← Адаб

Адаб · id 753

معجز أحمد

أبو العلاء المعري

Полный текст (475 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

معناه: أن ما يأخذونه بالسؤال والملق حصل له بتقبيل الأيادي؛ لأن شجاعته معه، وفي أعدائه كثرة، فإن ذهب ما في يده رجع إلى أعدائه وغار عليهم واكتسب أموالهم. وقيل: هو ملك يضرب هام الشجعان، وماله قليل، مثل مال من يكسب في الملق، لتسلط الجود عليه وتركه لادخار الأموال. كن لجةً أيها السماح فقد ... آمنه سيفه من الغرق يخاطب السماح ويقول له: كن أعظم ماشئت، فإن الممدوح لا يخشى أن يفرق ماله، لأن سيفه قد أمنه من ذلك، لأنه كلما نفذ ماله أخلف عليه سيفه مثله وأكثر منه، من مال أعدائه. والهاء في منه وسيفه للممدوح. وانتسب له أي لأبي العشائر بعض من رماه أي المتنبي على باب سيف الدولة في الليلة التي نشرحها بعد قوله: وأحر قلباه ممن قلبه شيم وانتسب إلى أبي العشائر وذكر أنه هو الذي أمرهم بذلك فقال أبو الطيب: ومنتسبٍ عندي إلى من أحبه ... وللنبل حولي من يديه حفيف حفيف النبل: صوته. يقول: رب رام قصدني سهامه، وانتسب إلى من أحبه وقت رميه، وأنا أسمع حولي حفيف نبله. فهيج من شوقي وما من مذلةٍ ... حننت ولكن الكريم ألوف يقول: لما ذكر لي أبا العشائر هيج شوقي إليه، ولم يكن حنيني إليه من ذل أو حزن، ولكني ألوفٌ، والكريم يألف إلى من أحسن إليه. وكل ودادٍ لا يدوم على الأذى ... دوام ودادي للحسين ضعيف يقول: كل وداد لا يكون دائماً على الأذى ممن يؤذيه، كما دام ودادي لأبي العشائر، فهو ود ضعيف. فإن يكن الفعل الذي ساء واحداً ... فأفعاله اللائي سررن ألوف يقول: إن ساءني فعله مرة، فالذي سرني من أفعاله المواضي وأياديه السوالف، ألوف. ونفسي له نفسي الفداء لنفسه ... ولكن بعض المالكين عنيف العنيف: ضد الرفيق. يقول: نفسي له. أي أنا عبده فليصنع بي ما أحب! ثم قال: نفسي فداء له. ثم عرض به فقال: ولكن بعض المالكين عنيف أي أنه لما ملك عنف عليها، وأراد إتلافها وكان حقه أن يرفق بها. تمت الشاميات الجزء الثالث السيفيات وقال أبو الطيب يمدح سيف الدولة: أبا الحسن علي بن عبد الله بن حمدان ابن حمدون بن الحارث العدوي. عند نزوله أنطاكية ومنصرفه من الظفر يحصن برزويه، في جمادى الآخر سنة ٣٣٧ وكان جالساً تحت شراع ديباج: وفاؤكما كالرّبع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا والدّمع أشفاه ساجمه خاطب صاحبيه، وقد لاماه على البكاء على الربع فقال: وفاؤكما بإسعادي كالربع أشجاه دارسه. والطاسم والطامس بمعنى الدارس. وأشجاه: أشده شجوا، والشجو: الحزن. أي: لا أبكي الربع وصرت أبكي وفاءكما معه! وقال الشيخ أبو الفتح ابن جني: وهذا لفظه أملاه إملاء. وطسم يطسم طسما فهو طاسم إذا درس والخمحت آثاره وكذلك طمس يطمس فهو طامس طامس، وسجم الدمع فهو ساجم: إذا سال. وقوله: وفاؤكما خطاب للاثنين، وإنما كثر ذلك في كلام العرب لأن أقل رفقه عندهم ثلاثة، فلهذا قالوا الواحد شيطان والاثنان شيطانان، والثلاثة رفقه. وربما يخاطب الواحد بخطاب الاثنين والجماعة: تفخيماً له. أو إذا أراد تكرير الخطاب وتفصيل ما حكاه ابن جني عن المتنبي في معناه: أن صاحبيه واعداه بالمساعدة في البكاء على ربع حبيبه، والوقوف معه على أطلاله، ثم لم يفيا بما واعداه، فقال: وفاؤكما بالمساعدة دارس كهذا الربع الدارس. وقوله: أشجاه طاسمه أي كل ما كان منه طامساً كان أشجى بقلبي، كذلك وفاؤكما كلما رأيته دارساً زاد في شجوي وحزني.

стр. 212

وذكر صاحب الجليل؟ في تلخيص هذا المعنى. ما هو في العموم مثل كلام أبي الطيب فقال معناه: يا خليلي وفاؤكما بأن تسعداني، كهذا الربع كلما أبصرته أشجاني، وفي قوله: والدمع أشفاه ساجمه إشارة إلى أن صاحبيه غدرا معه في البكاء. فقال: إنما يشفي الدمع من الصبابة إذا كان ساجما، وكلما كان أجرى كان الشوق أشفى، والباء في قوله: بأن تسعدا متعلقة بمحذوف ولا يجوز تعلقها بقوله: وفاؤكما لأنك حينئذ فرقت بين الموصول والصلة، لأنك إذا قدرت البيت على قوله: وفاؤكما بأن تسعدا كالربع أشجاه طاسمه كانت الباء وما بعدها صلة وفاؤكما، وقد فرق بينهما بقوله: كالربع فيجب أن يضمر بعد المصدر. وهو قوله: وفاؤكما ما يتعلق به ويجعل بأن تسعدا تفسيراً له. وتقديره: وفاؤكما بأن تسعدا، ثم يحذف هذا، ويجعل الثاني تفسيراً له ومثل هذا كثير في صناعة الإعراب. وما أنا إلاّ عاشقٌ كلّ عاشقٍ ... أعقّ خليليه الصّفيّين لائمه الصفيين: الذي يصفى لك المودة من الغش، فيكون بمعنى المصفى. فقيل بمعنى مفعل. يقول: أنا عاشق. فقال: كل عاشق أعق خليليه الصفيين: من يلومه، فمن لا منى منكما كأنه قد عقني، وروى: وما أنا إلا عاشق كل بنصب اللام. ومعناه: أنا عاشق كل عاشق، بعد لوم خليليه له عقوقا منهما إليه وهذا أبلغ من الأول، ومثل هذا:؟ وإني لأعشق من عشقكم نحولي وكلّ امرئٍ ناحل وقد سئل أبو الطيب عن هذا فقال: إن الخليل الصفي لا يكون عاقا، وأفعل لا يضاف إلا إلى ما هو بعضه. وقيل: معناه: إذا لام لم يكن خليلا مصافياً عند العاشق؛ لأنه قصد إساءته فكأنه قال وكل عاشق إذا لامه خليله، كان أعق له من عدوه. وقد يتزيّا بالهوى غير أهله ... ويستصحب الإنسان من لا يلائمه يتزيا: يتكلف يتفعل من الزي، وهو الهيئة، أي يجعل الهوى زيا له. يقول: ربما يظهر الإنسان من نفسه أنه عاشق، وليس هو بعاشق حقيقة، كما أن الإنسان قد يصحب من لا يوافقه. يعني: أنا عاشق على الحقيقة ولست في دعواي متكلفاً. بليت بلى الأطلال إن لم أقف بها ... وقوف شحيحٍ ضاع في التّرب خاتمه يدعو على نفسه بالهلاك إن لم يطل الوقوف على أطلال دار المحبوبة. وقد عيب عليه هذا البيت. وقيل: هذا يدل على تحمله مع دناءة همته، وعظم خطر الخاتم في عينه. وإلى كم يكون وقوف الشحيح على خاتمه ولو كان ألأم الناس، حتى يجعل ذلك غاية الوقوف على أطلال دار الحبيب؟. وأحسن ما يمكن أن يقال إنما أراد: أنا أقف بها وقوفاً زائداً على عادة من وقف قبلي على أطلال حبيبة، كما أن وقوف الشحيح إذا ضاع خاتمه يكون زائداً على وقوف غيره، وطلبه له أشد. قيل: إنما خص الخاتم لأنه ربما كان فضة كثيرة القيمة حليل الخطر وهذه صفته. فالوقوف على طلبه يدوم، والبحث عنه يطول من كل واحد، وهو من الشحيح أكثر، ومنه أطول. كئيباً توقّاني العواذل في الهوى ... كما يتوقّى ريّ؟ ض الخيل حازمه نصب كئيباً على الحال. والكئيب: هو الحزين. والريض: الصعب الذي لم يرض. والحازم: الذي يشد الحزام. والهاء فيه تعود إلى الريض. يقول: إن لم أقف وأنا كئيب والعواذل يريدون عذلي ويحذرون مني كما يحذر الرجل من الفرس الصعب، إذا أراد شد الحزام عليه، فهو يداريه حذراً أن يرمحه، فكذلك العواذل يحذرون صولته. قفي تغرم الأولى من اللّحظ مهجتي ... بثانيةٍ والمتلف الشّيء غارمه الأولى في موضع الرفع لأنها فاعلة تغرم. يقول: إنك لحظتني لحظة فأتلفت بها نفسي، فاغرميها بلحظة ثانية؛ تحييني بها، كما أتلفت مهجتي بلحظتك الأولى؛ فإن من أتلف شيئاً غرمه. سقاك وحيّانا بك الله إنّما ... على العيس نورٌ والخدور كمائمه الهاء: للنور، والنور: الأبيض من الزهر. والكمائم: جمع كمامة وهو وعاء الزهر قبل أن يتفتح. شبه النساء بالنور، والهوادج بالكمائم، ولما جعلها نوراً دعا لها بالسقيا، وجعله تحية لها، كما يحيي الصديق صديقه بالورد والريحان. ومعناه: رزقنا الله وصلك والتلذذ بطيبك. ومثل آخر هذا البيت قول الآخر وهو: ولم أر كالأظعان يوم رحيلهم ... وأحداجهم تحكي الكمائم في الورد وقريب من بيت أبي الطيب قول السري بن أحمد الرفاء. حيّا به الله عاشقيه فقد ... أصبح ريحانةً لمن عشقا

стр. 213

وما حاجة الأظعان حولك في الدّجى ... إلى قمر؟ ما واجدٌ لك عادمه الأظعان: الراحلون، والهاء في عادمه للقمر. يقول: الراحلون معك في ظلمة الليل، لا يحتاجون إلى ضوء القمر؛ لأن من وجدك فقد وجد القمر. إذا ظفرت منك العيون بنظرةٍ ... أثاب بها معيي المطيّ ورازمه ثاب وأثاب: بمعنى. أي أرجع. والمعيي: الرازم، وجمعهما لاختلاف اللفظتين. وقيل الرازم: الذي قد قام من الإعياء. يقول: إن الإبل المعيية إذا نظرت إليك عادت إليها نفسها، فكيف نحن مع شدة شوقنا إليك! فهو أولى بنا. حبيبٌ كأنّ الحسن كان يحبّه ... فآثره أوجار في الحسن قاسمه روى في الحكم وفي الحسن والهاء في يحبه للحبيب، وكذلك في آثره وفي قاسمه للحسن. يقول: كان الحسن يحب هذا الحبيب، فآثره على غيره وخصه بزيادة الحسن وبدائعه، أو جار من قسم الحسن في قسمته، فأعطى هذا الحبيب أكثر مما أعطى غيره. تحول رماح الخطّ دون سبائه ... وتسبى له من كلّ حيّ كرائمه الهاء في كرائمه تعود إلى حي وهو جمع كريمة. يقول: إن الرماح تحول بين هذا الحبيب وبين من أراد سباءه؛ لعزة قومه وتسبى الرماح له من كل حي كرائمه. ويضحى غبار الخيل أدنى ستوره ... وآخرها نشر الكباء الملازمة الكباء: العود والبخور، والنشر: الرائحة الطيبة، والهاء في ستوره للحبيب وفي آخرها للستور وفي ملازمه لآخرها. يقول: عليه ستور كثيره، فأدناها إلينا غبار الخيل التي تركض حوله، وآخرها داخلها يلازمه ريح العود ودخانه. وما استغربت عيني فراقاً رأيته ... ولا علّمتني غير ما القلب عالمه يعني: ليس هذا بأول فراق رأيته فأستغربه، بل رأيت مثله كثيراً، والهاء في عالمه راجعة إلى ما. فلا يتّهمني الكاشحون فإنّني ... رعيت الرّدى حتّى حلت لي علاقمه العلقم: شجر مر، وأراد به ها هنا الشدائد. يقول: لا يتهمني الأعداء على الردي، أني أضعف عن احتماله، فإني قد تعودته وقاسيت أمثاله، حتى حلا في فمي كل مر، وهان علي كل صعب. مشبّ الّذي يبكي الشّباب مشيبه ... فكيف توقّيه وبانيه هادمه؟! المشب: الذي يشب ويأتي بالشباب. والمشيب: الذي يأتي بالمشيب، والضمائر كلها تعود إلى الذي ويجوز أن يكون في مشيبه يعود إليه فقط، وفي توقيه وبانيه وهادمه يعود إلى الشباب. يقول: إن الذي يبكي الشباب لا ينفعه، فإن الشيب الذي صيره شاباً، هو الذي أفضى به إلى المشيب، وهو الحياة، فإنه تنقله من حال إلى حال، فكيف نقدر على الاحتراز منه؟! وهو الشيء الذي به بقاؤه وبه فناؤه. وقيل: هو الله تعالى الذي يأتي بالشباب والشيب. وقيل أراد به: الدهر على ما جرت عادته في نسبة الحوادث إليه. وتكملة العيش الصّبا وعقيبه ... وغائب لون العارضين وقادمه له معنيان: أحدهما: أن كمال العيش إنما هو في الصبا وفيما يعقب الصبا، فأما أيام الشيب فلا تعد من العيش، لأنها مشوبة بالأحزان والأسقام. وقوله: وغائب لون العارضين وقادمه يعني أن هذا تكملة العيش، وأراد به حال نقاء العارض من الشعر، ثم غاب ذلك وقدم عليه بياض الشيب والشعر. وهذا أحسن. والثاني: أن المراد به أن جميع العمر ما ذكر من هذا البيت وهو: أيام الصبي، ثم عقيبة الشباب، وبعده بياض الشعر بعد سواده، وهو أيام الشيب. والهاء في قادمه تعود إلى اللون. قال ابن جني: سألته وقت القراءة عليه: أيقال تكملة العيش لجميعه؟ قال: هو جائز لأنه بالجميع يكمل. وما خضّب النّاس البياض لأنّه ... قبيحٌ، ولكن أحسن الشّعر فاحمه الفاحم: الشديد السواد. يقول: إن الناس لا يخضبون البياض لأنه قبيح، بل هو حسن، ولكن الشعر الأسود أحسن في مرأى العين؛ لدلالته على فتى السن، والبياض يدل على الهرم. وأحسن من ماء الشّبيبة كلّه ... حيا بارقٍ في فازةٍ أنا شائمه الحيا: المطر، والبارق: السحاب الذي فيه برق. والفازة: الخيمة. وشمت البرق: إذا نظرت مخايله. والهاء في شائمه تعود إلى الحيا. يقول: مطر سحابة في خيمة، وأنا أنظر إليه، أحسن من ماء الشباب، لأني أنال به من السرور واللذات، ما لا أناله بالشباب. عليها رياضٌ لم تحكها سحابةٌ ... وأغصان دوحٍ لم تغنّ حمائمه

стр. 214

عليها: أي على الفازة. شبه النقوش التي عليها بالرياض المنورة، وقوله: لم تحكها أي ليست هذه الرياض من صنعة الغيث والسحاب، ولكنها من صنعة البشر، وعليها صور أغصان أشجار عليها حمائم، لكنها صامتة لا تتغنى ولا تتغرد. والهاء في حمائمه للدوح. وفوق حواشي كلّ ثوبٍ موجّهٍ ... من الدّرّ سمطٌ لم يثقّبه ناظمه الهاء في ناظمه للسمط. يقول: على حواشي كل ثوب ذي وجهين عقد منظوم من الدر، غير أن ناظمه لم يثقبه؛ لأنه ليس بدر على الحقيقة، بل نقش على صورة خلقة الدر. ترى حيوان البرّ مصطلحاً بها ... يحارب ضدّ ضدّه ويسالمه يعني: عليها تصاوير الحيوان من كل جنس. كالسباع والوحوش والفرسان، فمرة يصالح الضد ضده، ومرة يحاربه، لأنه ربما يتصل تارة وينفصل أخرى عند ضرب الريح إياها. وقيل: أراد أن عليها صور سباع تفترس وحوشا، فهي في صور المحارب ولكنها مسالمة، لا يقدر بعضها على بعض، فهي محاربة ومسالمة في وقت واحد. إذا ضربته الرّيح ماج كأنّه ... تجول مذاكيه وتدأى ضراغمه تدأى: أي تختل، وقيل: تسرع. والهاء في ضربته وفيما بعده: تعود إلى قوله: كل ثوب موجه وقيل: تعود إلى الحيوان. يقول: إن الريح إذا ضربت هذا الثوب ماج: أي اضطرب، فحسبته خيلا تجول، وسباعاً تصول، وهو المراد بقوله: تدأى ضراغمه أي الأسود المصورة عليه. وفي صورة الرّوميّ ذي التّاج ذلّةٍ ... لأبلج لاتيجان إلاّ عمائمه أراد بالرومي: ملك الروم، وكان على الفازة صورته. يقول: في صورة ملك الروم صاحب التاج ذلة: أي خضوع للملك الأبلج، وهو سيف الدولة. والأبلج: المنقطع ما بين الحاجبين. ثم قال: لا تيجان للعرب إلا العمائم والتاج لملوك العجم. تقبّل أفواه الملوك بساطه ... ويكبر عنها كمّه وبراجمه البراجم: المفاصل التي تحت الأنامل، والواحد برجمة، وهي عبارة عن اليد. يعني: أن الملوك إذا رأته قبلت بساطه؛ لأنها لم تكن أهلا لتقبيل يده ولا كمه. قياماً لمن يشفى من الدّاء كليّه ... ومن بين أذنى كلّ قرمٍ مواسمه قياماً: نصب بإضمار فعل. أي: تراهم قياما. وقيل: نصب على الحال. وقوله: يشفى من الداء كيه مثل. ومن؛ بمعنى الذي. المتقدم. والهاء في كيه تعود إلى من الأولى، وفي مواسمه إلى من الثانية. والقرم: الرئيس. يقول: إنه يشفى من الداء كيه ويروض كل صعب. وكل قرم لقيه ولى عنه فآثار سيفه في قفاه وبين أذنيه. تلوح كالسمة. وقيل: معناه: إنه يقهر كل قرم ويسمه سمة ذل وعجز. والمواسم: جمع ميسم وموسم. قبائعها تحت المرافق هيبةً ... وأنفذ ممّا في الجفون عزائمه قبيعة السيف: الفضة التي على قائمة مثل الكرة. والهاء في قبائعها للملوك وفي عزائمه للمدوح. يقول: إنهم قيام بين يديه، وسيوفهم نحن مرافقهم وهم متكئون عليها، ثم قال: عزائم سيف الدولة في الأمور أنفذ من السيوف التي في الجفون. له عسكرا خيلٍ وطيرٍ إذا رمى ... بها عسكرا لم تبق إلاّ جماجمه الوجه أن يقال: إذا رمى بها، ردا للضمير إلى أحد العسكرين. معناه: له عسكر من الخيل، فإذا قصد إلى عسكر عدوه، قتلته الخيل وأكلته الطير، فلم يبق إلا عظام الرءوس. والهاء في جماجمه تعود إلى قوله عسكرا. أجلّتها من كلّ طاغٍ ثيابه ... وموطئها من كلّ باغٍ ملاغمه الملاغم: ما حول الفم. واحدها ملغم. يقول: جلال خيله: ثياب كل طاغ قتله، وموطئها: ملاغم كل باغ. والتأنيث: للخيل: والتذكير: للطاغي والباغي. فقد ملّ ضوء الصّبح ممّ تغيره ... وملّ سواد اللّيل ممّا تزاحمه التاء في تغيره وتزاحمه للخيل. وأراد: مما تغير فيه، فحذف حرف الجر، وأوصل الفعل إليه. يقول: إن الصبح قد مل من كثرة إغارة الممدوح فيه، وسواد الليل قد مل من كثرة سيره فيه، ومزاحمته إياه. وملّ القنا ممّا تدقّ صدوره ... وملّ حديد الهند مما تلاطمه تدق صدوره: أي تكسره. وتلاطمه: أي تضاربه. يقول: إن الرماح والسيوف قد ملت؛ من كثرة ما تطعن بالرماح وتكسرها، وتضرب بالسيوف. سحابٌ من العقبان يزحف تحتها ... سحابٌ إذا استسقت سقتها صوارمه

стр. 215

السحاب: يذكر على اللفظ، ويؤنث على معنى الجمع، فأنث السحاب الأول على المعنى، وذكر الثاني على اللفظ وإقامة القافية. شبه الجيش، والعقبان فوقه، بسحاب يسير تحت سحاب آخر، ثم جعل الأسفل يسقي الأعلى، فجعل الغمام مستقياً، مع أنه يكون ساقياً. سلكت صروف الدّهر حتّى لقيته ... على ظهر عزمٍ مؤيداتٍ قوائمه مؤيدات: محكمات، لما جعل عزمه مركوباً، جعل له ظهراً وقوائما. يقول: ركبت عزمي وسلكت إليه المؤيدات، مفاوز شديدة، كأنها صروف الدهر. يعني: أني قويت عزمي على قصده، فتكلفت الأسفار حتى لقيته. مهالك لم تصحب بها الذّئب نفسه ... ولا حملت فيها الغراب قوادمه مهالك: بدل من صروف الدهر. والقوادم: ريش الجناح المقدمة، وفاعل تصحب: نفسه، ومفعوله: ذئب. وفاعل حملت: قوادمه، والغراب: مفعوله. والضمير: الغراب. يعني: أن هذه المفاوز مهالك وحشة لا يقدر الذئب على قطعها، ولا الغراب على سلوكها؛ لشدتها. ومثله قول الآخر: مهامة لا يسرى بها النّجم وحده ... ولا الطّيف إلاّ خائفاً يترقّب فأبصرت بدراً لا يرى البدر مثله ... وخاطبت بحراً لا يرى العبر عائمه عبر الوادي: شطه. يقول: لما وصلت إليه رأيت بدراً لا يرى البدر الحقيقي مثله، وخاطبت بحراً ليس له عبر ولا نهاية غضبت له لمّا رأيت صفاته ... بلا واصفٍ والشّعر تهذى طماطمه الطماطم: جمع طمطمة، وهي ما لا يفهم من الكلام. يقول: لما رأيت صفاته بلا واصف يصفها بحقائقها، غضبت لهذا الممدوح، فبصرت ببدائع شعري، وصار شعر غيري كالهذيان الذي لا معنى له. فكنت إذا يمّمت أرضاً بعيدةً ... سريت فكنت السّرّ واللّيل كاتمه الهاء في كاتمه للسر. يقول: كنت أسير ليلاً مخفياً سيري، فكنت كأني سر في ضمي الليل، وهو يكتمني عن كل أحد. وهذا البيت من بدائع هذه القصيدة وسيدها، وواسطة قلادتها. لقد سلّ سيف الدّولة المجد معلماً ... فلا المجد مخفيه ولا الضّرب ثالمه يقول: هو سيف سله المجد، ليضرب به رقاب البخل، فالمجد لا يخفيه والضرب لا يثلم حده. على عاتق الملك الأغرّ نجاده ... وفي يد جبّار السّماوات قائمه أي على عاتق الخليفة، لأنه من جملة أوليائه وأنصار دعوته. وقوله: وفي يد جبار السماوات قائمه أي أنه سيف الله يضرب به رءوس من كفر به وعبد إله غيره. تحاربه الأعداء وهي عباده ... وتدّخر الأموال وهي غنائمه! يقول: إن أعداءه يحاربونه، وهم عباده، يعلمون أنه يأسرهم ويستعبدهم ويجمعون الأموال وهم يعلمون أنه يغنمها! ويستكبرون الدّهر والدّهر دونه ... ويستعظمون الموت والموت خادمه يقول: إن الناس يستكبرون أمر الدهر في تصرفه، وهو أكبر منه قوة! ويستعظمون الموت وهو خادمه! يهلك من يأمره بقتله. وإنّ الّذي سمّى عليّا لمنصفٌ ... وإنّ الّذي سمّاه سيفاً لظالمه يقول: من سماه عليا فقد أنصفه؛ لأنه على المنزلة، رفيع المحل، ومن سماه سيفا فقد ظلمه؛ لأنه أمضى من السيف وأعظم تأثيراً منه. وما كلّ سيفٍ يقطع الهام حدّه ... وتقطع لزبات الزّمان مكارمه لزبات: أصله تحريك الزاي، ولكنه خففه وسكنه ضرورة: وهي الشدائد. يقول: من سماه سيفاً إنما ظلمه؛ لأن السيف عمله القطع فقط، وربما ينبو فلا يقطع رقاب الأعداء، والممدوح يكشف شدائد الزمان بمكارمه وبجوده فتسميته بالسيف ظلم؛ لأنه أعم منه نفعاً. وقال أيضاً يمدحه وقد عزم على الرحيل عن أنطاكية: أين أزمعت أيّهذا الهمام؟ ... نحن نبت الرّبا وأنت الغمام الربا: جمع ربوة، وهي ما ارتفع من الأرض. يقول: أي موضع عزمت أن ترحل إليه أيها السيد العظيم الهمة؟ فنحن محتاجون إلى مقامك احتياج نبت الربا إلى مطر الغمام، وخص نبت الربا؛ لأنه أحوج إلى سقيا الغمام، ولأن الروضة إذا كانت على ربوة كانت أحسن وأنضر وأخضر. نحن من ضايق الزّمان له في ... ك وخانته قربك الأيّام

