← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 7534

الغرة المنيفة في تحقيق بعض مسائل الإمام أبي حنيفة

الغزنوي، سراج الدين

Полный текст (181 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الوقت لليسر فلا يكون الوجوب على الفور كي لا يصير عسرا منافيا لليسر وبهذا لا يصير قضاء بالتأخير فلا تصير مقصرا بالتأخير فلا يضمن لعدم التعدي لأنه إنما يصير متعديا لو امتنع عن الأداء بعد طلب من له الحق ولم يصر متعينا للطلب إذ المستحق فقير يعينه المالك بالأداء ولم يوجد وبعد طلب الساعي في المواشي إن امتنع من الأداء حتى هلك المال قال: مشايخ العراق يضمن لأن الساعي متعين للأخذ فيصير بالامتناع منه مفوتا فيضمن وقال: غيرهم من المشايخ لا يضمن وهو الأصح لانعدام التعيين لأن الرأي للمالك في اختيار المحل إن شاء أدى عين السائمة وإن شاء أدى قيمتها فلا يصير الحق متعينا إلا بأداء فلا يضمن بخلاف ما لو استهلك لأنه وجد التعدي فيضمن. الثاني: أن وجوب الزكاة تقرر عليه بالتمكن من الأداء ومن تقرر عليه الوجوب لا يبرأ بالعجز عن الأداء بهلاك المال كما في ديون العباد إذا أفلس لا يسقط بالعجز حتى لو ملك مالا آخر يجب الأداء منه. والجواب عنه: بالفرق بين ديون العباد والزكاة وهو أن ديون العباد متعلقة بالذمة دون عين المال وذمته باقية بعد هلاك المال فيبقى الدين ببقاء محله وأما الزكاة فمتعلقة بعين المال لأن الواجب جزء منه ولهذا جعل النصاب ظرفا للواجب قال: الله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ ١ وقال ﵊: "في الورق أي الفضة ربع العشر وفي أربعين شاة شاة وفي خمس من الإبل شاة" فتسقط بهلاك محله فافترقا. مسألة: لا تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون عند أبي حنيفة وأصحابه ﵃ وهو مذهب أكثر الصحابة والتابعين وحكى الحسن البصري فيه إجماع الصحابة ﵃ وعند الشافعي ﵀ تجب

стр. 37

الزكاة في مالهما ويخاطب المولى أو الصبي بالأداء أو يخاطب الصبي بأداء زكاة ما مضى بعد البلوغ. حجة أبو حنيفة ﵁: قوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم وعن النائم حتى ينتبه وعن المجنون حتى يفيق" وفي إيجاب الزكاة في مالهما إجراء القلم عليهما ولأن الصبي ليس بأهل للخطاب بقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ١ وكذا المجنون لأنهما لا يخاطبان بالصلاة وسائر العبادات فلا يخاطب الولي باخراج زكاة مالهما إذ الولي لا يخاطب بأداء مالا يجب عليهما. حجة الشافعي ﵀ من وجوه: الأول: قوله ﷺ : "في أربعين شاة شاة وفي الرقة ربع العشر وفي خمس من الإبل شاة وفي عشرين مثقالا نصف مثقال" وهذه النصوص عامة في حق البالغ والصبي والعاقل والمجنون. الجواب عنه: أن هذه النصوص لم تتناولهما لأنهما مرفوع عنهما القلم وإن قال والزكاة واجب في المال لا على الصبي والمجنون قلنا هذا منقوض بمال الجنين فإنه لا تجب الزكاة فيه على الذهب عندكم ذكره النووي ﵀ في شرح المهذب مع وجود المال. الثاني: قوله ﷺ : "ابتغوا في أموال اليتامى خيرا لا تأكلها الصدقة". الجواب عنه: أن هذا الحديث ضعيف لأن مداره على عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وفيه المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب قال أحمد ﵀: لا يساوي شيئا وقال النسائي: متروك الحديث وقال يحيى: ليس بشيء ولئن سلمنا صحته فتأويله أن المراد بالصدقة النفقة فإن نفقة المرء على نفسه صدقة على ما جاء في الخبر والدليل علي صحة هذا التأويل أنه

стр. 38

أضاف الأكل إلى جميع المال والنفقة هي التي تأكل جميع المال دون الزكاة أو المراد بالصدقة صدقة الفطر والمراد بقوله ﷺ : "من ولى يتيما" فيلزم في ماله التثمير بالتجارة لأن التزكية اسم للتثمير فإن الزكاة عبارة عن الزيادة. الثالث: أن عليا ﵁ أوجب الزكاة على الصبي والمجنون وقد قال ﷺ : "اللهم أدر الحق مع علي حيث ما دار". الجواب عنه: أنه قد روي عن علي ﵁ أنه لا تجب الزكاة عليهما ولئن صح النقل عنه فهو معارض لقول سائر الصحابة وقد نقل إجماع الصحابة على عدم الوجوب وأيضا قول الصحابي ليس بحجة عند الخصم. الرابع: أن الصبي والمجنون إذا كانا من الأغنياء دخلا تحت الخطاب بقوله ﵊ لمعاذ: "خذها من أغنيائهم وردها على فقرائهم". الجواب: ما مر من أن الصبي والمجنون ليسا من أهل الخطاب فلا يخاطبان بالزكاة. الخامس: أنه يجب على الصبي والمجنون العشر في أرضهما وصدقة الفطر في مالهما بالإجماع وكذا الزكاة والجامع دفع الحاجة عن الفقير. الجواب عنه: بالفرق وهو أن الزكاة عبادة خالصة فلا تجب عليهما كسائر العبادات بخلاف العشر فانه ليس بعبادة خالصة بل فيه معنى المؤنة وهما أهلان لوجود المؤنة كنفقة الزوجة وأما صدقة الفطر فلا تجب عليه على قول محمد ﵀ وأما على قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله إنما وجبت على مالهما لأن فيهما معنى المؤنة لاختصاصهما بمحل المؤنة قال النبي ﷺ : "أدوا عمن تمونون" فلا يجوز قياس العبادة الخالصة على ما فيه معنى المؤنة. مسألة: يجوز أداء القيمة مكان المنصوص عليه من الشاة والإبل والبقر

стр. 39

في الزكاة عند أبي حنيفة وأصحابه ﵃ وعند الشافعي ﵀ لا يجوز أداء القيمة بل يؤدي من الذهب الذهب ومن الفضة الفضة ومن الإبل الإبل ومن الغنم الغنم. حجة أبي حنيفة ﵁ من وجوه: الأول: ما روى الامام أحمد بن حنبل عن الصنابحي قال: رأى رسول الله ﷺ في إبل الصدقة ناقة مسنة فغضب فقال: "ما هذه" فقال: ارتجعتها ببعيرين من إبل الصدقة فسكت والارتجاع أخذ سن مكان سن قاله أبو عبيد وفي الصحاح الارتجاع في الصدقة إنما يجب على رب المال أسنان فيأخذ المصدق أسنانا فوقها أو دونها بقيمتها فدل ذلك على جواز أداء القيمة في الزكاة. الثاني: ما روي عن طاوس قال: معاذ بن جبل لأهل اليمن ائتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم في الصدقة فهو أهون عليكم وخير للمهاجرين والأنصار بالمدينة والخميس ثوب طوله خمسة أذرع واللبيس الثوب الملبوس وأخذ الثوب مكان الصدقة لا يكون إلا باعتبار القيمة. الثالث: ما صح في حديث أبي بكر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "فمن بلغت عنده صدقة الجذعة وليست عنده الجذعة وعنده حقة فإنها تقبل منه يجعل معها شاتين إن استيسرتا أو عشرين درهما ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده حقة وعنده جذعة فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق شاتين أو عشرين درهما" فدل هذا على جواز أداء القيمة في الزكاة. الرابع: أن المقصود إغناء الفقير قال ﷺ : "أغنوهم عن المسألة" والإغناء يحصل بأداء القيمة كما يحصل بأداء المنصوص عليه من الشاة وغيرها وقد تكون القيمة أدفع للحاجة من غير الشاة. حجة الشافعي ﵀ من وجوه: الأول: قول النبي ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن لأخذ الصدقات: "خذ

стр. 40

من الإبل الإبل ومن البقر البقر" فأخذ القيمة يكون مخالفا لأمر النبي ﷺ . الجواب عنه: أن هذا خطاب لمعاذ وقد بعثه إلى أرباب المواشي الذين هم سكان البوادي فذكر ذلك للتيسير عليهم فان الأداء بما عندهم أيسر عليهم لعدم الدراهم والدنانير عندهم فيكون الأمر بالأخذ من غير الإبل للتيسير لا لتقييد الواجب به أو يحمل الأمر على الاستحباب دون الوجوب جمعا بين الأدلة. الثاني: ما كتب أبو بكر ﵁ إلى أطراف البلاد في شرح أحوال الزكاة ومضمون الكتاب هذا كتاب الصدقة التي فرضها الله تعالى على الناس وأمر رسوله أن يأخذها منهم في كل خمس من الابل شاة وفي العشر شاتان وفي خمس عشرة ثلاث شياه وفي عشرين أربع شياه وفي خمس وعشرين بنت مخاض وفي خمس وثلاثين بنت لبون وفي أربعين حقة فهذا بيان الزكاة التي فرضها الله على عباده بينها رسول الله ﷺ للخلق على التفصيل فعلم أن ما أوجب الله تعالى من الزكاة هو ما فصل النبي ﷺ فمن لم يؤد هذه الأشياء بأن يؤدي قيمتها فقد خالف الأمر ودخل تحت الوعيد بقوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ ١. الجواب عنه: أن هذا التفصيل لبيان قدر الواجب لما سمي لا للتقييد به وتخصيص المسمى أنه يسير على أرباب المواشي ألا ترى أن الله تعالى قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ ٢ جعل محل الأخذ ما سمى بمطلق المال فالتقييد بكونه شاة أو إبلا زيادة على الكتاب وهو كالنسخ فلا يجوز بخبر الواحد والذي يفيد أن الحق في مطلق المالية قوله ﷺ : "في خمس من الأبل" وكلمة في للظرفية حقيقة وعين الشاة لا توجد في الإبل وإنما توجد فيها مالية الشاة فعرف أن المراد بالشاة قدر

