← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 7534

الغرة المنيفة في تحقيق بعض مسائل الإمام أبي حنيفة

الغزنوي، سراج الدين

Полный текст (181 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

كتاب المأذون مسألة: المولى إذا أذن للعبد في نوع من التجارة فهو مأذون في الجميع عند أبي حنيفة ﵁ وقال: الشافعي ﵀ لا يصير مأذونا له إلا في ذلك النوع. حجة أبي حنيفة ﵁ أن الإذن في الشرع فك الحجر والعبد بعد ذلك يتصرف بنفسه لأهليته لأنه بعد الرق بقي أهلا بلسانه الناطق وعقله المميز والحجر عن التصرف حق المولى فإذا أسقط المولي حقه وفك الحجر فعند ذلك يظهر مالكية العبد فلا يتخصص بنوع دون نوع كالمكاتب. حجة الشافعي ﵁: أن الإذن من المولى توكيل وإنابة لا يستفيد الولاية إلا من جهة المولى ولهذا يملك حجره فيتخصص بما خصه لاحتمال أن يكون له بصيرة في نوع دون آخر كالمضارب. الجواب عنه: أن تصرف الوكيل واقع لموكله حتى لا يكون له قضاء دينه من ذلك المال وحكم التصرف في المأذون وهو المالك له حتى كان له أن يصرفه إلى قضاء الدين والنفقة وما استغنى عنه فخلفه المولى فيه فافترقا وزوال الحجر غير متجزئ فإذا زال بالنسبة إلى شيء يزول مطلقا وحاصله أن التوكيل نيابة فلا تعم الوكالة إذا خصصها الموكل والإذن فك الحجر دون الإنابة فيعم. مسألة: إذا رأى المولى عبده يبيع ويشتري فسكت ولم يمنعه عن ذلك يصير مأذونا في التجارة عند أبي حنيفة ﵁ وقال: الشافعي ﵀ لا يصير مأذونا بذلك. حجة أبي حنيفة ﵁: أن كل من رآه يظنه مأذونا فيعاقده فيتضرر به لو لم يكن مأذونا له ولو لم يكن المولى راضيا به لمنعه دفعا للضرر عن المسلمين والغرر فصار كسكوت الشفيع عند بيع الدار المشفوعة عن

стр. 107

طلب الشفعة فإنه دليل الرضى فتبطل شفعته دفعا للغرر فكذا هنا. حجة الشافعي ﵀: يحتمل أن يكون الرضى ويحتمل أن يكون السخط ويحتمل أن يكون للتوقف والحياء فلا يثبت الإذن بالشك. الجواب عنه: أن ترجيح جانب الرضى على غيره بالعرف دفعا للضرر عن المسلمين كما ذكرنا. مسألة: ديون العبد المأذون إذا كانت واجبة بالتجارة تتعلق برقبته فيباع فيها للغرماء عند أبي حنيفة ﵁ وقال: الشافعي ﵀ لا يباع. حجة أبي حنيفة ﵁: أن كون هذا للدين ظاهر في حق المولى بدليل أن العبد يطالب به في الحال فيتعلق برقبته استيفاء لدين الاستهلاك والجامع دفع الضرر عن الناس والمولى قد رضي بذلك حين أذن له في التجارة. حجة الشافعي ﵀: أن رقبة العبد كانت مملوكة للمولى والأصل في الثابت بقاؤه فوجب الحكم ببقائها على ملك المالك فلا يجوز بيعها بدون إذن المالك كما في سائر الأملاك. الجواب عنه: أن سبب الدين وهو التجارة داخلة تحت الإذن وتعلق الدين برقبته استيفاء حامل على المعاملة فمن هذا الوجه صلح غرضا للمولى فيكون راضيا به فجاز بيعه بخلاف سائر الأملاك فإنه لا يجوز بيعها بدون رضاه.

стр. 108

كتاب الهبة مسألة: إذا وهب الرجل هبة لأجنبي بلا عوض فقبض وتسلم فله الرجوع عند أبي حنيفة ﵁ وهو قول عمر وعثمان وابن عمر ﵃. وقال: الشافعي ﵀: لا رجوع فيها. حجة أبي حنيفة ﵁: قوله ﵊: "الواهب أحق بهبته ما لم يثب عليها" أي ما لم يعوض عنها وروى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إذا كانت الهبة لذوي رحم محرم لم يرجع فيها ولو كانت لأجنبي فله الرجوع" وروى الطحاوي عن الأسود عن عمر ﵁ أنه قال: "من وهب هبة لذوي رحم محرم جازت ومن وهب هبة لغير ذوي رحم محرم فهو أحق بها ما لم يثب" وهكذا نقل عن علي ﵁. حجة الشافعي ﵀: قوله ﵊: "لا يرجع الواهب في هبته إلا الوالد فيما وهب لولده" وقوله ﷺ : " العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه". الجواب عنه: أن المراد بالحديث الأول: نفي الرجوع على سبيل الاستقلال ونحن نقول بموجبه فانه لا يصح الرجوع عندنا إلا بالتراضي أو بقضاء القاضي إلا الوالد فإن له حق التملك في مال ولده عند الحاجة من غير رضى الولد ويسمى ذلك رجوعا نظرا إلى الظاهر أو المراد به الكراهة وهي ثابتة عندنا ولهذا شبهه النبي ﷺ بالكلب العائد في قيئه لاستقباحه في المرؤة إذ فعل الكلب لا يوصف بالصحة والفساد وإنما يوصف بالقبح طبعا وعادة لاستقذاره فلا يدل على عدم الجواز في الحكم. مسألة: لا يجوز هبة المشاع فيما يقسم عند أبي حنيفة رضي الله عنه

стр. 109

ولا يفيد الملك قبل القسمة وهو قول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين ﵃ وقال: الشافعي ﵀ يجوز. حجة أبي حنيفة ﵁: قوله ﵊: "لا تصح الهبة إلا محوزة مقسومة مقبوضة" ولأن القبض شرط في الهبة والمشاع لا يقبل القبض إلا بضم غيره وذلك غير موهوب ولأن في تجويزه إلزامه شيئا لم يلتزمه وهو القسمة ولهذا امتنع جوازه قبل القبض لئلا يلزم التسليم. حجة الشافعي ﵀: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ١ وقوله ﷺ : "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه" والاستثناء من النفي إثبات ولأن المشاع قابل للقبض بطريقه وهو المهايأة والمناوبة. الجواب عنه: أن دليلنا صريح ودليلكم غير صريح فيترجح على دليلكم والمهايأة تلزم فيما لم يتبرع به وهو المنفعة والهبة لاقت العين.

стр. 110

كتاب الوديعة مسألة: إذا أودع إنسان شيئا عند صبي فأتلفه فلا ضمان عليه عند أبي حنيفة ﵁. وقال الشافعي ﵀: عليه ضمان. حجة أبي حنيفة ﵁ قوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ...." ولأنه بالإيداع عند الصبي سلطه على ماله والظاهر من حاله الإتلاف لقصور عقله فيكون عن رضاه فلا يجب الضمان. حجة الشافعي ﵀: أن الإتلاف لو كان قبل الإيداع وجب عليه الضمان فكذا بعد الإيداع لأن قول المودع أحفظ هذا المال لو لم يكن مانعا من الإتلاف لا يكون أقل من عدم الرضى به فيضمن. الجواب عنه: بالفرق وهو أنه قبل الإيداع غير مسلط على الإتلاف من جهته وبعده مسلط عليه فافترقا. مسألة: إذا سافر المودع بالوديعة فتلفت لايضمنها عند أبي حنيفة ﵁ إلا إذا كان الطريق مخوفا أو كان المالك نهاه عن المسافرة بها أما إذا لم ينهه عن ذلك ولم تكن المخاطرة في الطريق ظاهرة لم يضمن وقال: الشافعي ﵀ يضمنها مطلقا. حجة أبي حنيفة ﵁: أن المودع أتى ما أمره المالك به فلا يجب عليه الضمان لأنه أمره بالحفظ مطلقا وعند المسافرة لا يمكنه حفظها إلا بالمسافرة بها إذ لا يمكنه أن يودع عند آخر وكان مأذونا له فيها والمفازة محل للحفظ إذا كان الطريق آمنا ولهذا يملكه الأب والوصي في مال الصبي. حجة الشافعي ﵀: مأمور المودع مأمور بحفظ كامل والسفر ليس فيه حفظ كامل فلا يكون مأذونا فيه فيجب عليه الضمان بالسفر. الجواب عنه: أنه يمنع أن السفر ليس فيه حفظ كامل لأنه ربما لا يجد في

