أن ورثا امرأة الفار وكذا حكى الكرخي عن عائشة ﵂ والحسن البصري والنخعي وشريح والشعبي وطاووس اليماني ﵃ ولأن الزوجية سبب إرثها في مرض موته وهو قصد إبطاله فيرد عليه قصده دفعا للضرر عنها.
حجة الشافعي ﵀: أن هذه ليست بزوجة لبطلان الزوجية بالثلاث بدليل أنه لو ماتت المرأة لا يرث الزوج عنها بالإجماع فإن لم تكن هي زوجته يكون الربع والثمن يصيب غيرها من الزوجات لقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ ١ الآية فلا يمكن إبطال حقهن بإعطاء النصيب من الميراث.
الجواب عنه: أن النكاح في العدة قائم في حق بعض الآثار كثبوت النسب والمنع من الخروج والبروز والنفقة والسكنى فجاز أن يبقى في حق إرثها عنه دفعا للضرر عنها بدون رضاها بخلاف إرثه عنها لأنه رضي بإبطال حقه حيث أقدم على البينونة.
مسألة: إذا طلق الرجل امرأته الحرة وانقضت عدتها وتزوجت بزوج آخر فطلقها وانقضت عدتها ثم عادت إلى الزوج الأول: مطلقها ثنتين يملك الرجعة عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ لا يملك الرجعة وهذه المسألة: مبنية على أن الزواج الثاني: يهدم ما دون الثلاث عند أبي حنيفة ﵁ وأبي يوسف ﵀ وهو قول ابن مسعود وابن عمر وابن عباس ﵃ خلافا للشافعي ومحمد وزفر.
حجة أبي حنيفة ﵁: قوله عليه أفضل الصلاة والسلام "لعن الله المحلل والمحلل له" سماه محللا وهو مثبت للحل الجديد فيقتضي أن الزوج الثاني: يهدم ما طلقها الأول: لأنه إذا هدم الثلاث فما دونها أولى.
стр. 142
حجة الشافعي ﵀: أن الزوج الأول لما طلق في النكاح الأول: طلقة وفي الثاني طلقتين صار المجموع ثلاثا وبعد الثلاث لا يمكن الرجعة لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ ١.
الجواب عنه: أن المراد بالآية الكريمة إيقاع الثلاث قبل الزوج الثاني: لأن الله تعالى بين حق الرجعة بعد المرتين بقوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ ٢ ثم طلقها فينصرف إلى إطلاقها في هذه الحالة وهذه الحالة قيام العدة وإنما تكون العدة قائمة قبل التزوج بزوج آخر.
مسألة: الطلاق معتبر بالنساء عند أبي حنيفة ﵁ وهو قول علي وابن مسعود ﵄ وقال: الشافعي ﵀ يعتبر بالرجال وفائدة الخلاف تظهر في المسألتين.
إحداهما: لو كان الزوج حرا والمرأة أمة يملك ثلاث تطليقات عند الشافعي ﵀ وعند أبي حنيفة ﵁ تطليقتين.
وثانيهما: لو كان الزوج عبدا والمرأة حرة فعند أبي حنيفة ﵁ يملك ثلاثا وعند الشافعي ﵀ طلقتين.
حجة أبي حنيفة ﵁: قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ ٣ أي أطهار عدتهن قاله ابن عباس ﵄ فإذا كانت عدة الحرة ثلاثة أقراء فينبغي أن يكون طلاقها ثلاثا سواء كان زوجها حرا أو عبدا وإذا كانت عدة الأمة قرأين فينبغي أن يكون طلاقها ثنتين لقوله ﷺ : "طلاق الأمة ثنتان وعدتها حيضتان" من غير فصل بين حر وعبد وروى ابن عمر ﵄ أنه ﷺ قال: "إذا كانت الأمة تحت الرجل فطلقها
стр. 143
تطليقتين ثم استبرأها لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره"
حجة الشافعي ﵀: أن اعتبار حرية الرجل أولى من اعتبار حرية المرأة لقوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ ١ وهذا نص صريح في أن اعتبار جانبه أولى.
الجواب عنه: أن الآية ليست بصريحة في أن الطلاق معتبر في الرجال فيكون ما ذكرنا من الآية راجحا عليها لكونها صريحة باعتباره بالنساء أو نقول لما تعارضت الآيتان بقي التمسك بالحديث الذي ذكرنا.
مسألة: التنجيز يبطل التعليق عند أبي حنيفة ﵁ وقال: الشافعي ﵀ لا يبطله حتى لو قال: لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق ثم قال: لها أنت طالق ثلاثا فتزوجها غيره ودخل بها ثم رجعت إلى الأول: ودخلت الدار لم يقع شيء عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ تقع الثلاث المعلقة.
حجة أبي حنيفة ﵁: أن اللفظ وإن كان مطلقا لكن قرينة الحال دليل على أن المراد الحل القائم لأن الجزاء طلقات هذا الملك لأنها هي المانعة لأن الظاهر عدم ما يحدث واليمين تعقد للمنع أو الحمل وإذا كان الجزاء ما ذكرنا وقد فات بتنجيز الثلاث المبطل للمحلية فلا تبقى اليمين.
حجة الشافعي ﵀: أن لفظ التعليق مطلق فيتناول الحل القائم في النكاح الأول: والحادث بالنكاح الثاني: وقد بقي احتمال النكاح الثاني: فيبقى اليمين.
الجواب عنه: أن المطلق يجوز تقييده بما ذكرناه من الدليل.
مسألة: الطلاق الرجعي لا يحرم الوطء عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ يحرم.
стр. 144
حجة أبي حنيفة ﵁: أن الزوجية قائمة ما دامت في العدة في كثير من أحكام الشرع كالطلاق والإيلاء والظهار واللعان واستحقاق الميراث والنفقة والسكنى والمنع من الخروج والبروز وحرمة أختها وأربع سواها ولهذا يملك مراجعتها بلا رضاها لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ ١ سماه بعلا فتكون هي زوجته فيصح وطؤها لبقاء الزوجية في الأحكام المذكورة فكذا في حل الوطء لقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ ٢.
حجة الشافعي ﵀: أن الأصل في الأبضاع الحرمة بدليل أنه تعارض دليلان أحدهما موجب للحل والآخر للحرمة فرجحنا الدليل الموجب للحرمة فإذا كان الأصل في الإبضاع الحرمة لم يخالف هذا الأصل إلا عند قيام النكاح التام فإذا طلقها وقع الخلل في النكاح فيبقى على أصل الحرمة.
الجواب عنه: أن الخلل إنما يقع فيه بعد انقضاء العدة وأما ما دامت في العدة فلا خلل فيه لما ذكرنا من أحكام الزوجية وقد اعترف الإمام فخر الدين أن دليلنا أقوى.
مسألة: إذ ظاهر الذمي من امرأته لا يصح ظهاره عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ يصح ظهاره.
حجة أبي حنيفة ﵁: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ ٣ ولفظ منكم خطاب للمسلمين فتخص بهم وقوله ﵊ لمسلمة بن صخر لما ظاهر من امرأته ثم واقعها قبل أن يكفر: "استغفر الله ولا تعد حتى تكفر" مد الحرمة إلى التكفير والذمي ليس أهل التكفير لأنها عبادة ولهذا تتأدى بالصوم.
стр. 145
حجة الشافعي ﵀: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وهذا النص مطلق فيتناول المسلم والذمي.
الجواب عنه: أن الآية الأول: ى مقيدة بقوله تعالى: منكم فيحمل المطلق عليها كما هو المذهب عند الخصم على أن في آخر الآية ما يدل على أن المراد بأول الآية المسلمون دون أهل الذمة وهو قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ ١ فإن الصيام لا يتصور إلا من المسلمين
مسألة: إذا أعتق العبد الكافر عن كفارة الظهار جاز عند أبي حنيفة ﵁ لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ من غير قيد كون الرقبة مسلمة فيجري على إطلاقه.
حجة الشافعي ﵀: أن الكافر نجس لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ ٢ والنجس لا يجوز إخراجه في الطاعة لقوله تعالى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ ٣.
الجواب عنه: أن القصد من الإعتاق تمكينه من الطاعة ثم كفره بسوء اختياره والكافر ليس بنجس حقيقة ولهذا أنزل النبي ﷺ وفد ثقيف في مسجده ولو كان نجسا لما أنزلهم في مسجده بل النجاسة في اعتقاده لا تنافي إعتاقه عن الكفارة والمراد بالخبيث الحرام.