стр. 41

ماليتها على أن الزكاة واجبة حقا لله تعالى لأن العبادة لا يستحقها غيره وقد أسقط حقه من صورة الشاة باقتضاء النص في ذلك لأنه وعد أرزاق العباد بقوله ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ ١ ثم أوجب لنفسه حقا في مال الأغنياء وهي الزكاة ثم أمرهم بقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ٢ بالصرف إلى الفقراء لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ ٣ إيفاء للرزق الموعود لهم من الله والمال المسمى لا يحتمل انجاز الوعد منه لاختلاف المواعيد إذ الرزق عبارة عما تقع به الكفاية من المأكول والملبوس وسائر ما لا بد منه وكان الأمر بصرف هذا المال لإيفاء رزقهم دليلا على إذنه بالاستبدال بسائر الأموال لتندفع بها حوائجهم المختلفة إذ عين الشاة لا يصلح لجميع قضاء الحوائج فنحن إنما جوزنا القيمة بإذن الشارع الثابت باقتضاء النص والأحاديث الواردة التي مر ذكرها والخصم بدل ذلك الإذن بالتقييد فيكون هو داخلا تحت قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ٤ لا نحن علم أن الاستشهاد بمثل هذه الآية الواردة في حق الكفار الذين يبدلون كلام الله لا يكون لائقا لأهل العلم في حق بعضهم ببعض في مسائل الاجتهاد ولكن نحن عارضناه بالمثل إذ معارضة الفاسد بمثله من وجوه النظر. الثالث: أن الأمة أجمعت أنه لو أدى القيمة مكان الشاة في الضحايا والهدايا لا يكون كافيا فلا يكفي في الزكاة فلا يخرج به عن عهدة الأمر إلا بأداء عين الشاة. الجواب عنه: أن القربة في الضحايا والهدايا في نفس إراقة الدماء على خلاف القياس ولهذا لو هلكت الشاة بعد أن ذبح قبل التصدق لا يلزمه

стр. 42

شيء وإراقة الدم ليست بمنقومة حتى يجوز أداء قيمتها بدلها ولا يعقل فيها معنى فلا يجوز القياس عليها وأما وجه القربة في الزكاة فسد حاجة الفقير وهو أمر معقول وذلك المقصود حاصل بأداء القيمة بأتم الوجوه فيحوز بطريق الأول: ى فإن قيل هذا التعليل منقوض بالصلاة فإن المقصود منها حضور القلب فإذا حصل حضور القلب فلا تجب الصلاة ولما كان هذا باطلا بطل ما ذكرتموه هكذا أورده الخصم قلت المقصود من الصلاة تعظيم الله تعالى والخضوع والخشوع والتواضع في الظاهر أعمال الجوارح من الركوع والسجود وفي الباطن الحضور بالقلب وذلك المجموع لا يحصل بمجرد حضور القلب بدون الأركان. مسألة: تجب الزكاة في الحلي من الذهب والفضة عند أبي حنيفة وأصحابه ﵃ وهو مذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود وعبد الله بن عمر وابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري من الصحابة ﵃ وجمهور التابعين وعند الشافعي ﵀ لا تجب الزكاة في الحلي المباح في قول وفي قول تجب. حجة أبي حنيفة ﵁ من وجوه: الأول: ما رواه حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة أتت النبي ﷺ وفي يدها ابنة لها وفي يد ابنتها مسكتان أي سوران غليظتان من ذهب فقال رسول الله ﷺ : "أتعطين زكاة هذا" قالت لا قال: "أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار" فاختلعتهما وألقتهما إلى رسول الله ﷺ وقالت هما لله ورسوله رواه أبو داود والنسائي وقال النووي إسناده حسن. الثاني: ما رواه أبو داود بإسناده عن عبد الله بن شداد بن الهاد أنه دخل على عائشة زوج النبي ﷺ "فرأى في يدي فتخات أي خواتم من ورق فقال: "ما هذا يا عائشة" قلت صنعتهن أتزين لك بهن يا رسول الله قال: " أتؤدين زكاتهن" قلت لا أو ما شاء الله قال: "هي حسبك من النار"

стр. 43

أخرجه الحاكم في المستدرك وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين. الثالث: ما رواه أبو داود عن أم سلمة ﵂ قالت كنت ألبس أوضاحا أو حليا من ذهب فقلت يا زسول الله أكنز هو فقال: "ما بلغ أن تؤدي زكاتها فزكي فليس بكنز" أخرجه الحاكم أيضا في المستدرك على شرط البخاري ومسلم. الرابع: ما رواه الدارقطني عن علقمة عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن امرأة أتت نبي الله ﷺ فقالت إن لي حليا وإن لي بني أخ أفيجزئ عني أن أجعل زكاة الحلبي فيهم قال: "نعم". الخامس: عموم القرآن والأحاديث في وجوب الزكاة لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ١ الآية وقوله ﷺ : "في عشرين مثقال نصف مثقال وفي الرقة ربع العشر". حجة الشافعي ﵀ من وجوه: الأول: ما روى جابر عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس في الحلي زكاة" الجواب عنه: قال: البيهقي والذي يروي عن جابر عن النبي ﷺ "ليس في الحلي زكاة لا أصل له" وفيه عافية بن أيوب مجهول فمن احتج به مرفوعا كان مغرورا بدينه داخلا فيما يعيب به من يحتج بالكذابين". الثاني: ما روي أن النبي ﷺ قال: "زكاة الحلي عاريتها". الجواب عنه: أن هذا لا يوجد مرفوعا وقال: أبو بكر الرازي هذا لا يصح لأن الزكاة واجبة والعارية ليست بواجبة. والثالث: أن الحلي مال مبتذل في مباح فلا يكون حلي الرجال لأنها وإن كانت مبتذلة لكن في الحرام فلا يمكن الإلحاق بثياب المهنة.

стр. 44

الجواب عنه: أنه لا يجوز ترك الأحاديث المذكورة بالقياس على أن سبب وجوب الزكاة مال نام وذلك موجود في الحلي باعتبار أنه خلق الله تعالى الذهب والفضة للنماء ولكونهما أثمان الأشياء بخلاف ثباب البذلة فانها غير نامية فلا يقاس عليها. مسألة: من كان له مال فاستفاد في أثناء الحول من جنسه ضمه إلى ماله وزكاه بحوله كما في الأول: اد والأرباح عند أبي حنيفة وأصحابه ﵃ وعند الشافعي ﵀ لا يضم إلى ما عنده بل يشترط لكل مال مستفاد حول على حدة. حجة أبي حنيفة ﵁ أن المجانسة هي علة الضم في الأول: اد والأرباح لأنه عند المجانسة يتعسر التمييز فيعسر اعتبار الحول في كل مستفاد وما شرع إلا للتيسير فيعود الأمر على موضوعه بالنقص عدن اشتراط حول جديد لكل مستفاد وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ١ وأي حرج أعظم من هذا فانه لو فرض أنه استفاد في يوم وقت الظهر شيئا ووقت العصر شيئا وفي الليل شيئا وفي كل يوم كذلك فيحتاج إلى حساب الحول لكل مستفاد وفيه من الحرج ما لا يخفى. حجة الشافعي ﵀: قوله ﷺ : "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول". الجواب عنه: أن الأول: اد والأرباح مخصوصان عن هذا الحديث فيخصص المتنازع فيه بالقياس عليهما. مسألة: لا تجب الزكاة على المديون إذا كان الدين يحيط بماله عند أبي حنيفة وأصحابه ﵃ وعند الشافعي ﵀ الدين لا يمنع وجوب الزكاة.

стр. 45

حجة أبي حنيفة ﵁ من وجوه: الأول: حديث عثمان ﵁ حيث قال: في خطبته في رمضان ألا إن شهر زكاتكم حضر فمن كان له مال وعليه دين فليحتسب ماله بما عليه ثم ليترك بقية ماله ولم ينكر عليه أحد من الصحابة وكان إجماعا منهم على أنه لا زكاة في المال المشغول بالدين. الثاني: أن المديون يحل له أن يأخذ الزكاة فلا يكون غنيا إذ الغني لا يحل له أحذ الصدقة قال النبي ﷺ : "لا تحل الصدقة لغني" وإذا لم يكن غنيا لا تجب عليه الزكاة لقوله ﵊: "لا صدقة إلا عن ظهر غني". الثالث: أن ماله مشغول بحاجته الأصلية وهي قضاء الدين فاعتبر معدوما كالمشغول بالشرب للعطش وثياب اللبس. الرابع: أن الشرع لا يرد بما لا يفيد ولا فائدة في أن يأخذ المديون شاة من صدقة غيره ويعطي للفقير شاة من نصابه. الخامس: أن ملك المديون في النصاب ناقص فإن صاحب الدين إذا ظفر بجنس حقه يأخذه من غير قضاء ولا رضى منه فصار من هذه الحيثية كالوديعة والمغصوب. حجة الشافعي ﵀: قوله ﷺ : "هاتوا ربع عشر أموالكم" وهذا الخطاب عام يتناول المديون وغيره. الجواب عنه: أنه قد خص عنه الأموال المشغولة بالحاجة الأصلية فيخصص المتنازع فيه بجامع الحاجة والشغل بها. مسألة: لا تجب الزكاة في مال الضمان وهو المال الموقوف في الصحراء إذا نسي مكانه ولا يرجى وجدانه عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ يجب فيه الزكاة بجميع ما مضى من السنين إذا وجده مالكه.