стр. 111

البلد من يعتمد عليه في الحفظ وهو مضطر إلى السفر وكان المالك عالما بذلك عادة فيكون مأذونا دلالة فلا يضمن. مسألة: المودع إذا خالف وتعدى في الوديعة بأن كانت دابة فركبها أو ثوبا فلبسه ثم أزال التعدي وعاد إلى الوفاق لا يلزمه الضمان بالهلاك عند أبي حنيفة ﵁ وقال الشافعي ﵀: يضمن. حجة أبي حنيفة ﵁: أن الأمر بالحفظ باق بعد الخلاف لأنه مطلق عن الوقت غير موقت فيكون باقيا فإذا عاد إلى الوفاق يكون آتيا بما أمره به المودع من الحفظ في جميع الأزمان فلا يلزمه الضمان. حجة الشافعي ﵀: وقت الخيانة لزمه الضمان والأصل في الثابت البقاء فوجب أن يبقى ذلك الوجوب بعد العود إلى الوفاق. الجواب عنه: أن الموجب للضمان هو الخيانة وقد زالت بالعود إلى الوفاق فيزول الضمان ولأنا نعارضه بالمثل وهو أن الضمان لم يكن واجبا قبل الخيانة والأصل في الثابت بقاؤه فبقي على ما كان من عدم لزوم الضمان. مسألة: إسلام الصبي العاقل صحيح عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀: لا يصح. حجة أبي حنيفة ﵁: أن عليا ﵁ أسلم وهو ابن ثمان سنين وروى الخلال وهو ابن عشر سنين وقد صحح النبي ﷺ إسلامه وافتخر علي ﵁ بذلك وتمدح به حيث قال: سبقتكم إلى الإسلام طرا ... صغيرا ما بلغت أوان حلمي فلو لم يكن إيمانه صحيحا لما افتخر به النبي ﷺ ولأنه أتى بحقيقة الإيمان وهو التصديق والإقرار والحقائق لا يمكن ردها خصوصا الإيمان الذي لا يمكن الرد وقد جوزنا منه ما هو نفع محض كقبول الهبة فلأن يجوز

стр. 112

ما فيه سعادة أبدية ونجاة عقباوية سرمدية فهي من أجل المنافع وعاجله أولى حجة الشافعي ﵀: لوكان الإيمان صحيحا من الصبي لكان واجبا عليه ولو كان واجبا عليه لما جوز الشرع تركه إذ ترك إسلام من وجب عليه كفر والشارع لم يجز له التقرير على الكفر فعلم أن إسلام الصبي لا يصح وقد قيل إن عليا ﵁ كان وقت إسلامه بالغا ابن خمس عشرة سنة. الجواب عنه: أنه لا نسلم أنه يلزم من الجواز الوجوب فإن أردتم أنه لا يجب عليه بمعنى أنه لا يأثم بتركه ولا يجب عليه الإيمان فمسلم ولكن لا يلزمه منه عدم الجواز والقبول إذا أتى به فإن المسافر إذا صام من رمضان يقع عن الفرض مع أنه لا يجب إتيانه في الحال ولا يأثم بتركه وإن ادعيت أنه لا وجوب عليه أصلا فهو ممنوع على ما اختاره الشيخ أبو منصور ﵀ ونقله مذهبا لأهل السنة والجماعة وقد صح أن أول من أسلم من الصبيان علي ﵁ فلا يصح دعوى أنه أسلم بعد البلوغ.

стр. 113

كتاب النكاح مسألة: الاشتغال بالنكاح أفضل من التخلي لنفل العبادات عند أبي حنيفة ﵁ وهو قول عامة الصحابة والتابعين ﵃ وقال: الشافعي ﵀ التخلي لنفل العبادات أفضل من النكاح. حجة أبي حنيفة ﵁: أن النكاح واجب أو سنة وعلى التقديرين فهو أفضل من النوافل لأنه إن كان في حالة التوقان فهو واجب عملا بظاهر الأمر لقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ ١ ورجحان الواجب على النفل ظاهر وإلا فهو سنة لقوله ﷺ : "النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني" وعن أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ يأمر بالباءة وينهى عنه التبتل نهيا شديدا ويقول: "تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة" رواه أحمد في مسنده وعن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال لعاكف بن بسر: "هل لك زوجة" قال: لا "ولا جارية" قال: لا قال: "وأنت موسر" قال: وأنا موسر قال: "إذن أنت من إخوان الشياطين إن من سنتنا النكاح شراركم عزابكم وأرذل موتاكم عزابكم" أخرجه أحمد ﵀ في مسنده وروى ابن مسعود ﵁ قال: كنا مع النبي صلي الله عليه وسلم شبابا ليس لنا شئ فقال: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" أمر بالنكاح وقدمه على الصوم فهذه الأحاديث دالة على أنها سنة وهي أفضل من النوافل بالإجماع. حجة الشافعي ﵀ من وجوه: الأول: قوله ﵊: "أفضل الأعمال الصلاة" وهذا نص صريح في هذه المسألة.

стр. 114

الجواب عنه: أن المراد به أن أفضل الأعمال المفروضة الصلاة وأفضل النوافل الصلاة النافلة وليس المراد بأفضل الصلاة مطلقا ولا يلزم أن تكون الصلاة النافلة أفضل من الزكاة المفروضة والحج المفروض وليس كذلك ونحن قائلون بموجب الحديث وإنما الكلام بأن الصلاة النافلة أو النكاح الذي هو سنة والحديث لم يدل على أن النفل أفضل من السنة. الثاني: قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ١ ولم يقل بأنه ما خلق الجن والإنس إلا للنكاح فعلم أن العبادة أفضل. الجواب عنه: أن المراد من قوله ليعبدون ليعرفون قاله ابن عباس ﵄ ولئن سلمنا أن المراد به العبادات فالنكاح من جملة العبادات لكونها سنة ولهذا يثاب على إتيان أهله حيث قال النبي ﷺ : "وفي بضع أحدكم صدقة" قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر قال: "أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر" فكذا إذا وضعها في الحلال كان له أجر ولأن النكاح سبب لولد صالح يدعو له بعد موته فيكون أولى من العبادة المنقطعة بموته وما يتضمنه النكاح من الواجبات فريضة كالإنفاق وسائر الفرائض ولا شك أن إتيان الفرائض أكثر ثوابا من النوافل فكان أولى لقوله ﷺ حكاية عن الله تعالى: "ما تقرب إلي المتقربون بمثل أداء ما افترضته". الثالث: من أدلة الشافعي ﵀ قوله ﵊: "حبب إلي من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة" وكل ما فيه قرة عينه فهو أفضل فتكون الصلاة أفضل من النكاح قال مولانا فخر الدين الرازي ﵀ مؤلف البهائية هذه الحجة استنبطها مولانا السلطان بهاء الدين خلد الله ملكه وسلطانه ولم أسمع من أحد غيره. الجواب عنه: أن في هذا الحديث قدم النكاح على الصلاة والتقديم دليل

стр. 115

على الترجيح وأيضا لم يقل في صلاة النفل فلا يكون دليلا لاحتمال أن يكون مراده صلاة الفرض. مسألة: ينعقد نكاح الحرة البالغة العاقلة برضاها ولم يعقد عليها ولي عند أبي حنيفة ﵁ وهو قول علي وعائشة وموسى بن عبد الله بن يزيد والشعبي والزهري وقتادة والحسن البصري وابن سيرين والقاسم بن محمد والأوزاعي وابن جريج ﵃ وقال: الشافعي ﵀ لا ينعقد النكاح بعبارة النساء بل يحتاج إلى الولي. حجة أبي حنيفة ﵁: الكتاب والسنة والمعقول: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ١ وهذا دليل على جواز تصرفها في العقد على نفسها وقد أضاف الله تعالى الفعل إليهن في مواضع من كتابه العزيز فقال: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ ٢ وقال تعالى ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ ٤ فنسب التراجع إلى الزوجين من غير ذكر الولي. وأما السنة فمن وجوه: الأول: حديث ابن عباس ﵄ الأيم أحق بنفسها من وليها ويروى من أبيها أخرجه الشيخان في الصحيحين وفي حديث آخر لابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "البكر يستأذنها أبوها في نفسها" أخرجه الدارقطني وروي أن رجلا زوج ابنته وقال لرسول الله ﷺ : لم أر لها خيرا فقال ﷺ : "لا نكاح لك اذهبي فانكحي من

