهم فكذلك سورة الإخلاص فتعيين الفاتحة بالإرادة من الآية دون

стр. 28

سورة الإخلاص وغيرها ترجيح بلا مرجح وتخصيص بلا مخصص وهو مكابرة ظاهرة. مسألة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ليست آية من الفاتحة بل هي آية مستقلة من القرآن أنزلت للفصل بين السور عند أبي حنيفة وأصحابه ﵃ وعند الشافعي ﵀ هي آية من الفاتحة. حجة أبي حنيفة ﵁ ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: الله تعالى: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل فاذا قال: الحمد لله رب العالمين يقول الله تعالى حمدني عبدي" إلى آخر الحديث الاحتجاج به من وجوه: الأول: أنه ﵊ لم يذكر التسمية فلو كانت آية من الفاتحة لذكرها والثاني: أنه تعالى قال: "جعلت الصلاة" أي الفاتحة كما مر "بيني وبين عبدي نصفين" وهذا التنصيف إنما يحصل إذا قلنا إن التسمية ليست آية من الفاتحة لأن الفاتحة سبع ايات فيكون لله ثلاث ايات ونصف وهو من قوله: الحمد لله إلى قوله إياك نعبد وللعبد ثلاث آيات ونصف وهو من قوله: وإياك نستعين إلى آخر السورة فإذا جعلنا التسمية آية من الفاتحة حصل لله أربع آيات ونصف وللعبد إثنان ونصف وذلك يبطل التنصيف. الثالث: ماجاء في صحيح مسلم عن عائشة ﵂ كان رسول الله ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين فلو كانت التسمية آية منها لافتتح الصلاة بها. الرابع: نقل أهل المدينة بأسرهم عن ابائهم التابعين عن الصحابة ﵃ افتتاح الصلاة بالحمد لله رب العالمين.

стр. 29

الخامس: أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر ولا تواتر بكونها آية من الفاتحة. السادس: أن العلماء اختلفوا في كونها أنها من الفاتحة وسوغوا الخلاف فيه وأدنى درجات الخلاف إيراث الشبهة والقرآن لا يثبت بدون اليقين. حجة الشافعي ﵀: أن التسمية مكتوبة بخط المصحف فإنهم كانوا يشددون في منع كتابة ما ليس من القرآن مبالغة في حفظ القرآن وصيانته وتمييزه عما ليس منه. الجواب عنه: أن القرآن يشترط فيه التواتر في المحل وعدم تواترة في المحل دليل على أنه ليس آية من الفاتحة فلا يثبت كونها من الفاتحة بالاحتمال غاية ما ذكرتم أن تقتضي كونها آية من القرآن وهو مسلم عندنا ولكن مطلوبكم كونها من الفاتحة ودليلكم لا يدل على ذلك وأما المعوذتان فلا خلاف في كونها من القرآن وغاية الأمر أنهما لم توجدا في مصحف ابن مسعود ﵁ وذلك لا يدل على أنهما ليسا من القرآن فإن عدم كتابته بناء على وضوح أمرهما فإنه لم يصرح بأنهما ليسا من القرآن وقد وقع الإجماع والتواتر على أنهما من القرآن والله أعلم. مسألة: لا يجب على المقتدي أن يقرأ الفاتحة أو القراءة خلف الإمام لا في صلاة سر ولا جهر عند أبي حنيفة وأصحابه ﵃ ومذهب الشافعي ﵀ أن يقرأ الفاتحة إذا قرأ الإمام سرا أو جهرا وهو قول مالك ﵁. حجة أبي حنيفة ﵁ من وجوه: الأول: ما رواه الترمذي عن أبي نعيم وهب بن كيسان أنه سمع جابر بن عبد الله يقول من صلى ركعة ولم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا أن يكون وراء الإمام قال: ابن عبد البر رواه يحيى بن سلام عن مالك عن أبي نعيم وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ . الثاني: قوله ﵊: "من كان له إمام فقراءة الإمام له