стр. 216

حكى ابن جني عنه قال: أردت أن أقول: ضايقة الزمان، فزدت اللام فقلت: ضايق الزمان له. قال ابن جني: ومثله قوله تعالى: عسى أن يكون ردف لكم أي ردفكم؛ وخان: تعدى إلى مفعولين: أحدهما الهاء في خانته والثاني قربك وفاعله: الأيام. والهاء في له وخانته راجعة إلى من. يقول: إن الزمان ضايقنا فيك، وحسدنا على قربك، فخانتنا الأيام في قربك، وفرقت بيننا وبينك. في سبيل العلا قتالك والسّل ... م وهذا المقام والإجذام الإجذام: سرعة السير، وأصفه قطع الأرض بالأسفار. يقول: كل ما تفعله من قتال وسلم، وإقامة وترحال، يشيد مجدك ويرفع قدرك، فتنال معال مع معاليك. ليت أنّا إذا ارتحلت لك الخيل ... وأنّا إذا نزلت الخيام الخيمة في الأصل: بيت يتخذ في الصيف من الخشب، وأغصان الشجر، ثم استعمل في المضارب وبيوت الشعر مجازاً. يقول: ليتنا كنا خيلك عند ارتحالك، وخيامك عند نزولك، حتى لا نفارقك. وقيل: أراد ليتنا نقيك الأذى من فوق: من الحر والبرد، ومن أسفل: من الخشونة والتعب. كلّ يومٍ لك احتمالٌ جديدٌ ... ومسيرٌ للمجد فيه مقام الاحتمال: الرحيل. يقول: كل يوم تسافر، فالمسير لك مقام المجد والعز. يعني: أنك دائم السعي فيما فيه مجدك. وإذا كانت النّفوس كباراً ... تعبت في مرادها الأجسام أراد بالنفوس: الأرواح والهمم. يقول: إذا كان الإنسان كبير النفس عالي الهمة طلبت همته الأمور العالية، فأتعبت أجسامها في مرادها. وكذا تطلع البدور علينا ... وكذا تفلق البحور العظام يقول: كل رفيع القدر عالي الهمة، لا تدعه همته أن يستقر، كما أن البدر يطلع ولا يفتر عن المسير، وكذلك البحار العظام، لا يسكن موجها وعباؤها. ولنا عادة الجميل من الصّب ... ر لوانّا سوى نواك نسام نسام: أن نكلف. يقول: من عادتنا الصبر الجميل على جور الزمان، ولكنا لا نقدر أن نصبر على فراقك والبعد عنك كلّ عيشٍ ما لم تطبه حمامٌ ... كلّ شمسٍ ما لم تكنها ظلام يقول: إذا لم يطب العيش بقربك، فهو من جملة الموت، وكل شمس سواك فهي ظلام، فطيب عيشنا بقربك، ونور أبصارنا برؤيتك. أزل الوحشة الّتي عندنا يا ... من به يأنس الخميس اللهام الوحشة: انزعاج النفس من الوحدة. والخميس: العسكر الكثير. واللهام: العظيم الذي يلهم كل شيء فيبتلعه ويهلكه. يقول: أزل عنا الوحشة التي نجدها لفراقك، بالمقام علينا. يا من يأنس به الخميس العظيم ويجتمع عيه، وإذا غاب وجد على نفسه. والّذي يشهد الوغى ساكن القل ... ب كأنّ القتال فيها ذمام الوغى: الحرب. والهاء في فيها ضمير لقوله: الوغى لأنه في معنى الحرب وهي مؤنثة. يقول: أزل عنا الوحشة يا أيها الرجل الذي يحضر الحرب، وهو ساكن القلب، حتى كأن القتال - الذي يكون في الحرب - عهد وأمان. والّذي يضرب الكتائب حتّى ... تتلاقى الفهاق والأقدام الفهاق: جمع فهقة، وهي موصل الرأس في العنق، وقيل: هي عظم عند حالق الرأس، مشرف على اللهاة. يقول: إنك تقطع رقاب الفرسان حتى تقع رءوسهم على أقدامهم. وقيل: إنه يقطع الأعضاء حتى يصير الأسفل أعلى والأعلى أسفل. حتى يلتقي طرفا الجسم على ما بعد بينهما. وإذا حلّ ساعةً بمكانٍ ... فأذاه على الزّمان حرام الهاء في أذاه تعود إلى المكان. يقول: إذا نزلت بمكان فلا يؤذى الزمان ذلك المكان، فكأن أذاه على الزمان حرام. والّذي تنبت البلاد سرورٌ ... والّذي يمطر السّحاب، مدام يقول: إن الممدوح إذا حل بمكان، فالذي تنبته أرضها إنما هو السرور، والذي يمطر سحابها إنما هو الخمر. يعني: أنه إذا نزل بمكان أحسن إلى أهله، وبسط العدل فيهم، فاتصل سرورهم، وأمنت نفوسهم. ولما جعل نبات أرضهم سروراً، جعل مطر سحابهم مداماً؛ لأن المدام تولد السرور، كما أن الغيث يولد العشب، والذي مبتدأ وسرور خبره وتنبت صلته، وفاعله: البلاد. وكذلك الكلام في المصراع الثاني. كلّما قيل قد تناهى أرانا ... كرماً ما اهتدت إليه الكرام يقول: كرمه لا نهاية له، فكلما قيل إنه قد بلغ الغاية في الكرم ابتدع كرماً ثانياً، لا يهتدى الكرام إليه، ولا يبلغ خاطرهم إلى بعضه

стр. 217

وكفاحاً تكعّ عنه الأعادي ... وارتياحاً يحار فيه الأنام الكفاح: مباشرة الحرب. يقال لقيته كفاحاً: أي مواجهة. تكع: أي تجبن وتتأخر. وكفاحاً: نصب عطفاً على قوله: أرانا أي أرانا كرما وكفاحاً وارتياحاً. يقول: أرانا شجاعة تعجز عنها أعداؤه، وجوداً يتحير الخلق فيه. إنّما هيبة المؤمّل سيف الدّو ... لة الملك في القلوب، حسام يقول: يهابونه وليس هو سيفا! بل هيبته في القلوب سيف قاطع، حتى لا أحد يعدل عن طاعته. فكثيرٌ من الشّجاع التوقّي ... وكثيرٌ من البليغ السّلام يقول: إن هيبته قد همت الناس، والشجاع الفاتك إذا تحرز منه، فذاك غاية الشجاعة. والخطيب المصقع يستكثر أن يسلم عليه، فضلاً عن أن يبسط في الكلام معه. ومثله للفرزدق: يغضى حياءً ويغضى من مهابته ... فما يكلّم إلاّ حين يبتسم وقال أيضاً عند مسيره عنها وقد نزل المطر في ذلك اليوم. رويدك أيّها الملك الجليل ... تأىّ وعدّه ممّا تنيل رويدك: أي أمهل، وهو اسم للفعل، ولا موضع للكاف. الإعراب: تأىّ أي توقف وهو بدل من رويدك وإن شئت جعلته توكيداً، كأنه قال: رويدك رويدك فكرر المعنى، وخالف بين اللفظين، وروى: تأن أي توقف وتثبت. والهاء في عده ضمير للمصدر، وجل عليه قوله: تأي. يقول: أمهل أيها الملك الجليل، وتوقف وعد وقوفك علينا من بعض صلاتك ونعمك. وجودك بالمقام ولو قليلا ... فما فيما تجود به قليل وجودك: نصب على تقدير: جد جودك، فهو مصدر في موضع الأمر كقوله تعالى: فضرب الرقاب وكذلك قليلا أي ولو فعلته وجدته، فهو صفة لموصوف محذوف. ويجوز نصبه على الحال. ويجوز أن يكون صفة لظرف محذوف. أي ولو زماناً قليلا. يقول: جد علينا بالمقام ولو زماناً قليلا، ثم احترز وقال: كل ما تجود به ليس بقليل؛ لأن لنا فيه نفعاً كثيراً. لأكبت حاسداً وأرى عدوّا ... كأنّهما وداعك والرّحيل الكبت: القهر، والإذلال. وأرى: من الورى، وهو داء الجوف. وقيل: معناه أضرب رئته من قولهم: وريته أريه. كما تقول: رأيته. يقول: جد علينا بالمقام؛ لأكبت بذلك حاسدي، وأمرض عدوي؛ لأنهما بغيضان عندي، مثل وداعك وارتحالك. ويهدأ ذا السّحاب فقد شككنا ... أتغلب أم حياه لكم قبيل؟ ويهدأ عطف على ما تقدم: أي يسكن. وتغلب رفع بالابتداء، وقبيل خبره. وقيل تغلب خبر ابتداء محذوف. يقول: أقم علينا حتى يسكن مطر هذا السحاب، فإنا قد تشككنا في أمر هذا المطر، فلا ندري أنه مطر، أم قبيلك؟ التي هي بنو تغلب. يعني: أن جود هذا المطر يشبه جود بني تغلب، أي كثرة هذا المطر يشبه كثرتهم. والحيا: مقصور، المطر العام. وكنت أعيب عذلاً في سماح ... فها أنا في السّماح له عذول له قيل: تعود الهاء إلى المطر. ومعناه: أني كنت أعيب كل من يعذل على السماح، فلما كثر هذا المطر صرت أعذله على كثرة سماحه. وقيل: إن الهاء تعود إلى سيف الدولة يعني: أني أعذل سيف الدولة على كثرة سخائه بعد ما كنت أعيب من يعذل السخي على سخائه. وما أخشى نبوّك عن طريقٍ ... وسيف الدّولة الماضي الصّقيل سيف الدولة مبتدأ. والماضي خبره. وهذه الجملة في موضع نصب على الحال. والكاف في قوله نبوك قيل: خطاب لسيف الدولة. ومعناه: لم أقل لك أقم، حتى يهدأ هذا السحاب، لأنه يعوقك عن طريقك، لأني لا أخشى نبوك: أي كلالك وتقاعدك عن طريق تريد أن تسير فيه، وأنت سيف الدولة، وسيف الدولة لا يكون إلا ماضياً صقيلاً، لا ينبو عن شيء. وقيل: إنه خطاب للسحاب. ومعناه: لا أخشى انقطاعك عنا أيها السحاب وفقدنا إياك في طريق نسلكه، إذا كان سيف الدولة ماضياً صقيلاً، لأنه ينوب عنك ويزيد عليك. وكلّ شواة غطريفٍ تمنّى ... لسيرك أنّ مفرقها السّبيل الشواة: جلدة الرأس. والغطريف: السيد. ومفرق الرأس: حيث يتفرق الشعر. وتمنى: الأصل فيه تتمنى، فحذف إحدى التاءين. يقول: إذا ارتحلت فكل سيد يتمنى رأسه: أي مفرقه، طريقاً لك ليشرف بك وينال بسببك رفعة. ومثل العمق مملوءاً دماءً ... مشت بك في مجاريه الخيول

стр. 218

العمق: الفج، وهو الطريق الواسع في الجبل. وقيل: موضع بالشام أوقع سيف الدولة فيها بالأعداء وقعة عظيمة. ويقال: هو موضع كثير الوحل. مملوءاً: قيل نصب على التمييز، وقيل: على الحال. وروى بالرفع فيكون خبراً عن مثل وروى بالجر فيكون بدلا من العمق. يقول: كم من مواضع في الحرب قد امتلأت بالدم فخاضت بك خيلك، ومشت بك في مجاريه، فكيف بالوحل والمطر؟! والهاء في مجاريه للعمق. إذا اعتاد الفتى خوض المنايا ... فأهون ما يمرّ به الوحول فأهون: مبتدأ. وما يمر به: صلة وما بمعنى الذي. ويجوز أن تكون نكرة موصوفة. يعني: فأهون شيء يمر به، وفاعل يمر ضميره. والوحول خبر أهون. يقول: من تعود خوض المنايا والحروب، فخوض الوحل أهون شيء عليه. ومن أمر الحصون فما عصته ... أطاعته الحزونة والسّهول الحزون، والحزونة: جمع حزن، وهو ما غلظ من الأرض وارتفع. وقيل: إن الحزونة مصدر مثل السهولة. يقول: من رام القلاع الحصينة والحصون المنيعة فلم يصعب عليه فتحها وأخذها حتى كأنها مأمورة له، فكيف يصعب عليه السير في حزن الأرض وسهلها؟! أتحفر كلّ من رمت اللّيالي ... وتنشر كلّ من دفن الخمول؟! خفرت الرجل خفارة: إذا أجرته وحفظته، وأراد من رمته الليالي ومن دفنته الخمول فحذف الضمير. وتنشر: أي تحيي، والخمول: خفاء الذكر والألف في أتخفر للاستفهام، والمراد به التقدير. يقول: كل من رمته الليالي بشدائدها فإنك تحفظه، وكل من كان خامل الذكر فإنك ترفعه. وندعوك الحسام وهل حسامٌ ... يعيش به من الموت القتيل؟! يقول: كيف يجوز أن ندعوك الحسام وأنت أعظم منه فعلا؟! وليس حسام يعيش به القتيل بعد الموت! وأنت تحي من قتله الفقر، وترفع من خفضه الخمول. وما للسّيف إلاّ القطع فعلٌ ... وأنت القاطع البرّ الوصول إلا القطع: نصب لأنه استثناء مقدم. أي ليس للسيف فعل، وأنت تقطع رقاب الأعداء، وتبر قصادك وتصل أولياءك وعشيرتك. وأنت الفارس القوّال: صبراً ... وقد فني التّكلّم والصّهيل أي أنك تقول: صبراً صبراً ونصب صبرا على الحكاية، فحكى ذلك اللفظ على إعرابه. وقيل: نصب بقوال. يقول: أنت الفارس الذي يصبر أصحابه إذا اشتدت الحرب، ولم يقدر الشجاع على الكلام، ولا الفرس على الصهيل، من التعب والخوف. يحيد الرّمح عنك وفيه قصدٌ ... ويقصر أن ينال وفيه طول يقول: هيبتك ملأت قلوب الناس، فمن بارزك تخذله يده وأقدامه، فيحيد الرمح عنك ويقصر، فلا يصل إليك، وإن كان طويلا. وقوله: وفيه قصد وفيه طول في موضع نصب على الحال. فلو قدر السّنان على لسانٍ ... لقال لك السّنان كما أقول يقول: إن ما أقوله لو علمه من لا ينطق لقال لك مثل ما أقول، وأثنى عليك مثل ثنائي. ولو جاز الخلود خلدت فرداً ... ولكن ليس للدّنيا خليل يقول: لو جاز أن يخلد أحد دائماً في هذه الدنيا، لخلدت أنت وحدك؛ إذ لا نظير لك، ولكن الدنيا ليست بخليل تدوم. وقال يرثى والدة سيف الدولة، وقد ورد خبرها إلى أنطاكية في جمادي الآخرة سنة ٣٣٧: تعدّ المشرفيّة والعوالي ... وتقتلنا المنون بلا قتال نعد: أي نجعل عدة. والمنون: الموت، وأنثه ذهاباً به إلى المنية. يقول: نحن نعد للمنون السيوف والرماح للقتال، والموت يقتلنا قبل القتال، فليس فيما نعده فائدة عند دنو الآجال كأنه من قوله تعالى: " أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْمُ الْمَوْتُ ". ونرتبط السّوابق مقرباتٍ ... وما ينجين من خبب اللّيالي نرتبط: أي نشد. والسوابق: الخيل. ومقربات: أي مدنيات من البيوت والخبب: السير السريع. يقول: نحن نرتبط السوابق لنهرب عليها، إن جاءنا حادث، ولكن لا تنجينا من سير الليالي، فإنها تدركنا لا محالة. ومن لم يعشق الدّنيا قديماً ... ولكن لا سبيل إلى وصال يقول: إن الإنسان يعشق الدنيا من قديم الدهر. يعني: أن كل أحد يعشق الدنيا ويحب البقاء فيها والخلوص من شوائبها، ولكن لا سبيل إلى ما يحب. نصيبك في حياتك من حبيبٍ ... نصيبك في منامك من خيال نصيبك: الأول مبتدأ، ونصيبك الثاني خبره.

стр. 219

يقول: إن ما تناله من اللذة والسرور بقرب حبيبك لا حقيقة له، وإنه لزائل، كما لا حقيقة لما تراه في المنام من خيال الحبيب، فنصيبك منه عياناً كنصيبك من خياله الذي ليس هو بشيء حقيقة. رماني الدّهر بالأرزاء حتّى ... فؤادي في غشاءٍ من نبال يقول: إن الدهر رماني بسهام مصيبة، حتى عمت فؤادي وصار قلبي كأنه في غطاء أو غشاء من سهام. فصرت إذا أصابتني سهامٌ ... تكسّرت النّصال على النّصال يقول: إن سهام الدهر لم تدع في قلبي موضعاً إلا وفيه سهم، حتى كأنه إذا رماني بسهامه وقع سهم على سهم آخر، ولم يجد في فؤادي مكاناً خالياً، فتكسرت السهام على السهام. وهان فما أبالي بالرّزايا ... لأنّي ما انتفعت بأن أبالي معناه: وهان على الدهر وحوادثه. وقيل: هان علي ما ألقاه، فأضمر الفاعل. وهان: أي خف. يقول: خف علي أمور المصائب، فلا أبالي بها ولا أجزع عند نزولها. أي لأني ما انتفعت بما بليت قبل ذلك، فكذلك لا أنتفع بالمبالاة في المستقبل أيضا. وهذا أوّل النّاعين طرّا ... لأوّل ميتةٍ في ذا الجلال الناعي: المخبر بالموت. وطرا: نصب على المصدر، وهو توكيد. وميتة: تخفيف ميتة، وروى ميتة. والجلال كالجلة. وذا: بمعنى هذا. والجلال: هو ملك سيف الدولة. يقول: هذا أول مخبر خبر بأول مصيبة في هذه الدولة! يعني: أنه لم ير في ملكه شيئاً يكرهه قبل هذه. وقيل معناه: لأول ميتة في هذا الجلال والعظمة. كأنّ الموت لم يفجع بنفسٍ ... ولم يخطر لمخلوقٍ ببال تقديره: لم يفجع أحداً بنفس، فحذف المفعول. يقول: كأن هذه المصيبة لعظمها، أنست كل مصيبة كانت قبلها، حتى كأن الموت لم يفجع أحداً بموت أحد، ولم يخطر على قلب أحد، لعظم هذه المصيبة، أو لأنه لم يمت له أحد قبلها. ومثله قول الآخر: كأن لم يمت حيّ سواك ولم يقم ... على أحدٍ إلاّ عليك النّوائح صلاة الله خالقنا حنوط ... على الوجه المكفّن بالجمال يقول داعياً لها: إن صلاة الله عليك حتى تقوم مقام الحنوط للميت. وخص الوجه المكفن بالجمال: تشريفاً للوجه وهو عبارة عن جميع الشخص. على المدفون قبل التّرب صوناً ... وقبل اللّحد في كرم الخلال على المدفون: بدل من قوله: على الوجه. ونصب صوناً: على التمييز. يقول: إن رحمة الله على الميت كان مدفوناً في الصيانة والعفة قبل أن يدفن في التراب، كذلك مدفوناً في الخصال الكريمة قبل الدفن في اللحد. وروى: قبل الموت بدل الترب فإنّ له ببطن الأرض شخصاً ... جديداً ذكرناه وهو بالي أي للمدفون وذكرناه أي ذكرنا له. وجديداً: نصب صفة لشخص. يقول: إن هذا الشخص ذكرنا له جديد، وإن بلي في التراب ومضى. أطاب النّفس أنّك متّ موتاً ... تمنّته البواقي والخوالي فاعل أطاب: أنك، وهو في موضع رفع. يقول: طيب نفسي، ونفوس أوليائك، موتك في العز والإكرام. ومثل هذا الموت، في مثل هذا العز مما يتمناه كل أحد من الأموات والأحياء. وزلت ولم ترى يوماً كريهاً ... تسرّ الرّوح فيه بالزّوال يقول: طيب نفسي أنك زلت ومت من الدنيا مسرورة ولم تر فيها يوماً مكروهاً يتمنى فيه الموت. رواق العزّ فوقك مسبطرّ ... وملك عليّ ابنك في كمال مسبطر. أي ممتد طويل، وروى مستطيل. يقول: لم تموني حتى رأيت رواق عز ابنك ممتداً وملكه كاملاً. وذكر ابن جني وكثير ممن فسروا هذا الديوان: أن قوله: مسبطر لفظه مستقبحة خصوصاً في النساء، ولعلهم قالوا ذلك لما وقفوا على بيت لأني الشمقمق وهو قوله: مررت بإير بغل مسبطر ... فويق الباع كالوتر المطوق وليس كذلك، لأن هذه اللفظة قد تستعمل في غير هذا المعنى. فقد وصف أمر السير بها وقال: ومن سيرها العنق المسبطرة وذكرها ذو الرمة في الكواكب فقال: ............. ... من اللّيل جوز واسبطرت كواكبه سقى مشواك غادٍ في الغوادي ... نظير نوال كفّك في النّوال يقول: سقى القبر الذي ثويت فيه سحاب غاد أي: مطر مدرار يشبه نوال كفك في كثرته وغزارته، فكما أن نوال كفك أغر من نوال غيرك، فكذلك هذا السحاب أغر من كل سحاب. لساحيه على الأجداث حفشٌ ... كأيد الخيل أبصرت المخالى

стр. 220

الساحي: القاشر. والهاء في لساحية تعود على قوله غاد والحفش: الأثر. وقيل: هو مصدر السيل حفشاً: إذا جمع الماء من كل جانب. وقوله: كأيدي الخيل: أي كحفش أيدي الحيل، فحذف المضاف. والمخالي. جمع مخلاة، وهي وعاء يجعل فيه العلف. يصف شدة وقع المطر الذي دعا لقبرها بسقياه فيقول: سقى قبرك غاد: مطر يقشر عنه ويترك على القبر أثراً مثل آثار أيدي الخيل إذا أبصرت المخالي ومثله. قول حميد: فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الغمام وديمةٌ تهمى وروى تنم. وقيل: هو من قولهم: حفش المطر الأرض: إذا أظهر نباتها. كأنه يقول: سقى قبرك غاد. مطر ينبت النبات. ثم شبهه بفعل أيدي الخيل في حالة مخصوصة، إشارة إلى معنى المبالغة في إنبات ما يدعو الناس إلى الإقامة بها والحلول فيها؛ لأنه كلما كان أشد كان أحسن لنباته. وقال ابن الأعرابي: حفشت السماء. إذا جاءت بمطر قليل، وهذا مما يزيد الطعن. أسائل عنك بعدك كلّ مجدٍ ... وما عهدي بمجدٍ منك خالي يقول: لما فقدتك جعلت أساءل عنك كل مجد؛ لأن المجد كان قرينك، وما رأيت مجداً خالياً منك، وكان هو الأولى بأن يسأل. يمرّ بقبرك العافي فيبكي ... ويشغله البكاء عن السّؤال يقول: إذا مر بقبرك من كان يقصدك، بكى أسفا لفقدك، فاشتغل ببكائه عن أن يسألك، كما كانت عادته في حياتك. وما أهداك للجدوى عليه! ... لو أنّك تقدرين على فعال الهاء في عليه للعافي. يقول: ما أرشدك إلى الإجداء عليه، والإنعام لديه! لو قدرت على الفعل، ولكنك لا تقدرين على ذلك، لأنك ميته. بعيشك هل سلوت؟ فإنّ قلبي ... وإن جانبت أرضك غير سالي بعيشك: قسم على المتوفاة. يقول: بعيشك، ألا أخبرتيني: هل سلوت عني وطابت نفسك بعدي؟! فإني وإن كنت بعيداً عن أرضك غير صابر عنك. وهذا قد ذكره على لسان سيف الدولة، ولو لم يرد هذا المعنى لكان سوء أدب! ويحكى عن أبي الطيب أنه أنكر هذا البيت وقال: إنه زيد في القصيدة ليفسد به حالي عند سيف الدولة. نزلت على الكراهة في مكانٍ ... بعدت عن النّعامى والشّمال النعامى: الجنوب، وقيل: كل ريح، وقوله بعدت: أي بعدت فيه فحذف للعلم بذلك. يقول: إنك قد نزلت على كراهة منك. وقيل: على كره منا، في مكان منعت فيه عن اللذات، وفقد الحياة، وتنسم رياح الجنوب والشمال! تحجّب عنك رائحة الخزامى ... وتمنع منك أنداء الطّلال الخزامى: نبت طيب الرائحة. وروى: الظلال والطلال بالظاء والطاء. ومعناه: إنك فقدت لذات الدنيا لفقدك الحياة. بدار كلّ ساكنها غريبٌ ... طويل الهجر منبتّ الحبال يقول: نزلت بدار كل ساكنها غريب، لأنه لم يكن به أحد قط، ولأنه منفرد لا يزوره أحد، وكل ساكنها طويل الهجر، لا يرجع إلى يوم الحشر، وهو منقطع الأسباب، إذ لا وصل بين الأحياء والأموات. وقيل: أراد بقوله: منبت الحبال انبتات المودة كما قال أبو نواس: وجاورت قوماً لا تزاور بينهم ... ولا وصل إلاّ أن يكون نشور حصانٌ مثل ماء المزن فيه ... كتوم السّرّ صادقة المقال حصان بفتح الحاء: أي عفيفة. والهاء في فيه ترجع إلى المكان في قوله: نزلت على الكراهة في مكان. وقيل: ترجع إلى المزن يعني مثل ماء المزن في المزن قبل مفارقتها إياه. يمدحها بالعفة والطهارة وكتمان السر وصدق القول. وشبهها في طهارة أخلاقها بالماء ما دام في السحاب لا يلحقه دنس ولا كدر. وقيل في قوله: صادقة المقال لأنها لا تقارب ريبة فتحتاج إلى العذر. يعلّلها نطاسيّ الشّكايا ... وواحدها نطاسيّ المعالي يعللها: أي يداويها. وعللت المريض: إذا أقمت عليه في علته. النطاسي: الطبيب الفطن. والشكايا: جمع شكية وهي ما يشكوه من مرض وغيره وأراد بواحدها: سيف الدولة والهاء: للمتوفاة. يقول: إن طبيب الأمراض كان يداويها، وكذلك واحدها: أي ابنها الذي هو طبيب المعالي. أي أنه إذا وقع الخلل في المعالي سده برأيه. إذا وصفوا له داءً بثغرٍ ... سقاه أسنّة الأسل الطّوال يقول: إن طبيب المعالي، فإذا وصف له داء بثغر من ثغور المسلمين، سقاه الأسنة وداواه بها حتى يشفيه كما يشفي الطبيب من الأمراض بالعقاقير والأدوية ومثله لأبي تمام:

стр. 221

وقد نكس الثّغر فابعث له ... صدور القنا لابتغاء الشّفاء وليست كالإناث ولا اللّواتي ... تعدّ لها القبور من الحجال يقول: ليست من النساء اللواتي تكون القبور سترا لهن، ويعد موتهن كرامة، لأنها كاملة الخصال، شريفة الخلال، ليس لها نقص النساء الذي يحتاج إلى الستر بالقبر. وهذا كأنه من الخبر، دفن البنات من المكرمات. ولا من في جنازتها تجارٌ ... يطون وداعها نفض النعال يقول: ليست هي من نساء العامة التي يحضر جنازتها التجار فإذا دفنوها وودعوها نفضوا نعالهم وانصرفوا عنها. مشى الأمراء حوليها حفاةً ... كأنّ المرو من زفّ الرّئال المرو: جمع مروة، وهي حجر أبيض. والزفة: الريش تحت الجناح للطائر وهو ألين ما يكون من الأشياء. والرئال: جمع الرأل وهو فرخ النعام. يقول: مشت الأمراء والملوك حول نعشها حفاة فلم يشعروا بخشونة الأحجار على أقدامهم الناعمة حزناً بها، حتى كأن الحجارة كانت عندهم في اللين كزف أفراخ النعام. وقيل: إنهم لكثرتهم وشدة وطئهم على الحجارة وقلة مبالاتهم بها، صارت الأحجار مسحوقة لينة كريش النعام. وأبرزت الخدور مخبّآتٍ ... يضعن النّقس أمكنة الغوالي أبرزت: أي أظهرت. والخدور: الستور، وهي الفاعلة. ومخبآت: أي مخدرات، وهي المفعولة، والمراد بالنقس المداد، وهو السواد. والغالية: هي المسك والعنبر معجونان. يقول: إن النساء المخبآت في الخدور برزن من خدورهن ووضعن المداد على خدودهن وشعورهن، ومواضع كن يضعن فيها الغوالي. أتتهنّ المصيبة غافلاتٍ ... فدمع الحزن في دمع الدّلال وروى: المصائب. يقول: إن هذه المصيبة أتت هؤلاء المخبآت وهو غافلات في السرور والدلال، بحيث كانت عيونهن تدمع من السرور، لحياة هذه المتوفاة ولوجوه أخر من المسرات، فأتتهن المصيبة فجأة فأخرجت من عيونهن دمع الحزن واختلط بدمع الفرح. ولو كان النّساء كمن فقدنا ... لفضّلت النّساء على الرّجال معناه ظاهر، وكونها كانت أفضل من الرجال، لما لها من زيادة العقل والرأي الكامل، والخصال الفاضلة. وروى: لفضلت النساء وذلك يلائم قوله: فقدنا فيكون كل واحد إخبار عن النفس. ويحكى عن سيد المؤيد؟ قدس الله روحه. قال: كنت أقرأ هذه القصيدة على المتنبي فقرأت لفضلت على ما لم يسم فاعله فرد علي فقال: أما أنا فلم أقل إلا فضلت على أن يكون الفعل لي. وهذا يؤيد ما ذكرناه من الرواية. وما التّأنيث لاسم الشّمس عيبٌ ... ولا التّذكير فخرٌ للهلال يقول: لا اعتبار بالتذكير والتانيث، وإنما الاعتبار بالفضل والنقص، فالهلال مذكر، والشمس مؤنث، ومع ذلك الشمس أفضل من الهلال. وأفجع من فقدنا من وجدنا ... قبيل الفقد مفقود المثال يقول: أعظم من فجائع المفقودين فجيعة من وجدناه قبل الموت وحيداً لا نظير له يخلفه. يدفّن بعضنا بعضاً ويمشي ... أواخرنا على هام الأوالي الأوالي: مقلوب من الأوائل، فقدم اللام وأخر الهمز، ثم أبدلها ياء، فصارت كالقاضي. يقول: الحي يدفن الميت، والآخر يمشي على هام الأول. وكم عينٍ مقبّلة النّواحي ... كحيلٍ بالجنادل والرّمال الجندل: الصخر. يقول: كم عين كانت مقبلة النواحي، أضحت مكحلة بالرمل تحت التراب. ومغضٍ كان لا يغضى لخطبٍ ... وبالٍ كان يفكر في الهزال يقول: كم رجل مغض: خاشع الطرف لأجل الموت. وقد كان لا يغضى لخطب من خطوب الدهر؛ لعزته ومنعته، وكم رجل قد بلي تحت التراب وتمزقت أوصاله، وقد كان يتفكر في هزال نفسه، ويطلب صلاح جسمه. أسيف الدّولة استنجد بصبرٍ ... وأين بمثل صبرك للجبال؟! يقول: يا سيف الدولة، استعن بصبرك الذي هو كالجبال الثوابت، على هذه المصيبة العظيمة. ومن أين للجبال مثل صبرك؟! وأنت تعلّم النّاس التّعزّي ... وخوض الموت في الحرب السّجال الحرب السجال: مرة لهؤلاء، ومرة لهؤلاء مأخوذ من المساجلة: وهو المغالبة في جذب الدلو، والسجل: الدلو العظيم. يقول: لا تحتاج أن نعزيك على مصائبك؛ لأنك تعلم الناس التصبر وتعلمهم خوض المنايا في الحروب العظيمة. وحالات الزّمان عليك شتّى ... وحالك واحدٌ في كلّ حال

стр. 222

ذكر الحال في قوله: وحالك واحد في كل حال لأنه يذكر ويؤنث. يقول: أحوال الزمان عيك متفرقة ومختلفة، ولا يزعجك منها شيء، ولا يغيرك عن حالك من الصبر والثبات والحلم والوقار في جميع الأوقات. فلا غيضت بحارك يا جموماً ... على علل الغرائب والدّخال غيضت: أي نقصت. والجموم: الكثير. والعلل: الشربة الثانية. والغرائب: جمع غريبة، وهي الناقة تدخل في الإبل وليست منها. والدخال: جمع دخل، وهو أن يدخل بعير قد شرب بين بعيرين لم يشربا يساعدهما على الشرب. يقول: لا نقص الله من جمام بحارك، على كثرة ما يرد عليها من غرائب المصائب، وتكرير الحوادث، وهذا مثل. والمراد: لا نقص الله صبرك بكثرة ما يصيبك من حوادث الأيام. فشبه سيف الدولة بالبحر الكثير الماء، وحوادث الأيام بإبل ترد عليه مرة بعد أخرى. وقيل معناه: لا نقص جودك على كثرة من يرده ممن لا يستحقه، كما أن الغرائب والدخال لا يستحق ورود الحوض، إذ الغرائب ليست من إبل هذا الحوض، والدخال قد شربت مرة. وقيل معناه: أنك كثير العطاء لمن هو مقيم عندك وهو المراد بالدخال، ولمن يرد عليك من مكان آخر وهو المراد بالغرائب، وهذا أبلغ من قول الكميت: أناسٌ إذا وردت بحرهم ... صوادى الغرائب لم تقرب رأيتك في الذين أرى ملوكاً ... كأنّك مستقيمٌ في محال يقول: أراك بين الملوك كالمعنى المستقيم، والكلام المستقيم، والأمر المستقيم، الظاهر إلى جنب المستحيل الفاسد، أي أنك الملك على الحقيقة وغيرك من الملوك اسم بلا جسم. فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإنّ المسك بعض دم الغزال المسك للظبي: بمنزلة الحيض للنساء. وقيل: لا يكون إلا في إناثها. يقول: إن فضلت الأنام وعلوتهم وأنت من جملتهم فليس ذلك بعجب فإن المسك دم، ولكن يخالف سائر الدماء ريحاً وطبعاً. وهذا من اختراعات أبي الطيب وفرائده. وقوله فإن تفق شرط وأنت منهم حال. فإن المسك جواب الشرط. وقال يمدحه ويذكر استنقاذه أبا وائل: تغلب بن داود بن حمدان لما أسره الخارجي الناجم من كلب. ويصف قتل الخارجي. وكان أبو وائل قد ضمن لهم، وهو في الأسر خيلا طلبوا منها: العروس ومالا اشترطوه عليه وأقاموا ينتظرون وصول ذلك فصبحهم سيف الدولة بالجيش فأبادهم، وقتل الخارجي في شهر شعبان سنة سبع وثلاثين وثلاث مئة. إلام طماعية العاذل ... ولا رأى في الحبّ للعاقل؟ إلى من حروف الجر دخلت على ما الاستفهامية، ثم حذف منها الألف وجعلت مع إلى بمنزلة اسم. ومعناه: إلى أي شيء. وقيل إلى متى والطماعية مصدر كالطمع وهي مخففة إليه. يقول: إلى متى يطمع العاذل في رجوعي عن الهوى، والعاقل إذا ابتلى في الهوى فقد فقد رأيه وزال عقله. يراد من القلب نسيناكم ... وتأبى الطّباع على النّاقل يقول: إني مطبوع على حبكم، ومجبول على هواكم، والعاذل يريد مني أن أنساكم، وهذا محال، لأن الطبع لا يقدر أحد أن ينقه إلى غره، ويغيره عما هو عليه، ومثله قول الآخر: لا تحسبوني عنكم مقصّرا ... إنّي على حبّكم مطبوع وإنّي لأعشق من عشقكم ... نحولي وكلّ امرئٍ ناحل أعشق: يجوز أن يكون فعلا مضارعاً، من عشقت ويكون كل منصوبا عطفاً على نحولي وهو في موضع النصب. ومعناه: أني من فرط عشقي لكم أعشق نحولي، وأعشق كل عاشق مثلي ناحل مثل نحولي، للمشاكلة التي بيننا. ويجوز أن يكون أعشق أفعل تفضيل وكل يكون مجروراً عطف على الياء في نحولي. ومعناه: أني أعشق لكم. أي أشد عشقاً لكم من عشقكم نحولي ونحول كل فتى ناحل. يعني: أنكم تعشقون نحولي ونحول كل عاشق، وعشقي لكم أشد من عشقكم نحولي ونحول كل فتى هذه صفته. ولو زلتم ثمّ لم أبككم ... بكيت على حبّى الزّائل يقول: لو فارقتموني وفراقكم دال على زوال حبي ثم لم أبك لفراقكم، لبكيت على حبي الزائل؛ لأني أحب حبي لكم، فإذا زال ساءني زواله فأبكي له، وإن لم أبك لفراقكم، ويجوز أن يكون بكيت دعاء على نفسه. أي: إن لم أبك لكم، جعل الله حبكم زائلا عني حتى أبكي عليه. أينكر خدّي دموعي وقد ... جرت منه في مسلكٍ سابل؟ قيل: سابل بمعنى مسبول: أي مسلوك للمارة. وقيل: سابل: أي عامر بالمارة والهاء في منه للخد.

стр. 223

يقول: إن خدي لا ينكر دموعي السابلة عليه؛ لأنها لم تزل تسيل على الخد حتى صار فيه طريق سابل، فهذا الذي يجري الآن يجري في ذلك الطريق المسلوك. وروى: في مسلك سائل يقال: هذا المكان سائل الماء. أي يسيل عليه الماء أأوّل دمعٍ جرى فوقه؟ ... وأوّل حزنٍ على راحل؟ يقول: ليس هذا بأول دمع جرى، لأني كثيراً ما ابتليت بذلك، وليس الحزن الآن بأول حزن على حبيب راحل، لأني قد تجرعت من غمومه غير مرة. وقيل معناه: لست أول عاشق بكى من الفراق وحزن من ألم الشوق، وقد كان قبلي عشاق يبكون ويحزنون على فراق الأحبة. وهبت السّلوّ لمن لامني ... وبتّ من الشّوق في شاغل يقول: تركت السلو على من لامني، ويأمرني بالسلو، ويعذلني عليه، واشتغلت بما أنا فيه من الوجد والشوق والمحبة. كأنّ الجفون على مقلتي ... ثيابٌ شققن على ثاكل يقول: كأن جفوني على مقلتي - لتباعد ما بين الجفون من شدة السهر - ثياب شققن على ثاكل؛ لأنها إذا شقت تباعد ما بين جانبي المشقق. ولو كنت في أسر غير الهوى ... ضمنت ضمان أبي وائل يقول: لو كنت أسيراً كسائر الأسارى. الذين يكونون في أيدي الأعادي لضمنت لهم من المال ما ضمنه أبو وائل، واستعنت بسيف الدولة ليخلصني من الأسر، ولكني أسير الهوى، فلا أقدر على الخلاص منه، ولا أقهره بشدة ولا قوة. فدى نفسه بضمان النّضار ... وأعطى صدور القنا الذّابل يقول: فدى نفسه أبو وائل من الخارجي بأن ضمن لهم الذهب، وأعطاهم صدور القنا التي جاء بها سيف الدولة حين استنقذه من يديه. ومنّاهم الخيل مجنوبةً ... فجئن بكلّ فتىّ باسل مجنوبة: أي مقودة جنب الفارس. يقول: مناهم أبو وائل الخيل مقودة ليفدى بها نفسه فجاءتهم الخيل بكل فارس شجاع يضرب رءوسهم ويهلكهم. كأنّ خلاص أبي وائل ... معاودة القمر الآفل شبه أسره وخلاصه بالقمر إذا غاب ثم طلع. يعني عاد كالقمر، وهو في نوره كما كان. دعا فسمعت وكم ساكتٍ ... على البعد عندك كالقائل يقول لسيف الدولة: إن أبا وائل دعاك لتخلصه، فسمعت دعاءه ثم قال: فكم ساكب أي أنك تراعي أمر القريب منك وأمر البعيد الذي لا يسألك مراعاته، فكأنه في سكوته استجارك كالناطق؛ لأن معونتك تعم الخاص والعام. فلبيّته بك في جحفلٍ ... له ضامنٍ وبه كافل ضامن وكافل: نعت لجحفل. يقول: لما دعاك لبيته بنفسك في عسكر ضامن لأبي وائل، وكافل به، فخلصته من يد الخارجي، ولم يكن هناك دعاء ولا إجابة، ولكنه جعل وقوعه في يد الخارجي دعاء منه، وخروج سيف الدولة إجابة منه إياه. خرجن من النّقع في عارضٍ ... ومن عرق الرّكض في وابل خرجن: أي الخيل. والركض: الضرب بالرجل جنب الدابة. يقول: إن الخيل لما ركضت، ثار الغبار مثل السحاب، وسال عرقها مثل المطر الوابل. فلمّا نشفن لقين السّياط ... بمثل صفا البلد الماحل نشفن: أي جف العرق عنهن. والصفا: جمع صفاة، وهي الصخرة البيضاء. والبلد الماحل: المجدب، فحجره أصلب. يقول: إنها لما عرقت الخيل علاها الغبار، وتلبد التراب عليها، فلما جف عرقها أشبهت جلودها الصلاء؛ لصلابتها، فوقعت السياط على جلود هذه صفتها، وإنما خص البلد الماحل قيل: لأن أحجارها أصلب من غيرها. وقيل: هذا لا معنى له وأنها لا تتغير، وإنما خصها لأنها أكثر غباراً من البلد الكثيرة الري، فشبه تراكم الغبار على جلودها في صلابتها بصفاء البلد الكثيرة التراب. شفنّ لخمسٍ إلى من طلب ... ن قبل الشّفون إلى نازل شفن: أي نظرن. والشفون: النظر. يقول: إن الخيل سارت خمس ليال لم ينزل عنها فارس، فنظرت هذه الخيل إلى من طلبته من العدو، بعد خمس ليال، قبل نظرها إلى نازل عن ظهرها؛ وذلك لأن فرسانها واصلوا سيرها حتى أدركوا مقصودهم ولم ينزلوا عنها حتى لحقوا الخارجي. فدانت مرافقهنّ البرى ... على ثقةٍ بالدّم الغاسل روى: البرى والثرى. يقول: قاربت مرافقهن التراب وخالطته عند العدو، ووثقت أن دم العدو يغسل هذه المرافق من التراب الذي عليها. ويجوز أن يكون دانت بمعنى أطاعت مرافقهن التراب، لأنها وثقت أن الدم يغسلها. وما بين كاذتي المستغير ... كما بين كاذتي البائل

стр. 224

الكاذة: لحم الفخذ. يقول: إن الفرس التي تطلب الغارة قد اتسع ما بين فخذيه، من شدة العدو، مثل ما بينهما إذا أراد أن يبول. وقيل: أراد بالمستغير. الخارجي؛ لأنه كالطالب لهذه الغارة من خيل سيف الدولة. فيقول: الدم الذي يترشش بين لحمتي فخذ الخارجي أو فخذ فرسه كان كالبول: أي يترشش على هذه المواضع عند البول. فلقّين كلّ وردينيّةٍ ... ومصبوحةٍ لبن الشّائل المصبوحة: التي سقيت اللبن وقت الصبح. والشائل: التي لا لبن لها، والشائلة: التي حملت وقل لبنها. قال ابن جني؛ قلت للمتنبي: إن الشائل هي التي لا لبن لها، وأنت تريد ما لها لبن، والتي لها لبن قليل يقول لها: الشائلة. فقال أردت الهاء فحذفتها كقول الشاعر: إنّا بنو عمكم لا أن نباعدكم ... ولا نحاربكم إلاّ على ناجي فإنه أراد: ناجية. فسألته عن غرضه. في ذلك، فقال: إن الناقة إذا قل لبنها، ونجع في شاربه، فلا يسقونها الإكرام خيولهم. فكأنه يقول: إن خيول سيف الدولة لقين أي لقيت خيله في جيش الخارجي كل رمح رديني، وكل فرس مصبوح لبن الشائل. التي جف لبنها. وقيل أراد بالشائل: التي لا لبن لها أصلاً. ومعناه: أنها لا تطعم فتلزم الطوى توفيراً لها على العدو. وجيش إمام على ناقةٍ ... صحيح الإمامة في الباطل أي: ولقين خيل سيف الدولة، جيش إمام في الباطل دون الحق. وكان الخارجي يدعى الإمامة. فأقبلن ينحزن قدّامه ... نوافر كالنّحل والعاسل ينحزن: أي يجتمعن، من قولك انحاز القوم إلى ناحية. إذا التجئوا إليها. وقيل: يتفرقن يميناً وشمالاً، تذهب كل فرقة إلى حيزة. وقيل: هو من نحزت الناقلة برجلي: إذا ركلتها. أي أنهن يركلن بأرجلهن، قدامه: أي قدام الخارجي، والعاسل الذي يخرج العسل. يقول: إن خيل الخارجي رأوا جماعات لها ضجيج ونفر، فشبههم بالنحل. وشبه الخارجي بالعاسل. والنحل عند معالجة العاسل، يكون لها ضجيج ونفر في وجه العاسل. وقيل معناه: أقبلت خيل الخارجي - لما رأت جيش سيف الدولة - تتفرق عنه وتسلمه إلى سيف الدولة، كما يسلم النحل ويتفرق عنه، إذا دخل عليه العاسل. فعلى هذا: العاسل: سيف الدولة، والنحل: جيش الخارجي. فلمّا بدوت لأصحابه ... رأت أسدها آكل الآكل يقول لسيف الدولة: لما ظهرت لأصحاب الخارجي، وكانوا كالأسود رأوا منك أسداً يأكل كل أسدٍ آكلة لهم يأكلهم ويفنيهم. بضربٍ يعمّهم جائرٍ ... له فيهم قسمة العادل له أي للضرب. والباء متعلق بقوله: آكل الآكل. أي يأكلهم بضربٍ. جعل الضرب مجاوزاً للحد، خارجاً عن المعتاد. وقوله: قسمة العادل. فيه وجوه: أحدها: قيل معناه: أنه عدل، لأنه قربة إلى الله تعالى، لأنهم خوارج على إمامهم. والثاني: أنه كان عدلا لخصوصة بالشجعان. والثالث: أنه مقسوم بينهم على سواء، له في كل واحد منه حصة مثل حصة الآخر، ولم يفت منه أحد، فهو عدل من هذا الوجه. والرابع: أنه كان عدلاً من حيث أنه جعل كل واحد منهم بنصفين على سواء، فكانت صورة القسمة النصفة. وطعنٍ يجمّع شذّانهم ... كما اجتمعت درّة الحافل روى: شذاذهم بذالين، وشذانهم بذال ونون، أي المتفرقون. يقول: إن سيف الدولة كان يطعنهم طعناً يجتمع عليه المتفرقون، ويتعجبون من سعتها، كما يجتمع الدر في الضرع الحافل، ووجه التشبيه أنهم يجتمعون عليه واحداً واحداً وينضم واحد إلى آخر، كما تجتمع الدرة شيئاً فشيئاً. وقيل: أراد أن خيل الخارجي من شدة الطعن تجمعوا ليتقوا كما يجتمع الدرة في الضرع الحافل. إذا ما نظرت إلى فارسٍ ... تحيّر عن مذهب الرّاجل أي عن مذهب مثل الراجل. يقول: إذا نظرت إلى فارس منهم خذلته نفسه، وبقي متحيراً لا يقدر على أن يسير مثل سير الراجل، ولا أن يذهب مثل مذهبه. فظلّ يخضّب منها اللّحى ... فتى لا يعيد على النّاصل الناصل: المضروب بالنصل، وهو فاعل بمعنى مفعول، والهاء في منها للأسد، وهي خيل الخارجي. وفاعل ظل فتى وهو سيف الدولة. يقول: إن سيف الدولة إذا ضرب منهم إنساناً ضربة قتله، فلا يحتاج إلى أن يعيد الضرب مرة أخرى. وقيل: الناصل. من نصل الخضاب يعني: إذا ضرب فخضب المضروب بالدم، فإن خضابه لا ينصل عنه حتى يحتاج إلى إعادته.

стр. 225

ولا يستغيث إلى ناصرٍ ... ولا يتضعضع من خاذل تضعضع البناء: إذا انهدت أركانه أي لا يتذلل هذا الفتى، ولا يستعين بناصر ينصره، ولا يضعف إن خذله أصحابه، لأنه مستقل بنفسه لا يحتاج إلى أحد. ولا يزع الطرف عن مقدمٍ ... ولا يرجع الطّرف عن هائل يزع: أي يكف. ومقدم: أي الإقدام. يعني: أنه لا يرد فرسه عن الإقدام، ولا يرد طرفه أي عينه عن أمر مخوف ومنظر هائل. إذا طلب النّبل لم يشأه ... وإن كان ديناً على ماطل النبل: الحقد. يقول: إذا طلب ثأراً أدركه، فلم يفته وإن كان ثأره عند من لا يدرك لديه ثأر. فشبه هذا الثأر بدين على ماطل. خذوا ما أتاكم به واعذروا ... فإنّ الغنيمة في العاجل يقول للخارجي وجماعته الذين كانوا ينتظرون الفداء هزءاً بهم: خذوا ما أتاكم به سيف الدولة من الفداء، واعذروه في هذه الغنيمة المعجلة، فاغتنموا ذلك فإن الغنيمة في العاجل. وإن كان أعجبكم عامكم ... فعودوا إلى حمص في القابل يقول: لئن كان أعجبكم ما ملكتم في هذا العام من الخير، فعودوا في العام القابل إلى حمص، حتى تروا ما يزيد على ذلك فترضوا به. فإنّ الحسام الخضيب الّذي ... قتلتم به في يد القاتل يقول: السيف المخضب بدمائكم في يد القاتل، وهو سيف الدولة، فمتى شئتم فتعالوا إليه. وقال ابن جني: أراد بالسيف. سيف الدولة. والخضيب: هو الخاضب اللحي بالدماء. والقاتل: هو الخليفة الذي ينصر سيف الدولة ويقاتل عنه. يجود بمثل الّذي رمتم ... فلم تدركوه على السّائل أي يجود على السائل بمثل المال الذي رمتم، فلم تدركوه على السائل: يعني أنه يعطي سائله مثل ما طلبتموه، وإنما لم يعطكم أنفة، من أن تأخذوه قهراً. أمام الكتيبة تزهى به ... مكان السّنان من العامل أمام: نصب على الظرف. وتزهى به: أي تفتخر به. والتاء: ضمير الكتيبة والهاء: ضمير سيف الدولة. وعامل الرمح: قدر ذراعين من أعلى الرمح. أي أن سيف الدولة يكون أبداً أمام الكتيبة، كما يتقدم السنان على الرمح وأن الكتيبة تفتخر به، إذ لا غناء لهم عنه كما لا غناء للرمح عن السنان. وإنّي لأعجب من آملٍ ... قتالاً بكمّ على بازل البازل: البعير الذي دخل في السنة التاسعة. وكان الخارجي حينئذ على ناقة يومئ بكمه على أصحابه؛ يحرضهم على قتال سيف الدولة. يقول: إني أعجب من ضعف رأي من يقاتل بكم على ناقة بازل. أقال له الله: لا تلقهم ... بماضٍ على فرسٍ حائل؟ الهاء في له للخارجي وفي لا تلقهم لأصحاب سيف الدولة. بماض: أي بسيف ماض. والحائل: خلاف الحامل، وخض الحائل لأنها تكون أشد على العمل، وأصبر على الشدة، وهم لا يركبون يوم القتال إلا الفرس الأنثى الحائل. يقول: كأن الله تعالى قال له. لا تلق جيش سيف الدولة بسيف ماض على فرس حائل! فلهذا ركب الناقة وأشار بكمه بدل السيف! إذا ما ضربت به هامةً ... براها وغنّاك في الكاهل الكاهل: أعلى الكتف بين المنكب والعنق. والهاء في به للسيف الماضي. أي كأن الله تعالى قال: لا تلقهم بسيف ماض، إذا ضربت به رأساً قطعه ووصل إلى العنق، وهامة قطعها، وسمعت له صليلا كالغناء. وقيل: معناه: قال الله لهذا الخارجي. لا تحارب بسيف ماض مثل سيفك الماضي يا سيف الدولة، الذي إذا ضربت به رأساً تجاوزها وغنى لك في الكاهل. وليس بأوّل ذي همّةٍ ... دعته لما ليس بالنّائل يقول: إن الخارجي ليس بأول من لم يدرك مراده، وما دعته إليه همته، وقد خرج قبله كثير من الخوراج وطلبوا مثل ما طلب فقتلوا كما قتل. يشمّر للّجّ عن ساقه ... ويغمره الموج في السّاحل يقول: إن الخارجي كان يشمرّ عن ساقه؛ ليخوض لجة البحر، وقد علاه الموج في ساحل هذه اللجة. أي قد تأهب لجيش سيف الدولة الذي هو كالبحر العظيم، والموج يغرقه في الساحل! أي أنه لقي مقدم عسكر سيف الدولة فهزموه، فكيف إذا لقي معظم عسكره؟! وقال ابن جني: إنه يصف تمويه الخارجي على الأعراب وادعاءه النبوة فيهم فكان يحسر عن ساقه عند الماء ليرى الناس أنه يخوضه تمويها ومخرقة، ومع ذلك قد غمره الموج وهو على الساحل. أما للخلافة من مشفقٍ ... على سيف دولتها الفاصل؟!

