Полный текст (475 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وقد قيل: نظير قائله ومعناه. موقع كل شعر منك أيها الممدوح كموقع قائله، فإن كان فاضلاً مقدماً فشعره مثله، وإن كان رذلاً فشعره كذلك، وكذلك عقل من يجيز عليه أو يقبله مثل عقل الشاعر الذي يقبل الجائزة عليه.
وقال أيضاً: يهجو علوياً عباسياً:
أماتكم من قبل موتكم الجهل ... وجركم من خفةٍ بكم النمل
يقول: إنكم من غلبة الجهل عليكم أموات وإن كنتم أحياء! ومن خفة أقداركم ومهانتكم يقدر أن يجركم النمل إلى حيث شاء.
وليد أبي الطيب الكلب مالكم ... فطنتم إلى الدعوى وما لكم عقل
وليد: تصغير ولد، ونصب على أنه منادى مضاف.
يقول: ليس لكم عقل، فكيف علمتم لؤم أصلكم، فرغبتم عنه وادعيتم إلى غير أبيكم!
ولو ضربتكم منجنيقي وأصلكم ... قوي لهدتكم فكيف ولا أصل؟!
المنجنيق: يذكر ويؤنث وقد أنث. والهد: الكسر.
يقول: لو كان لكم أصل قوي وتعرضت له لأفسدته وهديته، فكيف تثبتون لي وليس لكم أصل؟!
ولو كنتم ممن يدبر أمره ... لما كنتم نسل الذي ماله نسل
يقول: لو كان الأمر فيكم إلى أبيكم لم يرض أن تكونوا نسله؛ لأن من يكون نسله مثلكم فلا نسل له! غير أن الإنسان لا اختيار له في ولده.
وقيل: معناه لو كنتم ممن يحسن التدبير لما انتسبتم إلى من لا عقب له، بل كنتم تنتسبون إلى من كان له عقب.
وقال يمدح الحسين بن علي الهمذاني:
لقد حازني وجدٌ بمن حازه بعد ... فياليتني بعدٌ ويا ليته وجد
حازني: أي جمعني.
يقول: قد ملكني الوجد والحزن، بمن استولى عليه البعد، فيا ليتني البعد؛ لأكون معه، ويا ليته الوجد ليكون معي أبداً.
أسر بتجديد الهوى ذكر ما مضى ... وإن كان لا يبقى له الحجر الصلد
ذكر نصب بتجديد الهوى وهو مصدر جدد، والصلد: الصلب اليابس.
يقول: أنا أسر إذا جدد لي الشوق ذكر الشدائد التي سرت على في الهوى، وإن كان مما لا يطيق الحجر الصلد احتماله.
نسب ذكر ما مضى إلى تجديد الهوى؛ إذ لولا الهوى. ما تجدد.
سهادٌ أتانا منك في العين عندنا ... رقادٌ، وقلامٌ رعى سربكم ورد
القلام: نبت خبيث الرائحة. والسرب: الإبل.
يقول: إني أستلذ الألم فيما ينالني من أجلك! وأستحسن القبيح في حبك، فالسهر في عيني ألذ من النوم، والقلام إذا رعت إبلكم أطيب عندي من الورد! ومثله:
أحب لحبها السودان حتى ... أحب لحبها سود الكلاب
ممثلةٌ حتى كأن لم تفارقي ... وحتى كأن اليأس من وصلك الوعد
يقول: أنت مصورة في قلبي، حتى كأنك لم تفارقيني، وإن بعدت عني حتى كأن يأسي منك وعدٌ بلقائك.
وحتى تكادي تمسحين مدامعي ... ويعبق في ثوبي من ريحك الند
يقول: من قوة تمثلك في قلبي، أظن أنك عندي تمسحين مدامعي وتعانقيني فأجد في ثوبي رائحة الند من ريح ثوبك.
إذا غدرت حسناء أوفت بعهدها ... ومن عهدها ألا يدوم لها عهد
يقول: إن الحسناء تفي بعهدها، وعهده ألا يكون لها عهد! أي لا يكون لها لقاء، فغدرها إذاً يكون وفاء بعهدها! وقيل: معناه إن الحسناء إذا غدرت، وفت هي بعهدها؛ لأنها مخالفة لسائر النساء.
وقيل: أراد أن المرأة إنما عهدت على الغدر وبه جرت عادتها، فقد فعلت هي إذا غدرت بما جرت به عادتها، فإذا أوفت بعهدها، غدرت ووفت بعهدها؛ لأن عهدها ألا يدوم لها عهد ولا ود.
ومثله لأبي تمام:
فلا تحسبن هنداً لها الغدر وحدها ... سجية نفس كل غانيةٍ هند
وإن عشقت كانت أشد صبابةً ... وإن فركت فاذهب فما فركها قصد
القصد: الاقتصاد.
يقول: إن المرأة إذا عشقت، أو أبغضت أفرطت في الحالين فعشقها بمن يعشقها أشد، وبغضها إذا أبغضت أشد، لا اقتصاد لها في ذلك. وقوله: فاذهب إشارة إلى أنه ليس يجب أن يعتمد عليهن في حال من الأحوال.
وإن حقدت لم يبق في قلبها رضاً ... وإن رضيت لم يبق في قلبها حقد
وهذا تأكيد لما مضى من نفي الاقتصاد أيضاً.
كذلك أخلاق النساء وربما ... يضل بها الهادي ويخفى بها الرشد
الهاء في بها وبها للنساء.
يقول: إن أخلاق النساء على ما وصفته لك، ولكن العاقل ربما ضل عقله بحبهن، وخفي عليه رشده، فيغلب هواهن رأيه.
ولكن حباً خامر القلب في الصبا ... يزيد على مر الزمان ويشتد
стр. 177
يقول: إن الحب إذا خالط القلب في الصبا، لا يزال يزيد على مرور الأيام ويشتد. ومثله قول الآخر:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبي فارغاً فتمكنا
سقى ابن عليٍّ كل مزنٍ سقتكم ... مكافأةً يغدو إليها كما تغدو
التأنيث لكل مزن؛ لأنه أراد جماعة المزن، ويغدو: فعل الممدوح.
يقول: دعاء للسحاب التي سقت ديار أحبائه، بأن يسقي الممدوح التي سقتكم أيها الأحباب؛ حتى يكون مجازاة السحاب على سقياها فيغدو هو إلى السحاب، كما يغدو السحاب إلى ديارهم.
لتروى كما تروى بلاداً سكنتها ... وينبت فيها فوقك الفخر والمجد
سكنتها، وفوقك: خطاب للمحبوبة.
المعنى: لتروي السحاب من صوب كرمه، كما أروت بلاداً سكنتها أيتها المحبوبة، وينبت السحاب فوقك الفخر والمجد، كما ينبت في ديار المحبوبة النور والعشب.
يعني أن سقياه للسحاب ليس مما ينبت العشب، وإنما سقيا كرم ينبت الفخر والمجد.
بمن تشخص الأبصار يوم ركوبه ... ويخرق من زحمٍ، على الرجل البرد
الباء: متعلقة بقوله: لتروى أي لتروى بمن تشخص الأبصار. وقيل: بالفخر. أي يثبت الفخر بمن تشخص الأبصار.
يقول: إذا ركب تتحير وتشخص إليه أبصار الناس، ويزدحم عليه الناس ينظرون إليه لحسنه، حتى يخرق بعضهم ثياب بعض من كثرة الازدحام!
وتلقى، وما تدري البنان سلاحها ... لكثرة إيماءٍ إليه إذا يبدو
البنان: فاعل تلقى وتدرى، والمفعول السلاح.
يقول: إذا بدا للناس بهرهم حسنه فيشير بعضهم إلى بعض بأصابعهم وقد سقط سلاحه من يده، وهو لا يعلم لحيرته. ومثله للمعري في النعاس:
حيث اليسار عن العنان ضعيفةٌ ... فالسوط تسقط من يمين الفارس
ضروبٌ لهام الضاربي الهام في الوغى ... خفيفٌ إذا ما أثقل الفرس اللبد
يقول: إنه يضرب في الحرب الشجعان الذين يضربون الرءوس، وإنه فارس خفيف على ظهر فرسه، إذا أثقله لبده. الذي تحت السرج.
بصيرٌ بأخذ الحمد من كل موضعٍ ... ولو خبأته بين أنيابها الأسد
يقول: إنه عالم بطريق المجد، وكيفية أخذه، فهو يتحمل فيه الموت حتى لو كان في أفواه الأسد لاستخرجه!
بتأميله يغنى الفتى قبل نيله ... وبالذعر من قبل المهند ينقد
التأميل: الأمل، وينقد: ينقطع.
يقول: كل من أمله حصل له الغنى بمجرد أمله، قبل أن يصل إليه نائله! ومن قصده محارباً مات من خوفه قبل أن يقتله بسيفه!
وسيفي لأنت السيف لا ما تسله ... لضربٍ ومما السيف منه لك الغمد
وسيفي: قسم. ولأنت السيف: جوابه.
يقول: وحق سيفي، إنك السيف على الحقيقة. لا ما تسله: أي الذي تسله للضرب؛ لأنك أمضى منه، ولأنه لا يعمل إلا إذا ضربت به؛ فالقطع في الحقيقة لك لا له! وقوله: ومما السيف أي أن غمدك من الحديد الذي يطبع منه السيف. وهو الدروع والجواشن. وإذا لبستها كانت كالغمد لك. أي أت أفضل من السيف جوهراً، وغمدك أفضل من غمده؛ لأن غمدك من الحديد الذي يعمل منه السيف.
وقيل معناه: إن من جنس الحديد غمدك؛ لأنك تدفع ضرباً بالسيف عن نفسك؛ فقد صار الحديد غمداً يقيك كما يقي السيف غمده.
ورمحي، لأنت الرمح لا ما تبله ... نجيعاً، ولولا القدح لم يثقب الزند
يقول: وحق رمحي إنك أنت الرمح على الحقيقة، لا رمحك الذي تبله بالدم؛ لأن الرمح إنما يعمل إذا طعنت به، كما أن الزند لو لم يقدح لم تخرج منه النار.
من القاسمين الشكر بيني وبينهم ... لأنهم يسدى إليهم بأن يسدوا
يقول: هو من قوم قسموا الشكر بيني وبينهم، فأنا أشكرهم على إنعامهم، وهم يشكرونني على قبولي منهم برهم. وهذا معنى قوله: لأنهم يسدى إليهم بأن يسدوا أي أنهم يعدون نعمهم على غيرهم نعمة على أنفسهم، فيشكرون من قبل نعمهم ويثنون عليهم وهذا من قول التهامي:
ودعا لسائله وأعلن شكره ... حتى حسبنا السائل المسئولا
فشكري لهم شكران: شكرٌ على الندى ... وشكرٌ على الشكر الذي وهبوا بعد
يقول: إني أشكرهم من وجهين. أحدهما على نعمهم علي، والثاني على شكرهم لي في قبول نعمهم، وهذه نعمة مجددة.
وهذا البيت من بدائعه التي لم يسبق إليه.
صيامٌ بأبواب القباب جيادهم ... وأشخاصها في قلب خائفهم تعدوا
وروى: قيام.
стр. 178
يقول: إن خيلهم قيام على أبواب بيوتهم، وأعداءهم يخافون طلوعها عليهم فكأنها تعدوا في قلوبهم من خوفهم.
وأنفسهم مبذولةٌ لوفودهم ... وأموالهم في دار من لم يفد وفد
يقول: من قصدهم بذلوا له أنفسهم، ومن لم يقصدهم أنفذوا إليه صلاتهم وأنعموا عليه بأموالهم، فكأن أموالهم وفد.
ومثله لأبي تمام قوله:
فإن لم يفد يوماً إليهن طالبٌ ... وفدن إلى كل امرىءٍ غير وافد
كأن عطيات الحسين عساكرٌ ... ففيها العبدي والمطهمة الجرد
المطهمة: الخيل التامة الخلق، الكاملة الحسن.
يقول: إنه يهب العبيد والخيل والسلاح، فكأن ما يهبه عسكراً لكثرته.
أرى القمر ابن الشمس قد لبس العلا ... رويدك حتى يلبس الشعر الخد
شبهه بالقمر، وآباءه بالشمس؛ لشرفهما وعلوهما، إشارة إلى أنه اكتسب شرفه من أبيه كما يكتسب القمر نوره من الشمس، ثم قال: رويدك أي أمهل حتى تبلغ مبلغ الرجال. وهذا قلب ما ذكره الحكمي في قوله:
وترى السادات مائلةً ... لسليل الشمس من قمره
وغال فضول الدرع من جنباتها ... على بدنٍ قد القناة له قد
غال الشيء: إذا أهلكه. والهاء في جنباتها للدروع.
يقول: إن الممدوح أذهب بالدروع وفضولها أي استوفاها بقده، فكأن طوله قد القناة؛ لاعتداله.
وباشر أبكار المكارم أمرداً ... وكان كذا آباؤه وهم مرد
أبكار المكارم: هي المبتدئات منها التي سبق الممدوح إليها.
يعني: أنه سئل وهو أمرد، وكذلك كان آباؤه، فهو يجري على عادتهم أيضاً وسننهم.
مدحت أباه قبله فشفى يدي ... من العدم من تشفي به الأعين الرمد
يقول: مدحت أباه قبل مدحه، فشفاني من الفقر وأغناني، من إذا نظرت إليه الأعين الرمد، شفاها! ومثله لابن الرومي:
يا أرمد العين قم قبالته ... فداو باللحظ نحوه رمدك
حباني بأثمان السوابق دونها ... مخافة سيري، إنها للنوى جند
مخافة: نصب لأنه مفعول له.
يقول: أعطاني أبوك الدراهم والدنانير دون الخيل؛ خوفاً من أن أخرج عليها من حضرته؛ لأن الخيل معينةٌ على البعد، وجند له..
وشهوة عودٍ، إن جود يمينه ... ثناءٌ ثناءٌ، والجواد بها فرد
شهوة: نصب عطفاً على مخافة، والهاء في بها للأثمان. والألف واللام في الجواد بمعنى الذي. أي الذي يجود.
يقول: أعطاني أثمانها دونها مخافة سيري بها، وشهوةً منه أن يعود إلى العطاء؛ لأن جوده لا يقتصر على مرة واحدة، بل هو مثنى مثنى، أي إن عادته أن يجود مرتين مرتين. والذي يجود به فرد: أي الممدوح فرد لا ثاني له في شرفه، كما لا نظير له في زمانه وأقرانه.
فلا زلت ألقى الحاسدين بمثلها ... وفي يدهم غيظٌ وفي يدي الرفد
بمثلها: أي بمثل العطايا. وهي الأثمان.
يقول: دام لي عطاؤه ورفده حتى أغيظ بهما حسادي، فيكون معهم غيظ ومعي عطاء! وهذا دعاء لنفسه وعلى الحاسدين له.
وعندي قباطي الهمام وماله ... وعندهم مما ظفرت به الجحد
القباطي: جمع القبيطة، وهي ثياب مصر. والقبيطة منسوب إلى القباط وهم نصارى. كالذين يسكنون ريف مصر ورساتيقها، بمنزلة سواد العرب.
يقول عطفاً على دعائه الأول: لا زلت أبداً آخذ خلعه وأمواله وحسادي يجحدون ما ظفرت به لغيظهم فيقولون: لم يعطه شيئاً! ليطيبوا بذلك أنفسهم. وقيل: أراد أنهم يجحدون نعمه ويقولون: لم يعطه شيئاً، حتى يكون جحودهم سبباً لانقطاع صلاته عنهم.
يرومون شأوى في الكلام وإنما ... يحاكي الفتى فيما خلا المنطق، القرد
يقول: إن الحساد يحاولون بلوغ غايتي في الفصاحة والبيان، وهم قرود! والقرد يحاكي الإنسان في أفعاله، إلا في النطق فكيف يقدرون على ذلك؟!
فهم في جموعٍ لا يراها ابن دأيةٍ ... وهم في ضجيجٍ لا يحس به الخلد
ابن دأية: الغراب. ويوصف بحدة البصر والخلد: الفأرة العمياء، وتوصف بحدة السمع، وصدق الحس.
يقول: إنهم من قلتهم وخستهم لا يراهم الغراب مع حدة بصره، وإن كانوا كثيرين في العدد ولهم أصوات وضجيج، ومع ذلك فالخلد لا يحس بها مع صحة السمع.
ومني استفاد الناس كل غريبةٍ ... فجازوا بترك الذم إن لم يكن حمد
كل غريبة: أي كل لفظ غريب، أو معانٍ غريبة، أو خصلة.
وفي جازوا قولان:
стр. 179
أحدهما: ما قاله ابن جنى. أنه من قولهم: هذه الدراهم جائزة. أي تجوز على خبث.
كأنه يقول: إن الناس استفادوا مني الأخلاق الغريبة والمعاني البديعة. فتكلموا ما ليس في طباعهم فجازوا ونفقوا بترك الناس ذمهم، وإن لم يحمدوهم.
والثاني: أن جازوا أمر من المجازاة. وعدل عن معاتبه إلى الخطاب فيقول: أيها الناس إذا استفدتم مني هذه المعاني فجازوني بترك الذم إن لم تحمدوني.
وجدت علياً وابنه خير قومه ... وهم خير قومٍ واستوى الحر والعبد
يقول: وجدت علياً وابنه أفضل قومه، وقومه خير الناس. من بعدهم متساوي في الفضل، لا فضل في ذلك بين الحر والعبد.
وأصبح شعري منهما في مكانه ... وفي عنق الحسناء يستحسن العقد
روى: في عنق الحسناء. أي عنق المرأة الحسناء وروي: وفي العنق الحسناء؛ على أن يكون الحسناء صفة للعنق. والكناية في منهما للممدوح وأبيه، وفي مكانه للشعر.
يقول: أصبح شعري فيهما حين مدحتهما به في مكانه. أي في المكان الذي ينبغي أن يكون فيه، فزاد حسنه، كما أن العقد إذا كان في عنق الحسناء، أو في العنق الموصوف بالحسن كان أزيد حسناً؛ لما كان ذلك مكانه.
قصائد ابن طغج
وكثرت على أبي الطيب مراسلة الأمير أبي محمدٍ الحسن بن عبيد الله ابن طغج من الرملة فسار إليه فلما حل به حمل إليه وأكرمه.
