← История

История · id 7536

الفتنة ووقعة الجمل

سيف بن عمر

Полный текст (183 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المبايعة لعلي: فقالوا لهم٢: دونكم يا اهل المدينة فقد أجلناكم يومين فوالله لئن لم تفرغوا لنقتلن غدا عليا وطلحة والزبير وأناسا كثيرا فغشي الناس عليا فقالوا: نبايعك فقد ترى ما نزل بالإسلام وما ابتلينا به من ذوي القربى٣ فقال علي: دعوني والتمسوا غيري فإنا مستقبلون امرا له وجوه وله الوان لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول فقالوا: ننشدك الله ألا ترى ما نرى! ألا ترى الإسلام! ألا ترى الفتنة! الا تخاف الله! فقال قد أجبتكم لما ارى واعلموا ان أجبتكم ركبت بكم ما أعلم وإن تركتموني فإنما أنا كأحدكم إلا أني أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم ثم افترقوا على ذلك واتعدوا الغد. وتشاور الناس فيما بينهم وقالوا: إن دخل طلحة والزبير فقد استقامت فبعث البصريون إلى الزبير بصريا وقالوا: إحذر لا تحاده - وكان رسولهم حكيم ابن جبلة العبدي في نفر - فجاؤوا به يحدونه بالسيف وإلى طلحة كوفيا وقالوا له: إحذر لا تحاده فبعثوا الأشتر في نفر فجاؤوا به يحدونه بالسيف وأهل الكوفة وأهل البصرة شامتون بصاحبهم وأهل مصر فرحون بما اجتمع عليه أهل المدينة وقد خشع أهل الكوفة وأهل البصرة أن صاروا أتباعا

стр. 72

لأهل مصر وحشوة فيهم وازدادوا بذلك على طلحة والزبير غيظا فلما أصبحوا من يوم الجمعة حضر الناس المسجد وجاء علي حتى صعد المنبر فقال يا أيها الناس - عن ملأ وإذن - إن هذا امركم ليس لأحد فيه حق إلا من أمرتم وقد افترقنا بالأمس على أمر فإن شئتم قعدت لكم وإلا فلا اجد على أحد فقالوا: نحن على ما فارقناك عليه بالأمس وجاء القوم بطلحة فقالوا: بايع فقال: إني إنما أبايع كرها فبايع - وكان به شلل - أول الناس, وفي الناس رجل يعتاف١ فنظر من بعيد فلما رأى طلحة أول من بايع قال: إنا لله وإنا إليه راجعون اول يد بايعت امير المؤمنين يد شلاء لا يتم هذا الأمر! ثم جيء بالزبير فقال مثل ذلك وبايع - وفي الزبير اختلاف - ثم جيء بقوم كانوا قد تخلفوا فقالوا: نبايع على إقامة كتاب الله في القريب والبعيد والعزيز والذليل فبايعهم ثم قام العامة فبايعوا.

стр. 73

مبايعة طلحة والزبير: لما قتل عثمان٢ ﵁ واجتمع الناس على علي ذهب الأشتر فجاء بطلحة فقال له: دعني أنظر إلى ما يصنع الناس فلم يدعه وجاء به يتله تلا عنيفا٣ فصعد المنبر فبايع.

стр. 74

[و] جاء حكيم بن جبلة بالزبير حتى بايع١ فكان الزبير يقول: جاءني لص من لصوص عبد القيس فبايعت واللج٢ على عنقي. وبايع الناس كلهم٣.

стр. 75

أول خطبة لعلي ﵁: [بويع علي يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة وكانت أول خطبة خطبها٤ بعد أن حمد الله وأثنى عليه أن قال:] إن الله أنزل كتابا هاديا بين فيه الخير والشر فخذوا بالخير ودعوا الشر الفرائض أدوها إلى الله سبحانه يؤدكم إلى الجنة إن الله حرم حرما غير مجهولة وفضل حرمة المسلم على الحرم كلها وشد بالإخلاص والتوحيد المسلمين والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده إلا بالحق لا يحل أذى المسلم إلا بما يجب بادروا امر العامة وخاصة أحدكم الموت فإن الناس أمامكم وإن ما من خلفكم الساعة تحدوكم تخففوا تلحقوا فإنما ينتظر الناس اخراهم إتقوا الله عباده في عباده وبلاده إنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم أطيعوا الله ولا تعصوه وإذا رأيتم الخير فخذوا به وإذا رأيتم الشر فدعوه ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ .

стр. 76

ولما فرغ علي من خطبته وهو على المنبر قال المصريون: خذها واحذرا أبا حسن١ ... إنا نمر الأمر إمرار الرسن وإنما الشعر: خذها إليك واحذرا أبا حسن فقال علي مجيبا: إني عجزت عجزة ما أعتذر ... سوف أكيس بعدها وأستمر [وفي رواية أخرى] ٢: ولما أراد علي الذهاب إلى بيته قالت السبئية: خذها إليك واحذرا أبا حسن ... إنا نمر الأمر إمرار الرسن صولة أقوام كأسداد السفن ... بمشرفيات كغدران اللبن ونطعن الملك بلين كالشطن ... حتى يمرن على غير عنن فقال علي وذكر تركهم العسكر والكينونة على عدة ما منوا حين غمزوهم ورجعوا إليهم فلم يستطيعوا أن يمتنعوا حتى ... ٣

стр. 77

إني عجزت عجزة لا أعتذر ... سوف أكيس بعدها وأستمر أرفع من ذيلي ما كنت أجر ... وأجمع الأمر الشتيت المنتشر إن لم يشاغبني العجول المنتصر ... أو يتركوني والسلاح يبتدر

стр. 78

مطالب طلحة والزبير: واجتمع إلى علي, بعدما دخل طلحة والزبير في عدة من الصحابة فقالوا: يا علي إنا قد اشترطنا إقامة الحدود وإن هؤلاء القوم قد إشتركوا في دم هذا الرجل وأحلوا بأنفسهم فقال لهم: يا اخوتاه إني لست أجهل ما تعلمون ولكني كيف اصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم! هاهم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم وثابت إليهم أعرابكم وهم خلالكم يسومونكم ما شاؤوا فهل ترون موضعا لقدرة على شيء مما تريدون؟ قالوا: لا قال: فلا والله لا أرى إلا رأيا ترونه إن شاء الله إن هذا الأمر أمر جاهلية وإن لهؤلاء القوم مادة وذلك أن الشيطان لم يشرع شريعة قط فيبرح الأرض من أخذ بها أبدا إن الناس من هذا الامر إن حرك على أمور: فرقة ترى ما ترون وفرقة ترى ما لا ترون وفرقة لا ترى هذا ولا هذا حتى يهدأ الناس وتقع القلوب مواقعها وتؤخذ الحقوق فاهدؤوا عني وانظروا ماذا يأتيكم ثم عودوا. واشتد على قريش وحال بينهم وبين الخروج على حال وإنما هيجه على ذلك هرب بني أمية وتفرق القوم وبعضهم يقول: والله لئن ازداد الأمر لا قدرنا على انتصار من هؤلاء الأشرار لترك هذا إلى ما قال علي أمثل.