стр. 46

حجة أبي حنيفة ﵁ قول علي ﵁ لا زكاة في مال الضمان وهذا لأن وجوب الزكاة هو المال النامي بالإجماع والإنماء لا يكون إلا بالقدرة على التصرف ولا قدرة ها هنا ولو زكى من أصل المال يلزمه استئصاله وهو حرج والحرج مرفوع لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ١ حجة الشافعي ﵁: قوله ﵊: "في عشرين مثقالا نصف مثقال وفي الرقة ربع العشر" وهذا عام في جميع الأموال. الجواب أن وجوب الزكاة مختص بالمال النامي وغير النامي مخصوص عن المنصوص بالإجماع فيخص عنه المتنازع فيه بالقياس عليه بجامع عدم إمكان النماء. مسألة: مذهب أبي حنيفة ﵁ أنه يجب العشر في الفواكه سواء بقيت إلى السنة أولا ومذهب الشافعي ﵀ لا يجبر فيما لا يبقى وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله من وجوه الأول: حجة أبي حنيفة ﵁ من وجوه: عموم قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ٢ الثاني: عموم قوله ﷺ : "فيما سقي بماء السماء والعيون العشر" أخرجه البخاري ومسلم. الثالث: عموم قوله ﵊: "ما أخرجته الأرض ففيه العشر" قال الإمام فخر الدين الرازي: مع تعصبه اختياري قول أبي حنيفة وقال أبو بكر ابن العربي: أقوى المذاهب في المسائل مسألة أبي حنيفة دليلا وأحوطها للمساكين نفعا.

стр. 47

حجة الشافعي ﵀: قوله ﵊: "ليس في الخضروات صدقة" أي عشر لأن الزكاة غير منفية بالإجماع. الجواب عنه: أن المراد بالصدقة المنفية في الحديث الزكاة لأن مطلق اسم الصدقة ينصرف إليها دون العشر والمراد بالنفي زكاة يأخذها العاشر إذا مر به فإنها منفية عند أبي حنيفة فلا يصح دعوى الإجماع. مسألة: مذهب أبي حنيفة وأصحابه ﵃ أنه إذا اجتمع على إنسان زكاة سنين ثم مات قبل الأداء ولم يوص بإخراج الزكاة لا تؤخذ من التركة وعند الشافعي تؤخذ منها أوصى بذلك أو لا. حجة أبي حنيفة ﵁: قوله ﷺ : "يقول ابن آدم مالي مالي وهل لك من مال إلا ما أكلت فأفنيت ولبست فأبليت وتصدقت فأمضيت وما سوى ذلك فهو مال الوارث" فهذا الحديث يقتضي أن يكون الوارث هو المالك ولم يبق للميت ملك فكيف تؤخذ الزكاة من مال الوارث ولأن الواجب عليه إيتاء الزكاة باختياره مع النية لأن الزكاة عبادة فلا تتأدى إلا بالاختيار والنية فلا يكون المأخوذ من التركة زكاة وخلافة الوارث ليس باختيار الميت فإنها ثابتة شاء أو أبى فلا تتأدى العبادة بفضل وارث إلا أن يكون أوصى بذلك لوجود الاختيار منه لكنه يؤخذ من الثلث. حجة الشافعي ﵀: أن الزكاة حق الفقراء لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ ١والموت لا يبطل حقهم كديون العباد. الجواب: لا نسلم أن الزكاة قبل الأداء حق الفقراء بل هي حق الله لأنها عبادة لا يستحقها غيره والفقراء مصرفها وإنما يصير لهم بعد الدفع إليهم فإذا مات صار المال للورثة وحق العبد لاحتياجه مقدم بخلاف ديون العباد فإنهم أيضا محتاجون فيقدمون على الورثة لأن الدين مقدم على الإرث لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ ٢.

стр. 48

كتاب الصوم مسألة: مذهب أبي حنيفة وأصحابه ﵃ أن صوم رمضان يجوز بالنية من الليل وهو الأول: ى وإن لم ينو حتى الصبح أجزأته النية إلى ما قبل نصف النهار وعند الشافعي ﵀ لا يجوز إلا بالنية من الليل. حجة أبي حنيفة ﵁ من وجوه: الأول: ما رواه البخاري عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: "أمر رسول الله ﷺ رجلا "أن أذن في الناس أن من أكل فليصم بقية يومه ومن لم يكن أكل فليصم" قاله يوم عاشوراء وكان يومئذ فرضا عليهم بدليل ما روى البخاري عن عروة بن الزبير أن عائشة ﵂ قالت كأن رسول الله ﷺ أمر بصيام يوم عاشوراء فلما فرض رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر قال الطحاوي: ففي أمر النبي ﷺ إياهم بصومه بعد ما أصبحوا دليل على أن من كان في يوم عليه صومه بعينه يجزئه نيته قبل نصف النهار الثاني: قوله ﷺ بعدما شهد الأعرابي برؤية الهلال: "ألا من أكل فلا يأكلن بقية يومه ومن لم يأكل فليصم" وكان ذلك في رمضان. الثالث: عموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ١. الرابع: إشارة قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ ٢ وكلمة ثم للتراخي ومن ضرورته وقوع النية في النهار. حجة الشافعي ﵁ من وجوه.

стр. 49

الأول: قوله ﵊: "لا صيام لمن لم ينو الصيام من الليل". الجواب عنه: أنه محمول على نفي الفضيلة والكمال إذ الحقيقة غير مرادة لوجود صوم النفل بدون النية من الليل بالاتفاق فيحمل على صوم لا يكون متعينا كقضاء رمضان وصوم الكفارات عملا بالدلائل. الثاني: قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ١ والنية من الليل مسارعة فتجب من الليل إذا ثبت الوجوب ثبت الاشتراط لعدم القائل بالفصل. الجواب عنه: الليل ليس بمحل الصوم فلا تجب المسارعة قبل دخول الوقت. الثالث: أن هذا الصوم لا يخلوا إما أن يكون منويا أو غير منوي وكلا القسمين باطل فبطل هذا الصوم وذلك لأنه إذا كان منويا والنية قصد وتعلق الصوم والقصد بالماضي محال فيكون بعضه منويا وبعضه غير منوي وهو غير متجزء فلا يكون الكل منويا وكذا إذا لم يكن منويا أصلا إذ الصوم عمل لقوله ﷺ : "أفضل الأعمال الصوم" والعمل لا يصح إلا بالنية لقوله عليه أفضل الصلاة والسلام: "الأعمال بالنيات" وقوله ﷺ : "لا عمل لمن لا نية له" فظهر أن هذا الصوم غير جائز. الجواب: أن هذا الصوم منوي لكنه ركن واحد ممتد والنية لتعيينه لله وقد وجدت في الأكثر والأقل تابع له فيسترجع بالكثرة جانب الوجود فكأنه وجدت النية في الجميع حكما. الرابع: أن الصوم بنية من الليل أفضل بالإجماع فدل على أن النبي ﷺ كان قد ينوي من الليل لأن أفضل الخلائق لا يترك أفضل الأعمال فتجب

стр. 50

متابعته علينا لقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ ١. الجواب عنه: أن المتابعة هو الإتيان بالصفة التي أتى بها النبي ﷺ وقد أتي بها على سبيل الأول: وية دون الوجوب فنحن نتبعه كذلك. مسألة: مذهب أبي حنيفة وأصحابه ﵃ أن صوم رمضان يتأدى بمطلق النية وبنية النفل وبنية واجب آخر ومذهب الشافعي ﵀ لا يتأدى إلا بتعيين النية أنه من رمضان. حجة أبي حنيفة ﵁ أن الفرض يتعين في هذا الوقت وغيره غير مشروع فيه لقوله ﵊: "إذا انسلخ شعبان فلا صوم إلا صوم رمضان" فلا يحتاج إلى التعيين فيصاب بمطلق النية ومع الخطأ في الوصف لوجود أهل النية. حجة الشافعي ﵀ من وجوه: الأول: أنه إذا لم ينو الصوم من رمضان فلا يحصل له من صوم رمضان قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ ٢ فلا يدل أنه قصده من رمضان فلا يحصل له صوم رمضان لقوله ﷺ : ﴿ليس للمرء من عمله إلا ما نوى﴾ . الجواب عنه: أنه قد سعى بأصل النية وتعيين الشارع لا يكون أقل من تعيين العبد. الثاني: أن تعيين النية أفضل بالاتفاق فالظاهر أن النبي ﷺ قد أتى به لما ذكرنا أن أفضل الخلائق لا يترك أفضل الأعمال فيجب علينا الاتباع لقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ ٣ وإذا ثبت الوجوب ثبت الاشتراط.

