← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7537

السنة النبوية ومكانتها - نور قاروت

نور بنت حسن قاروت

Полный текст (75 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

- فمن العلماء من رجح الحديث الأول فقال: لا يجوز استقبال واستدبار القبلة بالبول والغائط لا في الصحاري ولا في البنيان. - ومنهم من رجح الحديث الثاني فقال: بمطلق الإباحة وأنه يجوز استقبال القبلة واستدبارها بالبول والغائط في الصحاري والبنيان. - ومنهم من جمع بين الحديثين فقال: لا يجوز في الصحاري، ويجوز في البنيان (١) ١- إن لم يمكن الجمع بينهما فلا يخلو أن يعرف التأريخ أولا؟ فإن عرف وثبت المتأخر فهو الناسخ والآخر منسوخ. مثال ذلك حديث "نهيتكم عن زيارة القبور فزروها" (٢) . بين الحديث أن الأمر بزيارة القبور نسخ النهي عن زيارتها. ٢- إن لم يعرف التأريخ للمتأخر فلا يخلو إما أن يمكن ترجيح أحدهما على الآخر بوجه من وجوه الترجيح المتعلقة بالمتن أو السند، أو لا يمكن ذلك بحسب ما يفتح به الله من كثرة العلم أو عمق الفهم (٣) فإن لم يمكن الجمع بينهما، ولا معرفة الناسخ والمنسوخ، ولا الترجيح لأحدهما على الآخر فيكون التوقف عن العمل بالحديثين (٤) . يقول الإمام ابن حجر:" التعبير بالتوقف أولى من التعبير بالتساقط، لأن خفاء ترجيح أحدهما على الآخر إنما هو بالنسبة للمعتبر في الحالة الراهنة مع احتمال أن يظهر لغيره ما خفي عليه والله أعلم" (٥) .

стр. 37

الفصل الثاني: تبيين السنة لأحكام القرآن الكريم مدخل ... الفصل الثاني: تبيين السنة لأحكام القرآن الكريم وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: تفصيل السنة لأحكام مجملة في القرآن الكريم. المبحث الثاني: تخصيص السنة لأحكام عامة في القرآن الكريم. المبحث الثالث: تقييد السنة لأحكام مطلقة في القرآن الكريم.

стр. 38

لم يقع الخلاف بين الصحابة ﵃ ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين في أن السنة مبينة لأحكام القرآن الكريم: فعن عبد الرحمن بن يزيد رأى محرمًا عليه ثيابه فنهى المحرم فقال: ائتني بآية من كتاب الله تنزع ثيابي؟ فقرأ عليه ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَانَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُو﴾ [الحشر:٣٦] (١) . عن هشام بن حجير قال: كان طاووس يصلي ركعتين بعد العصر. فقال ابن عباس ﵄: اتركهما. فقال: إنما نهي عنهما أن تتخذ سنة، فقال ابن عباس ﵄: قد نهى رسول الله ﷺ عن صلاة بعد العصر، فلا أدري أتُعذب أم تؤجر؟ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ َمْرًا أَن يَكُونَلَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] (٢) .

стр. 39

المبحث الأول: تفصيل السنة لأحكام مجملة في آيات القرآن الكريم جاءت السنة مفصلة ومفسرة للأحكام المجملة في آيات عديدة من القرآن الكريم؛ إما بحسب كيفيات العمل أو أسبابه أو شروطه أو موانعه أو لواحقه، وما أشبه ذلك؛ كبيانها للصلوات على اختلافها في أنواع مواقيتها، وركوعها وسجودها وسائر أحكامها، وبيانها للزكاة في مقاديرها ونُصبِ الأموال وتعيين ما يزكى مما لا يزكى. وبيان أحكام الصوم وما فيه مما لم يقع النص عليه في الكتاب. وكذلك الطهارة الحَدَثية والخبثية، والحج، والذبائح، والصيد، وما يؤكل مما لا يؤكل، والأنكحة وما يتعلق بها من الطلاق والرجعة والظهار واللعان، والبيوع وأحكامها، والجنايات من القصاص وغيره، كل ذلك بيان لما وقع مجملاً في القرآن الكريم، وهو الذي يظهر دخوله تحت قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤] ، (١) يوضح ذلك قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة:٣٨] . ظاهر الآية يقتضي قَطع سارق القليل والكثير، والعقل لا يهتدي إلى الفصل فيه بحد تقف المعرفة عنده، فجاءت السنة بتحديده بربع دينار؛ فعن

стр. 40

عائشة ﵂ قالت: ((ما طال عليّ ولا نسيتُ: القطعُ في ربع دينار فصاعدًا)) (١) (٢) . وظاهر الآية يقتضي القطع في كل مال لا يسرع إليه الفساد أو يسرع كالخضار والفاكهة فجاءت السنة مفصلة أن من سرق ثمرًا ونحوه لا تقطع يده؛ فعن النبي ﷺ أنه قال: "لا قطع في ثمرٍ ولا كثرٍ (٣) " (٤) (٥) . ولم تبين الآية اشتراط الحرز وجاءت السنة به، ففي الحديث ".. ومن سرق شيئًا منه بعد أن يُؤوِيه الجَرِينُ (٦) ، فبلغ ثمن المجنِّ فعليه القطعُ.." (٧) . واشترطه الفقهاء للقطع في السرقة، ورد في زاد المستقنع:" فإن سرقه من غير حرز فلا قطع، وحرز المال ما العادة حفظه فيه، ويختلف باختلاف الأموال والبلدان.." (٨) . وجاءت السنة لتبين أن حد السرقة وغيره من الحدود لا يقام في المساجد لقوله ﷺ : "لا تقام الحدود في المساجد ولا يستقاد فيها" (٩) .

