← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7537

السنة النبوية ومكانتها - نور قاروت

نور بنت حسن قاروت

Полный текст (75 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ال مقدمة: الحمد لله الذي لا إله إلاّ هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، والصلاة والسلام على الهادي البشير والسراج المنير وعلى آله وصحبه ومن استن بسنته إلى يوم الدين وبعد: فهذا البحث في بيان أهم ما يلزم تأمله ومعرفته من كون السنة النبوية هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي شرعت في الكتابة فيه خدمة للسنة، راغبة في حصول الثواب من الكريم ذي الفضل العظيم، ثم استجابة للأمانة العامة لمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف التي شرفتني بدعوتها للكتابة في هذا الموضوع. وهذا البحث محاولة لتعميق الفهم الذي قصده علماء السلف من كون السنة النبوية هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بوسطية لا مغالاة فيها ولا جفاء. وبنيت خطة البحث على هذه المقدمة، وثلاثة فصول وخاتمة: أما الفصل الأول فعنوانه: التعريف بكون السنة النبوية المصدر الثاني للتشريع الإسلامي: وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: التعريف بالسنة، وأدوار العناية بها. فيه ثلاثة مطالب: الأول: تعريف السنة لغة وشرعًا. الثاني: الفرق بين السنة والحديث. الثالث: أدوار العناية بالسنة.

стр. 2

المبحث الثاني: التعريف بالشريعة ومصادرها ومقاصدها. وفيه ثلاثة مطالب: الأول: تعريف الشريعة لغة وشرعًا. الثاني: مصادر التشريع. الثالث: مقاصد الشريعة. المبحث الثالث: الأدلة على حجية السنة. المبحث الرابع: عناية المحدِّثين بالفقه، وعناية الفقهاء بالحديث. وفيه مطلبان: الأول: عناية المحدثين بالفقه. الثاني: عناية الفقهاء بالحديث. المبحث الخامس: أقسام السنة من حيث ثبوتها ومن حيث دلالاتها. وفيه مطلبان: الأول: أقسام السنة من حيث ثبوتها. الثاني: أقسام السنة من حيث دلالاتها. المبحث السادس: أنواع القرائن الصارفة العمل بظواهر السنة. المبحث السابع: أسباب عدم الاحتجاج بالسنة. المبحث الثامن: موقف العلماء من السنن التي ظاهرها التعارض. الفصل الثاني: تبيين السنة لأحكام القرآن الكريم. وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: تفصيل السنة لأحكام مجملة في القرآن الكريم. وفيه مطلبان:

стр. 3

الأول: تعريف المجمل والمفصل. الثاني: أمثلة لأحكام مجملة في القرآن الكريم ورد تفصيلها في السنة. المبحث الثاني: تفصيل السنة لأحكام عامة في القرآن الكريم. وفيه مطلبان الأول: تعريف العام والخاص. الثاني: أمثلة لأحكام عامة في القرآن خصصتها السنة. المبحث الثالث: تقييد السنة لأحكام مطلقة في القرآن الكريم. وفيه مطلبان: الأول: تعريف المطلق والمقيد. الثاني: أمثلة لأحكام مطلقة في القرآن الكريم قيدتها السنة. الفصل الثالث: أحكام وردت في السنة ولم تذكر في القرآن. وفيه سبعة مباحث: الأول: الفرق بين وحي القرآن ووحي السنة. الثاني: مقاييس وضوابط لقبول ما صح من أخبار الآحاد. الثالث: هل جاءت السنة بأحكام لم تثبت في القرآن؟ الرابع: أمثلة مما استقلت به السنة في العبادات. الخامس: أمثلة مما استقلت به السنة في المعاملات. السادس: أمثلة مما استقلت به السنة في النكاح. السابع: أمثلة مما استقلت به السنة في الجنايات. ثم الخاتمة في أهم النتائج التي توصل إليها البحث. وكان المنهج المتبع في كتابة أغلب مواضيع البحث ما يلي:

стр. 4

- عرض أهم عناصر الموضوع باختصار دون ذكر الخلافات إلاّ في أضيق حدود. - ذكر ما بدا لي راجحًا فيما لا بد من ذكر الخلاف فيه، دون الإسهاب في ذكر الأدلة والردود عليها ومناقشتها. - الحرص ما أمكن على تسهيل أسلوب الكتابة وتبسيطه. - تشكيل وعزو الآيات إلى سورها. - تخريج الأحاديث والحكم عليها من غير الصحيحين، فإن خرجتها منهما اكتفيت بهما أو بأحدهما، وقد أكتفي بالرجوع إلى كتاب اللؤلؤ المرجان. - التوضيح للكلمات الغريبة. والله الرحمن الرحيم البر الكريم الجواد الحكيم أسأل أن يجعل هذا البحث عملاً صالحًا ولوجهه خالصًا وأن يكتب له القبول والبركة، ويغفر لي ما كان به من زلل أو تقصير، ويجزي كل من صوّبه أو نصحني فيه خير الجزاء إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله على نعمه التي لا تعدُّ ولا تحصى، والصلاة والسلام على النبي المجتبى وعلى آله وصحبه ومن اصطفى.