مسألة: إذا أعتق المكاتب عن الكفارة جاز عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ لا يجوز.
حجة أبي حنيفة ﵁: قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ ٤
стр. 146
واتفقوا على أن المراد منه المكاتبون فإذا كان المكاتب رقيقا جاز عن الكفارة لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وقوله ﷺ : "المكاتب عبد ما بقي عليه درهم" فيكون الرق قائما فيه فيكون إعتاقا للقن فيجوز عن الكفارة.
حجة الشافعي ﵀: أنه إذا أعتق المكاتب يكون العتق حاصلا بعقد الكتابة بدليل أن الأول: اد والأكساب الحاصلة زمان الكتابة تكون ملكا للمكاتب ولو لم يكن العتق حاصلا بعقد الكتابة لما كان الأول: اد والأكساب ملكا له فإذا حصل العتق بجهة الكتابة فلا يكون من جهة الكفارة.
الجواب عنه: أنه لم يحصل للمكاتب الحرية بجهة الكفارة لأن الكتابة فك الحجر فهي بمنزلة الإذن وإنما يعتق بأداء جميع البدل والمعلق بالشرط كالمعدوم قبل وجوده فصار كالمعلق عتقه بدخول الدار فلا تكون الكتابة مانعة عن الكفارة ولو كانت مانعة تنفسخ بمقتضى الإعتاق فيكون إعتاق قن المكاتب إلا أنه يسلم له الأكساب والأول: اد لأن العتق في حق المحل بجهة الكتابة أو لأن الفسخ ضروري لا يظهر في حق الولد والكسب.
مسألة: إذا اشترى من عليه الكفارة أباه ناويا عن الكفارة صح ويقع عنها عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ لا يقع عنها.
حجة أبي حنيفة ﵁ قوله ﷺ : "شراء القريب إعتاق" وقوله ﷺ : "لن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه" أي بنفس الشراء إذ لا يحتاج إلى إعتاق مستأنف فإذا كان الشراء تصح الكفارة إذا اشترى ناويا عنها.
حجة الشافعي ﵀: أنه إذا اشترى أباه يعتق عليه سواء أعتقه أو لم يعتقه فلا يكون التحرير حاصلا باختياره وهو مأمور بتحرير اختياري ولم يوجد فلا يقع عن الكفارة.
الجواب عنه: أن الشراء لما كان إعتاقا والشراء وجد باختياره فتكون النية مقارنة له فيقع عن الكفارة.
стр. 147
مسألة: العدة تتم بثلاثة حيض عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ بثلاثة أطهار والخلاف مبني على تفسير الأقراء.
حجة أبي حنيفة ﵁: قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ١ والأقراء الحيض لقوله ﷺ : "طلاق الأمة ثنتان وعدتها حيضتان" وعدة الأمة من جنس عدة الحرة ولأن المقصود من العدة معرفة براءة الرحم والمعرفة لا تحصل إلا بالحيض ولهذا كان استبراء الأمة بالحيض.
حجة الشاقعي ﵀ أن المقتضي لجواز النكاح قائم في جميع الأوقات لقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ٢ وقوله ﷺ : "زوجوا بناتكم الأكفاء" وترك العمل بهذا في زمان العدة لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ولفظ القرء يحتمل الطهر والحيض فكان محتملا وكان المعارض في الأطهار الثلاث معلوما لأجل أن مدة العدة بالأطهار أقل من مدة العدة بالحيض وفي الحيض غير معلوم لأنه أطول المدتين والمشكوك لا يعارض المعلوم فوجب القول بجواز نكاحها عند انقضاء الأطهار الثلاثة.
الجواب عنه: أن عدم جواز نكاح المعتدة كان ثابتا بيقين وانقضاء العدة وجواز نكاحها بمضي ثلاثة أطهار مشكوك فلا يعارض المعلوم ولأنه لو حمل الأقراء على الأطهار انتقض العدد المذكور في النص ولأنه حينئذ يصير قرئين وبعض الثالث: وذلك لا يجوز والله أعلم.
стр. 148
كتاب الحدود
مسألة: الزنا الموجب للحد لا يظهر إلا بالإقرار أربع مرات في أربعة مجالس عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ يظهر بالإقرار مرة واحدة.
حجة أبي حنيفة ﵁: حديث ماعز أن النبي ﷺ أخر إقامة الحد عليه إلى أن تم الإقرار منه أربع مرات في أربعة مجالس فلو ظهر دونها لما أخرها ولأن ظهور الزنا بالشهادة فارق ظهور غيره حتى اشترط أربعة شهداء بالنص وبالإجماع فكذا الإقرار يشترط فيه أن يكون أربعة مرات لظهوره به إعظاما لأمر الزنا وتحقيقا لمعنى الستر ودرء الحد بقدر الإمكان
حجة الشافعي ﵀: قوله ﷺ : "أغد يا أنيس إلى امرأة هذا فان اعترفت فارجمها" قالها حين اتهم رجل امرأته بالزنا فقد علق النبي ﷺ الرجم بمطلق الاعتراف من غير اشتراط الأربع.
الجواب عنه: أنه إن كان هذا الحديث متقدما على حديث ماعز كان منسوخا به وإن كان متأخرا انصرف إلى الاعتراف المعهود في هذا الباب وهو الإقرار أربع مرات ولأنه كان معهودا فيما بينهم بدليل قول أبي بكر ﵁ لماعز اتق الله في الرابع: ة فإنها موجبة قال: أبو بردة ﵁ كنا نقول لو لم يقل الرابع: ة لما رجمه ولأن ذلك الحديث ساكت عن اشتراط الأربع وحديث ماعز صريح فيه فيكون أولى.
مسألة: المولى لا يملك إقامة الحد على مملوكه إلا بإذن الإمام عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ يملك ذلك في الجلد.
حجة أبي حنيفة ﵁: إجماع الصحابة كابن عباس وابن مسعود وابن الزبير ﵃ مرفوعا عنهم إلى النبي ﷺ قال: "أربع إلى الإمام الفيء والجمعة والحدود والصدقات" ولأن الحد خالص حق
стр. 149
الله ولأن المقصد منه إخلاء العالم عن الفساد ولأجل هذا لا يسقط بإسقاط العباد فيستوفيه من هو نائب الشرع وهو الإمام أو من أمره الإمام به
حجة الشافعي ﵀: قوله ﷺ : "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم" وهذا صريح وقوله ﷺ : "إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها فإن عادت فليبعها ولو بضفير".
الجواب عنه: أمر المولى بإقامة الحدود مقتضاه الوجوب وهو منفي بالإجماع فكان متروك الظاهر فيحمل علي ما إذا أذن له الإمام بذلك أو يحمل على الاقامة تسبيبا بالمرافعة إلى من له ولاية الإقامة أو على التعزيز بدليل قوله ﷺ : "فان عادت فليبعها ولو بضفير" والبيع ليس بحد بالإجماع.
مسألة: المرأة العاقلة إذا مكنت المجنون وطاوعته فزنا بها فلا حد عليه ولا عليها عند أبي جنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ الحد عليها.
حجة أبي حنيفة ﵁: أن فعل الزنى إنما يتحقق حقيقة من الرجل لأنه هو الأصل ولهذا سمي واطئا والمرأة إنما هي محل لفعله ولهذا سميت موطوءة والزنا فعل من هو يؤجر على تركه ويأثم على فعله والمجنون ليس بمخاطب فلا يوصف فعله بالزنا فلا يتعلق الحد عليه فاذا امتنع في حقه امتنع في حق المرأة لأنها تبع له.
حجة الشافعي ﵀: أن الزنا من المرأة ليس إلا التمكين ولا يتفاوت التمكين من العاقل موجبا ليحد فكذا التمكين من المجنون.
الجواب عنه: أن الزنا لا يتحقق بين الرجل والمرأة لكن الأصل فيه الرجل لما ذكرنا فإذا امتنع في حقه الحد لكونه غير مخاطب امتنع في حقها تبعا.
مسألة: إذا استأجر امرأة ليطأها فوطئها لا حد عليه عند أبي حنيفة ﵁. وقال الشافعي ﵀: الحد.