стр. 30

قراءة" حكاه الخطابي. الثالث: ما رواه مسلم عن عطاء بن يسار أنه أخبره أنه سأل زيد بن ثابت عن القراءة مع الإمام فقال: لا قراءة مع الإمام في شيء وكفى بزيد بن ثابت قدوة. الرابع: ما رواه الطحاوي عن يونس بن وهب أن مالكا حدثه عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ كان إذا سئل هل يقرأ خلف الإمام؟ فيقول: إذا صلى أحدكم خلف الإمام فحسبه قراءة الإمام. الخامس: ما رواه مسلم "وإذا قرأ فأنصتوا". حجة الشافعي ﵀: قوله ﷺ : "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" وقال: الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا١﴾ فيجمع بين الخبر والآية فتحمل الآية على الصلاة جهرا والخبر على الصلاة سرا وأيضا يمكن الجمع بينهما بأنه إذا قرأ الإمام جهرا وسكت بين الفاتحة والقراءة يقرأ المقتدي الفاتحة في تلك الوقفة حتى يكون عملا بالحديث والآية. الجواب عنه: يمكن العمل بهما بأن يحمل الخبر على الإمام أو المنفرد والحديث الذي ذكرناه وهو قوله إلا أن يكون وراء الإمام يدل على ذلك والآية على المقتدي. الحجة الثانية: أن صلاة السر إذا لم يقرأ فيها المقتدي ولا يستمع كان معطلا غير مشغول بالقراءة والاستماع والصلاة موضع العبادة دون التعطيل. الجواب عنه: أنه لما جعل قارئا حكما بقراءة الإمام لا يكون معطلا. مسألة: لو صلى إنسان في ليلة مظلمة أو حالة الاشتباه بالتحري إلى جهة ثم تبين أنه أخطأ في اجتهاده لا يعيد الصلاة عند أبي حنيفة وأصحابه رضي

стр. 31

الله عنهم وعند الشافعي ﵀ يعيدها إذا استدبر القبلة. حجة أبي حنيفة ﵁ ما رواه الترمذي عن عامر بن ربيعة قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة فصلى كل رجل على حياله فلما أصبحنا إذا نحن على غير القبلة فذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ١ أي قبلته والمراد به حالة الإشتباه والنص والحديث مطلقان فلا يجوز تقييدهما بغير المستدبر ولأن المصلي مأمور بالتحري والاجتهاد حالة اشتباه القبلة والتكليف بحسب الوسع وقد أتى بما هو في وسعه وهو التوجه إلى جهة التحري والإتيان بالمأمور به كاف في الإجزاء فلا يجب عليه الإعادة كما لو صلى بالتيمم ثم وجد الماء. حجة الشافعي ﵀ من وجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ ٢ والذي قصد غير القبلة في إتيان المأمور به فلا بد من الإعادة. الجواب عنه: أن التوجه قابل بالنقل من جهة إلى أخرى ولهذا حول من الكعبة إلى بيت المقدس ثم منها إلى الكعبة ثم من عين الكعبة إلى جهاتها للبعيد عنها ثم إلى جهة التحري حالة الاشتباه ثم إلى أي جهة قدر حالة الخوف وأي جهة توجهت دابته في النفل فإذا صلى إلى جهة التحري فقد صلى متوجها إلى ما هو قبلة في حقه في تلك الحالة فلا يجب عليه الإعادة بخلاف طهارة الثوب والإناء ونجاستهما فإنهما لا يحتملان الانتقال: والتحول من موضع إلى آخر فإذا تبين أنه صلى في الثوب النجس أو توضأ من الإناء النجس تجب عليه الإعادة لذلك فافترقا. مسألة: المطيع والعاصي في رخصة السفر سواء عند أبي حنيفة وأصحابه

