ثالثًا: الطعن في شخصية النبي ﷺ
أ – زعمهم انشغاله ﷺ بالنساء
يقول غوستاف لوبون: "وضعف محمد ﷺ الوحيد هو حبه الطارئ للنساء، وهو الذي اقتصر على زوجته الأولى حتى بلغ الخمسين من عمره، ولم يُخْفِ محمد ﷺ حبه للنساء، فقد قال: "حبب إليّ من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة".
ولم يبال محمد بسن المرأة التي كان يتزوجها، فتزوج عائشة وهي بنت عشر سنوات، وتزوج ميمونة وهي في السنة الحادية والخمسين من عمرها.
وأطلق محمد العنان لذلك الحب، حتى إنه رأى اتفاقًا زوجة ابنه بالتبني وهي عارية، فوقع في قلبه منها شيء، فسرَّحها بعلُها، ليتزوجها محمد ﷺ فاغتم المسلمون، فأوحي إلى محمد ﷺ بواسطة جبريل الذي كان يتصل به يوميًا آيات تسوغ ذلك، فانقلب الانتقاد إلى سكوت" (١) .
ويقول جولد تسيهر في كتابه العقيدة والشريعة: "روي عنه ﷺ أنه قال: "إنما حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء" وأضيف إلى ذلك فيما بعد: "وجعلت قرة عيني في الصلاة" وهذه الرواية وأمثالها تجعله بحق موضع اتهام خصومه الذين أخذوا عليه أنه لا يشتغل بغير النساء مما لا يتفق وصفة النبوة" (٢) .
стр. 37
يقول الله تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً﴾ [الكهف: ٥] .
يراد بذلك إحداث خلل في عقيدة المسلم وتشكيكه في نبيه ﷺ ورسالته، وذلك حسب أهوائهم وتصورهم البشري القاصر، ثم يكون هدم الفروع سهلاً عليهم، ولكن الله تعالى هيأ لحفظ هذا الدين رجالاً وعلماء استطاعوا بفضله جل وعلا أن يتصدوا لهؤلاء، يقول الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧] .
والعداء لهذا الدين قديم منذ أن أرسل الله الأنبياء والرسل الأولى
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان: ٣١] .
وللإجابة عن هذه الشبهة نقول:
١ - إن الله تعالى أباح لنبيه ﷺ الزواج لأكثر من واحدة، وهذا شرع الله الذي نحن به مؤمنون أبدًا، وهذه عقيدة المؤمنين الصادقين عبر التاريخ الإسلامي الطويل من عهد النبوة إلى قيام الساعة، مهما تقوّل المبطلون، أو افترى الحاقدون، ولهذا الزواج في دين الإسلام حِكَمٌ وأسباب، تبيّن لنا بعضها وغاب عنا بعضها الآخر، من هذه الحكم التي نلمسها:
أ – أن الرسول ﷺ يقول: "النكاح من سنتي فمن لم يعمل بسنتي فليس مني، وتزوَّجوا فإني مكاثِرٌ بكم الأمم. ومن كان ذا طول فلينكح ومن لم يجد
стр. 38
فعليه بالصيام فإنَّ الصوم له وِجاء" (١) .
ب – تربية النفس على الطهارة والعفة بدلاً من إطلاق عنانها في دروب الرذيلة ومهاوي الخنا والفواحش، فربما احتاج الإنسان ليتزوج أكثر من واحدة؛ لحاجته إلى ذلك، فهناك من الرجال تكون غريزة الجنس عندهم قوية، لا يصبرون على واحدة فقط ولاسيما في حالات النفاس والحيض وغيرها، أو قد تكون الزوجة مريضة أو عقيمة، أو غير ذلك من الأسباب التي تدفع بالإنسان أن يتزوج بأخريات.
ج – زيادة عدد النساء وقلة عدد الرجال الذين تصيبهم المنية بأسبابها الكثيرة ولاسيما الحروب الطاحنة التي تعم أرجاء الأرض، وما تخلفه هذه الحروب من المآسي والكوارث البشرية من القتلى والمعاقين مما يقلل نسبة عدد الرجال وقدرة بعضهم على الزواج، فكان لزامًا أن يتزوج الرجل الواحد أكثر من واحدة، حتى لا تنحرف النساء العازبات عن السقوط في شراك الرذيلة والفاحشة.
٢ – إن الزواج بأكثر من واحدة كان جائزًا في جميع الشرائع السابقة (٢) ، كاليهودية والنصرانية التي ينتمي إليها معظم المستشرقين، مما يتبين لنا مما تكنه نفوس هؤلاء من حقد لنبينا محمد ﷺ .
٣ – فلينظر هؤلاء المستشرقون ومن سار على دربهم إلى الحقيقة الناصعة التي يتهربون منها في كتاباتهم ومحاضراتهم، ألا وهي السن الذي تزوج فيها
стр. 39
الرسول الأمين ﵊ خديجة ﵂، وهو سن الشباب وقمة الطاقة والقوة الجسدية والجنسية، لو كان عنده أهواء جنسية لاختار من أجمل بنات العرب مالاً ونسبًا، وهو الشاب الأمين ومن نسب عريق وأصيل، إلا أن الله تعالى أراد أن يتزوج من خديجة التي كانت تكبره بخمس عشرة سنة، ليكون ذلك نقاء في صفحة حياته النقية أصلاً، ويكون صفعة في وجوه من أراد أن يثير حوله شبهة الشهوانية أو الهوى.
٤ – ثم إن مرحلة الشباب التي مرّ بها هذا النبي ﵊ لتشهد له بما كان عليه من الفضائل والأخلاق من السلوك وصدق الحديث والأمانة وغيرها، حتى سمي بين قومه بالصادق الأمين.
٥ – إن بيوت النبي ﷺ كانت بفضل زوجاته بمنزلة مدارس تخرج المؤمنات الداعيات لهذا الدين، وكانت كل زوجة داعية وفقيهة تعلم النساء أحكام دينهن لقربهن من رسول الله ﷺ ، فكانت النسوة يترددن إليهن، ويسألن عما يشكل عليهن من أمور الدين كحقوق الزوج وأحكام الطهارة والتحلي بأخلاق الرسول ﵊.
٦ – لو كان التعدد من الأمور الشهوانية والبهيمية لدى المسلمين لاستباح دين المسلمين إطلاق العنان لأبنائه بأن يسرحوا ويمرحوا في عالم الشهوة والهوى ومع أكبر عدد من النساء كما كانت عليه العرب في الجاهلية وبيوت الخنا التي كانت ترفرف على أبوابها أعلام الفاحشة والفجور، وكما نلاحظه في العصر الحالي من الإباحية المطلقة والبهيمية الجامحة التي ليس لها ضوابط ولا روادع، بل إن معظم بيوت الفاحشة في أوربا
стр. 40
وغيرها عبارة عن مؤسسات لها حصانة قانونية، ولها الحرية التامة في الدعاية والإعلان حتى صارت مهنة وتجارة عالمية مربحة، ناهيك عن الدعم التي تجده هذه المؤسسات من القوى السياسية في تلك البلاد تحت راية الحريات الشخصية، حتى وصل بهم الحال أن يتزوج الرجال بالرجال، وصارت لهم منظمات ومراكز تعقد فيها عقود رسمية في المحاكم والدوائر الرسمية.
أما عن نشاطات هذه المؤسسات والنوادي فهي قوية جدًا، ولديها قوة إعلامية هائلة للدعاية والترويج والربح، والشاهد على ذلك الفضائيات التي تبث في الليل والنهار الأفلام الجنسية بشتى الصور والأشكال، وشبكات الإنترنت التي صارت من أكبر الميادين الدعائية لها. وحسبنا أن نعلم أن هناك ما يقارب اثنين وعشرين مليون موقع جنسي على شبكات الإنترنت، عدا المحادثات المباشرة على مدار الساعة وبالعملات الصعبة.