стр. 79

وبعضهم يقول: نقضي الذي علينا ولا نؤخره ووالله إن عليا لمستغن برأيه وأمره عنا ولا نراه إلا سيكون على قريش أشد من غيره فذكر ذلك لعلي فقام فحمد الله وأثنى عليه وذكر فضلهم وحاجته إليهم ونظره لهم وقيامه دونهم وأنه ليس له من سلطانهم إلا ذلك والأجر من الله عليه ونادى: برئت الذمة من عبد لم يرجع إلى مواليه فتذامرت السبئية والأعراب وقالوا: لنا غدا مثلها ولا نستطيع نحتج فيهم بشيء. [و] خرج علي في اليوم الثالث١ على الناس فقال: يا أيها الناس أخرجوا عنكم الأعراب وقال: يا معشر الأعراب الحقوا بمياهكم فأبت السبئية وأطاعهم الأعراب ودخل على بيته ودخل عليه طلحة والزبير وعدة من أصحاب النبي ﷺ فقال: دونكم ثأركم فاقتلوه فقالوا: عشوا٢ عن ذلك قال: هم والله بعد اليوم اعشى وآبى وقال: لو أن قومي طاوعتني سراتهم ... أمرتهم أمرا يديخ الأعاديا وقال طلحة: دعني فلآت البصرة فلا يفجؤك إلا وأنا في خيل فقال: حتى أنظر في ذلك وقال الزبير: دعني آتي الكوفة فلا يفجؤك إلا وأنا في خيل فقال: حتى أنظر في ذلك وسمع المغيرة بذلك المجلس فجاء حتى دخل عليه فقال: إن لك حق الطاعة والنصيحة وإن الرأي اليوم تحرز به ما في

стр. 80

غد وإن الضياع اليوم تضيع به ما في غد أقرر معاوية على عمله واقرر ابن عامر على عمله وأقرر العمال على أعمالهم حتى إذا أتتك طاعتهم وبيعة الجنود استبدلت أو تركت قال: حتى أنظر. فخرج من عنده وعاد إليه من الغد فقال: إني اشرت عليك بالأمس برأي وإن الرأي أن تعاجلهم بالنزوع فيعرف السامع من غيره ويستقبل أمرك ثم خرج وتلقاه ابن عباس خارجا وهو داخل فلما انتهى إلى علي قال: رأيت المغيرة خرج من عندك ففيم جاءك؟ قال: جاءني أمس بذية وذية وجاءني اليوم بذية وذية فقال: اما امس فقد نصحك وأما اليوم فقد غشك قال: فما الرأي؟ قال: كان الرأي ان تخرج حين قتل الرجل أو قبل ذلك فتأتي مكة فتدخل دارك وتغلق عليك بابك فإن كانت العرب جائلة مضطربة في اثرك لا تجد غيرك فاما اليوم فإن في بني أمية من يستحسنون الطلب بأن يلزموك شعبة من هذا الأمر ويشبهون على الناس ويطلبون مثل ما طلب أهل المدينة ولا تقدر على ما يريدون ولا يقدرون عليه ولو صارت الأمور إليهم حتى يصيروا في ذلك اموت لحقوقهم وأترك لها إلا ما يعجلون من الشبهة. وقال المغيرة: نصحته والله فلما لم يقبل غششته وخرج المغيرة حتى لحق بمكة.

стр. 81

أخبار عمال علي: [ولما دخلت سنة ست وثلاثين] بعث علي عماله على الامصار١ فبعث

стр. 82

عثمان بن حنيف على البصرة وعمارة بن شهاب على الكوفة وكانت له هجرة وعبيد الله بن عباس على اليمن وقيس بن سعد على مصر وسهل بن حنيف على الشام. فأما سهل فإنه خرج حتى إذا كان بتبوك لقيته خيل فقالوا: من أنت؟ قال: أمير قالوا: على أي شيء؟ قال: على الشام قالوا: إن كان عثمان بعثك فحيهلا بك وإن كان بعثك غيره فارجع قال: أو ما سمعتم بالذي كان قالوا: بلى فرجع إلى علي. واما قيس بن سعيد فإنه لما انتهى إلى أيلة لقيته خيل فقالوا: من أنت؟ قال: من فالة عثمان فأنا أطلب من آوي إليه وأنتصر به قالوا: من أنت؟ قال: قيس بن سعد قالوا: امض فمضى حتى دخل مصر فافترق أهل مصر فرقا فرقة دخلت في الجماعة وكانوا معه وفرقة وقفت واعتزلت إلى خربتا وقالوا: إن قتل قتلة عثمان فنحن معكم وإلا فنحن على جديلتنا حتى نحرك أو نصيب حاجاتنا وفرقة قالوا: نحن مع علي ما لم يقد إخواننا وهم في ذلك مع الجماعة وكتب قيس إلى أمير المؤمنين بذلك. وأما عثمان بن حنيف فسار فلم يرده أحد عن دخول البصرة ولم يوجد في ذلك لابن عامر رأي ولا حزم ولا استقلال بحرب وافترق الناس بها فاتبعت فرقة القوم ودخلت فرقة في الجماعة وفرقة قالت: ننظر ما يصنع أهل المدينة فنصنع كما صنعوا. وأما عمارة فأقبل حتى إذا كان بزبالة لقيه طلحة بن خويلد وقد كان حين بلغهم خبر عثمان خرج يدعوا إلى الطلب بدمه ويقول لهفي على أمر لم يسبقني ولم أدركه.