стр. 32

رحمهم الله وعند الشافعي ﵀ سفر المعصية لا يفيد الرخصة فعلى هذا إذا أبق العبد من المولى أو سافر جماعة لنهب البلاد أو قطع الطريق لهم أن يقصروا الصلاة الرباعية ويفطروا في رمضان ويأكلوا الميتة إذا اضطروا إلى ذلك على المذهب الأول: دون الثاني. حجة أبي حنيفة ﵁: إطلاق النصوص وهو قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَر﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ ٢ الآية وقوله ﷺ : "فرض المسافر ركعتان" فتقييد هذه النصوص بسفر الطاعة أو سفر المباح تحتاج إلى دليل ولأن نفس السفر ليس بمعصية وإنما المعصية مجاوره فصار كما لو سافر إلى الحج أو التجارة وهو يقطع الطريق أو يشرب الخمر أو يزني. حجة الشافعي ﵀: قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ٣ فشرط في الرخصة كونه غير باغ ولا عاد فإذا كان باغيا أو عاديا لا تصح له الرخصة. الجواب عنه: أن على قول أكثر أهل التفسير اختص قوله غير باغ ولا عاد بالأكل ومعناه غير باغ على مضطر آخر بالأخذ منه والاستئثار عليه ولا عاد في شدة الجوعة والأكل فوق العادة فإذا احتمل هذا لا يصلح حجة للخصم. الثاني: أن الرخصة إعانة على ذلك العمل فلو كان سفر المعصية سببا للرخصة كان إعانة عليها. الجواب عنه: أن الرخصة لطف من الله تعالى لعباده والله تعالى كريم لا يمنع الرزق من الكافر الذي هو سبب لبقائه في الكفر فكيف يمنع عن

стр. 33

الفاسق رخصته وقد قال ﵊: "إن الله يحب أن يؤتى برخصه كما يحب أن يؤتى بعزائمه وهذه صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" مسألة: إذا ماتت المرأة لا يحل لزوجها غسلها عند أبي حنيفة وأصحابه ﵃ وعند الشافعي ﵀ يحل وأجمعوا أنه إذا مات الرجل يحل لها غسله. حجة أبي حنيفة ﵁ أن المرأة لم تبق محلا للنكاح بعد موتها فلم تبق الزوجية فلا يحل له النظر إلى عورتها لقوله ﵊: "غض بصرك إلا عن زوجتك" وسئل ابن عباس ﵄ عن امرأة تموت بين الرجال فقال: تيمم بالصعيد ولم يفرق بين أن يكون فيهم زوجها أو لا يكون والدليل على أن النكاح ارتفع بموتها صحة التزويج بأختها وأربع سواها بخلاف موت الزوج لأن محل النكاح هي المرأة فيمكن إبقاء النكاح في حق هذا الحكم لبقاء محله لحاجته كما بقيت مالكيته بعد موته بقدر ما يقتضي به حوائجه من التجهيز والتكفين وقضاء الديون وتنفيذ الوصايا ولهذا تجب عليها العدة ولا يحل لها أن تتزوج قبل انقضاء العدة وهي أثر النكاح والشيء يعد باقيا ببقاء أثره فأما بعد موتها فلا يمكن بقاء النكاح بوجه لاستحالة بقاء الشيء بدون محله. حجة الشافعي ﵁ من وجه: الأول: قول النبي ﷺ لعائشة ﵂: "لو مت قبلي لغسلتك وكفنتك" فإذا جاز ذلك للنبي ﷺ جاز لأمته متابعة له. الجواب عنه من وجهين: الأول: أن زوجية النبي ﷺ مسخرة لا تنقطع بالموت لقوله ﷺ : "كل سبب ونسب ينقطع إلا سببي ونسبي" فيكون ذلك من خصائص النبي ﷺ فلا تجوز فيها المتابعة.

стр. 34

الثاني: أن المراد بقوله ﷺ : "غسلتك" أي قمت في تهيئة أسباب غسلك وأمرت به كما يقال: بني السلطان المدرسة. الوجه الثاني: ما روى عن علي ﵁ أنه غسل فاطمة ﵂ ولم تنكر عليه الصحابة فدل على الجواز. الجواب عنه: أنه قد روي أن فاطمة ﵂ غسلتها أم أيمن حاضنة النبي ﷺ والدة أسامة بن زيد ﵁ ولو ثبت أن عليا ﵁ غسلها فقد روى أنه أنكر عليه بعض الصحابة واعتذر علي ﵁ عن ذلك حين أنكره عليه ابن مسعود ﵁ بقوله أما علمت أن رسول الله ﷺ قال لي: "إن فاطمة زوجتك في الدنيا والآخرة" فإنكار ابن مسعود واعتذار علي ﵄ بذلك الجواب دليل ظاهر على أنه لا يجوز للرجل أن يغسل امرأته بعد موتها. الثالث: قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ ١ يدل على بقاء الزوجية فيجوز له غسلها. الجواب عنه: أن التسمية بالزوج باعتبار ما كان لا تقتضي بقاء الزوجية بعد فوات المحل والإرث بناء على السبب السابق على الموت ولو كانت الزوجية باقية لما جاز نكاح أختها والأربع سواها.