هذه هي البهيمية الحقيقية والغريزة الحيوانية الجامحة من غير ضوابط وأحكام التي أفسدت المجتمعات الإنسانية وأخرجتها من إنسانيتها، واستولت على عقول الناس وَلوَّثت صفاء العقول وبراءة النفوس بالشهوات والخبائث.
والشيء الذي يأسف له القلب ويندى له الجبين أن هذه الثقافة الجنسية قد دخلت كثيرًا من البلاد الإسلامية وإن لم تكن على نحو رسمي ولكنها موجودة ولها تجارها وعملاؤها.
٧ – لم يكن من بين زوجات الرسول ﷺ بكر إلا عائشة ﵂، أما الأخريات فأرامل وثيبات، والعاقل يدرك أن زواجه ﵊ بهؤلاء النساء رضوان الله عليهن لم يكن بدافع شهوة أو هوى
стр. 41
في النفس، وإنما كان زواجه بكل واحدة منهن لقصة وحكمة: فمثلاً تزوج النبي ﷺ أم المؤمنين سودة بنت زمعة بن قيس القرشية وهي في الخامسة والخمسين بعد وفاة خديجة ﵂، فهي مسنة وثيب، تقول عائشة ﵂: لما توفيت خديجة بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين قالت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون ﵁ للنبي ﷺ : أي رسولَ الله ألا تتزوج؟ قال: من؟ قالت: إن شئت بكرًا وإن شئت ثيبًا. قال: من البكر؟ قالت: بنت أحبِّ الخلق إليك عائشة بنت أبي بكر. قال: ومن الثيب؟ قالت: سودة آمنت بك واتبعتك. فاختار النبي ﷺ سودة حيث بقيت تعاني الوحدة بعد وفاة زوجها في مكة فخشي النبي ﷺ أن ترجع إلى مكة ويفتنها أهلها في دينها فتزوجها ﷺ ليحفظها ويستر عليها ويحميها من قومها الذين أسلم عدد كبير منهم بعد هذا الزواج.
فإن النظر والإمعان في هذا الزواج فيه ما يرد كيد المغرضين والطاعنين في شخص النبي ﷺ الذي عرض عليه البكر والمسنة الثيب فاختار المسنة رفقًا بحالها وأنسًا لوحدتها وحفاظًا على دينها وعقيدتها.
وأما زواجه ﵊ بأم المؤمنين جويرية بنت الحارث ﵂ التي كانت من سبايا بني المصطلق، وتقول أم المؤمنين عائشة ﵂ في قصة زواجها من النبي ﷺ : "وقعت جويرية بنت الحارث بن المصطلق في سهم ثابت بن قيس بن شماس أو ابن عم له فكاتبت على نفسها وكانت امرأة ملاحة تأخذها العين قالت عائشة ﵂ فجاءت تسأل رسول الله ﷺ في كتابتها فلما قامت على الباب فرأيتها كرهت مكانها،
стр. 42
وعرفت أن رسول الله ﷺ سيرى منها مثل الذي رأيت فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث وإنما كان من أمري ما لا يخفى عليك، وإني وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس، وإني كاتبت على نفسي، فجئتك أسألك في كتابتي. فقال رسول الله ﷺ : "فهل لك إلى ما هو خير منه". قالت: وما هو يا رسول الله قال: "أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك". قالت: قد فعلت. قالت: فتسامع تعني الناس أن رسول الله ﷺ قد تزوج جويرية فأرسلوا ما في أيديهم من السبي فأعتقوهم وقالوا: أصهار رسول الله ﷺ ، فما رأينا امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها، أعتق في سببها مائة أهل بيت من بني المصطلق" (١) .
وقد كان هذا الزواج سببًا في دخول بني المصطلق في الإسلام بعد معاداة طويلة على الإسلام ونبي الإسلام ﵊. وهذا وحده كاف لمعرفة الحكمة من زواج النبي ﷺ بذلك العدد من النساء.
وسائر الزوجات الأخريات رضوان الله عليهن أيضًا كان لكل واحدة منهن شأن ديني ومصلحة دعوية، أو عطف إنساني، أو أمرٌ رباني.
٨- أما بالنسبة للحديث الذي يذكره هؤلاء المستشرقين "حبب إليَّ من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة" فإن كلمة (ثلاث) زيادة لم ترد في رواية من الروايات التي أوردها الإمام أحمد والنسائي، وجملة (وجعلت قرة عيني في الصلاة) من أصل الحديث وليست مضافة إلى الرواية فيما بعد كما يدعون، وهذا يدل على عدم
стр. 43
دقتهم في البحث والتحري، وفيما يلي سرد لجميع روايات هذا الحديث ليتبين الحق من الباطل، ويعلم العقلاء والمنصفون حقيقة دعاوى هؤلاء المستشرقين:
عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "حبب إلي من الدنيا النساء والطيب وجعل قرة عيني في الصلاة (١) ". وفي رواية أخرى: "حبب إلي النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة " (٢) .
وجاء الحديث في ثلاث روايات للإمام أحمد عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: "حبب إلي من الدنيا النساء والطيب وجعل قرة عيني في الصلاة " (٣) .
وفي أخرى: "حبب إلي النساء والطيب وجعل قرة عيني في الصلاة " (٤) بدون "من الدنيا".
ثم بعد ذلك نقول: هلاّ أتوا بالمصدر الذي اقتبسوا منه هذا الحديث وأن جملة "وجعلت قرة عيني في الصلاة " أضيفت إليه فيما بعد أو أنه عبارة عن تشويش فحسب؟!
٩- أما الشبهة التي ذكرها أحد المستشرقين حول قصة زواج النبي ﷺ من زوجة ابنه بالتبني، فقد رواها مغلوطا وبرواية غريبة، وقد علل هذا المستشرق حسب هوى نفسه قصة هذا الزواج ليطعن في شخصية
стр. 44
الرسول ﷺ وموقفه من النساء، وفيما يلي بيان بحقيقة هذا الزواج ومعالمه:
قال ابن كثير في تفسيره: قال العوفي عن ابن عباس ﵄: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية [الأحزاب:٣٦] .. وذلك أن رسول الله ﷺ انطلق ليخطب على فتاه زيد بن حارثة –﵁ فدخل على زينب بنت جحش الأسدية –﵂ فخطبها، فقالت: لست بناكحته. فقال رسول الله ﷺ : "بلى فانكحيه" قالت: يا رسول الله أؤامر في نفسي؟ فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه الآية على رسول الله ﷺ : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً﴾ . الآية.
قالت: قد رضيته لي يا رسول الله منكحاً؟ قال رسول الله ﷺ : "نعم" قالت: إذن لا أعصي رسول الله ﷺ قد أنكحته نفسي.
وزيد كان قد سبي في الحرب واشترته خديجة ﵂ وأهدته إلى الرسول ﷺ الذي خيّره بين أن يذهب مع أبيه أو يبقى معه، فقال: ما أنا بمفارق رسول الله ﷺ ، فقال ﵊: "اشهدوا أنه حرّ وأنه ابني يرثني وأرثه" فسمي لذلك زيد بن محمد (١) .
عن عبد الله بن عمر ﵄ أن زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٥] (٢) .
стр. 45
وأما الأسباب والظروف التي كانت وراء زواج زيد بزينب ﵄ ثم افتراقهما، وزواج النبي ﷺ بزينب فيمكن إيجازها بما يلي:
١- أن ذلك كان أمراً ربانياً أولاً وآخراً، لا نستطيع أن نجادل في ذلك بشيء، فهو أعلم بخلقه، وأعلم بشؤونهم جميعا، ما ينفعهم وما يضرهم، وينزل إليهم ما تتحقق به مصالحهم وتسير بها أمورهم. فكان زواج زيد من زينب أمراً من رب العالمين وكان طلاقها كذلك، وبالتالي كان زواج النبي ﷺ بزينب أيضاً أمراً ربانياً، والرسول ﷺ المبلغ والمنفذ لأمر خالقه ، فكل ما حدث بهذا الموضوع كان تدبيراً إلهياً عظيماً، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٣٦] . وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ [الأحزاب:٣٨] .