стр. 83

يا ليتني فيها جذع ... أكر فيها وأضع فخرج حين رجع القعقاع من إغاثة عثمان فيمن أجابه حتى دخل الكوفة فطلع عليه عمارة قادما على الكوفة فقال له: إرجع فإن القوم لا يريدون بأميرهم بدلا وإن أبيت ضربت عنقك فرجع عمارة وهو يقول: إحذر الخطر ما يماسك الشر خير من شر منه. فرجع إلى علي بالخبر. وغلب على عمارة بن شهاب هذا المثل من لدن اعتاصت عليه الأمور إلى أن مات وانطلق عبيد الله بن عباس إلى اليمن فجمع يعلى ابن أمية كل شيء من الجباية وتركه وخرج بذلك وهو سائر على حاميته إلى مكة فقدمها بالمال ولما رجع سهل بن حنيف من طريق الشام وأتته الاخبار ورجع من رجع دعا علي طلحة والزبير فقال: إن الذي كنت أحذركم قد وقع يا قوم وإن الامر الذي وقع لا يدرك إلا بإماتته وإنها فتنة كالنار كلما سعرت إزدادت واستنارت فقالا له: فأذن لنا أن نخرج من المدينة فإما أن نكابر وإما أن تدعنا فقال: سأمسك الأمر ما استمسك فإذا لم أجد بدا فآخر الدواء الكي.

стр. 84

كتابة علي إلى أبي موسى ومعاوية: وكتب [علي] إلى معاوية وإلى أبي موسى وكتب إليه أبو موسى بطاعة أهل الكوفة وبيعتهم وبين الكاره منهم للذي كان والراضي بالذي قد كان ومن بين ذلك حتى كأن عليا على المواجهة من أمر أهل الكوفة وكان رسول علي إلى أبي موسى معبد الأسلمي.

стр. 85

وكان رسول امير المؤمنين إلى معاوية سبرة الجهني فقدم عليه فلم يكتب معاوية بشيء ولم يجبه ورد رسوله وجعل كلما تنجز جوابه لم يزد على قوله: أدم إدامة حصن أو خذا بيدي ... حربا ضروسا تشب الجزل والضرما في جاركم وابنكم إذ كان مقتله ... شنعاء شيبت الأصداع واللمما أعيا المسود بها والسيدون فلم ... يوجد لها غيرنا مولى ولا حكما وجعل الجهني كلما تنجز الكتاب لم يزده على هذه الأبيات حتى إذا كان الشهر الثالث من مقتل عثمان في صفر دعا معاوية برجل من بني عبس ثم أحد بني رواحة يدعى قبيصة فدفع إليه طومارا مختوما عنوانه: من معاوية إلى علي فقال إذا دخلت المدينة فاقبض على أسفل الطومار ثم اوصاه بما يقول وسرح رسول علي وخرجا فقدما المدينة في ربيع الاول لغرته فلما دخلا المدينة رفع العبسي الطومار كما أمره وخرج الناس ينظرون إليه فتفرقوا إلى منازلهم وقد علموا أن معاوية معترض ومضى حتى يدخل على علي فدفع إليه الطومار ففض خاتمه فلم يجد في جوفه كتابة فقال للرسول: ما ورائك؟ قال: آمن أنا؟ قال: نعم إن الرسل آمنة لا تقتل قال: ورائي أني تركت قوما لا يرضون إلا بالقود قال: ممن؟ قال: من خيط نفسك وتركت ستين ألف شيخ يبكي تحت قميص عثمان وهو منصوب لهم قد ألبسوه منبر دمشق فقال: مني يطلبون دم عثمان؟ ألست موتورا كتره عثمان؟ اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان نجا والله قتلة عثمان إلا أن يشاء الله,

стр. 86

فإنه إذا أراد أمرا أصابه أخرج قال: وأنا آمن؟ قال: وأنت آمن. فخرج العبسي وصاحت السبئية قالوا: هذا الكلب هذا وافد الكلاب اقتلوه! فنادى: يا آل مضر يا آل قيس الخيل والنبل إني أحلف بالله جل إسمه ليردنها عليكم أربعة آلاف خصي فانظروا كم الفحولة والركاب! وتعاووا عليه ومنعنه مضر وجعلوا يقولون له: أسكت فيقول: لقد حل بهم ما يحذرون انتهت والله أعمالهم وذهبت ريحهم فوالله ما أمسوا حتى عرف الذل فيهم.

стр. 87

وقعة الجمل إستئذان طلحة والزبير عليا في العمرة ... إستئذان طلحة والزبير عليا في العمرة: استأذن١ طلحة والزبير عليا في العمرة فأذن لهما فلحقا بمكة وأحب اهل المدينة أن يعلموا ما رأي علي في معاوية وانتقاضه ليعرفوا بذلك رأيه في قتال أهل القبلة أيجسر عليه أو ينكل عنه؟ وقد بلغهم أن الحسن بن علي دخل عليه ودعاه إلى القعود وترك الناس فدسوا إليه زياد بن حنظلة التميمي - وكان منقطعا إلى علي - فدخل عليه فجلس إليه ساعة ثم قال له علي: يا زياد تيسر فقال: لاي شيء؟ فقال: تغزو الشام فقال زياد: الأناة والرفق أمثل فقال: ومن لا يصانع في أمور كثيرة ... يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم فتمثل علي وكأنه لا يريده: متى تجمع القلب الذكي وصارما ... وأنفا حميا تجتنبك المظالم فخرج زياد على الناس والناس ينتظرونه فقالوا: ما وراءك؟ فقال: السيف يا قوم فعرفوا ما هو فاعل ودعا علي محمد بن الحنفية فدفع إليه اللواء وولى عبد الله بن عباس ميمنته وعمر بن أبي سلمة أو عمرو بن سفيان

стр. 88

ابن عبد الأسد - ولاه ميسرته ودعا أبا ليلى بن عمر بن الجراح ابن أخي أبي عبيدة بن الجراح فجعله علي مقدمته واستخلف على المدينة قثم بن عباس ولم يول ممن خرج على عثمان أحدا وكتب إلى قيس بن سعد أن يندب الناس إلى الشآم وإلى عثمان بن حنيف وإلى أبي موسى مثل ذلك وأقبل على التهيؤ والتجهز وخطب أهل المدينة فدعاهم إلى النهوض في قتال أهل الفرقة وقال: إن الله بعث رسولا هاديا مهديا بكتاب ناطق وأمر قائم واضح لا يهلك عنه إلا هالك وإن المبتدعات والشبهات هن المهلكات إلا من حفظه الله وإن في سلطان الله عصمة أمركم فأعطوه طاعتكم غير ملوية ولا مستكره بها والله لتفعلن أو لينقلن الله عنكم سلطان الإسلام ثم لا ينقله إليكم أبدا حتى يأرز الأمر إليها١ انهضوا إلى هؤلاء القوم الذين يريدون يفرقون جماعتكم لعل الله يصلح بكم ما افسد أهل الآفاق وتقضون الذي عليكم فبيناهم كذلك إذ جاء الخبر عن أهل مكة بنحو آخر وتمام على خلاف فقام فيهم بذلك فقال: إن الله جعل لظالم هذه الامة العفو والمغفرة وجعل لمن لزم الأمر واستقام الفوز والنجاة فمن لمن يسعه الحق أخذ بالباطل ألا وإن طلحة والزبير وأم المؤمنين قد تمالؤوا على سخط إمارتي ودعوا الناس إلى الإصلاح وسأصبر ما لم أخف على جماعتكم وأكف إن كفوا وأقتصر على ما بلغني عنهم.

