← История

История · id 7536

الفتنة ووقعة الجمل

سيف بن عمر

Полный текст (183 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

عثمان فصلى بالناس ثم قام على المنبر فقال: يا هؤلاء العدى, الله الله! فوالله إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد ﷺ فامحوا الخطايا بالصواب فإن الله لا يمحو السيء إلا بالحسن. فقام محمد بن مسلمة فقال: انا اشهد بذلك فأخذه حكيم بن جبلة فأقعده فقام زيد بن ثابت فقال: ابغني الكتاب١ فثار عليه من ناحية أخرى محمد بن أبي قتيرة فأقعده وقال فأفظع وثار القوم بأجمعهم فحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد وحصبوا عثمان حتى صرع على المنبر مغشيا عليه فاحتمل فأدخل داره. وكان المصريون لا يطمعون في أحد من أهل المدينة أن يساعدهم إلا في ثلاثة نفر فإنهم كانوا يراسلونهم: محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة وعمار بن ياسر وشمر أناس من الناس فاستقتلوا منهم سعد بن مالك وأبو هريرة وزيد بن ثابت والحسن بن علي فبعث إليهم عثمان بعزمه لما انصرفوا فانصرفوا وأقبل علي ﵇ حتى دخل على عثمان وأقبل طلحة حتى دخل عليه وأقبل الزبير حتى دخل عليه يعودونه من صرعته ويشكون بثهم ثم رجعوا إلى منازلهم. وقد سأل أبو عمر الحسن٢ هل شهدت حصر عثمان؟ قال: نعم وأنا يومئذ غلام في أتراب لي في المسجد فإذا كثر اللغط جثوت على ركبتي أو قمت فأقبل القوم حين أقبلوا حتى نزلوا المسجد وما حوله فاجتمع إليهم أناس من أهل المدينة يعظمون ما صنعوا وأقبلوا على أهل المدينة يتوعدونهم فبينا هم كذلك في لغطهم حول الباب فطلع عثمان فكأنما كانت نارا طفئت فعمد إلى المنبر فصعده فحمد الله وأثنى عليه فثار رجل, فأقعده رجل

стр. 37

وقام آخر فأقعده آخر ثم ثار القوم فحصبوا عثمان حتى صرع فاحتمل فأدخل فصلى بهم عشرين يوما ثم منعوه من الصلاة. [وفي رواية أخرى لسيف] ١. صلى عثمان بالناس بعدما نزلوا به في المسجد ثلاثين يوما ثم أنهم منعوه الصلاة فصلى بالناس أميرهم الغافقي دان له المصريون والكوفيون والبصريون وتفرق أهل المدينة في حيطانهم ولزموا بيوتهم لا يخرج أحد ولا يجلس إلا وعليه سيفه يمتنع به من رهق القوم وكان الحصار اربعين يوما وفيهن كان القتل ومن تعرض لهم وضعوا فيه السلاح وكانوا قبل ذلك ثلاثين يوما يكفون.

стр. 38

آخر خطبة لعثمان: [وكانت] آخر خطبة٢ خطبها عثمان ﵁ في جماعة: إن الله إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة ولم يعطكموها لتركنوا إليها إن الدنيا تفنى والآخرة تبقى فلا تبطرنكم الفانية ولا تشغلنكم عن الباقية فآثروا ما يبقى على ما يفنى فإن الدنيا منقطعة وإن المصير إلى الله اتقوا الله جل وعز فإن تقواه جنة من بأسه ووسيلة عنده واحذروا من الله الغير والزموا جماعتكم لا تصيروا أحزابا ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ ٣.

стр. 39

لما قضى عثمان١ في ذلك المجلس حاجاته وعزم وعزم له المسلمون على الصبر والإمتناع عليهم بسلطان الله قال: اخرجوا رحمكم الله فكونوا بالباب وليجامعكم هؤلاء الذين حبسوا عني وأرسل إلى طلحة والزبير وعلي وعدة: أن ادنوا فاجتمعوا فأشرف عليهم فقال: يا أيها الناس اجلسوا فجلسوا جميعا المحارب الطارئ والمسالم المقيم فقال: يا أهل المدينة إني أستودعكم الله وأسأله أن يحسن عليكم الخلافة من بعدي وإني والله لا أدخل على أحد بعد يومي هذا حتى يقضي الله في قضاءه ولأدعن هؤلاء وما وراء بابي غير معطيهم شيئا يتخذونه عليكم دخلا في دين الله أو دنيا حتى يكون الله الصانع في ذلك ما أحب وأمر أهل المدينة بالرجوع وأقسم عليهم فرجعوا إلا الحسن ومحمدا وابن الزبير وأشباها لهم٢ فجلسوا بالباب عن أمر آبائهم وتاب عليهم إليهم ناس كثير ولزم عثمان الدار.

стр. 40

الحصار: كان الحصر٣ اربعين ليلة والنزول سبعين فلما مضت من الأربعين ثماني عشرة قدم ركبان من الوجوه فأخبروا خبر من قد تهيأ إليهم من الآفاق: حبيب من الشام ومعاوية من مصر والقعقاع من الكوفة ومجاشع من البصرة فعندها حالوا بين الناس وبين عثمان ومنعوه كل شيء حتى الماء وقد كان يدخل علي بالشيء مما يريد وطلبوا العلل فلم تطلع عليهم علة فعثروا في