стр. 116

شئت" وقد زوجها من كفو رواه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه وقال: قتادة جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته فجعل الأمر إليها فقالت قد أجزت ما صنع أبي ولكن أردت أن أعلم النساء أنه ليس للآباء من الأمر شيء وعن ابن عباس ﵄ أن بكرا زوجها أبوها بغير إذنها ففرق النبي ﷺ بينهما وروي رد نكاحها وأمثال هذه الأحاديث كثيرة فقد بلغت حد الشهرة من حيث المعنى وأما المعقول فهو أنها مكلفة قد ثبت أهليتها لجميع التكاليف الشرعية والبضع حقها دون الولي ولهذا يكون بذله لها فقد تصرفت في خالص حقها فجاز لها ذلك ولأنها تملك الإقرار بالنكاح فتملك الإنشاء. حجة الشافعي ﵀: قوله ﷺ : "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل" قالها ثلاثا رواه أبو داود وقوله ﷺ : "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" رواه أحمد ﵀ في مسنده. وقوله ﷺ : "لا بد في النكاح من أربعة الولي والزوج والشاهدين" أخرجه الدارقطني. الجواب عنه: أن الحديث الأول: ضعفه يحيى بن معين وعلى تقدير الصحة يحمل على الأمة والمكاتبة والمدبرة والصغيرة والمجنونة والمعتوهة بدليل ما ذكرنا من الأحاديث فنخص هذا العام بها ثم مفهوم هذا الحديث لو نكحت بإذن وليها جاز فالخصم لم يقل به فكانت حجة عليه وقال: الطحاوي ثم لو ثبت عن عائشة ﵂ فقد ثبت عنها ما يخالفه فإنها زوجت حفصة بنت أخيها عبد الرحمن المنذر بن الزبير وهو غائب بالشام فلما قدم قال: أمثلي يصنع به هذا إلى أن قال: ما كنت أرد أمرا قضيتيه فقرت حفصة عند زوجها فلما كانت عائشة قد رأت تزويجها جائزا بغير إذن أبيها بعبارتها استحال أن يكون ترى ذلك وقد علمت مانسب إليها من رواية الحديث المذكور وأما الحديث الثاني: قوله ﷺ : "لا نكاح إلا بولي" فرواه أبو إسحاق السبيعي عن أبي بردة فقطعه شعبة وسفيان الثوري وهما أثبت وأحفظ من جميع من رواه عن أبي إسحاق كذا قاله الطحاوي وأما

стр. 117

الحديث الثالث: ففي سنده ابن أبي فروة وهو ضعيف قاله أحمد والدارقطني وقال: النسائي متروك الحديث. الجواب العام عنه: أن هذه الأحاديث على تقدير صحتها أخبار آحاد وردت على مخالفة الكتاب وهو ما جاء من إضافة النكاح إليهن في مواضع من القرآن فلا يعمل بها. مسألة: الأب والجد لا يملك تزويج البكر البالغة بدون رضاها على مذهب أبي حنيفة ﵁ وهو قول عمر وابن عباس وأبي موسى وأبي هريرة وجابر وابن عمر ومالك والأوزاعي والشعبي وطاووس والثوري وأبي ثور ﵃ وقال الشافعي ﵀: يملك تزويجها بدون رضاها. حجة أبي حنيفة ﵁: الأحادث المذكورة وهو قوله ﷺ : "البكر تستأمر وإذنها صماتها" وما روى أن رجلا أنكح ابنته فأتت النبي ﷺ فاشتكت إليه أنها نكحت وهي كارهة فانتزعها النبي ﷺ من زوجها وقال: "لا تكرهوهن" وما روي أن جارية بكر أتت النبي ﷺ فذكرت له أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها رسول الله ﷺ وما روي عن ابن عمر ﵁ أن رجلا زوج ابنته وهي بكر فكرهت ذلك فرد ﵊ نكاحها والأحاديث في هذا الباب كثيرة حجة الشافعي ﵀: قوله ﷺ : "الثيب أحق بنفسها من وليها" وتخصيص الثيب يدل على أن البكر حكمها ضد حكم الثيب فيكون للأب ولاية إجبارها لئلا يتعطل التنصيص على الثيب غير النافرة. الجواب عنه: أن المفهوم عندنا ليس بحجة ولو سلم كونه حجة لكن الأخذ بالمنطوق وهي الأحاديث التي ذكرناها أولى بلا خلاف على أن هذا المفهوم حجة عليه فإنه غايته أن لا تكون البكر أحق بنفسها من وليها فتكون إما مساوية له أو يكون هو راجحا عليها وعلى التقديرين لها حق في

стр. 118

نفسها فلا يجوز للولي إبطاله بلا رضاها. مسألة: يجوز للأب أن يزوج البنت الصغيرة بدون رضاها عند أبي حنيفة ﵁ وقال الشافعي ﵀ لا يجوز تزويجها بلا رضاها. حجة أبي حنيفة ﵁: العمومات المطلقة في باب النكاح وهو ما روى أبو حاتم قال: قال النبي ﷺ : "إذا جاء أحدكم ممن ترضون دينه وخلقه فأنكحوه وإلا تفعلوا تكن فتنة" رواه الترمذي وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا يؤخرن الصلاة إذا أتت والجنازة إذا حضرت والأيم إذا وجدت كفوا" ولأن علة الولاية الصغر وهو غير موجود بعد صيرورتها ثيبا ولأن النكاح يتضمن مصالح ولا يتوفر إلا بين المتكافئين عادة ولا يتفق الكفو في كل زمان والصغيرة عاجزة عن ذلك بنفسها فأثبتنا الولاية عليها في حالة الصغر إحرازا إلى كفو. حجة الشافعي ﵀: قوله ﷺ : "الثيب أحق بنفسها من وليها" وهذه ثيب فلا يكون للولي تزويجها. الجواب عنه: أن المراد به المرأة البالغة التي لا زوج لها لأنها هي أحق بنفسها أما الصغيرة فلا إذ لا يجوز لها أن تعقد بنفسها فلو لم يجز للولي ذلك لفات الكفو. مسألة: غير الأب والجد كالأخ والعم يملكان نكاح الصغير والصغيرة على مذهب أبي حنيفة ﵁ لقوله ﷺ : "النكاح إلى العصبات" والأخ والعم من العصبات. وروي أنه ﷺ زوج أمامة بنت حمزة عمر بن أبي سلمة فكانت صغيرة وكان النبي ﷺ زوج ابنة عمها وابن عمر زوج يتيمة وقال: "لها الخيار إذا بلغت" ولأن القرابة داعية إلى النظر خصوصا في حق الصغار كما في الأب والجد وما فيه من القصور أظهرناه في سلب ولاية الإلزام حيث قلنا بثبوت خيار البلوغ لهما في غير الأب والجد.

стр. 119

حجة الشافعي ﵀: قوله ﷺ : "لا تنكح اليتيمة حتى تستأمر". الجواب عنه: أن المراد باليتيمة البالغة دون الصغيرة إذ الصغيرة لا إذن لها وتسميتها يتيمة مجاز والدليل عليه ما روى أبو موسى ﵁ أنه ﷺ قال: "تستأمر اليتيمة في نفسها فإن سكتت فهو إذنها وإن أبت فلا جواز عليها" وهذا صريح فيما قلنا إذ سكوت الصغيرة ليس بإذن. مسألة: الأب الفاسق يصلح وليا في النكاح عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ لا يكون وليا. حجة أبي حنيفة ﵁: العمومات نحو قوله ﷺ : "النكاح إلى العصبات" أطلق ولم يقيد بكون العصبات عدولا ولأن الأب وافر الشفقة وكامل الرأي وإن كان فاسقا فلا يقع الخلل في النظر فيصلح وليا. حجة الشافعي ﵀: قوله ﷺ : "لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل" والفاسق ليس بمرشد إذ الرشد عبارة عن الخصال الحميدة ورأس جميعها الطاعة فيفوت الرشد بالفسق. الجواب عنه: أن هذا الحديث اتفقوا على أنه وما جاء في معناه ضعيف قال صاحب الإصطلام من الشافعية من لم يثبت هذا الحديث يكفينا مؤنتهم اعترافهم بالضعف ولو سلمنا صحته فالمراد بقوله مرشد أي عاقل له رأي وتدبير دون المعتوه والسفيه. مسألة: ينعقد النكاح بحضور الشهود وإن كانوا غير عدول عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي لا ينعقد بحضرة فاسقين. حجة أبي حنيفة ﵁: إطلاق قوله ﷺ : "لا نكاح إلا بشهود" من غير قيد ولأن الفاسق من أهل الولاية فيكون من أهل الشهادة ولأنه يصلح إماما وسلطانا فيصلح قاضيا وشاهدا بطريق أولى. حجة الشافعي ﵀: قوله ﷺ : "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" وهذا نص في المسألة.