وحدث أبو عمر عبد العزيز بن الحسن السلمي بحضرة أبي الطيب قال: حدثني محمد بن القاسم المعروف بالصوفي قال: أرسلني الأمير أبو محمدٍ إلى أبي الطيب ومعي مركوبٌ يركبه فصعدت إليه، إلى دارٍ كان نزلها فسلمت عليه وعرفته رسالة الأمير، وأنه منتظرٌ له، فامتنع علي وقال: أعلم أنه يطلب شعراً، وما قلت شيئاً. فقلت له: ما تفترق! فقال لي: فاقعد إذاً، ثم دخل إلى بيت في الحجرة ورد الباب عليه فلبث فيه مقدار كتب القصيدة ثم خرج إلي وهي في يده مكتوبةٌ لم تجف بعد. فقلت له: أنشدنيها فامتنع وقال: الساعة تسمعها. ثم ركب وسرنا فدخل على الأمير أبي محمد وعيني الأمير إلى الباب ممدودة منتظراً إلى وروده فسأل عن خبر الإبطاء فأخبرته الخبر فسلم عليه ورفعه أرفع مجلسٍ.
وأنشد أبو الطيب:
أنا لائمي إن كنت وقت اللوائم ... علمت بما بي بين تلك المعالم
وقت نصب على الظرف. واللوائم جمع اللائمة. والمعالم جمع، وهي أثر العلامة. وقوله: أنا لائمي كالقسم، أو كالدعاء على نفسه بأن يكون من جملة لوامه، لأنه أبغض الناس عنده.
فيقول: لمت نفسي إن كنت وقت لامتني اللوائم، ما لحقتني عند وقوفي على آثار المحبوبة يعني: جعلني الله من لوامه إن كنت علمت ذلك.
وقيل: معناه الخبر، أي لو كنت علمت ما أصابني عند ذلك، لكنت أنا ألوم نفسي على ما ظهر من الجزع ولكني تحيرت حتى ذهب عقلي.
ولكنني مما ذهلت متيمٌ ... كسالٍ وقلبي بائحٌ مثل كاتم
ذهلت: أي غفلت والمتيم: الذي عبده الحب.
يقول: ولكنني تحيرت فبقيت ذاهل اللب عن الشكوى فأنا متيم ولكني كأني سالٍ صابر؛ لما لحقني من التحير وذهاب العقل، وكأن قلبي يحب ويخفق فيبوح بما كنت أكتمه من الشوق! فهو بائح بما يجده وكأنه كاتم؛ لأني لا أظهر الشكوى بلسان.
وقيل: إن قلبي بائح من حيث أنه يتوجع فتبكي العين، فيظهر ما في قلبي بالدمع واللسان، فسكت عن إظهاره بالشكوى.
وقفنا كأنا كل وجد قلوبنا ... تمكن من أذوادنا في القوائم
الأذواد الإبل، ما بين الثلاثة إلى العشرة.
يقول: لما وقفنا بتلك المعالم أطلنا الوقوف، ولم تبرح إبلنا، فكأن ما في قلوبنا من الوجد في قوائم الإبل فهي لا تبرح!
ودسنا بأخفاف المطي ترابها ... فلا زلت أستشفي بلثم المناسم
المنسم: طرف خف البعير. والهاء في ترابها للمعالم.
يقول: وطئنا تراب المعالم بأخفاف إبلنا، فما زلت أشفي غليلي بتقبيل مناسم الإبل.
ديار اللواتي دارهن عزيزةٌ ... بطول القنا يحفظن لا بالتمائم
روى: ديار بالنصب بدلاً من قوله: ترابها. وروى: بالرفع على أنه خبر ابتداء محذوف: أي هي ديار.
يقول: هذه الديار ديار نساء عزيزات منيعات، لا يقدر أحد على الوصول إليهن، وإنما يحفظن بالرماح لا بالتمائم؛ إشارة إلى حسنهن وإلى صغرهن؛ لأن التمائم تعلق على من كان كذلك.
стр. 180
حسان التثني ينقش الوشي مثله ... إذا مسن في أجسامهن النواعم
الهاء في مثله للوشي.
يقول: إنهن إذا تثنين فيؤثر ما عليهن من الوشي في أبدانهن، لنعومتها! فينقش عليها آثاراً مثل آثار الوشي، كما ترى نقش الخاتم في الشمع إذا وضع عليه.
ويبسمن عن درٍّ تقلدن مثله ... كأن التراقي وشحت بالمباسم
المباسم: جمع مبسم وهو الثغر، ووشحت: أي قلدت. والهاء في مثله للدر.
يقول: إنهن إذا ضحكن أبدين ثغوراً مثل الدر الذي في قلائدهن فكأن الذي توشحن بها هي أسنانهن التي كالدر.
فما لي وللدنيا: طلابي نجومها ... ومسعاي منها في شدوق الأراقم
روى: نجومها أي يكون منصوباً بالمصدر الذي هو طلابي. وروى: بالرفع على أن يكون خبر طلابي. وأراد بالنجوم: معالي الأمور، والأراقم: الحيات.
يقول: ما لي أطلب من الدنيا معالي الأمور! فأتحمل المشاق والأخطار وأقتحم المهالك. وهو من قول العتابي:
فإن جسيمات الأمور منوطةٌ ... بمستودعاتٍ في بطون الأساود
من الحلم أن تستعمل الجهل دونه ... إذا اتسعت في الحلم طرق المظالم
يقول: من الحلم، استعمال الجهل في بعض الأوقات وذلك إذا اتسعت في الحلم طرق المظالم، أي إذا كان حلمك داعياً إلى ظلمك وإقدام السفيه عليك، فالجهل ها هنا هو الحلم. وهذا من قول أبي الأسود:
فإنك لم تعطف عن الحق جاهلاً ... بمثل خصيم عالمٍ يتجاهل
وأن ترد الماء الذي شطره دمٌ ... فتسقي إذا لم يسق من لم يزاحم
يقول: من الحلم أن ترد الماء الذي قتل عليه الوارد، حتى امتزج بدم القتلى وتسقي إبلك إذا لم يمكن الضعيف أن يسقيها، وأن تزاحم الناس.
ومن عرف الأيام معرفتي بها ... وبالناس روى رمحه غير راحم
يقول: من عرف أحوال الأنام، وطباع الأيام، كما عرفت وجربت من لؤمهم لم يترك واحداً من أحيائهم. وروى رمحه من دمائهم!
فليس بمرحومٍ إذا ظفروا به ... ولا في الردى الجاري عليهم بآثم
قوله: فليس بمرحوم، إشارة إلى من في البيت المتقدم، وكذلك الهاء في به.
يقول: إنما قلت ذلك لأنهم إذا ظفروا به لا يرحمونه، فكذلك هو إذا قتلهم لا يأثم به.
إذا صلت لم أترك مصالاً لفاتكٍ ... وإن قلت لم أترك مقالاً لعالم
يقول: إذا صلت في الحرب لم أترك فيه غاية لشجاع، وإذا قلت شعراً لم يقدر أحد أن يأتي بمثله.
وإلا فخانتني القوافي وعاقني ... عن ابن عبيد الله ضعف العزائم
يقول: إن لم أكن كما قلت ووصفت من الشجاعة والعلم، خانتني الأشعار وهذا دعاء منه على نفسه وكذلك صرفني عن هذا الممدوح ضعف العزائم إن لم أكن كذلك.
عن المقتنى بذل التلاد تلاده ... ومجتنب البخل اجتناب المحارم
يقول: إن أكن كما وصفت وعاقني ضعف عزائمي عن الذي يكتسب المال مكان المال، فيقتني بذلك الثناء الحسن والذكر الجميل ويجتنب البخل كما يجتنب المحارم.
تمنى أعاديه محل عفاته ... وتحسد كفيه ثقال الغمائم
تمنى: أي تتمنى، فحذف التاء لدلاتها.
يقول: إن أعداءه يتمنون أن يكون لهم من هذا الممدوح محل قصاده؛ لأن قصاده، ينفذ حكمهم في ماله، ويملكون ويغيرون عليه! ومع ذلك لهم محل رفيع عند الممدوح! وغاية ما يتمنى العدو من عدوه، أن يحصل في عدوه مثل ذلك. وتحسده أيضاً الغمائم المطيرة، لأنه زاد عليها في الجود والعطاء.
ولا يتلقى الحرب إلا بمهجةٍ ... معظمةٍ مذخورةٍ للعظائم
معظمة: أي رفيعة مصونة عن الدنايا، وهي معدة لدفع الأمور العظائم.
يقول: إنه لا يباشر الحرب والشدائد الجسام إلا بنفسه.
وذي لجبٍ، لا ذو الجناح أمامه ... بناجٍ ولا الوحش المثار بسالم
اللجب: الصوت في الحرب. وتقديره: وجيش ذي لجب.
يقول: إنه لا يتلقى الحرب إلا بمهجة نفيسة، وجيش له أصوات كثيرة، فإذا عبر عليهم طير صادوه، وإن ثار وحش قصدوه. فلا يسلم منه وحش ولا طير.
تمر عليه الشمس وهي ضعيفةٌ ... تطالعه من بين ريش القشاعم
القشاعم: جمع قشعم، وهو النسر، وقيل: هو طائر يشبهه، والهاء في عليه وتطالعه تعود إلى ذي لجب.
يقول: إن النسور كانت تطير فوقه والغبار ساطع حوله، حتى حال بينه وبين الشمس، وهي تمر عليه ضعيفة، فيظهر الضوء من بين ريش النسور.
стр. 181
إذا ضوءها لاقى من الطير فرجةً ... تدور فوق البيض مثل الدراهم
يقول: إن الشمس إذا صادف ضوءها فرجة من أجنحة الطير، وقع على البيض مدوراً مثل الدراهم.
ويخفى عليك البرق والرعد فوقه ... من اللمع في حافاته والهماهم
الهماهم: جمع همهمة، وهي صوتٌ لا يفهم.
يقول: يخفى عليك البرق من لمعان السلاح، والرعد بصوت الجيش.
أرى دون ما بين الفرات وبرقةٍ ... ضراباً يمشي الخيل فوق الجماجم
برقة: مدينة قريبة من الاسكندرية إلى المغرب.
يقول: أرى بين هذين الموضعين ضروباً يكثر فيها القتلى حتى تمشي الخيل عليها.
وطعن غطاريفٍ كأن أكفهم ... عرفن الردينيات قبل المعاصم
الغطاريف: السادة. والمعاصم: موضع الأسورة من اليد.
يقول: وأرى في هذه المواضع طعن قوم سادة، تعودوا حمل الرماح من صغرهم، حتى كأن أيديهم وصلت بالرماح قبل أن توصل بمعاصمهم.
حمته على الأعداء من كل جانبٍ ... سيوف بني طغجٍ بن جف القماقم
القمقام: السيد، والقماقم: صفة لبني طغج.
يقول: إن قومه يحمون جيوشه بسيوفهم. والهاء في حمته للجيش وهذا من قوله:
بالجيش تمتنع السادات كلهم ... والجيش بابن أبي الهيجاء يمتنع
هم المحسنون الكر في حومة الوغى ... وأحسن منه كرهم في المكارم
يقول: هم يحسنون، أي يعرفون، أو يأتون ما يستحسن من الكر في وسط الحرب، وكذلك يفعلون في المكارم، وذلك أحسن من كرهم في الحرب والطعن والضرب.
وهم يحسنون العفو عن كل مذنبٍ ... ويحتملون الغرم عن كل غارم
يعني بقوله: يحسنون أحد المعنيين، وأراد أنهم يعفون عن كل مجرم، ويحملون على أموالهم كل مغرم.
حييون إلا أنهم في نزالهم ... أقل حياءً من شفار الصوارم
يقول: من عادتهم الحياء في مواضع الحياء لكنهم في الحرب وقاح ولا يرتدون بشيء كحد السيف الذي لا يرتد من أحد.
ولولا احتقار الأسد شبهتها بهم ... ولكنها معدودةٌ في البهائم
يقول: لولا أنهم يحتقرون، لشيهت الأسود بهم، ولكنها من جملة البهائم التي لا تمييز لها. فلهذا لا أشبهها بهم.
سرى النوم عني في سراي إلى الذي ... صنائعه تسري إلى كل نائم
يقول: ذهب النوم عني في سراي إلى هذا الممدوح، الذي تسري مواهبه ليلاً لكل نائم على فراشه! لم يتعبه في طلبها.
إلى مطلق الأسرى، ومخترم العدى ... ومشكى ذوي الشكوى ورغم المراغم
المخترم: المهلك، والمراغم: الذي يحاول أن يذلك وتحول أن تذله. المشكي: المزيل. الشكوى.
يقول: إنه يمن على الأسارى بهلك الأعداء، ويزيل الشكاية، ويرغم أعاديه.
كريمٌ نفضت الناس لما بلغته ... كأنهم ما جف من زاد قادم
جف وخف رويا، وروى حف بالحاء.
يقول: لما ملت إليه طرحت الناس كلهم، كما يطرح القادم ما جف من زاده.
وكاد سروري لا يفي بندامتي ... على تركه في عمري المتقادم
يقول: سررت بلقائه، وندمت على تركي قصده في متقدم عمري، حتى كأن ندامتي على تركه أكثر من سروري بلقائه وحضرته.
وفارقت شر الأرض أهلاً وتربةً ... بها علويٌّ جده غير هاشم
أهلاً وتربة: نصباً على التمييز.
قيل: أراد بهذا العلوي الذي قال فيه:
أتاني وعيد الأدعياء ... البيت
وسئل عنه فقال: أردت بهذا طبرية لأن فيها أعداء الممدوح.
بلا الله حساد الأمير بحلمه ... وأجلسه منهم مكان العمائم
يقول: ابتلاهم الله بحلمه، ليروا من سعادته ما يديم حزنهم، وجعله في العز والشرف، وأذلهم له، حتى يكون منهم مكان العمائم: وهي الرءوس.
فإن لهم في سرعة الموت راحةً ... وإن لهم في العيش حز الغلاصم
الغلاصم: جمع الغلصمة، وهي قصبة الحلق. وهذا علة دعائه لهم بالحلم. يعني أن بقاءهم أشد لهم وعليهم من الفناء والهلاك.
كأنك ما جاودت من بان جوده ... عليك لا قاتلت من لم تقاوم
يقول: كل من جاودته زدت عليه وكل من قاتلته غلبته، وكأنك اخترت منهما من تعلم أنك تغلبه لا محالة، ولم تفعل ذلك قصداً، ولكن لما كان الظاهر من حالك الغلبة عليهم في الجود والشجاعة كنت كأنك فعلت ذلك.
وسأله الشرب معه فامتنع. فقال له: بحقي عليك إلا شربت. فقال:
стр. 182
سقاني الخمر قولك لي بحقي ... وودٌّ لم تشبه لي بمذق
يقول: حملني على شرب الخمر قولك لي: بحقي. فيلزمني رعايته. والثاني مودتك الخالصة لي التي لا يشوبها خلاف ولا مذق. والمذق: ضد الخالص.
يميناً لو حلفت وأنت ناءٍ ... على قتلي بها لضربت عنقي
يميناً: نصب على المصدر.
يقول: لو حلفت بمثل هذه اليمين، وألزمتني بقتل نفسي وأنت بعيد عني لفعلت! فكيف لا أشرب؟ وهو دون ذلك، وأنت قريب مني! ثم أخذ الكأس وقال:
حييت من قسمٍ وأفدي المقسما ... أمسى الأنام له مجلاً معظما
الأنام: اسم الجمع للناس، وليس بجمع؛ ولهذا وحد فقال: مجلاً معظما، ولو جمعه رداً على المعنى لكان جيداً.
يخاطب القسم ويقول: حياك الله من قسمٍ وأنا أفدي المقسم! وهو الممدوح؛ لأن الخلق أصبحوا كلهم مجلين له، ومعظمين قدره كما أعظمه وأجله أنا!
وإذا طلبت رضى الأمير بشربها ... وأخذتها فلقد تركت الأحرما
يقول: إن شرب الخمر، وإن كان حراماً، فعصيانه أحرم، فإذا شربتها لرضاه، فقد تركت ما هو أشد حرمة! والهاء في شربها ووأخذتها للخمرة.
وغنى المغني فقال له:
ماذا يقول الذي يغني؟ ... يا خير من تحت ذي السماء
شغلت قلبي بلحظ عيني ... إليك عن حسن ذا الغناء
يقول: يا خير من تحت ذي السماء، إني شغلت بالنظر إلى حسن وجهك، وتأمل شمائلك من استماع الغناء، فأخبرني: ماذا يقول هذا المغنى؟ وعرض عليه سيفاً فأشار به إلى بعض من حضر، وقال:
أرى مرهفاً مدهش الصيقلين ... وبابة كل غلامٍ عتا
أتأذن لي ولك السابقات ... أجربه لك في ذا الفتى؟
المرهف الذي رققت شفرتاه والبابة: الغاية.
يقول: أرى سيفاً محدوداً يدهش الصيقلين بحسن جوهره ورونقه، وقوله: عتا أي عدا عن الحق. فهل تأذن لي أن أجربه في هذا الفتى؟ قوله: ولك السابقات حشو مليح أي لك النعم السابقة علي.
وهذان البيتان يجوز أن يكون رويهما التاء فتكون الألف وصلاً، وأن يكون رويهما الألف. لأن الألف فيهما من نفس الكلمة.
وأراد الانصراف فقال يذكر تعلقه بالأمير.
يقاتلني عليك الليل جداً ... ومنصرفي له أمضى السلاح
يقول: إن الليل يغار من نظري إليك، فهو يدافعني ويقاتلني عليك غيرةً، فإذا انصرفت عنك يقوم مقام السلاح ويقتلني.
لأني كلما فارقت طرفي ... بعيدٌ بين جفني والصباح
بين: فاعل بعيد، وهو اسم غير ظرف، ومفعول فارقت: مضمر. أي كلما فارقت الممدوح. وطرفي مبتدأ، والجملة خبره.
وقيل: إنه أقام الممدوح مقام طرفه، على هذا مفعول فارقت. أي فارقت طرفي. بفراقي إياه، ويكون بعيد مبتدأ وبين جفني خبره، والجملة خبر أن.
يقول: إني إذا لم أرك، طال علي الليل شوقاً إلى لقائك، وبعد عني الصباح، وأسقم جسمي السهر، فكأن فراقك سيف لليل يقتلني.