стр. 226

الفاصل: القاطع. يقول: هو أبداً على سيف الدولة. هذا الخليفة، لأن بقاء هذه الخلافة وبقاء دولتها بسيف الدولة، فهل أحد يشفق على هذا السيف القاطع؛ لتبقى هذه الخلافة. يقدّ عداها بلا ضاربٍ ... ويسري إليهم بلا حاملٍ يقد: أي يقطع. والهاء في عداها للخلافة وفي إليهم للعدا. يقول: هذا السيف بخلاف سيف الحديد، فهو يقطع أعداء الخلافة بلا ضارب، ويسير إلى الأعداء بلا حامل. وقيل: أراد أنه يذب عن الخلافة وحده، وليس من أوليائها معين ينصره. تركت جماجمهم في النّقا ... وما يتحصّلن للنّاخل النقا: الكثيب من الرمل. يقول: رضضت جماجمهم فيما بين الرمل فصارت كالهباء، واختلطت بالرمل، فلو نخل الرمل أحد بمنخل لم يحصل له شيء. وروى: وما يتخلصن أي ما يتميزن: أي أن جماجمهم، لا تتميز عن الرمل للناخل. وأنبتّ منهم ربيع السّباع ... فأثنت بإحسانك الشّامل يقول: طرحت هؤلاء السباع حتى أكلت، وأخضبت كما تخصب السوائم في الربيع، فصارت لحومهم للسباع كالربيع، فأثنت عليك السباع لذلك. وعدت إلى حلبٍ ظافراً ... كعود الحلىّ إلى العاطل العاطل: التي لا حلى عليها. يعني: أن حلب عريت عن زينتها لما فارقتها! فلما عدت إليها ظافراً، عادت زينتها، كالحلي إذا عاد للعاطل. ومثل الّذي دسته حافياً ... يؤثّر فِي قدم النّاعل يعني: هذا الذي وصلت إليه من الفتح العظيم بالهويني، لا يدركه غيرك بمشقة وتعب، أي وصلت إليه من غير آلة وعدة. وكم لك من خبرٍ شائعٍ ... له شية الأبلق الجائل يقول: ذكرك وخبر وقائعك مشهورة، كشهرة الفرس الأبلق فيما بين سائر الأفراس؛ إذا كان الأبلق جائلا من مكان إلى مكان كان أشهر وأظهر. ويومٍ شراب بينه الرّدى ... بغيض الحضور إلى الواغل وكم لك من يوم. وأيام العرب: حروبها. والواغل: الداخل في القوم؛ يشرب من غير دعوة. والهاء في بنيه لليوم. يقول: كم لك من يوم حرب سقيت فيه أعداءك الموت، حتى كأن الواغل يبغض حضوره، وكان من عادته ألا يبغض ذلك؛ لأنه ليس بيوم شراب في الحقيقة. تفكّ العناة وتغنى العفاة ... وتغفر للمذنب الجاهل يقول: تطلق الأسرى، وتغني العفاة: أي السؤال، بما تعطيهم من الأموال، ومن أذنب إليك بجهل عفوت عنه. فهنّأك النّصر معطيكه ... وأرضاه سعيك في الآجل فاعل هناك معطيكه وفاعل أرضاه سعيك والهاء فيه ترجع إلى المعطى وهو الله تعالى والهاء في معطيكه للنصر. يقول: هناك الله النصر الذي أعطاك، وأرضى الله سعيك في الآخرة، فأما هذه الدنيا فليس لها قدر يكون ثواباً لك! وهذا دعاء له. فذى الدّار أخون من مومسٍ ... وأخدع من كفّة الحابل ذي الدار: إشارة إلى الدنيا. والمومس: الفاجرة. والكفة: شرك الصائد. والحابل: صاحب الحبالة. يقول: هذه الدنيا خبيثة كالمرأة الفاجرة، غدارة لا تدوم لأحد، فهي في الغدر كشرك الصائد الذي يظن الصيد فيه خيراً، فإذا فيه هلاكه! تفانى الرّجال على حبّها ... وما يحصلون على طائل يقول: إن الرجال تفانوا جميعاً - بقتل بعضهم بعضاً - في حب هذه الدار الغدارة، ثم يتركونها ولا يحصلون منها على فائدة وخير. والطائل: هو الخير. وقال عند مسيره نحو أخيه ناصر الدولة لنصرته لما قصده معز الدولة أبو الحسن أحمد بن بويه الديلمي إلى الموصل في ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وثلاث مئة. أعلى الممالك ما يبنى على الأسل ... والطّعن عند محبيّهنّ كالقبل يقول: أشرف الممالك قدراً، ما ملك عنوة، وفتح بأطراف الأسنة، وكان الطعن عند من أحب هذه الممالك، أحلى من قبل الأحباب. وما تقرّ سيوفٌ في ممالكها ... حتّى تقلقل دهراً قبل في القلل أي ما تستقر مملكة سيف الدولة، ولا تستقر سيوف في مملكته، حتى يقلقل أعداءه، وتتحرك سيوفه دهراً في رءوس الأعداء. ومثله لأبي تمام: سأجهد عزمي والمطايا فإنّني ... أرى العفو لا يمتاح إلاّ من الجهد مثل الأمير بغى أمراً فقرّبه ... طول الرّماح وأيدي الخيل والإبل

стр. 227

معناه: من مثل الأمير؟ وقيل معناه: لا تستقر المملكة حتى يفعل مثل ما فعله سيف الدولة. فإنه يطلب أمراً بعيداً فيقرب هذا الأمر عليه: طول الرماح وخيله وإبله، أي يقصد إليه برماحه وإبله. وعزمةٌ بعثتها همّةٌ زحلٌ ... من تحتها بمكان التّرب من زحل زحل: مبتدأ. والمكان: خبره. والهاء في تحتها: للهمة. وفي بعثتها للعزمة. يقول: قرب عليه مرامه عزمة بعثتها همة عالية، بحيث زحل نحت هذه الهمة بمكان التراب من زحل! أي أن ما بينها وبين زحل من البعد مثل ما بين زحل والتراب. على الفرات أعاصيرٌ وفي حلبٍ ... توحّشٌ لملقّى النّصر مقتبل الأعاصير: جمع إعصار، وهو غبار الحرب، ورهج الخيل. يقول: على الفرات غبار الخيل من كثرة الحروب والنزول عليها، وفي حلب توحش بمفارقتها سيف الدولة، وهو ملقى النصر، ملقاه حيث توجه. مقتبل: أي هو في أول شبابه. وقيل: معناه أنه حسن تقبله العيون، وتحبه القلوب. تتلوا أسنّته الكتب الّتي نفذت ... ويجعل الخيل أبدالاً من الرّسل فيه وجهان: أحدهما: أن أسنته تتلوا الكتب الواردة إليه من أخيه ناصر الدولة، فجعل جواب كتبه خروجه إليه بنفسه، وجعل خيله بدل رسله. وهذا مثل قوله: فليته في محفل. والثاني: أنه إذا كتب إلى الأعداء فأسنته تتبعها، وإنما يكتب إلى أعدائه ليعرفهم أنه متوجه إليهم، حتى لا يكون خروجه اغتيالاً؛ لأن هذا داخل في الشجاعة من أن يقصدهم مفاجأة، لأنه يدل على الجبن والاغتيال، وهذه فائدة كتبه إلى أعدائه. يلقى الملوك فلا يلقى سوى جزر ... وما أعدّوا فلا يلقى سوى نفل جزر: بمعنى مجزور، أي مقطوع. وقيل: هي جمع جزور. أي كأنهم جزر يساقون إليه لينحرهم. يقول: إنه كلما لقى ملكاً في حرب قتله وغنم أمواله، فهي جزر لسيوفه، وما له غنيمة له ولعسكره. صان الخليفة بالأبطال مهجته ... صيانة الذّكر الهنديّ بالخلل الخلل: جمع الخلة، وهي غاشية جفن السيف. وقيل: هي واحد، وجمعه أخلة. والذكر الهندي: هو السيف. والهاء في مهجته قيل لسيف الدولة ومعناه: أن الخليفة صان مهجة سيف الدولة بما ضم إليه من الجند والفرسان، كما يصان السيف بالخلل. لما كان للدولة سيفاً جعل الخليفة والأبطال جفناً، وفيه إشارة إلى أن الاعتماد في الحرب عليه والجند فضلة، كما أن العمل للنصل دون الجفن. وقيل: الهاء في مهجته للخليفة أي أنه صان نفسه بالأبطال الذين مع سيف الدولة، صيانة السيف بالخلل؛ لأنهم يقاتلون عنه أعداءه مع سيف الدولة فيصونه عن الأعداء. الفاعل الفعل لم يفعل لشدّته ... والقائل القول لم يترك ولم يقل يقول: إنه يفعل أفعالاً تعجز الناس عنها فيتركونها، أو أنهم لم يعرفوا ما يفعله من الأفعال ولم يهتدوا إليها، ويقول أقوالا حاول البلغاء أن يقولوا مثلها فلم يقدروا على ذلك، ولم يأتوا بها على وجهها ولم يتركوها؛ لأنهم تعرضوا لها ولم يستوفوا ما فيها من أنواع الفصاحة، فهي غير مقولة ولا متروكة. ومثله قوله من قصيدة أخرى: فأنطق واصفيه وأفحما وقيل معناه: أنه يقول أقوالا لم تعرف فلم تقل، ولم تترك لأنها إذا لم تعرف لا يمكن تركها، لأنه ما لا يعرف، كما لا يفعل، لا يترك. والباعث الجيش قد غالت عجاجته ... ضوء النّهار فصار الظّهر كالطّفل غالت: أي أهلكت. وفاعله العجاجة ومفعوله ضوء النهار والهاء في عجاجته للجيش لفظاً، والطفل: آخر النهار. يقول: هو الذي يبعث الجيش العظيم الذي يستر غباره الشمس حتى يصير وقت الظهر مثل آخر النهار: وقت المغرب. الجوّ أضيق ما لاقاه ساطعها ... ومقلة الشّمس فيه أحير المقل أضيق قيل: في معنى ضيق. أي أن الجو يضيق بما لاقاه من الغبار. وقيل: هي على أصلها. أي أشد ضيقاً. والهاء في ساطعها للعجاجة وفي لاقاه للجو وفي فيه لساطعها. يقول: إن أضيق الأشياء - بما يسطع عن غبار هذا الجيش - هو الهواء: الذي هو أوسع الأشياء، وإذا كان الهواء كذلك فما ظنك بغيره؟! وهذا الغبار أيضاً يغطي نور الشمس وقرصها حتى صارت عين الشمس أحير العيون في هذا الغبار، فكيف أحوال سائر العيون؟! ينال أبعد منها وهي ناظرةٌ ... فما تقابله إلاّ على وجل ينال: فعل السيف. والهاء في منها: للشمس، أو لمقلتها.

стр. 228

يقول: إنه ينال ما هو أبعد منها. أي أبعد من الشمس. وهي ترى ذلك وتنظر إليه، فما تقابل هذه الشمس سيف الدولة عند طلوعها وفي سائر الأوقات، إلا وهي خائفة من أن يغير عليها. قد عرّض السّيف دون النّازلات به ... وظاهر الحزم بين النّفس والغيل قيل: أراد بالسيف نفسه، والهاء في به: ترجع إلى سيف الدولة. يقول: جعل سيفه عارضاً بينه وبين النوائب وقد لبس الحزم مظاهراً. حاجزاً بين نفسه وبين اغتيال عدوه، فحزمه سلاح له كالسيف. ووكّل الظنّ بالأسرار فانكشفت ... له ضمائر أهل السّهل والجبل الهاء في له ترجع إلى سيف الدولة، وقيل: إلى الظن. يقول: وكل ظنه بضمائر الناس، فظهرت له ضمائر أهل السهل والجبل. هو الشّجاع يعدّ البخل من جبنٍ ... وهو الجواد يعدّ الجبن من بخل يقول: إنه يتجنب من البخل، كما يتجنب الشجاع من الجبن، ويتجنب من الجبن، كما يتجنب الجواد من البخل، فأجرى البخل مجرى الجبن. فشجاعته تريه أن البخل من جملة الجبن؛ لأن البخيل يبخل بماله خوف الفقر، فهو جبن. وجوده يريه أن الجبن بخل بالنفس فشجاعته تمنعه من البخل، وجوده يمنعه من الجبن. يعود من كلّ فتحٍ غير مفتخرٍ ... وقد أغذّ إليه غير محتفل أغذ إليه: أي أسرع إليه في السير. والاحتفال: التأهب. يقول: إنه يفتح البلاد ويعود، ولا يفتخر بما فعل ولا يعتد به؛ لأنه يستصغر ما يفعله، ويسير إلى الأعداء مسرعاً غير مبال بهم ولا مستعد لهم فيهزمهم. ولا يجير عليه الدّهر بغيته ... ولا يحصّن درعٌ مهجة البطل البغية: الطلبة، وهي المطلوب، ولا يجير: أي لا يعيب. يقول: إنه الدهر لا يمنعه مراده، والدرع لا يحفظ منه مهجة الشجاع إذا أراد قتله. إذا خلعت على عرضٍ له حللاً ... وجدتها منه في أبهى من الحلل أراد بالحلل: القصائد. يقول: كسوته مدائح من شعري، لأجمله بحسن ذكره في الآفاق، فاكتسبت منه مدائحي جمالاً، ولبست من عرضه حللاً وكمالا، فصار هو الذي ينشر شعري. ومثل هذا قول كثير: وإذا الدّرّ زان حسن وجوه ... كان للدّرّ حسن وجهك زينا بذى الغباوة من إنشادها ضررٌ ... كما تضرّ رياح الورد بالجعل يقول: إن الجاهل عن إدراكه وإدراك معناه، لا يعيب في شعري، بل هو على أبلغ وجوه الإحكام والجودة، وكما أن الجعل إذا شم ريح الورد غشى عليه وليس ذلك لنقص الورد، بل هو لخبث نفس الجعل ولؤم طبعه. ووجه ضررها بالغبي أنها تهتك ستر جهله، وتدل على بلادة فهمه، كما يظهر الورد لؤم طبع الجعل والهاء في إنشادها للحلل. لقد رأت كلّ عينٍ منك مالئها ... وجرّبت خير سيفٍ خيرة الدّول الهاء في مالئها للعين. والخيرة وإن كانت أفعل التفضيل، وهو لا يدخله الهاء، فإنها إنما حذفت منه الألف لحقت بغيرها فيقال: زيد خير الناس وهند خيرة النساء. يقول: كل عين نظرت إليك ملأها حسنك وهيبتك، ولما كنت سيفاً كان مجربه: الذي هو الدولة. خيرة الدول. فما تكشّفك الأعداء عن مللٍ ... من الحروب ولا الآراء عن زلل يقول: إن الأعداء جرّبوك، فوجدوك لا تمل حروبهم، وكذلك لا تكشفك الآراء عن زلل؛ لأن رأيك لا يكون خطأ أبداً. وكم رجالٍ بلا أرضٍ لكثرتهم ... تركت جمعهم أرضاً بلا رجل يقول: كم رجال من الأعداء ضاقت الأرض بهم لكثرتهم، فأفنيتهم، حتى صارت ديارهم خالية ليس فيها رجل. ما زال طرفك يجري في دمائهم ... حتّى مشى بك مشي الشّارب الثّمل يقول: قد أجريت دماءهم، وأكثرت من قتلهم، حتى كأن فرسك يتعثر فيهم؛ لكثرة جيفهم، ويتمايل بك كما يتمايل السكران الثمل. يا من يسير وحكم النّاظرين له ... فيما يراه وحكم القلب في الجذل الجذل: السرور. يقول: إن الأرض كلها له، فحيثما سار يرى سروراً، وهو مأخوذ من قوله تعالى: " وَفِيهَا مَا تَشْتَهيِه الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ ". إنّ السّعادة فيما أنت فاعله ... وفقت مرتحلاً أو غير مرتحل يقول: كل ما فعلته مقرون بالسعادة والتوفيق، سواء ارتحلت أو أقمت. وقيل: إنه دعاء له بالتوفيق على كل حال. أجر الجياد على ما كنت مجريها ... وخذ بنفسك في أخلاقك الأول

стр. 229

عن ابن جني قال: سألت المتنبي عن هذا فقال: كان سيف الدولة ترك الركوب مدة لعلة أصابته، فحركته بهذا، فعلى هذا: البيت الأول بيت لهذا المعنى. يعني أنك موفق الرأي فيما تفعله، ولكن الرأي أن ترجع إلى أمرك الأول من الغزو والقتال. ينظرن من مقلٍ أدمى أحجّتها ... قرع الفوارس بالعسّالة الذّبل الأحجة: جمع الحجاج، وهو العظم الذي فوق العين، وفاعل أدمى: قرع الفوارس. ومفعوله: أحجتها. وقرع: قيل مضاف إلى المفعول، ومعناه: قرعك الفوارس. أي أن خيلك ينظرن من عيون قد أدماها قرعك الفوارس بالعسالة: بالرماح اللينة الكثيرة الاضطراب؛ لأنها إذا شرعت للطعن يكون مرها على قرب الحجاج من الفرس. يعني أنها معودة للقتال. وقيل: إنه مضاف إلى الفاعل. أي أن خيلك قد أدمى عيونها طعن الفرسان إياها؛ لأنها تكون مقدمة لا تولى، فالطعن إنما يقع على وجهها. فلا هجمت بها إلاّ على ظفرٍ ... ولا وصلت بها إلاّ إلى أمل دعاء له بالظفر. يقول: كلما ركبت خيلك وصلت إلى ما ترجوه، وظفرت بما تطلبه والهاء في بها للخيل. وقال يمدحه ويعتذر عن المسير معه وقد سأله السير معه في الطريق، لما سار لنصرة أخيه ناصر الدولي سنة ٣٣٧: سر حلّ حيث تحلّه النّوّار ... وأراد فيك مرادك المقدار النور والنوار واحد. ويجوز أن يكون النوار: جمع نور. وحل: قيل: دعاء بلفظ الخبر، ومعناه: سر، حل النوار حيث تحله. والمقصود: سقاك الله الغيث حيث حللت حتى يحل هناك النوار. وقيل: إنه خبر على الحقيقة، ومعناه: أنه جعل سقياً. فيقول له: أنت السحاب فإذا حللت ببلد يحصل منك السقى، فيحصل بك النور والزهر. وأما الصراع الثاني فأولى فيه حمله على الدعاء: معناه أن الأقدار ساعدتك على مرادك، وأرادت كما تريد أنت. ويجوز حمل المصراع الثاني على الخبر: أي أن الأقدار، لا تريد إلا ما تريد أنت. وفاعل حل: النوار. وفاعل أراد: المقدار. وإذا ارتحلت فشيّعتك سلامةٌ ... حيث اتّجهت وديمةٌ مدرار توجهت: بمعنى اتجهت. والديمة. مطر يدوم أياماً في سكون ريح ورعد. ومدرار: قيل متصل المطر. وشيعتك: دعاء، ومعناه حيث قصدت صاحبتك السلامة، وديمة غزيرة تسقي محلك، وتخضب منزلك. وصدرت أغنم صادرٍ عن موردٍ ... مرفوعةً لقدومك الأبصار وهذا البيت أيضاً دعاء. وقوله: مرفوعة لقدومك الأبصار: إشارة إلى ما يحصل من السرور، لأن الأبصار إنما ترفع عند ذلك. يقول: إذا رجعت من مقصدك رجعت غانماً قد شخصت الأبصار إليك وقوله: أغنم ومرفوعة: نصب على الحال. وأراك دهرك ما تحاول في العدا ... حتّى كأن صروفه أنصار يقول داعياً له: أراك دهرك من أعدائك ما تريده منهم، حتى تكون صروف الدهر أنصاراً لك، ومن جملة أوليائك. أنت الذي بجح الزّمان بذكره ... وتزيّنت بحديثه الأسمار بجح: أي افتخر. يقول: إن الزمان يفتخر بذكرك؛ لأن له فضلاً على سائر الأزمنة المتقدمة. وقيل: أراد بالزمان أهله، والأسمار إذا تضمنت حديثك وحديث وقائعك تزينت، إذ فيها من العجائب أكثر مما في الأحاديث الموضوعة. وإذا تنكّر فالفناء عقابه ... وإذا عفا فعطاؤه الأعمار وله وإن وهب الملوك مواهبٌ ... درّ الملوك لدرّها أغبار الدر: أول ما ينزل من اللبن الكثير. والأغبار: جمع الغبر، وهو البقية بعد الحلب. والهاء في لدرها للمواهب. يقول: إن عطايا الملوك في جنب إعطائك كالأغبار. يعني أن أقل مواهبك أعظم من مواهب سائر الملوك. وقيل معناه: أن عطايا الملوك هي بقايا عطاياه، ومعناه أنه أفضل منهم وهم دونه ومحتاجون إليه، وإن صلاتهم من صلاته. لله قلبك! ما تخاف من الرّدى ... وتخاف أن يدنوا إليك العار لله قلبك: أي ما أعجب أمرك! وأعظم أمر قلبك! لما فيه من القوة والشجاعة والهمة التي لا تخاف معها الهلاك! ومع ذلك فأنت تخاف من أن يدنوا إليك العار. وقيل: ألف الاستفهام محذوفة في الموضعين ومعناه: أما تخاف من الردى؟! وأتخاف من العار؟! وهو دون الردى في الصورة. وتحيد عن طبع الخلائق كلّه ... ويحيد عنك الجحفل الجرّار الطبع: قيل هو الدرن. والخلائق الأخلاق ومعناه أنك تميل عن دنس الأخلاق ودنس الطباع.

стр. 230

وقيل الطبع: الخلق. والخلائق: البشر. أي أنك تميل وتكره أخلاق جميع الناس. والجحفل: العسكر. الجرار: الذي يجر نفسه أي بعضه بعضاً، وقيل: الذي يجر الرماح. يقول: إنك تتجنب أخلاق الناس، أو دنىء الأخلاق، مع أن العسكر العظيم إذا أتبعته مال عنك. يا من يعزّ على الأعزّة جاره ... ويذلّ في سطواته الجبّار الأعزة: قيل هي أولاده وسائر من يعز عليه. ومعناه أن جاره المستجير به يكون أفضل في جواره من أعزته. وقيل أراد بالأعزة الملوك أي أن جاره عزيز، له فضل على سائر الملوك، والأعزة، فلا يمكن لأحد من الملوك ضيمه، ويذل الملك الجبار بسطوته. وعدوه. ذليل لفضل قوته. كن حيث شئت فما تحول تنوفةٌ ... دون اللّقاء ولا يشطّ مزار التنوفة: المفازة البعيدة الأطراف. وتحول: أي تمنع. ولا يشط: أي لا يبعد. والمزار: يجوز أن يكون كالزيارة، ويجوز أن يكون اسماً لمكان الزيارة. يقول: كن في أي موضع شئت فما يحول بيني وبين قصدك، وبين من يقصدك لمعروفك مفازة بعيدة، ولا يبعد على من يقصدك مستميحاً ومثله: من عالج الشّوق لم يستبعد الدّار وله: كن كيف شئت تسر إليك ركابنا وبدون ما أنا من ودادك مضمرٌ ... ينضى المطيّ ويقرب المستار المستار: بمعنى المسير، وهو مفتعل منه، ويجوز أن يكون اسماً لمكان السير. يقول: ما أضمره لك من المودة والحرص على اللحاق بك - ومن ود إنساناً بعض ما أودك - فإنه يهز المطيّ في اللحوق بك، ويقرب عليه المسير والمسافة البعيدة. إنّ الّذي خلّفت خلفي ضائعٌ ... ما لي علي قلقي إليه خيار يقول: لولا أهلي الذين خلفتهم ورائي، لصحبتك، ولكنهم إن رغبت عنهم ضاعوا، فقلقي إليهم شغل قلبي بهم، فمنعني من اختياري وإيثار صحبتك عليهم. وقيل أراد بالقلق الاضطرار أي أني مضطر إلى الرجوع إلى أهلي ومالي مع هذا اختيار. وإذا صحبت فكلّ ماءٍ مشربٌ ... لولا العيال وكلّ أرضٍ دار يقول: لولا العيال، لما كان شيء عندي أطيب من مصاحبتك؛ لأني إذا صحبتك فكل ماء مشرب. أي طيب زلال، وكل بلد يكون داراً لي؛ لأن كل راحة معك وكل عيش يتهيأ بك وبصحبتك. ومثله قول الآخر: إذن الأمير بأن أعود إليهم ... صلةٌ تسير بشكرها الأشعار وماهي إلا بلدة مثل بلدة ... وخيرهما ما كان عوناً على الزمن يقول: إن أذن الأمير بالعودة إلى أهلي عددت ذلك صلة من صلاته، أشكره عليها، وأسير الأشعار بذكرها. وفيه تنبيه على أن الوقت وقت الصلة وعلى التحقيق أن سيف الدولة قدر رضى بالإذن من غير اقتران صلة. وقال يرثى عبد الله بن سيف الدولة بحلب وقد توفى بميافارقين سنة ٣٣٨ قال: بنا منك، فوق الرّمل، ما بك في الرّمل ... وهذا الّذي يضني كذاك الّذي يبلي الرمل ها هنا: الأرض والتراب. والضنا: طول المرض، والاضناء: الإمراض. وقوله منك أراد من الغم عليك، فحذف المضاف. يقول: تحت التراب تبلى ونحن فوقه نضنى، فبنا من الغم عليك فوق الأرض من طول الضنا، مثل ما بك تحتها من طول البلى، فهذا الحزن الذي بنا يضنينا ويهزلنا، مثل الموت الذي يبلى جسدك ويفرق أوصالك، فنحن أموات في صورة الأحياء. كأنّك أبصرت الّذي بي وخفته ... إذا عشت فاخترت الحمام على الثّكل الثكل: فقد المحبوب! يخاطب الولد على لسان سيف الدولة فيقول: كأنك أبصرت قبل موتك ما بي الآن من الحزن عليك، فرأيته أشد من الموت! وخفت أنك إن عشت تبتلى بثكل ولد كما ابتليت أنا بثكلك! ويصيبك من ألم الحزن مثل ما أصابني، فاخترت الموت على الثكل. تركت خدود الغانيات وفوقها ... دموعٌ تذيب الحسن في الأعين النّجل يقول: تركت النساء الغانيات يبكين عليك، حتى قرحت أجفانهن وذهب حسن عيونهن، وإنما اختار لفظ الإذابة، لأن حسن العيون لما كان كأنه يذهب بالبكاء على تدرج الأيام، ولم يذهب دفعة واحدة كان لفظ الإذابة أبلغ من قوله تزيل الحسن أو تذهب الحسن. وقيل: إنما قال تذيب؛ لأن الذوب في معنى السيلان، والدمع سائل، فكما أن الحسن سال مع الكحل، فيزول حسن الكحل ويبقى حسن الكحل، وكأن الحسن قد ذاب ونقص. تبلّ الثّرى سوداً من المسك وحده ... وقد قطرت حمراً على الشّعر الجثل