стр. 120

الجواب عنه: أن هذا الحديث غير صحيح لأن في سنده عدي بن الفضل أبي حرب قال: فيه يحيى بن معين ليس بثقة وإن صح فهو لنفي الكمال كما في قوله عليه أفضل الصلاة والسلام: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" جمعا بين الدلائل. مسألة: ينعقد النكاح بشهادة رجل وامرأتين عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ لا ينعقد. حجة أبي حنيفة ﵁: إطلاق قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ ١ وما روي عن عمر ﵁ أنه أجاز شهادة امرأتين مع شهادة رجل في النكاح والفرقة فدل ذلك على أن الأموال والنكاح في هذا سواء. حجة الشافعي ﵀: قوله ﷺ : "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" فالحديث دل على أن الانعقاد موقوف على حضور رجلين. الجواب عنه: أن المرأتين أقيمتا مقام الرجل فكأن النكاح وقع بحضرة رجلين حكما ولهذا قيل في تأويل قوله تعالى: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ أي فتجعل إحداهما مع الأخرى كالذكر معنى لأنهما إذا اجتمعا كانتا بمنزلة الذكر. مسألة: إذا كان لامرأة إخوة فزوجها أحدهم برضاها من غير كفو بدون رضا البقية جاز عند أبي حنيفة ﵁ ولا يثبت لأحد حق الاعتراض وعند الشافعي ﵀ لا يجوز. حجة أبي حنيفة ﵁: قوله ﵊: "إذا أنكح الوليان فالأول أحق منهما". حجة الشافعي ﵀: أن الحق ثابت للكل فإذا أسقط واحد منهم

стр. 121

حقه لا يسقط حق الباقين بدون رضاهم لأنهم يتضررون بلحوق العار والضرر منفي لقوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام". الجواب عنه: أن الحق غير متجزئ فيسقط باسقاط البعض ولأنه لو لم يجز لتضرر العاقدان والمجيز ولا ضرر في الإسلام. فان قيل: لما تعارض الدليلان وجب القول بالبقاء على العدم قلنا الأصل في تصرف العقلاء الصحة وعدم التوقف على رضى الآخر فإذا تعارض الدليلان بقيت الصحة. مسألة: الولي الأقرب إذا غاب غيبة منقطعة تنتقل الولاية إلى الأبعد فيجوز له أن يزوجها عند أبي حنيفة ﵁ وقال: الشافعي ﵀ لا تنتقل الولاية إلى الأبعد بل إلى السلطان. حجة أبي حنيفة ﵁: قوله ﷺ : "النكاح إلى العصبات" وهذا ينفي ولاية السلطان عند وجود العصبات وقوله ﷺ : "ألا لا يزوج النساء إلا الأولياء". وقوله ﷺ : "السلطان ولي من لا ولي له" وفيه دليل على أن ولاية السلطان لا تظهر إلا عند فقد الأولياء. حجة الشافعي ﵀: أن الولاية الأولى كانت ثابتة والأصل الثابت البقاء فوجب القول ببقائها حالة الغيبة وإذا كان كذلك وجب أن لا تثبت الولاية للأبعد لأن إثبات الولاية للأبعد إبطال الأقرب وذلك ضرر والضرر منفي. الجواب عنه: أن هذا الدليل لا يعارض النصوص المذكورة وأن ولاية الأقرب إنما كان بطريق النظر للصغير وليس من النظر تفويض الولاية إلى من لا ينتفع برأيه لبعده ففرضناه إلى الأبعد فيقدم على السلطان لأن شفقته لقرابته أوفر من شفقة السلطان عليه. مسألة: للابن ولاية تزويج أمه إذا كانت مجنونة أو معتوهة عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀: ليس له ذلك.

стр. 122

حجة أبي حنيفة ﵁: أن الإبن مقدم على جميع العصبات وهذه الولاية مبنية عليها لقوله ﷺ : "النكاح إلى العصبات" والذي يويد هذا ما روي أن أم سلمة ﵂ لما انقضت عدتها عن أبي سلمة ﵁ خطبها رسول الله ﷺ فقال لولدها عمر: "قم يا عمر زوج أمك من رسول الله ﷺ " حجة الشافعي ﵀: أن الابن يستحيي من تزويج أمه فيكون عاجزا عن السؤال والتفحص ولا يكون له العلم بالمصالح والمفاسد فلا يصح له التزويج. الجواب عنه: أن هذا القياس مخالف للنص المذكور فلا يقبل. مسألة: يجوز لابن العم أن يزوج ابنة عمه من نفسه بحضرة شاهدين إذا كان وليا عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ لا يجوز. حجة أبي حنيفة ﵁: أن الواحد يجوز له أن يتولى طرفي العقد بدليل ما روي عن عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ قال لرجل: "أترضى أن أزوجك فلانة" قال: نعم وقال للمرأة: "أترضين أن أزوجك فلانا" قالت: نعم فزوج أحدهما صاحبه وقال عبد الرحمن بن عوف ﵁ لأم حكيم بنت قارظ: أتجعلين أمرك إلي قالت: نعم قال: فقد تزوجتك ذكره البخاري في صحيحه. حجة الشافعي ﵀: قوله ﷺ : "كل نكاح لم يحضره أربعة فهو سفاح الخاطب والولي وشاهدا عدل" الجواب عنه: أن هذا الحديث ضعيف لأن فيه أبا الخصيب قال الدارقطني: اسمه نافع بن ميسرة مجهول ولئن سلمنا صحته فالشخص إذا صار وليا خاطبا فهو كشخصين وعبارته كعبارتين فوجد حضور الأربعة معنى والعبرة للمعاني.

стр. 123

مسألة: الولي يملك إجبار عبده على النكاح عند أبي حنيفة ﵁ وقال الشافعي ﵀: لا يملك ذلك. حجة أبي حنيفة ﵁: قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ ١ فمقتضاه الإجبار إذا أبى لأن الأمر مقتضاه التمكين فلو كان عاجزا لما خوطب بذلك ولأن النكاح إصلاح ملكه وتحصينه عن الزنا الذي هو سبب الهلاك والنقصان فيملكه قياسا على الأمة. حجة الشافعي ﵀: قوله ﷺ : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". الجواب عنه: أنه قد خص من هذا الحديث الصبي والمجنون والمعتوه فيخص العبد بما ذكرنا لأن المراد رفع الإثم دون الحكم لأن عين الخطأ والنسيان والإكراه موجود ولأن ما ذكرنا نص فيرجح على الخبر. مسألة: النكاح ينعقد بلفظ الهبة والبيع والتمليك والصدقة ونحوه عند أبي حنيفة ﵁ كما ينعقد بلفظ الإنكاح والتزويج وقال: الشافعي ﵀ لا ينعقد النكاح إلا بلفظ الإنكاح أو التزويج ولفظ الهبة كان مخصوصا للنبي ﷺ لا لغيره. حجة أبي حنيفة ﵁: ما ثبت في البخاري أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت جئت أهب لك نفسي فقال: ما بي للنساء من حاجة فقال رجل من أصحابه زوجني بها إن لم يكن لك بها حاجة فقال: "ملكتكها بما معك من القرآن" فقد أنكح النبي ﷺ بلفظ التمليك فلا يختص بلفظ التزويج والإنكاح. حجة الشافعي ﵀: قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا

стр. 124

لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١ فدل على انعقاد النكاح بلفظ الهبة من خصائص النبي ﷺ ولا يجوز ذلك لأمته. الجواب عنه: أن هذه الآية دليل لنا فإنه قد انعقد النكاح بلفظ الهبة ولا اختصاص برسول الله ﷺ من حيث اللفظ لأنه لا تعظيم في اختصاصه بلفظ وإنما التعظيم والاختصاص في سقوط المهر واستباحة العضو له من غير بدل دون أمته وهو الصحيح وقد روي عن مجاهد وسعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح وتدل عليه وجوه. الأول: قوله تعالى: ﴿لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ ٢ والحرج إنما يكون في وجوب المهر لا في شرعية النكاح بلفظ الهبة والشرعية بغير مهر تلزم كثرة الاختصاص والأصل عدمه لكون الثاني: أصلا. الثاني: أنه لما أخبر في هذه الاية أن ذلك كان خالصا له دون أمته مع إضافة لفظ الهبة إلى المرأة بقوله ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾ دل ذلك على أن ما خص به ﷺ من ذلك إنما هو استباحة العضو وهو البضع بغير بدل لأنه لو كان المراد اللفظ لما شاركه فيه غيره ولو كان من نسائه لأن المشاركة تنافي التخصيص فلما انضاف لفظ الهبة إلى امرأة علم أن التخصيص لم يقع في مجرد اللفظ بل عدم وجوب المهر عليه. مسألة: لا يجوز نكاح الأخت في عدة الأخت عن طلاق بائن أو ثلاث عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ يجوز. حجة أبي حنيفة ﵁: قوله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجمعن ماءه في رحم أختين" وروى عبيدة السلماني ما اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ على شيء كاجتماعهم على تحريم نكاح الأخت في عدة الأخت كعلي وابن مسعود وغيرهما وروي أن هذه الحادثة وقعت في زمن