стр. 41

داره بالحجارة ليرموا فيقولوا: قوتلنا - وذلك ليلا – فناداهم: ألا تتقون الله! ألا تعلمون أن في الدار غيري؟ قالوا: لا والله ما رميناك قال: فمن رمانا؟ قالوا: الله قال: كذبتم إن الله لو رمانا لم يخطئنا وأنتم تخطئوننا. وأشرف عثمان على آل حزم وهم جيرانه فسرح إبنا لعمرو إلى علي بأنهم قد منعونا الماء فإن قدرتم أن ترسلوا إلينا شيئا من الماء ففعلوا وإلى طلحة وإلى الزبير وإلى عائشة ﵂ وأزواج النبي ﷺ فكان أولهم إنجادا له علي وأم حبيبة جاء علي في الغلس فقال: يا أيها الناس إن الذي تصنعون لا يشبه أمر المؤمنين ولا أمر الكافرين لا تقطعوا عن هذا الرجل المادة فإن الروم وفارس لتأسر فتطعم وتسقي وما تعرض لكم هذا الرجل فيم تستحلون حصره وقتله قالوا: لا والله ولا نعمة عين لا نتركه يأكل ولا يشرب فرمى بعمامته في الدار بأني قد نهضت فيما أنهضتني فرجع وجاءت أم حبيبة على بغلة لها برحالة١ مشتملة على إداوة٢ فقيل: أم المؤمنين أم حبيبة فضربوا وجه بغلتها فقالت: إن وصايا بني أمية إلى هذا الرجل فأحببت أن ألقاه فأسأله عن ذلك كي لا تهلك أموال أيتام وأرامل فقالوا: كاذبة وأهووا لها وقطعوا حبل البغلة بالسيف فندت بأم حبيبة فتلقاها الناس وقد مالت رحالتها فتعلقوا بها وأخذوها وقد كادت تقتل فذهبوا بها إلى بيتها وتجهزت عائشة خارجة إلى الحج هاربة واستتبعت أخاها فأبى فقالت: أما والله لئن استطعت أن يحرمهم الله ما يحاولمون لأفعلن. وجاء حنظلة الكاتب حتى قام على محمد بن أبي بكر فقال: يا محمد تستتبعك أم المؤمنين فلا تتبعها وتدعوك ذؤبان العرب إلى ما لا يحل فتتبعهم!

стр. 42

فقال: ما أنت وذاك يا بن التميمية فقال: يا بن الخثعمية إن هذا الأمر إن صار إلى التغالب غلبتك عليه بنو عبد مناف وانصرف وهو يقول: عجبت لما يخوض الناس فيه ... يرمون الخلافة أن تزولا ولو زالت لزال الخير عنهم ... ولاقوا بعدها ذلا ذليلا وكانوا كاليهود أو النصارى ... سواء كلهم ضلوا السبيلا ولحق بالكوفة وخرجت عائشة وهي ممتلئة غيظا على أهل مصر وجاءها مروان بن الحكم فقال: يا أم المؤمنين لو أقمت كان أجدر أن يراقبوا هذا الرجل فقالت: أتريد أن يصنع بي كما صنع بأم حبيبة ثم لا أجد من يمنعني لا والله ولا أعير ولا أدري إلام يسلم أمر هؤلاء! وبلغ طلحة والزبير ما لقي علي وأم حبيبة فلزموا بيوتهم وبقي عثمان يسقيه آل حزم في الغفلات عليهم الرقباء فأشرف عثمان على الناس فقال: يا عبد الله بن عباس - فدعي له - فقال: اذهب فأنت على الموسم - وكان ممن لزم الباب - فقال: والله يا أمير المؤمنين لجهاد هؤلاء أحب إلي من الحج فأقسم عليه لينطلقن فانطلق إبن عباس على الموسم تلك السنة ورمى عثمان إلى الزبير بوصيته فانصرف بها - وفي الزبير اختلاف: أأدرك مقتله أو خرج قبله - وقال عثمان: ﴿وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ ١ اللهم حل بين الأحزاب وبين ما يأملون كما فعل بأشياعهم من قبل. [و] بعثت٢ ليلى إبنة عميس إلى محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر فقالت: إن

стр. 43

ٍالمصباح يأكل نفسه ويضيء للناس فلا تأثما في أمر تسوقانه إلى من لا يأثم فيكما فإن هذا الأمر الذي تحاولون اليوم لغيركم غدا فاتقوا أن يكون عملكم اليوم حسرة عليكم فلجا وخرجا مغضبين يقولان: لا ننسى ما صنع بنا عثمان وتقول: ما صنع بكما! ألا ألزمكما الله؟ فلقيهما سعيد بن العاص وقد كان بين محمد بن أبي بكر وبينه شيء فأنكره حين لقيه خارجا من عند ليلى فتمثل له في تلك الحال بيتا: استبق ودك للصديق ولا تكن ... فيئا يعض بخاذل ملجاجا فأجابه سعيد متمثلا: ترون إذا ضربا صميما من الذي ... له جانب ناء عن الجرم معور فلما بويع الناس١ جاء السابق فقدم بالسلامة فأخبره من الموسم٢ أنهم يريدون جميعا المصريين وأشياعهم وأنهم يريدون أن يجمعوا ذلك إلى حجهم فلما أتاهم ذلك مع ما بلغهم من نفور أهل الأمصار أعلقهم الشيطان وقالوا: لا يخرجنا مما وقعنا فيه إلا قتل هذا الرجل فيشتغل بذلك الناس عنا ولم يبق خصلة يرجون بها النجاة إلا قتله فراموا الباب فمنعهم من ذلك الحسن وابن الزبير ومحمد بن طلحة ومروان بن الحكم وسعيد بن العاص ومن كان من أبناء الصحابة أقام معهم واجتلدوا فناداهم عثمان: الله الله! أنتم في حل من نصرتي فأبوا ففتح الباب وخرج ومعه الترس والسيف لينهنههم فلما رأوه أدبر المصريون وركبهم هؤلاء ونهنههم فتراجعوا وعظم على الفريقين وأقسم

стр. 44

على الصحابة ليدخلن فأبوا أن ينصرفوا فدخلوا فأغلق الباب دون المصريين وقد كان المغيرة بن الأخنس بن شريعة فيمن حج ثم تعجل في نفر حجوا معه فأدرك عثمان قبل أن يقتل وشهد المناوشة ودخل الدار فيمن دخل وجلس على الباب من داخل, وقال: ما عذرنا عند الله إن تركناك ونحن نستطيع أن لا ندعهم حتى نموت؟ فاتخذ عثمان تلك الأيام القرآن نحبا١ يصلي وعنده المصحف فإذا أعيا جلس فقرأ فيه - وكانوا يرون القراءة في المصحف من العبادة - وكان القوم الذين كفكفهم بينه وبين الباب فلما فلما بقي المصريون لا يمنعهم أحد من الباب ولا يقدرون على الدخول جاؤوا بنار فأحرقوا الباب والسقيفة فتأجج الباب والسقيفة حتى إذا إحترق الخشب خرت السقيفة على الباب فثار أهل الدار وعثمان يصلي حتى منعوهم الدخول وكان أول من برز لهم المغيرة بن الأخنس وهو يرتجز: قد علمت جارية عطبول ... ذات وشاح ولها جديل أني بنصل السيف خنشليل ... لأمنعن منكم خليلي بصارم ليس بذي فلول وخرج الحسن بن علي وهو يقول: لا دينهم ديني ولا أنا منهم ... حتى أسير إلى طمار شمام وخرج محمد بن طلحة وهو يقول: أنا ابن من حامى عليه بأحد ... ورد أحزابا على رغم معد