стр. 231

تبل أي من الدموع. والشعر الجثل: الكثير المجتمع. والهاء في وحده يرجع إلى المسك. معناه: أن دموعهن كانت تقطر من أجفانهن حمراً؛ لامتزاجها بالدم، فإذا سقطت على شعورهن الكثيرة المنتشرة، لأجل المصيبة، المسترسلة على خدودهن، خالطها ما في شعورهن من المسك، فاسودت، فوصلت إلى الترب سوداء من المسك. وقوله: من المسك وحده فيه وجوه. قيل: معناه أن سواد دموعهن ليس لأجل الكحل، لأنهن مستغنيات عن التكحل بالكحل، فليس ذلك السواد إلا لأجل المسك فقط. والثاني: أنهن يستعملن الكحل لأجل المصيبة، فاسودت دموعهن بالمسك الذي استعملته قبل المصيبة وكان قد بقيت رائحتها وأجزاؤها على شعورهن. والثالث: أنه إشارة إلى أنهن من بنات الملوك، فلم يستعملن من الطيب إلا المسك الخالص، دون ما يخلط به من أنواع الطيب. فإن تك في قبر فإنّك في الحشا ... وإن تك طفلاً فالأسى ليس بالطّفل يقول: إن مت، ودفنت في القبر، فقلوبنا معمورة بذكرك، وأحشاؤنا محترقة بحزنك! فكأنك حال في قلوبنا، وإن كنت طفلا، فإن حزننا عظيم عليك! ومثلك لا يبكي على قدر سنّه ... ولكن على قدر المخيلة والأصل المخيلة: الفراسة، وقيل: العلامة، وأصله في السحاب الذي يطمع منه المطر. يقول: ليس نبكي عليك على مقدار سنك، ولكن على مقدار أصلك، وكرم منصبك وعلى ما يتفرس منك من الخصال الحميدة، وما كنا نتوقعه منك من الملك. ألست من القوم الألى من رماحهم ... نداهم ومن قتلاهم مهجة البخل؟ ألست: استفهام، ومعناه التقرير. والألى: بمعنى الذين. وروى: من القوم الذي. ورده إلى لفظ القوم. وقيل: أراد الذين، فحذف النون. قيل: في هذا البيت معنيان: أحدهما: ما قال ابن جني ومعناه: ألست من القوم الذين يقتلون البخل بنداهم؟ فكأن نداهم من جملة رماحهم، يطعنون به في مهجة البخل. وعلى هذا روى من رماحهم نداهم. والثاني: أن سخاءهم؛ لأنهم يغيرون برماحهم على أعدائهم، ويغنمون أموالهم ويهبون منها المواهب. ثم استأنف معنى وقال: البخل من جملة قتلاهم. يعني: أنهم يهبون المواهب العظيمة حتى يكون البخلاء أسخياء، فلا يكون في الدنيا بخيل ولا بخيلة. بمولودهم صمت اللّسان كغيره ... ولكنّ في أعطافه منطق الفضل روى: منطق الفضل، والفصل. بالضاد والصاد: وهو الكلام الفاصل بين الحق والباطل. يقول: مولودهم لا يتكلم في المهد، كسائر الأطفال، ولكن دلائل الفضل ناطقة من أعطافه! ومخايل النجابة موجودة في شمائله، فكأنها مقام النطق. تسلّيهم علياؤهم عن مصابهم ... ويشغلهم كسب الثّناء عن الشّغل يقول: إذا أصابتهم مصيبة فإن علياءهم وسلامتها، تسليهم عن المصيبة، ويشغلهم اكتساب الثناء عن كل شغل سواه. أقلّ بلاءً بالرّزايا من القنا ... وأقدم بين الجحفلين من النّبل أقل بلاء: أي أقل مبالاة، وأقدم: من قدم يقدم إذا سبق، وفي القرآن: يقدم قومه وإن كان من أقدم فعلى حذف الزوايد. يقول: إنهم أقل مبالاة بالمصائب من الرماح التي لا يتصور فيها المبالاة، ولا تخشى من الكسر، وإنهم أشد تقدما بين الجيشين من السهام التي هي أسبق الأسلحة. عزاءك سيف الدّولة المقتدى به ... فإنّك نصلٌ والشّدائد للنّصل عزاءك: نصب على الإغراء أي الزم عزاءك، والمقتدى به: نعت لسيف الدولة يعني يا سيف الدولة الذي يقتدى به. وقيل: نعت للعزاء المقتدى به. يقول: أنت قدوة لنا في صبر أو جزع، فالزم صبرك، فإن سيف الدولة من شأنه ملاقاة الشدائد، وقلة المبالاة بالضرب والثلم، وترك الجزع عند لقاء الكرائه. مقيمٌ من الهيجاء في كلّ منزلٍ ... كأنّك من كلّ الصّوارم في أهل المقيم: ضد المسافر. يقول: إنك مقيم في حروب، في كل منزل، فكل حرب كأنها منزلك! وكأنها عشائرك وأهلك؛ لأنك سيف والسيوف منازلها الحروب، وعشائرها السيوف، فأنت أبداً في دارك، وبين قومك. وقيل: معناه أنك من قلة مبالاتك بالحروب كأنها منزلك، وكأن السيوف أهلك، حيث تسكن إليها سكون الرجل إلى أهله؛ لأنها تحيد عنك ولا تعمل فيك بل تعمل في أعدائك. ولم أر أعصى منك للحزن عبرةً ... وأثبت عقلاً والقلوب بلا عقل

стр. 232

يقول: ما رأيت إنساناً أصبر على المصائب منك! وأعصى عند الحزن عبرة منك، ولا أثبت عقلا عند شدة؛ لأنه أبداً ثابت لا يعتريه الطيش والخفة. تخون المنايا عهده في سليله ... وتنصره بين الفوارس والرّجل السليل: الولد. يقول: إن المنية عاهدته على أن تنصره في الحروب، ثم تخون عهده في ولده، فكيف تجمع بين الإحسان والإساءة؟! لولا تقلب أحواله!! ويبقى على مرّ الحوادث صبره ... ويبدو كما يبدو الفرند على الصّقل الفرند: ماء السيف، وجوهره. يقول: إن الحوادث تظهر صبره، وكرم أصله، كما يظهر الصقل جوهر السيف ورونقه. ومن كان ذا نفسٍ كنفسك حرةٍ ... ففيه لها مغنٍ وفيها له مسلى حرة: صفة لنفس، والتذكير: لمن والتأنيث: للنفس. يقول: من كانت له نفس حرة مثل نفسك، ففيه ما يغنى نفسه عن تعزية غيره عليه، وعن كل شيء، وفي نفسه ما يسليه عما يجده من الهموم والمصائب. وما الموت إلا سارقٌ دقّ شخصه ... يصول بلا كفٍ ويسعى بلا رجل يقول: لا عيب لك، فالموت. كالسارق الذي دق شخصه دقة، ليس له يد ولا رجل، ولو كان أراد أن يجاهرك وظهر شخصه لم يقدر على غضبك، وقيل: معناه أن السارق يستحق القطع، والموت ليس له محل القطع من اليد والرجل. يردّ أبو الشّبل الخميس عن ابنه ... ويسلمه عند الولادة للنّمل أبو الشبل: الأسد، والشبل ولده. ويقال: إن ولد الأسد يجتمع عليه النمل - ما لم ينبت عليه الشعر - فيقتله، ولهذا لا تلد الأسدة إلا في ثجة؛ هرباً من ذلك. فيقول: مثلك ومثل الموت، كمثل الأسد والنمل، فإنه يدفع الجيش عن ولده، ولا يقدر أن يمنعه من النمل، وليس ذلك لعجز الأسد، ولكن لقلة قدر النمل ودقة شخصه، وكذلك أنت، لو ظهر لك الموت لمنعته، ولكنه يأتي من حيث لا يراه أحد، ولا يدل ذلك على عدم شجاعتك. بنفسي وليدٌ عاد من بعد حمله ... إلى بطن أم لا تطرّق بالحمل طرقت المرأة بالولد: إذا نشب فيها، ثم يتسع فيقال: طرقت: أي ولدت. يقول: نفسي فداء لهذا المولود الذي انفصل عن بطن أمه إلى بطن أم ليست كالأمهات في الولادة، أي أنا ليست بأم على الحقيقة. وقيل: معناه عاد إلى بطن أم لا تلد أبداً، يعني أنه لا يخرج منها، فكأنه يقول: لقصر أيامه كأنه انتقل من بطن أمه إلى القبر. بدا وله وعد السّحابة بالرّوى ... وصدّ وفينا غلّة البلد المحل الروى بالفتحة على المصدر من روى يروي روى، وبالكسر هو الماء الكثير. يقول: كانت مخايله تعدنا بجوده وأفضاله، كما تعدنا السحابة بالغيث، فمضى عنا وخيب آمالنا. شبهه بسحابة نشأت على بلد خرب ثم أقلعت! من غير شيء. وقد مدّت الخيل العتاق عيونها ... إلى وقت تبديل الرّكاب من النّعل يقول: كانت الخيل تنتظر كبره، لتتشرف بركوبه إياها، وبتنقله رجله إلى الركاب. وريع له جيش العدوّ وما مشى ... وجاشت له الحرب الضّروس وما تغلى ريع: أفزع. وروى: جاش العدو: أي قلبه، وجيش العدو، وجاش: أي هاج وارتفع. والضروس: الشديد. يقول: إن أعداء أبيه خافوا منه وهو بعد في المهد لم يمش! وهاجت له الحروب الشديدة وارتفعت قبل غليانها، وروى وما يقلى من قليت بالقلة أقلى بها، وقلوت أقلو يعني أنهم خافوه قبل أن يبلغ إلى أن يقلى بالقلة. أيفطمه التّوراب قبل فطامه ... ويأكله قبل البلوغ إلى الأكل التوراب: لغة في التراب. قال الأصمعي: التراب والتوراب، والتيرب والتورب، والترباء كل ذلك بمعنى. يقول: فطمه التراب قبل أوان فطامه! وأكله التراب قبل وقت أكله! يقول ذلك على معنى الإنكار والتأسف. وقبل يرى من جوده ما رأيته ... ويسمع فيه ما سمع من العذل قبل: مضاف إلى يرى. وإنما جاز إضافة الظرف إلى الفعل لقلة تمكنها. وفي القرآن: " يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُل "، " يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ ". وقيل: إن فيه إضمار أن وتقديره: وقبل أن يرى. فيكون في معنى المصدر: أي وقبل رؤيته، فتجرى الإضافة على بابها. فعلى هذا يجوز. في يسمع الرفع، والنصب. يقول: كيف جآءت قبل أن يرى من جوده ما رأيته من جودك؟! من قصد العفاة، وعذل العذال، فيه ما رأيت وسمعت.

стр. 233

ويلقى كما تلقى من السلم والوغى ... ويمسى كما تمسى مليكاً بلا مثل معناه: أكله التراب قبل أن يلقى من الصلح والوغى مثل ما نلقى، وكذلك قبل أن يسمى مليكاً بلا مثل، كما أنت تسمى كذلك الآن. تولّيه أوساط البلاد رماحه ... وتمنعه أطرافهنّ من العزل فاعل توليه: رماحه، ومفعوله الأول الهاء من توليه، والثاني أوساط البلاد. يقول: مات قبل أن توليه أطراف الرماح أوساط البلاد والممالك، وتمنعه أطراف الرماح من العزل. طابق بين أوساط البلاد، وأطراف الرماح، وبين الولاية، والعزل. نبكّى لموتانا على غر رغبةٍ ... تفوت من الدّنيا ولا موهبٍ جزل يقول: نبكي على من مات منا، ولم يفته من هذه الدنيا حظ له خطر يوجب الأسف على مفارقته. إذا ما تأمّلت الزّمان وصرفه ... تيقّنت أنّ الموت ضربٌ من القتل يقول: إذا تأملت أحوال الزمان، رأيت أنه عدو للإنسان، فلذا يحاربه، فإذا مات الإنسان فكأن الزمان قتله وظفر به. وقيل: معناه أن الموت كله قتل! وأسبابه مختلفة، فلاختلاف الأسباب اختلفت تسميته، فبعضه يسمى قتلاً، وبعضه موتاً: وهو ما كان على الفراش. هل الولد المحبوب إلاّ تعلّة ... وهل خلوة الحسناء إلا أذى البعل؟ التعلة: ما يعلل به الإنسان. يقول: السرور بالولد ليس شيئاً يدوم، وإنما هو شيء يعلل به المرء نفسه ثم ينقطع! فإن الخلة بالمرأة الحسناء ليس إلا أذى البعل، من حيث يؤدي إلى أذى شديد؛ لأن غم موت الولد أكثر من السرور بهذه اللذة، فسمى تلك الخلوة بأسرها أذى لما يؤدي إليها. وقيل: معناه أن الذى فيها أكثر من حيث المؤن والكلف والغيرة عليها، والاشتغال بذلك يمنع من اكتساب المجد والأجر، فإذا كان هاتان اللذتان لا حقيقة لهما، فما سواهما أولى بذلك. وقد ذقت حلواء البنين على الصّبا ... فلا تحسبنّي قلت ما قلت عن جهل الحلواء: الحلاوة. يقول: قد ولدت في حداثة سني، وجربت حلاوة الأولاد فلا تظنن أني قلت ذلك عن جهل. وما تسع الأزمان علمي بأمرها ... وما تحسن الأيّام تكتب ما أملي يقول: علمي بالدهر أكثر من أحواله، فأزمانه لا تسع علمي بما أعلمه منه، ولو أمليت ما أعلم من أحوالها لم تحسن أن تكتبه. وما الدّهر أهلٌ أن يؤمّل عنده ... حياةٌ وأن يشتاق فيه إلى النّسل يقول: الدهر ليس بأهل أن يؤمل عنده حياة؛ لقلة وفائه! وليس بأهل أن يشتاق فيه إلى الولد. وقال يمدحه ارتجالا، وقد سئل عن وصف فرس يهديه إليه. موقع الخيل من نداك طفيف ... ولو أنّ الجياد فيها ألوف الطفيف: اليسير الحقير. يقول: الخيل عند جودك لا قدر لها، ولو وهبت منها ألوفا لاستقللتها، ولم تعتد بها. ومن اللفظ لقطةٌ تجمع الوص ... ف وذاك المطهّم المعروف الفرس المطهم: هو الحسن التام الخلق، الذي كل عضو منه حسن على انفراده. يقول: من الألفاظ لفظ يجمع جميع الأوصاف، وهو المطهم المعروف. أتى بوصفه على وجه الإجمال، فجمع الوصف في أقل الألفاظ وأوجزها، ولم يذكر الوصف على سبيل التفصيل. ما لنا في النّدى عليك اختيارٌ ... كلّ ما يمنح الشّريف شريف يقول: ما لنا في الندى اختيار: أي ليس الاختيار في ذلك إلينا فأنت كريم، وكل ما تمنحه شريف مثلك. وقال يمدحه وقد خيره بين فرسين: دهماء وكميت: اخترت دهماء تين يا مطر ... ومن له في الفضائل الخير دهماء: مضاف إلى تين أي: دهماء هاتين. يقول: اخترت الدهماء من هاتين الفرسين، وسماه مطرا على المبالغة في الجود. أي يا من له في الفضائل الاختيار. والخير: جمع خيرة. وربّما فالت العيون وقد ... يصدق فيها ويكذب النّظر فالت: أي أخطأت وضعفت، والهاء في فيها للدهماء المختار، أو لجملة الخيل. يقول: أنا اخترت منها هذه الدهماء؛ لأنها أحسن في عيني، وربما لم تكن كذلك بل غيرها خير منها؛ فإن العين ربما كذبت في النظر، وربما صدقت، وقد قلت ما رأيت. أنت الّذي لو يعاب في ملإٍ ... ما عيب إلاّ بأنّه بشر الملأ: جماعة الأشراف، والسادة. يقول: لو عابك عائب فيما بين الملأ، لم يجد لك عيباً إلا كونك من البشر، ومعناه لا عيب فيك؛ لأن هذا ليس بعيب.

стр. 234

وأنّ إعطاءه الصّوارم والخي ... ل وسمر الرّماح والعكر العكر: جمع عكرة: وهي ما بين الخمسين إلى المئة من الإبل. يقول: لو عابك عائب ما وجد فيك عيبا! إلا كونك من البشر، وأنك تعطى السيوف، والخيل، والرماح، والإبل الكثيرة. وهذا ليس مما يعاب. ومثله قول الآخر: ولا عيب في أخلاقه غير أنّه ... جوادٌ فما يبقى من المال باقيا فاضح أعدائه كأنّهم ... له يقلّون كلّما كثروا يقول: يفضح أعداءه بالقهر، وإظهار عجزهم، وكلما اجتمعوا عليه كان على كسرهم أقدر، فكأنهم عند كثرتهم يقلون له، وكأن كثرتهم سبب قلتهم. وقيل: معناه أنهم كلما كثروا وازدادوا فضلاً، إذا قيسوا به صاروا إلى الإضافة إليه في حد القلة، وصار فاضحاً لهم. أعاذك الله من سهامهم ... ومخطئٌ من رميّه القمر وقال يشكره وقد أمر سيف الدولة بإنفاد خلع إليه: فعلت بنا فعل السّماء بأرضه ... خلع الأمير وحقّه لم نقضه الهاء في أرضه للسماء، ذكره لأنه أراد السقف، وقيل: أراد به المطر. وقيل: إنه كناية الأمير، فأضمره قبل الذكر، كقوله تعالى: " فَإنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَار ". يقول: إن خلع الأمير قد زينتنا وكستنا بأنواع الوشى، كما يكسو المطر، الأرض، ويزينها بأنواع الأنوار، وألوان الأزهار، ونحن لم نقض حق الأمير من الخدمة، ولم أقدر على أن أمدحه بما يليق بأوصافه، لقصور المدائح عن أوصافه. فكأنّ صحّة نسجها من لفظه ... وكأنّ حسن نقائها من عرضه شبه صحة نسج هذه الخلع بصحة معاني الممدوح في لفظه، وشبه نقاءها من الدنس بعرضه. والعرض: يمدح به الرجل، أو يذم. وإذا وكلت إلى كريمٍ رأيه ... في الجود بان مذيقه من محضه المذيق: المشوب. والمحض: الخالص. يقول: إذا جعلت إلى كريم رأيه، وفوضته إليه، في الجود والكرم، ظهر لك الخالص من المشوب، والطبيعي من التكلفي. وقال يمدح سيف الدولة: لا الحلم جاد به ولا بمثاله ... لولا ادكار وداعه وزياله الزيال: المزايلة: وهي المفارقة. وقيل: هو الزوال. يقال: زال زوالا وزيالاً. والكناية في به ومثاله ووداعه وزياله للخيال. وقيل: إن الكنايات ترجع إلى الحبيب. والمثال: مثال الحبيب. يقول: إن النوم لم يسمح لي برؤية هذا الحبيب، ولا أهدي النوم إلي مثاله: أي خياله، لولا أني أطلت الفكرة بذكر وداعه ومفارقته، فرأيت في النوم ما كان هاجساً في خاطري، من ذكره وذكر وداعه. فإن كان الضمير للكناية، فمعناه لولا تذكري لوداعه ليلاً ونهاراً، لكان النوم لا يسمح لي بهذا الخيال، لا مثال الخيال! يشبه قول الطائي: زار الخيال لها بل أزاركه ... فكرٌ إذا نام فكر القوم لم ينم ومثله لآخر: وما زال حتّى سهّل الشّوق طرقه ... وقاد إليه ناظر العين مركبا إنّ المعيد لنا المنام خياله ... كانت إعادته خيال خياله له معان: أحدها: أن ما أرانا المنام من خيال الحبيب - عوداً على بدء - ليس خياله، بل كان خيال خياله؛ لأن النوم أرانا أولا: خياله بعد الفراق؛ فأنبهنا، وفي نفوسنا طيب ذلك الخيال، فلما أردنا النوم ثانياً: كان خيال الخيال الذي أراناه قبل ذلك، فالأول خيال الحبيب والثاني خيال ذلك الخيال. والثاني: أنا كنا تذكرناه بعد فراقه، وأدناه في عيوننا، فكأنه لم يغب عنا، فما رأيناه في النوم خيال ذلك الخيال الذي كنا نراه بالفكر والوهم. والثالث: أن لقاء الحبيب صار خيالا لبعد العهد، وتطاول الأيام على هجره، فلما رأيته في المنام فكأني رأيت خيال خياله؛ لأن صورته كانت لنا كالخيال؛ لزوال الانتفاع، كما لا ينتفع بالخيال. بتنا يناولنا المدام بكفّه ... من ليس يخطر أن نراه بباله الهاء في نراه وبباله لمن وهو الخيال. يقول: رأيت في النوم كأني أشرب المدام من كف حبيب، ليس يخطر على باله أن نراه؛ لبعده عني وقلة تفكره في، وخلو قلبه عن ذكرى، فضلا من أن يسقيني المدام بكفه. نجني الكواكب من قلائد جيده ... وننال عين الشّمس من خلخاله أراد بالكواكب: الدر الذي في العقود. وشبهه بالكواكب في الحسن والصفاء، وشبه الخلخال بعين الشمس؛ لما عليه من الحمرة والاستدارة.

стр. 235

وقيل: أراد بذلك بعد التناول، فكنت إذا أجلت يدي بين قلائده فكأني نلت الكواكب! وإذا لمست موضع خلخاله فكأني لمست عين الشمس؛ لتعذر الوصول. بنتم عن العين القريحة فيكم ... وسكنتم طيّ الفؤاد الواله الهاء في الواله أصلية، وقد استعملها وصلا، وهو جائز. وقد جاء مثله في الشعر. الواله: المتحير الذاهب العقل. يقول: بعدتم عن عيني القريحة بالبكاء عليكم، ونزلتم وسط القلب المتحير لفراقكم، فإن لم أركم بعيني رأيتكم بقلبي وخاطري. فدنوتم ودنوّكم من عنده ... وسمحتم وسماحكم من ماله الها في عنده وماله للفؤاد، كأن الدنو من قلبي؛ لأنه هو الذي أدناكم مني، وسمحتم علي بالوصال والزيارة، وكأن هذا السماح من مال قلبي؛ إذ لولا تفكره لما زرتموني، وذكر المال لما ذكر السماحة. إنّي لأبغض طيف من أحببته ... إذ كان يهجرنا زمان وصاله يهجرنا: فعل الطيف، والهاء في وصاله لمن وهو الحبيب. يقول: إني أبغض خيال حبيبي في النوم؛ لأني إنما أرى خياله أيام هجر الحبيب، فوصال الخيال إنما يكون عند بعد الحبيب؛ لأن الإنسان إنما يرى خيال المحبوب عند فراقه واشتغال قلبه بذكره. مثل الصّبابة والكآبة والأسى ... فارقته فحدثن من ترحاله يقول: إني أبغض طيف الحبيب؛ لأن رؤيته تكون بعد الفراق، كما أبغض هذه الأشياء؛ لأنها حدثت بعد فراقه، فالطيف لما كانت رؤيته بعد فراق الحبيب كانت هذه الأمور. والصبابة: الشوق، والكآبة: الحزن والاستكانة والأسى: الحزن أيضاً. وقد استقدت من الهوى وأذقته ... من عفّتي ما ذقت من بلباله الهاء في بلباله للهوى. يقول: لما حيرني وقتلني شوقه أخذت القود منه؛ من حيث أني لما ظفرت بمن أهواه، عففت عنه، فأذقت الهوى من مرارة الصبر عن الحبيب، مثل ما أذاقني من الشوق والحيرة. ولقد ذخرت لكلّ أرضٍ ساعةً ... تستجفل الضّرغام عن أشباله تستجفل الضرغام: تهربه وتستعجله في الهرب عن أشباله: أي أولاده. يقول: خبأت لكل أرض ساعة صعبة من الحرب، بحيث تزعج الأسد وتستعجله عن أولاده، وتحوجه إلى الهرب خوفاً على نفسه، ولا يبالي بولده!. تلقى الوجوه بها الوجوه وبينها ... ضربٌ يجول الموت في أجواله الأجوال: جمع الجول، وهو مصدر جال يجول جولا وجولانا. وقيل: أجواله: نواحيه. والهاء في بها قيل: للساعة، وقيل للأرض. وفي بينها للوجوه وفي أجواله للضرب. يقول: ذخرت لكل أرض ساعة تلتقي فيها الفرسان، ويضرب بعضهم وجوه بعض ضرباً، يدور الموت في نواحي هذا الضرب. ولقد خبأت من الكلام سلافةً ... وسقيت من نادمت من جرياله السلافة والسلاف: أرق الخمر وألطفها، وهو ما يجري من العصير قبل أن يعصر، وهو يضرب إلى الصفرة، والجريال: ما كان أحمر، وهو دون الأصفر. وقيل: الجريال: نفس الخمرة. وقيل: لونها. يقول: خبأت لسيف الدولة أحسن الكلام وأبدعه، ومدحت غيره بما هو دونه، الذي لم أتعب فيه فكراً، ولم أبدع فيه معنى. وإذا تعثّرت الجياد بسهله ... برّزت غير معثّرٍ بجباله الهاء في قوله بجباله وسهله للكلام. وبرزت: أي سبقت. يقول: إذا تعثر غيري من الخطباء في السهل من الكلام، برزت عليهم، ولم أتعثر في الصعب البعيد المرام. وجعل الكلام سهلا وجبلا مجازاً، وقيل: وصف في ذلك فروسيته. وشجاعته، وأن غيره لا يقاومه. وحكمت في البلد العراء بناعجٍ ... معتاده مجتابه مغتاله أي: تحكمت وصرت فيها كما اخترت والبلد العراء: الخالي الذي لا نبت فيه. والناعج: الخالص البياض من الإبل. وقيل: سريع السير، ومعتاده؛ أي قد تعود السير، والهاء: عائد إلى البلد، وكذلك فيما بعده، مجتابه: أي قاطعه بسيره، مغتاله: أي تغوله وتهلكه وتفنيه بسيره. يمشي إذا عدت المطيّ وراءه ... ويزيد وقت جمامها وكلاله يمشي: فعل الناعج والهاء في وراءه وكلاله: للناعج. وفي جمامها للمطي. والجمام: الراحة. والكلال: الإعياء. يقول: إذا مشى هذا الناعج كان مشيه مثل عدو المطي خلفه، ويكون أزيد من ذلك أيضاً، وذلك في وقت راحة المطي وكلال هذا الناعج، فكيف يكون سيره وقت الجمام؟!! وتراع غير معقّلاتٍ حوله ... فيفوتها متجفّلاً بعقاله