стр. 5

الفصل الأول: التعريف بكون السنة المصدر الثاني للتشريع الإسلامي المبحث الأول: التعريف بالشريعة ومصادرها ومقاصدها أولاً: تعريف الشريعة لغةً وشرعًا ... المبحث الأول: التعريف بالشريعة ومصادرها ومقاصدها أولاً: تعريف الشريعة لغةً وشرعًا الشريعة في اللغة: موْرِدُ الشاربة التي يردها الناس فيشربون منها ويستقون، والعرب لا تسميها شريعة حتى يكون الماء لا انقطاع له، ويكون ظاهرًا معينا لا يُسقى بالدلو، وشرعت في هذا الأمر شُرُعا: أي خضت (١) . الشريعة شرعًا: استعمل العلماء لفظ الشريعة باستعمالات متعددة وذلك حسب المقام فمنهم من أطلقها على التوحيد وما سواه من الفروع ومنهم من أطلقها وأراد بها التوحيد فقط ومنهم من أطلقها وأراد بها الفروع فقط (٢) . والرأي الراجح في معنى الشريعة عند الباحثين: هي الفرائض والحدود والأمر والنهي (٣) . فيدخل في تعريفها التوحيد وسائر الأحكام، وهي بذلك أعم من الحكم الشرعي الذي عرفه العلماء بأنه: الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين بالطلب، أو التخيير أو الوضع (٤) .

стр. 6

فيمثل الحكم الشرعي الوجه العملي للدين فقط، والشريعة تمثل الوجهين العقدي والعملي معًا. ثانيًا: مصادر الشريعة ذكر العلماء أن مصادر الشريعة الأساسية أربعة مصادر: القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والإجماع، والقياس (١) . ولا يخفى على المتأمل أن أدلة حجية الإجماع والقياس الكتاب والسنة. أتى رجل إلى الإمام الشافعي فسأله عن الدليل في أن اتفاق الأمة حجة في الدين؟ فذهب الإمام الشافعي ولم يخرج ثلاثة أيام، ثم خرج وجاءه الشيخ فسلم ثم جلس، فقال حاجتي؟ فقال الشافعي ﵀: نعم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَسَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥] . لا يصليه – تعالى- جهنم على خلاف سبيل المؤمنين إلاّ وهو فرض. قال: فقال: صدقت. وقام وذهب. قال الشافعي: قرأت القرآن في كل يوم وليلة ثلاث مرات حتى وقفت عليه (٢) .أي الدليل على أن حجية الإجماع ثابتة في الكتاب.

стр. 7

وكذلك رُوِيَ في السنة قوله ﷺ : (ما رآه المسلون حسنًا فهو عند الله حسن) (١) . وذكر أهل القياس ونفاته أدلتهم من الكتاب والسنة (٢) . وتعريف القرآن بالأحكام الشرعية أكثره كلي لا جزئي، فهو محتاج إلى كثير من البيان، والسنة إنما هي بيان للقرآن (٣) .فمصادر الشريعة: الكتاب والسنة وغيرهما تبع لهما. ثالثًا: مقاصد الشريعة القرآن الكريم والسنة الشريفة أتيا للتعريف بمصالح الدارين جلبا لها، والتعريف بمفاسدهما دفعًا لها. وهذه المصالح لها ثلاثة أقسام: الضروريات، والحاجيات، والتحسينيّات. والضروريات خمس: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العرض، وحفظ المال، وحفظ العقل. والحاجيات تدور على التوسعة، والتيسير، ورفع الحرج، والرفق في هذه المقاصد. والتحسينيّات ترجع إلى العمل بمكارم الأخلاق وما يحسن في مجاري العادات في هذه المقاصد الخمس. ولكل مما تقدم أمثلة عديدة وردت في الكتاب والسنة (٤) .

стр. 8

والفقهاء وهم ينظرون في السنن يجدون بالاستقراء أنه لا يمكن أن تشذ سنة فتدفع مصلحة أو تجلب مفسدة راجحة، فإن وجدت مفسدة، فهو دليل ضعفها أو كذب ناقلها.

стр. 9

المبحث الثاني: التعريف بالسنة، وأدوار العناية بها أولاً: السنة لغة وشرعًا السنة في اللغة: تأتي في اللغة بمعاني منها الصورة وما أقبل من الوجه، والطريقة: سنّ الله سنّة أبي بيّن طريقا قويما، قال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ [الأحزاب:٣٨] . والسنّة السيرة، حسنة كانت أو قبيحة: يقول الشاعر: فلا تجْزعن من سيرة أنت سِرْتها ... فأول راضٍ عن سنّةً يَسيرُها (١) السنة شرعًا: ما جاء منقولاً عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير بالوحي أو الاجتهاد (٢) . وتطلق السنة في الشرع أيضًا فيما يقابل البدعة، يقال: فلان على سنة إذا عمل على وفق ما عمل عليه النبي ﷺ . ويطلق أيضًا لفظ السنة على ما عمل عليه الصحابة مجتمعًا عليه منهم أو من خلفائهم (٣) .يدل عليه قوله ﵊: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، وتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ (٤) " (٥)

стр. 10

ثانيًا: الفرق بين السنة والحديث للحديث قسمان عند علماء الحديث: علم الحديث رواية وهو العلم الذي يشتمل على أقوال الرسول ﷺ وأفعاله وتقريراته وروايتها وضبطها وتحرير ألفاظها. وهذا القسم ينطبق تعريفه على تعريف السنة. والقسم الثاني علم الحديث دراية ويقصد به العلم الذي يعرف به حقيقة الرواية وشروطها وأنواعها وأحكامها وحال الرواة وشروطهم وأصناف مروياتهم (١) . يقول الدكتور رفعت فوزي:" قد يبدو في أقوال بعض العلماء في القرن الثاني الهجري التفرقة بينهما ذلك في قول الأعمش رحمه الله تعالى:" لا أعلم لله قومًا يطلبون هذا الحديث، ويحبون هذه السنة"وأوضح من هذا قول عبد الرحمن بن مهدي: (الناس على وجوه، فمنهم من هو إمام في السنة وليس بإمام في الحديث، ومنهم من هو إمام في الحديث وليس بإمام في السنة) وربما كان أساس هذا التفريق هو أنهم كانوا ينظرون إلى أن الحديث أمر علمي نظري، وأن السنة أمر عملي، إذ إنها كانت تعتبر المثل الأعلى للسلوك في كل أمور الدين والدنيا، وكان هذا سبب الاجتهاد في البحث عنها والاعتناء بحفظها والاقتداء بها. وربما كان الأساس هو أن بعضهم كان ينظر إلى السنة على أنها أعم من فعل الرسول وقوله وتقريره وتشمل أفعال الصحابة والتابعين" (٢) . وسأسير في البحث على طريق من اختار أن السنة والحديث معناهما واحد.