٢- كان في زواج زينب من زيد ﵄ -حسب ما تبين لنا- أمر إنساني عظيم وهو إزالة الفوارق الطبقية الموروثة والنظرة الدونية التي كانت سائدة في أوساط القبائل إلى غيرهم من العبيد والموالي، تحقيقاً لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] ولا يتم ذلك إلا بتطبيق عملي، فكان زواج ابنة القبيلة بمولى من الموالي.
٣- إبطال عادة التبني التي كانت منتشرة عند العرب وهي: أن يعجب الرجل بأحد الأطفال أو الفتيان فيتبناه ويدعوه ابنه ويلحق بنسبه
стр. 46
فيتوارث وإياه توارث النسب ويُعامل معاملة الابن في جميع الحقوق والواجبات. وتحدث عادة التبني غالباً في سبايا الحروب حين يؤخذ الأطفال والصبيان أثناء الغارات، فمن شاء أن يلحق بنسبه واحداً منه فعل ذلك من غير إحراج.
وردّ الأدعياء إلى آبائهم، لقول الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ، ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب:٤-٥] ولاسيما وأن العلاقات بين زيد وزينب قد اضطربت وبدأ زيد يشكو إلى الرسول ﷺ هذا الاضطراب، وأنه غير قادر على الاستمرار معها.
٤- أن الله تعالى قد ألهم إلى الرسول ﵊ أمر زواجه من زينب، ومع ذلك فإنه يقول ﵊ لزيد ﵁ ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ إلى أن يضعه الله تعالى أمام أمر لابد من إظهاره ومواجهة الناس به، وذلك بأن يتزوج من مطلقة ابنه بالتبني، فيقول الله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب:٣٧] .
فعن أنس قال جاء زيد بن حارثة يشكو فجعل النبي ﷺ يقول: "اتق الله وأمسك عليك زوجك" قال أنس لو كان رسول الله ﷺ كاتما شيئا لكتم
стр. 47
هذه (١) .
٥- وكان في النهاية زواجه ﵊ من زينب، حسب ما جاء في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً﴾ [الأحزاب:٣٧] .
حيث لم يعقد عليها كما عقد على سائر زوجاته، يقول أنس ﵁: فكانت زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول زوجكن أهاليكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سموات (٢) .
وأظن أن هذا البيان كاف لإزالة الشبهة، ودحض الافتراء الذي يردده المستشرقون وبعض أذنابهم حول قصة زواج النبي ﷺ من زينب ﵂.
ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن كثيرًا من المستشرقين وأذنابهم من بعض المستغربين يخافون من المد السكاني الإسلامي وخطره على أفكار شعوبهم وبلادهم ومصالحهم، مما يدفع بهم بين الفينة والأخرى إلى نشر الكتب وعقد الندوات والمحاضرات والمؤتمرات التي تطالب بالحد من التعدد، وتحديد النسل بحجة التنظيم أو بهدف الحصول على الرخاء الاقتصادي والاجتماعي في بلاد المسلمين التي يكثر فيها التعدد ويتزايد فيها الإنجاب.
стр. 48
ب – زعمهم اهتمامه صلى الله علي وسلم بالغنائم والسلب
يقول مرجليوث: "عاش محمد ﷺ هذه السنين الست ما بعد الهجرة إلى المدينة على التلصص والسلب والنهب - ولكن نهب أهل مكة قد يسوّغه طرده من بلده ومسقط رأسه وضياع أملاكه وكذلك بالنسبة إلى القبائل اليهودية في المدينة فقد كان هناك - على أي حال - سبب ما، أحقيقيًا كان أم مصطنعًا يدعو إلى انتقامه منهم، إلا أن خيبر التي تبعد عن المدينة كل هذا البعد لم يرتكب أهلها في حقه ولا في حق أتباعه خطأ يعد تعديًا منهم جميعًا لأن قتل أحدهم رسول محمد ﷺ لا يصلح أن يكون ذريعة للانتقام" (١) .
ولا استغراب في هذا الكلام حيث خرج من أفواه يهودية أو صليبية وسطرتها أقلامهم المنحرفة، ويشم من هذا الكلام حقد وحسرة ولاسيما أن هذا الدين قد وصل إلى أرجاء العالم وما وراء المحيطات والجبال، وهذا هو الشيء الذي يغيظهم ويحرق صدورهم، لذا يتخبصون ويفترون دون دليل علمي أو وثيقة تاريخية، ويكتبون الكلام جزافًا ويسمعه الحمقى والغاوون.
وللرد على هذه المزاعم والافتراءات المكشوفة نقول:
١- كيف بنبي أرسل من رب العالمين يكون همه السلب والنهب والعيش على أقوات الناس وأموالهم، وكل حركة من حياته ﵊ وكل كلمة وسلوك ينطق بخلاف ما ذهب إليه هؤلاء المستشرقون؟ فالمعروف من حياة النبي ﵊ أنه كان يعيش على
стр. 49
الكفاف وأنه كان يمر الشهر والشهران ولا يُوقَد في بيته نار، وأنه تعرض في بداية دعوته لأكبر جائزة ومنال من قريش فرفضها، حيث عرضت عليه المال والنساء والجاه فقال قولته المشهورة ﷺ : "يا عمّ، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته" (١) .
فمن يرفض هذا العرض المغري ويركن إلى الزهد ويصبر نفسه مع الفقراء الفقراء، ويحث أصحابه على شظف العيش والخشونة فيه، ووصف دار الدنيا بأنها دار ابتلاء واختبار، لا يكون من هذا شأنه إلا رجل يعيش من أجل رسالة عظيمة وهدف سام وجليل، وهي الدعوة إلى دين الله والعيش في ظلالها والموت في سبيلها، والتاريخ يشهد لهذا النبي ﵊ بما كان عليه في حياته إلى أنْ توفَّاه الله تعالى، من صدق في الحديث واستقامة في السلوك وأمانة في التعامل، وإخلاص في العمل، وغير ذلك من الخصال الحميدة والأخلاق الفاضلة التي شهد له بعض الغربيين، يقول "الكونت هنري دي كاستري": "إن محمدًا ﷺ ما كان يميل إلى زخارف الدنيا ولم يكن بخيلاً، وكان يستدر اللبن من نعاجه بنفسه، ويجلس على التراب، ويرقع ثوبه ونعاله بيده، ويلبسها مرقعة، وكان قنوعًا، وقد خرج من هذا الباب، ولم يشبع من خبز الشعير مرة في حياته، وتجرد من الطمع، وتمكن من نوال المقام الأعلى في بلاد الغرب، ولكنه لم يجنح إلى الاستبداد فيها، فلم تكن له حاشية، ولم يتخذ وزيرًا ولا حشمًا، وقد احتقر المال، وإنه بلغ من السلطان منتهاه، ومع ذلك
стр. 50
لم يكن له علامات الإمارة والملك سوى خاتم من الفضة مكتوب عليه (محمد رسول الله) " (١) .
٢- ثم لينظر هؤلاء الذين لا يريدون أن يقرؤوا التاريخ على حقيقته وإنما يريدونه على هواهم ومصالحهم وأحقادهم لهذا الدين ونبيه ﵊، لينظر هؤلاء إلى الخُلق العظيم الذي كان يتحلى به الرسول ﵊ وسماحته مع أعدائه، فبعد فتح مكة انقادت إليه القبائل، وصارت تحت سيطرته الجزيرة العربية، وأولئك الأعداء الذين كذبوه وحاربوه وأعرضوا عن دعوته، وقتلوا أصحابه وأهله، وقاطعوه في كل شيء مع صحابته ثلاث سنوات، وأخرجوه مع المؤمنين من ديارهم إلى الحبشة والمدينة، ها هم اليوم ضعفاء وأذلاء أمام هذا النبي ﷺ ينتظرون جزاءهم وعقابهم على ما اقترفوه خلال تلك السنوات نحو هذا النبي وأصحابه ودعوته، وقلوبهم وجلة تخشى أن ينزّل عليهم هذا النبي ﵊ أقسى العقوبات أو أشد أنواع العذاب، ولكن الأمر كان على خلاف هذا التصور فخاطبهم نبي الرحمة: "يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء" (٢) .