стр. 41

وفصلت السنة أنه لا يقام الحد مع وجود شبهة لقوله ﷺ : "ادرؤوا الحدود بالشبهات ما استطعتم" (١) . ومثّل الفقهاء للشبهة: أنه لا يقطع السارق بالسرقة من مال أبيه وإن علا ولا بسرقة مال ولده وإن سفل لأن نفقة كل منهما تجب في مال الآخر (٢) . فهذه التفصيلات وغيرها وردت في السنة، فلولا السنة لما عرف كيفية قطع يد الساق، ولا متى تقطع. وعلى ذلك أكثر الآيات. يقول الإمام النووي ﵀: "على السنن مدار أكثر الأحكام الفقهيات، فإن أكثر الآيات الفروعيات مجملات، وبيانها في السنن المحكمات وقد اتفق العلماء أن على القاضي والمفتي أن يكون عالمًا بالأحاديث الحكميات" (٣) .

стр. 42

المبحث الثاني: تخصيص السنة لأحكام عامة في القرآن الكريم العام اللفظ المستغرق لما يصلح له (١) . أي يستغرق جميع الأفراد التي يصدق عليها معناه من غير حصر كمي ولا عددي (٢) . وصيغة الألفاظ العربية تفيد الشمول والاستغراق وهي على النحو التالي: - لفظ كل، جميع، كافة - المعرف ب "أل" التي ليست للعهد. - النكرة في سياق النفي، أو النهي. - الذي، والتي وفروعهما. - أسماء الشروط. - المضاف إلى جمع. - المفرد المضاف. ولا خلاف بين العلماء أن السنة إذا كانت متواترة يجوز تخصيص القرآن بها. أما إذا كانت السنة من أخبار الآحاد فمذهب الأئمة الأربعة جوازه، وهو المختار عند العلماء (٣) .

стр. 43

والأدلة المنقولة عن الصحابة ﵃ كثيرة منها الآيات التالية التي خُصصت بالسنة التي رويت بأخبار الآحاد: - بعد ذكر الحق للمحرمات من النسب والرضاع والمصاهرة قال سبحانه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٤] ، وخصص هذا الحل بما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها" (١) . وخصص قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ﴾ [النساء: ١١] بقوله ﷺ : "لا يرث القاتل" (٢) وبقوله: "لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم من الكافر" (٣) . - وخصص قوله تعالى: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ النساء:١١] بما روي عن النبي ﷺ : "أنّه جعل للجدة السدس" (٤) . - وخصص قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥] بما روي عنه ﷺ : "أنه نهى عن بيع الدرهم بالدرهمين" (٥) .

стр. 44

- وخصص قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:٥] . بإخراج المجوس وهم عبدة النار بما روي: "سنُّوا بهم سنّة أهل الكتاب" (١) . والصحابة أجمعوا على تخصيص العمومات بأخبار الآحاد، حيث إنهم أضافوا التخصيص إليها من غير نكير، فكان إجماعًا (٢) .

стр. 45

المبحث الثالث: تقييد السنة لأحكام مطلقة في القرآن الكريم المطلق: ما دل على شائع في جنسه. أي هو اللفظ الدال على معنى غير متعين، له أفراد مماثلة له (١) . كقولك رقبة، رجل، صبي. والمقيد: بخلاف المطلق. فهو لفظ دال على معنى غير شائع في جنسه. فهو يتناول ما دلّ على معين، ومادلّ على شائع لكن لا في جنسه. فيكون العام مقيدًا بهذا التعريف (٢) . كقولك عن الرقبة: مؤمنة. وعن الرجل: صالح. وعن الصبي: ذكي. إذا ورد مطلق ومقيد، فلا يخلو، إما أن يختلف حكمهما، أو لا يختلف (٣) . ومثال اختلاف حكمهما: إن ظاهرت فأعتق رقبة، مع: لا تملك رقبة كافرة (٤) . ولا خلاف في امتناع حمل أحدهما على الآخر (٥) . وإن لم يختلف حكمهما أي حكم المطلق والمقيد، واتحد سببهما، وكان اللفظ دالاً على إثباتهما أو نفيهما، كما لو قال في الظهار: أعتقوا رقبة، ثم

стр. 46

قال: أعتقوا رقبة مسلمة. يقول الآمدي:" فلا نعرف خلافًا في حمل المطلق على المقيد هاهنا" (١) . ومن أمثلة تقييد السنة للآيات المطلقة التي وردت في القرآن الكريم: قوله تعالى: ﴿فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النسا:١٢] . فالوصية لفظ مطلق شائع جنسه. وقيّد رسول الله ﷺ الوصية بالثلث، وذلك في قصة مرض سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يعودني عام حجة الوداع من وجعٍ اشتدّ بي فقلت: إني قد بلغ بي من الوجع وأنا ذو مالٍ، ولا يرثني إلاّ ابنة لي، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا. فقلت: بالشطر؟ فقال: لا. ثم قال: الثلث والثلث كبير أو كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، ... الحديث" (٢) . قال الإمام الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم، أنه ليس للرجل أن يوصي بأكثر من الثلث، وقد استحب بعض أهل العلم أن ينقص من الثلث ... (٣) .

стр. 47

كما ورد قيد ثان للوصية في السنة فذهب الفقهاء إلى أن الإنسان إذا وصى لوارثه بوصية، فلم يجزها سائر الورثة، لم تصح بغير خلاف بين العلماء واشترط بعضهم لصحة الوصية ألاّ يكون المُوصى له وارثًا (١) . فعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في خطبته عام حجة الوداع: ((إن الله ﵎ قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث..)) (٢) . وجمهور الفقهاء أو قفوا نفاذها على إجازة باقي الورثة، إن أجازوها نفذت وإلاّ بطلت (٣) . ولم أعثر فيما اطلعت عليه على أمثلة كثيرة لتقييد السنة لمطلق أحكام القرآن، بخلاف تخصيص الآيات العامة.