стр. 11

ثالثًا: الأدوار التي مرّت بها السنة وتدوينها الدور الأول: القرن الأول الهجري السنة في عصر النبي ﷺ وعصر الصحابة: كان المعول في حفظ السنة وضبطها صدور الصحابة رضوان الله عليهم، وذلك لشيوع الأمية فيهم فكان اعتمادهم على السماع والحفظ لا على القراءة والكتابة، لم يكن للتدوين ضرورة، ولاسيما وأن حرصهم على تدوين القرآن الكريم وخشيتهم من أن يكون في تدوين الحديث ما يؤدي إلى اتخاذ الناس صحف الحديث مصاحف يضاهون بها صحف القرآن العزيز، فيشتبه على بعضهم القرآن بالأحاديث وربما اشتغلوا به عن التلاوة (١) . لكن وجد من الصحابة من كان يكتب ويكثر من الكتابة لنفسه كعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ فكانت عنده صحيفة يسميها الصادقة (٢) . وأمر رسول الله ﷺ بالكتابة لرجل من أهل اليمن عام الفتح سمع النبي ﷺ يخطب فقال: اكتب لي يا رسول الله. فقال: اكتبوا لأبي فلان (٣) . وذكر أن عليًا ﷺ كان لديه كتاب فيه حكم النبي ﷺ في الزكاة (٤) . وثبت أن لديه صحيفة فيها فكاك الأسير والدية ولا يقتل مسلم بكافر (٥)

стр. 12

الدور الثاني: القرن الثاني الهجري بدأ تدوين السنة في هذا القرن بطريقة أوسع وبشكل أمر رسمي من ولي أمر المسلمين حيث كتب عمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين الخليفة الراشد رحمه الله تعالى إلى الآفاق: (انظروا حديث رسول الله ﷺ فاجمعوه) (١) . والأرجح أن أول من جمع الحديث من العلماء الإمام محمد بن شهاب الزهري. ومن وقته شاع جمع الحديث وتدوينه فكتب بعده: ابن إسحاق ومالك بالمدينة، وحماد بن سلمة بالبصرة، ومعمر باليمن. ثم تلا هؤلاء: عبد الرزاق باليمن وأبو قُرة موسى بن طارق، وتفرد بالكوفة أبو بكر بن أبي شيبة بتكثير الأبواب، وجودة الترتيب وحسن التأليف (٢) . الدور الثالث: القرن الثالث الهجري في هذا الدور بلغ الحديث غايته ومنتهاه، فلم يزل يروى ويجمع ويدوَّن ويُسطّر في الأجزاء، والكتب إلى زمن الإمامين البخاري ومسلم، ورزقهما الله حسن القبول شرقًا وغربًا، ثم ازداد الجمع والتدوين وظهر جهابذة المحدّثين كالترمذي وأبي داود والنسائي وكان هذا العصر خلاصة العصور في تحصيل هذا العلم وإليه المنتهى (٣) .

стр. 13

الدور الرابع: القرن الرابع الهجري طغى التدوين في هذا القرن على الرواية الشفهية عن الشيوخ كما كان الحال فيمن سبق من علماء الحديث (١) . وكثرت المستخرجات (٢) ، وظهرت كتب جمعت أدلة المذاهب الفقهية من الأحاديث (٣) . الدور الخامس: من القرن الخامس الهجري وحتى سقوط بغداد على أيدي التتار عام ٦٥٦هجري ما كاد القرن الرابع أن ينتهي، حتى أصبح عمل العلماء قاصرًا على الجمع، والانتقاء، والترتيب، أو التهذيب لكتب السابقين (٤) . الدور السادس: بعد سقوط بغداد وحتى نهاية القرن العاشر بعد سقوط بغداد تقاعست الهمم وفترت العزائم عن الرحلة إلى الأقطار، وخدمة الحديث فانقرضت الرواية الشفهية إلاّ في أفراد يجددون ما خلق ويحيون ما اندثر من وقت لآخر، (٥) .ويشتكي الإمام الذهبي من قتلهم فيقول:"فأين علم الحديث وأين أهله؟ كدت لا أراهم إلاّ في كتاب أو تحت تراب" (٦) .

стр. 14

وأصبح للسنة شأن في مصر على مدار ثلاثة قرون حيث اهتم المماليك بالعلوم وأنشأوا فيها مدارس الحديث، حبسوا الأموال على المؤسسات الدينية والعلمية واستمرت هذه النهضة بمصر إلى أوائل القرن العاشر ثم أخذ النشاط العلمي يتضاءل ويضمحل، وطفق يرحل شيئًا فشيئًا إلى الهند (١) . الدور السابع: من بداية القرن الحادي عشر وحتى اليوم سخر الله بفضله ومنه في الهند من حمل لواء السنة يدعو إليها وينافح عنها. وكانت لهم آثار ملموسة وأحيا الله بهم الحديث والسنة (٢) . وممّا هو جدير بالذكر الإشادة بالجهود الطيبة المباركة التي قام بها جلالة الملك الراحل (عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود) عليه رحمة الله وعدد من أبنائه وعدد من علماء الجزيرة الذين عُنوا بكتب السنة والفقه وبذلوا الأموال في تحقيقها وطبعها ونشرها بين أيدي الناس دون مقابل (٣) .