فأين الانتقام الذي يزعمه هؤلاء الحاقدون على الإسلام وأهله؟.
وسيرة المصطفى ﵊ مليئة بمثل هذه المواقف الرحيمة
стр. 51
التي حيرت القاصي والداني من الأعداء وغيرهم، إلا أن هذا المستشرق الحاقد لا يريد أن يراجع التاريخ من أبوابه.
٣- أما مسألة يهود خيبر فإن فيه القول الكثير الذي لا يذكره المستشرقون فإنهم من ناحية كفرهم كمشركي قريش والله تعالى أمر رسوله ﵊ بقتالهم وإخراجهم من خيبر بعد نزول قوله تعالى:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦] . وقوله ﵎: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٤٤] . وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] .
٤- أما من الناحية الأخرى، فإن يهود خيبر لم يكونوا مسالمين مع المسلمين أبدًا، فقد ذهب إليهم كثير من زعماء بني النضير وظاهروهم على المسلمين وهم الذين حرضوا بعض القبائل على قتال النبي ﷺ في غزوة الخندق مثل غطفان وغيرها بشرط أن يكون لهم نصف ثمر خيبر.
وقد أقرّ بهذه الحقيقة المستشرق "مونتجمري وات" بقوله: "كان يهود خيبر وبخاصة رؤساء قبيلة بني النضير التي أجلاها الرسول ﷺ من المدينة يضمرون الحقد لمحمد ﷺ وهم الذين نجحوا في حمل قبائل العرب المجاورة على حمل السلاح على المسلمين والزحف عليهم، بما بذلوه من أموال وكان ذلك
стр. 52
هو السبب الرئيس في توجه محمد إلى خيبر بجيوشه" (١) .
٥- أمّا تعليل مرجليوث أنّ سبب انتقام المسلمين من اليهود في غزوة خيبر هو قتل أحدهم رسولَ رسولِ الله ﷺ ، فهو خطأ وافتراء عظيم على الحقائق التاريخية التي لاشك أنها لاتخفى على مرجليوث، ولكن التعصب يصم ويعمى، فالصواب الثابت تاريخياً (٢) أنّ قتل أحدِ يهود خيبر رسولَ رسولِ الله ﷺ عبد الله بن سهل - كان بعد غزوة فتح خيبر، وليس قبلها (٣) ، حتى يكون سبباً للانتقام منهم، من هنا يتبين لنا التلبيس الذي يمارسه المتعصبون الحاقدون من المستشرقين على عامة القراء والتحريف المتعمد لحقائق السيرة النبوية بصفة خاصة، ومعروف في كتب السيرة أنّ من أهم أسباب غزوة خيبر هو تحريض أهل خيبر قبائل العرب والمشركين على قتال محمد ﷺ والمسلمين.
стр. 53
رابعا- الطعن في الأحاديث النبوية سندًا ومتنًا
ونقسمه إلى ما يلي:
أ – زعمهم أن الحديث مزيج من عقائد الأديان السابقة وأفكارها من اليهودية والنصرانية.
يقول بروكلمان: "وأغلب الظن أن محمدًا ﷺ قد انصرف إلى التفكير في
стр. 54
المسائل الدينية في فترة مبكرة جدًا، وهو أمر لم يكن مستغربًا عند أصحاب النفوس الصافية من معاصريه الذين قصرت العبادة الوثنية عن إرواء ظمئهم الروحي. وتذهب الروايات إلى أنه اتصل في رحلاته ببعض اليهود والنصارى، أما في مكة نفسها فلعله اتصل بجماعات من النصارى كانت معرفتهم بالتوراة والإنجيل هزيلة إلى حد بعيد" (١) .
ويقول جولد تسيهر في كتاب "العقيدة والشريعة في الإسلام": "لكي نقدر عمل محمد ﷺ من الوجهة التاريخية، ليس من الضروري أن نتساءل عما إذا كان تبشيره ابتكارًا وطريفًا من كل الوجوه ناشئًا عن روحه، وعما إذا كان يفتح طريقًا جديدًا بحتًا. فتبشير النبي العربي ليس إلا مزيجًا منتخبًا من معارف وآراء دينية، عرفها أو استقاها بسبب اتصاله بالعناصر اليهودية والمسيحية وغيرها التي تأثر بها تأثرًا عميقًا والتي رآها جديرة بأن توقظ عاطفة حقيقية عند بني وطنه" (٢) .
ويرى ريتشارد بل: مؤلف كتاب "مقدمة القرآن": أن النبي ﷺ قد اعتمد في كتابته للقرآن على الكتاب المقدس، وبخاصة على العهد القديم في قسم القصص، فبعض قصص العقاب كقصص عاد وثمود مستمد من مصادر عربية، ولكن الجانب الأكبر من المادة التي استعملها محمد ليفسر تعاليمه ويدعمها قد استمده من مصادر يهودية ونصرانية، وقد كانت فرصته في المدينة للتعرف على ما في العهد القديم أفضل من وضعه السابق في مكة حيث
стр. 55
كان على اتصال بالجاليات اليهودية في المدينة، وعن طريقها حصل على قسط غير قليل من المعرفة بكتب موسى على الأقل (١) .
ونقول للرد على هؤلاء:
لا ريب أن هناك أموراً مشتركة كثيرة في التشريعات بين الإسلام والديانات الأخرى، مما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، لأن مصدر الديانات كلها من عند الله الواحد الأحد، وكلها تأتي إلى البشر عن طريق الوحي إلى الرسل والأنبياء، ورغم أن الديانات السابقة أصابها التحريف والزيادة والنقصان إلا أنه بقي منها بعض الأمور التي توافق القرآن الكريم والسنة النبوية كما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ، وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٤-٤٥] .
стр. 56
ومما جاء أيضا في الإسلام ويوافق ما في التوراة ما ورد في حديث عبد الله ابن عمر ﵄:"أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله ﷺ فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله ﷺ : "ما تجدون في التوراة في شأن الرجم" فقالوا: نفضحهم ويجلدون، فقال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها. فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك فرفع يده فإذا فيها آية الرجم. فقالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما، قال عبد الله فرأيت الرجل يجنأ على المرأة يقيها الحجارة" (١) .
ثم إنه لو كانت رسالة الإسلام مقتبسة من تلك الأديان لما جاء في كتاب الله تعالى الأمر بمخالفتهم ومحاربتهم، وعدم موالاتهم ونصرتهم، هذا فضلا عما اتصف به صحابة رسول الله ﷺ من صدق وإخلاص لهذا الدين، فلو كان للقرآن علاقة بالتوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب السماوية من حيث الاقتباس، لرأينا الكثير من هؤلاء الصحابة ينقلون إلينا ذلك، ولكن لم يحدث شيءٌ من هذا، وهذا دليل على بطلان قولهم من أن السنة مزيج من العقائد والأديان السابقة.
ب – الطعن في رواة الحديث
كثر القول في رواة الأحاديث النبوية في كتابات المستشرقين ووسائلهم الأخرى، ووضعوا مجموعة من هؤلاء الرواة الثقات موضع الشبهة والتشكيك
стр. 57
في رواياتهم لتأثرهم بالأحوال السياسية أو الاقتصادية التي كانوا يعيشون فيها، وكان على رأس قائمتهم عَلَمان كبيران ومن أعلام الرواية: هما الصحابي الجليل أبو هريرة ﵁، والإمام الزهري ﵀، وكان جولد تسيهر من أوائل الذين كتب عنهما وافترى عليهما الفريات العظام، معتمدًا في ذلك على الخلافات التي نشبت بين المسلمين بعد الخلافة الراشدة، والفتن التي مزقت الصف الإسلامي، فاستغلها أمثال تسيهر وغيره ليطعنوا في أهم مصدر من مصادر التشريع الإسلامي، وذلك بالطعن في رجال سنده. وهذه بعض الشبهات والتشكيكات التي أثارها المستشرق جولد تسيهر حول الإمام الزهري، وهي ليست كل الشبهات لأنها كثيرة، ولكننا نتناول هنا بعضها ونناقشها بموضوعية.