وسايره وهو لا يدري أين يريد به؟ فلما دخلا كفر زنس قال يصفها:
وزيارةٍ عن غير موعد ... كالغمض في الجفن المسهد
يقول: رب زيارة من غير تقدم وعد بها، وهي في قلبي أحلى وألذ من النوم في الجفن الذي طال سهاده، وبعد عنه رقاده.
معجت بنا فيا الجيا ... د مع الأمير أبي محمد
المعج: ضرب من السير سهل لين من سير الإبل، واستعمله في الخيل ها هنا للزيارة.
يقول: سارت بنا الخيل في هذه الزيارة مع الأمير أبي محمد. وهو الممدوح.
حتى دخلنا جنةً ... لو أن ساكنها مخلد!
أي لو كان ساكنها مخلداً كانت الجنة بعينها!
خضراء حمراء الترا ... ب كأنها في خد أغيد
الأغيد: الطويل العنق. وقيل الناعم البدن، شبه خضرتها بخضرة الشعر، وهو العذار على الخد الأحمر.
وإنما وصف تربتها بالحمرة، لأن الطين الذي فيها يضرب لونه إلى الحمرة.
أحببت تشبيهاً لها ... فوجدتها ما ليس يوجد
الهاء في وجدتها مفعوله الأول وما المفعول الثاني لأنه بمعنى علمت.
يقول: طلبت لها نظيراً أشبهها به فلم أجد؛ لأنه لا نظير لها في الحسن.
وإذا رجعت إلى الحقا ... ئق فهي واحدةٌ لأوحد
أي إذا حققت وصفها فهي واحدة لا نظير لها في الحسن، لأوحدٍ: لا نظير له في المجد.
وقال أيضاً يمدحه وقد شرب معه:
стр. 183
ووقتٍ وفى بالدهر لي عند واحدٍ ... وفى لي بأهليه وزاد كثيرا
يقول: رب وقت اجتمع لي فيه من اللذات والسرور مثل ما في جميع الدهر عند فردٍ في عصره، وهذا الواحد اجتمع له من الفضائل مثل ما في جميع الخلق بل أزيد كثيراً.
شربت على استحسان ضوء جبينه ... وزهرٍ ترى للماء فيه خريرا
يقول: شربت مستحسناً ضوء جبينه، في بستانٍ ذي زهر. وماءٍ ترى له خريراً. والهاء في فيه للزهر.
غد الناس مثليهم به، لا عدمته ... وأصبح دهري في ذراه دهورا
مثليهم: نصب على الحال، ويجوز أن يكون خبر غدا من أخوات كان.
يقول: فيه من الفضائل مثل ما في جميع الناس، فهو قائم مقامهم فصار الناس مثليهم، واجتنيت أنا عنده من اللذات ما يجتنيه أهل الدهور، فقام دهري مقام دهور كثيرة.
يصف مجلسين للأمير وذكر أبو محمد انزواء أحد المجلسين عن الآخر ليرى من كل واحد منهما ما لا يرى من صاحبه فقال له:
المجلسان على التمييز بينهما ... مقابلان ولكن أحسنا الأدبا
كان المجلسان كل واحد منهما في الجهة التي تقابل الآخر، منحرفاً عنه. فهو يقول: إنهما متقابلان في الحقيقة، ومن حيث الحسن والبهاء، وإن كانا قد ميز بينهما. وإنما انحراف أحدهما عن الآخر؛ لحسن الأدب! لأن عادة الغلام أن يقف ناحيةً، حيث لا يراه السيد إلا عند الحاجة إليه.
وقيل: إن ما يجري في أحدهما لا يعرفه أهل المجلس الآخر.
إذا صعدت إلى ذا، مال ذا رهباً ... وإن صعدت إلى ذا، مال ذا رغبا
وروى في المصراعين رهبا.
يقول: إذا صعدت إلى أحد المجلسين انحرف الآخر عن مقابلة الآخر من مقابلة وجهك، هيبةً لك وخوفاً من سلطانك! وروى في الثاني: رعباً، ورغباً بالغين المعجمة، فالمعنى على هذا: إن أحدهما كان للسطوة والنكال، والآخر للرغبة والنوال، فإذا صعد إلى أحدهما خشي أن يميل إليه بسطواته، فإذا صعد إلى الآخر مال إليه رغبة فيما عوده به من نواله وهباته.
فلم يهابك ما لا حس يردعه؟ ... إني لأبصر من فعليهما عجبا
يردعه: أي يزجره.
يقول: كيف يخاف منك من ما لا حس له يزجره؟! وذلك عجب منهما، فإذا كان ذلك حالهما. فالعقلاء أولى أن يخافوا منك.
وأقبل الليل وهما في بستان فقال يمدحه:
زال النهار ونورٌ منك يوهمنا ... أن لم يزل ولجنح الليل إجنان
جنح الليل: قطعة من أوله، وقيل: نصفه الأخير. كأنه جنح إلى الذهاب وإجنان الليل: تغطية الأرض بالظلمة.
يقول: إن النهار قد زال، ونور وجهك في إشراقه يوهمنا أن النهار باقٍ بعد والليل قد أظلم بقطعه.
فإن يكن طلب البستان يمسكنا ... فرح فكل مكانٍ منك بستان
يقول: إن كانت إقامتك بالبستان هذا رغبة منه فارجع إلى منزلك فإن كل مكان تحله فهو بستان؛ لما فيك من المحاسن والألطاف.
فلما استقل في القبة نظر إلى السحاب فقال يمدحه:
تعرض لي السحاب وقد قفلنا ... فقلت: إليك إن معي السحابا
يقول: لما انصرفنا من البستان إلى المنزل تعرض لنا السحاب، وهم بالمطر علينا. فقلت: أمسك عن مطرك، فإن معي السحاب، وهو الممدوح.
وقوله: إليك. أي أمسك عني.
فشم في القبة الملك الرجى ... فأمسك بعد ما عزم انسكابا
شم: أي انظر، من قولك شمت البرق أشيمه شيماً: إذا نظرت إليه.
يقول: قلت للسحاب انظر إلى الملك المرجى في القبة، إن شككت في قولي، فإنه أكرم منك! فلما نظر إليه السحاب علم صدق قولي فأمسك بعد أن عزم على أن يسكب خجلاً واستحياءً.
وكره الشرب فلما كثر البخور وارتفعت رائحة الند قال يصف مجلس الشراب عند الأمير:
أنشر الكباء ووجه الأمير ... وحسن الغناء وصافي الخمور!
الكباء: العود الذي يتبخر به. ونشره: رائحته المنتشرة منه.
يقول لنفسه: هذه الأشياء مجتمعة في هذا المجلس ولا أشرب؟!
فداو خماري بشربي لها ... فإني سكرت بشرب السرور
يقول: شربت خمر السرور فسكرت، فهات الخمر لأداوي بها خماري! وهو من قول الأعشى:
وكأسٍ شربت على لذةٍ ... وأخرى تداويت منها بها
وأشار إليه بعض الطالبين بمسك فقال، وكان أبو محمدٍ حاضراً:
الطيب مما غنيت عنه ... كفى بقرب الأمير طيبا
يبني به ربنا المعالي ... كما بكم يغفر الذنوبا
стр. 184
يقول: قد استغنيت عن الطيب؛ لأن قرب الأمير طيب لي! وإن يبني الله بهذا الأمير المعالي، كما بكم أيها الأشراف يغفر الذنوب. أي لحب آل رسول الله ﷺ .
وجعل الأمير يضرب بكمه البخور ويقول: سوقاً إلى الطيب فقال يمدحه:
يا أكرم الناس في الفعال ... وأفصح الناس في المقال
إن قلت في ذا البخور: سوقاً ... فهكذا قلت في النوال
يقول: يا أكرم الناس خصالاً وأفعالاً، وأنصحهم كلاماً ومقالاً، إن سقت إلي البخور فقد سقت قبله النوال. وسوقاً نصب لأنه حكاية قوله. وقيل: نصب على المصدر.
وتحدث أبو محمد عن مسيرهم في الليل لكبس باديةٍ وأن المطر أصابهم فقال أبو الطيب في شجاعة الأمير:
غير مستنكرٍ لك الإقدام ... فلمن ذا الحديث والإعلام؟
قد علمنا من قبل أنك من لا ... يمنع الليل همه والغمام
يقول: غير مستعجب إقدامك على الأمور العظام! فلمن تحدث بهذا الحديث؟ وقد علمنا أن الليل والمطر لا يمنعانك عما هممت به، فلمن هذا الحديث والإعلام؟ ثم قال أيضاً لابن طغج وهو عند طاهر العلوي:
قد بلغت الذي أردت من البر ... ومن حق ذا الشريف عليكا
وإذا لم تسر إلى الدار في وق ... تك ذا خفت أن تسير إليكا
يقول: قد قضيت ما عليك من حق هذا الشريف وبره، فارجع إلى دارك، فإني أخاف أنها تسير شوقاً وتشرفاً بحلولك فيها، فقد أوحشتها بغيبتك.
وهم بالنهوض فأقعده أبو محمد فقال له:
يا من رأيت الحليم وغداً ... به، وحر الملوك عبدا
مال علي الشراب جداً ... وأنت للمكرمات أهدى
يقول: يا من رأيت الحليم بالإضافة إليه وغداً، ورأيت الحر من الملوك عند هيبته عبدا.
وجداً: نصب على المصدر، أي أجد جداً.
ويقول: إن السكر قد غلب علي وأنت للمكرمات أهدى من كل أحد فأذن لي فإنه من مكرماتك.
فإن تفضلت بانصرافي ... عددته من لدنك رفدا
الانصراف، صلة من عندك والرفد: العطاء.
يقول: إن أذنت لي في الانصراف حسبته صلة من عندك.
وذكر أبو محمد بن طغج أن أباه استخفى مرة، فعرفه يهوديٌّ فقال مجيباً له:
لا تلومن اليهودي على ... أن يرى الشمس فلا ينكرها
يقول: لا تلومن اليهودي في أن يعرفه، لأنه في اشتهاره كالشمس، فتنكره لا يصير كافياً. وأراد بقوله: لا ينكرها أن يعرفها.
إنما اللوم على حاسبها ... ظلمةً من بعد ما يبصرها
يقول: لا لوم على اليهودي في معرفة أبيك، وإنما اللوم على من يحسب الشمس ظلمة وهو يبصرها! وليس ذلك إلا من يعرف أباك.
وسئل عما ارتجل من الشعر بديها فأعاده، فتعجب قومٌ من حفظه إياه! فقال:
إنما أحفظ المديح بعيني؛ لما أرى في الأمير من خصال حميدة؛ إذا نظرت إليها نظمت إلي تلك الخصال غرائب المعاني المنثورة. فكأن أقرءها من كتاب!
وجرى الحديث في وقعة ابن أبي الساج مع أبي طاهر القرمطي، فاستعظم بعض الجلساء ذلك وجزع له، فقال أبو الطيب لأبي محمد منشداً.
أباعث كل مكرمةٍ طموح ... وفارس كل سلهبةٍ سبوح
المكرمة الطموح: بعيدة الصيت. والسلهبة: الفرس الطويل. والسبوح: الذي يجري جري السابح في الماء. وهي صفة يمدح بها الخيل.
يقول: يا من يفعل كل مكرمة بعيدة الصيت لا ينالها غيره، ويا فارس كل فرس كريمة عتيقة.
وطاعن كل نجلاءٍ غموس ... وعاصي كل عذالٍ نصيح
النجلاء: الواسعة. والغموس: العميقة القعر.
يقول: يا من يطعن كل طعنة واسعة عميقة، ويا من يعصي في القتال، والسخاء كل عذالٍ نصيحٍ في عذله! وروى: كل عذال فصيح.
سقاني الله قبل الموت يوماً ... دم الأعداء من جوف الجروح
يقول: سقاني الله دم الأعداء من جروحهم، وشفى قلبي من الغيظ. بقتلهم. وهذا دعاء بلفظ الخبر.
وأطلق أبو محمد الباشق على سماناتٍ: فأخذها فقال:
أمن كل شيءٍ بلغت المرادا ... وفي كل شأوٍ العبادا؟
فماذا تركت لمن لم يسد ... وماذا تركت لمن كان سادا؟
الألف: للتقرير والإثبات.
يقول: قد نلت مرادك من كل ما طلبت، وسبقت الخلايق في كل غاية أردت، فلم يبق شيء من الفضائل إلا حزته، ولم تترك لمن طلب السيادة فعلاً يسود به، ولم تبق لمن يسد فعلاً يتوصل به إلى السيادة!
стр. 185
كأن السماني إذا ما رأتك ... تصيدها، تشتهي أن تصادا
أي قد صدتها في أسرع وقت، فكأنها كانت تشتهي أن تصيدها، فمكنت الباشق من نفسها محبة لك.
واجتاز أبو محمد ببعض الجبال فأثار بعض الغلمان خشفاً فالتقفته الكلاب فقال يصف صيد كلاب ابن طغج:! وشامخٍ من الجبال أقود
فردٍ كيافوخ البعير الأصيد
شامخ: أي مرتفع. والأقود: قيل الطويل، وجمع بينهما في الوصف بالعلو. وقيل الأقود: الممتد على وجه الأرض، شبهه بيافوخ البعير الأصيد، لا عوجاجه وعلوه، ليكون متضمناً مع الارتفاع الاعوجاج.
يسار من مضيقه والجلمد
في مثل متن المسد المعقد
شبه ضيقه وخشونته؛ لما فيه من الحجارة بحبل من ليف، عليه عقد كثيرة؛ وذلك لما فيه من الالتواء والخشونة
زرناه للأمر الذي لم يعهد
للصيد والنزهة والتمرد
النزهة: الخروج إلى الخضرة والبساتين للراحة. والتمرد: اللعب والطرب ها هنا. روى: لم يعهد أي هذا الشامخ لم يعهد.
يقول: زرنا هذا الجبل الذي لم يعهد جبل مثله، لأنه لم يصد فيه أحد؛ لعلوه، إلا هذا الأمير، وذلك الأمر هو الصيد والنزهة واللهو، وليس هذا موضعاً لهذه الأمور، فلهذا قال: لم يعهد.
وروى أبو الفتح: أي أن الأمير لم يعهد على ذلك، لأن عادته الاشتغال بالجد والتشمر دون اللهو واللعب والطرب.
بكل مسقي الدماء أسود
معاودٍ مقودٍ مقلد
يقول: زرنا هذا الجبل بكل كلب أسود، قد سقى الدماء من الصيد، وهو معود للصيد ضار، وفي عنقه مقود: أي عليه قلادة.
بكل نابٍ ذربٍ محدد
على حفافي حنكٍ كالمبرد
الذرب: المحدود. والحفافان: الجانبان يقول: له ناب حاد، وهذا الناب على جانبي حنك صلب خشن كأنه مبرد.
كطالب الثأر وإن لم يحقد
يقتل ما يقتله ولا يدري
يقول: إنه لحرصه على الصيد كأن له عنده ثأراً، وإن لم يكن له حقد، وإنه إذا قتل صيداً لم يخف أن يطالب بديته فلا تجب عليه ولا يبالي لذلك.
ينشد من ذا الخشف ما لم يفقد
فثار من أخضر ممطورٍ ندي
يقول: الكلب يطلب هذا الخشف كأنه قد فقده، وليس الأمر كذلك. فثار: أي ظهر الخشف لما رأى الكلب يطلبه من بين روضٍ أخضر قد أصابه المطر فهو ندي من المطر والروائج الطيبة.
كأنه بدء عذار الأمرد
فلم يكد إلا لحتفٍ يهتدي
يقول: كأن هذا الروض الأخضر ابتداء عذار الأمرد حين خروجه. ثم يقول: إن الخشف لم يكد يهتدي إلا لما فيه هلاكه؛ لأن ثورانه كان سبباً لهلاكه.
ولم يقع إلا على بطن يد
ولم يدع للشاعر المجود
وصفاً له عند الأمير الأمجد
الملك القرم أبي محمد
يقول: لم يقع هذا الخشف إلا على بطن يد. وقيل: أراد أنه لم يقع على الأرض إلا اختطفوه في الحال، فلم يقع إلا على أيديهم.
ولم يدع هذا الغزال للشاعر الجيد الشعر وصفاً له! إنه صار عاجزاً من بين الغزلان. وقيل: إن الكلب بالغ في صيده حتى فاق الوصف، وأعجز كل شاعر عن وصفه عند الأمير.
والهاء في له للغزال وللكلب. وقيل: للشاعر.
القانص الأبطال بالمهند
ذي النعم الغر البوادي العود
يقول: هو الملك السيد الذي يصيد الشجعان بالسيف المهند، وهو ذو النعم الظاهرة المشهورة، يبتدىء بها ويعيد، فهي متتابعة.
إذا أردت عدها لم أعدد
وإن ذكرت فضله لم ينفد
يقول: إذا أردت إحصاء نعمه لم أجد لها عدداً لكثرتها، وإن أردت وصف فضله لم ينفذ ولم ينقطع.
وقال وقد استحسن عين بازٍ في مجلسه فقال يصفها:
أياما أحيسنها مقلةً ... ولولا الملاحة لم أعجب
الأصل: ما أحسنها مقلةً! فصغر فعل التعجب لنا للتعظيم أو للتلطف.
وإنما جاز تصغيره مع أنه فعل، لأنه أشبه الأسماء فلا ينصرف فأعطى بعض الأحكام.
يقول: ما أحسن هذه المقلة! ولولا ملاحتها ما عجبت منها. ولكن ملاحتها حملتني على التعجب.
خلوقيةٌ في خلوقيها ... سويداء من عنب الثعلب
خلوقية: خبر ابتداء محذوف، أي هي خلوقية. وهو ضرب من الطيب أحمر يميل إلى الصفرة.
يقول: إن عينها الموصوفة بالحسن خلوقية أي تشبه لون الخلوق. لونها: حبة سوداء كأنها من عنب الثعلب. وأراد بها الحدقة.
إذا نظر الباز في عطفه ... كسته شعاعاً على المنكب
стр. 186
يقول: هذا البازي إذا نظر إلى جانبه كسته مقلته الخلوقية شعاعاً على منكبه يعني: أن عينه من صفائها وصقالها، يقع شعاعها على منكب البازي، كما يقع شعاع المرآة على الحائط.
ولما نزل أبوالطيب الرملة سنة ستٍّ وأربعين وثلاث مئة يريد مصر، دعاه أبو محمد فأكل معه وشرب، وخلع عليه وحمله على فرس جوادٍ بسرج ولجام، محليين حلية ثقيلة وقلده سيفاً محلي، وعاتبه على تركه مدحه فقال:
ترك مدحيك كالهجاء لنفسي ... وقليلٌ لك المديح الكثير
يقول: تركي مدحك هجاء لنفسي! لأني كنت قد كفرت نعمك وكفران النعم من أعظم الهجاء، والمديح الكثير قليل لك بالنسبة إلى قدرك.