стр. 125

مروان فشاور الصحابة فاتففوا على تحريمه ولأن نكاح الأول: ى قائم من وجه لبقاء أحكامه كالنفقة والمنع والفراش والاحتياط في عدم الجواز. حجة الشافعي ﵀: أن نكاح الأخت انقطع بالكلية بالثلاث أو الطلاق البائن فصارت كالأجنبية المحضة ولهذا لو وطئها مع العلم بالحرمة يجب عليه الحد فإذا صارت أجنبية مطلقة جاز نكاح أختها لقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ١ ولا يكون جمعا بين الأختين. الجواب عنه: أنها لم تصر أجنبية بالبائن من جميع الوجوه لبقاء الأحكام التي ذكرنا من وجوب النفقة والسكنى فلا يجب عليه الحد في رواية وإن كان الحد واجبا في رواية أخرى لأن الملك قد زال في حق الحل فيثبت الزنا ولم يرتفع في حق ما ذكرنا من الأحكام فيصير جامعا بين الأختين من وجه والاحتياط في باب الفرج الحرمة فيترجح مذهبنا وما ذكرتم مخالف لإجماع الصحابة والحديث المذكور فلا يعتبر. مسألة: الزنا يوجب حرمة المصاهرة فمن زنا بامرأة حرمت عليه أمها وابنتها على مذهب أبي حنيفة ﵁ وهو قول عمر وابن مسعود وعمران ابن الحصين وجابر وأبي بن كعب وعائشة وابن عباس ﵃ في الأصح من مذهبه وجمهور التابعين كالشعبي والحسن البصري وإبراهيم النخعي والأوزاعي وطاووس ومجاهد وعطاء وسعيد بن المسيب ﵃ وقال الشافعي ﵀ لا يحرم. حجة أبي حنيفة ﵁: قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ ٢ المراد بالنكاح الوطء لأنه حقيقة فيه وهو متناول للوطء الحلال والحرام والدليل على أن الوطء هو المراد قوله ﷺ : "من وطئ امرأة حرمت عليه أمها وابنتها" وقوله ﷺ : "من نظر إلى فرج امرأة لم تحل له أمها

стр. 126

وابنتها" ذكره ابن أبي شيبة في مصنفه وفي رواية عنه ﵊ "من مس امرأة بشهوة حرمت عليه أمها وابنتها" ذكره السمعاني في الكفاية. حجة الشافعي ﵀: قوله ﷺ : "لا يحرم الحرام الحلال" والزنا حرام فلا يحرم به الأم والبنت الحلالين. الجواب عنه: أن في هذا الحديث عثمان بن عبد الرحمن قال: يحيى بن معين كان يكذب وضعفه علي بن المديني جدا وقال: البخاري وأبو داود والنسائي ليس بشيء وقال: الدارقطني متروك وقال: ابن حبان يروي الموضوعات عن الثقات لا يجوز الاحتجاج به فلو سلم أنه صحيح فهو خبر الواحد لا يعمل به مع مخالفة الكتاب وهو قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ وقد عضد هذا إجماع الصحابة. مسألة: البنت المخلوقة من ماء الزنا يحرم على الزاني نكاحها عند أبي حنيفة ﵁ وقال: الشافعي يحل ويكره. حجة أبي حنيفة ﵁: النص والحديث والمعقول أما النص فقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ ١ وهذه بنته حقيقة لأنها مخلوقة من مائه فإذا قيل المراد به البنت المنسوبة إليه شرعا وهذه غير منسوبة إليه شرعا ولهذا لا ترث قلنا أنها غير منسوبة إليه شرعا ولكنها مخلوقة من مائه حقيقة فاعتبرنا الحقيقة وحرمة النكاح احتياطا واعتبرنا كونها غير منسوبة إليه شرعا في حرمان الإرث عملا بالمعنيين قال: ابن الجوزي قلت لبعض كبار الشافعية أليس الله خاطب العرب بما تعرفه فقال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ وهذا الزاني يعرف قبل الإسلام أن هذه ابنته فتحرم عليه ما هي بنته في لسانه ومعتقده فقال: ليست بنته في الشرع فقلت الشرع لا يدفع المعلومات الحسية فلم يكن له عنه جواب وأما الحديث

стр. 127

فما مر من قوله ﷺ : "من نظر إلى فرج امرأة لم تحل له أمها ولا ابنتها" ذكره ابن أبي شيبة في مصنفه وفي رواية عنه ﷺ أنه قال: "من مس امرأة بشهوة حرمت عليه أمها وابنتها" ذكره السمعاني في الكفاية فلو لم تكن هذه مخلوقة من مائه كانت تحرم عليه بهذا الحديث فكيف إذا كانت من مائه وأما المعقول فلأنها خلقت من مائه فتكون جزءا منه حقيقة وحسا كما هي جزء أمها والاستمتاع بالجزء حرام لما ورد في الصجيج في قضية امرأة هلال بن أمية مع شريك ابن سحماء إن جاءت به على صفة كذا فهو لشريك بن سحماء يعني الذي زنى. حجة الشافعي ﵁: أن البنت الحاصلة من الزنا ليس ببنت له شرعا بالإجماع في أربعة عشر حكما. الأول: لو ادعت النسب منه منعها القاضي من ذلك. . الثاني: أنها لاترث منه ولو كانت بنتا له لورثت منه. الثالث: أنه لا يملك تزويجها ولو كانت بنته يملك تزويجها لقوله ﷺ : "زوجوا بناتكم الأكفاء" الرابع: أنه لا يكون له ولاية على مالها بالإجماع. الخامس: أنه لا تجب عليه نفقتها وكسوتها. السادس: أنه يحرم عليه النظر إليها ولو كانت بنتا له لما كان يحرم ذلك. السابع: أنه يقبل القاضي شهادته لها ولو كانت بنتا له لما قبل شهادته في حقها. الثامن: لا يحل له أن يرقد معها في بيت. التاسع: أنه لا يحل له المسافرة معها. العاشر: أنه لو قتلها وجب عليه القصاص ولو كانت بنتا له لما قتل بها.

стр. 128

الحادي عشر: أنه يجوز أداء زكاته إليها ولو كانت بنتا له لما جاز ذلك. الثاني عشر: أنه لو زنى بامرأة لا يصح دعوى النسب من الولد الحاصل بالزنى. الثالث عشر: أنه لو زنى بامرأة إنسان فولدت من الزاني فيكون هذا الولد ثابت النسب على. صاحب الفراش البتة فلو كان الولد للزاني أيضا لكان لولد واحد والدان وهو محال فإذا ثبت نسبه من صاحب الفراش شرعا لا يثبت من الزاني. الرابع: عشر: أن إثبات النسب من الزانى موجب لظهور الفاحشة فهو حرام لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١ فإذا لم تكن بنتا له في هذه الأحكام فكذا لا تكون بنتا له في حرمة النكاح فيحل له نكاحها لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ٢. الجواب عنه: أن هذه الأحكام التي ذكرت مبنية على ثبوت النسب شرعا وهي غير ثابتة النسب منه فلا تثبت هذه الأحكام أما الحرمة فإنها غير مبنية على ثبوت النسب بل هي باعتبار الجزئية والبعضية حقيقة وحسا وإن لم تكن ثابتة النسب منه شرعا إذ الاستمتاع بالجزء حرام وإن لم تكن بنتا له شرعا والحسية لا مرد لها وفي الاحتياط أوجب وأولى إذ مبني الأبضاع على الاحتياط. مسألة: يجوز للإنسان أن يتزوج حارية ابنه عند أبي حنيفة ﵁ وقال: الشافعي ﵀ لا يجوز ذلك. حجة أبي حنيفة ﵁: أنه ليس للأب في جارية الابن حقيقة

стр. 129

الملك فيجوز له التزوج بها بالعمومات وهو قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ, فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ألا ترى أن الابن ملكها من كل وجه فمن المحال أن يملكها الأب ولهذا يملك الابن من التصرفات كالبيع والهبة والوصية ما لا يبقى معه ملك الأب لو كان فدل على انتفاء ملك الأب. حجة الشافعي ﵀ من وجهين: الأول: قوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ ١ والجارية حلال للابن فتحرم على أبيه. الجواب عنه: المراد من الحلائل الزوجات أو الأمة الموطوءة التي ملكها أما الأمة التي ملكها ولم يطأها فليست بمرادة من النص. الثاني: قوله ﷺ : "أنت ومالك لأبيك" فيكون للأب شبهة الملك في مال الابن فتكون مملوكة من وجه فلا يحل له التزوج بها. الجواب عنه: أن الحقيقة ليست بمرادة فإن الإجماع ينعقد على أن الابن ماله ليس بمملوك للأب وإلا ما جاز بيعه ولا هبته فلا يحمل الكلام على التمليك بل على الاختصاص بأن يكون له حق التمليك عند الاحتياج إلى النفقة وغيرها فإذا لم تكن الجارية ملكا حقيقة جاز التزوج بها. مسألة: للحر أن يتزوج بالأمة مع القدرة على نكاح الحرة عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ لا يجوز له أن يتزوج بأمة الغير إذا كان قادرا على نكاح الحرة أو لا يكون خائفا من الوقوع في الزنا. حجة أبي حنيفة ﵁: العمومات وهي قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ, فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ .

стр. 130

حجة الشافعي ﵀: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ١ فالله تعالى علق نكاح الأمة بعدم استطاعة طول الحرة والمعلق بالشرط منتف قبل ثبوته. الجواب عنه: أن مفهوم الشرط ليس بحجة عندنا على ما عرف في الأصول. مسألة: إذا سبي الزوجان معا لا تقع الفرقة بينهما عند أبي حنيفة ﵁ وقال: الشافعي ﵀ تقع الفرقة بينهما والخلاف مبني على أن الفرقة بتباين الدارين حقيقة أو حكما أو السبي فعند أبي حنيفة ﵁ يتباين الدارين ولم يوجد وعند الشافعي ﵀ قد وجد السبي. حجة أبي حنيفة ﵁: أن تباين الدارين حقيقة وحكما لا تنتظم به المصالح فتناسبه الحرمة إذ النكاح لا يطلب إلا للمصالح فيفوت بفواتها وقد قال الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ ٢ إلى قوله تعالى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ ٣ حجة الشافعي ﵀ ما روي أنه ﷺ قال: "في سبايا أوطاس لا توطأ الحبالى حتى يضعن حملهن ولا الحبالى حتى تستبرئن بحيضة" فدل الحديث على أنه يجوز الدخول بهن بعد وضع الحمل والاستبراء بحيضة ولو كان النكاح قائما بينهما لما أباح النبي ﷺ جماعهن بعد الاستبراء أو الوضع. الجواب عنه: أن الحديث محمول على ما إذا سبيت وحدها عملا بالدليلين. مسألة: إذا كان بالزوجة أحد العيوب الخمسة التي هي الجنون والجذام والبرص والرتق والقرن فليس للزوج خيار فسخ النكاح عند

стр. 131

أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ يرد النكاح بهذه العيوب الخمسة. حجة أبي حنيفة ﵁: قوله ﷺ : "لا قيلولة في النكاح". ولأن فوت الاستمتاع بالموت لا يوجب فسخ النكاح فاختلاله بهذه العيوب أولى وهذا لأن المستحق هو التمكين وهو حاصل ولأن فسخ النكاح ضرر وهو غير مشروع لقوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" بخلاف ما إذا وجدت الزوج مجبوبا أو عنينا لأنها تعجز عن قضاء وطرها بغيره وأما الزوج فلا يعجز عن قضاء وطره بغيرها فيكون الضرر من جانبها أقوى. حجة الشافعي ﵀: أن النبي ﷺ تزوج امرأة من الأنصار فرأى في بدنها برصا ففسخ نكاحها. الجواب عنه: يحتمل أن يكون المراد أنه طلقها فيحمل عليه جمعا بين الأدلة. مسألة: إذا تزوج امرأة وصرح بنفي المهر يصح النكاح ويجب مهر المثل بنفس العقد عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ لا يجب لها شيء أصلا. حجة أبي حنيفة ﵁: قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ ١ فينبغي أن يكون الابتغاء هو النكاح ملصقا بالمال فيجب بمجرد العقد وما روي عن ابن مسعود ﵁ أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ثم مات عنها ولم يفرض لها صداق ولم يكن دخل بها قال: أرى لها مثل صداق نسائها ولها الميراث وعليها العدة فشهد معقل بن سنان الأشجعي أنه ﷺ قضى في تزويج بروع بنت واشق الأشجعية بمثل ما قضيت قال: الترمذي حديث حسن صحيح وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه أيضا.

стр. 132

حجة الشافعي ﵀: أنه لما نفى الزوج صريحا ولم يقبل ورضيت بذلك المرأة لم يلزم عليه وإلا يلزم عليه من غير التزامه وهذا ليس له أصل في الشريعة فلا يجوز. الجواب عنه: أن هذا قياس في مقابلة النص وهو الحديث المذكور فلا يجوز. مسألة: إذا تزوج امرأة وخلا بها خلوة صحيحة بأن لم يكن هناك مانع من الوطء حسا أو شرعا ثم طلقها قبل الدخول بها فلها كامل المهر عند أبي حنيفة ﵁ وهو قول جمهور الصحابة مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم ﵃ كزيد بن ثابت وابن عمر ومعاذ والمغيرة وعروة وأبي موسى وجمهور التابعين ومن بعدهم مثل زين العابدين وسعيد بن المسيب والزهري والنخعي والأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق بن راهويه ﵃ وقال: الشافعي ﵀ لها نصف المهر. حجة أبي حنيفة ﵁: ما حكاه الطحاوي عن إجماع الصحابة وقال: أبو بكر الرازي هو اتفاق الصدر الأول: وروى أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه عن عوف عن زرارة ابن أبي أوفى قال: سمعته يقول قضى الخلفاء الراشدون المهديون أن من أغلق بابا وأرخى سترا فقد وجب المهر ووجبت العدة. وروى ثوبان أن النبي ﷺ قال: "من كشف خمار امرأة ونظر إليها وجب الصداق دخل بها أو لم يدخل" رواه الداقطني. ولما دخلت بنت يزيد الغفارية على النبي ﷺ وجردها اللباه رأى بها وضحا ردها وقد أوجب لها مهرا وحرمت على من بعده وصارت سنة فيمن دخل على امرأة فأغلق بابا أو أرخى سترا أو جرد ثوبا أو خلا للباه أفضى أو لم يفض فقد وجب عليه الصداق وكذا الشيباء طلقها وأوجب لها مهرا ذكره ابن عساكر.

стр. 133

حجة الشافعي ﵀: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ وهذا النص صريح في الباب. الجواب عنه: يجوز أن يكون كنى بالمسبب وهو المس عن السبب الذي هو الخلوة إذ الخلوة الصحيحة للمس ظاهرا وكذا الإفضاء هو الخلوة لأنه مأخوذ من الفضاء وهو المكان الخالي ولأن الخلوة مس حكما على ما ذكرنا فلا يكون مخالفا للنص. مسألة: الخلع تطليقة بائنة عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ فسخ للنكاح. حجة أبي حنيفة ﵁: قوله ﷺ : "الخلع تطليقة بائنة" حجة الشافعي ﵀: قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ ١ ذكر الطلاق مرتين ثم ذكر الخلع بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ ٢ ثم ذكر الطلاق بعد الخلع بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ فلو كان الخلع طلاقا لزم كون الطلاق أربعا. الجواب عنه: أن هذا النص دل على أن الخلع طلاق إذ لو كان فسخا لما وقع الطلاق بعده وهذا النص يقتضي صحة وقوع الطلاق بعده حيث قال: فإن طلقها والفاء للوصل والتعقيب والمراد بقوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ بيان الشرعية لا الوقوع ولا يلزم من بيان الشرعية وجود الطلاق فلا يصير الطلاق أربعا. مسألة: المختلعة يلحقها صريح الطلاق عند أبي حنيفة ﵁

стр. 134

وهو قول ابن مسعود وأبي الدرداء وعمران بن الحصين ﵃ وقال: الشافعي ﵀ لا يلحقها ذلك. حجة أبي حنيفة ﵁: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ وجه الاستدلال أن الله ذكر وقوع الطلاق عقيب الخلع فدل على شرعيته بعده وما روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "المختلعة يلحقها صريح الطلاق ما دامت في العدة". حجة الشافعي ﵀: أن المختلعة صارت أجنبية لم تبق في عقد نكاحه بدليل أنها لا تحل له إلا بعقد جديد ولو كان النكاح قائما لما احتاج إلى عقد جديد وإذا لم يبق النكاح لا يقع طلاقه إذ الطلاق لإزالة قيد النكاح والتقدير أنه لا نكاح بينهما فلا يمكن إزالته. الجواب عنه: أن النكاح قائم من وجه قبل انقضاء العدة لقيام بعض الأحكام من وجوب النفقة والسكنى وثبوت النسب والمنع من الخروج والتزوج بآخر وقيام الفراش فيلحقها الطلاق.

стр. 135

كتاب الطلاق مسألة: إذا قال: للأجنبية إن تزوجتك فأنت طالق فتزوجها وقع عليه الطلاق عند أبي حنيفة ﵁ وهو قول عمر وابن مسعود وابن عمر والزهري وابن المسيب والنخعي والشعبي ومكحول وسالم بن عبد الله ﵃ وعند الشافعي ﵀ لا يقع. حجة أبي حنيفة ﵁: إجماع الصحابة والتابعين والعمومات والقياس على ما لو قال لامرأته إن تزوجت فلانة فأنت طالق والجامع بينهما دفع الحاجة المناسبة إلى تحقيق المانع من نكاح تلك لجواز كونها سيئة الأخلاق بذيئة اللسان لا يمكنه الامتناع من تزويجها إلا بمثل التعليق فورد الشرع بصحة التعليق في الأصل فتقتضي الصحة في الفرع. حجة الشافعي ﵀: أن الصحابة ﵃ سألوا عن هذه المسألة: فقال النبي ﷺ : "لا طلاق قبل النكاح". الجواب عنه: أنا نقول بموجبه فإن الطلاق لا يقع عندنا قبل النكاح إنما يقع بعده. مسألة: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا بكلمة واحدة فهو بدعة وحرام عند أبي حنيفة ﵁ وهو قول جمهور الصحابة مثل أبي بكر وعمر وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعمران بن الحصين ﵃ وعند الشافعي ﵀ ليس بحرام بل هو مشروع مباح. حجة أبي حنيفة ﵁: قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ ١ لإظهار عدتهن هكذا فسره ترجمان القرآن ابن عباس ﵄ وقال تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ ٢ أي الطلاق الرجعي مرة بعد أخرى لا دفعة