يقول أجناس جولد تسيهر فيما يفتريه على الإمام الزهري: "ولم يكن الأمويون وأتباعهم ليهمهم الكذب في الحديث الموافق لوجهات نظرهم، فالمسألة كانت في إيجاد هؤلاء الذين تنسب إليهم، وقد استغل هؤلاء الأمويون أمثال الإمام الزهري بدهائهم في سبيل وضع الأحاديث ... إلخ" (١) .
ويقول أيضًا: "إن عبد الملك بن مروان منع الناس من الحج أيام فتنة ابن الزبير، وبنى قبة الصخرة في المسجد الأقصى ليحج الناس إليها ويطوفوا حولها بدلاً من الكعبة، ثم أراد أن يحمل الناس على الحج إليها بعقيدة دينية، فوجد الزهري وهو ذائع الصيت في الأمة الإسلامية مستعدًا لأن يضع له أحاديث في ذلك، فوضع أحاديث، منها حديث: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة
стр. 58
مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى" ومنها حديث: "الصلاة في المسجد الأقصى تعدل ألف صلاة فيما سواه" وأمثال هذين الحديثين، والدليل على أن الزهري هو واضع هذه الأحاديث، أنه كان صديقًا لعبد الملك وكان يتردد عليه وأن الأحاديث التي وردت في فضائل بيت المقدس مروية من طرق الزهري فقط" (١) .
إن هذه الفرية رددها هذا المستشرق وتبعه تلامذته من بعده، واقتنع بها كثير من أبناء المسلمين، وهي فرية قديمة حديثة تبنتها الرافضة للطعن في كل رواية وردت في العهد الأموي أو ممن كانوا تحت الولاية الأموية، إلا أن التاريخ والشواهد الكثيرة والأدلة العلمية الواضحة التي لا شبهة فيها ولا غبار عليها، قادرة على نفي هذا التشكيك في أعظم شخصية إسلامية كالإمام الزهري الذي اتصف بالحزم والثبات في المواقف، وكان من أوائل الذين خدموا السنة بروايتها وتدوينها، إلا أن أقلام هؤلاء الأعداء لا يتركون أحدًا من المخلصين من رجالات هذه الأمة، حتى يتحول التاريخ الإسلامي في أذهان المسلمين إلى مجرد صراع ونفاق وكذب، وبالتالي يكون هذا الدين كله مبنيا على أوهام وخرافات، ولكن هيهات لهؤلاء أن يدركوا أهدافهم ومآربهم، لأن الله تعالى حفظ هذا الدين بحفظ كتابه، على أيد أمينة وصادقة، وهذه الحقيقة تناقلتها الأجيال بعد الأجيال.
وجعل الله تعالى جيل الصحابة من خير الأجيال، ثم الذين يلونهم، لأنهم جيل القدوة وجيل الرفقة بالنبي ﷺ والرفقة بأصحابه، فمهما كاد هؤلاء
стр. 59
وأذنابهم فلن يصلوا إلى الغبار الذي كان تطؤه أقدامهم الطاهرة، ومن أجل أن تدحض فرية هؤلاء القوم على عالم جليل مثل الإمام الزهري، الذي عاش مع الصحابة وسلك نهجهم، لا بد من توضيح بعض الأمور منها:
١ – الإمام الزهري هو الإمام محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة القرشي الزهري، اتصف هذا العالم في عصره بالحرص الشديد على تلقي العلم والسعي الدؤوب من أجل الحصول عليه، كما اتصف بقوة الحفظ والذاكرة، واتصف بصفات أخرى كالكرم والسخاء والشجاعة وحسن الخلق، ومعروف عنه المواقف الثابتة لمن خالف شيئًا من الدين، وشهد له بذلك شيوخه وعلماء الأمة.
٢ – الأمانة التي اتصف بها الإمام الزهري، تجعل هذه الافتراءات ترتد على أصحابها وتقذف في عيونهم القذى وفي بصائرهم ضلالهم وحقدهم، إذ يتبين من خلال دراسة سيرة حياة هذا العالم أنه كان لا يقبل أدنى تنازل في أية جزئية من جزئيات الدين، فكيف لمن هذا شأنه أن يفتري على النبي ﷺ ويضع الأحاديث حسب أهواء الأمراء والخلفاء؟ ويكفي هنا أن نذكر أحد مواقفه العظيمة أمام أحد خلفاء بني أمية عندما أراد أن يؤول حديثًا في غير موضعه، حيث "دخل الزهري على الوليد بن عبد الملك فقال له: ما حديث يحدثنا به أهل الشام؟ قال: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: يحدثوننا أن الله إذا استرعى عبدًا رعيته كتب له الحسنات ولم يكتب له السيئات. قال الزهري: باطل يا أمير المؤمنين، أنبيٌّ خليفة أكرم على الله أم خليفة غير نبي؟ قال: بل نبي خليفة، قال: فإن الله تعالى يقول
стр. 60
لنبيه داود ﵇ ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَاب﴾ [ص: ٢٦] ، فهذا وعيد يا أمير المؤمنين لنبي خليفة فما ظنك بخليفة غير نبي؟ قال الوليد: إن الناس ليغووننا عن ديننا" (١) .
٣ – إن كبار العلماء في الدولة العباسية أخذوا عن الزهري جميع الأحاديث والروايات، ولم يذكر أن أحدهم قدح فيه، من أمثال الإمام أحمد ابن حنبل والبخاري ومسلم وغيرهم، رغم أنه كان من رجال بني أمية، الذين لم يسلموا من مهاجمة العباسيين لهم في معظم أمورهم، وهذا دليل كاف للردِّ على المفترين الذين افتروا على هذا العالم الجليل.
٤ – أما بالنسبة لكلام تسيهر على منع عبد الملك بن مروان الناس الحج، وبناء قبة الصخرة ليحج الناس إليها وأمره الإمام الزهري بوضع حديث "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد" فإن هذا الكلام لا يستند إلى دليل علمي أو تاريخي، وإنما هو سرد مغلوط ومشبوه يراد منه كعادته إثارة التشكيك في التاريخ الإسلامي ورجالاته، وتنجلي الغمة، ويتضح الأمر من خلال الأمور التالية:
أ – أجمع المؤرخون قاطبة أمثال الطبري وابن خلدون وابن الأثير على أن الذي بنى قبة الصخرة هو الوليد بن عبد الملك، وليس عبد الملك بن مروان،
стр. 61
وكان الناس يقفون عندها في يوم عرفة، حيث كانت عادة المسلمين في كثير من البلاد حيث كانوا يخرجون إلى أطراف المدينة في هذا اليوم ويشاركون إخوانهم الحجاج في هذا اليوم، بالرغم من أن كثيرًا من العلماء كرهوا هذا الفعل، فالأمر لم يكن مقتصرًا على قبة الصخرة وإنما كان في كل مكان.
ب – لو كان كلام جولد تسيهر صحيحًا على فعل عبد الملك بن مروان، لما سكت علماء الأمة من ذلك الوقت وإلى يومنا على ذلك، لأن منع الناس من الحج لبيت الله وإنشاء مكان آخر للحج فيه يعد كفرًا، لا يقبل التهاون معه والمجاملة فيه.