стр. 236

وتراع: أي تخوف المطي. متجفلا: أي سريعاً. يقول: إن هذا الناعج إذا كان معقولا بعقاله فإنه يسبق سائر المطي، وهن غير معقولات. وفائدة قوله: وتراع. قيل: إن هذا الناعج يفزعها ويثيرها وهو معقول ويسبقها. وقيل: أراد أنها تفزع وتخوف بقطع المفاوز، ولا يفزع هذا الناعج بل يسبقها إلى حيث يريد صاحبه. وقيل: معناه أنها تفزع من شيء أفزعها، وهي غير معقوله، ويفرق هو معقولا، فإنه يسبقها في العدو. فغدا النّجاح وراح في أخفافه ... وغدا المراح وراح في إرقاله الإرقال: ضرب من السير السريع. وراح فعل النجاح. والمراح: النشاط وراح، الثاني فعل المراح. يقول: إن النجاح غدا وراح في أخفاف هذا الناعج. أي أن من ركبه ظفر بما طلب وأدرك ما أراد، وكذلك النشاط غدا وراح في سيره: أي لا يلحقه كلال! فهو أبدا مرح نشيط. أي أنه مبارك حيثما توجه أدرك ما حوله، فنشط ومرح. وشركت دولة هاشمٍ في سيفها ... وشققت خيس الملك عن رئباله الرئبال: الأسد. والخيس: الأجمة. والهاء في سيفها للدولة وفي رئباله للخيس أو للملك. يقول: صرت شريكاً مع دولة هاشم في سيف الدولة: أي كان لي حظ فيه كما للدولة فيه حظ، وشققت أجمة الملك حتى وصلت إلى أسده، فجعله أسداً والملك خيساً له. عن ذا الّذي حرم اللّيوث كماله ... ينسى الفريسة خوفه بجماله عن ذا الذي الذي بدل عن المبدل. وينسى: يتعدى إلى مفعولين، فنصب الفريسة على أنه مفعوله الأول وخوفه المفعول الثاني. يقول: شققت أجمة الملك عن أسد منع الليوث كما له: أي ليس لها كما له؛ لأنه يفضلها بخلائق كثيرة، وليس لليوث إلا الإقدام، وهذا فيه كل خصلة جميلة، ثم قال: إن هذا الأسد إذا افترس فريسة أنسى هذه الفريسة خوفه بجماله! أي أنها إذا رأت جماله يشغلها جماله عما يلحقها من الخوف عن افتراسه، والليوث تكون قبيحة المنظر. وتواضع الأمراء حول سريره ... وترى لمحبّة وهي من آكاله الآكال: جمع أكل، وهو الذي يؤكل، وهي ضمير: الأمراء. يقول: إن الأمراء يتواضعون حول سرير سيف الدولة ويظهرون المودة له، وهم من قتلاه وفرائسه. يعني أنهم يظهرون المودة خوفاً لا حباً. وقيل: هي ضمير المحبة أي أن الأمراء يحبونه حباً مفرطاً، فلفرط حبهم لا يلتمسون منه العطاء ويرون من جملة أرزاقه إياهم المحبة؛ لأنهم يرون محبته فخراً وذخراً. ويميت قبل قتاله، ويبشّ قب ... ل نواله، وينيل قبل سؤاله وروى: ويعيش فيكون قد طابق بين: يعيش، ويميت. يعني أنه يقتل أعداءه بالخوف قبل القتال، ويظهر السرور بالعطاء، ويعطى قبل السؤال. إنّ الرّياح إذا عمدن لناظرٍ ... أغناه مقبلها عن استعجاله عمدن: أي قصدن. والناظر: هو ناظر العين، وقيل: اسم الفاعل من نظر والهاء في أغناه واستعجاله للناظر وفي مقبلها للرياح. يقول: إنه لا يحتاج في إعطائه إلى السؤال والاستعجال، كما أن الرياح إذا قصدت لناظر لا يحتاج الناظر في حال إقبالها إلى الاستعجال بل تصل إلى كل أحد وإن لم يستعجلها، فكذلك هو يعطى قبل السؤال. أعطى ومنّ على الملوك بعفوه ... حتّى تساوى النّاس في إفضاله يقول: نعمه قد عمت الناس كلهم، فأعطى العفاة من ماله، وعفا عن الملوك؛ بأن أسرهم ثم أطلقهم وعفا عنهم، أو ترك قتلهم والتعرض لهم، فكلهم تساووا في فضله. وإذا غنوا بعطائه عن هزّه ... والى فأغنى أن يقولوا: واله والى: أي تابع، وواله: أمر منه. والهاء في منه للعطاء. يقول: إذا استغنى الناس بعطائه عن تحريكه وسؤاله، تابع العطاء وأغنى في المتابعة عن الاستمداد والسؤال. وكأنّما جدواه من إكثاره ... حسدٌ لسائله على إقلاله الهاء في إكثاره للممدوح. وقيل: للجدوى. وذكر على معنى النوال، والعطاء، وفي إقلاله للسائل. والإقلال: الفقر. جعل جدواه حسداً، وجعل الممدوح حاسداً، والإقلال محسوداً عليه. يقولك إذا رأى فقيراً أكثر له العطاء، فكأنه يحسده على إقلاله: أي فقره. فهو يحب إزالته، كما يحب الحاسد زوال نعمة المحسود. غرب النّجوم فغرن دون همومه ... وطلعن حين طلعن دون مناله غرب: أي غبن. والهموم: جمع الهم: الذي هو الهمة. وقيل: أراد بهمومه مقاصده.

стр. 237

يقول: إن همم الممدوح فوق الكواكب، وهو قد نال ما هو أبعد منها، فتغيب الكواكب دون همته، وتطلع دون مناله، فهو أعلى منالاً منها في كل حال. والله يسعد كلّ يومٍ جدّه ... ويزيد من أعدائه في آله يقول: إن الله تعالى يخصه كل يوم بسعادة، ويظفره بأعدائه، فينعم عليهم ويعفو عنهم، فيعودون أولياءه بعد أن كانوا أعداءه، وعلى هذا معناه: الخبر. وقيل: إنه دعاء أن الله تعالى يوفقه للسعادة ويزيد الله من أعدائه في أوليائه. لو لم تكن تجري على أسيافه ... مهجاتهم لجرت على إقباله الهاء في إقباله لجده: أي على إقبال جده. وقيل: إنه راجع إلى الممدوح. يقول: لو لم يقتل أعداءه بسيوفه، لقتلهم إقباله وسعادة جده، وبلغته الأقدار مراده. فلمثله جمع العرمرم نفسه ... وبمثله انقصمت عرى أقتاله العرمرم: الكثير. والأقتال: جمع القتل، وهو النظير في الحرب. ويقال أيضاً للعدو: قتل. يقول: لمثل هذا الممدوح يجمع الجيش الكثير: يعني أن من كان مثله في الإقدام يفنى الجيش العظيم، ويفرق جمعه، ويقتل أبطاله. وقيل: جمع العرمرم نفسه: معناه الفزع. يقال: جمع فلان نفسه: إذا فزع. يعني: أن العسكر العظيم من مثله يفزع، وبمثله يقتل. لم يتركوا أثراً عليه من الوغى ... إلا دماءهم على سرباله يقول: إن أعداءه في الحرب لم يقدروا له على شيء، سوى أنهم خصبوا ثوبه بدمائهم؛ من جرحه إياهم، وانتضاح دمائهم إليه. يا أيّها القمر المباهى وجهه ... لا تكذبنّ فلست من أشكاله يقول للقمر: لا تكذبن. أي لا تغتر بما سولت نفسك من الكذب، ولا تباهى، ولا تفاخر وجهه في الحسن والبهاء، ولا تغتر بما حدثتك نفسك: بأنك مثله في الحسن والعلاء، فإنها كذبتك فسلت من أمثاله. وإذا طما البحر المحيط فقل له ... دع ذا فإنّك عاجزٌ عن حاله وهب الّذي ورث الجدود وما رأى ... أفعالهم لابنٍ بلا أفعاله يقول: وهب ما ورث عن آبائه من الأموال، لأنه لم ير ما بنوه من المجد وشيدوه من الفخر فخراً ما لم يفعل هو لنفسه فوق ما ورث لنفسه ما هو فخر له. كما قال بعضهم: إنّا وإن أحسابنا كرمت ... لسنا على الأحساب نتّكل نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا ومثله لابن الرومي. وما الحسب الموروث لادر دره ... بمحتسب إلا بآخر مكتسب إذا لم يكن وإن كان شعبه ... من المثمرات اعتده الناس من خطب حتى إذا فنى التراث سوى العلا ... قصد العداة من القنا بطواله يقول: لما أفنى بهباته ما ورث من آبائه، فلم يبق منه شيء، إلا معالي آبائه، فإنه شحيح بها، قصد الأعداء وأغار عليهم، فاحتوى على أموالهم ووهبها. وبأرعنٍ لبس العجاج إليهم ... فوق الحديد وجرّ من أذياله الأرعن: الجيش العظيم، والهاء في أذياله للأرعن. يقول: قصد الأعداء بجيش عظيم، قد لبس الغبار فوق الدرع، يعني أن الغبار قد علا الفرسان، حتى صار لها كالدرع السابغة وجر من أذياله يعني به التجافيف، وأنه يسحبها لطولها. فكأنّما قذى النّهار بنقعه ... أو غضّ عنه الطّرف من إجلاله يقول: إن غبار الجيش قد غير ضوء النهار، وكأن الشمس قد قذيت بهذا الغبار، أو غض عينه؛ من الإعظام للممدوح؛ فالهاء: للممدوح، وقيل للجيش، وقيل للغبار. الجيش جيشك غير أنّك جيشه ... في قلبه ويمينه وشماله يقول: الجيش لك، وأنت عليه أمير؛ لأنك تحميه بنفسك وتذب عنه بسيفك، فكأنك جيش الجيش. والكنايات للجيش. ترد الطّعان المرّ عن فرسانه ... وتنازل الأبطال عن أبطاله هذا تفسير البيت الأول. يقول: إنك تباشر الطعان الصعب عن فرسان جيشك، وتقاتل شجعان العدو عن شجعان جيشك. كلّ يريد رجاله لحياته ... يا من يريد حياته لرجاله يقول: كل الملوك إنما يريدون الجنود لحياة نفوسهم، حتى يدفعوا عنها الأعداء، وهو يريد الحياة؛ ليدفع عن جيشه ويصونهم. دون الحلاوة في الزّمان مرارةٌ ... لا تحتظى إلاّ على أهواله الهاء في أهواله للزمان.

стр. 238

يقول: كلا حلاوة الدنيا دونها مرارة! فلا تنال حلاوة الزمان إلا بتجرع مرارته وأهواله! يعني أن معالي الأمور لا تدرك إلا باقتحام القتال والحروب ومباشرة الأمور العظام، وتحمل المؤن والمغارم. فلذاك جاوزها عليّ وحده ... وسعى بمنصله إلى آماله يقول: فلهذا احتوى سيف الدولة على معالي الأمور دون غيره، وأدرك بسيفه ما أمل من المعالي، مالا يأمل غيره. وقال أيضاً يمدحه: أنا منك بين فضائلٍ ومكارم ... ومن ارتياحك في غمامٍ دائم الفضائل: جمع فضيلة، وهي كل خلق شريف. والمكارم: جمع مكرمة، وهي كل فعل كريم. والارتياح: السخاء، والاهتزاز. يقول: حصلت أنا منك بين شرف أخلاقك، وكرم أفعالك، وحللت من جودك في مطر دائم، من غمام سخائك وغزارة عطائك. ومن احتقارك كلّ ما تحبو به ... فيما ألاحظه بعيني حالم يقول: أنت تعطى العطايا الجليلة وتحتقرها مع عظمها! وإني وأنا أتعجب من عظم هذا الشان، فأقدر - فيما أشاهده من فعلك - أني نائم وأن ما أراه حلم! إنّ الخليفة لم يسمّك سيفها ... حتّى بلاك فكنت عين الصّارم بلاك: أي جربك. فكنت عين الصارم: أي حقيقته. يقول: إن الخليفة لم يلقبك بسيف الدولة إلا بعد أن جربك، فوجدك أمضى من السيف الصارم. فإذا تتوّج كنت درّة تاجه ... وإذا تختّم كنت فصّ الخاتم يقول: أنت زينة ملكه، وقوام دولته فموقعك من الخليفة موقع الدرّة من التاج، إذ هي زينته، والفص من الخاتم؛ لأن قدر الخاتم بالفص. وإذا انتضاك على العدى في معركٍ ... هلكوا وضاقت كفّه بالقائم يقول: إذا جردك الخليفة على أعدائه أهلكتهم، وملأ يده قائمك. يعني أنت أعظم منه قدراً، وأنفذ أمراً، وإن كنت له مطيعاً. أبداً سخاؤك عجز كلّ مشمرٍ ... في وصفه وأضاق ذرع الكاتم الذرع: القلب ها هنا. يقول: من اجتهد في وصف سخائك ظهر عجزه عن بلوغ كنهه، ومن أراد أن يكتمه ضاف صدره؛؟ لأنه لا ينكتم. وقال أيضاً يمدحه بحلب وقد أر له بفرس وجارية: أيدري الرّبع أيّ دم أراقا ... وأيّ قلوب هذا الرّكب شاقا؟! الألف: للاستفهام. ومعناه: النفي. أي لا يدري الربع. وشاقه الحبيب: أي هيج شوقه إليه. سأل أصحابه وقوفهم ساعة على ربع حبيبه. هل يدري الربع من قتل منا لوجوده؟! وقلب من هيه لشوقه؟ أراد به دم نفسه وقلبه، تغظيماً لهما. لنا ولأهله أبداً قلوبٌ ... تلاقى في جسومٍ ما تلاقى الهاء في لأهله للربع. وتلاقى: أصله تتلاقى في الموضعين. وما: النفي. يقول: لنا ولأهل الربع قلوب تتلاقى بالذكر، وإن كانت الجسوم متباينة في العين. وما عفت الرّياح له محلاً ... عفاه من حدا بهم وساقا عفا المنزل، وعفتها الرياح: يلزم ويتعدى. يقول: إن الرياح لم تعف محلاً بهذا الربع، فقد كانت تهب الرياح عليه، وهم حلول به، فلا تمحو له رسماً، ولا تعفو له أثراً، فلما حدى بهم حادي الرحيل، وساق إبلهم سائقه، عفت منازله ودرست أطلاله، فليس للرياح فيه صنع، وإنما ذلك من صنيع من حدى إبلهم وساقها. فليت هوى الأحبة كان عدلاً ... فحمّل كلّ قلبٍ ما أطاقا يعني أن الحب قد جار على فحملين فوق ما أطيقه من الشوق، فليت الهوى كان بالتسوية والنصفة بين العشاق. فيكون حظ كل عاشق منه قدر ما يطيقه. نظرت إليهم والعين سكرى ... فصارت كلّها للدّمع ماقا سكرى: أي مملوءة من الدمع. والماق: طرف العين مما يلي الأنف، وهو مصب الدمع. يقول: نظرت للتوديع عند ارتحال الحبيب وعيني مملؤة من لدمع، فلما رحلوا فاض الدمع من كل جانب، فصارت الجوانب كلها والمآق سواء في انصباب الدمع منه. وقد أخذ التّمام البدر فيهم ... وأعطاني من السّقم المحاقا يقول: إن البدر فيما بين أهل هذا الربع، قد أخذ التمام والكمال، وأعطاني من السقم الذي في المحاق. يعني: أنا والحبيب بمنزله القمرين، فاختص التمام به، والمحاق بي. وبين الفر والقدمين نورٌ ... يقود بلا أزمّتها النّياقا النور: قيل: أراد به جسمها، وقيل: أراد به الوجه، وفاعل يقود ضمير النور.

стр. 239

يقول: بين أعلى هذه المرأة، وبين قدميها جسم، أو وجه، له نور. مضىء بحيث يقود الإبل بلا زمام؛ لأن الإبل - لحسنها - تنقاد لها، والهاء في أزمتها للنياق، فهو مؤخر في الرتبة وإن كان مقدما في اللفظ. وطرفٌ إن سقى العشّاق كأساً ... بها نقصٌ سقانيها دهاقا وطرف عطف على قوله: نور يعني لها طرف إذا سقى عشاقة كأساً من الهوى ناقصة، سقانيها مملوءة. أي حبه لطرفها أكثر من حب كل عاشق له. وخصرٌ تثبت الأبصار فيه ... كأنّ عليه من حدثٍ نطاقا وخصر أيضاً عطف على ما تقدم من البيت، والكنايات للخصر يقول: إن خصرها إذا بدا نظرت إليه العيون من كل جانب، وثبتت فيه شاخصة متحيرة، لا يمكن للناظر أن يصرف عينه، فيصير طرف الناس بإحاطته به كالنطاق المحيط بالخصر، وأخذ هذا المعنى بعضهم فقال: أحاطت عيون العالمين بخصره ... فهنّ له دون النّطاق نطاق وقال ابن جني: معناه أن الأبصار تؤثر فيه لنعومته، ورقة بشرته! فيصير ذلك الأثر الحاصل عن الأبصار حوالي خصره كالنطاق. والأول أولى. سلي عن سيرتي فرسي ورمحي ... وسيفي والهملّعة الدّفاقا الهملعة: الناقة الخفيفة. والدفاقا. بكسر الدال وفتحها: الكثيرة السير فكأنها تتدفق كما يتدفق الماء، إذا جرى بشدة. والسيرة: الطريقة، والعادة. يقول لعاذلته؛ سلى عن شجاعتي: فرسي ورمحي، وعن السير: ناقتي، فإنها تخبرك بأفعالي، فلا أصغو إلى عذلك. تركنا من وراء العيس نجداً ... ونكّبنا السّماوة والعراقا نكبنا: أي بعدنا، وعدلنا عنه. والسماوة: مفازة بين الشام والعراق. يقول: وتركنا نجداً وراء ظهورنا، وعدلنا عن السماوة والعراق، وقصدنا سيف الدولة، بحلب. فما زالت ترى والليل داجٍ ... لسيف الدّولة الملك ائتلاقا الائتلاق: اللمعان. يقول: ما زالت العيس ترى لمعان غرة سيف الدولة في ظلمة الليل، فتهتدي بضوء غرته في طريقها إليه. وقيل: أراد أن مقصودنا لما كان سيف الدولة، كان الليل لنا بمنزلة النهار عند قصدنا إياه، من الفرح. وقيل: أراد أنه قد بلغ من كرمه أن يوقد النار للضيوف في كل موضع، فترى العيس ذلك وتستأنس به. والأول هو الظاهر. أدلّتها رياح المسك منه ... إذا فتحت مناخرها انتشاقا الانتشاق: طلب الرائحة بالأنف، والهاء في منه للممدوح. يقول: العيس كانت تستدل على مكانه بما تنتشق من رائحته، فكانت رياح المسك أدلة لها إليه إذا فتحت العيس مناخرها للانتشاق، فكأنه عبر عن كرمه بالمسك، وعن صيته بالرياح. أباح الوحش ... يا وحش الأعادي فلم تتعرّضين له الرّفاقا؟ تقدير البيت: يا وحش أباح سيف الدولة. الوحش الأعادي. فالوحش أحد المفعولين، والأعادي المفعول الآخر. وروى: أباحك أيها الوحش الأعادي والرفاق: هم قوم يجتمعون في السفرة. وكان الأسد افترس له ناقة في قصد مسيره إلى سيف الدولة. فيقول للوحش: يا وحش أباح لك سيف الدولة الأعادي؛ فإنه يقتلهم ويطرحهم لك، فلم تتعرضين الرفاق القاصدين إليه؟ لأنك مستغنية عن ذلك بما مكنك من لحوم قتلاه. ولو تبّعت ما طرحت قناه ... لكفّك عن رذايانا وعاقا ما طرحت: في موضع نصب، لأنه مفعول تبعت أي لو تبعت مطروح قناته. والرذايا: جمع رذية، وهي البعير الذي قام من الإعياء، ولم يقدر على السير. يقول للوحش: لو تبعت ما طرحت رماح سيف الدولة من القتلى لمنعك عن أكل الإبل المعيبة، لأن لك بقتلاه مندوحة عن إبلنا. ولو سرنا إليه في طريق ... من النّيران لم نخف احتراقا يقول للوحش: كيف تعرضت لنا ونحن نقصده؟ ولم تخافي صولته وهيبته، فإن لو سرنا في طريق يلتهب ناراً، وعلمت النار أنا قاصدوه لم تضرنا! ولم تقدر على إحراقنا، يعني أن كل شي من الوحش والعاتين في الأرض يخافه، حتى لو تصور في الجمادات أن تخافه لخافته. إمامٌ للأئمّة من قريشٍ ... إلى من يتّقون له شقاقا الهاء في له قيل: راجع إلى إمام، ويجوز أن يكون راجعاً إلى ضمير من تقديره: إلى من يتقون شقاقه. فلما قدمه أدخل فيه اللام كقوله تعالى: " لِلّرؤْيَا تَعْبُرُون " والشقاق: العصيان والمخالفة.

стр. 240

يقول: هو إمام للأئمة من قريش: أي الخلفاء من ولد العباس. يعني أن الأئمة إذا ساروا إلى عاص عليهم، خارج عن طاعتهم، كان سيف الدولة إمامهم في مقدمة جيوشهم، فهو لهم إمام في كل حرب يتبعون خطوه، ويرجعون إلى رأيه ومثله للبحتري: ولو جمع الأئمّة في مكانٍ ... تكون به لكنت لهم إماما يكون لهم إذا غضبوا حساماً ... وللهيجاء حين تقوم ساقا يقول تأكيداً لما تقدم: إن الأئمة إذا غضبوا على مخالف، كان لهم سيفاً يقتلون به، ويكون ساقاً للحرب حين تقوم الحرب، فقوام الحرب به كما يقوم الإنسان على ساق. فلا تستكثرنّ له ابتساما ... إذا فهق المكرّ دماً وضاقا فهق: امتلأ. يقول: لا تستعظم منه الابتسام، وإشراق الوجه عندما امتلأ مكان الحرب بالدماء، وصار كالسيول. فقد ضمنت له المهج العوالي ... وحمّل همّه الخيل العتاقا فاعل..ضمنت: العوالي. ومفعوله: المهج. يقول: إنما يبتسم في حال شدة الحرب؛ لأن الرماح قد ضمنت له نفوس الأعداء، فوثق بها، وحمل خيله العتاق همته، فكما أنه لا يولى عن العدو، كذلك خيله؛ لتحملها همته. إذا أنعلن في آثار قومٍ ... وإن بعدوا، جعلنهم طراقا الطراق: نعل يطرح تحت النعل يؤكد بها. يقول: إذا أنعلت لطلب قوم أدركتهم، وجعلتهم نعلاً ثانية، لأنها تطؤهم وتدوسهم، وتجعلهم بين حوافرها، فتلحق بهم وإن كانوا على مسافة بعيدة وعليها نعلها الأولى فيصيروا نعلا ثانية. وإن نقع الصّريخ إلى مكانٍ ... نصبن له مولّلةً دقاقا نقع: ارتفع. وروى: وقع الصريخ والصريخ، والصراخ: الصوت. والمؤللة: المدققة المحددة، وهي الآذان ها هنا. يعني: أن خيله قد تعودت إجابة الصارخ، واستغاثة المستغيث، فإذا ارتفع صوت مستغيث من مكان ووصل إليها. نصبت له آذانا محددة دقاقا. لاعتيادها إجابة الصارخ. فكان الطّعن بينهما دراكاً ... وكان اللّيث بينهما فواقا الفواق: الوقت الذي بين الحلبتين. ودراكا: أي متتابعة. يقول: بين دعاء المستغيث، وبين إجابة سيف الدولة، لا يكون الليث إلا قدر ما بين الحلبتين، حتى يلحق به، ويداركه الطعن في عدوه: أي يتابع. ويروى بينهما جواباً أي يكون هناك الطعن بدل الكلام. ملاقيةً نواصيها المنايا ... معاودةً فوارسها العناقا نصب ملاقية ومعاودة على الحال أي لحقن الصريخ على هذا الحال. يقول: إن الخيل تلاقي الموت بنواصيها، وتعانق فرسانها الأبطال: تبيت رماحه فوق الهوادي ... وقد ضرب العجاج لها رواقا الرواق: مقدم البيت. وقيل: سقف البيت المقدم، والهاء في رماحه للممدوح وفي لها للخيل والهوادي. يقول: تبيت رماح سيف الدولة فوق أعناق الخيل في حال قد ضرب العجاج للخيل، ولهواديها، رواقا؛ لكثرته وتكاتفه عليها. تميل كأنّ في الأبطال خمراً ... عللن به اصحباحاً واغتباقا روى يميل وتميل يذكر ويؤنث، ولأنه أراد به الدم. يقول: تميل هذه الرماح عند طعنه بها في أجسام الأعداء، فكأنها قد اصطحبت واغتبقت في الأبطال من الخمرة فصارت من شربها سكارى. تعجّبت المدام وقد حساها ... فلم يسكر وجاد فما أفاقا تعجبت الخمر حين شربها سيف الدولة ولم يسكر؛ لأنه شرب المسكر لا الجود! وقيل: يمدحه بالإسراف في الجود والقوة على الشرب فهو سكران من الجود، وصاح من الشراب الذي شربه. أقام الشّعر ينتظر العطايا ... فلمّا فاقت الأمطار فاقا يقول: قام شعري ينتظر عطاياك، حتى يكون على قدرها، فلما فاقت عطاياك الأمطار، فاق شعري الأشعار. وزنّا قيمة الدّهماء منه ... ووفّينا القيان به الصّداقا الهاء في منه وفي به للشعر. يقول: جازيتك على ما أعطيتني بمدحي إياك، فوزنت لك ثمن الفرس، ومهر الجارية. وقيل: معناه أن عطاياك لما فاقت العطايا صار شعري الذي يفوق سائر الأشعار وفاء لها. وحاشا لارتياحك أن يبارى ... وللكرم الّذي لك أن يباقى المباراة: المعارضة بالفعل. أي يفعل مثل فعله. ويباقي: يغالب في البقاء. واعتذر بهذا عن قوله: وزنا قيمة الدهماء وقيل: هو اعتذار من قوله: فلما فاقت الأمطار فاقا يعني: حاشا لجودك وكرمك أن يعارض بحمد، فجودك أكثر، ومدى كرمك أطول.