стр. 150
حجة أبي حنيفة ﵁: أنه وطء فيه شبهة ملك لأنها قابلة بالنكاح وقد انضاف التمليك إليها بالاستئجار فيورث شبهة ولهذا سمى النبي ﷺ ذلك المال مهر البغي والحدود تدرأ بالشبه لقوله ﷺ : "ادرأوا الحدود بالشبهات" وقد روي أن امرأة استسقت راعيا فأبى أن يسقيها حتى تمكنه من نفسها ففعلت فبلغ ذلك عمر ﵁ فدرأ عنها الحد وقال: ذلك مهرها أفتى بالحكم ونبه على العلة.
حجة الشافعي ﵀: أن هذا الوطء زنا محض قبل عقد الإجارة لا شبهة فيه فينبغي أن لا يتفاوت هذا الوطء قبل الإجارة وبعده والزنا المحض موجب للحد.
الجواب عنه: أن الشبهة قد طرأت بعد عقد الإجارة لما ذكرنا فيورث الشبهة بعده لا قبله.
стр. 151
كتاب السرقة
مسألة: إذا سرق رجل مقدار نصاب السرقة وقطعت يده وهلك المسروق لا يضمن السارق عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ يضمن.
حجة أبي حنيفة ﵁: قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ ١ جعل القطع جميع الجزاء فلو ضمن صار الجميع بعضا وقوله ﵊: "لا غرم على السارق بعد ما قطعت يمينه".
حجة الشافعي ﵀: أن الإجماع انعقد على قطع يده فيلزمه الضمان أيضا لأنه أخذ مال غيره بغير إذنه بغير حق فيجب عليه رده إذا كان باقيا ورد قيمته إذا كان هالكا لقوله ﷺ : "على اليد ما أخذت حتى ترده"
الجواب عنه: أن التمسك بالكتاب أقوى والحديث الذي رويناه صريح في الباب فلا يعارضه ما ليس بصريح.
مسألة: لا قطع على النباش عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ عليه القطع.
حجة أبي حنيفة ﵁: قوله ﷺ : "لا قطع على المختفي" وهو النباش بلغة أهل المدينة وروي أن عليا ﵁ أتى بنباش فعزره ولم يقطع يده ووافقه ابن عباس ﵄.
حجة الشافعي ﵀: قوله ﷺ : "من نبش قطعناه" وهذا نص صريح في الباب.
стр. 152
الجواب عنه: أن هذا الحديث غير مرفوع إلى النبي ﷺ بل هو موقوف على معاوية بن مرة لم يرفعه أحد وقيل هو من كلام زياد بن أبيه ذكره في خطبته ولئن سلمت صحته فهو محمول على السياسة بدليل أن فيه "من غرق غرقناه ومن حرق حرقناه ومن نبش دفناه حيا ومن نقب نقبنا عن كبده" ومعلوم أن هذه الأحكام غير مشروعة إلا سياسة ثم إنه متروك الظاهر لأنه علق فيه بالقطع بمجرد النبش وبالإجماع ليس كذلك فإن نبش ولم يأخذ لا يقطع والله أعلم.
مسألة: رجل سرق شيئا وحكم القاضي عليه بالقطع ثم إن المالك وهب المسروق من السارق قبل القطع وسلمه إليه سقط القطع عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ لا يسقط.
حجة أبي حنيفة ﵁: أن القضاء يحتاج إلى الإمضاء والإمضاء في باب الحدود من القضاء وكان ما حدث قبل الإمضاء كالحادث قبل القضاء ولو ملكها السارق قبل القضاء لا يقطع لأن الإنسان لا يقطع بملكه فكذا إذا ملك قبل الإمضاء.
حجة الشافعي ﵀: ما روي أن صفوان كان نائما في المسجد متوسدا رداءه فجاءه سارق فسرقه فأتى به النبي ﷺ فأمر بقطع يده فأخرج ليقطع فتغير وجه النبي ﷺ فقال له صفوان كأنه شق عليك يا رسول الله هو له صدقة وفي رواية وهبته منه فقال ﷺ : "أفلا كان قبل أن تأتيني به" وأمر بقطعه.
الجواب عنه: أن الهبة لا تثبت قبل القبول والقبض ثم أنه حكاية حال فلا عموم له.
مسألة: السارق في المرة الأول: ى تقطع يده اليمنى وفي الثانية رجله اليسرى وفي الثالثة لا يقطع منه شيء بل يعزر ويخلد في الحبس حتى يتوب ويظهر عليه سيما الصالحين عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ تقطع في الثالث: ة يده اليسرى وفي الرابعة رجله اليمنى.
стр. 153
حجة أبي حنيفة ﵁: ما روي أن عليا ﵁ استشار الصحابة ﵃ في هذه الحادثة فقال بعضهم تقطع يده اليسرى فقال: بم يستنجي وقال بعضهم رجله اليمنى فقال لهم فبم يمشي ثم قال: إني لأستحي من الله أن لا أدع له يدا يأكل بها ويستنجي بها ولا رجلا يمشي عليها وبهذا حاج بقية الصحابة فغلبهم فدرأ عنه الحد فحل محل الإجماع ولأن المستحق عليه التأديب وفيما ذكره إهلاك معنى بتفويت منفعة البطش والمشي عليه.
حجة الشافعي ﵀: أن المرة الثالثة موجبة للقطع لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ١ وقد أمكن قطع اليسرى فيجب القطع ولقوله ﷺ : "من سرق فاقطعوه فإن عاد فاقطعوه وإن عاد فاقطعوه".
الجواب عنه: أن الأمر في الآية لا يقتضي التكرار وعرف القطع في المرة الثاني: ة بفعل النبي ﷺ والحديث طعن فيه الطحاوي وغيره من نقلة الحديث وعلى تقدير الصحة يحمل على السياسة بدليل آخر الحديث فإن عاد فاقتلوه فإن القتل غير مشروع في السرقة فيحمل على أنه كان ذلك في الابتداء حين كان القتل مشروعا.
مسألة: إذا صال الجمل أو البقر الهائج على إنسان فقتله المصول عليه دفعا عن نفسه لزمه الضمان عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ لا يلزمه شيء.
حجة أبي حنيفة ﵁: أن هذه الدابة معصومة لحق المالك لا لاحترامها لذاتها فإنها خلقت محلا للتناول والابتذال فبقيت عصمتها ما دام حق مالكها باقيا وحقه لا يسقط بجناية الدابة بل يثبت له إباحة إتلافها
стр. 154
لإبقاء مهجته عند صولتها عليه بالقيمة كتناول طعام غيره حالة المخمصة رعاية للحقين.
حجة الشافعي ﵀: أن دفع ضرر هذا الجمل أو البقر لازم عليه فيكون مأمورا بقتله وإلا يستحق العقاب بإلقاء نفسه إلى التهلكة وإذا لزم عليه فعله لا يجب عليه ضمانه.
الجواب عنه: أن ما ذكرتم منقوض بتناول مال غيره حال المخمصة فإنه إذا اضطر ولم يجد ما يدفع جوعه إلا هذا الجمل أو البقر فإنه مأمور بقتله وأكله لئلا يستحق العقاب بإلقاء نفسه إلى التهلكة ومع هذا يلزم عليه الضمان بالإجماع رعاية لحق المالك فإن قيل مالك الجمل لو أراد قتل إنسان لدفع القتل عن نفسه لا يجب عليه شيء فكذا إذا صال جمله لا يجب عليه الضمان بقتله لأن الجمل ليس بأعز من مالكه فإذا لم يضمن بقتل مالكه فبقتل ملكه أولى قلنا المالك إذا قصد قتله فقد أبيح قتله ووجد منه إبطال العصمة فلا يضمن وأما فعل البهيمة فلا يبطل عصمة مالكه فافترقا.
стр. 155
كتاب الجهاد
مسألة: إذا أسلم الحربي في دار الحرب وأقام بها ولم يهاجر إلى دار الإسلام فقتله مسلم أو ذمي لا يجب عليه القصاص ولا الدية عند أبي حنيفة ﵁ ويجب عليه الكفارة في الخطأ وقال: الشافعي ﵀ يجب عليه القصاص في العمد والكفارة في الخطأ.
حجة أبي حنيفة ﵁: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ١ فالله تعالى أوجب الكفارة بقتله ولم يبين القصاص والدية ولو كانا واجبين لبينهما وروي أنه ﵊ قال: "من أقام بين المشركين فلا دية له" ولأن العصمة المقومة إنما تثبت بدار الإسلام وهو قد أهدر عصمته بالمقام في دار الحرب فلا يجب بقتله القصاص والدية
حجة الشافعي ﵀: أنه قد قتل المسلم عمدا وعدوانا فيكون موجبا للقصاص لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ ٢.