стр. 15

المبحث الثالث: الأدلة على حجية السنة أولاً من القرآن: - قوله جلّ شأنه: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ [النساء:٨٠] . - قوله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِيالأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء:٥٩] . - قوله عزّ من قائل: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْفِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] . - قوله سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَانَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر:٧] .

стр. 16

ثانيا: من السنة الشريفة: حذر الرسول ﷺ من ترك سنته ففي الحديث الذي يرويه المقدام بن معد يكرب ﷺ : (لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر مما أمرت به أو النهي مما نهيت عنه، فيقول: ما أدري؟ ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه) وفي لفظ (يوشك أحدكم أن يكذبني وهو متكئ على أريكته يُحدَّث بحديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله ﷺ مثل ما حرّم الله) (١) .والشاهد من الحديث (ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله) .

стр. 17

ثالثًا: الإجماع: المتتبع لتصرفات الصحابة ﵃ في وقائع كثيرة لا تنحصر يجد أنهم حيث وجدوا السنة عملوا بها، وجعلوها حجة في الدين ولم يستجيزوا مخالفتها أو إغفالها أو طرحها، مما لا يدع مجالاً للشك أنه كان مقررً لديهم أن سنة رسول الله ﷺ حجة على عباده، وأن العمل بها عمل بالدين، فانعقد على ذلك إجماعهم (١) .

стр. 18

رابعًا: المعقول: كيف لا تكون السنة حجة وهي التي جاءت ببيان كيفية العمل ففيها ذكر الأسباب والشروط والموانع واللواحق وما أشبه ذلك كبيانها مواقيت الصلوات والركوع والسجود، وبيانها للزكاة في مقاديرها وأوقاتها وتعيين ما يزكى، وبيان أحكام الصوم وما فيه مما لم يقع النص عليه في الكتاب، وكذلك الطهارة من الحدث والخبث، والحج، والذبائح والصيد وما يؤكل مما لا يؤكل والأنكحة وما يتعلق بها من الطلاق والرجعة والظهار واللعان، والبيوع وأحكامها، والجنايات من القصاص وغيره كل ذلك بيان لما وقع مجملاً في القرآن (٢) . وكيف لا تكون حجة وقد استقلت بأحكام كثيرة في الحلال والحرام عمل بها سلف الأمة وخلفها؟ فمن قال: إن السنّة ليست حجة في التشريع الإسلامي معطل بالعقل لأحكام الشرع حيث إن معظمها لا يعرف إلاّ عن طريق السنة (٣) .

стр. 19

المبحث الرابع: عناية الفقهاء بالحديث وعناية المحدثين بأحكام الشريعة لا يخفى على أحد اهتمام الفقهاء بالحديث وأنهم لا يستغنون عنه لاستنباط الحكم الشرعي، يقول الإمام النووي مبينًا أهمية ذلك: " على السنن مدار أكثر الأحكام الفقهيات، فإن أكثر الآيات الفروعيات مجملات، وبيانها في السنن المحكمات، وقد اتفق العلماء على أن من شروط القاضي والمفتي أن يكون عالمًا بالأحاديث الحكميات" (١) .وكان تأثر الأئمة المحدثين أمثال البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي بمذاهب أئمة الفقه كبيرًا. والمتأمل في كتبهم يظهر له حرصهم على وزن المذاهب الفقهية ومقارنتها بما صح من حديث رسول الله ﷺ ومناقشتها أحيانًا. ولقد تفاوت حظ الفقهاء من الحديث كما تفاوت حظ المحدثين من الفقه. فالإمامان مالك وأحمد بن حنبل محدثان ولكن شهرتهما في الفقه غلبت شهرتهما في الحديث (٢) . واختلف تأثر المحدثين بالفقهاء، يقول في ذلك الإمام ابن تيمية:" أما البخاري وأبو داود فإمامان في الفقه والاجتهاد، وأما مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة ونحوهم فهم على مذهب أهل الحديث ليسوا مقلدين لواحد بعينه من العلماء، وهم إلى مذاهب أهل الحجاز كمالك وأمثاله أميل منهم إلى مذاهب أهل العراق كأبي حنيفة والثوري ووكيع. ويحي بن سعيد وابن المبارك يميلان إلى مذهب العراقيين

стр. 20

كأبي حنيفة والثوري، والبيهقي على مذهب الإمام الشافعي، والدارقطني يميل إلى مذهب الشافعي ولكن اجتهاده أقوى من البيهقي وكان أعلم منه وأفقه" (١) . فالسنن والأحكام الشرعية علمان يكمل أحدهما الآخر كعلم الصيدلة والطب لا يستغني أحدهما عن الآخر (٢) . وقد يكون الفقيه محدثًا فقيهًا. مع التسليم جميعًا من الجميع أن الحكم الشرعي ينبغي أن لا يخالف الحديث القطعي الدلالة والقطعي الثبوت بحال من الأحوال. يقول الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى:" لم يزل الناس في صلاح ما دام فيهم من يطلب الحديث، فإن طلبوا العلم بلا حديث فسدوا" (٣) . يقول أبو يوسف ﵀:" لا يحل لأحد أن يقول قولنا حتى يعلم من أين قلناه" (٤) . وقول الإمام مالك بن أنس ﵀ المشهور:" ما كان من كلامي موافقًا للكتاب والسنة فخذوه وما لم يوافق فاتركوه" (٥) . وقول الإمام الشافعي ﵀:" الحديث مذهبي فما خالفه فاضربوا به الحائط" (٦) .