стр. 35

كتاب الزكاة مسألة: إذا هلك النصاب بعد وجوب الزكاة سقطت عند أبي حنيفة ﵁ وأصحابه وقال: الشافعي ﵀: إذا هلك بعد التمكن من الأداء لا تسقط فيضمن قدر الزكاة. حجة أبي حنيفة من وجهين: الأول: قوله ﵊: "هاتوا ربع عشر أموالكم" وربع الشيء لا يبقى بدونه فالواجب من النصاب تحقيقا لليسر فيسقط بهلاك محله كالعبد الجاني أو العبد المديون إذا مات سقط عن المولى الدفع بالجناية والدين لفوات محله أو كالشقص١ الذي فيه الشفعة إذا صار بحرا بطل فيه جزء الشفعة. الثاني: أن الشرع أوجب الزكاة بصفة اليسر وبهذا خص الوجوب بالمال النامي بعد الحول والحق متى وجب بصفة لا يبقى بدونها تحقيقا لليسر فلو بقي الوجوب بعد هلاك النصاب انقلب غرامة وهي لا تجب إلا بالتعدي ولم يوجد لأن الأداء غير موقت فلا يكون متعديا بالتأخير. حجة الشافعي ﵀ من وجهين: الأول: أنه بعد ما حال الحول على النصاب وهو قادر على الأداء وتوجه عليه الخطاب بقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ٢ فاذا لم يؤد كان مانعا للزكاة ولا يسقط عنه الخطاب والتكليف فيؤخذ منه لقوله ﵊: "من منع منا الزكاة فإنا نأخذها منه". الجواب عنه: أن الخطاب بقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ مطلق عن

стр. 36

الوقت لليسر فلا يكون الوجوب على الفور كي لا يصير عسرا منافيا لليسر وبهذا لا يصير قضاء بالتأخير فلا تصير مقصرا بالتأخير فلا يضمن لعدم التعدي لأنه إنما يصير متعديا لو امتنع عن الأداء بعد طلب من له الحق ولم يصر متعينا للطلب إذ المستحق فقير يعينه المالك بالأداء ولم يوجد وبعد طلب الساعي في المواشي إن امتنع من الأداء حتى هلك المال قال: مشايخ العراق يضمن لأن الساعي متعين للأخذ فيصير بالامتناع منه مفوتا فيضمن وقال: غيرهم من المشايخ لا يضمن وهو الأصح لانعدام التعيين لأن الرأي للمالك في اختيار المحل إن شاء أدى عين السائمة وإن شاء أدى قيمتها فلا يصير الحق متعينا إلا بأداء فلا يضمن بخلاف ما لو استهلك لأنه وجد التعدي فيضمن. الثاني: أن وجوب الزكاة تقرر عليه بالتمكن من الأداء ومن تقرر عليه الوجوب لا يبرأ بالعجز عن الأداء بهلاك المال كما في ديون العباد إذا أفلس لا يسقط بالعجز حتى لو ملك مالا آخر يجب الأداء منه. والجواب عنه: بالفرق بين ديون العباد والزكاة وهو أن ديون العباد متعلقة بالذمة دون عين المال وذمته باقية بعد هلاك المال فيبقى الدين ببقاء محله وأما الزكاة فمتعلقة بعين المال لأن الواجب جزء منه ولهذا جعل النصاب ظرفا للواجب قال: الله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ ١ وقال ﵊: "في الورق أي الفضة ربع العشر وفي أربعين شاة شاة وفي خمس من الإبل شاة" فتسقط بهلاك محله فافترقا. مسألة: لا تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون عند أبي حنيفة وأصحابه ﵃ وهو مذهب أكثر الصحابة والتابعين وحكى الحسن البصري فيه إجماع الصحابة ﵃ وعند الشافعي ﵀ تجب