الجواب عنه: أن الآية مخصوصة بالإجماع ولهذا لو قتل الأب ابنه لا يقتص منه فيخص المتنازع فيه بما ذكرنا من الدليل.
مسألة: إذا استولى الكفار على أموال المسلمين وأحرزوها بدار الحرب ملكوها عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ لم يملكوها.
حجة أبي حنيفة ﵁: قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ ٣ سماهم فقراء مع إضافة الأموال إليهم
стр. 156
والفقير من لا مال له لا من بعدت يده عن المال ومن ضرورته ثبوت الملك لمن استولى على أموالهم من الكفار وروي عن علي ﵁ أنه قال: يوم الفتح يا رسول الله ألا ننزل دارك فقال: "وهل ترك لنا عقيل من منزل" وكان للنبي ﷺ دار بمكة ورثها من خديجة ﵂ فاستولى عليها عقيل وكان مشركا وروى ابن عباس ﵄ أن رجلا أصاب بعيرا له في الغنيمة فأخبر به النبي ﷺ فقال: "إن وجدته قبل القسمة فهو لك بغير شيء وإن وجدته بعد القسمة فهو لك بالثمن" وروى تميم عن طرفة أنه ﵊ قال: في بعير أخذه المشركون فاشتراه رجل من المسلمين ثم جاء المالك الأول: إلى رسول الله ﷺ فقال ﷺ : "إن شئت أخذته بالثمن" فلو بقي في ملك المالك القديم لكان له الأخذ بغير شيء.
حجة الشافعي ﵀: قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ ١ فينبغي أن لا يصير مال المسلم للكافر بالغلبة والاستيلاء عليه.
الحجة الثانية: أن المسلم خير من الكافر والمسلم إذا استولى على مال مسلم آخر لا يصير ملكا له فالكافر أولى.
الجواب عنه: أما الآية فمقتضاها نفي السبيل على نفس المسلم ونحن نقول بموجبه فإنه إذا استولى على نفسه يملكه ونحن نملكهم ولكن الأصل في الأموال عدم العصمة وإنما صار معصوما بالاحراز بدار الإسلام فإذا أحرزوها بدار الحرب زالت العصمة بزوال سببها فبقيت أموالا مباحة فتملك بالاستيلاء عليه وفيه وقع الغرق بين استيلاء المسلم والكافر وأن المسلم لم يحرزها إلى دار الحرب والحربي أحرزها فافترقا.
مسألة: الغزاة إذا غنموا غنيمة لا يقسمونها في دار الحرب بل يخرجونها إلى دار الإسلام فيقسمونها فيها عند أبي حنيفة ﵁. وقال الشافعي
стр. 157
رحمه الله يجوز قسمتها في دار الحرب حجة أبي حنيفة ﵁ ما روى مكحول الشامي أنه ﵊ ما قسم الغنيمة قط إلا في دار الإسلام وفي رواية أخرى أخر النبي ﷺ القسمة إلى دار الإسلام مع طلب بعض الغانمين الغنيمة فلو جازت لما أخر لأن النبي ﷺ نهى عن بيع الغنيمة في دار الحرب والقسمة بيع معنى فيدخل تحت النهي لأن الاستيلاء التام لا يثبت إلا بالاحراز بدار الإسلام لقدرتهم على التخليص مما دامت في دار الحرب لم يستحكم الملك
حجة الشافعي ﵀: ما روي أن النبي ﷺ قسم الغنيمة في دار الحرب
الجواب عنه: أن تلك المواضع التي قسم فيها النبي ﷺ الغنيمة وإن كانت دار الحرب لكنها صارت دار الإسلام بظهور أحكامه فيها.
مسألة: العبد المحجور عليه الممنوع من القتال لا يصح أمانة عند أبي حنيفة ﵁ وهو قول ابن عباس ﵄ وقال الشافعي ﵀ يصح أمانة.
حجة أبي حنيفة ﵁: قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ ١ فانتفت قدرته على الأمان.
حجة الشافعي ﵀: قوله ﷺ : "المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم" والعبد من أدنى المسلمين فيصح أمانه.
الجواب عنه: أن المراد بالذمة الأمان المؤبد بأن يصير ذميا وهو صحيح من العبد فنحن نقول بموجبه وهذا لأن عقد الذمة خلف عن الإسلام فهو
стр. 158
يمنزلة الدعوى إليه فيصح منه بخلاف الأمان المؤقت والحديث لا يدل عليه.
مسألة: كان الخمس في عهد النبي ﷺ يقسم على خمسة أسهم سهم لله ورسوله وكان يشتري به السلاح وسهم لذوي قربى النبي ﷺ وسهم للمساكين وسهم لليتامى وسهم لأبناء السبيل وبعد وفاة النبي ﷺ سقط سهم النبي ﷺ وسهم ذوي القربى فيأخذون بالفقر دون القرابة عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ سهم النبي ﷺ يدفع إلى الإمام وسهم ذوي القربى باق لهم.
حجة أبي حنيفة ﵁: إجماع الصحابة على عهد الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ فإنهم قسموا خمس الغنيمة على ثلاثة أسهم ولم يعطوا ذوي القربى شيئا لقربهم بل لفقرهم مع أنهم شاهدوا قسمة النبي ﷺ وعرفوا تأويل الآية وكان ذلك بمحضر من الصحابة من غير نكير فحل محل الإجماع فلو كان سهمهم باقيا لما منعوهم وهذا لأن المراد بالقربى قربى النصرة دون القرابة بدليل ما روي أنه ﷺ قسم غنائم خيبر فأعطى بني هاشم وبني المطلب ولم يعط بني عبد شمس ولا بني نوفل شيئا فقال عثمان وهو من بني عبد شمس وجبير بن مطعم وهو من بني نوفل يا رسول الله إنا لا ننكر فضل بني هاشم لمكانك الذي وضعك الله فيهم ولكن نحن وبنو المطلب منك في القرابة سواء فما بالك أعطيتهم وحرمتنا فقال ﵊: "إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام لم يزالوا معي" وشبك بين أصابعه فجعل ﵊ علة الاستحقاق النصرة والصحبة دون نفس القرابة وإلا لما أعطى البعض ومنع الآخرين ونصرة النبي ﷺ لم تبق بعد وفاته فلا يبقى الاستحقاق ويدخل فقراء ذوي القربى والأصناف الثلاثة وقد روت أم هانئ هذا المعنى مرفوعا فقال ﵊: "سهم ذوي القربى لهم في حياتي وليس لهم بعد وفاتي" وكذا سهم النبي ﷺ سقط بعد وفاته إذ غيره ليس في معناه من كل وجه.
стр. 159
حجة الشافعي ﵀: قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ ١ وهذا نص صريح في المسألة.
الجواب عنه: أن المراد بالقربى قربى النصرة لا قربى القرابة بما ذكرنا من الدليل وقد زالت النصرة بعد وفاته.
مسألة: إذا أسلم الذمي أو مات بعد وجوب الجزية بمرور الحول سقطت عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ لا تسقط.
حجة أبي حنيفة ﵁: قوله ﵊: "لا جزية على مسلم" وقوله ﷺ : "الإسلام يجب ما قبله" وروي أن ذميا طولب بالجزية في زمن عمر ﵁ فأسلم فقيل إنك أسلمت تعوذا فقال: إن أسلمت تعوذا فإن الإسلام يتعوذ به فأخبر عمر بذلك فقال: صدق وأسقط عنه الجزية ولأن الجزية وجبت عقوبة على الكفر وهي تسقط بالإسلام.
حجة الشافعي ﵀: أن الجزية وجبت على العصمة والأمن فيما مضى لأن ماله كان في معرض التلف فحصلت له الصيانة بقبول الجزية وقد وصل إليه العوض فلا تسقط عنه للعوض بالإسلام والموت.
الجواب عنه: أن هذا قياس في مقابلة النص والآثار فلا يقبل.
стр. 160
كتاب الصيد
مسألة: إذا ترك الذابح التسمية عمدا فالذبيحة ميتة لا يحل أكلها عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ يحل.