стр. 48

الفصل الثالث: الاحتجاج والعمل بأحكام ثبتت في السنة ولم تذكر في القرآن المبحث الأول: مرتبة السنة مع القرآن ... المبحث الأول: مرتبة السنة مع القرآن آيات القرآن الكريم هي الأساس الأول لجميع علوم الشرع (١) ، نزل بها أمين السماء إلى أمين الأرض، يقول سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل:٨٩] . والقرآن محفوظٌ بحفظ مالك السموات والأرض عن التغيير والتبديل والزيادة والنقصان، يقول : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] . ورغّب الرسول ﷺ في تلاوته ومدارسته (٢) ، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلاّ نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده" (٣) . وأهم الفروق بين وحي القرآن ووحي السنة ما يلي: ١- القرآن معجزة بلفظه إلى الأبد دون السنّة. ٢- يتعبد المسلم بتلاوته. ٣- لا تجوز روايته بالمعنى. ٤- يحرم مسه لغير طاهر دون السنة.

стр. 49

١- تُسمى الجملة منه آية، والفصل منه سورة. ٢- لفظه ومعناه من عند الله . ٣- تكفل الله سبحانه بحفظه فهو قطعي الثبوت وأحاديث الآحاد بما حف بها من ظنون في المرتبة الثانية بعد القرآن من حيث الثبوت (١) . وكانت وصية عمر ﵁ في كتابه إلى أبي موسى الأشعري ﵁: ((الفهم فيما يختلج في صدرك مما ليس في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ثم عرف الأشباه والأمثال، وقس الأمور واعمد إلى أقربها إلى الله وأشبهها بالحق)) (٢) . فقدم القرآن ثم السنة وجعلهما مصدري التشريع لما ظهر وخفي. يقول الإمام الشافعي ﵀: "فحق على طلبة العلم بلوغ جهدهم في الاستكثار من علمه – أي القرآن- والصبر على كل عارض دون طلبه وإخلاص النية لله في استدراك علمه نصًا واستنباطًا" (٣) . ويقول في موضع آخر:" ... فأبان الله لنا أن سنن رسوله فرض علينا بأن ننتهي إليها، لا أن لنا معها من الأمر شيئًا إلا التسليم لها واتباعها، ولا أنها تعرض على قياس ولا على شيء غيرها وأن كل ما سواها من قول الآدميين تبع لها" (٤) . والقرآن ليس كلام الآدميين فيقدم عليها.

стр. 50

المبحث الثاني: ثبوت أحكام استقلت بها السنة يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:" فلم أعلم من أهل العلم مخالفًا في أن سنن النبي ﷺ من ثلاثة وجوه، فاجتمعوا منها على وجهين. والوجهان يجتمعان ويتفرعان: أحدهما: ما أنزل الله فيه نص كتاب فبين رسول الله مثل ما نص الكتاب. والآخر: مما أنزل الله فيه جملة كتاب، فبين عن الله معنى ما أراد. وهذان الوجهان اللذان لم يختلفوا فيهما (١) . الوجه الثالث: ما سن رسول الله فيما ليس فيه نص كتاب...." (٢) . وهذا الوجه الثالث ذهب الجمهور إلى أن في سنة رسول الله ﷺ ما ليس في القرآن (٣) واستدلوا على ذلك بأدلة عديدة أهمها: أولاً: إن في نصوص القرآن الكريم ما يدل على أن في السنة ما ليس في القرآن مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩] . والرد إلى الله هو الرد إلى الكتاب والرد إلى الرسول هو الرد إلى سنته بعد وفاته. وكذا سائر ما قرن فيه طاعة الرسول بطاعة الله فهو دال على أن طاعة الله ما أمر به ونهى عنه في كتابه وطاعة الرسول ما أمر به ونهى عنه مما جاء به مما ليس في القرآن؛ إذ لو كان في القرآن لكان من طاعة الله (٤) .

стр. 51

ثانيًا: إنه لا مانع عقلاً من وقوع استقلال السنة بالتشريع مادام رسول الله معصومًا عن الخطأ، والله قد أمر رسوله بتبليغ أحكامه إلى الناس من أي طريق سواء كان بالكتاب أو بغيره. ثالثًا: ثبت من قول علي ﵁: ((ما عندنا إلاّ كتاب الله أو فهمًا أعطيه رجل مسلم وما في هذه الصحيفة، فنشرها فإذا فيها أسنان الإبل، وإذا فيها: المدينة حرم من عيْر (١) إلى كذا، فمن أحدث فيها حدثًا، فعليه لعنة الله واللائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلا، وإذا فيها: ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلا، وإذا فيها: من والى قومًا بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلا)) (٢) . فدل على أن في السنة أشياء لا تحصى كثرة، لم ينص عليها في القرآن. وستأتي أمثلة أخرى عليها. ويظهر للباحث أن الخلاف لفظي، لأن القائلين إنه ليس في السنة ما لم يرد في الكتاب يثبتون هذه الأحكام ولكن يدخلونها تحت القواعد الكليّة التي وردت في القرآن كالأمر بطاعة الرسول ﷺ فالخلاف لا ثمرة له. حيث إن كلا منهما يعترف بوجود أحكام في السنة لم تثبت في القرآن ولكن أحدهما لا يسمي ذلك استقلالاً، والآخر يسميه، والنتيجة واحدة (٣) . وكذا يتم الجمع

стр. 52

بين رأي الجمهور وظاهر قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًىوَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل:٨٩] . فكونه تبيانًا لكل شيء من أمور الدين باعتبار أنّ فيه نصا على بعض الأمور، وإحالة لبعضها على السنة (١) . وأن الآيات المعجزات جاءت تبيانًا لكل شيء: إما تأصيلاً وإما تفصيلاً (٢) .