стр. 136

فيقتضي شرعيته متفرقا وقوله ﵊: "إن من السنة أن تستقبل العدة استقبالا فتطلقها في كل طهر بطلقة واحدة" وهذا حديث ابن عمر ﵄ في سياقه أن النبي ﷺ قال لعمر ﵁ لما سمع أن ابنه طلق امرأته في الحيض: "مر ابنك أن يراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فإن شاء أمسك وإن شاء طلق فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء " وفي رواية "هكذا أمر ربك إن من السنة أن تستقبل الطهر استقبالا فتطلقها لكل طهر تطليقة". وروي أن رجلا طلق امرأته بين يدي رسول الله ﷺ فغضب النبي ﷺ وقال: "أتلعبون بكتاب الله وأنا بين أظهركم" سماه لعبا بكتاب الله وهو حرام. وحكى محمد ﵀ أن إجماع الصحابة ﵃ على ما هو عليه مذهبنا فكان عمر ﵁ لا يؤتى برجل طلق امرأته ثلاثا إلا علاه بالدرة. حجة الشافعي ﵀: قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ١ أطلق ولم يفصل فيقتضي الشرعية بأي طريق كان. الجواب عنه: أن هذا النص ساكت عن ذكر العدد وما ذكرنا صريح فيكون أولى. مسألة: الطلاق الواقع بالكنايات نحو أنت حرام أو بائن أو بتة طلاق بائن عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ الواقع بجميع الكنايات رجعي. حجة أبي حنيفة ﵁: أن العمل بموجب اللفظ واجب وقد صرح بالبينونة والحرمة فثبت موجبها وهو كون الطلاق بائنا وهو مروي عن

стр. 137

عمر وعلي وعثمان ﵃. حجة الشافعي ﵀: أن الصريح أقوى من الكناية لأن الصريح لا يحتاج إلى النية والكناية تحتاج إليها فإذا وقع الطلاق الرجعي بالصريح فبالكناية أولى لأنها كناية عن الصريح. الجواب عنه: أن هذه الإطلاقات ليست بكناية عن الطلاق حقيقة بل هي حوامل لحقائقها لكن الإبهام فيما يحصل به الاستتار بالنسبة إلى المحل فلهذا الإبهام سميت كنايات مجازا فاحتاجت إلى النية فبعد النية كانت عاملة بموجبها بخلاف الصريح فان موجبه أن يكون معقبة للرجعية دون البينونة بالنص والاتباع فافترقا والكناية قد تكون أقوى من الصريح باتفاق أهل البيان. مسألة: لو قال لأمته أنت طالق ونوى به العتق لم تعتق عند أبي حنيفة ﵁ وقال: الشافعي ﵀ تعتق إذا نوى. حجة أبي حنيفة ﵁: أنه نوى ما لا يحتمله لفظه لأن الإعتاق إثبات قوة في محل سلبت عنه القوة والطلاق رفع قيد عن محل رجعت فيه القوة فلا مناسبة بينهما فلا يصح مجازا عنه. حجة الشافعي ﵀: أن الطلاق عبارة عن إزالة القيد والعبودية قيد فإذا ذكر لفظ الطلاق ونوى به إزالة قيد العبودية يصح لأنه نوى محتمل كلامه. الجواب عنه: ما مر من الفرق وهو أن الطلاق رافع أي أن الطلاق إزالة قيد النكاح والإعتاق مثبت للقوة فلا مناسبة بينهما. مسألة: إذا قال: لإمرأته أنت طالق أو طلقتك ونوى الثلاث أو الاثنين لا يقع إلا واحدة عند أبي حنيفة ﵁ وهو قول جمهور الصحابة مثل أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعمران بن الحصين ﵃ وعند الشافعي ﵀ يقع ما نوى من الثلاث أو الاثنتين.

стр. 138

حجة أبي حنيفة ﵁: أن قوله أنت طالق فنعت فرد حتى قيل للمثنى طالقان وللثلاث طوالق فلا يحتمل العدد لأنه ضده والشيء لا يحتمل ضده. حجة الشافعي ﵀: قوله ﷺ : "لكل امرئ ما نوى" فإذا نوى الثلاث ههنا ينبغي أن يقع الثلاث. الجواب عنه: أن النية بدون اللفظ لا تحتمل الثلاث فلا تقتضي وقوع الثلاث بالاتفاق حتى لو قال: لها أنت طالق واحدة ونوى الثلاث لا يقع إلا واحدة فكذا فيما نحن فيه طالق لا يحتمل الثلاث فلا تصح النية فيه والمراد من الحديث "لكل امرئ ما نوى" أي ثواب ما نوى ونحن نقول بموجبه ولا تعلق له بالمتنازع. مسألة: إذا قال: الرجل لامرأته أنا منك طالق ونوى الطلاق لا يقع به الطلاق عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ يقع. حجة أبي حنيفة ﵁: أن الطلاق إزالة قيد النكاح فيعمل في محل قيام النكاح والرجل ليس منكوحا لامرأته فلا يكون محلا للطلاق ألا ترى أنها هي الممنوعة عن التزوج والخروج ولهذا سميت منكوحة. حجة الشافعي ﵀: لو قال لها أنا منك بائن ونوى الطلاق يقع بالإجماع مع أن هذا اللفظ كناية وهي ضعيفة من الصريح فإذا وقع الطلاق بالضعيف فبالقوي أولى. الجواب عنه: أن مقتضى ذلك زوال وصلة النكاح وهي قائمة بينهما فصحت إضافته إلى كل واحد منهما وأما مقتضى الطلاق فهو رفع القيد عن النكاح فيصح إضافته إليها دونه. مسألة: إذا قال: لامرأته يدك طالق لا يقع الطلاق عند أبي حنيفة ﵁ وقال: الشافعي ﵀ يقع به. حجة أبي حنيفة ﵁: أنه أضاف الطلاق إلى غير محله فيلغوا

стр. 139

كما لو قال: شعرك طالق وهذا لأن محل الطلاق ما يكون محلا للنكاح لأنه عبارة عن رفع قيد النكاح ولا قيد في اليد والشعر ولهذا لا يصح إضافة النكاح إليه حجة الشافعي ﵀: أنه لو قال: لها طلقتك نصف طلقة أو نصف يوم تقع الطلقة الكاملة في العمر كله فعلم أن بناء أمر الطلاق على النفاذ وشرعه الوقوع فإذا كان كذلك ينبغي أن لو قال: يدك طالق يقع الطلاق كاملا. الجواب عنه: أن الطلاق لا يتجزأ وذكر بعض مالا يتجزأ كذكر كله فإذا طلقها نصف تطليقة كانت طالقا تطليقة كاملة كذلك وكذا لا يتخصص الطلاق بوقت فإذا وقع في وقت كان واقعا في جميع الأوقات بخلاف قوله يدك طالق فان اليد غير محل لبعض الطلاق ولا لكله فلم يعتبر لكونه مضافا إلى غير محله فصار كما لو قال: ريقك طالق. مسألة: طلاق المكره واقع عند أبي حنيفة ﵁ وهو قول عمر وعلي وابن عمر وابن جبير والشعبي والنخعي والزهري وابن المسيب وشريح وقتادة والثوري وعمر بن عبد العزيز ﵃ وقال: الشافعي ﵀ غير واقع. حجة أبي حنيفة ﵁ قوله ﷺ : "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة" رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي قال: حديث حسن غريب وهو معمول به عند أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم فدل على أن الرضى ليس بشرط في وقوع الطلاق. وروي عن علي بن الحسن وعبد الحق والعقيلي من حديث صفوان الأصم أن رجلا كان نائما مع امرأته فقامت فأخذت سكينا وجلست على صدره فوضعت السكين على حلقه وقالت طلقني وإلا ذبحتك فناشدها الله فأبت فطلقها ثلاثا فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "لا قيلولة في الطلاق".