حجة أبي حنيفة ﵁: الكتاب وهو قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْه﴾ ١ والسنة هي قوله ﷺ لعدي بن حاتم: "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله تعالى فكل وإن شارك كلبك كلب آخر فلا تأكل فإنك سميت على كلبك ولم تسم على كلب غيرك" علل الحرمة بترك التسمية عمدا وإنما الخلاف بينهم في الترك ناسيا.
حجة الشافعي ﵀: قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ ٢ دل النص على أن المحرم من المطعومات هذه الأربعة ومتروك التسمية ليس منها فيحل.
الجواب عنه: أن متروك التسمية من قبيل الميتة كذبيحة المجوس وأيضا قد زيد على هذه الأربعة أشياء كثيرة كأكل لحم الحمر والبغال والكلب والأسد وغيرها من ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير بالدلائل الدالة عليه فكذا يزاد عليها متروك التسمية عامدا ويحتمل أن النبي ﷺ لم يكن أوحي إليه في ذلك الوقت إلا تحريم الأربعة المذكورة ثم أوحي إليه تحريم غيرها بعده
مسألة: إذا أرسل الصياد كلبه المعلم إلى الصيد وذكر اسم الله تعالى عليه فمات بأخذه ولم يأكل منه الكلب شيئا يؤكل بالاتفاق وإن أكل منه
стр. 161
شيئا لا يؤكل عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ يؤكل.
حجة أبي حنيفة ﵁: قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ ١ فالنص نطق باشتراط التعليم وكذا حديث عدي إذا أرسلت كلبك المعلم وتعليم الكلب لا يتحقق إلا بترك الأكل من الصيد فإذا أكل منه دل على أنه غير معلم فلا يجوز أكل ما بقي منه وقد صرح في هذا الحديث بهذا المعنى حيث قال ﵊: "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل وإن أكل منه فلا تأكل لأنه أمسك على نفسه" وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ ٢ فإذا أكل منه شيئا لم يمسك لصاحبه بل لنفسه فلا يحل.
حجة الشافعي ﵀: قوله ﷺ لأبي ثعلبة الخشني: "إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه فكل" فقال: يا رسول الله أو يحل ولو أكل منه فقال ﷺ "يحل" هذا نص صريح في المسألة.
الجواب عنه: هذا الحديث ليس بمشهور فلا يعارض الكتاب والحديث الذي رويناه
مسألة: أكل لحم الخيل مكروه عند أبي حنيفة ﵁ واختلف المشايخ في أنه كراهية تحريم أو تنزيه وعند الشافعي ﵀ غير مكروه وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله
حجة أبي حنيفة ﵁: قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ ٣ ثم قسم الامتنان في قسمين في نوعين أحدهما الأنعام وبين وجه المنة فيها بثلاثة أنواع اللبن والأكل والحمل وثانيهما الخيل والبغال والحمير وبين وجه المنة فيها في الركوب والزينة فمن جعل القسمين
стр. 162
واحدا فقد أخل بالتركيب الفصيح وهذا لأن الأكل من أعلى المنافع والحكيم لا يترك الإمتنان بأعلى النعم ويمتن بأدناها ولأنه آلة إرهاب الكفار ونصرة الإسلام فيكره أكله احتراما له ولهذا يصرف له بسهم في الغنيمة أو سهمين ولأن في إباحة أكله تقليل الة الجهاد فلا يباح.
حجة الشافعي ﵀ من وجوه:
الأول: قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ ١ ولحم الخيل ليس من هذه الأربعة فيحل.
جوابه ما مر وهو أنه في وقت نزول هذه الآية لم تكن المحرمات غيرها.
الثاني: أن لحم الفرس من الطيبات فيحل بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ ٢.
الجواب عنه: أن المراد بالطيبات ما يكون حلالا لا كل ما تستطيب النفس فلا يمكن الاستدلال به على أكل لحم الخيل ولو سلم ذلك فهو عام وقد خص عنه بعض ما تستطيبه النفس كالخمر فيجوز تخصيص الشارع فيه بما ذكرنا من الدلائل.
الثالث: أن الخيل بعد الذبح من الطيبات فيحل لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ ٣.
الجواب عنه: ما مر.
الرابع: أنه روت أسماء بنت أبي بكر ﵄ أن فرسا ذبح على
стр. 163
عهد رسول الله ﷺ فأكل منه النبي ﷺ .
الجواب عنه: أن هذا خبر واحد مخالف لما ذكرنا من الآية.
الخامس: ما روى جابر ﵁ أن النبي ﷺ : "نهى يوم خيبر عن لحم الحمر وأذن في لحوم الخيل".
الجواب عنه: أن هذا الحديث معارض ما روى خالد بن الوليد ﵁ أن رسول الله ﷺ : "نهى عن لحم الخيل والبغال" فإذا تعارضا فالترجيح للمحرم.
مسألة: من نحر ناقة أو ذبح بقرة فوجد في بطنها جنينا ميتا لم يؤكل عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ يؤكل وهو قول محمد وأبي يوسف رحمهما الله.
حجة أبي حنيفة ﵁: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ ١ والجنين ميتة فلا يحل أكله وقوله ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ ٢ وهو الحيوان الذي يموت بانقطاع النفس والجنين كذلك وقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ٣ والجنين لم يذكر اسم الله عليه وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ والجنين لم يذك.
حجة الشافعي ﵀: ما روي أن جماعة من الصحابة قالوا يا رسول الله إنا ننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة فنجد في بطنها الجنين أفنلقيه أم نأكله فقال: "كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه"
الجواب عنه: أن هذا خبر واحد ورد على مخالفة ما ذكرنا من الآيات والتمسك بالقرآن أولى.
مسألة: الأضحية واجبة على الأغنياء المقيمين عند أبي حنيفة رضي الله
стр. 164
عنه وقال الشافعي ﵀ ليس هي واجبة بل هي سنة مؤكدة.
حجة أبي حنيفة ﵁: قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ١ قيل المراد بالصلاة العيد وبالنحر الأضحية فقد أمر بهما وهو للوجوب وقوله ﷺ : "ضحوا فإنها سنة أبيكم" أمر ومقتضاه الوجوب وتسميته سنة في شريعة إبراهيم ﵇ أما في شريعتنا فواجبة لقوله ﷺ : "على أهل كل بيت كل عام أضحية" وكلمة على الإيجاب وقوله ﷺ : "من وجد سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا" ومثل هذا الوعيد لا يكون إلا بترك الواجب.
حجة الشافعي ﵀: قوله ﷺ : "ثلاث كتبن علي ولم تكتب عليكم الضحى والأضحى والوتر" فدل على عدم الوجوب.
الجواب عنه: أن التمسك بالكتاب والسنن المستفيضة أولى على أن المراد بقوله لم تكتب عليكم نفي الفريضة أي لم تفرض عليكم ولا يلزم من نفي الفريضة نفي الوجوب للفرق بينهما.
стр. 165
كتاب الأيمان
مسألة: اليمين وهي الحلف على أمر ماض يتعمد الكذب فيه لا يوجب الكفارة عند أبي حنيفة وأصحابه وهو قول ابن عباس وابن مسعود ﵃ ويأثم فيها صاحبها وعند الشافعي يوجب ويأثم فيها صاحبها.
حجة أبي حنيفة ﵁: ما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "خمس من الكبائر لا كفارة فيهن الشرك بالله وعقوق الوالدين والفرار من الزحف وقتل النفس بغير حق واليمين الفاجرة يقتطع بها مال امرئ مسلم" وفي رواية "اليمين الغموس تدع الديار بلاقع" أي خرابا خاليات عن الأهل بشؤم اليمين الكاذبة وقال ابن عباس ﵄ كنا نعد اليمين الغموس من الكبائر التي لا كفارة فيهن وقوله كنا إشارة إلى الصحابة وهو حكاية الإجماع.
حجة الشافعي ﵀ من وجهين: أحدهما: قوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ الآية دل النص على أن من حلف بالله كاذبا يجب عليه الكفارة فإذا حلف بالله على أمر ماض كاذبا عمدا يجب فيه الكفارة.
الجواب عنه: أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ ١ اليمين المنعقدة واليمين الغموس ليس بمنعقدة وهذا لأن اليمين تعقد للبر وهو لا يتصور في الغموس والنص إنما أوجب الكفارة في المنعقدة دون الغموس.
الثاني: أن اليمين الكاذبة في المستقبل موجبة للكفارة في المستقبل اتفاقا فكذا في الماضي لجامع أنه وجد في الصورتين هتك حرمة اسم الله تعالى بالاستشهاد به كاذبا.