стр. 89

استنفار أهل المدينة: ثم أتاه أنهم يريدون البصرة لمشاهدة الناس والإصلاح فتعبى للخروج إليهم وقال: إن فعلوا هذا فقد انقطع نظام المسلمين وما كان عليهم في المقام فينا

стр. 90

مؤونة ولا إكراه فاشتد على أهل المدينة الأمر فتثاقلوا فبعث إلى عبد الله ابن عمر كميلا النخعي فجاء به فقال: انهض معي فقال: أنا مع أهل المدينة إنما أنا رجل منهم وقد دخلوا في هذا الأمر فدخلت معهم فلا أفارقهم فإن يخرجوا أخرج وإن يقعدوا أقعد قال: فاعطني زعيما بألا تخرج قال ولا أعطيك زعيما قال لولا ما اعرف من سوء خلقك صغيرا وكبيرا لأنكرتني دعوه فأنا به زعيم فرجع عبد الله بن عمر إلى المدينة وهم يقولون: لا والله ما ندري كيف نصنع فإن هذا الأمر لمشتبه علينا ونحن مقيمون حتى يضيء لنا ويسفر. فخرج من تحت ليلته وأخبر أم كلثوم بنت علي بالذي سمع من أهل المدينة وأنه يخرج معتمرا مقيما على طاعة علي ما خلا النهوض وكان صدوقا فاستقر عندها وأصبح علي فقيل له: حدث البارحة حدث هو أشد عليك من طلحة والزبير وأم المؤمنين ومعاوية قال: وما ذلك؟ قال: خرج إبن عمر إلى الشام فأتى علي السوق ودعا بالظهر فحمل الرجال وأعد لكل طريق طلابا وماج أهل المدينة وسمعت أم كلثوم بالذي هو فيه فدعت ببغلتها فركبتها في رحل ثم أتت عليا وهو واقف في السوق يفرق الرجال في طلبه فقالت: ما لك لا تزند١ من هذا الرجل؟ إن الأمر على خلاف ما بلغته وحدثته قالت: أنا ضامنة له فطابت نفسه وقال: انصرفوا لا والله ما كذبت ولا كذب وإنه عندي ثقة فانصرفوا. ولما رأى علي٢ من أهل المدينة ما رأى لم يرض طاعتهم حتى يكون معها نصرته قام فيهم وجمع إليه وجوه أهل المدينة وقال إن آخر هذا الأمر

стр. 91

لا يصلح إلا بما صلح أوله فقد رأيتم عواقب قضاء الله على من مضى منكم فانصروا الله ينصركم ويصلح لكم أمركم فأجابه رجلان من أعلام الأنصار أبو الهيثم بن التيهان - وهو بدري - وخزيمة بن ثابت - وليس بذي الشهادتين مات ذو الشهادتين في زمن عثمان ﵁. [وقد سئل الحكم] ١: أشهد خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين الجمل؟ فقال: ليس به ولكنه غيره من الأنصار مات ذو الشهادتين في زمن عثمان إبن عفان ﵁. قال الشعبي٢: بالله الذي لا إله إلا هو ما نهض في تلك الفتنة إلا ستة بدريين ما لهم سابع أو سبعة ما لهم ثامن. [وفي رواية أخرى] عن الشعبي٣ قال: بالله الذي لا إله إلا هو ما نهض في ذلك الأمر إلا ستة بدريين ما لهم سابع فقلت: اختلفتما قال: لم نختلف إن الشعبي شك في أبي أيوب: أخرج حيث أرسلته أم سلمة إلى علي بعد صفين أم لم يخرج! إلا أنه قدم عليه فمضى إليه وعلي يومئذ بالنهروان. وعن سعيد بن زيد أنه قال٤: ما اجتمع أربعة من أصحاب النبي ﷺ ففازوا على الناس بخير يجوزونه إلا وعلي بن أبي طالب أحدهم

стр. 92

ثم إن زياد بن حنظلة لما رأى تثاقل الناس عن علي ابتدر إليه وقال: من تثاقل عنك فإنا نخف معك ونقاتل دونك وبينما علي يمشي في المدينة إذ سمع زينب ابنة أبي سفيان وهي تقول: ظلامتنا عند مدمم وعند مكحلة [هما محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر] فقال: إنها لتعلم ما هما لها بثأر.

стр. 93

وصول الخبر إلى عائشة: قتل عثمان في ذي الحجة١ لثمان عشرة خلت منه وكان على مكة عبد الله ابن عامر الحضرمي وعلى الموسم يومئذ عبد الله بن عباس بعثه عثمان وهو محصور فتعجل اناس في يومين فادركوا مع ابن عباس فقدموا المدينة بعدما قتل وقبل أن يبايع علي وهرب بنوا امية فلحقوا بمكة وبويع علي لخمس بقين من ذي الحجة يوم الجمعة وتساقط الهراب إلى مكة وعائشة مقيمة بمكة تريد عمرة المحرم فلما تساقط إليها الهراب استخبرتهم فأخبروها أن قد قتل عثمان ﵁ ولم يجبهم إلى التأمير أحد فقالت عائشة ﵂: ولكن اكياس هذا غب ما كان يدور بينكم من عتاب الاستصلاح. حتى إذا قضت عمرتها وخرجت فانتهت إلى سرف لقيها رجل من أخوالها من بني ليث - وكانت واصلة لهم رفيقة عليهم - يقال له عبيد بن أبي سلمة يعرف بأمه أم كلاب فقالت: مهيم فأصم ودمدم فقالت: ويحك! علينا أو لنا؟ فقال: لا تدري؟ قتل عثمان وبقوا ثمانيا قالت: ثم صنعوا ماذا؟ فقال: أخذوا أهل المدينة بالاجتماع على علي والقوم الغالبون على المدينة فرجعت إلى مكة وهي لا تقول شيئا ولا يخرج منها شيء حتى نزلت على باب المسجد وقصدت للحجر فسترت فيه واجتمع الناس إليها فقالت: يا أيها الناس إن الغوغاء