стр. 51

الجواب عنه: ما مر أن الاتباع هو الإتيان بالصفة التي أتى بها النبي ﷺ وقد أتى بها على صفة الأول: وية دون الوجوب فكذا في حقنا الثالث: أن الصوم بتعيين النية صحيح بالاتفاق وبلا تعيين مختلف فيه فتعيين النية أقرب إلى الاحتياط فيجب لقوله ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك". الجواب أن هذا الدليل يقتضي وجوب رعاية موضع الخلاف فيجب على الشافعي أن يتوضأ مما يخرج عن غير السبيلين كالدم وعن القهقهة في الصلاة ولا يأكل متروك التسمية عامدا إلى غير ذلك من مواضع الخلاف ولكن هو غير قائل بالوجوب فكذا نحن نقول بان الأول: ى مراعاة موضع الخلاف. مسألة: مذهب أبي حنيفة ﵁ أن من رأى هلال رمضان وحده فشهد عند القاضي فرد شهادته ثم أفطر بالوقاع فعليه القضاء دون الكفارة ومذهب الشافعي ﵀ أن عليه القضاء والكفارة. حجة أبي حنيفة ﵁: أن القاضي رد شهادته بدليل شرعي وهو تهمة الغلط لأن تفرده بالرؤية مع تساوي كافة الناس في النظر والمنظر والجو والالتماس يورث تهمة الغلط وهذه الكفارة تندرئ بالشبهات ولأن عدم وجوب الصوم على غيره دليل على أن هذا اليوم ليس من رمضان في حق الكافة وكذا في حقه لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ١ وقوله ﷺ : "صوموا شهركم" وقوله ﷺ : "صومكم يوم تصومون" فجعل الشهر مضافا إلى الكافة لا إلى واحد بعينه فلا تثبت الرمضانية إلا بوجوب الصوم على الكل فإذا لم تثبت الرمضانية قطعا لا تجب الكفارة. حجة الشافعي ﵀: أنه أفطر ورمضان حقيقة لتيقنه أنه من رمضان

стр. 52

لوجوب ما يوجب التيقن وهو الرؤية وتيقنه لا يتغير لشك غيره ولهذا أمر بالصوم فيه فتلزمه الكفارة بإفساده. الجواب عنه: أنه لما رد القاضي شهادته صار مكذبا شرعا فالتحق بالعدم على أن شبهة التخيل باقية في حقه لبعد المسافة ودقة المرئ فتحمل أنه رأى الخيال فلم يتحقق التيقن في حقه أيضا والقضاء محتاط في إيجابه دون الكفارة. مسألة: مذهب أبي حنيفة وأصحابه ﵃ أنه إذا أفاق المجنون في بعض شهر رمضان فعليه صوم ما بقي وقضاء ما مضى ومذهب الشافعي ﵀ أنه ليس عليه قضاء ما مضى. حجة أبي حنيفة ﵀: أن السبب وهو شهود الشهر قد وجد قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ١ والمراد به شهود بعض الشهر إذ لولا ذلك لكان السبب شهود جميع الشهر فيقع الصوم في شوال فينعقد سببا لوجوب القضاء إذ لا حرج في ذلك بخلاف المستوعب لأنه يحرج في ذلك وخلاف الصبي إذا بلغ لأنه عتد فيحرج الصبي الإيجاب عليه ولأن المجنون مريض فيجب عليه القضاء إذا أفاق لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ . حجة الشافعي ﵀: أن القضاء إنما يجب في موضع تجب فيه نية الأداء والمجنون لم تجب عليه الأداء فلا يجب عليه القضاء لأنه مبني عليه ولا يجوز نقضه بقضاء ما فات من الصوم في زمان الحيض لأن ذلك ورد على خلاف القياس فلا يمكن إيراده نقضا على ما ثبت على وفق القياس. والجواب عنه: أن القضاء إذا كان بسبب جديد لا يكون مبنيا على الأداء وإن كان سبب الأداء فيكفي فيه وجود السبب وعدم الحرج كما في النائم والمغمى عليه إذا لم يزد على يوم وليلة

стр. 53

مسألة: مذهب أبي حنيفة وأصحابه ﵃ أنه لو أفطر صائم في رمضان متعمدا بالأكل والشرب يجب عليه القضاء والكفارة ومذهب الشافعي ﵀ أنه لا تلزمه الكفارة. حجة أبي حنيفة ﵁ ما رواه الدارقطني عن عامر بن سعد عن أبيه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أفطرت يوما من رمضان متعمدا قال: "أعتق رقبة أو صم شهرين متتابعين أو أطعم ستين مسكينا" وكذا روى أبو هريرة ﵁ أن رجلا قال: يا رسول الله إني أفطرت في رمضان فقال ﵊: "من غير سفر ولا مرض" قال: نعم قال رسول الله ﷺ : "أعتق رقبة" فهذا بإطلاقة يوجب الكفارة بالإفطار وإن كان بالأكل أو الشرب على أن بعض الرواة قال: إن الرجل قال: شربت في رمضان وهو الأصح عن أبي داود وقال: علي ﵁: إنما الأكل والشرب والجماع ولأن الكفارة إنما وجبت بالجماع لهتك حرمة الصوم بالإفطار وقد تحقق ذلك على الكمال بالأكل والشرب وهذا لأن الله تعالى أباح الأكل والشرب والجماع إلى أن يتبين الفجر ثم قال: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾ ١ أي احفظوها عن هذه المفطرات الثلاث إلى الليل فصار الإمساك عن هذه المفطرات ركنا للصوم فإذا وجبت الكفارة بفوت الإمساك عن الجماع فكذا بفوت الإمساك عن الأكل والشرب للاستواء في الركنية. حجة الشافعي ﵀: أن أبا حنيفة ﵁ يسلم أنه لو أفطر أولا بأكل الطين أو ابتلاع الحجر ثم أكل الطعام أو شرب الماء لا تجب عليه الكفارة وكذا لو ابتدأ بأكل الخبز وشرب الماء لا تجب عليه الكفارة لأنه لا تفاوت في الأكل بين أن يأكل الطين ويبلع الحجر ثم يأكل الطعام ويشرب الماء وبين أن يأكل الطعام ويشرب ابتداء.

стр. 54

الجواب عنه: أن هذا قياس مع الفارق وهو أنه إذا أفطر أولا بأكل الطين أو ابتلاع الحجر لم يبق صائما لقوله ﷺ : "الفطر مما يدخل" والكفارة إنما تجب إذا أكل أو شرب وهو صائم بخلاف ما لو ابتدأ بالأكل والشرب لوجود الجناية على الصوم ثم قال: إن الجماع أقوى في الأثر لوجوب الكفارة من الأكل والشرب من وجوه: الأول: أنه إذا اشتد الجوع يجوز أكل مال الغير بقدر الحاجة ولو اشتد شهوة الجماع لا يجوز قضاؤه من الحرام. والثاني: أنه إذا اشتد الجوع والعطش يجوز له الإفطار ولو اشتد الشبق لا يجوز له الإفطار بالمباشرة فعلم أن الجماع في رمضان أشد إفطارا من الأكل والشرب. الثالث: أن المحرم بالحج أو العمرة يجوز له الأكل والشرب ولا يجوز له الجماع. والرابع: أنه لو أكل أو شرب الحرام لا يحد ولو جامع الحرام يحد. والجواب عنه: أن التفاوت بين الجماع وبين الأكل والشرب في هذه الأشياء لا يوجب التفاوت في وجوب الكفارة لوجود المساواة في الركنية فإنا نعلم قطعا أن عين الجماع ليس بجناية لوقوعه في محل مملوك وإنما الجناية بالفطر لهتك حرمة رمضان بإفساد صومه والجماع آلته وذلك المعنى موجود في الإفطار بالأكل والشرب ولا يتفاوت الحكم بتفاوت الآلة فإن القصاص يجب بالقتل العمد سواء كان بالسيف أو السكين أو السهم. مسألة: مذهب أبي حنيفة ﵁ أنه إذا أفطر بالجماع مرارا في رمضان فعليه كفارة واحدة وتتداخل الكفارات إذا كان قبل أداء الكفازة. ومذهب الشافعي أنه لا تتداخل الكفارات بل تجب لكل جماع كفارة. حجة أبي حنيفة ﵁: أن الكفارة إنما تجب في الإفطار الأول: عقوبة على هتك حرمة الشهر فإذا تكرر منه الهتك قبل أداء الكفارة حصل

стр. 55

المقصود وهو الانزجار بكفار ة واحدة فيتمكن شبهة فوات المقصود في الثاني: ة فتتداخلان كما لو زنى مرارا أو شرب الخمر مرارا فانه يكتفي بحد واحد بخلاف ما لو كفر للأولى ثم أفطر ثانيا لعدم حصول المقصود وهو الانزجار بالأول: ى فصار كما لو زنى فحد ثم زنى. حجة الشافعي ﵀: أن الإفطار الأول: بالوقاع موجب للكفارة بالإجماع والثاني أولى أن يكون موجبا لها لأن الأول: كان ذنبا بلا إصرار والثاني: ذنب مع إصرار فإذا كان الذنب بدون الاصرار موجبا للكفارة فمع الإصرار أولى. الجواب عنه: أن الثاني: إن وجد بعد أداء الكفارة عن الأول: ى فهو عندنا أيضا موجب للكفارة لعدم حصول المقصود بالأول: وإن وجد قبله فيكتفي بكفارة واحدة كما مر من معنى التداخل. مسألة: مذهب أبي حنيفة ﵁ وأصحابه أنه لو نذر بصوم يوم النحر صح نذره لكنه أفطر وقضى وعند الشافعي ﵀ لا يصح نذره. حجة أبي حنيفة ﵁ أنه نذر بصوم مشروع بأصله إذ النهي لغيره فإذا نذر به يجب الوفاء لقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ ١ ويوفون بالنذر وقوله ﷺ : "من نذر وسمى فعليه الوفاء بما سمى" لكنه يفطر احترازا عن المعصية المجاورة ثم يقضي اسقاطا للواجب وفيه عمل بأصله حيث جوزنا النذر وأسقطنا وصفه حيث قلنا بالإفطار والقضاء وإن صام فيه يخرج عن العهدة لأنه أدى كما التزم. حجة الشافعي ﵀: أن الصوم في يوم العيد حرام بالإجماع فلا يصح النذر به لأنه لا يصح النذر في معصية الله.