غير أني تركت مقتضب الشع ... ر لأمرس مثلي به معذور
اقتضاب الشعر: ارتجاله بديهة.
يقول: إني تركت ارتجال الشعر لا روي فيه؛ لأني على ظهر السفر، وهذا عذر بين، ويجوز أن يكون ذلك لأنه لا يمكنه استيعاب مدائحه على حد الارتجال، وقيل: كان عذره واضحاً عنده، فاكتفى بما عنده من ذلك.
وسجاياك مادحاتك لا لفظي ... وجودٌ على كلامي يغير
روى: لا شعري، ولا لفظي.
يقول: ما فيك من خلائقك الكريمة يقوم مقام شعري، لأن جودك يغير على كلامي، فليس يمكنني أن أحيط بجودك، فكلما قلت شيئاً غلب عليه جودك فأغار عليه.
فسقى الله من أحب بكفي ... ك وأسقاك أيهذا الأمير
يقول: سقى الله من أحبه على يديك، فنوالهما أنفع من مطر السحاب! وسقاك الله أيها الأمير.
فلما أراد أن يرحل قال يودع الأمير ابن طغج:
ماذا الوداع وداع الوامق الكمد ... هذا الوداع وداع الروح للجسد
الكمد: المغموم. والكمد: الغم.
يقول: وداعي لهذا الأمير ليس يشبه وداع عاشق لحبيبه ولكنه وداع الروح للجسد. أي هو موته.
إذا السحاب زفته الريح مرتفعاً ... فلا عدا الرملة البيضاء من بلد
زفته: ساقته. والرملة: مدينة بالشام بقرب بيت المقدس.
يقول: إذا ساقت الريح السحاب، فلا تجاوز هذه البلدة. دعاء لها بالسقيا؛ لأن الممدوح كان فيها.
ويا فراق الأمير الرحب منزله ... إن أنت فارقتنا يوماً فلا تعد
أي: إن جمع الله بيننا بعد هذا الفراق، فلا فراق بعده.
قال يمدح طاهر بن الحسين العلوي وحدث أبو عمر عبد العزيز بن الحسن السلمي قال: سألت محمد بن القاسم المعروف بالصوفي: كيف كان سبب امتداح أبي الطيب لأبي القاسم طاهر بن الحسين بن طاهر العلوي؟ فحدثني أن الأمير أبا محمد لم يزل يسأل أبا الطيب في كل ليلة من شهر رمضان، إذا اجتمعنا عنده للإفطار، أن يخص أبا القاسم طاهر من شعره بقصيدة يمدحه فيها. ويذكر أنه اشتهى ذلك. ولم يزل أبو الطيب يمتنع ويقول: ما قصدت غير الأمير ولا أمتدح سواه، فقال له الأمير: قد كنت عزمت على أن أسألك في قصيدة أخرى تعملها، فاجعلها في أبي القاسم. وضمن عنه مئات دنانير، فأجابه إلى ذلك.
قال محمد بن القاسم: فمضيت أنا والمطلبي برسالة طاهر لوعد أبي الطيب، حتى دخلنا إلى بيته، فركب معنا ودخلنا على طاهر وعنده جماعة من أهل بيته، وأشراف، وكتاب فلما أقبل أبو الطيب نزل أبو القاسم طاهر عن سريره وتلقاه بعيداً من مكانه مسلماً عليه، ثم أخذ بيده فأجلسه في المرتبة التي كان فيها قاعداً، وجلس بين يديه، فتحدث معه طويلاً ثم أنشده، فخلع عليه للوقت خلعة نفيسة.
قال عبد العزيز: وحدثني أبو علي بن القاسم الكاتب. قال: كنت حاضراً لهذا المجلس، وهو كما حدثك به أبو بكر الصوفي.
ثم قال لي: اعلم أني ما رأيت ولا سمعت في خبر أن شاعراً أجلس الممدوح بين يديه مستمعاً لمدحه غير أبي الطيب، فإني رأيت طاهراً تلقاه، وفعل كما ذكرنا فأنشده المتنبي:
أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب ... وردوا رقادي فهو لحظ الحبائب
يقول: للذين ساروا بالجواري: أعيدوا علي الصبح، فقد ارتحل عني برحيلكم، أي أظلمت الدنيا علي لبعدكم! فردوا إلي النوم، فقد أخذتموه معكم. ومعناه: أعيدوا الكواعب ليرجع إلي صباحي، لأن الدنيا أظلمت على بعدهن! فهن صباحي الذي تزول به هذه الظلمة، وردوا أحبائي ليرجع إلي نومي؛ لأنه ارتحل برحيلهن.
وقيل: أراد طال ليلي فلو أعدتم إلي الكواعب والحبائب لقصر وعاد صبحي.
وقوله: لحظ الحبائب معناه: رقادي رؤية أحبائي ومشاهدتهن.
стр. 187
فإن نهاري ليلةٌ مدلهمةٌ ... على مقلةٍ من فقدكم في غياهب
مدلهمة: أي مظلمة. والغيهب: الظلمة.
يقول: إن نهاري أظلم من غيهب، منذ فقدتكم، فكأن مقلتي في ظلمات الليل.
وقيل: أراد أني قد بكيت لشدة الحزن حتى عميت عيني! فلا أبصر شيئاً، فصار نهاري، ليلاً وضيائي ظلاماً، لفقدكم وفراقكم.
بعيدة ما بين الجفون كأنما ... عقدتم أعالي كل هدبس بحاجب
بعيدة: جر لأنه صفة لمقلة وقيل: بدل عنها.
يقول: تباعد ما بين أجفان عيني فلا يلتقي الجفنان، فكأن أعالي أهداب الجفون معقود بشعور الحاجب فلا ينطبق. ومثله لبشار قوله:
جفت عيني عن التغميض حتى ... كأن جفونها عنها قصار
ومثله للتهامي:
قصرت جفوني، أم تباعد بينها؟ ... أم صورت عيني بلا أشفار؟
وأحسب أني لو هويت فراقكم ... لفارقته والدهر أخبث صاحب
أي: من عادة الدهر مخالفة هواي! فلو كنت أهوى أني أفارقكم لفارقت الفراق وواصلتموني. ثم ذم الدهر وقال: الدهر أخبث صاحبٍ للإنسان؛ لأن كل صاحب خالفك فهو خبيث. والهاء في فارقته للفراق.
فيا ليت ما بيني وبين أحبتي ... من البعد ما بيني وبين المصائب
يقول: ليت ما بيننا من البعد الحاصل، كان بيني وبين المصائب.
يعني: ليت الأحبة قريبة مني والمصائب قد بعدت.
أراك ظننت السلك جسمي فعقته ... عليك بدرٍّ عن لقاء الترائب
السلك: الخيط وعقته: منعته.
يقول: أظن أنك حسبت جسمي خيط العقد الذي عليك؛ لأنه يشبهه في الدقة، فحجبته بالدر الذي نظمته فيه عن ملاقاة نحرك كما حجبتني عنك، أبعدتني عن قربك.
ولو قلمٌ ألقيت في شق رأسه ... من السقم ما غيرت من خط كاتب
يقول: صرت من الدقة بحيث لو وقعت في شق قلم كاتبٍ لم يغير شيئاً من خطه!! وهذا من مبالغات أبي الطيب المتنبي.
تخوفني دون الذي أمرت به ... ولم تدر أن العار شر العواقب
يقول: أمرتني المحبوبة بترك المخاطرة بالنفس والمال، وخوفتني عواقب المخاطرة، ولم تعلم أن العار الذي يحصل بتحمل الضيم شرٌّ في عاقبته من الخوض في المهالك.
وقيل: معناه أنها أمرتني ألا أزورها شفقة علي وخوفاً من أن أقتل، ولم تدر أن تركي زيارتها هو العار، لأنه يؤدي إلى الجبن والجبن عار العار، وشر العواقب.
ولا بد من يومٍ أغر محجلٍ ... يطول استماعي بعده للنوادب
يقال: أغر محجل إذا كان مشهوراً كشهرة الفرس الأغر المحجل.
يقول: لابد من أن أوقع بيني وبين أعدائي يوماً مشهوراً أقتل فيه الملوك والسادة فأسمع بعد مدة طويلة صياح النساء النوادب يندبن عليهم.
يهون على مثلي إذا رام حاجةً ... وقوع العوالي دونها والقواضب
الهاء في دونها للحاجة.
يقول: إذا طلب مثلي حاجة يسهل عليه الحروب، ولا يبالي بحلول الرماح به، ووقوع السوف عليه حتى يصل إلى مراده؛ لأن الوصول إلى الأمر العظيم يكون بالمخاطرة بالنفس العظيمة.
كثير حياة المرء مثل قليلها ... يزول وباقي عيشه مثل ذاهب
يقول: غاية الإنسان الموت، طالت حياته أم قصرت، وعيشه الباقي إلى نفادٍ، مثل عيشه الماضي، فلم أخاف الموت وأحمل الضيم والذل؟
إليك فإني لست ممن إذا اتقى ... عضاض الأفاعي نام فوق العقارب
يقول للعاذلة: إليك عني، أي كفي لومك، فلست ممن إذا اتقى عظيمةً صبر على مذلة وهوان. فشبه عظيمة بالأفاعي وشبه الذل بالعقارب.
يعني: إن نام فوق العقارب يؤده لسعها إلى الموت، كما لو نهشت الأفاعي، فكذلك العار يؤدي الإنسان إلى الهلاك، بل هو أشد منه؛ فإن ذلك يتكرر، والهلاك دفعة واحدة فهو أسهل، كما أن الهلاك بنهش الأفعى أطيب من تكرار لدغ العقرب.
وقيل: معناه إني لا أهرب من مكروه القتل والموت إلى مكروه العار وقبول الضيم، وإن كان أيسر من الموت، كما أن ضرب العقارب أسهل من ضرب الأفاعي، ومع ذلك فإن أحداً لا يختار ذلك إلا أنا وحدي.
أتاني وعيد الأدعياء وأنهم ... أعدوا لي السودان في كفر عاقب
كفر عاقب: قرية بالشام أو مدينة. وكل قرية يقال لها: كفر. والسودان: قيل أراد به جمع أسود سالح، وهو الحية السوداء.
يقول: إنهم أوعدوني وإنهم أعدوا لي في هذه القرية السودان: أي الدواهي. وقيل: أراد قوماً من الزنج أرصدهم هؤلاء لقتله.
стр. 188
ولو صدقوا في جدهم لحذرتهم ... فهل في وحدي قولهم غير كاذب؟!
يقول: لو كانوا صادقين في انتسابهم إلى جدهم، لكنت أحذرهم لمكان وعيدهم، وأعلم أنهم كذبوا في وعيدهم، وأعلم أنهم يقدرون على ما توعدوا لي به، من إلحاق المكروه بي؛ لأن تلك عادة الأشراف، ولكنهم أدعياء، فأعلم أنهم كذبوا في وعيدهم إياي، كما كذبوا في نسبهم.
وقيل: أراد أنهم يكذبون علي في سعايتهم كما يكذبون في انتسابهم إلى غير أبيهم، فلا أخاف مهم، لأن كل أحد يعلم أن سعايتهم في زور وبهتان كنسبهم.
إلي لعمري قصد كل عجيبةٍ ... كأني عجيبٌ في عيون العجائب
يقول: كل عجيبة من حوادث الدهر تقصدني، وكأني عجيب في عيونها، فتقصدني لترى في عجباً!
بأي بلادٍ لم أجر ذوائبي ... وأي مكانٍ لم تطأه ركائبي
يقول: أي مكان لم أسحب فيه ذوائبي عرصاته؟! ولم أجر فيه ذيول الصبا والعز، وأي موضع لم تطأه إبلي؟ إما غزواً للأعداء، أو مدحاً للملوك. ومثله للنميري:
وفي كل أرضٍ للنميري منزلٌ ... وفي كل أرضٍ للنميري صاحب
كأن رحيلي كان من كف طاهرٍ ... فأثبت كوري في ظهور المواهب
يقول: لم يبق في الدنيا موضع إلا قصدته، حتى كأن خروجي من ظهر كف طاهر، وكأن رحلي مشدودة في ظهور مواهبه! فهي تسيرني شرقاً وغرباً.
يعني: أن مواهبه تصل إلى كل أحد، كما بلغت أنا كل موضع، فكأني راكب على ظهر مواهبه، ملتمساً من كفه.
فلم يبق خلقٌ لم يردن فناءه ... وهن له شربٌ ورود المشارب
الشرب: النصيب من الماء. والمشارب: موارد الماء. والكناية في يردن: للمواهب. وفي له: للخلق. وتقديره: فلم يبق خلق لم يردن فناءه ورود المشارب، وهن له شرب.
يقول: لم يبق أحد من الناس إلا والمواهب وردت فناءه، كما يرد الناس المشارب، وهذه المواهب شرب للخلق، ومع ذلك ترد أفنيته الناس، والعادة أن الناس يردون المشارب فيسقون، ولكن مواهبه شربٌ لكل أحد يرد عليه، لا يحوجه إلى أن يقصده المستسقي، وقيل: الهاء في له: للممدوح. يعني: أن المواهب شرب له ينتفع به، كما ينتفع بالماء وارده. وانتفاعه به وهو الدعاء له والثناء عليه.
فتى علمته نفسه وجدوده ... قراع الأعادي وابتذال الرغائب
الرغائب: جمع رغيبة وهو المال المرغوب فيه.
يقول: إن نفسه علمته مضاربة الأعداء والأبطال، وابتذال الأموال، وعلمه هاتين الخصلتين أيضاً آباؤه الكرام، وأجداده العظام وإن مجده وشرفه وسخاءه وشجاعته، ليست بطارئة عليه بل موروثة له.
فقد غيب الشهاد عن كل موطنٍ ... ورداً إلى أوطانه كل غائب
يقول: إن سخاءه انتشر في الناس، فدعا المقيم في وطنه إلى تركه وقصده، وأغنا كل وارد إليه، فرده إلى وطنه برفده. وقابل الشهاد، وهو جمع الشاهد، وأراد به الحاضرين. بقوله: كل غائب وهو واحد، لأنه في معنى الجمع وأراد به الغائبين.
كذا الفاطميون الندى في بناتهم ... أعز امحاءً من خطوط الرواجب
الرواجب: بطون مفاصل الأصابع. الواحد رجبة. وقيل: هي عصبة الأصابع. وروى: أشد امحاءً وأعز امحاءً أي أشد امتناعاً.
يقول: كل من كان من ولد فاطمة مجبول على الجود فلا ينمحي عز أصابعهم، كما تنمحي الرواجب عن الأصابع، بل هي أشد وأمنع.
أناسٌ إذا لاقوا عدىً فكأنما ... سلاح الذي لاقوا غبار السلاهب
يقول: هم أناس إذا لاقوا أعداءهم في الحرب، كان سلاح أعدائهم ودرعهم غبار خيلهم التي ركبوها، فسلاحهم ودروعهم لا ترد عنهم ولا تمنعهم، كما لا يمنعهم الغبار.
وقيل: معناه إنهم إذا لقوا أعداءهم كان أمضى سلاحهم، إثارة الغبار في الهزيمة والهرب يعني أنهم إذا هربوا منعوا أنفسهم من الهلاك كما يمنعوها بالسلاح.
رموا بنواصيها القسي فجئنها ... دوامي الهوادي سالمات الجوانب
الهوادي: الأعناق. والهاء في نواصيها: للسلاهب. وفي جئنها: للقسي.
يقول: رموا بنواصي خيلهم القسي فوصلن إلى القسي داميات الأعناق بالسهام التي وقعت عليها قبل وصلوهن إلى القسي، وأصحابها لم يستدبرن، ولم يعرضن بل مضين قدماً إليهم، وسلمت جوانبهن وأعطافهن. وروى: سائلات الجوانب أي بالعرق.
أولئك أحلى من حياةٍ معادةٍ ... وأكثر ذكراً من دهور الشبائب
стр. 189
يقول: إنهم في قلوب الناس أحلى من الحياة التي عادت بعد ذهابها، وإن ذكرهم عند الناس، أكثر من ذكرهم لأيام الشباب.
نصرت علياً يا ابنه ببواترٍ ... من الفعل لا فلٌّ لها في مضارب
يقول: قد فعلت من المكارم ما دل على كرم أبيك، فكأن ذلك كالنصرة له، وهذه السيوف البواتر من الفعل ليس في مضاربها فل. وقيل: أراد بذلك أنك ملت إليه بشبهك له. يقال: نصرت له بني فلان أي أتيتها وقصدتها.
وأبهر آيات التهامى أنه ... أبوك وإحدى مالكم من مناقب
يقول: أعظم آيات التهامى كونه أباك، ولكم مناقب كثيرة، وكون النبي ﷺ جدك وأباك إحدى تلك المناقب.
وهذا في الظاهر يوجب تفضيله على سيد الخلق ﷺ .
وذكر ابن جنى أن أبا الطيب: كان يتعسف في الاحتجاج له والاعتذار بما لست أراه مقنعاً، وأعرضت عن ذكره.
إذا لم تكن نفس النسيب كأصله ... فماذا الذي يغني كرام المناصب؟
النسيب: ذو النسب الكريم. والمناصب جمع منصب والمنصب: الأصل.
يقول: إذا لم يكن الرجل كريماً في نفسه وفعله، لم ينفعه كرم أصله.
وما قربت أشباه قومٍ أباعدٍ ... ولا بعدت أشباه قومٍ أقارب
يقول: لا يغني تشابه الخلق إذا تباعدت الأفعال، ولا يضر فقد التشابه في الخلق، إذا وجد التشابه في الأفعال الشريفة الكاملة.
إذا علويٌّ لم يكن مثل طاهرٍ ... فما هو إلا حجةٌ للنواصب
النواصب: معادون لأمير المؤمنين علي ﵁.
يقول: كل علويٍّ لا يشبهه من أولاده، فهو حجة للنواصب؛ لأنهم يتمسكون به.