стр. 166
الجواب عنه: أن اليمين المنعقدة مشروعة فتصلح سببا للكفارة واليمين الغموس حرام محض فلا تصلح موجبا للكفارة ولا يجوز قياس الحرام على المشروع.
مسألة: لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ يجوز.
حجة أبي حنيفة ﵁: قوله ﷺ : "من حلف على يمين ورأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير ثم يكفر عن يمينه" ذكر الكفارة بكلمة ثم وهي للتراخي فلا يجوز التقديم ولأن سبب وجوب الكفارة الحنث دون اليمين فلا يجوز أداء الكفارة قبله كما لا يجوز أداء الصلاة قبل الوقت.
حجة الشافعي ﵀: قوله ﷺ : "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه ويأت الذي هو خير" فإذا صحت الروايتان خيرنا فجوزنا التقديم والتأخير.
الجواب عنه: أن الواو لمطلق الجمع دون الترتيب وكلمة ثم نص على الترتيب فيكون أولى وحمل الواو عليه على أنا لو لم نحمله على التقديم يلزم إلغاء الأمر فإن التقديم ليس بواجب إجماعا وحقيقته في الأمر للوجوب.
مسألة: من نذر أن يذبح ولده صح نذره ووجب عليه ذبح شاة ويخرج عن العهدة بذلك عند أبي حنيفة ﵁ وهو قول محمد ﵀ وقول صدور الصحابة مثل علي وابن عباس وابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهموقول الشافعي ﵀ لا يصح وهو قول أبي يوسف ﵀
حجة أبي حنيفة ﵁: النصوص الموجبة للوفاء بالنذور كقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ ١ ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ ٢ وقوله ﷺ : "أوف بنذرك"
стр. 167
وقد نذر بالذبح ها هنا فيجب عليه الوفاء بقدر الإمكان بذبح الشاة بدلا عن ذبح الولد استدلالا بقصة الخليل ﵇ فانه خرج عن العهدة بذبح الشاة عما أمره بذبح الولد بدليل قوله تعالى: حكاية عن إسماعيل ﵇ ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ ١ حيث أخبره بقوله ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ ٢وخرج بذبح الشاة عن العهدة بدليل قوله ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ ٣ وهذا لأن في الآية تقديما وتأخيرا فان أئمة التفسير أجمعوا على أن تقدير الآية والله أعلم ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ, وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ , قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ ٤ أي بذبح الفداء فعلم أنه صار بتحقيق الفعل في الشاة آتيا بما التزمه من ذبح الولد وإنما يكون كذلك أن لو كان النذر بذبح الولد التزاما لذبح الشاة قال أبو بكر الرازي قد تضمن الأمر بذبح الولد إيجاب شاة في العاقبة فلما صار موجب هذا اللفظ إيجاب شاة في العاقبة وشريعة إبراهيم ﵇ وقد أمر الله تعالى باتباعه بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ ٥ دل على أن من نذر بذبح ولد ففداؤه ذبح شاة وروى أن امرأة نذرت بذبح ولدها في زمن مروان بن الحكم فجمع فقهاء الصحابة ﵃ وسألهم وفيهم ابن عمر فقال: إن الله تعالى أمر بالوفاء بالعهد فقالت أتأمرني بقتل ولدي وإن الله حرم قتل النفس وسئل ابن عباس ﵄ عن هذه المسألة: فأفتى بذبح مائة بدنة ثم أتيا إلى مسروق وكان جالسا في المسجد وقال للسائل سل ذلك الشيخ فسأله فقال: أرى عليك ذبح شاة فعاد إلى ابن عباس فقال له أرى عليك مثل ذلك وكأن غرض ابن عباس أن يعلم مذهب ابن مسعود من مسروق وعن القاسم بن محمد قال: كنت عند ابن عباس فجاءته امرأة فقالت إني نذرت أن أنحر ولدي فقال:
стр. 168
لا تنحري ولدك وكفري عن يمينك فقال رجل عند ابن عباس لا وفاء لنذر فيه معصية الله فقال ابن عباس: قال: الله تعالى: في الظهار ما سمعت وأوجب فيه ما ذكره فهؤلاء الصحابة مع اختلافهم في موجب النذر كان اتفاقهم على صحة النذر فمن أنكر ذلك فقد خالف الإجماع.
حجة الشافعي ﵀: أن النذر بذبح الولد معصية والنذر بالمعصية باطل لقوله ﷺ : "لا نذر في معصية الله تعالى".
الجواب عنه: إنا قد بينا أنه صار عبارة عن إيجاب الشاة بذكر ذبح الولد وذبح الشاة قربة فيصح النذر به وبه خرج الجواب عما حكى الإمام فخر الدين الرازي حيث قال: أجاب السلطان الأعظم بهاء الدين عن كلام الحنفية وهو في غاية الحسن وهو أن ذبح الولد في حق الخليل ﵇ كان بأمر الله وفي مسألتنا ذبح الولد على خلاف أمر الله وهو حرام فلا تقاس هذه الصورة قلنا ذبح الولد صار عبارة عن ذبح الشاة فلا يكون حراما فيجوز القياس عليه.
стр. 169
كتاب أدب القاضي
مسألة: لا يجوز القضاء بالبينة على الغائب عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ يجوز.
حجة أبي حنيفة ﵁: قوله ﷺ لعلي ﵁: "يا علي لا تقض لأحد الخصمين مالم تسمع كلام الآخر".
حجة الشافعي ﵀: أن الحق قد ظهر عند القاضي بشهادة الرجلين فيجب القضاء لقوله ﵊: "نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر" وأيضا قال ﷺ : "لمعاذ حين أرسله إلى اليمن اقض بالظاهر".
الجواب عنه: أن الحق لا يظهر إلا إذا أسلم الشهود من المعارض فلو كان الخصم حاضرا ربما يخرجهم أو يأتي بشهود على خلاف ما ادعاه عليه فلا بد من حضوره.
مسألة: قضاء القاضي في العقود والفسوخ ينفذ ظاهرا وباطنا عند أبي حنيفة ﵁ وقال: الشافعي ﵀ ينفذ ظاهرا لا باطنا وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله وصورته لو ادعى رجل على امرأة نكاحا وأقام على ذلك شاهدي زور ولم يعرف القاضي بذلك فحكم بالنكاح على ظن صدق الشاهدين نفذ قضاؤه ظاهرا وباطنا ويحل له وطؤها عند أبي حنيفة ﵁ وكذا في الطلاق وعند الشافعي ﵀ لا يحل له وطؤها ولا يقع الطلاق.
حجة أبي حنيفة ﵁: ما روي أن رجلا ادعى بين يدي علي ﵁ بالنكاح فقالت المرأة يا أمير المؤمنين ليس بيننا نكاح وإن كان لابد فزوجني منه فقال علي ﵁: شاهداك زوجاك ولم يجبها إلى إنشاء النكاح وكان بمحضر من الصحابة من غير نكير فحل محل الإجماع
стр. 170
ولأنه إذا لم ينفذ القضاء باطنا تكون امرأة لواحد في الباطن وفي الظاهر لآخر وهو باطل.
حجة الشافعي ﵀ من وجهين:
الأول: قوله ﷺ : "إنكم لتختصمون لدي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فكأنما قضيت له بقطعة من نار" فلو نفذ القضاء باطنا لما قال: ذلك.
الجواب عنه: أن هذا الحديث ورد في الأموال المرسلة بدليلها روي أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في مواريث درست فقضى لأحدهما فقال الآخر حقي يا رسول الله وذكر الحديث ونحن نقول بموجبه في الأموال المرسلة إذ الخلاف في الفسوخ والعقود دون الأموال المرسلة.
الثاني: أن القول بنفوذ القضاء باطنا يفضي إلى بطلان العصمة في الأموال والضياع والعقار والنساء والعبيد فلا يكون هذا الحكم لائقا لأحكام الشريعة.
الجواب عنه: أن هذا لازم عليكم أيضا لأنكم قائلون بنفوذ القضاء ظاهرا وهو يفضي إلى أمر شنيع مما ذكرنا وهو كون المرأة الواحدة بين رجلين ومذهبنا في غير العقود والفسوخ كمذهبكم فكل ما يرد علينا يرد عليكم والجواب كالجواب.