стр. 53

المبحث الثالث: ضوابط قبول الأحكام التي استقلت بها السنة وضع العلماء شروطًا يجب أن تتوافر في الراوي ليكون خبره مقبولاً، كما وضعوا مناهج لتحمل الحديث تضمن النقل الصحيح للسنة نقلاً لا تحريف فيه ولا تغيير، وبحثوا في الأسانيد من حيث اتصالها وانقطاعها واستولى ذلك على معظم جهودهم. وهذا يسمى بتوثيق السند. واختلفوا في توثيق متن الحديث بعد ثبوت صحة سنده إلى مذهبين: ذهب بعض الفقهاء إلى أنه إذا نقلت السنة برواة ثقات، وأسلمها بعضهم إلى بعض بطريقة سليمة فإنه مما لا شك فيه ستنقل كما صدرت من رسول الله ﷺ دون تبديل أو تغيير، أو دخيل فلا ينظر إلى غير ذلك من معارضتها لظاهر الكتاب أو لسنة مشهورة لأنه قد تخفى على عقولنا بعض الأحاديث فنتوهم أنها تعارض كتاب الله وليست كذلك في واقع الأمر وحقيقته (١) . إلاّ أن بعض العلماء اعتنوا بوضع مقاييس وضوابط في توثيق متن السنة لا تقل أهمية عن المقاييس التي وضعت لتوثيقها من حيث السند واعتبروا ذلك انقطاعًا باطنيًا في الحديث يقدح في قبوله. يقول الإمام السرخسي:" ثبوت الانقطاع بدليل معارض على أربعة أوجه: إما أن يكون مخالفًا لكتاب الله تعالى، أو لسنة مشهورة عن رسول الله، أو يكون حديثًا شاذًا لم يشتهر فيما تعم به البلوى ويحتاج الخاص والعام إلى معرفته، أو يكون حديثًا قد أعرض

стр. 54

عنه الأئمة من الصدر الأول بأن ظهر منهم الاختلاف في تلك الحادثة ولم تجر بينهم المحاجة بذلك الحديث" (١) . وأكثر من اهتم بهذا القسم الحنفية. وأهم ما تم به توثيق متون السنة بعد صحة السند ما يلي: ١. عرض المتن الذي ثبت في خبر الآحاد على كتاب الله . وأن النبي ﷺ لم يخالف القرآن، وكيف يخالفه والله يقول: ﴿وَلَوْتَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ مَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة:٤٤-٤٧] . وكانت عائشة ﵂ تفعل ذلك، وقصتها مع حديث: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" (٢) ، وعرضها هذا الحديث على قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٨-٣٩] مشهورة (٣) . وعليه ذهب الحنفية إلى أن خبر الواحد لا يكون صحيحًا إذا خالف كتاب الله فإذا ورد مخالفًا له كان هذا دليلاً على عدم صحته. واتبع الإمام مالك ذلك أيضًا فاختار عرض الدليل من السنة على الكتاب فإن دلّ على التحريم وخالف ظاهر الكتاب لم يذهب الإمام مالك إلى التحريم ومثال ذلك موقفه من أكل ذي المخلب من الطير وذي ناب من السباع (٤) .

стр. 55

وروي أن مالكًا روى " مائة ألف حديث جمع منها في الموطأ عشرة آلاف ثم لم يزل يعرضها على الكتاب والسنة ويخبرها بالآثار حتى رجعت إلى خمسمائة" (١) . ١. عرض أحاديث الآحاد على السنة المشهورة: عرض الحنفية أخبار الآحاد على السنة المشهورة، ذلك لأن الأخبار المشهورة تفيد اليقين القلبي أما أخبار الآحاد فتفيد العلم الظني فالأولى أوثق صلة برسول الله ﷺ من الثانية، فإذا تعارضتا دلت المشهورة على أن غيرها لم يصدر عن النبي ﷺ من أخبار الآحاد (٢) . وطبق هذا المقياس جمهور الفقهاء على السنن التي ظاهرها التعارض (٣) . يرى الدكتور رفعت فوزي أن الإمام الشافعي أيضًا كان يعرض السنة على السنة في كثير من الأحكام (٤) . من ذلك قوله في غسل يوم الجمعة: إنه سنة مستحبة وليس بواجب، وأن الوجوب الذي ورد في بعض الأحاديث صُرف بالسنة المشهورة وفيها أن عثمان بن عفان ﵁ ترك الغسل وأقره عمررضي الله عنه وحاضرو الجمعة وهم أهل الحل والعقد

стр. 56

٣عرض الحديث على عمل الصحابة وفتاواهم: تقدم في عبارة السرخسي المتقدمة أن للحنفية ضابطين أيضًا لقبول أخبار الآحاد وشرحهما الدكتور رفعت فوزي بقوله:" هناك مقياسان غير ما تقدم لتوثيق الحديث أخذ بهما الحنفية وهما: أولاً: الحديث الذي تعم به البلوى، والذي إليه تكون الحاجة ماسة في عموم الأحوال؛ لا بد أن يأتي بروايات مشهورة ليكون مقبولاً وموثقًا، فإذا لم يكن كذلك يرفض؛ لأنه لو صح لانتشر وشاع بين الصحابة ومن بعدهم. فالعادة تقتضي استفاضة نقل ما تعم به البلوى. ثانيًا: الحديث الصحيح يأخذ به الأئمة من أصحاب النبي ﷺ - فإذا أعرضوا عن الحديث- وهم الأصول في نقل الشريعة- دلّ ذلك على انقطاعه أو نسخه ... وهذان المقياسان- كما يبدو واضحًا- يرجعان إلى أصل واحد وهو الرجوع بالحديث وعرضه على عمل الصحابة وفتاواهم ومدى نقلهم له، فإذا كانت العادة تقتضي أن يعلمه أكثرهم ويعملوا به، وحدث ذلك فعلاً ونقلوه قبل وكان صحيحًا أما إذا أعرضوا عنه- وواجب عليهم ألاّ يعرضوا عما ثبت عن رسول الله ﷺ كان ذلك دليلاً على أنه لم يصدر عن رسول الله ﷺ " (١) . ٢. عرض الحديث على عمل أهل المدينة: المقصود بعمل أهل المدينة ما نقله أهلها من سنن نقلاً مستمرًا عن زمن النبي ﷺ أو كان رأيًا واستدلالاً لهم (٢) .