стр. 94

من أهل الأمصار وأهل المياه وعبيد أهل المدينة اجتمعوا أن عاب الغوغاء على هذا المقتول بالأمس الإرب واستعمال من حدثت سنه وقد استعمل اسنانهم قبله ومواضع من مواضع الحمى حماها لهم وهي أمور قد سبق بها لا يصلح غيرها فتابعهم ونزع لهم عنها استصلاحا لهم فلما لم يجدوا حجة ولا عذرا خلجوا وبادوا بالعدوان ونبا فعلهم عن قولهم فسفكوا الدم الحرام واستحلوا البلد الحرام وأخذوا المال الحرام واستحلوا الشهر الحرام والله لإصبع عثمان خير من طباق الارض أمثالهم فنجاة من اجتماعكم عليهم حتى ينكل بهم غيرهم ويشرد من بعدهم ووالله لو أن الذي اعتدوا به عليه كان ذنبا لخلص منه كما يخلص الذهب من خبثه أو الثوب من درنه إذ ماصوه١ كما يماص الثوب بالماء فقال عبد الله بن عامر الحضرمي: هأنذا لها أول طالب - وكان أول مجيب ومنتدب.

стр. 95

توجه عائشة إلى المدينة وعودتها: خرجت عائشة٢ ﵂ نحو المدينة من مكة بعد مقتل عثمان فلقيها رجل من أخوالها فقالت: ما وراءك؟ قال: قتل عثمان واجتمع الناس على علي والأمر أمر الغوغاء فقالت: ما أظن ذلك تاما ردوني فانصرفت راجعة إلى مكة حتى إذ دخلتها أتاها عبد الله بن عامر الحضرمي – وكان

стр. 96

أمير عثمان عليها - فقال: ما ردك يا أم المؤمنين؟ قالت: ردني أن عثمان قتل مظلوما وأن الأمر لا يستقيم ولهذه الغوغاء أمر فاطلبوا بدم عثمان تعزوا الإسلام فكان أول من أجابها عبد الله بن عامر الحضرمي وذلك أول ما تكلمت بنو أمية بالحجاز ورفعوا رؤوسهم وقام معهم سعيد بن العاص والوليد بن عقبة وسائر بني أمية وقد قدم عليهم عبد الله بن عامر من البصرة١ ويعلي بن أمية من اليمن وطلحة والزبير من المدينة واجتمع ملؤهم بعد نظر طويل في أمرهم على البصرة وقالت [عائشة] : أيها الناس إن هذا حدث عظيم وأمر منكر فانهضوا فيه إلى إخوانكم من أهل البصرة فأنكروه فقد كفاكم أهل الشام ما عندهم لعل الله يدرك لعثمان وللمسلمين بثأرهم. [وفي رواية أخرى] ٢: كان أول من أجاب إلى ذلك عبد الله بن عامر وبنو أمية وقد كانوا سقطوا إليها بعد مقتل عثمان ثم قدم عبد الله بن عامر ثم قدم يعلي بن أمية فاتفقا بمكة ومع يعلي ستمائة بعير وستمائة ألف٣ فأناخ بالأبطح معسكرا وقدم معهما طلحة والزبير فلقيا عائشة ﵂ فقالت: ما وراءكما؟ فقالا: وراءنا أنا تحملنا بقليتنا٤ هرابا من المدينة من غوغاء وأعراب وفارقنا قوما حيارى لا يعرفون حقا ولا ينكرون باطلا ولا يمنعون أنفسهم قالت: فاتمروا أمرا ثم انهضوا إلى هذه الغوغاء وتمثلت: ولو أن قومي طاوعتني سراتهم ... لأنقذتهم من الحبال أو الخيل

стр. 97

وقال القوم فيما ائتمروا به: الشام فقال عبد الله بن عامر: قد كفاكم الشام من يستمر في حوزته فقال: له طلحة والزبير: فأين؟ قال: البصرة فإن لي بها صنائع ولهم في طلحة هوى قالوا: قبحك الله! فوالله ما كنت بالمسالم ولا بالمحارب فهلا اقمت كما اقام معاوية فنكتفي بك ونأتي الكوفة فنسد على هؤلاء القوم المذاهب! فلم يجدوا عنده جوابا مقبولا حتى إذا استقام له الرأي على البصرة قالوا: يا أم المؤمنين دعي المدينة فإن من معنا لا يقرنون لتلك الغوغاء التي بها واشخصي معنا إلى البصرة فإنا نأتي بلدا مضيعا وسيحتجون علينا فيه ببيعة علي بن أبي طالب فتنهضينهم كما أنهضت أهل مكة ثم تقعدين فإن أصلح الله الأمر كان الذي تريدين وإلا احتسبنا ودفعنا عن هذا الامر بجهدنا حتى يقضي الله ما أراد. فلما قالوا ذلك لها - ولم يكن ذلك مستقيما إلا بها – قالت: نعم وقد كان أزواج النبي ﷺ معها على قصد المدينة فلما تحول رأيها إلى البصرة تركن ذلك وانطلق القوم بعدها إلى حفصة فقالت: رأي تبع لرأي عائشة حتى إذا لم يبق إلا الخروج قالوا: كيف نستقل وليس معنا مال نجهز به الناس! فقال يعلي بن أمية: معي ستمائة ألف وستمائة بعير فاركبوها وقال ابن عامر: معي كذا وكذا فتجهزوا به فنادى المنادي إن أم المؤمنين وطلحة والزبير شاخصون إلى البصرة فمن كان يريد إعزاز الإسلام وقتال المحلين والطلب بثأر عثمان ومن لم يكن عنده مركب -ولم يكن له جهاز فهذا جهاز وهذه نفقة فحملوا ستمائة رجل على ستمائة ناقة سوى من كان له مركب - وكانوا جميعا ألفا - وتجهزوا بالمال ونادوا بالرحيل واستقلوا ذاهبين وأرادت حفصة الخروج فأتاها عبد الله بن عمر فطلب إليها أن تقعد فقعدت وبعثت إلى عائشة: أن عبد الله حال بيني وبين الخروج فقالت: يغفر الله لعبد الله! وبعثت أم الفضل بنت الحارث رجلا من جهينة يدعى ظفرا فاستأجرته على أن يطوي ويأتي عليا بكتابها فقدم على علي بكتاب أم الفضل بالخبر.