стр. 56

الجواب أنه نذر بما هو مشروع بأصله وإن كانت المعصية تجاوره فعلا لا قولا. مسألة: مذهب أبي حنيفة وأصحابه ﵃ أنه من شرع في الصوم التطوع أو الصلاة التطوع يجب عليه إتمامه فان أفسده يجب عليه القضاء ومذهب الشافعي ﵀ أنه لا قضاء عليه. حجة أبي حنيفة ﵁: ما رواه مالك عن ابن شهاب أن عائشة وحفصة ﵄ زوجتي النبي ﷺ أصبحتا صائمتين متطوعتين فأهدي لهما طعام فأفطرتا فدخل عليهما رسول الله ﷺ فابتدرنا لنسأله فبدرتني حفصة بالكلام وكانت بنت أبيها سباقة وقالت يا رسول الله إني أصبحت أنا وعائشة صائمتين متطوعتين فأهدي لنا طعام فأفطرنا فقال رسول الله صلى الله عليه ورسلم: "اقضيا مكانه يوما آخر" ولأن المؤدى قربة وعمل فتجب صيانته عن الإبطال بالمعني فيه لقوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ ١ وإذا وجب المضي وجب القضاء بإفساده. حجة الشافعي ﵀: أن الإجماع منعقد على أن الشرع جوز له ترك الصوم والصلاة المتطوع فيهما بجملة الأجزاء فاذا جاز له الترك بجملة الأجزاء فكذا جاز له ترك بعض الأجزاء. الجواب عنه: أنه قبل الشروع لم يؤد شيئا فجاز له تركه أما بعد الشروع فقد أدى بعض القربة فيجب حفظه باتمامه والقضاء بافساده.

стр. 57

كتاب الحج مسألة: مذهب أبي حنيفة ﵁ وأصحابه أن القرآن أفضل من الإفراد ومذهب الشافعي ﵀ أن الإفراد أفضل. حجة أبي حنيفة ﵁ ما رواه البخاري عن ابن عباس ﵄ أنه سمع عمر ﵁ يقول سمعت النبي ﷺ بقول: "بوادي العقيق أتاني الليلة آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة" وما رواه مسلم عن أنس بن مالك ﵁ أنه سمع النبي ﷺ بالبيداء وإنه رديف أبي طلحة يهل بالحج والعمرة جميعا وما رواه مروان بن الحكم قال: شهدت عثمان وعليا رضي اله عنهما وعثمان ينهى عن المتعة والجمع بينهما فلما رأى علي ﵁ ذلك أهل بهما لبيك بحجة وعمرة وقال: ما كنت لأدع سنة النبي ﷺ لقول أحد ولأن فيه جمعا بين العبادتين فأشبه الصوم والاعتكاف والحراسة في سبيل الله وصلاة الليل. حجة الشافعي ﵀: قوله ﷺ : "القرآن رخصة" والرخصة دون العزيمة ولأن في الإفراد زيادة التلبية والسفر والحلق. الجواب عنه: أن المقصود بما روي نفي قول الجاهلية أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور على أن قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ ١ محمول على الإحرام بهما من دويرة أهله فكان القران عزيمة لا رخصة والتلبية غير محصورة والسفر غير مقصود والحلق خروج عن العبادة فلا ترجيح بما ذكر. مسألة: مذهب أبي حنيفة وأصحابه ﵃: أن القارن يطوف

стр. 58

طوافين ويسعى سعيين وعند الشافعي ﵀ يطوف طوافا واحدا ويسعى سعيا واحدا. حجة أبي حنيفة ﵁ ما رواه الطحاوي عن أبي النضر قال: أهللت بالحج فأدركت عليا فقلت له إني أهللت بالحج أفأستطيع أن أضيف إليه عمرة قال: لو كنت أهللت بالعمرة ثم أردت أن تضم إليها الحج ضممته قال: قلت كيف أصنع إذا أردت ذلك قال: تصب عليك أداوة ماء ثم تحرم بهما وتطوف لكل واحد منهما طوافا وعنه عن علي وعبد الله ابن مسعود ﵄ قال: القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين وعنه عن عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ طاف طوافين وسعى سعيين وما رواه الدارقطني عن علي ﵁ أن النبي ﷺ كان قارنا فطاف طوافين وسعى سعيين ولما طاف صبي بن معبد طوافين وسعى سعيين قال: له عمر ﵁ هديت لسنة نبيك ولأن القرآن ضم عبادة إلى عبادة وذلك إنما يتحقق بأداء عمل لكل واحد على الكمال وذلك بطوافين وسعيين. حجة الشافعي ﵀: قوله ﷺ : "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة" ولأن مبنى القرآن على التداخل حتى أكتفي بتلبية واحدة وسفر وحلق واحد فكذلك في الأركان. والجواب عنه: أن معنى ما رواه دخلت وقت العمرة في وقت الحج لا أفعالها في أفعاله عملا بالدليلين والقرآن عبادة مقصودة فلا تداخل فيها والسفر للتوسل والتلبية للتحرم والحلق للتحلل فليست هذه الأشياء بمقاصد بخلاف الأركان.

стр. 59

كتاب البيع مسألة: مذهب أبي حنيفة وأصحابه ﵃ أن من اشترى شيئا لم يره فهو جائز وله الخيار إذا رآه ومذهب الشافعي ﵀ لا يصح العقد أصلا. حجة أبي حنيفة ﵁ من وجوه: الأول: ما رواه البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: بعت من أمير المؤمنين عثمان مالا بالوادي أي بوادي القرى بمال له بخيبر فلما تبايعنا رجعت على عقبي حتى خرجت من بيته خيفة أن يزاد في البيع فقد تبايعا ما لم يكن بحضرتهما ولم ينكر عليهما أحد. الثاني: ما رواه الطحاوي عن ابن أبي مليكة عن علقمة بن أبي وقاص الليثي قال: اشترى طلحة بن عبيد الله من عثمان بن عفان ﵄ مالا وكان المال في الكوفة فقيل لعثمان إنك قد غبنت فقال: عثمان لي الخيار لأني بعت ما لم أره وقيل مثل ذلك لطلحة فقال: لي الخيار لأني اشتريت ما لم أره فحكما جبير بن مطعم فقضى أن الخيار لطلحة ولا خيار لعثمان وذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكر أحد. الثالث: ما رواه الدارقطني عن مكحول ورفع الحديث إلى رسول الله ﷺ قال: "من اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه إن شاء أخذه وإن شاء تركه" وذكر أن فيه ابن أبي مريم وهو متكلم فيه قلنا هذا طعن مبهم فلا يقبل. حجة الشافعي ﵀ من وجوه: الأول: أن النبي ﷺ : "نهى عن بيع الغرر" وبيع ما لم ير فيه غرر لأنه ربما يوافقه وربما لا يوافقه فيكون داخلا تحت النهي.

стр. 60

والجواب عنه: أن الغرر ليندفع بالخيار فإنه إذا لم يوافقه يرده. الثاني: أن جواز البيع مشروط بالرضى لقوله تعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ ١ والرضى بالشيء إنما يحصل إذا كان معلوما بجميع صفاته وإذا لم يكن مرئيا لم يكن العلم بجميع الصفات حاصلا فلا يجوز بيع ما لم يكن مرئيا. والجواب عنه: أن هذا البيع تجارة عن تراض لوجود الإيجاب والقبول منهما بالتراضي والعلم إنما يشترط للزوم العقد دون انعقاده فاذا رضي بعد الرؤية تم العقد وإلا لا يتم. الثالث: أن بيع الغائب يفضي إلى الخصومة لأنه إن لم يوافق طبع المشتري وأراد الفسخ له ذلك لقوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" ولو أراد البائع عدم الفسخ له ذلك لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ٢ فبناء على هذين الدليلين المتعارضين تقع بينهما المنازعة وهي حرام لقوله تعالى: ﴿وَلا تَنَازَعُوا﴾ ٣. الجواب عنه: أن الجهالة بعدم الرؤية لا تفضي إلى الخصومة لأنه إذا لم يوافقه يرده وليس للآخر أن يمتنع عن ذلك لأن خيار الرؤية ثابت للمشتري شرعا وهما قد رضيا بذلك حيث باشر ذلك العقد فترتفع المنازعة كما في خيارالشرط فصار كجهالة الوصف والمعاين المشار إليه. مسألة: مذهب أبي حنيفة وأصحابه ﵃ أنه إذا حصل الإيجاب والقبول لزم البيع والخيار لواحد من المتعاقدين والفسخ قبل الافتراق من المجلس وقال الشافعي ﵀: لكل واحد منهما خيار المجلس. حجة أبي حنيفة ﵁ من وجوه:

стр. 61

الأول: قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ وهذا عقد فيلزم الوفاء به بظاهر الآية وفي الفسخ بخيار المجلس نفي لزوم الوفاء به. الثاني: ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه" وفي رواية حتى يقبضه ففيه دليل على أنه إذا وجد القبض جاز البيع ولو في مجلس العقد والبيع لا يجوز بعد ثبوت الملك له وإذا ثبت له الملك لا يجوز إبطاله إلا برضاه لقوله تعالى: ﴿َيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ ١ الثالث: ما رواه البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فكنت على بكر صعب لعمر وكان يغلبني فيتقدم القوم فيزجره عمر ﵁ ويرده ثم تقدم فقال رسول الله ﷺ لعمر:"بعنيه" فقال: هو لك يا رسول الله فقال: "بعنيه" فباعه من رسول الله ﷺ فقال: النبي ﷺ : "هو لك يا عبد الله بن عمر فاصنع به ما شئت" أخرجه البخاري في باب ما لو اشترى شيئا فوهب من ساعته قبل أن يتفرقا وفي هبة النبي ﷺ قبل التفرق بالأبدان دليل على أن البيع لازم بدون التفرق. الرابع: أن في الفسخ بدون رضى الآخر إبطال حقه فلا يجوز إلا بإذنه. حجة الشافعي ﵀: قوله ﷺ : "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا" رواه مالك في الموطأ. الجواب عنه: أن هذا الحديث منسوخ لأن مالكا ﵀ رواه وترك العمل به فقيل له فيه فقال: رأيت إجماع أهل المدينة على خلافه وإجماع التابعين على مخالفة الخبر الواحد دل على انتساخه أو تقول الحديث محمول على خيار القبول وفي الحديث إشارة إليه فإنهما متبايعان حالة المباشرة حقيقة وبعدها مجازا والحمل على الحقيقة أولى والمراد بالتفرق تفرق الأقوال دون

стр. 62

الأبدان وهو الواقع في الكتاب والسنة قال: الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِنْ سَعَتِهِ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ ٢ وقال النبي ﷺ : "افترقت اليهود والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة". مسألة: مذهب أبي حنيفة وأصحابه ﵃ أنه إذا مات من له خيار الشرط في البيع بطل خياره ولا ينتقل إلى ورثته وعند الشافعي ﵀ ينتقل إلى ورثته. حجة أبي حنيفة ﵁ أن المنافي لثبوت الخيار قائم وهو إبطال الملك على الآخر بالفسخ في مدة الخيار بدون رضاه وأنه إضرار به وقد قال: النبي ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" وإنما يثبت للمورث بالاشتراط ولم يشترط الخيار للوارث فلا يثبت ولا يمكن انتقال الخيار إلى الوارث لأن الخيار مشيئة وإرادة وهما وصفان قد عدما بموته فلا يتصور انتقالهما إليه. حجة الشافعي ﵀ من وجوه: الأول: كون الملك قابلا لهذا والفسخ صفة من صفات هذا الملك وهذه الصفة أمر ينتفع به فيكون حقا وقد قال: ﷺ : "من ترك مالا أو حقا فهو لورثته بعد موته". الجواب عنه: أن المراد منه حق يمكن بقاؤه بعد موته والخيار قد بطل بموته لكونه مشيئة قائمة بالميت فلا يتصور فيها الإنتقال: إلى الوارث. الثاني: أجمعنا على أن خيار العيب للوارث ابتداء يورث فكذا خيار الشرط والجامع القدرة على دفع الضرر.

стр. 63

والجواب عنه: أن خيار العيب يثبت لا بطريق الإرث وذلك لأن المورث استحق المبيع سليما فكذا الوارث لأنه خليفته فأما نفس الخيار فلا يورث. مسألة: مذهب أبي حنيفة وأصحابه ﵃ أن علة الربا في الأشياء الستة الكيل مع الجنس أو الوزن مع الجنس وعند الشافعي ﵀ الطعم مع الجنس في المطعومات والثمنية مع الجنس في الأثمان. حجة أبي حنيفة ﵁ قوله ﷺ : "الحنطة بالحنطة مثلا بمثل والفضل ربا إلى آخر الحديث" وجه التمسك به أن هذا الحديث قد أوجب كون المماثلة شرطا والمماثلة بين الشيئين باعتبار الصورة والمعنى في المعيار والمعيار هو الكيل والوزن فسوى الذات والجنسية في الصورة والمعنى فيظهر الفضل على ذلك فيتحقق الربا لأن الربا هو الفضل والمستحق في المعاوضة الخالي عن العوض والذي يؤيد هذا أنه روي مكان قوله مثلا بمثل كيلا بكيل وفي الذهب وزنا بوزن فدل على أن الكيل والوزن هو المؤثر في الربا مع الجنسية وإليه الإشارة في قوله ﷺ : "لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين ولا الصاع بالصاعين". حجة الشافعي ﵀ من وجوه: الأول: قوله ﵊: "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء" رتب النبي ﷺ على وصف المطعومية وهذا الوصف يناسب تحريم الربا لأن الطعام تتعلق به الحاجة الأصلية وبذلك القدر الزائد من مثل هذا الشيء يقتضي تفويت ما تتعلق به الحاجة الأصلية وأنه يناسب المنع فإن قالوا إنه يقتضي توسيع الطعام على الغير قلنا بذل الزائد يقتضي تفويته على أن المصلحتين إذا تعارضتا فتقديم المالك أولى فثبت أنه وصف مناسب والحكم المذكور عقيبه يقتضي كون الحرمة معللة به باتفاق العلماء على أن الحكم عقيب الوصف المناسب معلل به. الجواب عنه: أن في الحديث استثنى الحال بقوله سواء بسواء فالمراد منه

стр. 64

تساويهما في الكيل إذ المذكور في صدر الكلام هو الطعام وهو عين واستثناء الحال من العين لا يجوز فلا بد من تقدير شيء يصح به الاستثناء وهو عموم صدر الكلام في الأحوال أي لا تبيعوا في جميع الأحوال من المساواة والمفاضلة والمجازفة إلا في حال المساواة والمراد بالتساوي هو المساواة بالكيل بالإجماع فدل على أن الكيل هو العلة والوصف المذكور وهو الطعم أو الثمنية ليس بمناسب فلا يصح التعليل به لأنه من أعظم وجوه المنافع والسبيل في مثله التوسعة والإطلاق بأبلغ الوجوه لشدة الاحتياج إليه دون الحرمة. الثاني: أن العلة عند الإمامين إما الكيل أو الطعم والتعليل بالكيل لا يجوز وإلا لكان ما ليس بمكيل غير ربا فيلزم التخصيص في قوله ﷺ : "لا تبيعوا البر بالبر إلا سواء بسواء" وذلك خلاف الأصل فثبت أن الكيل لا يصلح علة فتعين الطعم للعلية. الجواب: أن التخصيص حصل بنفس الحديث لما ذكرنا أن قوله إلا سواء بسواء حال فيقتضي عموم الأحوال وتلك الأحوال لا تستقيم إلا فيما يدخل تحت الكيل دون الطعم والتخصيص وإن كان على خلاف الأصل لكن ثبت بالدليل والقرينة وقد وجدت القرينة. مسألة: مذهب أبي حنيفة وأصحابه ﵃ أن الجنس أو القدر بانفراده يحرم النسأ وعند الشافعي ﵀ لا يحرمه: حجة أبي حنيفة ﵁ قوله ﷺ : "إنما الربا في النسيئة" وهذا نسيئة فيكون فيه الربا فيحرم لقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ ١ ولأنه قال: الربا من وجه ينظر إلى القدر أو الجنس والنقدية أوجبت فضلا في المالية إذ النقد خير من النسيئة فيتحقق شبهة الربا وهي ملحقة بالحقيقة احتياطا فيحرم وهذا لأن كل واحد من القدر أو الجنس جزء العلة فيكون

стр. 65

لكل واحد منهما شبهة العلية فتحرم به شبهة الربا وهي النسيئة إعمالا للدليل بقدر الإمكان. حجة الشافعي ﵀: العمومات المقتضية بحل البيع للتجارة مطلقا كقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ ٢ والقرآن أولى من الخبر. الجواب عنه: قد خص من العمومات المذكورة حرمة الربا لقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ والعام إذا خص من البعض بنص يجوز تخصيص بعض أفراده بخبر الواحد والقياس فيخص المتنازع بما ذكرنا من الأدلة. مسألة: مذهب أبي حنيفة ﵁ أنه يجوز بيع الرطب بالتمر مثلا بمثل يدا بيد وعند الشافعي ﵀ لا يجوز. حجة أبي حنيفة ﵁ أن الرطب تمر لقوله ﷺ حين أهدى إليه الرطب: "أو كل تمر خيبر هكذا" وبيع التمر بمثله جائز لقوله ﷺ : "التمر بالتمر مثلا بمثل" ولأن الرطب لا يخلو إما أن يكون تمرا أو لا فإن كان تمرا جاز البيع بآخر الحديث وهو قوله ﷺ : "إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم". حجة الشافعي ﵀: قوله ﷺ حين سئل عن بيع الرطب بالتمر: "أينقص إذا جف" فقيل نعم فقال ﵊: "لا إذن". الجواب عنه: أن مدار هذا الحديث عن زيد بن عياش وهو ضعيف عند أهل النقل. مسألة: مذهب أبي حنيفة وأصحابه ﵃ أن من باع سيفا محلى بالفضة بمائة درهم فصاعدا وحليته خمسون درهما ودفع من الثمن خمسين