يقولون: تأثير الكواكب في الورى ... فما باله تأثيره في الكواكب
يقول: إن الناس يزعمون أن الكواكب تؤثر في الخلق، فتسعد قوماً وتنحس آخرين! وهذا الممدوح يؤثر في الكواكب ويصرفها على مراده، ولا تقدر الكواكب على منعه منه، ولأنه علاها فجعلها معلوة بعد أن كانت عالية على كل شيء.
وقيل: إن تأثيره في الكواكب هو إثارة الغبار بخيله في غزواته حتى لا تظهر النجوم ويزول ضوء الشمس فتطلع الكواكب بالنهار.
علا كتد الدنيا إلى كل غايةٍ ... تسير به سير الذلول براكب
الكتد والكتد: أعلى الكتف. وقيل: العنق.
يقول: علا كتد الدنيا فهي تسير به إلى كل غاية، كما يسير الجمل الذلول، والفرس.
وحق له أن يسبق الناس جالساً ... ويدرك ما لم يدركوا غير طالب
جالساً: حال من الضمير في يسبق. غير: حال من الضمير في يدرك.
يقول: حق للممدوح أن يسبق الناس جالساً، بما قد اجتمع فيه من الفضائل والمناقب، وأن يدرك من غير سعي ما لا يدركه أحد.
ويحذى عرانين الملوك وإنها ... لمن قدميه في أجل المراتب عرانين نصب لأنه مفعول ثان ليحذى. والمفعول الأول ضمير الممدوح.
يقول: حق له أن يجعل أنوف الملوك نعلاً لقدميه! وكأن ذلك أجل مرتبة لها، وأعز مكاناً؛ لأنها تتشرف بشرفه.
يدٌ للزمان: الجمع بيني وبينه ... لتفريقه بيني وبين النوائب
الجمع: مبتدأ، ويدٌ خبره. وهي النعمة.
يقول: جمع الزمان بيني وبينه أي الممدوح، فهذه نعمة للزمان علي، لأنه فرق بيني وبين نوائب الدهر.
هو ابن رسول الله وابن وصيه ... وشبههما شبهت بعد التجارب
يقول: هو يشبه رسول الله، وعلياً، فعلاً وفضلاً، ولم أقل ذلك من جهل، ولكن عن تجربة وعلم.
يرى أن ما ما بان منك لضاربٍ ... بأقتل مما بان منك لعائب
ما: الأولى نافية. والثانية: بمعنى الذي، واسم أن: محذوف. والتقدير: أنه ليس الذي بان منك لضارب، بأقتل مما بان منك لعائب.
يقول: هو يرى أنه ليس ما ظهر منه لحد السيف، بأقرب إلى القتل مما ظهر منه للعائب أن يعيبه. أي أن القتل أسهل عنده من العيب! والعيب أشد من القتل ومثله:
فتىً يتقي أن يخدش الذم عرضه ... ولا يتقي حد السيوف البواتر
ألا أيها المال الذي قد أباده ... تعز فهذا فعله في الكتائب
روى: أباره وأباده: أي أهلكه.
يقول لماله الذي قد فرقه في العطاء: تعز على إهلاكه إياك؛ فهكذا يفعل في الكتائب ويبرزها.
لعلك في وقتٍ شغلت فؤاده ... عن الجود أو كثرت جيش محارب
стр. 190
يقول: إنما أبادك يا مال؛ لأنك ربما حسنت عنده الإمساك، وشغلته بالعدو عن الجود، وأكثرت جيش عدوه بالاستعانة بك.
حملت إليه من لساني حديقةً ... سقاها الحجي سقى الرياض السحائب
شبه قصيدته بالحديقة، لأنها تجمع بديع المعاني، وغرائب الألفاظ، كما تجمع الحديقة من الأثمار والأنوار.
وتقدير البيت: سقى السحائب الرياض حر السحائب، بإضافة السقي إليها، وفصل بين المضاف والمضاف إليه.
يقول: حملت إليه حديقةً من المدح، سقاها العقل، كما يسقي السحاب الروض؛ وذلك لأنه بالعقل يرتب مثل هذا الترتيب وبه يستخرج مثل هذه المعاني.
فحييت خير ابنٍ لخير أبٍ بها ... لأشرف بيتٍ من لؤي بن غالب
خير: نصب على المنادى المضاف، أو على الحال، وروى: فحييت أي حييت أنا خير ابن. فنصبه على المفعول به. والضمير في بها: قيل: للحديقة التي هي القصيدة، أي حييت بهذه القصيدة خير ابن، وقيل: الضمير للأرض، وإن لم يجر لها ذكر: أي خير ابن لخير أب بهذه الأرض.
يقول: حييت بهذه القصيدة خير ابنٍ، أبوه خير أبٍ، وبيته لي لؤي بن غالبٍ، أشرف بيت؛ لأنه من ولد رسول الله ﷺ ولا أحد أفضل منه، فكأنه قال: هو أشرف الناس.
وكانت لأبي الطيب حجرة تسمى الحمامة، ولها مهر يسمى الطخرور. فأقام الثلج على الأرض بأنطاكية، وتعذر الرعي على المهر فقال يصف تأخر الكلأ عنه:
ما للمروج الخضر والحدائق
يشكو خلاها كثرة العوائق
المروج: جمع مرج، وهو كل موضع لا ينقطع عنه العشب والماء. والحدائق: جمع حديقة، وهي البستان ذو الحائط. والخلا: النبات الرطب، وهو فاعل يشكو ومفعوله كثرة. والعوائق: جمع عائق وهي الموانع.
يقول: أي شيء للمراعي والبساتين؟! فإن نباتها يشكو الموانع.
أقام فيها الثلج كالمرافق
يعقد فوق السن ريق الباصق
يقول: قد لازم هذه المروج والحدائق الثلج ملازمة المرافق لرفيقه، فاشتد البرد وعقد الثلج ببرودته ريق الباصق فوق سنه يجمده. يعني: لو أراد الإنسان أن يبصق ما أمكنه! بل وجد بصاقه معقوداً فوق سنه.
ثم مضى لا عاد من مفارق
بقائدس من ذوبه وسائق
يقول: أقام الثلج فيها مدة ثم مضى، فلا رده الله من مفارق، وجعل لذوبانه قائداً وسائقاً. على سبيل الاستعارة.
يعني: من سرعة ذهابه بعد إقامته مدة كأن قائداً يقوده وسائقاً يسوقه؛ لأن السائق والقائد إذا اجتمعا كان أبلغ في ذهابه، وجعل ابتداء الذوب قائداً وانتهاءه سائقاً وقيل القائد المطر، والسائق الريح.
كأنما الطخرور باغي آبق
يأكل من نبتٍ قصيرٍ لاصق
الطخرور: اسم مهر لأبي الطيب، كان ينتقل من مكان إلى مكان في طلب العشب، فهو يأكل من نبت قصير لاصق بالأرض.
كقشرك الحبر من المهارق
أروده منه بكالسوذانق
المهارق: جمع المهرق، وهو الصحيفة المصقولة، وهو فارسي معرب. أصله: مهرة كردة. والسوذانق: الشاهين. وقيل: الصقر. وقوله أروده: أي أطلبه. وقيل: أراد أرود فيه: أي أذهب وأجيء في طلبه، والهاء: للنبت وفي منه للمهر. والكاف: اسم. أي بمثل السوذانق يقول: كأن المهر حين يرعى يقشر حبراً من قرطاس، وأنا أطلب هذا النبت من هذا المهر بمهر يشبه السوذانق في حدته وذكائه وفطنته ومضائه.
بمطلق اليمنى طويل الفائق
عبل الشوى مقارب المرافق
مطلق اليمنى: أي ليس في يده اليمنى بياض. وقيل: يمناه بيضاء. والفائق: موصل الرأس والعنق، وإذا طال ذلك الموضع طالت عنقه. والعبل: الضخم. والشوى: القوائم. وقوله: مقارب المرافق: أي مرافقة متقاربة. وقيل: إحدى المرفقين تداني الأخرى. وقيل تشبه إحداهما الأخرى.
رخو اللبان نائه الطرائق
ذي منخرٍ رحبٍ وإطلٍ لاحق
اللبان: الصدر.
يقول: إن جلد صدره قد استرخى على صدره، وهو محمود في الخيل. ونائه: روى بالهمزة وهو العالي، من ناه نوها، ونوهته أنا: أي رفعته. وروى بالباء: وهو الشريف من قولهم: نبيه. والطرائق: الأخلاق. ويستحب في المنخر السعة؛ لئلا يحتبس النفس. والإطل: الخاصرة. ولاحق: أي ضامر.
محجلٍ نهدٍ كميتٍ زاهقٍ
شادخةٍ غرته كالشارق
стр. 191
محجل: أي في قوائمه بياض. ونهد: أي عالٍ مرتفع الشخص. كميت: أي أحمر اللون أسود القوائم والفرق. زاهق: أي سمين، وقيل هو المتوسط بين السمين والهزيل. والغرة الشادخة: التي تغشى الوجه من الناصية إلى الأنف. والشارق: الشمس. شبه بياض وجهه بالشمس حسناً وضياء.
كأنها من لون في بارق
باقٍ على البوغاء والشقائق
وروى: كأنه إلى المهر، وكأنها إلى الغرة. والبارق: السحاب ذو البرق.
شبه غرته بالشمس، ثم شبه لون المهر بالسحاب الذي فيه ضوء البرق وهو يكون مائلاً إلى الكميت. والبوغاء: التراب الدقيق. والشقائق: جمع شقيقة وهي أرض تنشق بين الرمال، تنبت الشجر والعشب. وقيل: أرض فيها حصاً ورمل. يعني أن لونه باقٍ سواء سرت في السهل أو في الجبل، وفي الحر أو في البرد. وقيل: معناه أنه صبور على الشدائد؛ لأنه معود مدرب.
والأبردين والهجير الماحق
للفارس الراكض منه الواثق
الأبردين: الغداة والعشي. والهجير: الحر الشديد، عند انتصاف النهار. والماحق: الذي يمحق كل شيء؛ لشدة الحر. أي يذيبه ويهلكه.
يعني: أنه صبور على الكد، لا يتعبه السير في الجبل والسهل، ولا يضره معاقبة الحر والبرد. ثم بين أن الفارس الواثق بنفسه في الفروسية، إذا ركضه خاف منه.
خوف الجبان في فؤاد العاشق
كأنه في ريد طودٍ شاهق
ثم إن الفارس الواثق بفروسيته، إذا ركبه وركض به، يحصل له خوف العاشق؛ وذلك لأن العاشق قلبه مضطرب، فإذا حله خوف الجبان مع اضطرابه يكون خوفاً على خوف.
وقيل: معناه أنه يخاف منه وهو يعشقه ويشتهي ركوبه. ريد الجبل: حرفه الثاني منه. والطود: الجبل. الشاهق: العالي.
يشأى إلى المسمع صوت الناطق
لو سابق الشمس من المشارق
يشأى: أي يسبق، والمسمع: الأذن وفي في قوله: في ريد طود بمعنى: على.
يقول: كأن الفارس على حرف جبل عالٍ؛ لخوفه منه.
شبه المهر بالجبل، ثم قال: إنه لو سابق صوت ناطق لوصل إلى أذن السامع قبل وصول صوت الناطق إليه. وقيل: أراد: أن الناطق إذا دعا هذا المهر أسرع كالصدى، حتى كأنه يسبق نطق الناطق في جبل عالٍ.
وقيل: معناه أنه يسبق إلى أذن الصيد صوت الفارس الذي ينطق على ظهره أي يلحقه قبل بلوغه هذا الصوت، ثم قال: لو سابق هذا المهر الشمس من شرقها لسبقها إلى الغرب.
جاء إلى الغرب مجيء السابق
يترك في حجارة الأبارق
آثار قلع الحلى في المناطق
مشياً وإن يعد فكالخنادق
الأبارق: جمع أبرق، وهو أرض يخالطها حجارة، وقيل: أكمة فيها طين وحجارة، وقيل: جبل فيه حجارة سود وبيض.
شبه آثار حوافره في الأرض الصلبة إذا مشى بآثار قلع الحلى من المنطقة؛ لأنه يكون مدوراً، شبه حافر المهر به لتدويره، وبين أنه إنما يؤثر في الأرض مثل هذه الآثار إذا كان ماشياً، فأما إذا عدا عدواً فإنه يشقها شقاً كالخنادق! وقوله مشياً مصدر واقع موقع الحال أي ماشياً.
لو أوردت غب سحابٍ صادق
لأحسبت خوامس الأيانق
قوله: غب سحاب. أي بعد سحاب صادق بالمطر. وقوله: أحسبت أي كفت. وخوامس الأيانق: هي الإبل العطاش التي لم ترد الماء خمسة أيام.
يقول: لو أوردت هذه الخنادق التي حصلت من حوافره، بعد سحاب صادق بالمطر لكفت هذه الخنادق الإبل التي لم تشرب الماء خمسة أيام. أي أن الماء الذي يحصل في هذه الخنادق يرويها على عطشها!.
إذا اللجام جاءه لطارق
شحا له شحو الغراب الناعق
قوله لطارق: أي لأمر طارق، أي جاء ليلاً.
يقول: إذا جئته باللجام ليلاً لأمر حادث من إغرة أو إغاثة، فتح فمه كما يفتح الغراب فمه حين ينعق.
كأنما الجلد لعرى الناهق
منحدرٌ على سيتي جلاهق
لكل ذي حافر ناهقان: وهما عظمان أو عرقان يكتنفان قصبة الأنف ويستحب ألا يكون عليه لحم. والجلاهق: قوس البنادق. والناهق: قيل هو العظم الشاخص في حنك الفرس عند مجرى الشدق.
شبه جلده على ناهقه، وقد عري من اللحم بمتن قوس البندق لصلابته وزوال رخاوته.
بذ المذاكي وهو في العقائق
وزاد في الساق على النقانق
بذ: أي غلب، وسبق الخيل القرح، التي تمت أسنانها. والعميقة: الشعر للمولود، الذي ولد وهو عليه. والنقانق: جمع نقنق وهو الظليم
стр. 192
يقول: إنه سبق الخيل القرح! وهو بعد في شعره الذي ولد فيه، وهو في العقيقة: في بطن أمه لم ينفصل بعد وهذا كقول الشاعر:
قد سبق الأبلق وهو رابض
فكيف لا يسبق وهو راكض؟!
ثم قال: إنه زاد في طول الساق على الظليم. وهو محمود في الخيل وتوصف به.
وزاد في الوقع على الصواعق
وزاد في الحذر على العقاعق
يقول: إن الصوت من وقع حوافره يزيد على وقع الصاعقة النازلة عند صوت الرعد! وقيل: أراد أن صوت وقع حوافره أشد من صوت الرعد، وإن زاد في الحذر على العقعق الذي ليس في الطير أحذر منه!
وزاد في الأذن على الخرانق
يميز الهزل من الحقائق
الخرانق: جمع خرنق، وهو الأنثى من ولد الأرنب. ولا شيء أسمع منها، وقيل إن أذنه زائد الطول.
ثم بين أنه يميز الهزل من الجد بحدة سمعه وذكاء فؤاده إذا ركبه.
وينذر الركب بكل سارق
يريك خرقاً وهو عين الحاذق
يريد: أنه لا ينام الليل، فمتى جاء السارق أصحابه صهل حتى ينبههم! كأنه حارس، ويريك من نشاطه وعدوه ما يوهم أنه أخرق وهو حاذق.
يحك أنى شاء حك الباشق
قوبل من آفقةٍ وآفق
الباشق: يكسر ويفتح، وها هنا لا يجوز إلا بالكسر.
يقول: إنه للين مفاصله وطول عنقه، يحك من جسده أي موضع شاء، كالباشق. والآفق: الفاصل الشريف من كل شيء. والآفقة: مؤنثة.
يعني أنه كريم من قبل أبيه وأمه وهو كريم الطرفين، قد قابلت أباؤه أمهاته في الكرم.
بين عتاق الخيل والعتائق
فعنقه يربي على البواسق
العتاق: جمع عتيق. والعتائق: جمع العتيقة. يعني: أنه كريم الآباء والأمهات.
ثم يقول: إن عنقه يزيد على النخل الطوال.
وحلقه يمكن فتر الخانق
أعده للطعن في الفيالق
يقول: إن حلقه لرقته يمكن فتر الخانق منه، فيمكنه أن يقبض عليه بفتره، ثم قال: هو عده لي، للطعن في الفيلق: وهو العسكر العظيم.
والضرب في الأوجه والمفارق
والسير في ظل اللواء الخافق
يقول: هو عدة لي أقاتل عليه أعدائي، وأسير عليه تحت اللواء الخافق: وهو المتحرك المضطرب.
يحملني والنصل ذو السفاسق
يقطر في كمي إلى البنائق
السفاسق: الطرائق في متن السيف كالسراب، وبنائق القميص: الخرق التي تلف البدن من جانبيه، وهي الدخرصة.
يقول: يحملني هذا المهر والسيف يقطر من دماء أعدائي فيختضب كمي وبنائقي.
وقيل: أراد أنه يحملني وأنا متقلد بسيفي، فهو يتحرك بين كمي وبنائقي
لا ألحظ الدنيا بعيني وامق
ولا أبالي قلة المرافق
يقول: يحملني وأنا على هذه الحالة، إذا ركبته في الحرب لم أرغب في الحياة، فأطرح نفسي على الموت ولا أبالي بقلة الأرفاق.
وقيل: هذا منقطع. أي لا أبالي بالدنيا! لعلمي أنها غدارة، ولا أبالي بقلة الأصحاب لعلمي بنفاقهم.
أي كبت كل حاسدٍ منافقٍ
أنت لنا وكلنا للخالق
يقول: يا مهري الذي يكبت كل حاسد كمداً، أنا أملكك والله يملك جميع الخلق.
وقيل: أراد الممدوح أي أنت ملجأنا وكلنا نفتقر إلى الله تعالى.
وكبست أنطاكية، فقتل المهر والحجرة فقال يندب مهره وفرسه:
إذا غامرت في شرفٍ مرومٍ ... فلا تقنع بما دون النجوم
غامرت: أي طرحت نفسك في غمرة الحرب.
يقول: إذا غررت بنفسك في شرف طالباً له، فلا تطلب إلا أعظمه، وحدث نفسك بأنك تنال النجوم بعزمك.
فطعم الموت في أمرٍ حقيرٍ ... كطعم الموت في أمرٍ عظيم
يقول: إن طعم الموت في الحالين لا يختلف، فاختر لنفسك أشرف الأمور وأحسنها.