стр. 21

ويقول الإمام أحمد ﵀:" عليكم بأصحاب الآثار والسنن" (١) . والمتأمل بعمق في كتابي الإمامين البخاري والترمذي يلحظ الترابط القوي بين الأحكام الشرعية التي ناقشها الأئمة الفقهاء وإثباتها بما صح من الأحاديث والآثار (٢) . وهذه الأقوال توضح أن مذهب أعلام وعلماء الأمة محدثين وفقهاء: اعتماد السنة مصدرًا أساسيًا للتشريع الإسلامي، فمن شذّ عنهم بإنكار حجيتها، فقد جاء ببهتان وإثم عظيم، ومن شذّ فقد شذّ في النار.

стр. 22

المبحث الخامس: أقسام السنة من حيث ثبوتها ومن حيث دلالاتها أولاً: أقسام السنة من حيث ثبوتها ... المبحث الخامس: أقسام السنة من حيث ثبوتها ومن حيث دلالاتها ينبغي لطلبة العلم بعد معرفتهم أن جميع الأئمة المقبولين عند الأمة قبولاً عامّاً لا يتعمدون مخالفة السنة في دقيق ولا جليل، وأنهم متفقون يقينًا على وجوب إتباع الرسول ﷺ : معرفة أن تلك السنن منها المعتبر في التشريع من حيث الثبوت والدلالة ومنها غير المعتبر. وفصّل العلماء في ذلك حيث ذكروا أن بعض الأحاديث لا تصلح مصدرًا للتشريع، وأن بعض أفعاله ﷺ الخاصة به ليست حجة لعمل سائر الأمة ويوضح ذلك أكثر المبحث التالي: أولاً: أقسام السنة من حيث ثبوتها تنقسم من حيث ثبوتها إلى قسمين: ثابتة وغير ثابتة. والثابتة إما قطعية الثبوت أو ظنية الثبوت. والقطعية هي الأحاديث المتواترة التي تفيد العلم اليقيني: أي الضروري الذي يضطر الإنسان إليه فلا يستطيع دفعه، والفرق بينه وبين العلم النظري: أن العلم الضروري يفيد العلم بلا استدلال والنظري يفيد العلم لكن مع الاستدلال، والضروري يحصل لكل سامع، والنظري لا يحصل إلاّ لمن فيه أهلية النظر (١) . أما الظنية الثبوت فهي الأحاديث المقبولة التي رواها آحاد يغلب على الظن فيها صدق الخبر لصدق ناقله. فيؤخذ بها، ويجب العمل بها عند الجمهور، وتفيد غلبة الظن ما لم تعارض بمثلها.

стр. 23

ثم إذا اجتمعت لها قرائن مثل كون الحديث في الصحيحين، وله طرق متعددة، ورواه الأئمة فلا يبعد حينئذ القطع بصدقه (١) . أما الأحاديث غير الثابتة، أو المردودة فهي التي يغلب على الظن فيها كذب الخبر، لثبوت كذب ناقليه، وهذه الأحاديث الضعيفة، والتي لها أنواع قد يعمل ببعضها في فضائل الأعمال والمواعظ وأشباهها (٢) . والخلاصة: أن المتواترة يجب العمل بها إجماعًا وتفيد العلم اليقيني، والآحاد الصحيحة يجب العمل بها عند الجمهور وتفيد غلبة الظن، فإذا اجتمعت لها قرائن وجب العمل بها وأفادت العلم النظري، والمردودة الضعيفة لا تفيد علمًا ولا عملاً.

стр. 24

ثانيًا: أقسام السنة من حيث دلالتها (٣) تنقسم سنة رسول الله ﷺ من حيث دلا لتها إلى ثلاثة أقسام: أقوال، أفعال، تقريرات. ولكل قسم فرع ولكل فرع دلالة ذكرها العلماء. القسم الأول: أقواله ﷺ وهي على خمسة أنواع: أوامر وهي تدل على الوجوب ما لم

стр. 25

يقم دليل على خروج الوجوب إلى الندب وغيره (١) . وللوجوب صور وأمثلة. (٢) . ونواهٍ، والنهي عند الجمهور يفيد التحريم ما لم تأت قرينة أو دليل يصرفه عن التحريم إلى الكراهة (٣) .وللتحريم صور وأمثلة (٤) وإذا مدح رسول الله ﷺ أمرًا، أو أثنى عليه دون أن يأمر به فإنه يدل على استحباب ذلك الأمر (٥) . وله صور وأمثلة (٦) . وإذا ذم الرسول ﷺ أمرًا ولم ينه عنه أو يتوعد عليه بعقوبة فإنه يدل على الكراهة (٧) . وله صور وأمثلة (٨)

стр. 26

أما إذا قال الرسول ﷺ عن شيء: ((شأنكم به)) فمعناه أمره إليكم فمن شاء فعله، ومن شاء تركه، فيدل هذا القول على الإباحة (١) ففي الحديث عن عائشة ﵂: ((أن النبي ﷺ سمع أصواتًا، فقال: ما هذا الصوت؟ قالوا: النخل يؤبرونها (٢) . فقال: لو لم يفعلوا لصلح. فلم يؤبروها عامئذ، فصار شيصًا (٣) ، فذكروا للنبي ﷺ فقال: إن كان شيئاً من أمور دنياكم فشأنكم به، وإن كان من أمور دينكم فإلي)) (٤) . وكذلك قوله ﷺ عن شيء هذا حلال فإنه يدل على الإباحة. كقوله ﷺ عن البحر: ((هو الطهور ماؤه الحل ميتته)) (٥) . أما القسم الثاني فدلالات أفعاله ﷺ ، ولها ثلاثة فروع: ١- أفعال تدل على الإباحة، ولا قدوة فيها للأمة. ولها ثلاث صور: الفعل الجبلي الطبيعي المركوز في أصل الخِلْقة (٦) : والمقصود به المحبة والكراهة الطبيعيتان، كحبه ﷺ الحلواء والعسل والدباء والثريد من الخبز واللحم ومن الشراب الحلو البارد، وكراهته لرائحة الحناء (٧) .