стр. 66

درهما جاز البيع وتكون الفضة بمقابلة الفضة والزائد بمقابلة السيف وهذا إذا كانت الفضة المقدرة ثمنا أزيد مما فيه كما ذكرنا بأن تكون المقدرة مائة وإن كانت مثله أو أقل منه أو لا يدري لا يجوز البيع وكذا لو باع قلادة فيها ذهب وجواهر بذهب أزيد مما في القلادة جاز فيكون الذهب بمثله والزيادة بمقابلة الجواهر ومذهب الشافعي ﵀ لا يجوز. حجة أبي حنيفة ﵁ أن تصرف العاقل يحمل على الصحة وقد أمكن هنا الحمل على الصحة بأن تكون الفضة والذهب بمثلها والباقي بمقابلة الباقي والذي يؤيد هذا ما رواه الطحاوي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: اشترى رسول الله ﷺ السيف المحلى بالفضة وعنه عن ابن المبارك عن الحسن أنه كان لا يرى بأسا بأن يباع السيف المفضض بأكثر مما فيه الفضة بالفضة والسيف بالفضل. حجة الشافعي ﵀: ما روي عن حنش أنه كان مع فضالة بن عبيد الله في غزاة قال: فصارت لي ولأصحابه قلادة فيها ذهب وورق وجوهر فأردت أن أشتريها فسألت فضالة فقال: أنزع ذهبها فاجعله في كفة واجعل ذهبك في كفة لا تأخذ إلا مثلا بمثل فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر لا يأخذ إلا مثلا بمثل". الجواب عنه: أن الأمر بالفضل من قول فضالة لا من قول رسول الله ﷺ وهو ليس بحجة عنده فقد يجوز أن يكون أمر بذلك على أن أن البيع لا يجوز عنده في هذا الذهب حتى يفصل وقد يجوز أن يكون أمر بذلك لإحاطة علمه أن تلك القلادة لا توصل إلي علم ما فيها من الذهب إلا بعد أن يفصل أو يكون ما فيها من الذهب أكثر من الثمن والذي يؤيد هذا ما روي عن فضالة بن عبيد قال: اشتريت يوم حنين قلادة باثني عشر دينارا فيها ذهب وخذف ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارا فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "لا تباع حتى تفصل". مسألة: مذهب أبي حنيفة ﵁ أنه يجوز بيع اللحم بالشاة

стр. 67

كيف ما كان وعند الشافعي ﵀ لا يجوز كيف ما كان. حجة أبي حنيفة ﵁ أن المقتضي لجواز هذا البيع ثابت وهو النص العام كقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ ٢ والمانع منتف وهو احتمال الربا لأن علة الربا القدر مع الجنس كما مر وهو منتف هنا لأن اللحم موجود والحيوان غير موجود. حجة الشافعي ﵀: أنه ﵊ نهى عن ذلك فلا يزاد على كلام الرسول ﷺ ونصنا خاص ونصكم عام والخاص مقدم على العام. الجواب عنه: أنه لا نسلم أن الخاص مقدم على العام عندنا بل العام عندنا كالخاص على أن ما ذكرنا من العام قرآن فيقدم على خبركم. مسألة: مذهب أبي حنيفة ﵁ أنه لو اشترى شيئا بدراهم معينة أو بدنانير معينة لا يتعينان حتى جاز للمشتري أن يمسك تلك الدراهم والدنانير ويعطي مثلهما ولو هلكتا قبل التسليم لا ينفسخ العقد ويطالب بتسليم مثلهما وعند الشافعي ﵀ يتعينان. حجة أبي حنيفة ﵁: أن حكم الشرع في الأعيان أن البيع يتعلق به وجوب ملكها لا وجودها فإن وجودها شرط البيع لنهي النبي ﷺ عن بيع ما ليس عند الإنسان لا حكمه وفي جانب الأثمان يتعلق به وجودها ووجوبها معا حتى جاز الشراء بثمن ليس في ملك المشتري فلو صح التعيين انقلب الحكم شرطا فلا يجوز. حجة الشافعي ﵀: أن البيع وقع على الدنانير والدراهم المعينة

стр. 68

وهي أولى من المطلقة فلا يجوز إبدال ما هو أولى بما ليس بأولى بدون رضى مالكه. الجواب: أن التعيين لبيان المقدار لا غير إذ الثمن ثابت في الذمة بالدراهم المطلقة. مسألة: مذهب أبي حنيفة ﵁ جواز بيع العقار قبل القبض ومذهب الشافعي ﵀ عدم جوازه. حجة أبي حنيفة ﵁ أن ركن البيع صدر من أهله في محله فيكون المقتضي للجواز ثابتا والمانع منتف وهو عرف البيع وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ ١. حجة الشافعي ﵀: ما رواه حكيم بن حزام ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا ابتعت شيئا فلا تبعه حتى تقبضه" وهو نص صريح في المسألة. الجواب: أن المراد بالحديث ما ينقل ويحول لأن الحديث معلول بفرض انفساخ العقد على اعتبار الهلاك عملا بدلائل الجواز والهلاك في العقار غير جائز والذي يؤيد هذا ما ذكر المنقول صريحا وهو قوله ﷺ : "من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه" وفي الصحيحين من "ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يكتاله". مسألة: أهل الخلاف ذكروا ثلاث مسائل بمنع الرد فيها بالعيب عند أبي حنيفة ولا يمنع عند الشافعي ﵄. أولهما: أن الزيادة المنفصلة المتولدة من الأصل بعد القبض يمنع رد الأصل وحده بالعيب فيه عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ لا يمنع رده فيرد الأصل بكل الثمن ويقبض الولد وحده بلا ثمن.

стр. 69

وثانيها: أن وطء الثيب يمنع الرد عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ لا يمنعه. وثالثهما: أنه إذا اشترى عبدين صفقة وقبض أحدهما ووجد بأحدهما عيبا فانه يأخذهما أو يدعهما وليس له أن يأخذ السليم ويرد المعيب عند أبي حنيفة وعند الشافعي ﵄: له أن يرد المعيب خاصة. حجة أبي حنيفة ﵁ في الأولى: أنه لا سبيل إلى رد الزيادة مع الأصل لأن البيع لم يرد عليها قصدا فلا يرد عليه الفسخ فلا سبيل إلى رد الأصل وحده لأنه لو سلمت الزيادة للمشتري بلا ثمن تكون ربا وهو حرام. وحجته في الثانية: أن الرد بالعيب فسخ العقد ودفعه من الأصل فيقع الوطء الموجود فيه منه في محل غير مملوك وهو حرام فلا يجوز الرد بالعيب. وحجته في الثالثة: أن الصفقة تتم بقبضها فتكون الزيادة تفريقا للصفقة قبل التمام وهو منهي عنه وذكر صاحب الكتاب دليلا لأبي حنيفة عاما وهو أن الرد ضرر وقد قال ﵊: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" ثم قال: نصنا خاص ونصكم عام والخاص مقدم على العام وهذا لا يرد على ما ذكرنا من الدلائل على أن العام عندنا كالخاص. حجة الشافعي ﵀: أن النبي ﷺ قضى بالرد بالعيب وهذا مطلق متناول لجميع العيوب وأيضا ترتيب جواز الرد على قيام العيب ترتيب الحكم على وصف يناسبه فيدل على كونه معللا به فيعم الحكم لعموم العلة. الجواب: أنه لا يمكن حمله على العام فانه لم يقض النبي ﷺ بالرد على العاقد بجميع العيوب بل الحديث يقتضي أنه قضى بالرد في عيب هو ليس بعام ثم قوله المطلق يتناول جميع العيوب ليس بصحيح فإن المطلق متناول لفرد غير معين وإنما المتناول للجميع العام والمطلق غير العام والرد وإن كان معللا بالعيب لكن العلة إنما تعمل عند عدم المانع في السنة وقد وجد المانع

стр. 70

إلا في المتنازع فيه وهو ما ذكرنا من المعايب. مسألة: مذهب أبي حنيفة ﵁ أنه يجوز للمشتري أن يزيد للبايع في الثمن بعد تمام البيع ويلتحق بأصل العقد ومذهب الشافعي ﵀ أنه لا يصح على اعتبار ابتداء الصلة. حجة أبي حنيفة ﵁: قوله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ ١ والتراضي بعد الفريضة إنما يكون بالزيادة عليها فاذا جاز ذلك في المهر جاز في الثمن لعدم القائل بالفصل ولأن للعاقدين ولاية دفع العقد بالكلية بالإقالة فأولى أن يكون لهما ولاية التغيير وهما بالزيادة يغيران العقد من وصف مشروع إلى وصف مشروع وهو كونه رابحا أو خاسرا أو عدلا فجاز لهما ذلك. حجة الشافعي ﵀: لوصح هذا الإلحاق لصارت الزيادة جزءا من الثمن وهو غير جائز لأن جعلها جزءا من الثمن إذا كان مع بقاء العقد الأول: لزم أن يقال: إنه قد اشترى ملك نفسه لنفسه وهو محال وإن كان لا مع بقائه فهو أيضا محال لأن الأصل في العقد الأول: البقاء ما لم يزل ولا مزيل إلا هذا الإلحاق ويلزمه الدور وهو محال. الجواب عنه: أنا نختار أن الزيادة جعلت جزءا من الثمن لكن مع بقاء ذات العقد الأول: مع تغيير وصفه من كونه جائزا إلى كونه عدلا فهو مشروع فتصح الزيادة وتلتحق بأصل العقد فكأن العقد وقع على هذا المقدار لأن وصف الشيء يقوم به لا بوصفه وعلى اعتبار الإلتحاق لا يكون مشتريا ملك نفسه لنفسه ولا تكون الزيادة عوضا عن ملكه. مسألة: مذهب أبي حنيفة ﵀: إذا اشترى جارية أو ثوبا بألف درهم فقبضها ثم باعها من البايع بأقل مما اشترى منه قبل