стр. 37

الزكاة في مالهما ويخاطب المولى أو الصبي بالأداء أو يخاطب الصبي بأداء زكاة ما مضى بعد البلوغ. حجة أبو حنيفة ﵁: قوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم وعن النائم حتى ينتبه وعن المجنون حتى يفيق" وفي إيجاب الزكاة في مالهما إجراء القلم عليهما ولأن الصبي ليس بأهل للخطاب بقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ١ وكذا المجنون لأنهما لا يخاطبان بالصلاة وسائر العبادات فلا يخاطب الولي باخراج زكاة مالهما إذ الولي لا يخاطب بأداء مالا يجب عليهما. حجة الشافعي ﵀ من وجوه: الأول: قوله ﷺ : "في أربعين شاة شاة وفي الرقة ربع العشر وفي خمس من الإبل شاة وفي عشرين مثقالا نصف مثقال" وهذه النصوص عامة في حق البالغ والصبي والعاقل والمجنون. الجواب عنه: أن هذه النصوص لم تتناولهما لأنهما مرفوع عنهما القلم وإن قال والزكاة واجب في المال لا على الصبي والمجنون قلنا هذا منقوض بمال الجنين فإنه لا تجب الزكاة فيه على الذهب عندكم ذكره النووي ﵀ في شرح المهذب مع وجود المال. الثاني: قوله ﷺ : "ابتغوا في أموال اليتامى خيرا لا تأكلها الصدقة". الجواب عنه: أن هذا الحديث ضعيف لأن مداره على عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وفيه المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب قال أحمد ﵀: لا يساوي شيئا وقال النسائي: متروك الحديث وقال يحيى: ليس بشيء ولئن سلمنا صحته فتأويله أن المراد بالصدقة النفقة فإن نفقة المرء على نفسه صدقة على ما جاء في الخبر والدليل علي صحة هذا التأويل أنه

стр. 38

أضاف الأكل إلى جميع المال والنفقة هي التي تأكل جميع المال دون الزكاة أو المراد بالصدقة صدقة الفطر والمراد بقوله ﷺ : "من ولى يتيما" فيلزم في ماله التثمير بالتجارة لأن التزكية اسم للتثمير فإن الزكاة عبارة عن الزيادة. الثالث: أن عليا ﵁ أوجب الزكاة على الصبي والمجنون وقد قال ﷺ : "اللهم أدر الحق مع علي حيث ما دار". الجواب عنه: أنه قد روي عن علي ﵁ أنه لا تجب الزكاة عليهما ولئن صح النقل عنه فهو معارض لقول سائر الصحابة وقد نقل إجماع الصحابة على عدم الوجوب وأيضا قول الصحابي ليس بحجة عند الخصم. الرابع: أن الصبي والمجنون إذا كانا من الأغنياء دخلا تحت الخطاب بقوله ﵊ لمعاذ: "خذها من أغنيائهم وردها على فقرائهم". الجواب: ما مر من أن الصبي والمجنون ليسا من أهل الخطاب فلا يخاطبان بالزكاة. الخامس: أنه يجب على الصبي والمجنون العشر في أرضهما وصدقة الفطر في مالهما بالإجماع وكذا الزكاة والجامع دفع الحاجة عن الفقير. الجواب عنه: بالفرق وهو أن الزكاة عبادة خالصة فلا تجب عليهما كسائر العبادات بخلاف العشر فانه ليس بعبادة خالصة بل فيه معنى المؤنة وهما أهلان لوجود المؤنة كنفقة الزوجة وأما صدقة الفطر فلا تجب عليه على قول محمد ﵀ وأما على قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله إنما وجبت على مالهما لأن فيهما معنى المؤنة لاختصاصهما بمحل المؤنة قال النبي ﷺ : "أدوا عمن تمونون" فلا يجوز قياس العبادة الخالصة على ما فيه معنى المؤنة. مسألة: يجوز أداء القيمة مكان المنصوص عليه من الشاة والإبل والبقر