стр. 98

[و] خرج المغيرة١ وسعيد بن العاص معهم مرحلة من مكة فقال سعيد للمغيرة: ما الرأي؟ قال: الرأي والله الاعتزال فإنهم ما يفلح أمرهم فإن أظفره الله أتيناه فقلنا: كان هوانا وصغونا٢ معك فاعتزلا فجلسا فجاء سعيد مكة فأقام بها ورجع معها عبد الله بن خالد بن أسيد. [وفي رواية أخرى] : لما انتهت عائشة رضي الله عنها٣ إلى سرف راجعة في طريقها إلى مكة لقيها عبد بن أم كلاب - وهو عبد بن أبي سلمة ينسب إلى أمه - فقالت له: مهيم؟ قال: قتلوا عثمان ﵁ فمكثوا ثمانيا قالت: ثم صنعوا ماذا؟ قال: أخذها أهل المدينة بالاجتماع فجازت بهم الأمور إلى خير مجاز اجتمعوا على علي بن أبي طالب فقالت: والله ليت أن هذه انطبقت على هذه أن تم الأمر لصاحبك! ردوني ردوني فانصرفت إلى مكة وهي تقول: قتل والله عثمان مظلوما والله لأطلبن بدمه فقا: لها ابن أم كلاب: ولم؟ فوالله إن أول من أمال حرفه لأنت ولقد كنت تقولين: اقتلوا نعثلا فقد كفر قالت: إنهم استتابوه ثم قتلوه وقد قلت وقالوا: وقولي الاخير خير من قولي الأول فقال لها ابن أم كلاب: فمنك البداء ومنك الغير ... ومنك الرياح ومنك المطر وأنت أمرت بقتل الإمام ... وقلت لنا إنه قد كفر فهبنا أطعناك في قتله ... وقاتله عندنا من أمر ولم يسقط السيف من فوقنا ... ولم تنكسف شمسنا والقمر

стр. 99

وقد بايع الناس ذا تدرإ١ ... يزيل الشبا ويقيم الصعر ويلبس للحرب أثوابها ... وما من وفى مثل من قد غدر فانصرفت إلى مكة فنزلت على باب المسجد فقصدت الحجر فسترت واجتمع إليها الناس فقالت: يا ايها الناس إن عثمان قتل مظلوما والله لأطلبن بدمه.

стр. 100

توجه عائشة وطلحة والزبير إلى البصرة: لما اجتمع٢ إلى مكة بنو أمية ويعلي بن منية وطلحة والزبير ائتمروا أمرهم وأجمع ملؤهم على الطلب بدم عثمان وقتال السبئية حتى يثأروا وينتقموا فأمرتهم عائشة ﵂ بالخروج إلى المدينة واجتمع القوم على البصرة وردوها عن رأيها وقال لها طلحة والزبير: إنا نأتي أرضا قد أضيعت وصارت إلى علي وقد أجبرنا على بيعته وهم محتجون علينا بذلك وتاركوا أمرنا إلا أن تخرجي فتأمري بمثل ما أمرت بمكة ثم ترجعي فنادى المنادي: إن عائشة تريد البصرة وليس في ستمائة بعير ما تغنون به غوغاء وجلبة الأعراب وعبيدا قد انتشروا وافترشوا أذرعهم مسعدين لأول واعية وبعثت إلى حفصة فارادت الخروج فعزم عليها ابن عمر فأقامت فخرجت عائشة ومعها طلحة والزبير وأمرت على الصلاة عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد فكان يصلي بهم في الطريق وبالبصرة حتى قتل وخرج معها مروان وسائر بني أمية إلا من خشع وتيامنت عن أوطاس وهم ستمائة راكب سوى من كانت له مطية فتركت الطريق ليلة وتيامنت عنها كأنهم سيارة ونجعة مساحلين

стр. 101

لم يدن من المنكدر ولا واسط ولا فلج منهم أحد حتى أتوا البصرة في عام خصيب وتمثلت: دعي بلاد جموع الظلم إذ صلحت ... فيها المياه وسيري سير مذعور تخيري النبت فارعي ثم ظاهرة ... وبطن واد من الضمار ممطور [وقد] جمع الزبير١ بنيه حين اراد الرحيل فودع بعضهم وأخرج بعضهم وأخرج ابني أسماء جميعا فقال: يا فلان أقم يا عمرو أقم فلما رأى ذلك عبد الله بن الزبير قال: يا عروة أقم ويا منذر اقم فقال الزبير: ويحك! استصحب ابني واستمتع منهما فقال: إن خرجت بهم جميعا فاخرج وإن خلفت منهم أحدا فخلفهما ولا تعرض أسماء للثكل من بين نسائك فبكى وتركهما فخرجوا حتى إذا انتهوا إلى جبال أوطاس تيامنوا وسلكوا طريقا نحو البصرة وتركوا طريقها يسارا حتى إذا دنوا منها فدخلوها ركبوا المنكدر. خرج الزبير وطلحة٢ ففصلا ثم خرجت عائشة فتبعها أمهات المؤمنين إلى ذات عرق فلم ير يوم كان أكثر باكيا على الإسلام أو باكيا له من ذلك اليوم كان يسمى يوم النحيب وأمرت عبد الرحمن بن عتاب فكان يصلي بالناس وكان عدلا بينهم. [و] لما تيامن٣ عسكرها عن أوطاس اتوا على مليح بن عوف السلمي وهو

стр. 102

مطلع ماله فسلم على الزبير وقال: يا أبا عبد الله ما هذا؟ قال: عدي على أمير المؤمنين ﵁ فقتل بلا ترة ولا عذر قال: ومن؟ قال: الغوغاء من الأمصار ونزاع القبائل وظاهرهم الأعراب والعبيد قال: فتريدون ماذا؟ قال: ننهض الناس فيدرك بهذا الدم لئلا يبطل فإن في إبطاله توهين سلطان الله بيننا أبدا إذا لم يفطم الناس عن أمثالها لم يبق إمام إلا قتله هذا الضرب قال: والله إن ترك هذا لشديد ولا تدرون إلى اين ذلك يسير! فودع كل واحد منهما صاحبه وافترقا ومضى الناس.

стр. 103

موقف عبد الله بن عمر: لما إجتمع الرأي١ من طلحة والزبير وأم المؤمنين ومن بمكة من المسلمين على السير إلى البصرة والانتصار من قتلة عثمان ﵁ خرج الزبير وطلحة حتى لقيا ابن عمر ودعواه إلى الخفوف٢ فقال: إني إمرؤ من أهل المدينة فإن يجتمعوا على النهوض أنهض وإن يجتمعوا على القعود اقعد فتركاه ورجعا.