стр. 71

نقد الثمن لا يجوز البيع الثاني: ومذهب الشافعي ﵀ أنه يجوز البيع الثاني. حجة أبي حنيفة ﵁: ما رواه الدارقطني عن يونس بن أبي إسحاق عن أمه العالية بنت أيفع قالت حججت أنا وأم حبيبة ﵂ فدخلنا على عائشة ﵂ فقالت لها أم حبيبة يا أم المؤمنين كانت لي جارية وإني بعتها من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم إلى العطاء وإنه أراد أن يبيعها فابتعتها منه بست مائة درهم نقدا فقالت بئسما اشتريت بئسما اشتريت وأبلغي زيد بن أرقم أنه قد بطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب فلو كان جائزا لما قالت عائشة مثل ذلك الوعيد فإن قيل لعلها أنها قالت ذلك لإرتكابه الحرام بالبيع بثمن مؤجل إلى العطاء وأنه فاسد لكونه بيعا إلى أجل مجهول ففسد البيع الأول: لجهالة الأصل وفسد الثاني: لكونه بنى عليه قلت إنما قالته لارتكابه المحرم وهو شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن لأن البيع إلى العطاء جائز عند عائشة ﵂ ذكره في المبسوط فذلك الوعيد لا يكون لكونه بيعا إلى العطاء بل لكونه شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن سماعا من النبي ﷺ إذ العقل لا يهتدي إلى ذلك ولأن الثمن لم يدخل في ضمانه فإذا وصل إليه المبيع ووقعت المقاصة في ستمائة وذلك الباقي بلا عوض فيكون ربا وهو حرام. حجة الشافعي ﵀: العمومات وهو قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ ١. والجواب عنه: أنا قد بينا أن فيه معنى الربا فيكون جوابنا بهذا النص على أن الحديث نص خاص في الباب فلا يترك بعام مخصوص. مسألة: مذهب أبي حنيفة ﵁ أنه لو اشتري الثوب بالخمر

стр. 72

يكون البيع فاسدا لا باطلا وكذا لو اشترى الخمر بالثوب وعند الشافعي ﵀ البيع باطل في الصورتين. حجة أبي حنيفة ﵁: فيما إذا اشترى الثوب بالخمر لأن المشتري إنما قصد الثوب بالخمر لأنه هو المبيع وفيه إعزاز الثوب دون الخمر لأن الثمن وسيلة فبقي ذكر الخمر معتبرا في تلك الثوب لا في نفس الخمر حتى فسدت التسمية ووجدت قيمة الثوب دون الخمر وكذا إذا باع الخمر بالثوب يكون البيع فاسدا لا بطالا لأنه يعتبر شراء الثوب بالخمر لكونه بيع مقايضة فيكون كل واحد منهما ثمنا ومبيعا ولكن رجحنا في الخمر جهة الثمنية ترجيحا لجانب الفساد على البطلان صونا لتصرف العاقل على البطلان بقدر الإمكان. حجة الشافعي ﵀: أن الإجماع ينعقد على أن هذا الييع منهي عنه فيكون باطلا وأيضا أجمعنا على أنه لو قال: اشتريت هذا الخنزير بهذا الثوب يكون البيع باطلا فكذا لو قال: اشتريت هذا الثوب بهذا الخنزير أيضا يكون باطلا إذ لا تفاوت بين العقدين. الجواب عنه: أن النهي عن الأفعال الشرعية لا يقتضي البطلان بل يقتضي أن يكون مشروعا بأصله غير مشروع بوصفه كما عرف في أصول الفقه وقد عملنا بموجب النهي وقلنا بأن هذا البيع فاسد والنهي لا يقتضي البطلان فإن البيع وقت النداء يوم الجمعة منهي عنه ومع ذلك يفيد الملك بالإجماع لكون النهي لمعنى في غيره بخلاف النهي عن بيع الحر والخمر والخنزير بالدراهم وعن بيع المضامين والملاقيح إذ النهي في هذه الأشياء مستعار عن النفي لعدم محلية الحر وأخواته للبيع وما ذكره من الإجماع في الدليل ممنوع لما ذكرنا أن البيع في الصورتين فاسد عندنا لا باطل. مسألة: تصرفات الفضولي موقوفة عند أبي حنيفة ﵁ على الاجازة وعند الشافعي ﵀: باطلة. حجة أبي حنيفة ﵁: ما رواه الترمذي عن حكيم بن حزام أن

стр. 73

رسول الله ﷺ بعثه ليشتري له أضحية بدينار فاشترى أضحية فربح بها دينارا ثم اشترى مكانه أخرى فجاء بالأضحية والدينار إلى رسول الله ﷺ فضحى بالشاة وتصدق بالدينار وعن عروة البارقي قال: دفع إلي رسول الله ﷺ دينارا لأشتري له شاة فاشتريت له شاتين فبعت إحداهما بدينار وجئت بالشاة الأخرى والدينار إلى النبي ﷺ فذكر له ما كان من أمره فقال له: "بارك الله لك في صفقتك" فأجاز ما فعله ودعا له بالبركة وهو فضولي في بيع الشاة الأول: ى لأنه اشتراها بالوكالة بمال الموكل فيكون ملك موكله فإن قيل يجوز أن يكون وكيلا مطلقا لا فضوليا قلنا لم يوكله إلا في شراء أضحية أو شاة فلا يكون وكيلا مطلقا وإنما تصدق بالدينار لأن قصده أن يصرف الأضحية إلى الفقراء وهذا الدينار مستفاد منها فكره إمساكه ولأن تصرف الفضولي صدر من أهله في محله ولا ضرر في انعقاده فينعقد موقوفا حتى إذا رأى المالك فيه مصلحة أنفذه وإلا أبطله. حجة الشافعي ﵀: قوله ﵊: "لا تبع ما ليس عندك" فعلم أن بيع ملك الغير لا يجوز. الجواب عنه: أن المراد بالنهي بيع المعدوم أو البيع البات ونحن نقول بموجبه. مسألة: إذا اشترى الكافر عبدا مسلما يجوز شراؤه عند أبي حنيفة ﵁ ويجبر على البيع من مسلم أو العتق وعند الشافعي ﵀ لا يصح. حجة أبي حنيفة ﵁: العمومات وهي قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ ٢ ولأن الركن في التصرف صدر عن أهله في محله عن ولاية شرعية فيصح ويترتب عليه حكمه

стр. 74

أما الركن فظاهر وأما المحل فلأن العبد المسلم محل لملك الكافر كما لو أسلم وهو عبد الكافر أو ورثه الكافر وأما الولاية فلأن الكافر مالك على التصرفات كلها ولكن يجبر على إزالة ملكه عنه دفعا لضرر استخدام الكافر إياه والذل في الانتفاع لا بمجرد النسبة مع المنع من الانتفاع بالبيع. حجة الشافعي ﵀ من وجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ ١ فلو جاز الشراء يكون للكافر عليه سبيل وهو منفي بالنص. الجواب عنه: أن هذا عام مخصوص وهو أنا أجمعنا أنه لو أسلم عبد الكافر لا يزول عنه ملك الكافر مع بقاء الملك عليه وهذا سبيل عليه فيخص المتنازع بالقياس عليه أو المراد بالسبيل الاستيلاء عليهم وقهرهم. الثاني: أن العبودية ذلة والمالكية عزة فلو جاز كون المسلم عبدا للكافر يلزم ذلة المسلم وعزة الكافر وذلك لا يجوز لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢. والجواب عنه: أن الذل إنما هو في الاستخدام ونحن لا نجوز ذلك بل نجبره على إزالة ملكه عنه بالبيع رعاية لعزة الإسلام ولأن الرق أثر الكفر لأنهم لما استنكف الكفار عن عبادة الله تعالى جعلهم عبيد عبيده سبحانه فثبوته باعتبار أثر الكفر لا باعتبار أنه مسلم ولو كان النص يجري على عمومه لكان ينبغي أن لا يرث المسلم أصلا لأن الرقيق ذليل حيث يباع في الأسواق كالبهائم والمسلم عزيز فلا يجوز إرقاقه وكان ينبغي أن لا يبقي رقيقا للكافر إذا أسلم عبده. الثالث: أن الإجماع منعقد على أن الكافر لا يجوز له التزوج بالمسلمة

стр. 75

فلا يجوز أن يشتري المسلم لأن الذل الحاصل بملك اليمين أقوى من الذل الحاصل بملك النكاح فإذا لم يشرع الأدنى فبالأول: ى أن لا يشرع الأعلى. والجواب عنه: أن القياس فاسد لأن اتحاد الحكم شرط لصحة القياس ولم يوجد لأن الثابت هنا مجرد نسبة الملك إلى الكافر والثابت بالنكاح الملك والنسبة فكان أضر ولأنه لا فائدة في القول بجواز النكاح تم جبره على الطلاق فيكون عبثا فلا يشرع بخلاف الشراء فانه وسيلة إلى الربح بالبيع فيكون مشروعا لكونه من باب الإكتساب وأما ما ذكره أن هناك نصا خاصا فممنوع فانه لم ينص فيه بحرمة البيع. مسألة: بيع الكلب المعلم والحارس جائز عند أبي حنيفة ﵁ وغير جائز عند الشافعي ﵀. حجة أبي حنيفة ﵁: أن النبي ﷺ : "نهى عن بيع الكلب إلا كلب صيد أو ماشية" وروى الطحاوي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه قضى في كلب صيد قتله رجل بأربعين درهما وعنه عن عطاء قال: لا بأس بثمن الكلب وهو قد روى عن النبي ﷺ أن ثمن الكلب من السحت وفتوى الراوي بخلاف الرواية دال على ثبوت النسخ عنده وعنه عن ابن شهاب أنه قال: إذا قتل الكلب فإنه تقوم قيمته فيغرم الذي قتله فهذا الزهري يقول هذا وقد روي أن ثمن الكلب من السحت فدل على ثبوت النسخ وعن إبراهيم لا بأس بثمن كلب الصيد وروى عن مالك ﵀ أنه أجاز بيع الكلب الضاري والزرع والماشية وعن عثمان ﵁ أنه أجاز بيع الكلب الضاري في المهر وجعل على قاتله عشرين من الإبل ولأنه مال منتفع به حراسة واصطيادا قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ ١ فيحوز بيعه قياسا على الفهد والبازي لجامع دفع الحاجة إذ الاحتياج إليه حاصل وجريان
следующие страницы →