стр. 27

o الفعل العادي: ويقصد بالأمور العادية ما سوى الأمور العبادية أي ما فعله الرسول ﷺ على عادة قومه ومألوفهم مما لم يدل دليل على ارتباطه بالشرع، مثال ذلك: لبسه ﷺ الثوب المخطط، وإطالة شعره، وأنواع الطيب والعطور. o الفعل الدنيوي: كالوسائل التي استخدمها الرسول ﷺ في الطب والزراعة والتجارة والتدابير من اتخاذ الولاة والحراس والسفراء (١) ٢- أفعال خاصة به ﷺ : إذا ثبتت الخصوصية في فعل من أفعال النبي ﷺ فإنها تقتضي أن حكم غيره ليس كحكمه، وذلك إجماع (٢) ، كاختصاصه ﷺ بوجوب الوتر والتهجد بالليل. وقد تكون واجبة عليه محرمة على أمته، كاختصاصه بإباحة الوصال في الصوم فلا يفطر بين اليومين أو الأيام (٣) . ٣- أفعال تدل على الوجوب أو الندب في حقه ﷺ وحق أمته: كالأفعال التي تصدر عنه ﷺ بيانًا لآية دالة على الوجوب في حقه وحقنا كبيانه صلاة الظهر وأنها أربع ركعات، والجمعة وأنها ركعتان، وبيانه ﷺ لكيفية الصلاة، ففي الحديث: ((كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم ثم يكبّر حين يركع ثم يقول سمع الله لمن حمده حين يرفع صُلبه من الركعة ثم يقول: وهو قائم: ربنا ولك الحمد ثم يكبّر حين يهوي، ثم يكبر

стр. 28

حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حين يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس)) (١) . أما الأفعال التي يفعلها ﷺ من ذات نفسه مطابقًا لما فرضه الله تعالى له من إنشاء بعض الأحكام فإن دل الدليل على أنه ﷺ فعله واجبًا دل على وجوبه، وإن دل الدليل على أنه فعله ندبًا كان مندوبًا في حقه وحق أمته (٢) . مثال ذلك ما ورد في الحديث ((كان ﷺ يعجبه التيامن في تنعله وترجله وفي شأنه كله)) (٣) ." يعجبه" دليل أن هذا الفعل للاستحباب. أما القسم الثالث: تقريراته ﷺ : إذا رأى الرسول ﷺ شيئًا، أو علمه، فسكت عنه ولم ينكره، فهذا يدل على إباحته لذلك الشيء فقط غير موجب له، ولا ندب إليه (٤) . عن عمرو بن خارجة ﷺ قال: ((خطبنا رسول الله ﷺ بمنى وهو على راحلته ولعابها يسيل على كتفي)) (٥) .دلّ الحديث على أن لعاب ما يؤكل لحمه طاهر، وهو مبني على أنه ﷺ علم سيلان لعاب الناقة على الصحابي راوي الحديث ولم يأمره بغسله، ولا إزالته. وأخذ العلماء بذلك فلم ينقل عن أحد من الأئمة القول بوجوب غسل لعاب ما يؤكل لحمه لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز بالاتفاق (٦) .

стр. 29

المبحث السادس: أنواع القرائن الصارفة عن العمل بظاهر السن ... المبحث السادس: أنواع القرائن الصارفة عن العمل بظواهر السنن ورد في تعريف القرينة عدة مصطلحات منها: القرينة: الأمر الذي يصرف الذهن عن المعنى الوضعي إلى المعنى المجازي، وقيل هي: ما يدل على المراد من غير أن يكون صريحًا فيه. وقيل: أمر يشير إلى المطلوب (١) . والمتتبع لمسائل الأمر عند جمهور الأصوليين يجد أنهم متفقون على أن القرينة بجميع أنواعها تعتبر صارفة الأمر عن حقيقته فإنه متى وجدت ترك تحديد المراد من الأمر حينئذ إليها (٢) . فالسنة النبوية المصدر الثاني للتشريع الإسلامي والجميع متفقون على مكانتها المهمة من حيث الاحتجاج والعمل لكن ينبغي عدم إغفال ما تقدم من ثبوت السنة، ووضوح دلالتها، ومعرفة القرائن التي لها أثر في صرف السنة عن ظاهرها. ويوضح ذلك الأمثلة التالية: عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر ﵁ لرسول الله ﷺ فتغيظ رسول الله ﷺ ثم قال له: ((مره فليراجعها)) (٣) . فدلّ ظاهر الحديث على وجوب الرجعة، ولكن ذهب

стр. 30

١- الجمهور إلى أنها مستحبة فقط (١) ،حيث ظهرت لهم قرينة صرفت الأمر من الوجوب إلى الاستحباب، وتلك القرينة هي: أن ابتداء النكاح لا يجب فاستدامته كذلك لا تجب، فقاس العلماء ابتداء النكاح في عدم وجوبه على استمرار وجوبه بالرجعة، فقالوا: هي أيضًا ليست بواجبة. فكان القياس قرينة على أن الأمر للندب (٢) . ٢- عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا فإنه لا يدري أين باتت يده" (٣) . ظاهر الحديث يدل على وجوب غسل اليدين ثلاثًا بعد الاستيقاظ، ولكن ذهب الجمهور إلى أن الأمر للندب (٤) . لا يدخله احتمال. فكان قرينة لصرف الأمر عن ظاهره (٥) . عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل" (٦) . دلّ الحديث على وجوب الغسل يوم الجمعة. وذكر الإمام الشوكاني أن جمهور العلماء من السلف والخلف وفقهاء

стр. 31

الأمصار ذهبوا إلى أنه مستحب (١) . والقرينة الصارفة عن الوجوب أحاديث صحيحة دلّت على الاستحباب، كقوله ﷺ : "من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام" (٢) . وهناك أمثلة عديدة خالف فيها الجمهور ظاهر السنة لقرينة قوية ظهرت لهم. وهم في هذا الأمر مخالفون لبعض الظاهرية الذين لا يبالون بأي قرينة إذا خالفت ظاهر السنة (٣) .