стр. 45

وخرج سعيد بن العاص وهو يقول: صبرنا غداة الدار والموت واقب ... بأسيافنا دون ابن أروى نضارب وكنا غداة الروع في الدار نصرة ... نشافههم بالضرب والموت ثاقب فكان آخر من خرج عبد الله بن الزبير وأمره عثمان أن يصير إلى أبيه في وصية بما أراد وأمره أن يأتي أهل الدار فيأمرهم بالإنصراف إلى منازلهم فخرج عبد الله بن الزبير آخرهم فما زال يدعي بها ويحدث الناس عن عثمان بآخر ما مات عليه. وأحرقوا١ الباب وعثمان في الصلاة وقد افتتح ﴿طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ ٢ - وكان سريع القراءة فما كرثه ما سمع وما يخطئ وما يتعتع حتى أتى عليها قبل أن يصلوا إليه - ثم عاد فجلس إلى عند المصحف وقرأ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ٣. وارتجز المغيرة بن الأخنس وهو دون الدار في أصحابه: قد علمت ذات القرون الميل ... والحلي والأنامل الطفول لتصدقن بيعتي خليلي ... بصارم ذي رونق مصقول لا أستقيل إن أقلت قيلي

стр. 46

وأقبل أبو هريرة والناس محجمون عن الدار إلا أولئك العصبة قد سروا فاستقتلوا فقام معهم وقال: أنا إسوتكم وقال: هذا يوم طاب امضرب - يعني أنه حل القتال وطاب وهذه لغة حمير – ونادى: يا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار وبادر مروان يومئذ ونادى: رجل رجل فبرز له رجل من بني ليث يدعى النباع فاختلفا فضربه مروان أسفل رجليه وضربه الآخر على أصل العنق فقلبه فانكب مروان واستلقى فاجتر هذا أصحابه واجتر الآخر أصحابه فقال المصريون: أما والله لولا أن تكونوا حجة علينا في الأمة لقد قتلناكم بعد تحذير فقال المغيرة: من يبارز؟ فبرز له رجل فاجتلد وهو يقول: أضربهم باليابس ... ضرب غلام بائس من الحياة آيس فأجابه صاحبه: ... ١ وقال الناس: قتل المغيرة بن الأخنس فقال الذي قتله: إنا لله فقال له عبد الرحمن بن عديس: مالك؟ قال: إني أتيت فيما يرى النائم فقيل لي: بشر قاتل المغيرة بن الأخنس بالنار فابتليت به وقتل قباث الكناني نيار بن عبد الله الأسلمي واقتحم الناس الدار من الدور التي حولها حتى ملؤها ولا يشعر الذين بالباب وأقبلت القبائل على أبنائهم فذهبوا بهم إذ غلبوا على أميرهم وندبوا رجلا لقتله فانتدب له رجل فدخل عليه البيت فقال: اخلعها وندعك فقال: ويحك والله ما كشفت امرأة في جاهلية ولا إسلام ولا تغنيت ولا تمنيت ولا وضعت يميني على عورتي منذ بايعت رسول الله ﷺ ولست خالعا قميصا كسانيه الله وأنا على مكاني حتى يكرم الله أهل السعادة ويهين أهل الشقاء.

стр. 47

مقتل عثمان: فخرج وقالوا: ما صنعت؟ فقال: علقنا والله والله ما ينجينا من الناس إلا قتله وما يحل لنا قتله فأدخلوا عليه رجلا من بني ليث فقال: ممن الرجل فقال: ليثي فقال: لست بصاحبي قال: وكيف؟ فقال: ألست الذي دعا لك النبي ﷺ في نفر أن تحفظوا يوم كذا وكذا؟ قال: بلى قال: فلن تضيع فرجع وفارق القوم فأدخلوا عليه رجلا من قريش فقال: يا عثمان إني قاتلك قال: كلا يا فلان لا تقتلني قال: وكيف؟ قال: إن رسول الله ﷺ استغفر لك يوم كذا وكذا فلن تقارف دما حراما. فاستغفر ورجع وفارق أصحابه فأقبل عبد الله بن سلام حتى قام على باب الدار ينهاهم عن قتله وقال: يا قوم لا تسلوا سيف الله عليكم فوالله إن سللتموه لا تغمدوه ويلكم إن سلطانكم اليوم يقوم بالدرة فإن قتلتموه لا يقم إلا بالسيف ويلكم إن مدينتكم محفوفة بملائكة الله والله لئن قتلتموه لتتركنها فقالوا: يابن اليهودية وما أنت وهذا فرجع عنهم. قالوا: وكان آخر من دخل عليه ممن رجع إلى القوم محمد بن أبي بكر فقال له عثمان: ويلك! أعلى الله تغضب؟ هل لي إليك جرم إلا حقه١ اخذته منك فنكل ورجع. قالوا: فلما خرج محمد بن أبي بكر وعرفوا إنكساره ثار قتيرة وسودان ابن حمران السكونيان والغافقي فضربه الغافقي بحديدة معه وضرب المصحف برجله فاستدار المصحف فاستقر بين يديه وسالت عليه الدماء وجاء سودان بن حمران ليضربه فانكبت عليه نائلة ابنة الفرافصة واتقت