ستبكي شجوها فرسي ومهري ... صفائح دمعها ماء الجسوم
شجوها: نصب على المصدر، ويكون من الشجو، وقيل: نصب على المفعول له. كأنه جعل الشجو علة للبكاء، وفاعل تبكي: الصفائح ومفعوله فرسي.
يقول: سأشفي نفسي بقتل من قتلهما، فتجري دماء سيوفي كأنها دمع باكٍ على فرسي ومهري.
قربن النار ثم نشأن فيها ... كما نشأ العذارى في النعيم
يقول: إن هذه السيوف قد جعلت النار غذاء لها، وأراد أنها نشأت في النار واكتسبت منها جوهراً وصفاءً، كالعذارى إذا ربين في النعيم.
وفارقن الصياقل مخلصاتٍ ... وأيديها كثيرات الكلوم
стр. 193
يقول: إن الصياقل قد أخلصوها صقالاً، وإنها بحدة شفارها قطعت أيدي صياقلها عند صقلها، وتجربة حدها، فكيف يكون حالها مع غيرهم؟!
يرى الجبناء أن العجز عقلٌ ... وتلك خديعة الطبع اللئيم
يقول: إن الجبان يخدعه لؤم طبعه، ويصور له أن الاحتراز من الحرب رأي وعقل، وليس كما ظن، وإنما خدعه لؤم طبعه عما في الشجاعة من العز بالفخر بها.
وكل شجاعةٍ في المرء تغني ... ولا مثل الشجاعة في الحكيم
يقول: الشجاعة محمودة، وتغني صاحبها وتنفعه، خاصة إذا كان صاحبها حكيماً عاقلاً مدبراً؛ لأنه يستعملها في وقتها ومحلها.
وكم من عائبٍ قولاً صحيحاً ... وآفته من الفهم السقيم
يقول: إن الشجاعة من الأخلاق الكريمة، وإنما يعيبها الجبان؛ لضعف قلبه، كما أن كثيراً من الناس يعيب الأشياء التي لا يلحقها عيب، لجهله بها. وقيل: إنه منقطع، أي كم إنسانٍ يعيب قولاً صحيحاً لا آفة فيه، وإنما يكون من فهم سقيم، حيث لا يتصور جودة الكلام وصحته.
ولكن تأخذ الآذان منه ... على قدر القرائح والعلوم
يقول: إن الآذان تدرك الكلام فيعلمه الإنسان، ويأخذ منه بقدر خاطره وعلمه، ويتصوره على حسب قريحته.
وقال يهجو ابن كيغلغ وسار أبو الطيب من الرملة يريد أنطاكية سنة ستٍّ وثلاثين وثلاث مئة، فنزل بطرابلس، وبها إسحاق بن إبراهيم بن كيغلغ، وكان رجلاً جاهلاً، وكان يجالسه ثلاثة من بني حيدرة، وكان بين أبي الطيب وبين أبيهم عداوة قديمة. فقالوا له: ما يجب أن يتجاوزك ولم يمتدحك، وإنما يترك مدحك استصغاراً لك، وجعلوا يغرونه به، فراسله إسحاق وسأله أن يمدحه، فاحتج أبو الطيب بيمينٍ عليه: أنه لا يمتدح أحداً إلى مدة حدها، فعاقه عن سفره. ينتظر انقضاء تلك المدة، وأخذ عليه الطرق وصبطها، ومات الثلاثة الذين كانوا يغرونه به في مدة أربعين يوماًن فقال أبو الطيب يهجوه وهو بطرابلس.
قال: ولو فارقته قبل قولها لم أقلها أنفة من اللفظ بما فيها قال: وأملاها على من يثق به، فلما ذاب الثلج وخف عن لبنان، خرج كأنه يسير فرسه، وسار إلى دمشق فأتبعه ابن كيغلغ خيلاً ورجلاً، فأعجزهم وظهرت القصيدة واشتهرت وهي:
لهوى القلوب سريرةٌ لا تعلم ... عرضاً نظرت وخلت أني أسلم
قوله: عرضاً أي من غير قصد. يقول: للهوى سر لا يعرف لطفه ودقته، فلا يوقف عليه إلا بعد ابتلاء به. ونظرت من غير قصد وما ظننت أن الظن يوقعني في حبائل الهوى، بل قدرت أني أسلم ولا أهلك فخاب الظن الذي ظننته.
يا أخت معتنق الفوارس في الوغى ... لأخوك ثم أرق منك وأرحم
هذا فيه وجهان: أحدهما: أنه شبب بامرأة، ومدح أخاها بالشجاعة. إشارة إلى أنها ممتنعة لا يقدر على الوصول إليها. يقول: يا أخت الأخ الذي يخالط الأقران في الحرب بشجاعته، إن أخاك في الحرب إذا لقي عدواً أرحم منك وأرق على قربه منك علي، فأنت قد فعلت بالمحب بقلة رحمتك له، ما لا يفعله أخوك في الحرب حرب الأقران.
والوجه الثاني: أنه يهجو أخا المرأة المشبب بها وفيه قولان: أحدهما: أنه يتهمه بإتيان أخته! ومعناه: أن أخاك أرق منك، ثم إن عند خلوته بك، أرحم منك على العاشق.
والقول الثاني: أنه يرمي أخاها بالجبن وضعف القلب؛ لأنه مع وصفه بأنه معتنق الفوارس في الوغى، فإنه أرق قلباً من هذه المرأة مع رقة قلوب النساء، فمن زادت رقته على رقة قلوبهن فهو في نهاية الضعف وقوله: ثم إشارة إلى موضع الحرب، أي أنه أرق قلباً من النساء في الضعف.
يرنو إليك مع العفاف وعنده ... أن المجوس تصيب فيما تحكم
يقول: إن أاك ينظر إليك مع العفاف لأنه يرى رأي المجوس! وهذا قول ابن جنى.
وقوله: مع العفاف يمنع من ذلك، فإنه ذكر ما لا يصح، ويمكن أن يقال: إنه صحيح ومعناه: أنه على رأي المجوس، لأن المجوسي يرى إتيان أخته من العفاف، لأنه يستبيحه! فهو صحيح من هذا الوجه هذا على الوجه الثاني.
وأما على الوجه الأول: فمعناه أنك قد فتنت أخاك بحسنك فهو ينظر إليك ويتمنى أن يكون دينه دين المجوس، وأنك محللة له، فكأنه يرى رأى المجوس في نكاح الأخوات ومثله لأبي تمام:
بأبي من إذا رآها أبوها ... شغفاً قال: ليت أنا مجوس
راعتك رائعة البياض بعارضي ... ولو أنها الأولى لراع الأسحم
стр. 194
راعتك: أي أفزعتك وروى: راعية الشيب، وجمعها رواعٍ. وروى: رائعة، وهي الفاعل من راعت. وقيل: هي منتشرة كانتشار الغنم في المرعى. والأسحم: الأسود.
يقول: راعتك الشعرات البيض التي انتشرت في عارضي، ولوكان الشعر يبدو أبيض ثم يسود، لخفت من السواد خوفك من البياض، والذي راعك إنما هو علو سني، لا البياض.
لو كان يمكنني سفرت عن الصبا ... فالشيب من قبل الأوان تلثم
يقول: لو قدرت لكشفت البياض عن شعري، حتى أريك صباي، وتعلمين أنت أني شبت قبل الأوان، والشيب قبل أوانه بمنزلة أن يتلثم الإنسان بعمامة بيضاء؛ لأنه لا يورث ضعفاً ولا يوهن قوة، فإنه يكره الشيب لهذا المعنى.
ولقد رأيت الحادثات فلا أرى ... يققاً يميت ولا سواداً يعصم
يقول: جربت حوادث الدهر، فرأيت سواد الشعر لا يمنع من الموت، وبياضه لا يقرب منه، وقد يموت الشاب ويعيش الشيخ.
والهم يحترم الجسيم نحافةً ... ويشيب ناصية الصبي ويهرم
يقول: إن الهم يذيب الجسم، وينقصه حتى يموت الجسم نحافة، وتبيض ناصية الصبي، ويهرم قواه ومعناه: أن الشيب حصل لي من الهم.
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ... وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
يقول: العاقل وإن كان في النعيم، فإنه لا يتهنأ به؛ لعلمه بزواله، والجاهل وإن كان في الشقاوة، فهو يتلذذ؛ لجهله بعواقبه.
والناس قد نبذوا الحفاظ فمطلقٌ ... ينسى الذي يولي وعافٍ يندم
يولي: أي يعطي.
يقول: إن الناس تنكر مراعاة الحقوق والذمم، فالمنعم عليه بإطلاقٍ من الأسر، ينسى يد المنعم عليه فلا يشكر نعمه، والعافي من الإساءة والمنعم على الغير، يندم على ما فعله من النعم.
لا تخدعنك من عدوٍّ دمعةٌ ... وارحم شبابك من عدوٍّ ترحم
أراد: ترحمه، فحذف الهاء.
يقول: إذا قدرت على عدوك فاقتله ولا يخدعنك بكاؤه: وارحم شبابك بذل عدوٍّ ترحمه!
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم
يقول: لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى تحميه بالسيف.
قال ابن جنى أشهد بالله لو لم يقل إلا هذا البيت لوجب تقدمه:
يؤذي القليل من اللئام بطبعه ... من لا يقل كما يقل ويلؤم
من في موضع النصب؛ لأنه مفعول يؤذي.
يقول: إن القليل الحقير اللئيم يؤذي بطبعه، من لا يقل كقلته ولا يلؤم كلؤمه.
والظم في خلق النفوس فإن تجد ... ذا عفةٍ فلعلةٍ لا يظلم
روى: في خلق، وهي جمع خلقة، ويريد الطبيعة. وروى في خلق، وهو واحد الأخلاق.
يقول: إن الإنسان طبع على الظلم ومن لا يظلم فلعلةٍ تمنعه من ذلك: إما عجز أو خوف، فلو خلي وطبعه لاستعلى على من هو دونه.
يحمى ابن كيغلغ الطريق وعرسه ... ما بين رجليها الطريق الأعظم
أقم المسالح فوق شفر سكينةٍ ... إن المنى بحلقتيها خضرم
الخضرم معناه ظاهر. والمسالح: أصحابه الذين يحفظون الطريق.
يقول: أقم المراصدين فوق امرأتك التي سار الناس للفجور بها، حتى اجتمع هناك من المنى بحر غزير.
وارفق بنفسك إن خلقك ناقصٌ ... واستر أباك فإن أصلك مظلم
يقول: لا تتعرض لمناوأتي فإنك ناقص الخلق، ولا تظهر أباك، فإنك مدخول النسب لا يوقف عليه.
واحذر مناوأة الرجال فإنما ... تقوى على كمر العبيد وتقدم
يقول: احذر معاداة الرجال، فإنما تقوى على استدخال كمر العبيد والإقدام عليها، وهذا رمى له بالأبنة.
وغناك مسألةٌ، وطيشك نفخةٌ ... ورضاك فيشلةٌ، وربك درهم
يقول: إن مالك مكتسب بالسؤال، وإن طيشك: أي خفتك. نفخة: أي لو نفخ عليه لطار، لضعف قلبه.
وقيل: أراد أن خفتك في المورد فلا تأثير له، وأنه إذا غضب ينكح فيرضى وأنه بخيل يعبد الدرهم ويعظمه كأنه ربه.
ومن البلية عذل من لا يرعوي ... عن جهله وخطاب من لا يفهم
يقول: من البلية عذل من لا ينصرف عن الجهل، ومخاطبة الجاهل الذي لا يفهم ما يفهم.
في ذكر أمك للزناة دلالةٌ ... فأحب من ذكر ابنها من يشتم
يقول: إن ذكرت أمك استدل الزناة بذكرها عليها، وأحب الناس إليها من يشتم ابنها ويقول: يابن الزانية؛ ليدل الزناة عليها.
يمشي بأربعةٍ على أعقابه ... تحت العلوج ومن وراءٍ يلجم
стр. 195
العلج: القوي البنية المعالج للتعب. وقوله: بأربعة أراد العضو. وينبغي أن يقول: إنه يمشي تحت العلوج إلى خلفه؛ حرصاً على استيفاء ما يدخل فيه! ولكن لجامه في خلفه: أي في إسته.
وجفونه ما تستقر كأنها ... مطروفةٌ أو فت فيها حصرم
مطروفة من قولهم: طرفته، أي ضربت طرفه.
يقول: إن جفونه لا تستقر، فكأنه أصيب بشيء من رمد ونحوه، أو عصر فيها حصرمٌ أشار بهذا إلى أن في عينه آفة.
وقيل: أراد أنه يحرك أجفانه لاستدعاء العلوج للمعنى الذي رماه به أولاً.
وإذا أشار محدثاً فكأنه ... قردٌ يقهقه أو عجوزٌ تلطم
يقول: إذا نطق ازداد حقارة، فكأنه قرد حين يضحك، أو عجوز لطمت في مناحة وبكت. ولا يضحك شيء من الحيوانات إلا الإنسان والقرد.
يقلي مفارقة الأكف قذاله ... حتى يكاد على يدٍ يتعمم
قوله: يقلى. أي يبغض، وفاعله: قذاله. ومفارقة الأكف: مفعوله.
يقول: إنه تعود أن يصفع، فقذاله: يكره مفارقة الأكف، حتى كأن الأيدي عمائم، لإحاطتها به.
وقيل: معناه لا يميل إلى مفارقتها. والقذال: مؤخر الرأس.
وتراه أصغر ما تراه ناطقاً ... ويكون أكذب ما يكون ويقسم
يقول: هو حقير المنطق، فإذا تكلم زاد حقارة لعيه، ولكنه أكثر ما يكون كذلك في قوله: إذا وكد كلامه بقسم وأيمان.
والذل يظهر في الذليل مودةً ... وأود منه لمن يود الأرقم
الأرقم: ضرب من الحيات.
يقول: إن الذليل يظهر المودة لمن أذله؛ ليتقي شره، ولكن الأرقم أشد حباً منه لمن يحبه، إذا قدر عليه.
ومن العداوة ما ينالك نفعه ... ومن الصداقة ما يضر ويؤلم
يقول: إن عداوة الساقط تدل على مباينة طبعه لطبعك فينفعك ومودته تدل على المناسبة فيضرك! وقيل: أراد أن عداوة العاقل خير من صداقة الجاهل، فتلك العداوة ربما تتضمن منفعة وهذه الصداقة ربما تتضمن مضرة وشراً.
أرسلت تسألني المديح سفاهةً ... صفراء أضيق منك، ماذا أزعم؟!
صفراء: اسم أم المهجو، أو اسم امرأته. يعني: إنك تسألني المديح وما عسى أن أقول لك؟ وأنت أوسع منها!
أترى القيادة في سواك تكسبا ... يابن الأعير وهي فيك تكرم؟!
الأعير: تصغير الأعور.
يقول: إن غيرك يتكسب بالقيادة، وأنت تقود على أهلك وتعده تكرما! ومثله قول الآخر:
تراه من جوده ومن كرمه ... يحمل أضيافه إلى حرمه
فلشد ما جاوزت قدرك صاعداً ... ولشد ما قربت عليك الأنجم
شدما كقولك: نعما، وبئسما.
يقول: ما اشد ما جاوزت قدرك حتى سألتني أن أمدحك، وهو أبعد من النجوم، صاعداً نصب على الحال.
وأرغت ما لأبي العشائر خالصاً ... إن الثناء لمن يزار فينعم
قوله: أرغت. أي طلبت، وقيل: أملت إلى نفسك، وخالصاً نصب على الحال.
يقول: طلبت المديح الذي هو لأبي العشائر خالصاً، لأنه لا يستحقه إلا من ينعم على زائره، وهو أبو العشائر.
ولمن أقمت على الهوان ببابه ... تدنو فيوجأ أخدعاك وتنهم
الأخدعان: عرقان في العنق معروفان. وتنهم: أي تزجر.
يقول: إن الثناء لمن تقيم على بابه مهينا، كلما دنوت منه تزجر وتصفع، فكيف أمدحك وهذه حالك؟!
ولمن يهين المال وهو مكرمٌ ... ولمن يجر الجيش وهو عرمرم
العرمرم: الجيش الكثير. يمدح أبا العشائر. يعني: أنه يكرم نفسه بإهانة المال وهو يقود الجيش الكثير، يصفه بالكرم والشجاعة.
ولمن إذا التقت الكماة بمأزقٍ ... فنصيبه منها الكمي المعلم
المأزق: مضيق الحرب.
يقول: إن المدح يكون لمن يكون في مضيق الحرب، ويقتل كل شجاع معلم: أي له علامة.
ولربما أطر القناة بفارسٍ ... وثنى فقومها بآخر منهم
يقول: ربما طعن فارساً، فانعطفت قناته، فطعن بها آخر فقومها فيه كما تقوم الثقاف.
والوجه أزهر، والفؤاد مشيعٌ ... والرمح أسمر والحسام مصمم
يقول: يفعل ذلك بوجه أزهر وله رمح أسمر، وسيف مصمم قاطع يمضي في العظام.
أفعال من تلد الكرام كريمةٌ ... وفعال من تلد الأعاجم أعجم
يقول: فعل كل أحدٍ على قدر أصله، وهو من قوله تعالى: " قل كلٌّ يعمل على شاكلته ".
ولقي أبا الطيب بعض الغزاة بدمشق، فعرفه أن ابن كيغلغ لم يزل يذكره في بلد الروم، فقال أبو الطيب يهجو ابن كيغلغ:
стр. 196
أتاني كلام الجاهل ابن كيغلغٍ ... يجوب حزوناً بيننا وسهولا
يقول: أتاني كلام هذا الجاهل، وتهدده لي من مكان بعيد، يقطع الجبال والمفاوز الذي بينه وبيني.
وقيل معناه: إن كلامه قد أتاني، وهو حينما تكلم كان يجوب حزون أرض الروم وسهولها. ويجوب: أي يقطع.
ولو لم يكن بين ابن صفراء حائلٌ ... وبيني سوى رمحي لكان طويلاً
صفراء: اسم أمه، ومعناه: يهددني ابن صفراء بوعيده! وأنا منه على بعد، فلو لقيته ولم يحل بيني وبينه إلا رمحي وحده، الذي أعتمد عليه وأدفعه به، لطال عليه الوصول إلي. فكيف وقد انضم إليه سائر أسباب القوة.
وقيل: معناه لو كان بيني وبينه من البعد مقدار رمحي لكان طويلاً عليه، فلا يمكنه أن ينالني. وقيل: إن صفراء كناية عن الأست والعرب تقول: ولد من أسته. فعلى هذا يكون رمياً له بالأبنة.