стр. 32

المبحث السابع: أسباب عدم الاحتجاج ببعض السنن أستهل هذا المبحث بقول للإمام ابن تيمية: " ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولاً عامًا يتعمد مخالفة رسول الله ﷺ في شيء من سننه دقيق ولا جليل، فإنهم متفقون على وجوب إتباع الرسول ﷺ وعلم أن كل واحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ " (١) . فلو وجد لأحدهم قول مخالف لسنة صحيحة فلا بد له من سبب قوي كضعف في رجال السند، أو اختلاف في عدالة الرواة، أو غير ذلك مما يسوغ عد الأخذ بالحديث والعدول عنه إلى غيره (٢) . وينبغي لطالب العلم أن يرفع الملام عن الأئمة الأعلام إن وجد لأحدهم فتوى تخالف سنة رسول الله ﷺ ، ولقد ذكر العلماء أسباباً عديدة تجعل الأئمة معذورين مأجورين، وملخصها هذان السببان: الأول: زيادة بعضهم على بعض في كثرة العلم: فالخلفاء الراشدون والصحابة ﵃ كانوا أعلم الأمة وأفقهها، وأتقاها وأفضلها، ومع ذلك لم يحيطوا بجميع أحاديث رسول الله ﷺ (٣) ، فمن بعدهم أنقص (٤) . وقد ينظر العالم في الحديث فيراه ضعيفًا لرجل متهم في إسناده ويخفى عليه طريق أخرى للحديث صحيحة يعلمها إمام غيره.

стр. 33

الثاني: زيادة بعضهم على بعض في قوة الفهم: فقد تخفى دلالة الحديث على إمام وتظهر لغيره، أو يعتقد الإمام أن تلك الدلالة قد عارضها ما دلّ على أنها ليست مُرادة (١) وقد يفتح الحق سبحانه بدقائق الفهم لإمام لا تفتح لغيره (٢) . وذكر سبحانه قصة داود وسليمان ﵉ دليلاً على ذلك: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْنَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ، فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:٧٨-٧٩] . فاختصّ سبحانه سليمان ﵇ بالفهم، وأثنى عليهما بالحكم والعلم، وتدلّ الآية كذلك على أن خطأ المجتهد لا يقدح فيه بل يبقى المجتهد موضع الثناء والتقدير لعلمه الذي يحمله (٣) . ولقد بين العلماء أن دلالات أحاديث رسول الله ﷺ من حيث وضوحها وخفاؤها تنقسم إلى قسمين: ١- دلالة قطعية واضحة، لا يسع أحداً – غير مغلوب على عقله- جهلها كالأمر بالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، فالقطع بوجوبها لا خلاف فيه. وكالنهي عن الربا، والزنى، وقول الزور، والسرقة، فالقطع بتحريمها لا خلاف فيه (٤) .

стр. 34

١- دلالة ظنية خفية يعلمها الخاصة دون العامة كفروع الفرائض والمسائل المختلف فيها بين الصحابة رضوان الله عليهم، وقد يكون خفاؤها في الحديث، إما للفظ غريب غير مشتهر، وإما لكون اللفظ مشتركًا وفيه أكثر من معنى (١) ، أو لكون المعنى يختلف بين عرف وعرف، وبلد وبلد. وإما لكون الحديثين ظاهرهما التعارض. وهذه الدلالة يتفاوت العلماء في إدراكها وفهم وجوه الكلام فيها بحسب ما يفتح الحق سبحانه. وهي أحد أسباب اختلاف الأئمة رحمهم الله تعالى (٢) .

стр. 35

المبحث الثامن: موقف العلماء من السنن التي ظاهرها التعارض الباحث في موضوع الاحتجاج بالسنة النبوية وكونها المصدر الثاني للتشريع الإسلامي لا يمكنه بحال إغفال النظر في موضوع الأحاديث التي ظاهرها التعارض حيث ذهب جمهور العلماء إلى ما يلي: ١- ينظر في الحديث المعارِض، فإن كان ضعيفًا فلا أثر له في المعارضة، لأن القوي لا تؤثر فيه مخالفة الضعيف. ٢- إذا كان الحديث المعارض صحيحًا مقبولاً مثل الأول، فينظر هل يمكن أن يجمع بينهما؟ فإن أمكن: جمع بينهما وعمل بهما معًا، فإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما. والخلاف الظاهر بين العلماء هنا أن منهم من يقدم الجمع على الترجيح، ومنهم من يقدم الترجيح على الجمع. ويعتبر هذا الأمر من أهم أسباب اختلافهم رحمهم الله تعالى. ويوضح ذلك المثال التالي: - عن النبي ﷺ قال: "إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرِّقوا أو غرّبوا ... " (١) . - وحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: ((لقد ارتقيت يومًا على ظهر بيت لنا فرأيت رسول الله ﷺ على لبنتين مستقبلاً بيت المقدس لحاجته ... )) (٢) .