стр. 48

السيف بيدها فتعمدها ونفح أصابعها فأطن أصابع يدها وولت فغمز أوراكها وقال: إنها لكبيرة العجيزة وضرب عثمان فقتله ودخل غلمة لعثمان مع القوم لينصروه - وقد كان عثمان أعتق من كف منهم - فلما رأوا سودان قد ضربه أهوى له بعضهم فضرب عنقه فقتله ووثب قتيرة على الغلام فقتله وانتهبوا ما في البيت وأخرجوا من فيه ثم أغلقوه على ثلاثة قتلى فلما خرجوا إلى الدار وثب غلام لعثمان آخر على قتيرة فقتله ودار القوم فأخذوا ما وجدوا حتى تناولوا ما على النساء وأخذ رجل ملائة نائلة - والرجل يدعى كلثوم بن تجيب - فتنحت نائلة فقال: ويح أمك من عجيزة ما أتمك! وبصر به غلام لعثمان فقتله وقتل وتنادى القوم: أبصر رجل من صاحبه وتنادوا في الدار: ادركوا بين المال لا تسبقوا إليه وسمع أصحاب بيت المال اصواتهم وليس فيه إلا غرارتان فقالوا: النجاء فإن القوم إنما يحاولون الدنيا فهربوا وأتوا بيت المال فانتهبوه وماج الناس فيه فالتانئ١ يسترجع ويبكي والطارئ يفرح وندم القوم وكان الزبير قد خرج من المدينة فأقام على طريق مكة لئلا يشهد مقتله فلما أتاه الخبر بمقتل عثمان وهو بحيث هو, قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! رحم الله عثمان وانتصر له وقيل: إن القوم نادمون فقال: دبروا دبروا ﴿وحيل بينهم وبين ما يشتهون ... ﴾ الآية٢ وأتى الخبر طلحة فقال: رحم الله عثمان! وانتصر له وللإسلام وقيل له: إن القوم نادمون فقال: تبا لهم وقرأ ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ ٣ وأتى علي فقيل: قتل عثمان فقال:

стр. 49

رحم الله عثمان وخلف علينا بخير! وقيل ندم القوم فقرأ ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ ... ﴾ الآية١ وطلب سعد فإذا هو في حائطه وقد قال: لا أشهد قتله فلما جاءه قتله قال: فررنا إلى المدينة تدنينا وقرأ: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ ٢ اللهم أندمهم ثم خذهم. وعن المغيرة بن شعبة٣ أنه قال: قلت لعلي: إن هذا الرجل مقتول وإنه إن قتل وأنت بالمدينة اتخذوا فيك فاخرج فكن بمكان كذا وكذا فإنك إن فعلت وكنت في غار باليمن طلبك الناس فأبى وحصر عثمان اثنين وعشرين يوما ثم أحرقوا الباب وفي الدار أناس كثير فيهم عبد الله بن الزبير ومروان فقالوا: ائذن لنا فقال: إن رسول الله ﷺ عهد إلي عهدا فأنا صابر عليه وإن القوم لم يحرقوا باب الدار إلا وهم يطلبون ما هو أعظم منه فأحرج على رجل يستقتل ويقاتل٤. وخرج الناس كلهم ودعا بالمصحف يقرأ فيه والحسن عنده فقال: إن أباك الآن لفي أمر عظيم فأقسمت عليك لما خرجت! وأمر عثمان أبا كرب - رجلا من همذان - وآخر من الأنصار أن يقوما على باب بيت المال وليس فيه إلا غرارتان من ورق٥ فلما أطفئت النار بعدما ناوشهم ابن الزبير

стр. 50

ومروان وتوعد محمد بن أبي بكر ابن الزبير ومروان فلما دخل على عثمان هربا ودخل محمد بن أبي بكر على عثمان فأخذ بلحيته فقال: أرسل لحيتي فلم يكن أبوك ليتناولها فأرسلها ودخلوا عليه فمنهم من يجؤه بنصل سيفه وآخر يلكزه وجاءه رجل بمشاقص معه فوجأه في ترفوته فسال الدم على المصحف وهم في ذلك يهابون في قتله وكان كبيرا وغشي عليه ودخل آخرون فلما رأوه مغشيا عليه جروا برجله فصاحت نائلة وبناته وجاء التجيبي مخترطا سيفه ليضعه في بطنه فوقته نائلة فقطع يدها واتكأ بالسيف عليه في صدره وقتل عثمان ﵁ قبل غروب الشمس ونادى مناد: ما يحل دمه ويحرج ماله فانتهبوا كل شيء ثم تبادروا بيت المال فألقى الرجلان المفاتيح ونجوا وقالوا: الهرب الهرب هذا ما طلب القوم.

стр. 51

بعض سير عثمان بن عفان ﵁: كان عمر بن الخطاب١ قد حجر على أعلام قريش من المهاجرين الخروج في البلدان إلا بإذان وأجل فشكوه فبلغه فقام فقال: ألا إني قد سننت الإسلام سن البعير يبدأ فيكون جذعا ثم ثنيا ثم رباعيا ثم سديا ثم بازلا٢, ألا فهل ينتظر بالبازل إلا النقصان! ألا فإن الإسلام قد بزل ألا وان قريشا يريدون أن يتخذوا مال الله معونات دون عباده ألا فأما وابن الخطاب هي فلا إني قائم دون شعب الحرة آخذ بحلاقيم قريش وحجزها أن يتهافتوا في النار.

стр. 52

فلما ولي عثمان١ لم يأخذهم بالذي كان يأخذهم به عمر فانساحوا في البلاد فلما رأوها ورأوا الدنيا ورآهم الناس انقطع إليهم من لم يكن له طول ولا مزية في الإسلام فكان مغموما٢ في الناس وصاروا أوزاعا إليهم وأملوهم وتقدموا في ذلك فقالوا: يملكون فنكون قد عرفناهم وتقدمنا في التقريب والانقطاع إليهم فكان ذلك أول وهن دخل على الإسلام وأول فتنة كانت في العامة ليس إلا ذلك.