стр. 241

ولكنّا نداعب منك قرماً ... تراجعت القروم له حقاقا المداعبة: الممازحة، والدعابة: المزاح. والقوم، الفحل الكريم من الإبل. والحقاق: جمع الحق، وهو الذي دخل في السنة الرابعة، والأنثى حقة. يقول: جودك لا يقاومه شكر، وإنما قلت هذا مزحاً، وأنت سيد تفضل جميع السادة، فكل سيد قيس إليك وقوبل بك يعود ذليلا كالحقة إذا قيست إلى القرم، فكما أنه يفضلها كذلك أنت تفضل كل سيد كريم. فتىّ لا تسلب القتلى يداه ... ويسلب عفوه الأسرى الوثاقا الوثاق: بالكسر والفتح ما يشد به الأسير. يقول: هو لا يسلب قتيله أبداً ويفك الغل من الأسارى بالعفو والإحسان. ولم تأت الجميل إليّ سهواً ... ولم أظفر به منك استراقا يقول: لم يكن إحسانك إلي عن غلط منك، ولا عن خديعة واستراق مني له، ولكني نلته باستحقاق، وأحسنت إلي بعد الامتحان. والهاء في به يعود إلى الجميل. فأبلغ حاسديّ عليك أنّى ... كبا برقٌ يحاول بي لحاقا كبا الفرس يكبو: إذا عثر. يقول: أبلغ من يحسدني على محلي عندك، ويحاول لحاق غايتي في مدحك: أن البرق إذا أراد اللحاق بي فإنه يكبو خلفي، فكيف يدركني؟! ويحاول إدراك محلي. وقيل: هذا أمر للممدوح ويقتضي أن يكون دون الأمر، وذلك قبيح، ولكنه لما قال: حاسدي عليك أخرجه عن حد القبيح بأن بين: أن الحسد كان لاختصاصه. وهل تغني الرّسائل في عدوّ ... إذا ما لم يكنّ ظبي رقاقا رجع عن قول: حاسدي وقال: الرسالة لا تشفيني منهم، إلا أن يكون بدلها السيف، فأقتلهم وأستريح منهم، والكناية في قوله: إذا ما لم يكن للرسائل. إذا ما النّاس جرّبهم لبيبٌ ... فإنّي قد أكلتهم وذاقا تقديره: إذا ما الناس جربهم لبيب وذاق، فإني قد أكلتهم. يقول: إني أعرف بأحوال الناس من كل عاقل، فأنا بمنزلة الآكل وغيري كالذائق. فلم أر ودّهم إلاّ خداعاً ... ولم أر دينهم إلا نفاقا يقول: جربت الناس فوجدت باطنهم بخلاف ظاهرهم في الصداقة، ووجدتهم منافقين في دينهم! قال علي بن عيسى الربعي: إن أبا الطيب كان يردد مع نفسه هذين البيتين كل يوم أكثر من خمسين مرة. يقصّر عن يمينك كلّ بحرٍ ... وعمّا لم تلقه ما ألاقا ألاق يليق إلاقة، ولاق يليق: إذا أمسك وحبس. يقول: كل بحر يقصر عن جود يمينك، وما أمسكه البحر من جواهره، ومن بابه الذي هو فيه، يقصر عما لم تمسكه من العطاء، فيكون ما من عطائك أكثر من جواهر البحر ومائه. ولولا قدرة الخلاّق قلنا ... أعمداً كان خلقك أم وفاقا؟ يقول: لولا علمنا بقدرة الله ، على ما يعجز عنه كل قادر، ويخرج عن العادة، لشككنا في خلقك! أوقع عن قصد واتفاق من غير مانع!؟ فلا حطّت لك الهيجاء سرجاً ... ولا ذاقت لك الدّنيا فراقا يقول: لا زالت خيالك مسرجةً أبداً في الحرب، ولا ذاقت الدنيا مرارة فراقك. وقال يمدحه ويرثي ابن عمه أبا وائل تغلب بن داود، في جمادي الأولى سنة ثمان وثلاثين وثلاث مئة: ما سدكت علةٌ بمورود ... أكرم من تغلب بن داود ما سدكت: أي ما علقت. يقال: سدك به، لصق به، إذا لازمه ولم يفارقه. والمورود: المحموم الذي تتردد عليه الحمى كل يوم. يقول: ما دامت علة على مريض، أكرم من تغلب بن داود. يعني أنه أكرم من كل مريض طال عليه مرضه. يأنف من ميتة الفراش وقد ... حلّ به أصدق المواعيد الميتة: الهيئة. الجلسة. يقول: كان يأنف من أن يموت على فراشه؛ بشجاعته في حال قد نزل به - وهو - الموت الذي هو أصدق المواعيد. ومثله أنكر الممات على ... غير سروج السّوابح القود السابح: الفرس السهل، الذي يمد ذراعيه في عدوه، كأنه يسبح. والقود: جمع أقود، وهو الطويل العنق. يقول: من كان مثله في الشجاعة أنكر هذه الموتة، يعني أنه لا يرضى الموت إلا على سروج الخيل السوابح الطوال الأعناق. بعد عثار القنا بلبّته ... وضربه أرؤس الصّناديد العثار: السقوط على الوجه، وأراد ها هنا سقوط الرماح عليه. واللبة: النحر. والصناديد: السادات، وقيل: الشجعان. يقول: إن مثله في شجاعته ينكر موته على فراشه، بعد مباشرته الحروب، وكثرة وقع الرماح بصدره، وضرب رءوس كثير من الشجعان الكرام.

стр. 242

وخوضه غمر كلّ مهلكةٍ ... للذّمر فيها فؤاد رعديد الغمر: الماء الكثير، وجعل المهلكة غمراً اتساعاً، وأراد به معظمها، وقيل: أراد وسطها، والذمر: الشجاع، والرعديد: الجبان، الذي يرتعد من شدة الخوف، وقوله: للذمر إلى آخره. صفة للمهلكة. يقول: إنه ينكر الموت على الفراش بعد خوض المهالك التي يصير قلب الشجاع فيها كقلب الجبان المرتعد من شدة الخوف، ومن كان هذه حاله، يستنكر موته على فراشه. فإن صبرنا فإنّنا صبرٌ ... وإن بكينا فغير مردود الصبر: جمع صابر، وقيل: جمع صبور. يقول: إن صبرنا على هذه المصيبة، فكذلك عادتنا، وإن بكينا عليه، فغير مستنكر لعظم المصيبة. وإن جزعنا له فلا عجب؛ ... ذا الجزر في البحر غير معهود الجزر: نقصان الماء. والمد: زيادته. يقول: إن جزعنا عليه فليس بعجب، لأن هذا الجزر في البحر غير معهود. يعني أن مثل هذا المصاب لم نعهده لنصب عليه، وعبر عن الرجل بالبحر، وعن المصيبة بالجزر، يعني: إنا وإن رأينا المصائب قبل هذا. فلم نر مثل هذه المصيبة، فهي جزر غير معهود على هذا الوجه. وقيل: معناه أنه كالجزر لم يعهد في البحار، وإنما يكون في الأنهار، فهذا أمر هائل عجب، فجزعنا له غير عجب. وقيل: أراد بالبحر سيف الدولة، ومعناه أن موت هذا الرجل كالجزر العظيم في البحر، الذي ليس بحر أعظم منه، وهو غير معهود. أي لم يمت لسيف الدولة أحد أجل منه. أين الهبات الّتي يفرّقها ... على الزّرافات والمواحيد؟؟ الزرافات: الجماعات. والمواحيد: جمع الموحد. يقول: أين المواهب التي كان يفرقها على الجماعات والآحاد من قصاده. سالم أهل الوداد بعدهم ... يسلم للحزن لا لتخليد يقول: مات بموته أهل وده، فمن سلم منهم، فإنما يسلم لتجرع الحزن لا لأن يخلد في الدنيا ويدوم له البقاء، لن كلا يموت. فما ترجّى النّفوس من زمنٍ ... أحمد حاليه غير محمود؟! يقول: أي رجاء يكون للإنسان في الدنيا، ويكون أحمد حاليه وهو البقاء غير محمود! لأنه مشوب بأنواع من الحزن والمكاره، وغايته الموت. إنّ نيوب الزّمان تعرقني ... أنا الّذي طال عجمها عودي نيوب: جمع ناب في الكثرة، وتعرقني: أي ما علي من اللحم. والعراق: فجربني حتى عرفني؛ لكثرة تقلي لصروفه. وفىّ ما قارع الخطوب وما ... آنسنى بالمصائب السّود المقارعة: المضاربة. والخطوب: الأمور العظيمة. والمصائب السود: هي الشديدة التي يسود بها البصر. وقيل: وصفها بالسود للبس الحداد فيها، لشدتها. يقول: فيّ من الصبر ما يقاوم الخطوب، ويؤنسني بالمصائب الشديدة. ما كنت عنه إذا استغاثك يا ... سيف بني هاشم بمغمود غمدت السيف وأغمدته: إذا أدخلته في الغمد، وهو قرابه. يقول: استغاث بك وهو في أسر الخارجي، فلم تك بمغمود عنه، ومغيب عن نصرته وإغاثته، فلو قدرت الآن على تخليصه من الموت لخلصته، لكن لا يقدر أحد على دفع الموت. يا أكرم الأكرمين يا ملك الأم ... لاك طرّاً يا أصيد الصّيد الأصيد: المتكبر المائل العنق من الكبر، وجمعه صيد. والأملاك جمع في القلة وفي الكثرة: الملوك. قد مات من قبلها فأنشره ... وقع قنا الخطّ في اللّغاديد أنشر الله الموتى فنشروا هم: أي أحياهم الله فحيوا. واللغاديد: جمع لغدوج، وهي لحم باطن اللهوات، وهي أيضاً اللغنون. والنغنغ. يقول: كان قد مات من قبل هذه المرة، أو هذه الحالة حين أسره الخارجي، فأحياه وقع الرماح الخطية، في اللغاديد. يعني: أن سيف الدولة أوقع بالخارجي واستنقذه منه، بعد ما قتل منه خلقاً كثيراً. ورميك اللّيل بالجنود وقد ... رميت أجفانهم بتسهيد رميك: عطف على قوله: وقع الرماح. أي أنشره بعد موته، قصدك الخارجي بجنودك، وسيرك إليه ليلاً، حتى طلعت عليهم مع الصبح. فصبّحته رعالها شزباً ... بين ثباتٍ إلى عباديد الهاء في صبحته للمرثى ورعال الخيل: أوائلها، الواحد رعيل ورعلة، والهاء في رعالها للجنود. والشزب: الضوامر. والثبات: الجماعات. والعباديد: المتفرقون يميناً وشمالاً. يقول: جاءت هذا الرجل أوائل خيلك يا سيف الدولة، وقت الصبح، جماعة ومتفرقين، حتى خلصته من أيدي بني كلاب.

стр. 243

تحمل أغمادها الفداء لهم ... فانتقدوا الضّرب كالأخاديد الهاء في أغمادها للسيوف، وذكر الجنود يدل عليها، ويرجع إلى الجنود إذ لا بد من كون أغماد السيوف معهم؛ لكون السيوف فيها. والأخدود: الحفرة المستطيلة في الأرض، وشبه الضربة العظيمة بها. يقول: كانوا ينتظرون الفداء فجئتهم بخيلك، وفي أغماد سيوفهم الفداء، وهي السيوف ونقدوهم ضرباً فانتقدوا وكل شربة كأنها أخدود. موقعه في فراش هامهم ... وريحه في مناخر السّيد الفراش: عظام الرأس. والسيد: الذئب، وجمعه السيدان. والهاء موقعه راجعة إلى الضرب. والموقع: مصدر، وموضع الوقوع. يقول: موضع هذا الضرب في رءوس - بني كلاب، ولكن ريحه في مناخر الذئاب؛ لأنها أكلتهم بعد ما صاروا جيفاً، فوصلت روائحهم إلى مناخرهم. وقيل: معناه أنه إذا وقع بهم هذا الضرب، تطاير عنه الدم، وانتشرت رائحته إلى مناخر الذئب، واستدل به على القتلى، فأتى إليها وأكلها. أفنى الحياة الّتي وهبت له ... في شرفٍ شاكراً وتسويد شاكراً: نصب على الحال. وروى: في شامخ، وباذخ أي عال. والتسويد: السيادة. يقول: أفنى أبو وائل الحياة التي وهبتها له حين استنقذته من يد الخارجي في شرف وزيادة، وهو لك شاكراً ولإحسانك إليه ناشراً. سقيم جسيم، صحيح مكرمةٍ ... منجود كربٍ، غياث منجود سقيم وما بعده نصب على الحال. والمنجود: المكروب. يقول: أفنى الحياة التي وهبتها له وهو سقيم الجسم، ولكن مكارمه صحيحة، وهو منجود كرب: أي مجهود كرب العلة، وهو مع ذلك غياث كل مكروب. وهذا يدل على أنه لم يزل مريضاً منذ تخلص إلى أن مات. ثمّ غدا قدّه الحمام، وما ... تخلص منه يمين مصفود القد: السير. المقدود. والمصفود: المقيد المشدود. يقول: كان أسيراً في يد الخارجي، فخلصته من أسره، ثم مات أسيراً للموت الذي لا يقدر أحد على الخلاص منه! فمن صار مقيداً مغلولاً للموت، لم يخلصه أحد من قيده. لا ينقص الهالكون من عددٍ ... منه عليّ مضيّق البيد النقص ها هنا متعد والهاء في منه راجعة إلى العدد. يقول: لا ينقص من هلك من عدد يكون من ذلك العدد سيف الدولة الذي يضيق المفاوز بجيوشه، ففيه خلق من كل هالك، وبدل من كل ناقص. تهبّ في ظهرها كتائبه ... هبوب أرواحها المراويد الهاء في ظهرها راجع إلى البيد وكذلك في أرواحها والمراويد: واحدها مرواد، وهي التي تجىء وتذهب. وقيل: هي الريح اللينة السهلة. يقول: أن جيوشه تجري في المفاوز مجرى الرياح، غير مسترخية ولا ضعيفة، وخص المراويد؛ لأنه أراد أن عساكره جرارة لا تسير إلا بالهويني؛ من كثرتها. أوّل حرفٍ من اسمه كتبت ... سنابك الخيل في الجلاميد شبه آثار سنابك الخيل على الأحجار الصلبة بأول حرف من اسم سيف الدولة وهو العين من علي وهو يشبه أثر السنابك. مهما يعزّ الفتى الأمير به ... فلا بإقدامه ولا الجود الأمير رفع لأنه اسمه، والهاء في به تعود إلى مهما لأنه اسم موضوع للشرط، ومعناه مهما عزى الفتى: الذي هو الأمير سيف الدولة فلا يعزى بشجاعته وجوده، لأنهما لا يفارقانه أبداً، ويجوز أن يكون دعاء ومعناه: فلا عزى بهاتين الخصلتين؛ لأنهما متى سملا له فما سواهما حلل، وروى: مهام يعز، فيكون الفتى فاعله، والأمر ينصب لأنه مفعوله، ومعناه: مهما يعزيه بإقدامه وجوده. ومن منانا بقاؤه أبداً ... حتّى يعزّى بكلّ مولود يجوز من بالفتح بمعنى: الذي، فيكون عطفاً على قوله: فلا بإقدامه ولا الجود أي فلا يعزى بإقدامه وجوده، ونفسه التي نتمنى أن تبقى هنا أبداً، ويهلك كل مولود، حتى نعزيه بهم. والمراد: أنه لا يعزى بمصبة في نفسه. ويجوز من بالكسر فيكون مستأنفاً، والمعنى أن مرادنا أن يبقى. هو إلى أن يعزى بكل مولود ولد. وقال أيضاً يمدحه وقد ركب سيف الدولة يشيع عبده يماك لما أنفذه في المقدمة إلى الرقة فهاجت ريح شديدة. فقال: لا عدم المشيّع المشيّع ليت الرّياح صنّعٌ ما تصنع

стр. 244

روى الأول بالكسر، والثاني بالفتح. وقد روى بالكسر، من ذلك يقول داعياً له: لا عدم يماك المشيع، سيف الدولة المشيع أو لا عدم سف الدولة غلامه المشيع، وهذا أيضاً يتضمن الدعاء لسيف الدولة. ثم قال: ليت الرياح كانت تفعل مثل فعله، لأن أفعاله تزيد على فعل الرياح. بكون ضرّاً وبكرت تنفع وسجسجٌ أنت وهنّ زعزع وواحدٌ أنت وهنّ أربع وأنت نبعٌ والملوك خروع يقول مفضلاً له على الرياح: إنها تضر، وتنفع أنت. وقيل: إنه اتفق هبوب الريح الشديدة فذكر ذلك. والسجسج: اللينة. والزعزع: الشديدة. يعني: هي شديدة صعبة، وأنت نفع خالص كالريح السجسج. والرياح أربع: جنوب، وشمال، وصبا، ودبور، وأنت واحد تقوم مقامها أجمع. وقيل: أراد لا نظير له والريح له نظير. والنبع: شجر صلب يتخذ منه القسى، والخروع: شجر ضعيف. شبه شجر التين. يعني أنت أفضل من الملوك، كالنبع أفضل من الخروع. وقال أيضاً يمدحه وهو سائر يريد الرقة، وقد اشتد المطر بموضع يعرف بالثديين. لعيني كلّ يومٍ منك حظّ ... تحيّر منه في أمر عجاب العجاب: أبلغ من العجيب. والهاء في منه للحظ. يقول: إن لعيني منك كل يوم حظاً! يتحير من ذلك الحظ، ويتعجب منه. حمالة ذا الحسام على حسامٍ ... وموقع ذا السّحاب على سحاب حمالة: أي ذلك العجاب هو حمالة. هذا هو العجاب. يقول: أرى أمراً عجيباً وهو حمالة السيف، وقعت على السيف، الذي هو سيف الدولة، لأنه سيف تقلد سيفاً، وكذلك وقوع السحاب الذي هو المطر، على سيف الدولة، الذي هو كالسحاب جوداً. وزاد المطر فقال فيه أيضاً تجفّ الأرض من هذا الرّباب ... ويخلق ما كساها من ثياب الرباب: السحاب الأبيض، وأراد تجف الأرض من مطر هذا الرباب فحذف المضاف. يقول: تجف الأرض من هذا المطر، وكذلك يخلق ما كسى هذا المطر الأرض من أثواب الربيع وأنواع الأزهار، وألوان الأنوار. وما يتفكّ منك الدّهر رطباً ... ولا يتفكّ غيثك في انسكاب يقول: إن الأرض تجف من هذا المطر، ولا يزال الدهر من سحاب جودك رطباً ولا يزال جودك متصلاً، فيبقى أثره على الدهر. تسايرك السّواري والغوادي ... مسايرة الأحبّاء الطّراب تسايرك: أي تسير معك. والطراب: جمع طرب، وهو الذي استخفه الشوق. يقول: إن السحب التي تأتي ليلا والتي تأتي غدوة تسير معك حيث سرت، كما يسير الحبيب مع حبيبه، إذا طرب إليه واستخفه الشوق نحوه. تفيد الجود منك فتحتذيه ... وتعجز عن خلائقك العذاب تفيد: أي تستفيد، والتاء للسواري والغوادي. يقال: أفاد واستفاد والاحتذاء: أن تفعل مثل ما فعل صاحبك. ويروى فتحتديه: أي تطلب حدى جودك. يقول: إن السحاب تسايرك حتى تستفيد الجود منك، وتحذو على حذوك من الجود، فهي وإن استفادت عنك الجود احتذاء، تعجز عن أخلاقك العذبة. وأجمل سيف الدولة ذكره وهو يسايره في طريق آمد فقال. أنا بالوشاة إذا ذكرتك أشبه ... تأتي النّدى ويذاع عنك فتكره يقول: أنا إذا ذكرت جودك، وأثنيت عليك بإحسانك كنت بمنزلة من ينم عليك، ويفشي أسرارك؛ لأنك تفضل على الناس، وتستره، وتكره أن يظهر ذلك منك، فأنا إذا أظهرته كنت في حيز الواشين بك. وإذا رأيتك دون عرضٍ عارضاً ... أيقنت أنّ الله يبغي نصره يقول: إذا رأيتك عارضاً دون عرض إنسان، وذاباً عنه تيقنت أن الله تعالى ينصره على أعدائه. وإنما قال ذلك؛ لأن سيف الدولة أحسن ذكره. فقال: إذا أثنيت علي، لم أبال بمن عابني؛ وعلمت أن الله تعالى ينصرني على من يطعن علي ذنباً من عرضي. وفي قافية البيتين اضطراب لأنا إن جعلناها رائية، فالهاء تكون وصلاً، وهذا لا يجوز؛ لأن الهاء أصل في البيت الأول، وهو قوله: فتكره وفي الثاني ضمير وهو نصره فالبيت الأول هائي والثاني رائي، وإن جعلناها هائية فالثانية تكون رائية لما بينا: أن الهاء أصل في الأول، ووصل في الثاني. والكلام في هذا المعنى يطول، وموضعه كتاب القوافي، وقيل القافية رائية وقد جاء مثل هذا في الشعر القديم، وقد تركت ذكره لئلا يطول. وزاد سيف الدولة في وصفه فقال له. ربّ نجيعٍ بسيف الدّولة انسفكا ... وربّ قافيةٍ غاظت به ملكا

стр. 245

النجيع: الدم الطوى، وقيل: اليابس، وقيل: الخالص. يقول: رب دم أجراه سيف الدولة، ورب قصيدة نظمت في مدحه، أو نظمها الشعراء في مدحه، فغاظ الملوك حسنها، وحسدوه حيث قصروا عن صفاته وخصاله. من يعرف الشّمس لا ينكر مطالعها ... أو يبصر الخيل لا يستكرم الرّمكا يقول: مثلك مثل الشمس، من عرفها لا ينكر مطالعها؛ لشهرتها، وفضلها، فكذلك أنت لا ينكر فضلك، وعلو محلك؛ فلهذا قصدتك دون سائر الملوك. وكذلك مثلك مع الملوك. مثل الخيل الجياد مع الرمك: وهي الإناث من البراذين. تسرّ بالمال بعض المال تملكه ... إنّ البلاد وإنّ البلاد وإنّ العالمين لكا يقول: نحن من جميع مالك، فأنت إذا وهبت لنا مالك فقد سررت بمالك بعض مالك الذي تملكه، لأنك تملكت البلاد والعباد، فكأنك وهبت مالك، من مماليكك، فالكل عائد إليك. وقال يخاطب سيف الدولة وقد سار يريد آمد وتوسط جبالاً: يؤمّم ذا السّيف آماله ... ولا يفعل السّيف أفعاله وروى: يؤمل. يقول: هذا السيف يقصد إلى آماله ويدركها بسعيه، ولا يفعل سيف الحديد مثل فعله، ولا يمضي مضاءه. إذا سار في مهمةٍ عمّه ... وإن سار في جبلٍ طاله طاله: أي علاه. يعني إذا سار في البر ملأه بخيله، أو بخيره وبركته أو هيبته، وإذا سار في الجبل: علاه وغطاه بجيشه. وقيل: علاه من حيث القدر والجاه، فهو أعلى منه وأعظم. وقيل: علاه بكثرة الخير والبركات. وأنت بما نلتنا مالكٌ ... يثمّر من ماله ماله نلتنا: أي أعطيتنا. يقول: أنت بما أعطيتنا من العطايا، كالمالك الذي يكثر ماله بماله ويصلحه به، لأنا عبيدك، والدنيا كلها لك، وهذا كقوله: تسر بالمال. كأنّك ما بيننا ضيغمٌ ... يرشّح للفرس أشباله الضيغم: الأسد، وهو فعيل من الضغم: وهو العض والترشيح: التعليم والتدريب. ويروى: يحرض والفرس: الاصطياد، وأصله دق العنق. يقول: أنت تعلمنا الحرب والشجاعة، كالأسد يعلم أولاده الاصطياد. ونزل سيف الدولة آمد، وكثر المطر بها، ودعا أبا الطيب، فدخل وهو يشرب، فقال له: قال بعض الناس، في قولك: ليت أنّا ارتحلت لك الخي ... ل وأنّا إذا نزلت الخيام جعل الخيام فوقك، وعرض بجليس له. فأجابه أبو الطيب، وأراد بهذا قطع الكلام. لقد نسبوا الخيام إلى علاءٍ ... أبيت قبوله كلّ الإباء يقول: نسبوا الخيام إلى العلاء، فأبيت أنا قبوله، وامتنعت منه كل الامتناع، لأني لا أسلم أن تكون السماء فوقك، فكيف الخيام؟! وما سلّمت فوقك للثّريا ... ولا سلّمت فوقك للسماء وقد أوحشت أرض حتّى ... سلبت ربوعها ثوب البهاء يقول: إني لم أسلم أن السماء والثريا فوقك؛ لأن اعتقادي أنها دونك، وأنت فوقها! وكيف أسلم أن الخيام فوقك مع أنها دونك؟! تنفّس والعواصم منك عشرٌ ... فتعرف طيب ذلك في الهواء تنفس: أي تتنفس، فحذف تاء الخطاب. والعواصم: بلدان كانت من أعمال سيف الدولة، فتعرف: أي العواصم. يقول: إذا تنفست وبينك وبين العواصم مسرة عشرة ليال، عرفت العواصم طيب نفسك في الهواء!! وأراد أهلها، وبالطيب: العدل والإحسان. وذكر سيف الدواة لأبي العشائر جده وأباه، وفي نسخة ذكر سيف الدولة جد أبي العشائر فقال أبو الطيب: أغلب الحيّزين ما كنت فيه ... وولىّ النّماء من تنميد الحيز: الجانب، وقيل: الفريق، والجيش. ويجوز تنميه بفتح التاء: أي تنتمي إليه، ويجوز بضم التاء: أي تزيد فيه، من أنميت المال، ونمى هو. يقول: هو أغلب الجانبين أو الفريقين أو العسكرين، الذي أنت فيه، والأولى بالكثرة من كنت منتسباً إليه، أو من كنت تزيد فيه. ذا الّذي أنت جدّه وأبوه ... دنيةً دون جدّه وأبيه دنية: أي قرباً، وهو مصدر في موضع الحال، لما قال: القبيل الذي أنت فيه أولى بالزيارة، استدرك ها هنا فقال: إنما يغلب الذي أنت جده وأبوه الأدنى، لا أبوه الذي ولده جده. فكأنه قال: إنما انتسبت هذه القبيلة إليك في الحقيقة. وأذن المؤذن فوضع سيف الدولة القدح من يده، فقال أبو الطيب رحمه الله تعالى: ألا أذّن فما أذكرت ناسي ... ولا ليّنت قلباً وهو قاسي ولا شغل الأمير عن المعالي ... ولا عن حقّ خالقه بكاس