стр. 57

فهل يشترط في قبول خبر الآحاد بعد صحة سنده عرضه على عمل أهل المدينة فإن صحب الخبر عملهم قُبل وإن خالفهم لا يقبل؟ يقول الدكتور أحمد نور سيف: " نسب إلى مالك أنه لا يقبل الآحاد إلاّ ما صحبه العمل. لكن باستعراض عدد من أخبار الآحاد بالموطأ والتي لم يذكر مالك مصاحبة عمل لها، وكذلك تفرق بعض الأصوليين بين هذا الشرط وبين ردّ مالك أخبار الآحاد بالعمل يدل على أنه لا يشترط في قبول أخبار الآحاد مصاحبة العمل لها وإنما يردها إذا عارضها العمل" (١) . إن كان عمل أهل المدينة معارضًا لخبر الآحاد، وثبت عنهم من طريق النقل فهذا يشبه التواتر ويفيد القطع واليقين، ومن أمثلة ذلك: * زكاة الفاكهة والخضروات: عن عائشة ﵂: ((أن السنة جرت به وليس فيما أنبتت الأرض من الخضر زكاة)) (٢) . عن معاذ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((فيما سقت السماء والبعل (٣) والسيح (٤) العشر وفيما سقي بالنضح (٥) نصف العشر)) وإنما يكون

стр. 58

ذلك في التمر والحنطة والحبوب، وأما القثّاء والبطيخ والرمان والقصب فقد عفا عنه رسول الله ﷺ (١) . قال الإمام مالك: السنة التي لا اختلاف فيها عندنا والذي سمعت من أهل العلم أنه ليس في شيء من الفواكه كلها صدقة (٢) . الوقف: المقصود بالوقف شرعًا: تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة (٣) . وخالف الإمام أبو حنيفة جمهور العلماء في جواز الوقف ولزومه (٤) . وقد روي أن مالكًا قال له أبو يوسف بحضرة الرشيد: إن الحبس - أي الوقف- لا يجوز فقال له مالك: "فهذه الأحباس؛ أحباس رسول الله ﷺ بخيبر وفَدَك وأحباس أصحابه؟ " (٥) فاستدل بعمل الرسول ﷺ وعمل الصحابة في المدينة التي شاهدها الناس وعرفوها وهم على اطلاع عليها، فالقرآن الكريم لم يتعرض لذكر الوقف بخصوصه بل رغّب في التصدق العام ويدخل الوقف في هذا

стр. 59

العموم. وكذلك وردت الأخبار التي تؤكد عمل أهل المدينة، منها حديث ابن عمر ﵄ قال: أصاب عمررضي الله عنه أرضًا بخيبر قال: لم أُصب مالاً قط أنفس منه فكيف تأمرني به؟ قال- ﷺ "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها" فتصدّق بها عمر في الفقراء والرقاب وفي سبيل الله والضيف وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقًا غير متمول فيه (١) . وفي الأثر عن جابر ﵁: ((ما بقي أحد من أصحاب رسول الله ﷺ له مقدرة على الوقف إلاّ وقف)) (٢) . والخلاصة لما تقدم في هذا المبحث أن أئمة الفقه وعلماء الأمة بلغوا الغاية في توثيق السنة سندًا كما هو مشهور، ومتناً بعرض السنن الصحيحة على كتاب الله، وعلى المشهور من السنن الأخرى، وعلى فتاوى جمهور أصحاب رسول الله ﷺ ولاسيما في المدينة موطن رسول الله صلى الله عليهوسلم، والكبار من صحابته أتبع الناس له رضوان الله عليهم ثم من كان فيها من بعدهم من التابعين يسلكون تلك السبيل ولا يظن فيهم مخالفتها.

стр. 60

المبحث الرابع: مثال مما استقلت به السنة في العبادات هذا المبحث والمباحث التي تليه تصلح لطلبة الدراسات العليا الشرعية، وفيها ردٌّ ودحضٌ لشبهات القرآنيين وقولهم: إن القرآن ذكر كل شيء، ولا حاجة معه للسنة (١) . وسأكتفي بذكر ثلاثة أحكام في كل مبحث تاركة الاستقصاء والموازنة بين المذاهب لباحثين آخرين سمة أبحاثهم التوسع والمقارنة. المتأمل للقسم الأول من أقسام الفقه وهو قسم العبادات يلحظ في كل كتاب من كتبه أحكامًا ثبتت بالسنة الصحيحة. ففي كتاب الطهارة: باب السواك: حديث أبي هريرةرضي الله عنه:أن رسول الله ﷺ قال: "لولا أن أشق على أمتي – أو على الناس- لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة" (٢) . وحديث أبي موسى ﵁ قال: ((أتيت النبي ﷺ فوجدته يستن بسواك بيده يقول: " أع أع" والسواك في فيه كأنه يتهوع (٣)) ) (٤) وحديث حذيفة ﵁ قال: ((كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه (٥) بالسواك)) (٦) .

стр. 61

فاستحباب السواك ثبت بالسنة الفعلية والقولية. كما ثبتت أحكام أخرى كخصال الفطرة، والمسح على الخفين، وولوغ الكلب في الإناء، ونجاسة المذي وغير ذلك. ومن أراد الاستقصاء فدونه كتب السنن. وفي كتاب الصلاة: الأذان وشفعه، وإيتار الإقامة ووردت السنن التالية في ذلك: حديث عن أبي محذورة أن النبي ﷺ علَّمه هذا الأذان الله أكبر الله أكبر (١) أشهد أن لا إله إلاّ الله أشهد أن لا إله إلاّ الله أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله ثم يعود فيقول أشهد أن لا إله إلاّ الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله حيّ على الصلاة مرتين حيّ على الفلاح مرتين، زاد إسحاق: الله أكبر الله أكبر لا إله إلاّ الله (٢) وحديث ابن عمر ﵁ كان يقول: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة، ليس ينادى لها، فتكلموا يومًا في ذلك، فقال بعضهم لبعض: اتخذوا ناقوسًا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بوقًا مثل بوق اليهود؛ فقال عمر ﵁: أولا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : "يا بلال، قم فنادِ بالصلاة" (٣) .