стр. 53

آراء متفرقة في تحليل الفتنة: لم يمت عمر ﵁ حتى ملته قريش٣ وقد كان حصرهم بالمدينة فامتنع عليهم وقال: إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة انتشاركم في البلاد فإن كان الرجل ليستأذنه في الغزو - وهو ممن حبس بالمدينة من المهاجرين ولم يكن فعل ذلك بغيرهم من أهل مكة – فيقول: قد كان في غزوك مع رسول الله ﷺ ما يبلغك وخير لك من الغزو اليوم ألا ترى الدنيا ولا تراك فلما ولي عثمان خلى عنهم فاضطربوا في البلاد وانقطع إليهم الناس فكان أحب إليهم من عمر. [و] لما ولي عثمان٤ حج سنواته كلها إلا آخر حجة وحج بأزواج رسول الله ﷺ كما كان يصنع عمر فكان عبد الرحمن بن عوف في موضعه وجعل في

стр. 54

موضع نفسه سعيد بن زيد هذا في مؤخر القطار وهذا في مقدمه وأمن الناس وكتب في الأمصار أن يوافيه العمال في كل موسم ومن يشكوهم وكتب إلى الناس إلى الأمصار أن ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر ولا يذل المؤمن نفسه فإني مع الضعيف على القوي ما دام مظلوما إن شاء الله فكان الناس بذلك فجرى ذلك إلى أن اتخذه أقوام وسيلة إلى تفريق الأمة. [و] لم تمض سنة١ من إمارة عثمان حتى اتخذ رجال من قريش أموالا في الأمصار وانقطع إليهم الناس وثبتوا سبع سنين كل قوم يحبون أن يلي صاحبهم ثم إن ابن السوداء أسلم وتكلم وقد فاضت الدنيا وطلعت الأحداث على يديه فاستطالوا عمر عثمان ﵁. [وقد كان] أول منكر٢ ظهر بالمدينة حين فاضت الدنيا وانتهى وسع الناس طيران الحمام والرمي على الجلاهقات٣ فاستعمل عليهما عثمان رجلا من بني ليث سنة ثمان فقصها وكسر الجلاهقات. [وهكذا فإن] أول من منع الحمام الطيارة٤ والجلاهقات عثمان ظهرت بالمدينة فأمر عليها رجلا فمنعهم منها. [وفي رواية أخرى] ٥ زيادة: وحدث بين الناس النشو قال: فأرسل عثمان طائفا يطوف عليهم بالعصا فمنعهم من ذلك ثم اشتد ذلك فأفشى

стр. 55

الحدود, ونبأ ذلك عثمان وشكاه إلى الناس فاجتمعوا على أن يجلدوا في النبيذ فأخذ نفر منهم فجلدوا. [و] لما حدثت الأحداث١ بالمدينة خرج منها رجال إلى الأمصار مجاهدين وليدنوا من العرب فمنهم من أتى البصرة ومنهم من أتى الكوفة ومنهم من أتى الشام فهجموا جميعا من أبناء المهاجرين بالأمصار على مثل ما حدث في أبناء المدينة إلا ما كان من أبناء الشام, فرجعوا جميعا إلى المدينة إلا من كان بالشام فأخبروا عثمان بخبرهم فقام عثمان في الناس خطيبا فقال: يا أهل المدينة أنتم أصل الإسلام وإنما يفسد الناس بفسادكم ويصلحون بصلاحكم والله والله والله لا يبلغني عن أحد منكم حدث أحدثه إلا سيرته ألا فلا أعرفن احدا عرض دون أولئك بكلام ولا طلب فإن من كان قبلكم كانت تقطع أعضاؤهم دون أن يتكلم أحد منهم يما عليه ولا له وجعل عثمان لا يأخذ أحدا منهم على شر أو شهر سلاح - عصا فما فوقها - إلا سيره فضج آباؤهم من ذلك حتى بلغه أنهم يقولون: ما أحدث التسيير٢ إلا أن رسول الله ﷺ سير الحكم بن أبي العاص فقال: إن الحكم كان مكيا فسيره رسول الله ﷺ منها إلى الطائف ثم رده إلى بلده فرسول الله ﷺ سيره بذنبه ورسول الله ﷺ رده بعفوه وقد سير الخليفة من بعده وعمر ﵁ من بعد الخليفة وأيم الله لآخذن العفو من أخلاقكم ولأبذلنه لكم من خلقي وقد دنت امور ولا أحب أن تحل بنا وبكم وأنا على وجل وحذر فاحذروا واعتبروا.

стр. 56

[وقد] سأل سائل سعيد بن المسيب١ عن محمد بن أبي حذيفة: ما دعاه إلى الخروج على عثمان؟ فقال: كان يتيما في حجر عثمان فكان عثمان والي أيتام اهل بيته ومحتمل كلهم فسأل عثمان العمل حين ولي فقال: يا بني لو كنت رضا ثم سألتني العمل لاستعملتك ولكن لست هناك فقال: فأذن لي فلأخرج فلأطلب ما يقوتني قال: اذهب حيث شئت وجهزه من عنده وحمله وأعطاه فلما وقع إلى مصر كان فيمن تغير عليه أن منعه الولاية قيل: فعمار ابن ياسر؟ قال: كان بينه وبين عباس بن عتبة بن أبي لهب كلام فضربهما عثمان فأورث ذاك بين آل عمار وآل عتبة شرا حتى اليوم وكنى عما ضربا عليه وفيه. قال مبشر٢: سألت سالم بن عبد الله عن محمد بن أبي بكر: ما دعاه إلى ركوب عثمان؟ فقال: الغضب والطمع قلت: ما الغضب والطمع؟ قال: كان من الإسلام بالمكان الذي هو به وغره أقوام فطمع وكانت له دالة فلزمه حق فأخذه عثمان من ظهره ولم يدهن فاجتمع هذا إلى هذا فصار مذمما بعد أن كان محمدا. لما ولي عثمان لان لهم فانتزع الحقوق انتزاعا ولم يعطل حقا فأحبوه على لينه فأسلمهم ذلك إلى أمر الله . [و] كان مما أحدث عثمان٣ فرضي به منه أنه ضرب رجلا في منازعة استخف فيها بالعباس بن عبد المطلب فقيل له فقال: نعم أيفخم