ج – يذكر المؤرخون أن الزهري لم يلتق بعبد الملك بن مروان في عهد ابن الزبير، وإنما كان أول لقاء بينهما بعد مقتل ابن الزبير حينما كان شابًا، وإن السنة التي ولد فيها الزهري كانت إحدى وخمسين أو ثمانية وخمسين، وكان مقتل ابن الزبير سنة ثلاث وسبعين، فيكون عمر الزهري عشرين عامًا أو خمسة عشر عامًا، وغير معقول أن يشتهر الزهري في هذه السن المبكرة ثم يفتي بالحج إلى قبة الصخرة بدلاً من الكعبة؟.
د - أما كلام تسيهر أن حديث "لا تشد الرحال" لم يروه غير الزهري فهذا باطل لا أصل له، فقد روي من طرق كثيرة غير طريق الزهري كما أخرجه البخاري ومسلم.
стр. 62
ج – زعمهم التعارض في الأحاديث
يقول جولد تسيهر: "إنه لا توجد مسألة خلافية سياسية أو اعتقادية إلا ولها اعتماد على جملة من الأحاديث ذات الإسناد القوي" (١) .
إن تعارض الأحاديث وقوة صحتها لا تعني بأي حال أنها موضوعة أو غير صحيحة، فمن المعلوم أن التعارض الظاهري بين بعض الأحاديث إنما نتيجة بعض الأسباب:
١ – أن الفعل الذي يُروى مرتين بشكل مختلف ربما يكون لكل واحد منهما حالة خاصة أو ظروف خاصة بالوضع الذي كان فيه الصحابي، أو بحسب حال الصحابي الذي كان يسأل النبي ﷺ ، وهذا لا يعني أبدًا أن هناك تناقضًا في الأحاديث، مثل الحديثين: "الوضوء من مس الذكر" و"هل هو إلا بضعة منك".
٢ – ومنها أن يفعل النبي ﷺ الفعل على وجهين إشارة إلى الجواز، فيروي صحابي ما شاهده في المرة الأولى، ويرويه آخر ما شاهده في المرة الثانية، مثل أحاديث الوتر أنها سبع أو تسع أو إحدى عشرة.
٣ – منها اختلاف الصحابة في فهم مراد النبي ﷺ من الحديث، فبعضهم يفهمه بالوجوب والآخرون يفهمونه بالاستحباب.
٤ – منها اختلاف الصحابة في حكاية حال شاهدوها من رسول الله ﷺ مثل اختلافهم في حجة الرسول ﷺ هل كان فيها قارنًا أو مفردًا أو
стр. 63
متمتعًا؟ وكل ذلك حالات يجوز أن يفهمها الصحابة من النبي ﷺ ، فكل يحكم بما يرى.
٥ – ومنها نسخ الحكم السابق بحكم لاحق وهذا كثير كما في بعض أحكام حَدِّ الزاني.
وقد بيّن علماء الأمة أسباب اختلاف الحديث فما كان سببه الوضع بَيَّنوه وما كان سببه شيئاً آخر بينوه أيضًا، وقد صنفوا في ذلك كتبًا ومراجع (١) .
وهذا بيان واضح لمعرفة أسباب الاختلاف والتعارض بين بعض الأحاديث ليعلم الناس ذلك، ويكون حجة في وجوه المغرضين الذين يثيرون مسألة التعارض بوصفها مسألة أحاديث صحيحة وغير صحيحة.
وإذا وجد تعارض، بيّن أهلُ العلم حَلَّ هذا التعارض وفق قواعد معلومة لدى أئمة الحديث، عرفت ب (مختلف الحديث) . وخلاصتها أن ينظر في الأحاديث المتعارضة هل يمكن الجمع بينهما؟ فإن كان كذلك فيحمل كل واحد منهما على محمل خاص؟ فإن لم يمكن الجمع بينهما نظر في التاريخ، هل أحدهما متأخر والآخر متقدم، فيكون المتأخر ناسخاً، والمتقدم منسوخاً وإن لم يعلم المتأخر من المتقدم عمل بترجيح أحدهما على الآخر وفق المرجحات المعروفة عند المحدثين (٢) ، وإن لم يمكن الترجيح بحيث تساوت طرق الحديثين فيتوقف فيه -إن وجد- وهو الذي يسمّى بالحديث المضطرب إلى حين يتبين الترجيح.
стр. 64
د – زعمهم أن الأحاديث النبوية هي نتيجة التطور الديني
يقول جولد تسيهر: "إن القسم الأكبر من الحديث ليس صحيحًا ما يقال من أنه وثيقة للإسلام في عهده الأول عهد الطفولة، ولكنه أثر من آثار جهود الإسلام في عهد النضوج" (١) .
ويقول بروكلمان: "كان محمد ﷺ وأصحابه يصلون مرتين في اليوم في مكة، أو ثلاث مرات في المدينة كاليهود، ثم جعلت الطقوس المتأخرة المتأثرة بالفرس عدد الصلوات في اليوم خمسًا" (٢) .
ويقول أيضًا: "القسم الأعظم من الحديث المتصل بسنة الرسول لم ينشأ إلا بعد قرنين من ظهور الإسلام، ومن هنا تعين اصطناعه مصدراً لعقيدة النبي نفسه"
ويقول برنارد لويس: "لقد استحدثت طرق جديدة في الحياة مع مرور الزمن وتوسع البلاد الإسلامية، وظهرت حاجات أدت إلى أوضاع غريبة تمامًا على الحياة البسيطة والفكر الذي كان سائدًا في عصر الصحابة – وبالإضافة إلى ذلك فإن الأحداث الغريبة والتأثيرات الأجنبية التي كان لا بد من استيعابها وهضمها كان لا بد أن تحدث خللاً في التمسك بالمفهوم الجامد للسنة على أنها المعيار الوحيد للصدق والعدل" (٣) .
إن هذا الكلام فيه كثير من اللغط والافتراء، لأن وفاة الرسول ﷺ لم تكن
стр. 65
في منتصف طريق دعوته إلى الله، وإنما كان بعد أن أدى الرسالة وبلغ الأمانة، حتى نزل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة: ٣] . وقال ﵊: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه" (١) وهذا يدل على أن التحاق النبي ﷺ بالرفيق الأعلى كان بعد أدائه رسالة ربه للناس، وهذا يعني أن هذا الدين أُرسيت أصوله وأحكامه الثابتة في الحياة، وكان شريعة واضحة المعالم، لم تكن فيه مبهمات أو غموض أو أسرار، وإنما كان بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وإن التطور الذي حدث بعد عهد الرسالة كان في بعض الفروع والجزئيات التي ظهرت عندما توسعت رقعة الخلافة الإسلامية، وعندما فتح المسلمون البلاد الأخرى، فكان لا بد أن تعتريهم بعض الحوادث الجديدة التي لم يكن لها نص في القرآن أو السنة، فتعامل العلماء معها بطرق علمية متينة وقواعد معلومة تستند إلى كتاب الله وسنة رسوله، كالإجماع والقياس وغيرهما من مصادر التشريع الإسلامي.
ومن ناحية أخرى لو نظر الإنسان إلى هذا الدين منذ عهد النبوة إلى الآن سيجد فيه حجة قوية على بقاء الأصول على حالها منذ ذلك الوقت، ووحدة المسلمين في أداء عباداتهم وشعائرهم مع اختلاف يسير في بعض فروعها، في
стр. 66
جميع أرجاء العالم رغم تباين أقطارهم واختلاف لغاتهم وتمايز أعراقهم وأجناسهم، ولو كانت الأحاديث النبوية نتيجة التطور الديني والاجتماعي كما يدعي هؤلاء القوم، لوجدنا المسلمين في كل بلد بل في كل منطقة يختلفون في كيفية أداء الصلوات وعدد ركعاتها وأوقاتها وكذلك الصيام والحج وغيرها من العبادات، ولكن الله تعالى أراد لهذا الدين أن يكون هكذا إلى يوم الدين؛ لأنه جل ثناؤه تكفل بحفظه وحمايته، من أيادي الانحراف والتزييف والتضليل.