стр. 62

وحديث أنس ﵁ قال: ((ذكروا النار والناقوس، فذكروا اليهود والنصارى، فأمر بلال أن يشفع الأذان وأن يوتر الإقامة)) (١) وثبت فرض الصلوات الخمس بالقرآن الكريم وثبت حكم صلاة العيدين، والاستسقاء، والكسوف، والجنائز بالسنة.

стр. 63

المبحث الخامس: مثال مما استقلت به السنة في المعاملات القسم الثاني للفقه الإسلامي قسم المعاملات، والقاعدة التي بنى عليها المسلمون معاملاتهم الدنيوية قوله ﷺ : "إن كان شيئًا من أمور دنياكم؛ فشأنكم به. وإن كان من أمور دينكم فإليّ" (١) . وكان الضابط منع كل ما يثير الشحناء والبغضاء بين المسلمين فثبت في السنن ما يؤكد هذه القاعدة في المعاملات والأمثلة على ذلك كثيرة منها: حديث أبي سعيد الخدري قال: نهى رسول الله ﷺ عن لِبْسَتيْن وعن بيعتين: نهى عن الملامسة والمنَابذة في البيع؛ والملامسة لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنهار ولا يقلِبه إلاّ بذلك، والمُنابذة أن ينبذ الرجل إلى الرجل بثوبه وينبذ الآخر ثوبه ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراض. واللبستين: اشتمال الصمّاء، والصمّاء: أن يجعل ثوبه على أحد عاتِقَيْه، فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب، واللِّبسة الأخرى احتباؤه بثوبه وهو جالس ليس على فرجه منه شيء (٢) حديث أبي هريرةرضي الله عنه قال: أن رسول الله ﷺ قال: "لا تلقّوا الركبان ولا يبع بعضكم على بيع بعض ولا تناجشوا (٣) ولا يبع حاضر لباد ولا تُصروا الغنم ومن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحتلبها؛ إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر" (٤) .

стр. 64

حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁: أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن (١) . وغير هذه الأحاديث الكثير مما تفردت به السنة من الأحكام والتي لم ترد في القرآن الكريم. ولقد اهتم العلماء بفصلها عن ألوان الفنون الأخرى واستقلت بمصنفات اقتصرت على جمع أحاديث الأحكام فقط (٢)

стр. 65

المبحث السادس: مما استقلت به السنة افي النكاح ... المبحث السادس: مما استقلت به السنة في النكاح القسم الثالث في الفقه الإسلامي أحكام النكاح ويلحقها أحكام المهر والنفقة والرضاع والطلاق وثبتت أكثر أحكام هذا القسم في القرآن. ومما استقلت به السنة ما يلي: حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها" (١) . وحديث ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ نهى عن الشغار. الشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، ليس بينهما صداق (٢) . وحديث أنس ﵁: من السنة، إذا تزوج الرجل البكر على الثيب، أقام عندها سبعًا، وقسم؛ وإذا تزوج الثيب على البكر أقام عندها ثلاثًا، ثم قسم (٣)

стр. 66

المبحث السابع: مثال مما استقلت به السنة في الحدود والجنايات ثبتت أكثر الحدود بالقرآن الكريم إلاّ حكم الردّة، وحد الخمر، والتعزير. ووردت فيها الأحاديث التالية: حديث عبد الله قال: قام فينا رسول الله ﷺ فقال: "والذي لا إله غيره، لا يحل دم رجل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا ثلاثة نفر، التارك الإسلام المفارق للجماعة - أو الجماعة - والثيب الزاني والنفس بالنفس" (١) . قال الإمام النووي: والتارك لدينه المفارق للجماعة فهو عام في كل مرتد عن الإسلام بأي ردة كانت فيجب قتله إن لم يرجع إلى الإسلام (٢) وحديث أنس ﵁ قال: جلد النبي ﷺ في الخمر، بالجريد والنعال؛ وجلد أبو بكر أربعين (٣) . وحديث أبي بردة ﵁ قال: كان النبي ﷺ يقول: "لا يجلد فوق عشر جلدات إلاّ في حد من حدود الله" (٤) . ويوجد في كل مسألة عدة أحاديث جمعت في كتب أحاديث الأحكام واقتصرت على أصحها وأوضحها دلالة، طلبًا للاختصار.

стр. 67

الخاتمة: الحمد لله ذي الفضل والإنعام والمنّة والإحسان حمدًا يليق بجلاله وعظمته، والصلاة والسلام على الرحمة المهداة سيد الأنام وخير من صلّى وصام. وبعد: فموضوع السنة النبوية وكونها المصدر الأساسي الثاني للتشريع الإسلامي من حيث الاحتجاج والعمل؛ له فهم عند علماء السلف متوسط بين الغلو والمجافاة. الغلو: الذي يجعل طائفة تثبت الحلال والحرام بسنن لم تصح عن النبي ﷺ ، وأخرى تمنع مجاوزة ظاهر الحديث وإن خالف إجماع المسلمين وعملهم. والمجافاة: التي تجعل طائفة يطلق عليهم القرآنيون يقولون: إن القرآن الكريم ذكر كل شيء ولا حاجة معه إلى السنة. وأما جمهور علماء السلف فسودت أحبار أقلامهم ألوف الأوراق يوقرون السنة ويعظمونها ويدافعون عنها ويحتجون بها. فكان لهم معها التوثيق والتحقيق وجعلوا لها أقسامًا؛ متواترة وآحادا، صحيحة أو ضعيفة، وميزوا بين السنن التي دلالاتها قطعية والتي دلالاتها ظنية، كما ذكروا القرائن التي تصرف العمل عن ظاهر السنن. وذكروا كذلك الأسباب التي تمنع من الاحتجاج ببعض السنن، كما جمعوا بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض، فأعملوها ولم يهملوها. ولقد أجمع علماء السلف على قضية تبيين السنة للأحكام المجملة التي وردت في القرآن الكريم، وأن السنن الصحيحة تُخصص الآيات العامة، وتقيد بعض الآيات المطلقة.