стр. 36

- فمن العلماء من رجح الحديث الأول فقال: لا يجوز استقبال واستدبار القبلة بالبول والغائط لا في الصحاري ولا في البنيان. - ومنهم من رجح الحديث الثاني فقال: بمطلق الإباحة وأنه يجوز استقبال القبلة واستدبارها بالبول والغائط في الصحاري والبنيان. - ومنهم من جمع بين الحديثين فقال: لا يجوز في الصحاري، ويجوز في البنيان (١) ١- إن لم يمكن الجمع بينهما فلا يخلو أن يعرف التأريخ أولا؟ فإن عرف وثبت المتأخر فهو الناسخ والآخر منسوخ. مثال ذلك حديث "نهيتكم عن زيارة القبور فزروها" (٢) . بين الحديث أن الأمر بزيارة القبور نسخ النهي عن زيارتها. ٢- إن لم يعرف التأريخ للمتأخر فلا يخلو إما أن يمكن ترجيح أحدهما على الآخر بوجه من وجوه الترجيح المتعلقة بالمتن أو السند، أو لا يمكن ذلك بحسب ما يفتح به الله من كثرة العلم أو عمق الفهم (٣) فإن لم يمكن الجمع بينهما، ولا معرفة الناسخ والمنسوخ، ولا الترجيح لأحدهما على الآخر فيكون التوقف عن العمل بالحديثين (٤) . يقول الإمام ابن حجر:" التعبير بالتوقف أولى من التعبير بالتساقط، لأن خفاء ترجيح أحدهما على الآخر إنما هو بالنسبة للمعتبر في الحالة الراهنة مع احتمال أن يظهر لغيره ما خفي عليه والله أعلم" (٥) .

стр. 37

الفصل الثاني: تبيين السنة لأحكام القرآن الكريم مدخل ... الفصل الثاني: تبيين السنة لأحكام القرآن الكريم وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: تفصيل السنة لأحكام مجملة في القرآن الكريم. المبحث الثاني: تخصيص السنة لأحكام عامة في القرآن الكريم. المبحث الثالث: تقييد السنة لأحكام مطلقة في القرآن الكريم.

стр. 38

لم يقع الخلاف بين الصحابة ﵃ ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين في أن السنة مبينة لأحكام القرآن الكريم: فعن عبد الرحمن بن يزيد رأى محرمًا عليه ثيابه فنهى المحرم فقال: ائتني بآية من كتاب الله تنزع ثيابي؟ فقرأ عليه ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَانَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُو﴾ [الحشر:٣٦] (١) . عن هشام بن حجير قال: كان طاووس يصلي ركعتين بعد العصر. فقال ابن عباس ﵄: اتركهما. فقال: إنما نهي عنهما أن تتخذ سنة، فقال ابن عباس ﵄: قد نهى رسول الله ﷺ عن صلاة بعد العصر، فلا أدري أتُعذب أم تؤجر؟ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ َمْرًا أَن يَكُونَلَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] (٢) .

стр. 39

المبحث الأول: تفصيل السنة لأحكام مجملة في آيات القرآن الكريم جاءت السنة مفصلة ومفسرة للأحكام المجملة في آيات عديدة من القرآن الكريم؛ إما بحسب كيفيات العمل أو أسبابه أو شروطه أو موانعه أو لواحقه، وما أشبه ذلك؛ كبيانها للصلوات على اختلافها في أنواع مواقيتها، وركوعها وسجودها وسائر أحكامها، وبيانها للزكاة في مقاديرها ونُصبِ الأموال وتعيين ما يزكى مما لا يزكى. وبيان أحكام الصوم وما فيه مما لم يقع النص عليه في الكتاب. وكذلك الطهارة الحَدَثية والخبثية، والحج، والذبائح، والصيد، وما يؤكل مما لا يؤكل، والأنكحة وما يتعلق بها من الطلاق والرجعة والظهار واللعان، والبيوع وأحكامها، والجنايات من القصاص وغيره، كل ذلك بيان لما وقع مجملاً في القرآن الكريم، وهو الذي يظهر دخوله تحت قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤] ، (١) يوضح ذلك قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة:٣٨] . ظاهر الآية يقتضي قَطع سارق القليل والكثير، والعقل لا يهتدي إلى الفصل فيه بحد تقف المعرفة عنده، فجاءت السنة بتحديده بربع دينار؛ فعن

стр. 40

عائشة ﵂ قالت: ((ما طال عليّ ولا نسيتُ: القطعُ في ربع دينار فصاعدًا)) (١) (٢) . وظاهر الآية يقتضي القطع في كل مال لا يسرع إليه الفساد أو يسرع كالخضار والفاكهة فجاءت السنة مفصلة أن من سرق ثمرًا ونحوه لا تقطع يده؛ فعن النبي ﷺ أنه قال: "لا قطع في ثمرٍ ولا كثرٍ (٣) " (٤) (٥) . ولم تبين الآية اشتراط الحرز وجاءت السنة به، ففي الحديث ".. ومن سرق شيئًا منه بعد أن يُؤوِيه الجَرِينُ (٦) ، فبلغ ثمن المجنِّ فعليه القطعُ.." (٧) . واشترطه الفقهاء للقطع في السرقة، ورد في زاد المستقنع:" فإن سرقه من غير حرز فلا قطع، وحرز المال ما العادة حفظه فيه، ويختلف باختلاف الأموال والبلدان.." (٨) . وجاءت السنة لتبين أن حد السرقة وغيره من الحدود لا يقام في المساجد لقوله ﷺ : "لا تقام الحدود في المساجد ولا يستقاد فيها" (٩) .
следующие страницы →