مسألة: إذا عرض اليمين على المنكر فنكل جاز للقاضي أن يحكم عليه بالنكول عند أبي حنيفة ﵁ وهو قول عمر وعلي وعثمان وابن عمر وابن عباس وأبي موسى الأشعري ﵃ وقال: الشافعي ﵀ لا يجوز الحكم بالنكول.
حجة أبي حنيفة ﵁: ما روي أن امرأة جاءت إلى عمر ﵁ فادعت على زوجها أنه قال: لها حبلك على غاربك فحلفه عمر بالله ما أردت الطلاق فنكل فقضى عليه بالفرقة وعن ابن عمر ﵄ أنه
стр. 171
اشترى من إنسان شيئا فادعى على البائع عيبا فاختصما إلى عثمان ﵁ فحلفه عثمان بالله ما بعته وبه عيب فكتمه فنكل فقضى عليه بالرد وكذا نقل عن علي وابن عباس وشريح ﵃.
حجة الشافعي ﵀: أن النكول لا يدل على صدق المدعي لاحتمال أن يكون المدعى عليه متوقفا لا يعرف أن دعواه صحيحة أو كاذبة فيجب عليه التوقف فلا يدل على صدق دعواه.
الجواب عنه: قد ترجح جانب كونه ناكلا أو مقرا بالامتناع عن اليمين الواحب عليه بعد العرض.
مسألة: إذا تنازع الخارج وذو اليد في الملك المطلق وأقاما البينة فبينة الخارج أولى عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ بينة ذي اليد أولى.
حجة أبي حنيفة ﵁: الخارج أكثر إثباتا وإظهارا لأنه قد رد ما تثبته بينة ذي اليد إذ اليد دليل مطلق الملك فكان الملك ظاهرا لذي اليد من وجه وظهوره من وجه يمنع كون بينة ذي اليد مظهرة له من ذلك الوجه لاستحالة إظهار الظاهر وبينة الخارج مظهرة من كل وجه فكانت أكثر إظهارا فكان القضاء بها واجبا لقوله ﷺ : "اقض بالظاهر".
حجة الشافعي ﵀: أن بينة ذي اليد ساوت بينة الخارج في الإثبات فترجح بينة ذي اليد باليد التي هي دليل الملك بالضرورة.
الجواب عنه: أنه لا نسلم المساواة بين البينتين في الإثبات بل بينة الخارج أكثر إثباتا لما ذكرنا فترجح على بينة ذي اليد.
مسألة: إذا أقام المدعي شاهدا واحدا ولم يجد شاهدا آخر فإن القاضي لا يحلف المدعي على ما ادعاه ولا يقضي بحلفه عند أبي حنيفة ﵁ وقال: الشافعي ﵀ يحلفه فإذا حلف
يقضي له بما ادعاه.
حجة أبي حنيفة ﵁ قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ
стр. 172
رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ ١ وقوله ﷺ : "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر" قسم والقسمة تنافي الشركة وجعل جنس الأيمان على المنكرين وليس وراء الجنس شيء.
حجة الشافعي ﵀: أن النبي ﷺ قضى بشاهد ويمين وهذا صريح في المسألة.
الجواب عنه: أن هذا الحديث منقطع ذكره الترمذي والطحاوي وهما أخذا على مسلم في تصحيحه وإن سلم صحته فهو خبر الواحد ورد على مخالفة الكتاب والسنة المشهورة فيكون العمل بالكتاب والسنة المشهورة أولى.
стр. 173
كتاب الشهادات
مسألة: المحدود في القذف لا تقبل شهادته وإن تاب عند أبي حنيفة ﵁ وقال الشافعي ﵀: تقبل شهادته إذا تاب.
حجة أبي حنيفة ﵁: قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً﴾ ١ وبعد التوبة داخل في الأبد والاستثناء بقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ ٢ يصرف إلى ما يليه وهو قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٣ أو هو منقطع بمعنى لكن كما عرف في موضعه.
حجة الشافعي ﵁: من وجهين الأول: قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ٤ والمحدود في القذف بعد التوبة عدل فيكون مقبول الشهادة.
الجواب عنه: أن المراد بهذه الآية غير المحدود في القذف جمعا بين الدليلين.
الثاني: أن الكفر أقبح من القذف والكافر إذا تاب وأسلم تقبل شهادته والمحدود إذا تاب أولى بقبول شهادته.
الجواب عنه: أن المانع من رد شهادة الكافر الكفر وقد زال بالإسلام وأما المحدود فقد ردت شهادته على التأبيد جزاء على جريمته فلا تقبل شهادته وإن تاب.
مسألة: شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض مقبولة عند أبي حنيفة رضي
стр. 174
الله عنه. وعند الشافعي ﵀ غير مقبولة.
حجة أبي حنيفة ﵁: ما صح أن النبي ﷺ رجم يهوديا بشهادة اليهود وما روى أن النبي ﷺ قال: "فإذا قبلوا عقد الذمة فلهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين" وللمسليمن أن يشهد بعضهم على بعض فكذا أهل الذمة.
حجة الشافعي ﵀ من وجهين:
أحدهما: الكافر خائن والخائن لا تقبل شهادته لقوله ﷺ : "لا شهادة للخائن"
الجواب عنه: أنه خائن في حق أهل الإسلام فلا تقبل شهادته عليهم لا في حق من يوافقه في الاعتقاد.
ثانيها: أن الكافر فاسق والفاسق لا تقبل شهادته لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ١.
الجواب عنه: أنه فاسق بالنسبة إلى أهل الإسلام أما بالنسبة إلى أهل ملته إن كان يجتنب محظور دينه يكون عدلا إذ الكذب محظور في الأديان كلها.
مسألة: لا تقبل شهادة أحد الزوجين للآخر عند أبي حنيفة ﵁. وقال الشافعي رحمه الله تعالى تقبل.
حجة أبي حنيفة ﵁: قوله ﷺ : "لا شهادة لمتهم" وأحد الزوجين متهم في شهادته للآخر وقوله ﷺ : "لا تقبل شهادة الوالد لولده ولا الزوج لزوجته".
حجة الشافعي ﵀: ما روى أن فاطمة ﵂ ادعت فدكا
стр. 175
بين يدي أبي بكر ﵁ واستشهدت عليا ﵁ وأم أيمن وكان بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليها أحد.
الجواب عنه: أن أبا بكر ﵁ لم يحكم بتلك الشهادة ورد دعوى إرثها عن النبي ﷺ وقال: سمعت النبي ﷺ يقول: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" وكان علي ﵁ يعلم أن شهادة الزوج لا تقبل لكنه إحترز عن إيحاشها بالامتناع والدليل عليه أن عليا ﵁ لما ولى الخلافة لم يتعرض لأخذ أرض فدك بل أجرى الحكم فيها على ما كان في زمن الخلفاء قبله.
مسألة: تقبل في الولادة والبكارة والعيوب بالنساء في موضع لايطلع عليه الرجال شهادة امرأة واحدة عند أبي حنيفة ﵁ وقال: الشافعي ﵀ لا بد من شهادة الأربع منهن.
حجة أبي حنيفة ﵁ قوله ﷺ : "شهادة النساء جائزة فيما لا يستطيع الرجال النظر إليه" والجمع المحلى باللام يراد به الجنس فيتناول الأقل وهو الواحد عند تعذر الكل.
حجة الشافعي ﵀: أن قول الواحدة محل التهمة فلا تقبل.
الجواب عنه: الموجود في هذه الصورة ليس بشهادة ولهذا لا يشترط لفظ الشهادة وخبر الواحد في الديانات مقبول.
стр. 176
كتاب العتاق
مسألة: إذا ملك الإنسان أخاه بالشراء أو الهبة وغيرهما عتق عليه عند أبي حنيفة ﵁ وكذا كل ذي رحم محرم وإن لم يكن من الولادة وعند الشافعي ﵀ لا يعتق عليه.
حجة أبي حنيفة ﵁: قوله تعالى: ﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ ١ وفي الاسترقاق قطع الرحم وقوله ﷺ : "من ملك ذا رحم محرم منه عتق عليه" وروى ابن عباس ﵄ أن رجلا قال يا رسول الله وجدت أخي يباع في السوق فاشتريته لأعتقه قال ﷺ : "قد أعتقه الله عليك" وقد روى هذا عن عمر وابن مسعود وعطاء بن أبي رباح وهو قول الحسن وجابر والشعبي والزهري ﵃.
حجة الشافعي ﵀: قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ٢ وإذا اشترى أخاه فهو من كسبه فيكون ملكا له.