وإسحاق مأمونٌ على من أهانه ... ولكن تسلي بالبكاء قليلا
يقول: إن من أهانه وأساء إليه لم يخف غائلته؛ لأنه لا يقدر على شيء من النكير عند بلوغه إساءة من أساء إليه سوى التسلي بالبكاء.
وقد ذكره بالقبيح وكنى عنه بالبكاء وهذا غاية الحسن ومثله:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً ... أبشر بطول سلامةٍ يا مربع
ولولا الذي في وجهه من سماجةٍ ... لنمت عليه بكرةً وأصيلا
وليس جميلاً عرضه فيصونه ... وليس جميلاً أن يكون جميلا
ويكذب، ما أذللته بهجائه ... لقد كان من قبل الهجاء ذليلا
يقول: نفسه لا جمال لها فيصونه عن الهجاء، ولا يستحق أن يكون جميلا، ثم يقول: زعم هذا الجاهل أني أذللته بهجائي فقد كذب في دعواه؛ لأني لم أنقص شيئاً من قدره بالهجاء، فإنه ذليل خامل لا قدر له.
وورد الخبر إلى مصر بأن غلمان ابن كيغلغ قتلوه بجبلة من ساحل الشام، فقال أبو الطيب يشمت به ويهجوه:
قالوا لنا: مات إسحاق. فقلت لهم: ... هذا الدواء الذي يشفي من الحمق
يقول: بلغني موته، فقلت: قد أصاب دواء حمقه؛ فإن الأحمق ليس له دواء إلا الموت.
إن مات مات بلا فقدٍ ولا أسف ... أو عاش عاش بلا خلقٍ ولا خلق
يقول: إن حياته وموته سواء، فإن مات لا يحزن عليه أحد، ولم يشعر بموته لخموله، وإن عاش فلا نفع فيه، لأنه دميم الخلق سيىء الخلق، فليس له رواءٌ يملأ العيون، ولا خلقٌ يعطف عليه القلوب.
منه تعلم عبدٌ شق هامته ... خون الصديق ودس الغدر في الملق
قوله: دس الغدر في الملق أي يستر غدره في كلامه باللطف؛ ليتوصل به إلى الإيقاع بالغير.
يقول: إن عبده الذي قتله، منه تعلم الخيانة والغدر بالصديق، فحين رآه يخون أصدقاءه ويغدر بهم، اقتدى، به فقتله غدراً.
وحلف ألف يمينٍ غير صادقةٍ ... مطرودةٍ ككعوب الرمح في نسق
حلف: نصب عطفاً على قوله: دس الغدر وهو منصوب بتعلم ومطردة: أي متتابعة.
يقول: تعلم منه ألف يمين متتابعة، مثل كعوب الرمح على طريقة واحدة، فكان ذلك باعثاً له على قتله، فقتله ودفع عن نفسه قتله بالأيمان الكاذبة كما كان هو يفعل.
ما زلت أعرفه قرداً بلا ذنبٍ ... صفراً من البأس مملوءًا من النزق
النزق: الخفة والطيش.
يقول: في كونه قرداً ناقصاً؛ ليكون أعجب، وإنه مملوء من الخفة، وصفراً من الحلم والعقل والأدب.
كريشةٍ بمهب اليح ساقطةٍ ... ما تستقر على حالٍ من القلق
شبهه في خفته وقلقه بريشة ساقطة تهب عليها الريح.
تستغرق الكف فوديه ومنكبه ... وتكتسى منه ريح الجورب العرق
الفودان: جانبا الرأس.
يقول: إنه يكثر الصفع على جوانب رأسه ومنكبه، ويد من يصفعه تكتسب منه ريحاً منتناً مثل ريحة الجورب العرق! وفيه أنواع من الهجاء منها: قبح الخلقة، وصغر الجثة، وخبث الريح، ونتن الجسد، ومهانة النفس؛ حتى يصفعه كل أحد.
فسائلوا قاتليه: كيف مات لهم ... موتاً من الضرب أم موتاً من الفرق؟
وأين موقع حد السيف من شبحٍ ... بغير رأسٍ ولا جسمٍ ولا عنق؟!
موتاً نصب على المصدر.
стр. 197
يقول: سائلوا قاتليه. هل مات من ضربهم، أو خوفاً من الضرب؟! والشبح: الشخص. يقول: سائلوا الناس أي موضع أصاب السيف منه؟ فإنه ليس له جسم، لقصره وصغره، ولا رأس له، ولا عنق، حتى لا يجد السيف شخصه، ولكن الخوف قتله قبل أن يضرب منه السيف موضعاً!
لولا اللئام وشيءٌ من مشابهةٍ ... لكان ألأم طفلٍ لف في خرق
يقول: لولا أن في الناس المشابهة في اللؤم والخسة، لكان ألأم طفل لف في قماطٍ؛ لعجزه وصغر قامته.
والمشابهة: جمع الشبه على غير قياس.
كلام أكثر من تلقى ومنظره ... مما يشق على الآذان والحدق
يقول: إن أكثر الناس كلامه تمجه الآذان لثقله. وكذلك رؤيته مما تنكرها العين ويشق عليها. فله نظائر في الناس.
واجتاز ببعلبك فنزل على علي بن عسكر، وهو يومئذٍ صاحب حربها، فخلع عليه وحمل إليه وأمسكه عنده، اغتناماً لمشاهدته. وأراد أبو الطيب الخروج إلى أنطاكية فقال يعتذر من مفارقته:
روينا يا ابن عسكرٍ الهماما ... ولم يترك نداك بنا هياما
يقول: روينا أيها الممدوح بسحائب جودك، ولم يترك بنا هياماً: أي عطشاً.
وصار أحب ما تهدى إلينا ... لغير قلىً وداعك والسلاما
يقول: قد أفضت علي من برك ما كفاني، فليس شيء أحب إلي إلا الارتحال وتوديعك والسلام، وليس ذلك عن بغض ولا كراهة فيك، ولكن عن عذر اقتضى ذلك.
ولم نملل تفقدك الموالي ... ولم نذمم أياديك الجساما
التفقد: التعهد. والموالي: المتتابع.
يقول: ولا أني أمللت إكرامك وتعهدك لأحوالي، ولا ذممت أياديك العظام، ولكن لعذر آخر أوجب طلب الإجازة.
ولكن الغيوث إذا توالت ... بأرض مسافرٍ كره الغماما
يقول: إني في سؤال الإذن منك، كالمسافر الذي يكره المطر، وإن كانت فيه حياة البلاد والعباد، فلهذا كرهت المقام عندك.
قصائد أبي العشائر الحمداني
وقال يمدح أبا العشائر: الحسين بن علي بن الحسين بن حمدان العدوي التغلبي وهي أول شعر في بني حمدان:
أتراها لكثرة العشاق ... تحسب الدمع خلقةً في المآقي
المآقي: طرف العين مما يلي الأنف.
يقول لصاحبه: أحسبت هذه المرأة أنها لكثرة ما ترى من الدموع في عيون عشاقها أنه خلقة في عيونهم؟ فلهذا لا ترحمهم!
كيف ترثي التي ترى كل جفنٍ ... راءها غير جفنها غير راق
راءها: مقلوب رآها. وغير: الأولى نصب على الاستثناء، والثانية: على تفسير البيت الأول.
يقول: كيف ترحم هذه المرأة للباكين بسببها، لأنها ترى كل عين باكية غير راقية الدمع عنها، فهي تحسب أن ذلك خلقة، لأنها لم تر إلا باكياً سائل الدمع، واستثنى جفنها، فبين أن كل عين كذلك إلا عينها؛ لأنها لم تعشق أحداً فلا تجزع للفراق! وقال ابن جنى: إنها لا تبكي، لأنها لم تهجر نفسها.
وهذا البيت من بدائع أبي الطيب المتنبي.
أنت منا فتنت نفسك لكن ... ك عوفيت من ضنىً واشتياق
يقول: أنت منا أي من جملة العشاق، لكنك قد فتنت نفسك كما فتنا بحسنك! أي أنت عاشقة لنفسك كما نعشقك؛ لأن كل أحد يحب نفسك، غير أنك سلمت من ألم الوجد وطول المرض والاشتياق؛ لأن الإنسان لا يشتاق إلى نفسه فلا يتألم من حبها
حلت دون المزار، فاليوم لو زر ... ت لحال النحول دون العناق
حلت: أي منعت. والمزار: الزيارة.
يقول: منعتنا من الزيارة فنحلنا لذلك! وذابت أجسامنا، فلو أردت الآن وصلنا منع النحول من معانقتك.
إن لحظاً أدمته وأدمنا ... كان عمداً لنا وحتف اتفاق
يقول: نظر كل واحد منا إلى صاحبه عن تعمد منا، فاتفق في ذلك حتفي من غير قصد! وهذا من قولهم: رب حتفٍ في لحظة طرفٍ.
لو عدا عنك غير هجرك بعدٌ ... لأرار الرسيم مخ المناقي
عدا عنك: أي صرف. وبعدٌ: فاعله. وقوله أرار أي أذاب. والرسيم: هو سير شديد من سير الإبل. والمناق: جمع منقية: وهي السمينة التي في عظامها مخ.
يقول: إنما صرفنا عنك هجرك، ولو حال بيننا بعدٌ سوى الهجر لواصلنا السير إليك وهزلنا النوق بالسير، حتى يذوب بالسير مخ عظامها.
وقوله: لأرار الرسيم: أي لأذاب السير الشديد مخ المناق.
ولسرنا ولو وصلنا عليها ... مثل أنفاسنا على الأرماق
الأرماق: جمع الرمق، وهو بقية الحياة.
стр. 198
يقول: لو كان بيننا بعدٌ غير الهجر، لسرنا إليك ولواصلنا السير حتى تذوب أبداننا وتهزل رواحلنا فتكون في الخفة كأنفاسنا وتصير إبلنا مهزولةً وهذا من قول أبي الشيص.
أكل الوجيف لحومهم ولحومنا ... فأتوك أنقاضاً على أنقاض
ومثله قول الآخر
أنضاء شوق على أنضاء أسفارٍ
ما بنا من هوى العيون اللواتي ... لون أشفارهن لون الحداق؟
ما بمعنى التعظيم، أي: أي شيء؟ بنا من هذه العيون التي لون أشفارها في السواد، مثل لون أحداقها.
وهذا نهاية في الحسن كما ترى.
قصرت مدة الليالي المواضي ... فأطالت بها الليالي البواقي
قصرت: فعل المحبوبة. وقيل: فعل العين.
يقول: قصرت هذه المرأة علي مدة الليالي المواضي بالوصال الذي كان منها، وأطالت الآن لما هجرتني، الليالي البواقي.
وقوله: أطالت بها: أي قابلت قصر الليالي المواضي بطول الليالي البواقي فحصل طول هذه مكافأةً على قصر تلك.
وقيل: أراد طالت الليالي البواقي بسبب قصرها في المواضي، أي أن قصرها صار سبباً لطولها.
كاثرت نائل الأمير من الما ... ل بما نولت من الإيراق
الإيراق: هو الإسهار. يقال: أرقه يؤرقه إيراقاً. مثل: أرقه يؤرقه توريقاً.
يقول: هذه المرأة تكاثر نائل الأمير؛ في إعطائها لنا السهر فتناهت في ذلك، كما أنه تناهي في إعطاء المال.
وقيل الإيراق: مصدر أورق الصائد إذا خاب. ومعناه: أنها تكاثرت في المنع، فمنعها مثل جوده.
ليس إلا أبا العشائر خلقٌ ... ساد هذا الأنام باستحقاق
طاعن الطعنة التي تطعن الفي ... لق بالذعر والدم المهراق
يقول: إنه يطعن الطعنة فتملأ هذه الطعنة قلوب الجيش، خوفاً ورعباً فكأنه طعن الفيلق وأرقا دمآءهم.
وقوله: ليس في البيت الأول مبتدأ وأبا العشائر خبره.
ذات فرغٍ كأنها في حشا المخ ... بر عنها من شدة الإطراق
ذات فرغ: جر لأنه بدل من الطعنة. وقد روي بالنصب: على الحال. والمخبر: بفتح الباء الذي أخبرته بخبر. وفرغ الدلو: مصب الماء منه. شبه الطعنة بالدلو لسعتها، أي أن الدم يسيل منها كما يسيل الماء من فرغ الدلو، ثم قال: لو أخبر مخبر إنساناً بصفتها لملأ قلبه ذعراً، حتى أطرق رأسه استعظاماً لها، حتى كأن الطعنة في حشا السامع بها.
ضارب الهام في الغبار وما ير ... هب أن يشرب الذي هو ساق
ما للنفي. يقول: إذا هاجت الحرب وارتفع الغبار يضرب رءوس الشجعان، ولا يخاف أن يشرب كأس الموت الذي يسقيه الشجعان.
فوق شقاء للأشق مجالٌ ... بين أرساغها وبين الصفاق
الشقاء: الفرس الطويلة القوائم، والذكر: أشق والأرساغ: جمع الرسغ، وهو موصل الكف في الذراع، والقدم في الساق. والصفاق: الجلد الرقيق تحت الجلد الظاهر من البطن في الإنسان والدابة.
واختلفوا في الأشق هاهنا.
ومعناه: أن يضرب الهام راكباً فرساً شقاء يجول تحت بطنها كما يجول المهر تحت بطن أمه. وقيل. أراد بالأشق: والد هذه الشقاء. ومعناه: أنه فوق فرس شقاء، لوالدها مشابة بها، وهو معنى المجال في أرساغها وصفاقها، أي قوية الأرساغ وسائر الأعضاء، كما كان والدها كذلك.
وقيل: أراد بالأشق الرمح، أي أنه فوق هذه الفرس، وللرمح مجال ومضطربٌ بين جلد بطنها وأرساغها. وقيل. الأشق من المشقة: والمراد به المصروع من الشجعان الذي يكون على أشق الحال، ومعناه أنه على هذه الفرس يطأ الشجعان بقوائمها، فيكون لهم مجال بين أرساغها وصفاقها.
وقيل: أراد أشق الممدوح. إما لأنه طويل القامة، أو أنه أشق الناس على أعدائه من المشقة، فيكون له مجال فوقها بالامتداد والانثناء لحذقه بالطعن.
همه في ذوي الأسنةلافي ... ها وأطرافها له كالنطاق
يقول: لا يبالي بالأسنة التي تحيط به من جوانبه كالنطاق، ولا يكون له بها همة ولا يحذر منها، بل يكون همه مصروفاً إلى أرباب الأسنة ليطعنهم ويأسرهم ومثله لأبي تمام:
إن الليوث ليوث الغاب شأنهم ... يوم الكريهة في المسلوب لا السلب
ما رآها مكذب الرسل إلا ... صدق القول في صفات البراق
هذا البيت زائد.
يقول: ما رأى هذه الفرس الشقاء، من يكذب رسول الله صلى الله عليه وآله إلا صدق ما يذكر في أمر البراق، من السرعة في السير.
стр. 199
ثاقب العقل ثابت الحلم لا يق ... در أمرٌ له على إقلاق
ثاقب: قيل معناه: عقله صادق من الجهل منير، يرى به الأمور على حقائقها.
وقيل: بين العقل. وقيل: نافذ العقل ثابت الحلم أي أنه متمكن من حلمه لا يطيش ولا يزعجه شيء ولا يقلقه أمر، لثبات عقله وزيادة حلمه.
يا بني الحارث بن لقمان لا تع ... دمكم في الوغى متون العتاق
يقول لقومهم: لا عدمتكم ظهور الخيل في الحرب. وخص ذلك في حال الحرب؛ دلالة على شجاعتهم. لأن ملازمة ركوب الدواب عادة الرائضين.
بعثوا الرعب في قلوب الأعادي ... فكأن القتال قبل التلاقي
يقول: ملئوا قلوب أعاديهم من الخوف، فانهزموا منهم قبل ملاقاتهم وقتالهم، فكان القتال والحرب قبل الالتقاء.
وتكاد الظبي لما عودوها ... تنتضي نفسها إلى الأعناق
الظبي: جمع ظبية وهي حد السيف. والتأنيث عائد إليها.
يقول: إنهم عودوا سيوفهم إخراجها من الأغماد، وضرب أعناق الأعداء بها، فهي تكاد تخرج نفسها من أغمادها، وتتوصل إلى الأعناق قبل أن يسلوها منها ويضربوا بها.
وإذا أشفق الفوارس من وق ... ع القنا أشفقوا من الإشفاق
يقول: إذا اشتدت الحرب وخاف الفرسان من الطعن، خاف هؤلاء من الخوف، فلا يقدمون في الحرب.
كل ذمرٍ يزيد في الموت حسناً ... كبدور تمامها في المحاق
الذمر: الشجعان يقتحمون المعركة. وقوله: تمامها في المحاق إن أراد بذلك استكمال ضوئها، ففي الظاهر تناقض.
وتأويله: أن كل واحد منهم إذا مات زاد حسنه، لأنه لا يموت إلا قتلاً. فكأنه يقول: هم في الحسن بدور، وإذا قتلوا زاد حسنهم بما يظهر من صبرهم وإقدامهم فكأنهم بدور، تمامها في المحاق على سبيل التقدير: أي لو وجدت بدور إتمامها في محاقها لكانوا مشبهين بها.
وذلك من تعليق الجائز بالمحال.
وقيل: أراد بالتمام غاية ما يفضى إليه أمر البدور وهو المحاق. ومعناه: أن هؤلاء تمام أمرهم في قتلهم. كبدور يفضي أمرها بالمحاق فكذلك يفضي أمر هؤلاء إلى القتل، ولا يموت أحد منهم إلا حتف أنفه.
جاعلٍ درعه منيته إن ... لم يكن دونها من العار واق
الهاء في دونها للمنية.
يقول: كل واحد منهم إذا لم يمكن دفع العار عن نفسه إلا بتدرع الموت، يجعل المنية درعه حتى يقي بها عن نفسه.
كرمٌ خشن الجوانب منهم ... فهو كالماء في الشفار الرقاق
يقول: فيه كرم يحمله على خشونة جوانبه على الأعداء، ففيه لين من حيث الكرم، وخشونة من حيث البأس والامتناع من الأنفة، فهو كالسيف إذا سقي صلبت شفرته وألبسها خشونة مع ما فيه من الرقة والصفاء.
وهذا من بدائع المتنبي.