стр. 104

خروج علي إلى الربذة يريد البصرة: كان علي في هم من توجه القوم٣ لا يدري إلى أين يأخذون! وكان أن يأتوا البصرة أحب إليه فلما تيقن أن القوم يعارضون طريق البصرة سر بذلك

стр. 105

وقال: الكوفة فيها رجال العرب وبيوتاتهم فقال: له ابن عباس: إن الذي يسرك من ذلك ليسوءني إن الكوفة فسطاط فيه أعلام من أعلام العرب ولا يحملهم عدة القوم ولا يزال فيهم من يسمو إلى أمر لا يناله فإذا كان كذلك شغب على الذي نال حتى يفثأه فيفسد بعضهم على بعض فقال علي: إن الأمر ليشبه ما تقول ولكن الأثرة لأهل الطاعة وألحق بأحسنهم سابقة وقدمة فإن استووا أعفيناهم واجتبرناهم فإن أقنعهم ذلك كان خيرا لهم وإن لم يقنعهم كلفونا إقامتهم وكان شرا على من هو شر له فقال ابن عباس: إن ذلك لأمر لا يدرك إلا بالقنوع. جاء عليا الخبر١ عن طلحة والزبير وأم المؤمنين فأمر على المدينة تمام بن العباس وبعث إلى مكة قثم بن العباس وخرج وهو يرجو أن يأخذهم بالطريق واراد ان يعترضهم فاستبان له بالربذة أن قد فاتوه وجاءه بالخبر عطاء بن رئاب مولى الحارث بن حزن. بلغ عليا الخبر٢ - وهو بالمدينة - باجتماعهم على الخروج إلى البصرة وبالذي اجتمع عليه ملؤهم طلحة والزبير وعائشة, ومن تبعهم وبلغه قول عائشة وخرج على يبادرهم في تعبيته التي كان تعبي بها إلى الشام وخرج معه من نشط من الكوفيين والبصريين متخففين في سبعمائة رجل وهو يرجو أن يدركهم فيحول بينهم وبين الخروج فلقيه عبد الله بن سلام فأخذ بعنانه وقال: يا امير المؤمنين لا تخرج منها فوالله لئن خرجت منها لا ترجع إليها ولا يعود إليها سلطان المسلمين أبدا فسبوه فقال: دعوا الرجل فنعم الرجل من أصحاب محمد ﷺ وسار حتى انتهى إلى الربذة فبلغه ممرهم فأقام حين فاتوه يأتمر بالربذة.

стр. 106

قال طارق بن شهاب١: خرجنا من الكوفة معتمرين حين أتانا قتل عثمان ﵁ فلما إنتهينا إلى الربذة - وذلك في وجه الصبح - إذا الرفاق وإذا بعضهم يحدو بعضا فقلت: ما هذا؟ فقالوا: أمير المؤمنين فقلت: ما له؟ قالوا: غلبه طلحة والزبير فخرج يعترض لهما ليردهما فبلغه أنهما قد فاتاه فهو يريد أن يخرج في آثارهما فقلت إنا لله وإنا إليه راجعون آتي عليا فأقاتل معه هذين الرجلين وأم المؤمنين أو أخالفه إن هذا لشديد فخرجت فأتيته فأقيمت الصلاة بغلس فتقدم فصلى فلما إنصرف أتاه ابنه الحسن فجلس فقال: قد أمرتك فعصيتني فتقتل غدا بمضيعة لا ناصر لك فقال علي: إنك لا تزال تخن خنين الجارية! وما الذي أمرتني فعصيتك؟ قال: أمرتك يوم أحيط بعثمان ﵁ أن تخرج من المدينة فيقتل ولست بها ثم أمرتك يوم قتل ألا تبايع حتى يأتيك وفود أهل الأمصار والعرب وبيعة كل مصر ثم أمرتك حين فعل هذان الرجلان ما فعلا أن تجلس في بيتك حتى يصطلحوا فإن كان الفساد كان على يدي غيرك فعصيتني في ذلك كله قال: أي بني أما قولك: لو خرجت من المدينة حين أحيط بعثمان فوالله لقد أحيط بنا كما أحيط به وأما قولك: لا تبايع حتى تأتي بيعة الأمصار فإن الأمر أمر اهل المدينة وكرهنا ان يضيع هذا الامر وأما قولك حين خرج طلحة والزبير فإن ذلك كان وهنا على أهل الإسلام ووالله ما زلت مقهورا مذ وليت منقوصا لا أصل إلى شيء مما ينبغي وأما قولك: إجلس في بيتك فكيف لي بما قد لزمني؟ أو من تريدني؟ أتريد ان أكون مثل الضبع التي يحاط بها ويقال: دباب دباب٢ ليست هاهنا حتى يحل عرقوباها ثم تخرج وإذا لم أنظر فيما لزمني من هذا الأمر ويعنيني فمن ينظر فيه فكف عنك أي بني.

стр. 107

الموقف في البصرة: ومضى الناس١ حتى إذا عاجوا عن الطريق وكانوا بفناء البصرة لقيهم عمير ابن عبد الله التميمي فقال: يا أم المؤمنين أنشدك بالله أن تقدمي اليوم على قوم تراسلي منهم أحدا فيكفيكهم! فقالت جئتني بالرأي امرؤ صالح قال: فعجلي ابن عامر فليدخل فإن له صنائع فليذهب إلى صنائعه فليلقوا الناس حتى تقدمي ويسمعوا ما جئتم فيه فأرسلته فاندس إلى البصرة فأتى القوم وكتبت عائشة ﵂ إلى رجال من أهل البصرة وكتبت إلى الأحنف ابن قيس وصبرة بن شيمان وأمثالهم من الوجوه ومضت حتى إذا كانت بالحفير انتظرت الجواب بالخبر ولما بلغ ذلك أهل البصرة دعا عثمان بن حنيف عمران ابن حصين - وكان رجل عامة - وألزه٢ بأبي الاسود الدؤلي - وكان رجل خاصة - فقال: انطلقا إلى هذه المرأة فاعلما علمها وعلم من معها فخرجا فانتهيا إليها وإلى الناس وهم بالحفير فاستأذنا فأذنت لهما فسلما وقالا: إن أميرنا بعثنا إليك نسألك عن مسيرك فهل أنت مخبرتنا؟ فقالت: والله ما مثلي يسير بالأمر المكتوم ولا يغطي لبنيه الخبر إن الغوغاء من أهل الأمصار ونزاع القبائل غزوا حرم رسول الله ﷺ وأحدثوا فيه الأحداث وآووا فيه المحدثين واستوجبوا فيه لعنة الله ولعنة رسوله مع ما نالوا من قتل إمام المسلمين بلا ترة ولا عذر فاستحلوا الدم الحرام فسفكوه وانتهبوا المال الحرام وأحلوا البلد الحرام والشهر الحرام ومزقوا الأعراض والجلود واقاموا في دار قوم كانوا كارهين لمقامهم ضارين مضرين غير نافعين ولا متقين لا يقدرون على إمتناع ولا يأمنون فخرجت في المسلمين أعلمهم ما أتى هؤلاء القوم وما فيه الناس وراءنا وما ينبغي لهم أن يأتوا في إصلاح هذا وقرأت: ﴿لا خَيْرَ فِي