стр. 68

ولقد اختلف العلماء في استقلال السنة بأحكام لم تذكر في القرآن الكريم، والحق أنها اندرجت تحت قواعد كلية وأصول عامة جاء فيها الأمر بإتباع الرسول ﷺ : ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آلعمران:٣١] . ومن أمثلة الأحكام التي استقلت بها السنة: السواك، والآذان، والنجش، والشغار، والجمع بين المرأة وعمتها، والتعزير، والردة، وغير ذلك كثير. وأهم التوصيات التي آمل أن يحققها البحث: ١. تشجيع الأبحاث والرسائل العلمية التي توضح ضعف منهج المغالين في الاحتجاج على الأحكام الشرعية بسنن ضعيفة وكيف أنها أوجدت في الفقه الإسلامي أحكام شاذة لا ينبغي الاعتداد بها. ٢. تشجيع الأبحاث والرسائل العلمية التي تفضح القرآنيين وتبين فساد أصولهم وتدحض شبهاتهم. ٣. تشجيع الأبحاث والرسائل التي تجمع الأحكام الشرعية الفروعية التي استقلت بها السنن وبيان المذاهب الفقهية ومدى اتباع كل مذهب للسنة الصحيحة. وهذا تقديم للسنة على المذاهب – لا العكس- حيث يقوم الباحث بذكر السنة ثم يذكر من وافقها من المذاهب. ٤. تشجيع الأبحاث والرسائل العلمية التي تستنبط الحكم الشرعي من الكتاب والسنة الصحيحة للوقائع والقضايا المعاصرة. منح إجازة علمية لمتخصصين في السنة ليقوموا بجمع السنن الصحيحة في غير الصحيحين والتي أخرجها الثلاثة أو الأربعة أو الخمسة على غرار كتاب اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان، الذي وضعه الشيخ فؤاد عبد

стр. 69

١. الباقي ﵀. ويسهل الأمر كُتب الشيخ الألباني في صحيح السنن الأربعة، واستخدام الحاسوب. والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين.

стр. 70

مصادر ومراجع ... فهرس المصادر والمراجع: ١- أثر الحديث الشريف في اختلاف الأئمة الفقهاء، ط الثانية. محمد عوامة. ٢- إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، ط دار الكتب العلمية. ابن دقيق العيد. ٣- الإحكام في أصول الأحكام، ط الأولى. ابن حزم الظاهري. ٤- الإحكام في أصول الأحكام، ط ١٤٠٠?/١٩٨٠م. الآمدي. ٥- أحكام القرآن، ط ١٤٠٠?/١٩٨٠م، محمد بن إدريس الشافعي. ٦- أحكام القرآن، ط ١٤٢١?/٢٠٠٠م، دار الكتاب العربي، أبو بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي. ٧- أحكام الوقف، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، أبو بكر أحمد بن عمرو الشيباني الخصاف. ٨- أحكام الوصايا والأوقاف، الدار الجامعية للطباعة والنشر، د. محمد مصطفى شلبي. ٩- إرشاد العقل السليم إلى مازيا القرآن الكريم، دار إحياء التراث العربي. أبو السعود محمد بن محمد العماري. ١٠- أفعال الرسول ﷺ ودلالاتها على الأحكام الشرعية، ط الأولى. د. محمد سليمان الأشقر. ١١- أصول السرخسي، دار الفكر، ١٣١٣?/١٩٧٣م. ١٢- الاعتصام بالكتاب والسنة، ط الأولى. الشاطبي. ١٣- الإعلام. ط السادسة. خير الدين الزركلي.

стр. 71

١- أعلام الموقعين عن رب العالمين، دار الباز. ابن القيم الجوزية. ٢- أمالي الدلالات ومجالي الاختلافات، ط دار المحمدي. د. ولد بيه. ٣- أنوار التنزيل وأسرار، دار الجيل، البيضاوي. ٤- بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب، جامعة أم القرى، مركز إحياء التراث الإسلامي، أبو الثناء محمود الأصفهاني، تحقيق د. محمد مظهر بقا. ٥- تدريب الراوي، ط الثانية، السيوطي. ٦- تنوير الحوالك شرح موطأ مالك، دار الفكر، السيوطي. ٧- توثيق السنة في القرن الثاني الهجري أسسه واتجاهاته، ط الأولى، د. رفعت فوزي عبد المطلب. ٨- الثبوت والشمول في الشريعة الإسلامية، رسالة دكتوراة في أصول الفقه، د. عابد السفياني. ٩- جامع الأصول في أحاديث الرسول، دار البيان، مكتبة الحلواني، مطبعة الملاح، مجد الدين أبو السعادات ابن الأثير الجزري. ١٠- الجامع لأحكام القرآن، ط الثانية، ١٣٧٢?/١٩٥٢م، القرطبي. ١١- الحديث والمحدثون، ط مطبعة مصر، محمّد أبو زهو. ١٢- الحطة في ذكر الصحاح الستة، دار الكتب العلمية، أبو الطبيب صديق القنوجي. ١٣- الرسالة، دار الفكر، تحقيق وشرح الأستاذ أحمد محمد شاكر الشافعي. ١٤- رسالة مختصرة في أصول الفقه، مطبوع مع منهج السالكين، ط ١٣٩٩?/١٩٧٩م، السعدي.