стр. 140

وروى الطحاوي عن أبي سنان قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول طلاق السكران والمكره واقع ولأنه قصد إيقاع الطلاق في منكوحته حال أهليته فلا يعرى عن قضيته وهذا لأنه عرف الشرين فاختار أهونهما وهذا علامة القصد والاختيار لأنه غير راض بحكمه وذلك غير مانع من وقوع الطلاق كالهازل. حجة الشافعي ﵀: قوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ١ فلا يكون له أثر فلا يقع الطلاق حالة الإكراه. الجواب عنه: معنى الآية أن الله تعالى ما أمر بالإيمان على الإجبار بل على الاختيار ولأن الإيمان لا يتم إلا بتصديق القلب وذلك لا يحصل بالإكراه. والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ ٢ أي تمييز الإيمان من الكفر بالدلائل الواضحة فلا يحتاج إلى الإكراه فان الإيمان لا يحصل به فاذا كان هذا مرادا بالنص لا يكون للاية دلالة على طلاق المكره. مسألة: إذا طلق الرجل امرأته في مرض موته ثلاثا أو واحدا بائنا فمات في العدة ورثته عند أبي حنيفة ﵁ وقال: الشافعي ﵀ لا ترثه. حجة أبي حنيفة ﵁: إجماع الصحابة ﵃ فإنه روي أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ طلق امرأته في مرض موته فورثها عثمان ﵁ وقال: فر من كتاب الله وكان ذلك بمحضر من الصحابة بلا نكير ووافقه علي وأبي وابن مسعود ﵃ وأشار بقوله فر من كتاب الله إلى قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ﴾ . وروي عن الشعبي أن عمر ﵁ كتب إلى أبي موسى وشريح

стр. 141

أن ورثا امرأة الفار وكذا حكى الكرخي عن عائشة ﵂ والحسن البصري والنخعي وشريح والشعبي وطاووس اليماني ﵃ ولأن الزوجية سبب إرثها في مرض موته وهو قصد إبطاله فيرد عليه قصده دفعا للضرر عنها. حجة الشافعي ﵀: أن هذه ليست بزوجة لبطلان الزوجية بالثلاث بدليل أنه لو ماتت المرأة لا يرث الزوج عنها بالإجماع فإن لم تكن هي زوجته يكون الربع والثمن يصيب غيرها من الزوجات لقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ ١ الآية فلا يمكن إبطال حقهن بإعطاء النصيب من الميراث. الجواب عنه: أن النكاح في العدة قائم في حق بعض الآثار كثبوت النسب والمنع من الخروج والبروز والنفقة والسكنى فجاز أن يبقى في حق إرثها عنه دفعا للضرر عنها بدون رضاها بخلاف إرثه عنها لأنه رضي بإبطال حقه حيث أقدم على البينونة. مسألة: إذا طلق الرجل امرأته الحرة وانقضت عدتها وتزوجت بزوج آخر فطلقها وانقضت عدتها ثم عادت إلى الزوج الأول: مطلقها ثنتين يملك الرجعة عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ لا يملك الرجعة وهذه المسألة: مبنية على أن الزواج الثاني: يهدم ما دون الثلاث عند أبي حنيفة ﵁ وأبي يوسف ﵀ وهو قول ابن مسعود وابن عمر وابن عباس ﵃ خلافا للشافعي ومحمد وزفر. حجة أبي حنيفة ﵁: قوله عليه أفضل الصلاة والسلام "لعن الله المحلل والمحلل له" سماه محللا وهو مثبت للحل الجديد فيقتضي أن الزوج الثاني: يهدم ما طلقها الأول: لأنه إذا هدم الثلاث فما دونها أولى.

стр. 142

حجة الشافعي ﵀: أن الزوج الأول لما طلق في النكاح الأول: طلقة وفي الثاني طلقتين صار المجموع ثلاثا وبعد الثلاث لا يمكن الرجعة لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ ١. الجواب عنه: أن المراد بالآية الكريمة إيقاع الثلاث قبل الزوج الثاني: لأن الله تعالى بين حق الرجعة بعد المرتين بقوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ ٢ ثم طلقها فينصرف إلى إطلاقها في هذه الحالة وهذه الحالة قيام العدة وإنما تكون العدة قائمة قبل التزوج بزوج آخر. مسألة: الطلاق معتبر بالنساء عند أبي حنيفة ﵁ وهو قول علي وابن مسعود ﵄ وقال: الشافعي ﵀ يعتبر بالرجال وفائدة الخلاف تظهر في المسألتين. إحداهما: لو كان الزوج حرا والمرأة أمة يملك ثلاث تطليقات عند الشافعي ﵀ وعند أبي حنيفة ﵁ تطليقتين. وثانيهما: لو كان الزوج عبدا والمرأة حرة فعند أبي حنيفة ﵁ يملك ثلاثا وعند الشافعي ﵀ طلقتين. حجة أبي حنيفة ﵁: قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ ٣ أي أطهار عدتهن قاله ابن عباس ﵄ فإذا كانت عدة الحرة ثلاثة أقراء فينبغي أن يكون طلاقها ثلاثا سواء كان زوجها حرا أو عبدا وإذا كانت عدة الأمة قرأين فينبغي أن يكون طلاقها ثنتين لقوله ﷺ : "طلاق الأمة ثنتان وعدتها حيضتان" من غير فصل بين حر وعبد وروى ابن عمر ﵄ أنه ﷺ قال: "إذا كانت الأمة تحت الرجل فطلقها

стр. 143

تطليقتين ثم استبرأها لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره" حجة الشافعي ﵀: أن اعتبار حرية الرجل أولى من اعتبار حرية المرأة لقوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ ١ وهذا نص صريح في أن اعتبار جانبه أولى. الجواب عنه: أن الآية ليست بصريحة في أن الطلاق معتبر في الرجال فيكون ما ذكرنا من الآية راجحا عليها لكونها صريحة باعتباره بالنساء أو نقول لما تعارضت الآيتان بقي التمسك بالحديث الذي ذكرنا. مسألة: التنجيز يبطل التعليق عند أبي حنيفة ﵁ وقال: الشافعي ﵀ لا يبطله حتى لو قال: لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق ثم قال: لها أنت طالق ثلاثا فتزوجها غيره ودخل بها ثم رجعت إلى الأول: ودخلت الدار لم يقع شيء عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ تقع الثلاث المعلقة. حجة أبي حنيفة ﵁: أن اللفظ وإن كان مطلقا لكن قرينة الحال دليل على أن المراد الحل القائم لأن الجزاء طلقات هذا الملك لأنها هي المانعة لأن الظاهر عدم ما يحدث واليمين تعقد للمنع أو الحمل وإذا كان الجزاء ما ذكرنا وقد فات بتنجيز الثلاث المبطل للمحلية فلا تبقى اليمين. حجة الشافعي ﵀: أن لفظ التعليق مطلق فيتناول الحل القائم في النكاح الأول: والحادث بالنكاح الثاني: وقد بقي احتمال النكاح الثاني: فيبقى اليمين. الجواب عنه: أن المطلق يجوز تقييده بما ذكرناه من الدليل. مسألة: الطلاق الرجعي لا يحرم الوطء عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ يحرم.

стр. 144

حجة أبي حنيفة ﵁: أن الزوجية قائمة ما دامت في العدة في كثير من أحكام الشرع كالطلاق والإيلاء والظهار واللعان واستحقاق الميراث والنفقة والسكنى والمنع من الخروج والبروز وحرمة أختها وأربع سواها ولهذا يملك مراجعتها بلا رضاها لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ ١ سماه بعلا فتكون هي زوجته فيصح وطؤها لبقاء الزوجية في الأحكام المذكورة فكذا في حل الوطء لقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ ٢. حجة الشافعي ﵀: أن الأصل في الأبضاع الحرمة بدليل أنه تعارض دليلان أحدهما موجب للحل والآخر للحرمة فرجحنا الدليل الموجب للحرمة فإذا كان الأصل في الإبضاع الحرمة لم يخالف هذا الأصل إلا عند قيام النكاح التام فإذا طلقها وقع الخلل في النكاح فيبقى على أصل الحرمة. الجواب عنه: أن الخلل إنما يقع فيه بعد انقضاء العدة وأما ما دامت في العدة فلا خلل فيه لما ذكرنا من أحكام الزوجية وقد اعترف الإمام فخر الدين أن دليلنا أقوى. مسألة: إذ ظاهر الذمي من امرأته لا يصح ظهاره عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ يصح ظهاره. حجة أبي حنيفة ﵁: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ ٣ ولفظ منكم خطاب للمسلمين فتخص بهم وقوله ﵊ لمسلمة بن صخر لما ظاهر من امرأته ثم واقعها قبل أن يكفر: "استغفر الله ولا تعد حتى تكفر" مد الحرمة إلى التكفير والذمي ليس أهل التكفير لأنها عبادة ولهذا تتأدى بالصوم.

стр. 145

حجة الشافعي ﵀: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وهذا النص مطلق فيتناول المسلم والذمي. الجواب عنه: أن الآية الأول: ى مقيدة بقوله تعالى: منكم فيحمل المطلق عليها كما هو المذهب عند الخصم على أن في آخر الآية ما يدل على أن المراد بأول الآية المسلمون دون أهل الذمة وهو قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ ١ فإن الصيام لا يتصور إلا من المسلمين مسألة: إذا أعتق العبد الكافر عن كفارة الظهار جاز عند أبي حنيفة ﵁ لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ من غير قيد كون الرقبة مسلمة فيجري على إطلاقه. حجة الشافعي ﵀: أن الكافر نجس لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ ٢ والنجس لا يجوز إخراجه في الطاعة لقوله تعالى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ ٣. الجواب عنه: أن القصد من الإعتاق تمكينه من الطاعة ثم كفره بسوء اختياره والكافر ليس بنجس حقيقة ولهذا أنزل النبي ﷺ وفد ثقيف في مسجده ولو كان نجسا لما أنزلهم في مسجده بل النجاسة في اعتقاده لا تنافي إعتاقه عن الكفارة والمراد بالخبيث الحرام. مسألة: إذا أعتق المكاتب عن الكفارة جاز عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ لا يجوز. حجة أبي حنيفة ﵁: قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ ٤
следующие страницы →