стр. 57

رسول الله ﷺ عمه وأرخص في الاستخفاف به لقد خالف رسول الله ﷺ من فعل ذلك ومن رضي به منه. قال حمران بن أبان١: أرسلني عثمان إلى العباس بعدما بويع فدعوته إليه فقال: مالك تعبدتني قال: لم أكن قط أحوج إليك مني اليوم قال: الزم خمسا لا تنازعك الأمة خزائنها ما لزمتها قال: وما هن؟ قال: الصبر عن القتل والتحبب والصفح والمداراة وكتمان السر. [و] بلغ عثمان٢ أن ابن ذي الحبكة النهدي يعالج نيرنجا - قال محمد بن سلمة: إنما هو نيرج٣ - فأرسل إلى الوليد بن عقبة ليسأله عن ذلك فإن أقر به فأوجعه فدعا به فسأله فقال: إنما هو رفق وأمر يعجب منه فأمر به فعزر وأخبر الناس خبره وقرأ عليهم كتاب عثمان: إنه قد جد بكم فعليكم بالجد وإياكم والهزال فكان الناس عليه وتعجبوا من وقوف عثمان على مثل خبره فغضب فنفر في الذين نفروا فضرب معهم فكتب إلى عثمان فيه فلما سير إلى الشام من سير سير كعب بن ذي الحبكة ومالك بن عبد الله - وكان دينه كدينه - إلى دنباوند لأنها أرض سحرة فقال في ذلك كعب بن ذي الحبكة للوليد: لعمري لئن طردتني ما إلى التي ... طمعت بها من سقطتي لسبيل رجوت رجوعي يابن أروى ورجعتي ... إلى الحق دهرا غال ذلك غول

стр. 58

وإن اغترابي في البلاد وجفوتي ... وشتمي في ذات الإله قليل وإن دعائي كل يوم وليلة ... عليك بدنباوندكم لطويل فلما ولي سعيد أقفله وأحسن إليه واستصلحه فكفره فلم يزدد إلا فسادا. واستعار ضابيء بن الحارث البرهمي في زمان الوليد بن عقبة من قوم من الأنصار كلبا يدعى قرحان يصيد الظباء فحبسه عنهم فنافره الأنصاريون واستعانوا عليه بقومه فكاثروه فانتزعوه منه وردوه على الأنصار فهجاهم وقال في ذلك: تحشم دوني وفد قرحان خطة ... تضل لها الوجناء وهي حسير فباتوا شباعا ناعمين كأنما ... حباهم ببيت المرزبان أمير فكلبكم لا تتركوا فهو أمكم ... فإن عقوق الأمهات كبير فاستعدوا عليه عثمان فأرسل إليه فعزره وحبسه كما كان يصنع بالمسلمين فاستثقل ذلك فما زال في الحبس حتى مات فيه وقال في الفتك يعتذر إلى أصحابه: هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... فعلت ووليت البكاء حلائله وقائلة قد مات في السجن ضابيء ... ألا من لخصم لم يجد من يجادله وقائلة لا يبعد الله ضائبا ... فنعم الفتى تخلو به وتحاوله فذلك صار عمير بن ضابيء سبئيا. عن المستنير عن أخيه قال١: والله ما علمت ولا سمعت بأحد غزا عثمان

стр. 59

رضي الله عنه ولا ركب إليه إلا قتل لقد اجتمع بالكوفة نفر فيهم الأشتر وزيد بن صوحان وكعب بن ذي الحبكة وأبو زينب وأبو مورع وكميل بن زياد وعمير بن ضابيء فقالوا: لا والله لا يرفع رأس ما دام عثمان على الناس فقال عمير بن ضابيء وكميل بن زياد: نحن نقتله فركبا إلى المدينة فأما عمير فإنه نكل عنه وأما كميل بن زياد فإنه حسر وثاوره وكان جالسا يرصده حتى أتى عليه عثمان فوجأ عثمان وجهه (فوقع على أسته وقال: أوجعتني يا أمير المؤمنين! قال: أولست بفاتك؟ قال: لا والله الذي لا إله إلا هو فحلف وقد اجتمع عليه الناس فقالوا: نفتشه يا أمير المؤمنين فقال: لا قد رزق الله العافية ولا أشتهي أن اطلع منه غير ما قال. وقال: إن كان كما قلت يا كميل فاقتد مني - وجثا - فوالله ما حسبتك إلا تريدني وقال إن كنت صادقا فأجزل الله وإن كنت كاذبا فأذل الله وقعد له على قدميه وقال: دونك قال: قد تركت. فبقيا حتى أكثر الناس في نجائهما فلما قدم الحجاج قال: من كان من بعث المهلب فليواف مكتبه ولا يجعل على نفسه سبيلا فقام إليه عمير وقال: إني شيخ ضعيف ولي إبنان قويان فأخرج احدهما مكاني أو كليهما فقال: من أنت؟ قال: أنا عمير بن ضابيء فقال: والله لقد عصيت الله منذ أربعين سنة ووالله لأنكلن بك المسلمين غضبت لسارق الكلب ظالما إن أباك إذ غل لهم وإنك هممت ونكلت وإني اهم ثم لا أنكل فضربت عنقه. قال سيف: حدثنا رجل من بني أسد قال: كان من حديثه أنه كان قد غزا عثمان ﵁ فيمن غزاه فلما قدم الحجاج ونادى بما نادى به عرض

стр. 60

رجل عليه ما عوض نفسه فقبل منه فلما ولي قال أسماء بن خارجة: لقد كان شأن عمير مما يهمني قال: ومن عمير؟ قال: هذا الشيخ قال: ذكرتني الطعن وكنت ناسيا١ أليس فيمن خرج إلى عثمان؟ قال: بلى قال: فهل بالكوفة أحد غيره؟ قال: نعم كميل قال: علي بعمير فضرب عنقه ودعا بكميل فهرب فأخذ النخع به فقال له الأسود بن الهيثم: ما تريد من شيخ قد كفاكه الكبر! فقال: أما والله لتحبسن عني لسانك أو لأحسن رأسك بالسيف قال: افعل فلما رأى كميل ما لقي قومه من الخوف وهم ألفا مقاتل قال: الموت خير من الخوف إذا أخيف ألفان من سبي وحرموا فخرج حتى أتى الحجاج فقال له الحجاج: أنت الذي أردت ثم لم يكشفك امير المؤمنين ولم ترض حتى أقعدته للقصاص إذ دفعك عن نفسه فقال: على أي ذلك تقتلني! تقتلني على عفوه أو على عافيتي؟ قال: يا أدهم بن المحرز اقتله؛ قال: والاجر بيني وبينك؟ قال: نعم قال أدهم: بل الأجر لك وما كان من إثم فعلي وقال مالك بن عبد الله - وكان من المسيرين: مضت لابن أروى في كميل ظلامة ... عفاها له والمستقيد يلام وقال له لا أقبح اليوم مثله ... عليك أبا عمرو وأنت إمام رويدك رأسي والذي نسكت له ... قريش بنا على الكبير حرام