وهذا الإيجاز كاف لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
هـ- الطعن في منهج المحدثين في النقد
- في سند الحديث ومتنه:
يقول شاخت: "إن أكبر جزء من أسانيد الأحاديث اعتباطي، ومعلوم لدى الجميع أن الأسانيد بدأت بشكل بدائي ووصلت إلى كمالها في النصف الثاني من القرن الثالث، وكانت الأسانيد لا تجد أدنى اعتناء، وأي حزب يريد نسبة آرائه إلى المتقدمين كان يختار تلك الشخصيات ويضعها في الإسناد" (١) .
يقول جولد تسيهر: "نقد الأحاديث عند المسلمين قد غلب عليه الجانب الشكلي منذ البداية فالقوالب الجاهزة هي التي يحكم بواسطتها على الحديث بالصحة أو بغيرها، وهكذا لا يخضع للنقد إلا الشكل الخارجي للحديث،
стр. 67
ذلك أن صحة المضمون مرتبطة أوثق الارتباط بنقد سلسلة الإسناد، فإذا استقام سند حديث لقوالب النقد الخارجي فإن المتن يصحح حتى ولو كان معناه غير واقعي أو احتوى على متناقضات داخلية أو خارجية، فيكفي لهذا الإسناد أن يكون متصل الحلقات وأن يكون رواته ثقات اتصل الواحد منهم بشيخه حتى يقبل متن مرْويّه، فلا يمكن لأحد أن يقول بعد ذلك إني أجد في المتن غموضًا منطقيًا أو أخطاء تاريخية لذلك فإني أشك في قيمة سنده" (١) .
يقول المستشرق الإيطالي (كايتاني) : كل قصد المحدثين ينحصر ويتركز في واد جدب ممحل من سرد الأشخاص الذين نقلوا المروي ولا يشغل أحد نفسه بنقد العبارة والمتن نفسه" (٢) .
ويقول أيضًا: "إن المحدثين والنقاد المسلمين لا يجسرون على الاندفاع في التحليل النقدي للسنة إلى ما وراء الإسناد، بل يمتنعون عن كل نقد للنص، إذ يرونه احتقارًا لمشهوري الصحابة، وقحة ثقيلة الخطر على الكيان الإسلامي" (٣) .
ويقول غوستاف ويت: "قد درس رجال الحديث السنة بإتقان، إلا أن تلك الدراسة كانت موجهة إلى السند ومعرفة الرجال والتقائهم وسماع بعضهم من بعض ... " ثم يقول: "لقد نقل لنا الرواة حديث الرسول ﷺ مشافهة، ثم جمعه الحفاظ ودونوه، إلا أن هؤلاء لم ينقدوا المتن، ولذلك لسنا
стр. 68
متأكدين من أن الحديث وصلنا كما هو عن رسول الله ﷺ من غير أن يضيف عليه الرواة شيئًا عن حسن النية في أثناء روايتهم، ومن الطبيعي أن يكونوا قد زادوا شيئًا عليه في أثناء روايتهم، لأنه كان بالمشافهة" (١) .
أما بالنسبة لشبهاتهم حول الأسانيد فنقول:
ربما كانت شبهات المستشرقين حول أسانيد الأحاديث أقل حظاً إذا قورنت بمثيلتها بالنسبة للمتون، فالقلة من المستشرقين الذين نقدوا الأسانيد لأنهم لم يجدوا فيها ثغوراً يستطيعون أن يثيروا من خلالها الشبهات والادعاءات حول الأحاديث، ليس هذا فحسب بل هناك الكثيرون منهم أشادوا بجهود علماء الحديث واعتنائهم الكبير في الأسانيد ورواة الأحاديث، كما قال غوستاف ويت:"قد درس رجال الحديث السنة بإتقان، إلا أن تلك الدراسة كانت موجهة إلى السند ومعرفة الرجال والتقائهم وسماع بعضهم من بعض ... ".
ولكن رغم ذلك لم يسلم الإسناد من أباطيلهم وشبهاتهم، من أجل ذلك لابد من إلقاء نظرة سريعة حول الإسناد المتَّهم من قبل هؤلاء، لمعرفة حقيقته والمنهج العلمي الذي اتبعه العلماء للوصول إلى الحديث النبوي، وذلك بما يلي:
كان اهتمام علماء الحديث بالأسانيد قبل كل شيء انطلاقا من قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً
стр. 69
بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦] .
فقد روى مسلم عن مجاهد قال: جاء بشير العدوي إلى ابن عباس، فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ ، فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه، ولا ينظر إليه.
فقال: يا ابن عباس! ما لي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله ﷺ ولا تسمع. فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله ﷺ ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف (١) .
فكان لا يؤخذ الحديث من أحد إلا إذا كان ثقة، حتى اشتهر بين المحدثين أن السند للخبر كالنسب للمرء. والحديث الذي ليس له سند ليس بشيء.
ومعروف عن ابن سيرين قوله: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم (٢) .
وقول عبد الله بن المبارك: الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء (٣) .
وكان الإسناد علم بذاته من علوم الحديث اعتنى به علماء الأمة عناية مميزة؛ لأنه سند السنة التي هي المصدر التشريعي الثاني بعد القرآن الكريم، وقد تفردت الأمة الإسلامية بهذا العلم وهذه المنهجية في أخذ الأخبار والروايات
стр. 70
بخلاف جميع أمم الأرض وأديانها الأخرى حيث اعتمدت على المشافهة والروايات التي اختلط فيها الحق بالباطل، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:"وعلم الإسناد والرواية مما خص الله به أمة محمد ﷺ وجعله سُلَّماً إلى الدراية. فأهل الكتاب لا إسناد لهم يأثرون به المنقولات. وهكذا المبتدعون من هذه الأمة أهل الضلالات. وإنما الإسناد لمن أعظم الله عليه المنة أهل الإسلام والسنة، يفرقون به بين الصحيح والسقيم والمعوج والقويم. وغيرهم من أهل البدع والكفار إنما عندهم منقولات يأثرونها بغير إسناد. وعليها من دينهم الاعتماد وهم لا يعرفون فيها الحق من الباطل ولا الحالي من العاطل. وأما هذه الأمة المرحومة وأصحاب هذه الأمة المعصومة، فإن أهل العلم منهم والدين هم من أمرهم على يقين، ظهر لهم الصدق من المَين كما يظهر الصبح لذي عينين" (١) .
وقد فاقت جهود الصحابة وعلماء الأمة من بعدهم التصور البشري لشدة اهتمامهم وعنايتهم بالحديث النبوي، فهذا أبو أيوب الأنصاري ﵁ يسافر من المدينة إلى مصر من أجل أن يتأكد من صحة حديث يحفظه عن رسول الله ﷺ ، وذلك من عقبة بن عامر ﵁. وهذا الحديث في الستر على المؤمن، فعن عطاء ابن أبي رباح قال: خرج أبو أيوب الأنصاري إلى عقبة بن عامر، يسأله عن حديث سمعه من رسول الله ﷺ ولم يبق أحد سمعه من رسول الله ﷺ غيره وغير عقبة، فلما قدم إلى منزل مسلمة بن مخلد الأنصاري (وهو أمير مصر) فأخبره فعجل عليه، فخرج إليه فعانقه، ثم قال
стр. 71
له: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ فقال: حديث سمعته من رسول الله ﷺ لم يبق أحد سمعه من رسول الله ﷺ غيري وغير عقبة، فابعث من يدلني على منزله، قال: فبعث معه من يدله على منزل عقبة، فأخبر عقبة، فعجل فخرج إليه فعانقه، فقال: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ فقال: حديث سمعته من رسول الله ﷺ لم يبق أحد سمعه من رسول الله ﷺ غيري وغيرك في ستر المؤمن، قال عقبة: نعم سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من ستر مؤمنا في الدنيا على خزية، ستره الله يوم القيامة" فقال له أبو أيوب صدقت. ثم انصرف أبو أيوب إلى راحلته، فركبها راجعاً إلى المدينة، فما أدركته جائزة مسلمة بن مخلد إلا بعريش مصر (١) .