стр. 108

كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ ١. ننهض في الإصلاح ممن أمر الله وأمر رسول الله ﷺ الصغير والكبير والذكر والأنثى فهذا شأننا إلى معروف نأمركم به ونحضكم عليه ومنكر ننهاكم عنه ونحثكم على تغييره. فخرج أبو الأسود٢ وعمران من عندها فأتيا طلحة فقالا: ما أقدمك؟ قال: الطلب بدم عثمان قالا: ألم تبايع عليا؟ قال: بلى واللج٣ على عنقي وما استقيل عليا إن هو لم يحل بيننا وبين قتلة عثمان ثم أتيا الزبير فقالا: ما أقدمك؟ قال: الطلب بدم عثمان قالا: ألم تبايع عليا؟ قال: بلى واللج على عنقي وما استقيل عليا إن هو لم يحل بيننا وبين قتلة عثمان فرجعا إلى أم المؤمنين فودعاها فودعت عمران وقالت: يا أبا الأسود إياك أن يقودك الهوى إلى النار ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ..﴾ ٤ فسرحتهما ونادى مناديها بالرحيل ومضى الرجلان حتى دخلا على عثمان بن حنيف فبدر أبو الأسود عمران فقال: يابن حنيف قد أتيت فانفر ... وطاعن القوم وجالد واصبر وابرز لهم مستلئما وشمر فقال عثمان: إنا لله وإنا إليه راجعون! دارت رحى الإسلام ورب الكعبة فانظروا بأي زيفان تزيف؟ فقال عمران: إي والله لتعركنكم عركا طويلا ثم

стр. 109

لا يساوي ما بقي منكم كثير شيء قال: فأشر علي يا عمران قال: إني قاعد فاقعد فقال عثمان: بل امنعهم حتى يأتي أمير المؤمنين علي قال عمران: بل يحكم الله ما يريد فانصرف إلى بيته وقام عثمان في أمره فأتاه هشام بن عامر فقال: يا عثمان إن هذا الأمر الذي تروم يسلم إلى شر مما تكره إن هذا فتق لا يرتق وصدع لا يجبر فسامحهم حتى يأتي أمر علي ولا تحادهم فابى ونادى عثمان في الناس وأمرهم بالتهيؤ ولبسوا السلاح واجتمعوا إلى المسجد الجامع وأقبل عثمان على الكيد فكاد الناس لينظر ما عندهم وأمرهم بالتهيؤ وامر رجلا ودسه إلى الناس خدعا كوفيا قيسيا فقام فقال: يا ايها الناس أنا قيس بن الفقدية الحميسي إن هؤلاء القوم الذين جاؤوكم إن كانوا جاؤوكم خائفين فقد جاؤوا من المكان الذي يأمن فيه الطير وإن كانوا جاؤوا يطلبون بدم عثمان ﵁ فما نحن بقتلة عثمان أطيعوني في هؤلاء القوم فردوهم من حيث جاؤوا فقام الاسود ابن سريع السعدي فقال: أوزعموا أنا قتلة عثمان ﵁؟ فإنما فزعوا إلينا يستعينون بنا على قتلة عثمان منا ومن غيرنا فإن كان القوم أخرجوا من ديارهم كما زعمت فمن يمنعهم من إخراجهم الرجال او البلدان فحصبه الناس فعرف عثمان أن لهم بالبصرة ناصرا ممن يقوم معهم فكسره ذلك واقبلت عائشة ﵂ فيمن معها حتى إذا انتهوا إلى المربد ودخلوا من أعلاه أمسكوا ووقفوا حتى خرج عثمان فيمن معه وخرج إليها من أهل البصرة من أراد أن يخرج إليها ويكون معها فاجتمعوا بالمربد وجعلوا يثوبون حتى غص بالناس. فتكلم طلحة وهو في ميمنة المربد ومعه الزبير وعثمان في مسيرته فأنصتوا له فحمد الله وأثنى عليه وذكر عثمان ﵁ وفضله والبلد وما استحل منه وعظم ما أتى إليه ودعا إلى الطلب بدمه وقال: إن في ذلك

стр. 110

إعزاز دين الله وسلطانه وأما الطلب بدم الخليفة المظلوم فإنه حد من حدود الله وإنكم إن فعلتم أصبتم وعاد أمركم إليكم وإن تركتم لم يقم لكم سلطان ولم يكن لكم نظام. فتكلم الزبير بمثل ذلك فقال من في ميمنة المربد: صدقا وبرا وقالا: الحق وأمرا بالحق وقال من في ميسرته: فجرا وغدرا وقالا الباطل وأمرا به قد بايعا ثم جاء يقولان ما يقولان! وتحاثى١ الناس وتحاصبوا وأرهجوا فتكلمت عائشة - وكانت جهورية يعلو صوتها كثرة كأنه صوت امرأة جليلة - فحمدت الله وأثنت عليه وقالت: كان الناس يتجنون على عثمان ﵁ ويزرون على عماله ويأتوننا بالمدينة فيستشيروننا فيما يخبروننا عنهم ويرون حسنا من كلامنا في صلاح بينهم فننظر في ذلك فنجده بريا تقيا وفيا ونجدهم فجرة كذبة يحاولون غير ما يظهرون فلما قووا على المكاثرة كاثروه فاقتحموا عليه داره واستحلوا الدم الحرام والمال الحرام والبلد الحرام بلا ترة ولا عذر ألا إن مما ينبغي لا ينبغي لكم غيره أخذ قتلة عثمان ﵁ وإقامة كتاب الله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ ٢. فافترق أصحاب عثمان بن حنيف فرقتين فقالت فرقة: صدقت والله وبرت وجاءت والله بالمعروف وقال الآخرون: كذبتم والله ما نعرف ما تقولون فتحاثوا وتحاصبوا وأرهجوا فلما رأت ذلك عائشة انحدرت وانحدر أهل الميمنة مفارقين لعثمان حتى وقفوا في المربد في موضع الدباغين وبقي اصحاب عثمان على حالهم يتدافعون حتى تحاجزوا ومال بعضهم إلى
следующие страницы →