стр. 61

وللعفو أمن تعرف الناس فضله ... وليس علينا في القصاص أثام ولو علم الفاروق ما أنت صانع ... نهى عنك نهيا ليس فيه كلام

стр. 62

دفن عثمان ﵁: لما قتل عثمان١ ارسلت نائلة إلى عبد الرحمن بن عديس فقالت له: إنك أمس القوم رحما وأولاهم بأن تقوم بأمري اغرب عني هؤلاء الأموات قال: فشتمها وزجرها حتى إذا كان في جوف الليل خرج مروان حتى أتى دار عثمان فأتاه زيد بن ثابت وطلحة بن عبيد الله وعلي والحسن وكعب بن مالك وعامة من ثم من صحابه فتوافى إلى موضع الجنائز صبيان ونساء فأخرجوا عثمان فصلى عليه مروان ثم خرجوا به حتى انتهوا إلى البقيع فدفنوه فيه مما يلي حش كوكب حتى إذا أصبحوا أتوا أعبد عثمان الذين قتلوا معه فأخرجوهم فرأوهم فمنعوهم من أن يدفنوا فأدخلوهم حش كوكب فلما امسوا خرجوا بعيدين منهم فدفنوهما إلى جنب عثمان ومع كل واحد منهما خمسة نفر وامرأة فاطمة أم إبراهيم بن عدي ثم رجعوا فأتوا كنانة بن بشر فقالوا: إنك أمس القوم بنا رحما فأمر بهاتين الجيفتين اللتين في الدار أن تخرجا فكلمهم في ذلك فأبوا فقال: أنا جار لآل عثمان من أهل مصر ومن لف لفهم فأخرجوهما فارموا بهما فجرا بأرجلهما فرمى بهما على البلاط فأكلتهما الكلاب وكان العبدان اللذان قتلا يوم الدار يقال بهما نجيح وصبيح فكان اسماهما الغالب على

стр. 63

الرقيق لفضلهما وبلائهما ولم يحفظ الناس اسم الثالث ولم يغسل عثمان وكفن في ثيابه ودمائه ولا غسل غلاماه. ودفن١ عثمان ﵁ في الليل وصلى عليه مروان بن الحكم وخرجت ابنته تبكي في اثره ونائلة إبنة الفرافضة ﵏. وكان قتل٢ عثمان ﵁ يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة مضت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين [٣٥ هـ] على رأس إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهرا وإثنين وعشرين يوما من مقتل عمر ﵁ وقتل وهو ابن ثلاث وستين سنة٣.

стр. 64

ولاة الأمصار عند وفاة عثمان: مات عثمان٤ ﵁ وعلى الشام معاوية وعامل معاوية على حمص عبد الرحمن بن خالد بن الوليد وعلى قنسرين حبيب بن مسلمة وعلى الأردن أبو الأعور بن سفيان وعلى فلسطين علقمة بن حكيم الكناني وعلى البحر عبد الله بن قيس الفزاري وعلى القضاء أبو الدرداء

стр. 65

وفي رواية سيف عن عطية١: مات عثمان ﵁ وعلى الكوفة على صلاتها أبو موسى وعلى خراج السواد جابر بن عمرو المزني - وهو صاحب المسناة إلى جانب الكوفة - وسماك الأنصاري وعلى حربها القعقاع بن عمرو وعلى قرقيسياء جرير بن عبد الله وعلى أذربيجان الأشعث بن قيس وعلى حلوان عتيبة بن النهاس وعلى ماه مالك بن حبيب وعلى همذان النسير وعلى الري سعيد بن قيس وعلى أصبهان السائب بن الأقرع وعلى ماسبذان حبيش وعلى بيت المال عقبة بن عمرو وكان على قضاء عثمان يومئذ زيد بن ثابت.

стр. 66

بعض خطب عثمان: خطب عثمان الناس بعدما بويع فقال٢: أما بعد فإني قد حملت وقد قبلت ألا وإني متبع ولست بمبتدع ألا وإن لكم علي بعد كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ثلاثا: اتباع من كان قبلي فيما اجتمعتم عليه وسننتم وسن سنة أهل الخير فيما لم تسنوا عن ملأ والكف عنكم إلا فيما استوجبتم ألا وإن الدنيا خضرة قد شهيت إلى الناس ومال إليها كثير منهم فلا تركنوا إلى الدنيا ولا تثقوا بها فإنها ليست بثقة واعلموا أنها غير تاركة إلا من تركها. [و] آخر خطبة خطبها عثمان ﵁ في جماعة٣:

стр. 67

إن الله إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة ولم يعطكموها لتركنوا إليها إن الدنيا تفنى والآخرة تبقى فلا تبطرنكم الفانية ولا تشغلنكم عن الباقية فآثروا ما يبقى على ما يفنى فإن الدنيا منقطعة وإن المصير إلى الله إتقوا الله جل وعز فإن تقواه جنة من بأسه ووسيلة عنده واحذوا من الله الغير والزموا جماعتكم لا تصيروا أحزابا ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ ١.

стр. 68

خلافة علي بن أبي طالب الدولة بلا خليفة ... الدولة بلا خليفة: بقيت المدينة١ بعد قتل عثمان ﵁ خمسة أيام وأميرها الغافقي ابن حرب يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر فلا يجدونه يأتي المصريون عليا فيختبئ منهم ويلوذ بحيطان٢ المدينة فإذا لقوه باعدهم وتبرأ منهم ومن مقالتهم مرة بعد مرة ويطلب الكوفيون الزبير فلا يجدونه فأرسلوا إليه حيث هو رسلا فباعدهم وتبرأ من مقالتهم ويطلب البصريون طلحة فإذا لقيهم باعدهم وتبرأ من مقالتهم مرة بعد مرة وكانوا مجتمعين على قتل عثمان مختلفين فيمن يهوون فلما لم يجدوا ممالئا ولا مجيبا جمعهم الشر على أول من أجابهم وقالوا: لا نولي احدا من هؤلاء الثلاثة فبعثوا إلى سعد بن أبي وقاص وقالوا: إنك من أهل الشورى فرأينا فيك مجتمع فاقدم نبايعك فبعث إليهم إني وابن عمر خرجنا منها فلا حاجة لي فيها على: لا تخلطن خبيثات بطيبة ... واخلع ثيابك منها وانج عريانا ثم إنهم أتوا ابن عمر عبد الله فقال: وا أنت ابن عمر فقم بهذا الأمر فقال:

стр. 69

إن لهذا الأمر انتقاما والله لا أتعرض له فالتمسوا غيري. فبقوا حيارى لا يدرون ما يصنعون والأمر أمرهم وكانوا إذا لقوا طلحة أبى وقال١: ومن عجب الأيام والدهر أنني ... بقيت وحيدا لا أمر ولا أحلي فيقولون: إنك لتوعدنا فيقومون فيتركونه فإذا لقوا الزبير وأرادوه أبى وقال: متى أنت عن دار بفيحان راحل ... وباحتها تخنو عليك الكتائب فيقولون: إنك لتوعدنا فإذا لقوا عليا وأرادوه أبى وقال: لو أن قومي طاوعتني سراتهم ... أمرتهم أمرا يديخ الأعاديا فيقولون: إنك لتوعدنا فيقومون ويتركونه [و] لما كان يوم الخميس٢ على رأس خمسة أيام من مقتل عثمان ﵁ جمعوا أهل المدينة فوجدوا سعدا والزبير خارجين ووجدوا طلحة في حائط له ووجدوا بني أمية قد هربوا إلا من لم يطق الهرب وهرب الوليد وسعيد إلى مكة في أول من خرج وتبعهم مروان وتتابع على ذلك من تتابع فلما

стр. 70

اجتمع لهم أهل المدينة قال لهم أهل مصر: أنتم أهل الشورى وأنتم تعقدون الإمامة, وأمركم عابر١ على الأمة فانظروا رجلا تنصبونه ونحن لكم تبع فقال الجمهور: علي بن أبي طالب نحن به راضون.

стр. 71

المبايعة لعلي: فقالوا لهم٢: دونكم يا اهل المدينة فقد أجلناكم يومين فوالله لئن لم تفرغوا لنقتلن غدا عليا وطلحة والزبير وأناسا كثيرا فغشي الناس عليا فقالوا: نبايعك فقد ترى ما نزل بالإسلام وما ابتلينا به من ذوي القربى٣ فقال علي: دعوني والتمسوا غيري فإنا مستقبلون امرا له وجوه وله الوان لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول فقالوا: ننشدك الله ألا ترى ما نرى! ألا ترى الإسلام! ألا ترى الفتنة! الا تخاف الله! فقال قد أجبتكم لما ارى واعلموا ان أجبتكم ركبت بكم ما أعلم وإن تركتموني فإنما أنا كأحدكم إلا أني أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم ثم افترقوا على ذلك واتعدوا الغد. وتشاور الناس فيما بينهم وقالوا: إن دخل طلحة والزبير فقد استقامت فبعث البصريون إلى الزبير بصريا وقالوا: إحذر لا تحاده - وكان رسولهم حكيم ابن جبلة العبدي في نفر - فجاؤوا به يحدونه بالسيف وإلى طلحة كوفيا وقالوا له: إحذر لا تحاده فبعثوا الأشتر في نفر فجاؤوا به يحدونه بالسيف وأهل الكوفة وأهل البصرة شامتون بصاحبهم وأهل مصر فرحون بما اجتمع عليه أهل المدينة وقد خشع أهل الكوفة وأهل البصرة أن صاروا أتباعا

стр. 72

لأهل مصر وحشوة فيهم وازدادوا بذلك على طلحة والزبير غيظا فلما أصبحوا من يوم الجمعة حضر الناس المسجد وجاء علي حتى صعد المنبر فقال يا أيها الناس - عن ملأ وإذن - إن هذا امركم ليس لأحد فيه حق إلا من أمرتم وقد افترقنا بالأمس على أمر فإن شئتم قعدت لكم وإلا فلا اجد على أحد فقالوا: نحن على ما فارقناك عليه بالأمس وجاء القوم بطلحة فقالوا: بايع فقال: إني إنما أبايع كرها فبايع - وكان به شلل - أول الناس, وفي الناس رجل يعتاف١ فنظر من بعيد فلما رأى طلحة أول من بايع قال: إنا لله وإنا إليه راجعون اول يد بايعت امير المؤمنين يد شلاء لا يتم هذا الأمر! ثم جيء بالزبير فقال مثل ذلك وبايع - وفي الزبير اختلاف - ثم جيء بقوم كانوا قد تخلفوا فقالوا: نبايع على إقامة كتاب الله في القريب والبعيد والعزيز والذليل فبايعهم ثم قام العامة فبايعوا.

стр. 73

مبايعة طلحة والزبير: لما قتل عثمان٢ ﵁ واجتمع الناس على علي ذهب الأشتر فجاء بطلحة فقال له: دعني أنظر إلى ما يصنع الناس فلم يدعه وجاء به يتله تلا عنيفا٣ فصعد المنبر فبايع.

стр. 74

[و] جاء حكيم بن جبلة بالزبير حتى بايع١ فكان الزبير يقول: جاءني لص من لصوص عبد القيس فبايعت واللج٢ على عنقي. وبايع الناس كلهم٣.

стр. 75

أول خطبة لعلي ﵁: [بويع علي يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة وكانت أول خطبة خطبها٤ بعد أن حمد الله وأثنى عليه أن قال:] إن الله أنزل كتابا هاديا بين فيه الخير والشر فخذوا بالخير ودعوا الشر الفرائض أدوها إلى الله سبحانه يؤدكم إلى الجنة إن الله حرم حرما غير مجهولة وفضل حرمة المسلم على الحرم كلها وشد بالإخلاص والتوحيد المسلمين والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده إلا بالحق لا يحل أذى المسلم إلا بما يجب بادروا امر العامة وخاصة أحدكم الموت فإن الناس أمامكم وإن ما من خلفكم الساعة تحدوكم تخففوا تلحقوا فإنما ينتظر الناس اخراهم إتقوا الله عباده في عباده وبلاده إنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم أطيعوا الله ولا تعصوه وإذا رأيتم الخير فخذوا به وإذا رأيتم الشر فدعوه ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ .
следующие страницы →