الجواب عنه: أن المراد بالآية الكريمة أن للنفس ثواب ما كسبت من الأعمال الصالحة وعليها إثم ما اكتسبت من الأعمال السيئة ولو كان عاما في المعنى الذي ذكره فهو قد خص عنه البعض فإنه لو اشترى أباه أو أمه أو ابنه أو بنته يعتق عليه بالإجماع ولا يصير ملكا له فيخص الأخ بالحديث الذي روينا.
مسألة: إذا قال: الإنسان لغلام لا يولد مثله لمثله هذا ابني عتق عليه عند أبي حنيفة ﵁ وقال: الشافعي ﵀ لا يعتق عليه وهو قول صاحبيه.
стр. 177
حجة أبي حنيفة ﵁: أنه لما تعذر العمل بالحقيقة وله مجاز متعين وجب العمل به إذ الإعمال أولى من الإلغاء فصار كأنه قال: هذا أخي من حين ملكته إذ البنوة ملتزم للحرية.
حجة الشافعي ﵀ أنه كان العبد ملكا له والأصل في كل ثابت بقاؤه على ما كان وهذا الكلام يحتمل أن يكون المراد منه على طريق الشفقة أو الإعتاق فيكون في الإعتاق شك وهو لا يعارض اليقين.
الجواب عنه: أن قوله هذا ابني إخبار فيقتضي صدق الحرية حقيقة أو مجازا وتعذرت الحقيقة وتعين المجاز ولا يحتمل إرادة الشفقة بصيغة الإخبار ولهذا لو قال: بصيغة النداء بأن قال: يا ابني قلنا يحتمل الإكرام والشفقة ولا يعتق.
مسألة: إذا أعتق إحدى أمتيه ثم وطئ إحداهما لا تتعين الأخرى للعتق عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ تتعين وهو قول صاحبيه.
حجة أبي حنيفة ﵁: أن الملك قائم بالموطوءة لأن إيقاع العتق في المنكرة والموطوءة معينة والمنكرة غيرها فكان له وطؤها فلا يجعل بيانا.
حجة الشافعي ﵀: أن الواحدة صارت حرة بإعتاقه والتي وطئها ليست بحرة إجماعا فتعينت الأخرى للعتق.
الجواب عنه: أن العتق لم ينزل في الواحدة قبل البيان فبقي الاحتمال في الكل.
مسألة: بيع المدبر المطلق لا يجوز عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ يجوز.
حجة أبي حنيفة ﵁: قوله ﷺ : "المدبر لا يباع ولا يوهب ولا يورث وهو حر من الثلث".
حجة الشافعي ﵀: أن المدبر مملوك فيجوز بيعه أما بيان أنه
стр. 178
مملوك فإن المدبرة يجوز وطؤها وحل الوطء لا يكون إلا بملك النكاح أو بملك اليمين والنكاح منتف فيتعين ملك اليمين فإذا كان الملك باقيا جاز بيعه لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ ١.
الجواب عنه: سلمنا أنه مملوك لكنه انعقد سبب حريته في الحال لأن الحرية تثبت بعد الموت لبطلان أهليته فتعين جعله سببا في الحال فصار كأم الولد فإنها وإن كانت مملوكة جاز وطؤها ولكن لا يجوز بيعها لما ذكرنا.
مسألة: إذا قال: إنسان لأمته أول ولد تلدينه فهو حر فولدت ولدا ميتا ثم آخر حيا عتق الحي عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ لا يعتق وهو قول صاحبيه.
حجة أبي حنيفة ﵁: أنه جعل عتق المولود أولا حرا والحرية لا تصلح إلا في الحي فيتقيد به وكأنه قال: أول ولد حي تلدينه فهو حر.
حجة الشافعي ﵀: أن الحي مولود ثان والجزاء عتق أول ولد والشرط ولادة أول ولد فلا يكون الثاني شرطا عينه ولا عتق الثاني: جزاء عينه.
الجواب عنه: أن المطلق يجوز تقييده بدلالة من جهة المتكلم ومن جهة سياق الكلام وقد وجدت فإن الحرية لا تتصور إلا في الحي فيتقيد به والله أعلم.
стр. 179
خاتمة
وقد انتهت ترجمة الكتاب ولنختم بذكر بيان القضاة والعدول والأحياء والأموات مفتقرون إلى تقليد الإمام الأعظم والمجتهد المقدم أبي حنيفة ﵁ في عامة أحوالهم.
أما القاضي فإنه ينعزل عند الشافعي ﵀ بمجرد الفسق فيلزمه على مذهبه عصمة القاضي عن المعاصي ما دام قاضيا وإلا ينعزل ولم يوجد قط قاض على هذا باقيا على القضاء في مذهبه فإذا انعزل لم تنفذ أحكامه وتصرفاته فيجب عليه إظهار فسقه وتجديد توليته وإلا يلزم من المفسدة ما لا يخفى أو تقليد الإمام أبي حنيفة فإنه عنده لا ينعزل بالفسق.
وأما العدول فلأن أبا حنيفة ﵁ يثبت العدالة بظاهر الإسلام وأما الشافعي ﵀ فقد شرط اجتناب الكبائر ظاهرا وباطنا والتزكية كذلك وأي عدل أو قاض لم يلم بمعصية ولأن الشركة التي تتعاطاها العدول فاسدة على غير مذهب أبي حنيفة فالتناول منها قادح في العدالة فكيف تنعقد عقود المسلمين بشهادتهم عندهم والعدالة شرط في انعقاد النكاح عندهم فيحتاجون إلى تقليد أبي حنيفة ﵁.
وأما بيان احتياج الأموات فإنهم يحتاجون إلى مدد الأحياء باهداء ثواب القراءة إليهم وذلك لا يصل إليهم عند غير أبي حنيفة ﵁ فلا يحصل لهم الخلاص من العقوبات والوصول إلى الدرجات إلا بتقليد الإمام أبي حنيفة ﵁.
وأما بيان احتياج كافة الناس فمن وجوه:
الأول: أن تارك صلاة واحدة عندهم يقتل إما حدا وإما كفرا فيجب حينئذ قتل أكثر العالم إذ المواظبون على الصلوات أقل من التاركين في كل وقت خصوصا النساء فإن أكثرهن لم تصل في العمر إلا نادرا فسكوت
стр. 180
القضاة عن العامة والأزواج عن نسائهم فيه ما فيه وفي القول الذي يكفر تارك الصلاة يشكل بقاء الأنكحة مع تاركات الصلاة فاقامتهن معهم فيه من العسر ما لا يقاس عليه فيجب عليهم تقليد أبي حنيفة ﵁.
الثاني: أن البياعات والمعاملات التي تباشرها العبيد والصغار من الغلمان وعامة الأحوال مشكلة عندهم فيجب عليهم أن لا يرسلوا في حوائجهم إلا العقلاء البالغين وأيضا لم يتعارف الناس البيع بالإيجاب والقبول بل يباشرون البياعات بالتعاطي وذلك غير جائز عندهم.
الثالث: أن مذهبهم من ترك تشديدة من الفاتحة لا تجوز صلاته وذلك يعسر على أكثر العوام فلا تجوز صلاة القراء خلفهم ولا يجوز للعامة إلا بتقليد أبي حنيفة ﵁ في جواز الصلاة بما تيسر من القرآن.
الرابع: أنه يشترط عندهم قران النية باللسان والقلب ولم يمكن ذلك لمثل الجنيد وأبي يزيد في العمر إلا نادرا.
الخامس: أن شرط الخروج عن عهدة الزكاة أن تفرق إلى ثلاثة من كل صنف من الأصناف الثمانية المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ آلآية ولم يتفق ذلك لأحد في العمر.
السادس: أن النفقة عندهم على الموسر مدان وعلى المعسر مد ولم يتفق ذلك على مذهبهم لأحد منهم.
السابع: أن الحمامات اتي تسخن بالنجاسات والأقراص التي تخبز بالزبل والفخارات التي تعجن بالأرواث كلها مشكلة على مذهبهم.
الثامن: أن بيع الروث والجلة لا يجوز عندهم مع أنهم يباشرونه.
التاسع: أن الملبوسات التي يتناولها الجمهور من السنجاب والسمور والقاقم وسائر أصنافها غير طاهرة عندهم لأن شعر الميتة نجسة عندهم.
العاشر أن بيع الباقلاء والفول الأخضر والجوز واللوز في قشورها