ويقول سعيد بن المسيب أحد كبار التابعين: إني كنت لأسافر مسيرة الأيام والليالي في الحديث الواحد (٢) .
إن علماء الحديث قد وضعوا للإسناد قواعد وأصولاً علمية دقيقة للوصول إلى الأحاديث الصحيحة وترك غيرها من الضعيفة والموضوعة، وقسم هذا الإسناد إلى أقسام من حيث القبول أو الرد. فمن الأشياء التي وضعوها على سبيل المثال لا الحصر للراوي، ما يلي:
١- صفة من تقبل روايته ومن ترد: وقد اشترطوا للراوي العدالة والضبط، يقول ابن الصلاح:"أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلاً ضابطاً لما يروي. وتفصيله: أن
стр. 72
يكون مسلماً بالغاً عاقلاً سالماً من أسباب الفسق وخوارم المروءة، متيقظاً غير مغفل، حافظاً إن حدَّث من حفظه، ضابطاً لكتابه إن حدَّث من كتابه. وإن كان يحدث بالمعنى اشترط فيه مع ذلك أن يكون عالما بما يحيل المعاني".
فقد اشترطوا في العدالة: الإسلام: لقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢] والمسلم من أهل الرضا، وغيره ليس من أهل الرضا، وبذلك لا يقبل حديث من راو كافر. وكذلك: البلوغ والعقل: لأنهما شرطان لتحمل التكاليف الشرعية وليتم ضبط الكلام وصدقه، فلا تقبل رواية الصبي والمجنون. والتقوى: وفيها اجتناب الكبائر وترك الإصرار على الصغائر. والدليل على اشتراط التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] . فلا يقبل خبر الفاسق الذي يرتكب المعاصي ولاسيما الكبيرة منها. ويدخل في ذلك المبتدع فلا تقبل روايته.
فقد روي عن أبي بن كعب حديث مرفوع في فضل القرآن سورة سورة، من أوله إلى آخره. فقد روى السيوطي عن المؤمل بن إسماعيل قال: حدثني شيخ به، فقلت للشيخ: من حدثك به؟ فقال: حدثني رجل بالمدائن وهو حيّ، فصرت إليه فقلت من حدثك؟ فقال حدثني شيخ بعبادان فصرت إليه. فأخذ بيدي، فأدخلني بيتاً، فإذا فيه قوم من المتصوفة، ومعهم شيخ، فقال: هذا الشيخ حدثني، فقلت: يا شيخ من حدثك: فقال: لم يحدثني أحد، ولكنا رأينا
стр. 73
الناس قد رغبوا عن القرآن فوضعنا لهم هذا الحديث (١) .
وأما شرط الضبط فيعرف بالمقاييس التي حددها العلماء كما يقول ابن الصلاح:"أن نعتبر رواياته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان، فإن وجدنا رواياته نادرة عرفنا حينئذ كونه ضابطاً، وإن وجدناه كثير المخالفة لهم عرفنا اختلال ضبطه ولم نحتج بحديثه".
فإذا تحقق شرط العدالة والضبط في الراوي فيجب أخذ روايته والعمل بحديثه ويطلق عليه عندئذ (ثقة) .
٢- الجرح والتعديل: والجرح: هو الطعن في راوي الحديث بما يسلب أو يخل بعدالته أو ضبطه. والتعديل: عكسه، وهو تزكية الراوي والحكم عليه بأنه عدل أو ضابط (٢) .
وهناك شروط وآداب للجارح والمعدل، وشروط لقبول الجرح والتعديل أو رده، ومراتب الجرح والتعديل، وألفاظ الجرح والتعديل التي يعتمد عليها العلماء، وغيرها من الشروط التي يطول بنا المقام لسردها. لا نريد التوسع فيها.
٣- الثقات والضعفاء: وقد ألفت مؤلفات في الثقات والضعفاء، لمعرفة أشخاص الإسناد وبالتالي معرفة درجة الحديث صحة وضعفاً، فمما أُلّف في الثقات: كتاب"الثقات" للإمام أبي حاتم محمد بن حبان البستي (المتوفى سنة ٣٥٤هـ) ، وكتاب"الثقات" للإمام أحمد بن عبد الله العجلي المتوفى سنة
стр. 74
٢٦١هـ، و (كتاب تذكرة الحفاظ) للإمام الحافظ شمس الدين محمد الذهبي (المتوفى سنة ٧٤٨هـ) . وما أُلّف في الضعفاء: "الكامل في الضعفاء" للحافظ الإمام أبي أحمد عبد الله بن عَديّ (المتوفى سنة ٣٦٥هـ) وكتاب (ميزان الاعتدال في نقد الرجال) للإمام الذهبي، و (لسان الميزان) للحافظ ابن حجر العسقلاني. وغيرها كثير من الكتب التي تحدثت عن الثقات والضعفاء (١) .
في نهاية المطاف نقول لهؤلاء المستشرقين إن المقياس الذي يقاس به رواة الحديث مقياس علمي ودقيق، حيث تطرق إلى حال الرواة من جميع النواحي الدينية والعقلية والذهنية والصحية والاجتماعية، والأخلاقية، ووضع لهم عبر هذا المقياس مراتب ودرجات عن طريق الجرح والتعديل، وألفت عنهم الكتب والمصنفات لبيان حالهم، عبر هذه المسيرة العلمية الدقيقة والشاقة لحال الإسناد، وصلت إلينا الأحاديث صافية وخالية من الكذب والتحريف أو الزيادة والإضافات من قبل الرواة أو غيرهم.
فهل بعد هذا يمكن أن يقال: إن جزءاً من أسانيد الأحاديث اعتباطي أو أنها لم تجد عناية أو قوالب جاهزة أو نحو ذلك؟!!
وأما فيما يتعلق بشبهاتهم حول متون الأحاديث فنقول:
إذا قرأنا ما ذكره علماء الحديث من قواعد لنقد الحديث وقبوله، لعلمنا أن ما يردده المستشرقون إنما هو محض افتراء وتكذيب، فقد ملئت كتب بهذه القواعد التي تدل على الاعتناء الكبير، والحرص الشديد لعلماء الأمة بالحديث سندًا ومتنًا، ولكن هيهات للعدو الحاقد أن يقر بالحق الذي هو كالشمس في
стр. 75
رابعة النهار، ومنها ما ذكره الدكتور مصطفى السباعي ﵀ مثل:
"١ – ألا يكون ركيك اللفظ، بحيث لا يقوله بليغ أو فصيح.
٢ – ألا يكون مخالفًا لبدهيات العقول، بحيث لا يمكن تأويله.
٣ – ألا يخالف القواعد العامة في الحِكَم والأخلاق.
٤ – ألا يكون مخالفًا للحس والمشاهدة.
٥ – ألا يخالف البدهي في الطب والحكمة.
٦ – ألا يكون داعية إلى رذيلة تتبرأ منها الشرائع.
٧ – ألا يخالف المعقول في أصول العقيدة من صفات الله ورسله.
٨ – ألا يكون مخالفًا لسنة الله في الكون والإنسان.
٩ – ألا يشتمل على سخافات يصان عنها العقلاء.
١٠ – ألا يخالف القرآن أو محكم السنة أو المجمع عليه أو المعلوم من الدين بالضرورة، بحيث لا يحتمل التأويل.
١١ – ألا يكون مخالفًا للحقائق التاريخية المعروفة عن عصر النبي ﷺ .
١٢ – ألا يوافق مذهب الراوي الداعية إلى مذهبه.
١٣ – ألا يخبر عن أمر وقع بمشهد عظيم ثم ينفرد راو واحد بروايته.
١٤ – ألا يكون ناشئًا عن باعث نفسيّ، حمل الراوي على روايته.
١٥ – ألا يشتمل على إفراط في الثواب العظيم على الفعل الصغير، والمبالغة بالوعيد الشديد على الأمر الحقير" (١) .