стр. 39

في الزكاة عند أبي حنيفة وأصحابه ﵃ وعند الشافعي ﵀ لا يجوز أداء القيمة بل يؤدي من الذهب الذهب ومن الفضة الفضة ومن الإبل الإبل ومن الغنم الغنم. حجة أبي حنيفة ﵁ من وجوه: الأول: ما روى الامام أحمد بن حنبل عن الصنابحي قال: رأى رسول الله ﷺ في إبل الصدقة ناقة مسنة فغضب فقال: "ما هذه" فقال: ارتجعتها ببعيرين من إبل الصدقة فسكت والارتجاع أخذ سن مكان سن قاله أبو عبيد وفي الصحاح الارتجاع في الصدقة إنما يجب على رب المال أسنان فيأخذ المصدق أسنانا فوقها أو دونها بقيمتها فدل ذلك على جواز أداء القيمة في الزكاة. الثاني: ما روي عن طاوس قال: معاذ بن جبل لأهل اليمن ائتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم في الصدقة فهو أهون عليكم وخير للمهاجرين والأنصار بالمدينة والخميس ثوب طوله خمسة أذرع واللبيس الثوب الملبوس وأخذ الثوب مكان الصدقة لا يكون إلا باعتبار القيمة. الثالث: ما صح في حديث أبي بكر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "فمن بلغت عنده صدقة الجذعة وليست عنده الجذعة وعنده حقة فإنها تقبل منه يجعل معها شاتين إن استيسرتا أو عشرين درهما ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده حقة وعنده جذعة فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق شاتين أو عشرين درهما" فدل هذا على جواز أداء القيمة في الزكاة. الرابع: أن المقصود إغناء الفقير قال ﷺ : "أغنوهم عن المسألة" والإغناء يحصل بأداء القيمة كما يحصل بأداء المنصوص عليه من الشاة وغيرها وقد تكون القيمة أدفع للحاجة من غير الشاة. حجة الشافعي ﵀ من وجوه: الأول: قول النبي ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن لأخذ الصدقات: "خذ

стр. 40

من الإبل الإبل ومن البقر البقر" فأخذ القيمة يكون مخالفا لأمر النبي ﷺ . الجواب عنه: أن هذا خطاب لمعاذ وقد بعثه إلى أرباب المواشي الذين هم سكان البوادي فذكر ذلك للتيسير عليهم فان الأداء بما عندهم أيسر عليهم لعدم الدراهم والدنانير عندهم فيكون الأمر بالأخذ من غير الإبل للتيسير لا لتقييد الواجب به أو يحمل الأمر على الاستحباب دون الوجوب جمعا بين الأدلة. الثاني: ما كتب أبو بكر ﵁ إلى أطراف البلاد في شرح أحوال الزكاة ومضمون الكتاب هذا كتاب الصدقة التي فرضها الله تعالى على الناس وأمر رسوله أن يأخذها منهم في كل خمس من الابل شاة وفي العشر شاتان وفي خمس عشرة ثلاث شياه وفي عشرين أربع شياه وفي خمس وعشرين بنت مخاض وفي خمس وثلاثين بنت لبون وفي أربعين حقة فهذا بيان الزكاة التي فرضها الله على عباده بينها رسول الله ﷺ للخلق على التفصيل فعلم أن ما أوجب الله تعالى من الزكاة هو ما فصل النبي ﷺ فمن لم يؤد هذه الأشياء بأن يؤدي قيمتها فقد خالف الأمر ودخل تحت الوعيد بقوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ ١. الجواب عنه: أن هذا التفصيل لبيان قدر الواجب لما سمي لا للتقييد به وتخصيص المسمى أنه يسير على أرباب المواشي ألا ترى أن الله تعالى قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ ٢ جعل محل الأخذ ما سمى بمطلق المال فالتقييد بكونه شاة أو إبلا زيادة على الكتاب وهو كالنسخ فلا يجوز بخبر الواحد والذي يفيد أن الحق في مطلق المالية قوله ﷺ : "في خمس من الأبل" وكلمة في للظرفية حقيقة وعين الشاة لا توجد في الإبل وإنما توجد فيها مالية الشاة فعرف أن المراد بالشاة قدر
следующие страницы →