стр. 72

١- رفع الملام عن الأئمة الأعلام، ابن تيمية. ٢- الروض المربع، ط السادسة، دار الفكر، البهوتي. ٣- زاد المستنقع- مطبوع مع الروض المربع- الحجاوي. ٤- زاد المعاد في هدي خير العباد، المكتبة العلمية، دار الباز، ابن قيم الجوزية. ٥- سبل السلام شرح بلوغ المرام، مكتبة مصطفى البابي الحلبي، ط ١٣٧٩?/١٩٦٠م محمد إسماعيل الصنعاني. ٦- السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، المكتب الإسلامي، ط ١٤٠٥?/١٩٨٥ دار مصطفى السباعي. ٧- سنن أبي داود، مراجعة محمد محي الدين عبد الحميد، ط دار إحياء السنة النبوية. ٨- سنن الترمذي، دار الفكر، ١٤٠٠?/١٩٨٠م. ٩- شرح الأسنوي على المنهاج، ط محمد علي صبيح. ١٠- شرح البدخشي على المنهاج، ط محمد علي صبيح. ١١- شرح صحيح مسلم، ط دار الفكر، النووي. ١٢- الشريعة الإسلامية وفقه الموازانات، ط الأولى ١٤٢١? دار ابن حزم، عبد الله الكمالي. ١٣- صحيح البخاري، ط ١٤٠٧?/١٩٨٧م دار القلم. ١٤- صحيح سنن أبي داود، ط ١٤٠٩?/١٩٨٩م، مكتب التربية العربي لدول الخليج، محمد ناصر الدين الألباني. ١٥- صحيح مسلم، ط الثانية ١٣٩٢?/١٩٧٢م دار إحياء التراث العربي.

стр. 73

١- الطبقات الكبرى، دار صادر، دار الفكر، محمد بن سعد. ٢- عمل أهل المدينة بين مصطلحات مالك وآراء الأصوليين، ط الأولى ١٣٩٧?/١٩٧٧م، دار الاعتصام، د. أحمد محمد نور سيف. ٣- الفتاوى، إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، ١٣٩٨?، أحمد ابن تيمية. ٤- فتح الباري شرح صحيح البخاري، السلفية، دار المعرفة للطباعة والنشر، ابن حجر العسقلاني. ٥- الفقه الدعوي مساهمة في التأصيل، دار القلم، الكويت، د. سعد الدين العثماني. ٦- الفكر السامي في التاريخ الفقه الإسلامي، المكتبة العلمية بالمدينة المنورة، ط ١٣٩٦?، محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي الفاسي. ٧- القرآنيون وشبهاتهم حول السنة، مكتبة الحرم النبوي الشريف، خادم حسين إلهي بخش. ٨- القرائن الصارفة للأمر عن حقيقة وأثر ذلك في الفروع الفقهية، رسالة ماجستير – غير مطبوعة- محمد الحيفان. ٩- كيف نتعامل مع السنة النبوية معالم وضوابط، ط السابعة، دار الوفاء المنصورة، د. يوسف القرضاوي. ١٠- لسان العرب، ط الأولى، المطبعة الأميرية، ابن منظور الإفريقي الخزرجي. ١١- اللباب في الجمع بين السنة والكتاب، تحقيق: د. محمد فضل عبد العزيز المراد، دار الشروق- جدة، علي بن زكريا المنبجي.

стр. 74

١- اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان، دار السلام للنشر والتوزيع، وضعه محمد فؤاد عبد الباقي. ٢- ما تمس إليه حاجة القاري إلى صحيح البخاري، دار الكتب العلمية، النووي. ٣- مبادئ الفقه الإسلامي، دار النهضة العربية، القاهرة، ١٤٠١?/١٩٨١م، د. محمد القاسم. ٤- المبسوط، دار المعرفة، ١٤٠٦?/١٩٨٦م، شمس الدين السرخسي. ٥- مجلة جامعة أم القرى للبحوث العلمية المحكمة، الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد ١٨، ١٤١٩?/١٩٩٨م. مدخل لدراسة أحاديث الأحكام للباحثة. ٦- المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، دار الفكر، ط الأولى ١٣٩١?/١٩٧١م، الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي. ٧- المستدرك على الصحيحين، ط الكتاب العربي. النسابوري. ٨- المسند، المكتب الإسلامي، ط الرابعة، أحمد بن حنبل. ٩- معجم لغة الفقهاء، دار النفائس، ط الأولى. د. قلعة جي، قنيبي. ١٠- المغني في أصول الفقه، تحقيق د. محمد مظهر بقا، مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي، جامعة أم القرى. محمد عمر الخبازي. ١١- مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث- مطبوع مع التقييد والإيضاح- المكتبة السلفية، المدينة المنورة. تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان.

стр. 75

١- الموافقات، دار ابن عفان، تحقيق: مشهور حسن سلمان، أبو إسحاق الشاطبي. ٢- الموطأ، تعليق: محمد فؤاد عبد الباقي، ط دار إحياء الكتب العربية. مالك بن أنس. ٣- نزهة النظر شرح نخبة الفكر، تحقيق عمرو عبد المنعم، ط مكتبة ابن تيمية، ابن حجر العسقلاني. ٤- النهاية في غريب الحديث والأثر، دار إحياء التراث العربي، بيروت، تحقيق طاهر الزواوي- محمود الطناحي، ابن الأثير الجزري. ٥- نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، دار الجيل، ط ١٩٧٣م، محمد بن علي الشوكاني. ٦- هداية الراغب شرح عمدة الطالب، المكتبة الفيصلية، مكة المكرمة، تحقيق: محمد بكر إسماعيل، عثمان بن أحمد النجدي الحنبلي. ٧- هدي الساري مقدمة فتح الباري، المكتبة السلفية، ابن حجر العسقلاني.