стр. 246

كان الوجه أن يقول: ناسياً، لكنه حذفه للضرورة، فجاء به على قول من قال: رأيت قاض. يقول للمؤذن: أذن فإن أذانك لم ينبه سيف الدولة من غفلته، وليس قلبه قاسياً فتلينه بأذانك ولم يشغله الكأس عن حق الله تعالى، ولا عن المعالي. وذكر سيف الدولة بيتاً أحب إجازته وهو: خرجت غداة النّحر أعترض الدّمى ... فلم أر أحلى منك في العين والقلب الإجازة في البيت: إضافة بيت، أو أبيات إلى بيت آخر يتم به معناه، أو إضافة مصراع إلى مصراع يوافقهن ويتم معناه كقول بعضهم وقد شرب ماء: عذب الماء وطابا فقال أبو العتاهية: حبّذا الماء شرابا فما ذكره أبو العتاهية هو الإجازة ومعنى البيت: خرجت يوم الأضحى أنظر إلى وجوه الحسان وصورهم، فما رأيت فيه أحسن منك في عيني وقلبي. والدمى: جمع جمية وهي الصورة. فقال أبو الطيب مجيزاً. فديناك أهدى النّاس سهماً إلى قلبي ... وأقتلهم للدّارعين بلا حرب أهدى الناس: أي أكثرهم هداية وأقصد، وسهماً نصب على التمييز، وأراد به العين. وقوله: أهدى يعني يا أهدى الناس، ويجوز أن يكون صفة لكاف الخطاب. يقول: فديناك من معشوق يهدي سهمه إلى القلوب، ويقتل الرجال الشجعان اللابسين الدروع، وقيل أراد به سيف الدولة، يعني أنك تقتل أعداءك ولا تقيهم الدروع فعلى هذا يكون القلب بلا ياء. والأول أولى. تفرّد بالأحكام في أهله الهوى ... فأنت جميل الخلف مستحسن الكذب يقول: حكم الهوى يخالف سائر الأحكام، فالكذب فيه حسن! وخلف الوعد فيه جميل! وإن كان قبيحاً من سائر الناس. وإنّي لممنوع المقاتل في الوغى ... وإن كنت مبذول المقاتل في الحبّ المقتل: الموضع الذي إذا أصيب من الجسد مات صاحبه. يقول: مقاتلي ممنوعة في الحرب بشجاعتي، وإن كنت مبذول المقاتل في الحب، فيصيب الهوى مقتلي بأهون سعي! وهذا أيضاً من أحكام الهوى المخالفة لسائر الأحكام. ومن خلقت عيناك بين جفونه ... أصاب الحدور السّهل في المرتقي الصّعب يقول: مقاتلي مبذولة في الحب، وإن كانت ممنوعة في الحرب، لأن من كان له عينان مثل عينيك، سهل عليه المرام الصعب، وأدركه بأهون سعي. وقيل: أراد من كانت عيناك نصب جفونه، صار طوعاً لهما، فلا يملك الامتناع من سهامها. وهذه الأبيات ليست بجيدة في الإجازة؛ لأنها لا تتضمن معنى البيت الذي أجازه، غير أنها على وزنه ورويه، وهذا القدر لا يكفي في الإجازة، بل لا بد أن يكون له تعلق بالعنى الذي في البيت الأول. وقال يمدحه بميّا فارقين، وقد نزلها سيف الدولة في شوال سنة ثمان وثلاثين وثلاث مئة وقد أمر الغلمان والجيش بالركوب بالتجافيف والسلاح: إذا كان مدحٌ فالنّسيب المقدّم ... أكلّ فصيحٍ قال شعراً متيّم؟! كان ها هنا بمعنى: وقع، لا يحتاج إلى خبر. يقول: من عادة الشعراء أن يقدموا النسيب على المديح، حتى كأن كل شاعر عاشق؟! ليس الأمر كذلك بل يجوز أن يكون فيهم من يمدح ولا ينسب، إذ لا يجب أن يكون كل شاعر عاشقاً. لحبّ ابن عبد الله أولى فإنه ... به يبدأ الذّكر الجميل ويختم يقول: إذا كان ذكر النّسيب لا يدل على كون الشاعر عاشقاً، فذكر محاسن سيف الدولة، والتشبب بأوصافه أولى؛ فإن الذكر الجميل يبدأ به ويختم، إذ هو في جميع أوصافه. أطعت الغواني قبل مطمح ناظري ... إلى منظر يصغرن عنه ويعظم طمح بنظره: إذا رفعه. وقيل: هو أن ينظر إلى مكان بعيد. وناظر العين: سوادها. يقول: أطعت الغواني قبل أن أنظر إلى معالي الأمور، فلما نظرت إليها صغر في عيني أمر الغواني. وقوله: يصغرن أي الغواني ويعظم أي المنظر. وقيل معناه أطعتهن قبل أن أرى سيف الدولة، فلما رأيته عظم في عيني شأنه وصغر أمرهن عندي. تعرّض سيف الدّولة الدّهر كلّه ... يطبّق في أوصاله ويصمّم تعرض: أي أتاه من عرضه: أي من جانبه. والتطبيق في القطع: أي يقطع المفصل فيكون أسهل، والتصميم: أن يمضي في العظم فلا ينبو عنه. يقول: إن سيف الدولة قصد إلى الدهر فقطع أوصاله، وأمضى على أحكامه تارة بالعنف: وهو التصميم. وتارة بالرفق: وهو التطبيق، ولما جعله سيفاً: جعل مضيّ أمره على الدهر قطعاً لأوصاله.

стр. 247

فجازله حتّى على الشّمس حكمه ... وبان له حتّى على البدر ميسم ميسم، قيل: هو الحسن. وقيل: هو من العلامة، وحكمه رفع بجاز أي جاز له حكمه على الشمس وميسم رفع ببان. والميسم: من قوله وسمه يسمه، ومعناه على الأول أنه ملك الدهر حتى جاز حكمه على الشمس، ونفذ فيه مراده، وبان على البدر، وحسنه ظهر عليه وغلبه، وقيل: إن جواز أمره على الشمس هو أنه متى شاء غير لونها بغبار خيله، وأخفى ضياءها بلمع سيوفه، والأولى أن يحمل على مجرد الدعوى، مبالغة في المدح. وإن أريد بالميسم العلامة فمعناه: أنه قد ظهر وسمه وأثره على كل شيء من الدهر، حتى على البدر، يعني أنه يذهب بضوء البدر. وقيل: إنه أراد به الكلف الذي نراه في القمر، وأنه من تأثير سيف الدولة فيه، وقد وسمه، كما يسم الرجل دوابه وإبله. كأن العدا في أرضهم خلفاؤه ... فإن شاء حازوها وإن شاء سلّموات يقول: كأنّ أعداءه في بلادهم عماله وخلفاءه، فإن شاء حاز بلادهم بالقهر، وإن شاء سلموها وتسلمها منهم. ولا كتب إلاّ المشرفيّة عنده ... ولا رسلٌ إلاّ الخميس العرمرم العرمرم: الجيش الكثير المضطرب. يقول: ليس له إلى أعدائه كتب إلا السيوف، ولا يرسل إليهم رسلا سوى الجيش. فلم يخل من نصرٍ له من له يدٌ ... ولم يخل من شكرٍ له من له فم ولم يخل من أسمائه عود منبرٍ ... ولم يخل دينارٌ ولم يخل درهم يقول: إنه ملك البلاد، وعم بإحسانه العباد، وليس أحد من الناس إلا ناصره، ولا ناطق إلا شاكره، وما من منبر في البلاد إلا وخطيبه يدعو له، ويذكر اسمه، ولا دينار ولا درهم إلا وهو مضروب باسمه. ضروبٌ وما بين الحسامين ضيقٌ ... بصيرٌ وما بين الشّجاعين مظلم يقول: إذا تدانت الأقران في الحرب، وضاق ما بين الحسامين فلم يتمكن الشجاع من الضرب وجد هو لسيفه مجالاً، وإذا اشتد الأمر، وعلا الرهج حتى يظلم بين الشجاعين، كان هو بصيراً في الحلة، ولا يخفى عليه وجوه الصواب. تبارى نجوم القذف في كلّ ليلةٍ ... نجومٌ له منهنّ وردٌ وأدهم تبارى: أي تعارض. ونجوم القذف: النجوم المنقضة لرجم الشياطين. والورد: الأشقر. والأدهم: الأسود. يقول: خيله تعارض النجوم المنقضة في السرعة وفي رمي الأعداء، فكما أن النجوم لا يرمى بها إلا الشياطين وتحرقها، فكذلك خيله التي منها الورد والأدهم، تسري إلى الأعداء فتحرقها كالنجوم المنقضة على الشياطين. يطأن من الأبطال من لا حملنه ... ومن قصد المرّان مالا يقوّم القصد: ما تكسر من الرماح، الواحدة: قصدة. والمران: الرماح اللينة والضمير في يطأن: للخيل، والهاء في حملنه لمن. يقول: تطأ خيله من الشجعان ما لا تحمله الخيل: يعني القتلى. وتطأ الرماح المتكسرة التي لا تقوم. وقوله: من لا حملنه. معناه من لم يحملنه. أقام لا، مقام لم ويجوز أن يكون وحملنه: بمعنى يحملنه. وتقديره يطأن من الأبطال من لا يحملنه، فيكون موافقاً لقوله: ما لا يقوم. وقيل: إنه دعاء. ومعناه من لا أظفره الله على الممدوح وجيشه، ومعناه من يستحق أن يقال: لا حملنه. أي من يستحق هذا الدعاء عليه. وهذا كقوله: فداءه: أي يستحق أن أقول له: جعلت فداءه. فهنّ مع السّيدان في البرّ عسّلٌ ... وهنّ مع النّينان في الماء عوّم وهنّ مع الغزلان في الواد كمّنٌ ... وهنّ مع العقبان في النّيق حوّم السيدان: جمع السيد. وهو الذئب. والعسل: جمع عاسل، وهو المضطرب في عدوه. والنينان: جمع نون، وهو الحوت العظيم. والواد: أصله والوادي فاكتفى بكسر الدال. والنيق: رأس الجبل. والعقبان: جمع عقاب. يقول: إن خيله قد ملأت البر والبحر والسهل والجبل، ففي البر كالذئاب، وفي البحر كالحيتان، وتكمن مع الغزلان في كل واد، وتحوم مع العقبان في كل نيق فلا موضع يخلو منها. إذا جلب النّاس الوشيج فإنّه ... بهنّ وفي لبّاتهنّ يحطّم جلب: حمل. والوشيج: أصول الرماح، وأراد به الرماح ها هنا. يعني أن خيله قد تعودت القتال، فإذا جلب الناس الرماح من معادنها، فإنها لا تتكسر إلا في صدورهن، أو بأيدي فرسانه؛ لأنه لا يكون حرب إلا معه. بغرّته في الحرب والسّلم والحجا ... وبذل اللها والحمد والمجد معلم اللها: الدراهم.

стр. 248

يقول: سيف الدولة معلم بغرته، مشهور بوجهه في هذه المواضع، لا يحتاج إلى علامة غيرها؛ لشهرتها. وروى: معلم أي قد أعلم لذلك، أو عليه موضع علامة. يقرّ له بالفضل من لا يودّه ... ويقضي له بالسّعد من لا ينجّم يقول: قد ظهر فضله في الناس، حتى تساوي في الإقرار به الأولياء والأعداء، وثبتت له السعادة، واستمرت له السلامة، حتى تشارك المنجم وغيره بالقضاء له بالسعادة؛ استشهاراً بظاهر الحال فيعتبر به المآل. أجار على الأيّ؟ ام حتّى ظننته ... تطالبه بالرّد عادٌ وجرهم أجار على الأيام: أي منع جورها عن الناس. وعاد وجرهم: أمتان هلكتا في قديم الزمان. يقول: إنه أجار جميع النام من حوادث الأيام، حتى ظننت أن عاداً وجرهماً. تجيئان إليه، وتطالبانه بردهما إلى الدنيا، والانتقام لهما من الأيام. ضلالاً لهذي الريح! ماذا تريده!؟ ... وهدياً لهذا السّيل! ماذا يؤمّم ضلالاً، وهديا: نصب على المصدر بفعل مضمر. كان سيف الدولة زار قبر أمه فأصابه في طريقه ريح فيه مطر فقال للريح: ضلالاً: أي أضلها الله ضلالاً؛ لأنها تزعم أنها عارضته، وأرادت أن تثنيه عن طريقه. ودعا للسيل بالهدى؛ لأنه زعم أنه جاء مع سيف الدولة يزور قبر أمه، ويسقى تربتها. وقيل: الدعاء على الريح؛ لأنها تضر في الغالب، ودعاء للمطر لأنه ينفع في الأكثر. ألم يسأل الوبل الّذي رام ثنينا ... فيخبره عنك الحديد المثلّم؟ يقول: هلاّ يسأل هذا المطر الذي أراد صرفنا عن مقصدنا، حتى يخبره عنك الحديد المثلم، بأنك إذا رمت مراماً لم يصدك عنه سيف حسام، فكيف يثنيك المطر والغمام. وأراد بالحديد سلاح الأعداء. ولمّا تلقّاك السّحاب بصوبه ... تلقّاه أعلى منه كعباً وأكرم الصوب: المطر. وأعلى منه كعباً: أي منزلة. يقول: لما تلقاك السحاب بمطره في طريقك، تلقاه من هو أعلى منه محلاً وأجل منه قدراً. فباشر وجهاً طالما باشر القنا ... وبلّ ثياباً طالما بلّها الدّم يقول: باشر السحاب وجهاً أكثر منه مباشرة للرماح، وبل ثياباً بلها الدم قبل ذلك، فالمطر أهون شيء عنده. تلاك ... وبعض الغيث يتبع بعضه من الشّام يتلو الحاذق المتعلّم يعني يتبعك هذا المطر لأنك غيث مثله، والغيث يتبع بعضه بعضاً كما يتبع المتعلم الأستاذ. فزار الّتي زارت بك الخيل قبرها ... وجشّمه الشّوق الّذي تتجشّم فاعل زار: الغيث، ومفعوله التي والذي في موضع نصب؛ لأنه مفعول جشمه، والهاء للغيث. يقول: زار هذا الغيث قبر والدتك، وكلفه الشوق من السير مثل ما تكلفت أنت، أي هو يشتاق قبرها كما تشتاقه أنت. ولمّا عرضت الجيش كان بهاؤه ... على الفارس المرخى الذّؤابة منهم يقول: لما عرضت الجيش، كان بهاء هذا الجيش وجماله بالفارس الذي أرخى ذؤابته. سيف الدولة الممدوح. حواليه بحرٌ للتّجافيف مائجٌ ... يسير به طودٌ من الخيل أيهم الطود: الجبل. والأيهم: الصعب الذي لا يهتدي إلى موضع صعوده. والمائج: الفاعل من ماج يموج إذا اضطرب. شبه تجافيف الخيل ببحر يموج لكثرتها وصفائها، وشبه الخيل في اجتماعها بجبل صعب المرتقى، فجعل التجافيف بحراً مائجاً على جبل شاهق. تساوت به الأقطار حتّى كأنّه ... يجمّع أشتات الجبال وينظم الأقطار: نواحي الأرض، والواحد قطر وقتر والهاء في به للجيش، أو للبحر أو للقطر. والمعنى: أن هذا الجيش قد ملأ بين الجبال حتى تساوت به جميع نواحي الأرض، وصارت الأرض جبالاً؛ فكأنه جمع الجبال المتفرقة. وروى: أشتات البلاد. وكلّ فتىً للحرب فوق جبينه ... من الضّرب سطرٌ بالأسنّة معجم يقول: كل واحد من هذا الجيش فوق جبينه أثر الضرب والطعن؛ لشجاعته وتعوده الحرب. فشبه أثر الضرب بالسطر لا ستطالتها كالسطر وأثر الطعن بالمعجم؛ لاستدارته كالنقط، وهو أحسن من قول أبي تمام: كتبت أوجههم مشقاً ونمنمةً ... ضرباً وطعناً يقدّ الهام والصّلفا كتابة لآتنى مقروءةً أبداً ... وما كتبت بها لاما ولا ألفا يمدّ يديه في المفاضة ضيغمٌ ... وعينيه من تحت التّريكة أرقم

стр. 249

المفاضة: الدرع الواسعة. والتريكة: البيضة. والأرقم: ضرب من الحيات منقط كأنه مرقوم، بما عليه من النقط. والهاء في يديه يعود إلى الفتى، وقيل: إلى الضيغم. وفي عينيه إلى الأرقم؛ لأنه المقدم في المعنى، وإن تأخر في اللفظ. وعينيه عطفاً على يديه شبه ساعدي الفتى في الدرع، بساعدي الأسد، وعينيه تحت البيضة، بعيني الحية. كأجناسها راياتها وشعارها ... وما لبسته والسّلاح المسمّ؟ م. الشعار: العلامة التي يتعارف بها أهل الحرب. والمسمم: المسقى السم. وروى: المسه وهي التأنيث كله للخيل. وقيل في معنى البيت وجوه. أحدها: أن هذا الجيش كثير مختلف، اجتمع فيه كل أمة من الجند، وكما اختلفت هذه الأجناد، كذلك اختلفت شعارها وأعلامها وسلاحها. فكل طائفة على هيئة مخالفة لغيرها من الطوائف. كقوله: في موضع تجمع فيه كل إنس وأمة هذا ما ذكره المخزومي. وثانيها: أنه كلما اختلفت ألوان الخيل وأجناسها وأنواع الرجال وأجنادها، كذلك الرايات والسلاح والشعار فإنهم في هيئات الأسود والعقبان، فالأسود من جنس الرجال، والعقبان من جنس الأفراس، وشعارها مختلفة الألوان كألوان هذه الخيل، وما لبسته من الحديد، ففي الخيل والرجال صلابة مثله: وهم في النفاد واله ... لاك كالسلاح المسمم وثالثها: معناه أن جنسها كالحديد في صبره على التعب والقتال، ونداؤهم باسم الحديد لأنهم يتنادون بشعار سيف الدولة المنصور، والسيف: حديد، وما لبسته من التجافيف والجواشن، وهي أيضاً حديد، والسلاح حديد، وعلى الرايات اسم سيف الدولة وهو حديد، ولأنه جعل الرماح رايات. وقال ابن جني: معناه أن عسكره كله عربي. خيله وشعاره وملبوسه وسلاحه. وأدّبها طول القتال فطرفه ... يشير إليها من بعيدٍ فتفهم الهاء في أدبها وإليها للخيل. وتفهم فعل الخيل، والهاء في طرفه لك فتى. يقول: إن خيله تأدبت بآداب القتال، فإذا أشار صاحبها إليها من بعيد فهمت مراده، فجاءت إليه مسرعة. وروى: طول القياد وطول الطراد. تجاوبه فعلاً وما تسمع الوحى ... ويسمعها لحظاً وما يتكلّم الوحى: الصوت. يقول: إن صاحبها إذا دعاها بلحظه وإشارته، أجابت بالفعل والمجيء، وإن لم تسمع صوته. تجانف عن ذات اليمين كأنّها ... ترقّ لميّا فارقين وترحم تجانف: أي تتجانف، فحذف التاء، أي تميل. يقول: إن الخيل عدلت عن ميا فارقين وأخذت في جانب فكأنها ترحمها، وكانت ميا فارقين عن يمين هذه الخيل وهي من جملة ممالكه فلم يتعرض لها لأن القصد كان إلى ديار الروم. ولو زحمتها بالمناكب زحمةً ... درت أيّ سورينا الضّعيف المهدّم يقول: لو زحمت الخيل ميا فارقين بمناكبها، لكانت تدري أي السورين أضعف سورها أم سور الخيل؟ يعني جعل الخيل سوراً؛ لثباتها وبعد انزعاجها عن موضعها بإزعاج مزعج، والتصاقها للحرب، ومعناه: لو لم تعدل عنها، ونزلت عليها؛ لهدمت سورها. قال ابن حني: وحكى أن المتنبي أنشده هذه القصيدة عصراً، فسقط سور ميا فارقين ليلاً، وكان السور جاهلياً. على كلّ طاوٍ تحت طاوٍ كأنّه ... من الدّم يسقى أو من اللّحم يطعم الطاوي: الضامر، واللطيف البطن، وقوله: كأنه يرجع إلى الطاوي الأول، وهي الفرس. يقول: على كل فرس ضامر، فارسٌ مثله في الضمور. فكأن هذا الفرس سقى من الدم، وأطعم من اللحم. قيل فيه وجوه: منها: كأنه ذئب يأكل اللحم ويشرب الدم، فهو يهجم بفارسه على الحرب كما يهجم الذئب على الصيد. وثانيها: كأنه يأكل لحم نفسه، ويشرب دم نفسه. مبالغة في وصفة بالضمور، والهزال؛ لاعتياده القتال. والثالث: أراد أنه أطعم لحوم الأعداء وسقى دماؤهم، فهو مجد في طلبهم اقتداء بما مضى من العادة. لها في الوغى زيّ الفوارس فوقها ... فكلّ حصانٍ دارعٌ متلثّم يقول: زي هذه الخيل مثل زي فوارسها؛ لأن كل فارس عليه درع ومغفر ولثام، وفرسه مغطى بالتجافيف، والبرقع. وما ذاك بخلاً بالنّفوس على القنا ... ولكنّ صدم الشّرّ بالشّرّ أحزم بخلاً: نصب لأنه خبر ما واسمه ذاك وهو في موضع الرفع. يقول: تغطيتهم أنفسهم وخيلهم ليس لجبنهم وبخلهم بالحياة، ولكنه مقابلة الشر بالشر، ودفع الشر بمثله، هو الحزم وجودة الرأي.

стр. 250

والصدم: ضرب الشيء بمثله. وهذا قريب من قولهم: الحديد بالحديد يفلح. أتحسب بيض الهند أصلك أصلها ... وأنّك منها؟ ساء ما تتوهّم! يقول لسيف الدولة: إن السيوف الهند كأنها تظن أصلها أصلك، وأنك سيف مثلها؛ لما سميت باسمها وقد ساء ما توهمت، لأنك أشرف منها جوهراً، وأمضى منها في الأمور، وإنما أشركتها في الاسم لا في الجوهر والخصال، فأنت من العرب أصلاً، وهي من الهند، وليس فيها خصالك. إذا نحن سميّناك خلنا سيوفنا ... من التّيه في أغمادها تتبسّم يقول: إذا سميناك تبسمت سيوفنا في غمودها عجباً بأنك سميها، فكأنها حسبت أنك منها أصلاً ومنظراً، وليس الأمر كذلك. ولم نر ملكاً قطّ يدعى بدونه ... فيرضى! ولكن يجهلون وتحلم بدونه: أي بدون قدره. يقول: ما رأيت ملكاً يسمى بدون قدره ويرضى بذلك غيرك! فإنك لقبت بسيف الدولة فرضيت به لحلمك، وهو لا يرضون لجهلهم. أخذت على الأرواح كلّ ثنيّةٍ ... من العيش تعطى من تشاء وتحرم الثنية: العقبة. يقول: حكمت بين الأرواح وبين العيش، فكأنك قعدت على طريق الحياة، فمن شئت خليت سبيل حياته، ومن شئت صرفتها عنه. يعني أنك قد استوليت على أرواح العباد، فمن أغثته يبقى، ومن لم تغثه يهلك.. فلا موت من سنانك يتّقى ... ولا رزق إلاّ من يمينك يقسم يقول: إن آجال الخلق في سنانك، وأرزاقهم في يدك، فلا موت يتقى إلا من سنانك، ولا رزق يقسم إلا من يمينك. وضربت خيمة كبيرة لسيف الدولة بميا فارقين، وأشاع الناس أن المقام يتصل، فهبت ريح شديدة فسقطت الخيمة فأرجف بذلك وتطير وتحدث الناس فيه، وتكلموا عند سقوطها فقال أبو الطيب رحمه الله تعالى. يمدحه ويذكر الخيمة: أينفع في الخيمة العذّل؟ ... وتشمل من دهرها يشمل العذل: جمع العاذل. يقول: عذل الخيمة على سقوطها غير نافع، لأنها لا تقدر أن تشمل سيف الدولة مع اشتماله على الدهر، وإحاطته به ودهرها نصب بيشمل ومن كناية سيف الدولة، وهو بمعنى الذي وهو نصب بيشمل. وتعلوا الّذي زحلٌ تحته ... محالٌ لعمرك ما تسأل وتعلو: فعل الخيمة: والذي: في موضع نصب، لأنه مفعول تعلو. يقول: كيف تعلو الخيمة سيف الدولة؟ مع كون زحل تحته! وما تسأل الخيمة من العلو عليه أمر محال. فلم لا تلوم الّذي لامها؟ ... وما فصّ خاتمه يذبل التاء في تلوم للخيمة. وقيل: للخطاب. وما في قوله: وما فص خاتمه. للنفي بمعنى وليس. ويذبل: جبل. يقول: من لامها على سقوطها فقد سامها أمراً محالاً، فلها أن تقابله بما هو محال مثله. فتقول: لم لم تجعل فص خاتمه يذبلا؟ الذي هو الجبل، فكما أن هذا محال، فكذلك استقرارها فوق سيف الدولة محال، والهاء في خاتمه تعود إلى الذي. تضيق بشخصك أرجاؤها ... ويركض في الواحد الجحفل الأرجاء: النواحي، الواحد رجاً. يقول: جوانب الخيمة، ونواحيها تضيق عن شخصك؛ والواحد من الجوانب - لسعته - لو ركض فيه جيش عظيم لما ضاق عنه. يعني أنها على سعتها تضيق عنك! وقيل: أراد بالواحد: الواحد من الخيام: يعني أن الواحد من الخيام يركض فيه العسكر الكثير، لعظمه وسعته، إلا أنه تضيق عن شخصك نواحيها. وتقصر ما كنت في جوفها ... وتركز فيها القنا الذّبّل يقول: إنها وإن كانت عالية السمك بحيث يمكن أن يركز فيها الرمح، ولكنها تقصر عنك، في الوقت الذي تكون فيها؛ لأنك أعلى من النجم، وأرفع من السماء. وكيف تقوم على راحةٍ؟ ... كأن البحار لها أنمل! يقول: كيف تستقر الخيمة على راحتك؟ فكل أنملة منها مثل البحر، فلا يستقر البناء على الماء. وإن قل، فضلاً عن البحار. فليت وقارك فرّقته ... وحمّلت أرضك ما تحمل الوقار: السكون. والتاء في تحمل قيل: للأرض: ومعناه ليتك قسمت وقارك على جميع الخلق، وحملت الأرض من الوقار ما يمكنها أن تحمله؛ لأنها لا تستطيع أن تحمل جميع وقارك. وقيل: التاء للخطاب ومعناه: ليتك حملت الأرض ما تحمل أنت من الوقار. ولو فرقت وقارك على جميع الخلق لوصل إلى هذه الخيمة جزء منه وأمكنها بذلك القدر من الوقار السكون والاستقرار. فصار الأنام به سادةً ... وسدتهم بالّذي يفضل
следующие страницы →