ومعالٍ إذا ادعاها سواهم ... لزمته جناية السراق
يقول: لهم معالٍ مشهورة لا يمكن لأحد أن يدعيها لنفسه، فإن ادعى مدع ذلك لزمه ما يلزم السارق من قطع اليد.
يابن من كلما بدوت بدا لي ... غائب الشخص حاضر الأخلاق
نصب غائب وحاضر على الحال. وبدا فعل من وأراد به الأب.
يقول: إذا رأيناك كأنا رأينا أباك، لأن أخلاقه موجودة فيك فلم تفتقد منه إلا شخصه.
لو تنكرت في المكر لقومٍ ... حلفوا أنك ابنه بالطلاق
يقول: إنك تشبه أباك في إقدامه وشجاعته، فلو تنكرت: أي أخفيت نفسك. في المكر: أي في الحرب. لحلفوا بالطلاق أنك ابنه. وخص المكر: إشارة إلى أنه في الإقدام والشجاعة لا يشبه إلا أباه، إذ مثل ذلك لا يوجد إلا منه، أو من أبيه، أو لأن هذا الموقف أشرف المواقف وأفخرها والشبه هنا أقوى الأشياء وأنفسها.
كيف يقوى بكفك الزند والآ ... فاق فيها كالكف في الآفاق
الهاء في فيها للكف.
يقول: كيف يطيق زندك حمل كفك؟ مع أن كفك قد أحاطت بنواحي الأرض! حتى صارت الآفاق في كفك بمنزلة كف الإنسان في الآفاق قلة وحضارة. وأراد بذلك سعة عطائه، وأنه يريد منافع العالم.
وقيل: معناه كيف يوري الزند النار ولا ينكسر من قوتك؟! وكفك يحيط بالآفاق إحاطة الآفاق بكف غيرك.
قل نفع الحديد فيك فما يل ... قاك إلا من سيفه من نفاق
يقول: الحديد لا يعمل فيك، فعجز أعداؤك عن المجاهرة بعداوتك وأعادوا السيوف والرماح واختاروا مواراتك والنفاق في حبك، فأظهروا الحب والانقياد. ولطوا على العماوة والشقاق.
стр. 200
وقيل على الثاني: استعمال الحديد معك لا ينفع ولا حاجة إلى الزند، مع أنك توري، ولذلك لا يلقاك أحد إلا من جعل سيفه من نفاق، وتصنع الاستماح منك دون المجاهرة بعداوتك.
إلف هذا الهواء أوقع في الأن ... فس أن الحمام مر المذاق
يقول: هؤلاء الذين يداجونك بالعداوة، ألفوا هذه الدنيا وتنسم هذا الهواء، ومن ألف الدنيا واستطاب حياتها، فهو يختار ما يؤدي إلى القيام بأمرها، فإلفهم لها أوقع في أنفسهم: أن الموت مر المذاق.
والأسى قبل فرقة الروح عجزٌ ... والأسى لا يكون بعد الفراق
يؤكد المعنى الذي ذكره. يقول: الجزع من الموت قبل حلوله عجز وجبن، فلا معنى له والروح بعد لم تفارق، فإذا فارقت الروح بطل الجسم وزالت حياته وبطل حسه، فإذا ليس للجزع من الموت وجه.
كم ثراءٍ فرجت بالرمح عنه ... كان من بخل أهله في وثاق
الثراء والثروة: المال. والوثاق: بالفتح ما يوثق به. يقول: كم مالٍ كان في بيت بخيل قتلته واحتويت عليه وفرقته إلى أهله، وكان عندهم في وثاق البخل، ففرجت عنه وفككته من وثاقه.
والغنى في يد اللئيم قبيحٌ ... قدر قبح الكريم في الإملاق
الإملاق: الفقر.
يقول: الغنى لا يحسن في يد البخيل إذ لا يفرح أحد به ولا يظهر عليه، فهو في القبح في اللئيم، كالفقر بالكريم.
ليس قولي في شمس فعلك كالشم ... س ولكن في الشمس كالإشراق
يقول: ليس ثنائي عليك. وضع لشمس فعلك كالشمس، لكنه دليل على فعلك، وإذاعة له وتسيير له في البلاد، كالإشراق للشمس إذ لولاه ما كانت الشمس تشمل العالم بضوئها، فكذلك لولا ثنائي لكاد لا ينشر ذكره.
وقيل: معناه إن قولي ليس نظيراً لفعلك، ولكنه صادر عنه، كانتشار الضوء عن الشمس، ففعلك شمس وثنائي إشراقها.
شاعر المجد خدنه شاعر اللف ... ظ كلانا رب المعاني الدقاق
الخدن: الصديق، واراد به نفسه. وجعله خدناً تخصصاً به وتحققاً بمودته. وفيه ضرب من الكير وتطاول العنق! يقول: هو شاعر المجد يبدي فيه البدائع والغرائب، وأنا شاعر اللفظ، فكل واحد منا بديع في فنه، ويغرب في شعره، ويأتي بدقائق المعاني التي يعجز عنها غيره، فالملوك عجزوا عن مجده، والشعراء عجزوا عن شعري وهذا من قول البحتري:
غربت خلائقه وأغرب شاعرٌ ... فيه فأبدع مغربٌ في مغرب
لم تزل تسمع المديح ولكن ... صهال الجياد غير النهاق
يقول: كنت أبداً تسمع المديح، ولكن لم يمدحك أحد مثلي، فشعري كصهيل الفرس الجواد، وشعر غيري كنهيق الحمار!
ليت لي مثل جد ذا الدهر في الأد ... هر أو رزقه من الأرزاق
أي: ليت حظي من السعادة مثل حظ هذا الدهر الذي أنت فيه في الأدهر، وليتني رزقت مثل ما رزق هذا الدهر.
أنت فيه وكان كل زمانٍ ... يشتهي بعض ذا على الخلاق
معناه: أنت في هذا الزمان، فكل زمان مضى قبله يشتهي أن يكون حصل له بعض ما حصل لهذا الزمان، لكونك فيه ومثله لمسلم:
الدهر يغبط أولاه أواخره ... إذا لم يكن كان في أعصاره الأول
ودخل عليه يوماً وهو على الشراب وبيده بطيخة من ند في غشاء من خيرزان، على رأسها قلادة لؤلؤ، فحياه بها وقال: أي شيء تشبه هذه فقال:
وبنيةٍ من خيزرانٍ ضمنت ... بطيخةً نبتت بنارٍ في يد
كل ما يبني: فهو بنية وبناء.
يقول: هذه بنية من خيزران، جعلت فيها بطيخة نبتت من نار في يد صانعها فنباتها من النار يخالف سائر البطيخ.
نظم الأمير لها قلادة لؤلؤٍ ... كفعاله وكلامه في المشهد
يقول: نظم الأمير في هذه البطيخة قلادة من لؤلؤ، وتشبه هذه القلادة فعله وكلامه في المجلس.
كالكأس باشرها المزاج فأبرزت ... زبداً يدور على شرابٍ أسود
شبه هذه البطيخة بكأس فيه شراب أسود، والقلادة التي عليها بالزبد. الذي يعلو الشراب إذا مزج.
وقال فيها أيضاً ارتجالاً يصف البطيخة:
وسوداء منظومٌ عليها لآلىٌ ... لها صورة البطيخ وهي من الند
كأن بقايا عنبرٍ فوق رأسها ... طلوع رواعي الشيب في الشعر الجعد
الواو بمعنى رب. يقول: إنها في صورة البطيخ، لكنها من الند! وقوله: رواعي: جمع راعية، وهي أول شعرة تبيض وقيل: ما انتشر منه في الرأس. وقيل: مقلوبة من رائعة، لأنها تروع.
стр. 201
شبه العنبر الذي كان فوق رأسها ببياض الشعر، في الشعر الجعد، لأن البطيخة كانت سوداء والعنبر ما ضرب إلى الشيبة، وخص الجعد؛ لأنه مع السواد في الأغلب. وقيل أتى به لأجل القافية.
وقال أيضاً يصف هذه البطيخة
ما أنا والخمر وبطيخةٌ ... سوداء في قشرٍ من الخيزران؟!
رفع الخمر وبطيخة عطفاً على ما. أي: ما أنا والخمر، وما بطيخة. ويجوز نصبه على معنى الفعل، وتكون الواو بمعنى مع.
يقول: أي شيء أنا، أي ما لي وملابسة الخمر وهذه البطيخة السوداء التي قشرها من الخيزران، عن الشغل بالحرب في طلب الذكر والصيت.
يشغلني عنها وعن غيرها ... توطئتي النفس ليوم الطعان
روى: توطئتي من وطأت الشيء: أي لينته. وروى: توطيني بها النفس من وطنت النفس على الشيء. والمعنى واحد.
يقول: يشغلني عن هذه البطيخة وغيرها من الطيب، استماع قصر نفسي على الحروب والمطاعنة فيها.
وكل نجلاء لها صائكٌ ... يخضب ما بين يدي والسنان
وكل عطف على توطئتي النفس. وهو رفع، ويجوز جره عطفاً على قوله: ليوم الطعان. وقوله: صائك أي دم يابس يلصق بالرمح.
يقول: يشغلني عما ذكرت، كل طعنة واسعة يخرج منها دم كثير حتى يخضب به الرمح واليد.
فقال أبو العشائر لجلسائه: لو أراد أن يقول فيها ألف بيت لفعل.
وكبس أنطاكية جيش السلطان وقصد دار أبي العشائر، وهو يومئذ يلي حربها، وكان قد بكر إلى الميدان، فلما رجع وقد تفرق الناس عنه، لقي أوائل الخيل فهزمها من السوق إلى باب فارس، فأصابه سهم في خده فأضربه. وضرب رجلاً منهم على رأسه فقتله، وكثر الناس عليه، فرجع حتى خرج من باب مسلمه وما تبعه أحد، ومضى إلى حلب، وعاد بعد ذلك إلى أنطاكية، واتصل خبر عودته بأبي الطيب وهو بالرملة، فسار إلى طرابلس فعاقه ابن كيغلغ على ما تقدم ذكره ثم سار إلى أنطاكية فقال يمدح أبا العشائر:
مبيتي من دمشق على فراش ... حشاه لي بحر حشاي حاش
حشاه: فعل ماض. وفاعله: حاش، وحشاي اسم. والجمع: أحشاء.
يقول: كأنني من شدة الحزن وبعد النوم عني، على فراش قد حشي بما أجده من حرارة الشوق، فكأن حرارة حشاي نقلت إلى فراشي، وحشي بحرارتها.
شبه حرارة الفراش بحرارة أحشائه.
لقى ليلٍ كعين الظبي لوناً ... وهم كالحميا في المشاش
اللقى: الملقى. والحميا: الخمرة. وقيل: سورة الخمر. والمشاش: جمع مشاشة، وهي عظم رخو يمكن أكلها، ولوناً: نصب على التمييز.
يقول: أنا مطروح أو كالمطروح على فراشي، في ليل كأن سواده عين ظبي وأنا مطروح وهو يدب في عظامي كما يدب الخمر.
وشوقٍ كالتوقد في فؤادٍ ... كجمرٍ، في جوانح كالمحاش
المحاش والمحاش: لغتان، وهو ما أحرقته النار وقيل: هي خشبة يحرك بها التنور من خشب النار لتقد، فأصله الإدغام، غير أنه خفف.
يقول: إنا لفي شوق، كأنه في التوقد، في فؤاد هو كالجمر، وذلك الفؤاد في جوانح وهي الأضلاع كأنها المحاش: وهو ما أحرقته النار.٠ شبه الشوق بالتوقد، والفؤاد بالجمر، والجوانح بشيء أحرقته النار.
سقى الدم كل نصلٍ غير نابٍ ... وروى كل رمحس غير راش
النابي: الكليل. يقال نبا السيف ينبو نبواً: إذا ضربت به فلم يقطع، ورمح راشٍ: أي غير ضعيف.
يدعو للرمح والسيف وبالسقيا فيقول: سقى الدم الذي هو كالماء كل سيف حاد غير نابي الضربة، وروى الدم أيضاً كل رمح غير ضعيف. فكأنه قال لا زالت السيوف والرماح تقتل الأعداء.
فإن الفارس المنعوت خفت ... لمنصله الفوارس كالرياش
المنعوت: أي الموصوف بالشجاعة المعروفة.
روى المبغوت وهي رواية ابن جنى أي الذي يؤتى على بغتة ولم يعلم هو والرياش: جمع ريش. والريش جمع ريشة.
يقول: إنما دعوت للسيف، لأن الممدوح لما فاجأته الخيل فرقها بسيفه، فصارت الفوارس لسيفه في الخفة بمنزلة الرايش.
فقد أضحى أبا الغمرات يكنى ... كأن أبا العشائر غير فاش
الغمرات: الشدائد. واسم أضحى ضمير الفارس المنعوت، ويكنى موضع الخبر، وأبا الغمرات: المفعول الثاني من يكنى، والأول ضمير الفارس، وهو في موضع الرفع. يقال: كنيت الرجل: أبا عبد الله. فإذا أسند إلى المفعول قيل: كنى الرجل أبا عبد الله، ويعدى بحرف الجر أيضاً فيقال: كنيت الرجل بأبي عبد الله. وكنو الرجل لغة.
стр. 202
يقول: إن أبا العشائر لكثرة ملابسته الحروب والشدائد صارت كنيته أبا الغمرات حتى كأن كنيته المعروفة التي هي أبو العشائر غير ظاهرة ولا معلومة.
وقد نسي الحسين بما يسمى ... ردى الأبطال أو غيث العطاش
يقول: إنه كثر منه البأس والجود. فكل أحد يسميه. إما: ردى الأبطال. وإما: غيث العطاش. ونسي اسمه الذي سماه به أبواه المعروف المشهور.
لقوه حاسراً في درع ضربٍ ... دقيق النسج ملتهب الحواشي
كأن على الجماجم منه ناراً ... وأيدي القوم أجنحة الفراش
الفراش: جمع فراشة وهي دويبة تدور حول السراج فتسقط فيه، والهاء في منه للممدوح أو القرب، وقيل: للسيف. فأضمره وإن لم يجر له ذكر.
يقول: من شدة ضربة الجماجم صار كأن عليها ناراً، وكأن أيدي القوم المتطايرة بالسيف عند ضربه إياها كالفراشات التي تطير حول النار، فإن كانت الهاء للسيف فمعناه: كأن السيف على رءوسهم مثل النار وأيدي القوم حول هذه، كأجنحة الفراش حول النار، فكأن هذه الأيدي تجيء لتأخذ السيف فيقطعها، ومثله لحارث ابن أبي شمر:
والبيض تختلس النفوس كأنما ... يوقدن في حلقٍ المفاوز نارا
كأن جواري المهجات ماءٌ ... يعاودها المهند من عطاش
أراد بالمهجات ها هنا: الدماء. والعطاش: داء يأخذ الإبل فلا تروى من الماء. وقيل هو لفظ العطش. والهاء في يعاودها للمهجات ويروى: يعاوده فيكون للماء.
يقول: كأن الدماء الجارية في قلوب الأعداء وجسومهم ماء، وكأن السيف به عطاش فهو يعاوده ولا يروى منه.
فولوا بين ذي روحٍ مفاتٍ ... وذي رمقٍ، وذي عقلٍ مطاش
مفات: جر لأنه نعت لروح، ومطاش: جر لأنه نعت لعقل. يقال: طاش السهم أو طاشه غيره.
يقول: أدبروا من بين يديه، وهم ثلاثة أقسام.
منهم قتيل قد فارق روحه، ومنهم من لم يبق له إلا بقية رمقه، ومنهم من طاش عقله وزال من شدة الخوف. واستوفى الأقسام في بيت واحد.
ومنعفرٍ، لنصف السيف فيه ... تواري الضب، خاف من احتراش
المنعفر: الساقط على العفر، وهو التراب. والاحتراش: الاصطياد، يقال احترشت الضب وحرشته، وذلك أن يأتي الرجل باب جحر الضب فيمر بيده عليه فيظن الضب أنه حية، فيخرج ذنبه ليضربها به، فيأخذه الرجل. وروى لنصل السيف. ومنعفر قيل: عطف على الأقسام المتقدمة أي وذي منعفر.
وقيل: معناه ورب عدوٍّ منعفر قد غاب نصف السيف فيه أو نصله مثل ما يغيب الضب في الجحر إذا خاف الاحتراش به، أي الاصطياد.
يدمي بعض أيدي الخيل بعضاً ... وما بعجايةٍ أثر ارتهاش
العجاية: عصب فوق الحافر. والارتهاش: أن يصطك عرقوباه فتقرح رواهشه وهو باطن الذراع.
المعنى: أن الخيل انهزمت من بين يديه وازدحمت في الهزيمة، وقصت حوافر بعضها بعضاً، حتى دميت أيديها، ولم يكن ارتهاش.
ورائعها وحيدٌ لم يرعه ... تباعد جيشه والمستجاش
رائعها: أي مفزعها. والمستجاش: من يطلب منه الجيش، وأراد به سيف الدولة، وقيل أراد العسكر: أي المستجاش فيه.
يقول: إن مخوف هذه الخيل كان وحيداً ليس معه أحد من جيشه، ولم يفزعه بعد جيشه بعد من يستمد منه الجيش.
كأن تلوي النشاب فيه ... تلوي الخوص في سعف العشاش
الخوص: ورق النخل. والسعف: الجريد الذي عليه الخوص، والعشاش: جمع عشة، وهي النخلة التي عطشت، فيقصر سعفها ويضعف.
يصف النشابة التي أصابته في خده، فشبهه بنخلة، وشبه النشابة بخوص سعفها قد تلوى على السعفة، وذلك لضعف الخوص ويبسه؛ لأنه إذا كان رطباً قوياً لا يتلوى على السعف، فكأنه لقلة مبالاته بها شبهها بتلوي الخوص على سعفه.
ونهب نفوس أهل النهب أولى ... بأهل المجد من نهب القماش
القماش: الأثاث المجموع من كل صنف.
يقول: إن أهل المجد والهمة العالية همتهم استيلاب النفوس وقتل الأبطال، دون الاشتغال بسلب القماش والغنائم ومثله لأبي تمام:
إن الأسود أسود الغاب همتها ... يوم الكريهة في المسلوب لا السلب
تشارك في الندام إذا نزلنا ... بطانٌ لاتشارك في الجحاش
الندام: المنادمة. والبطان: جمع بطين والجحاش: المجاحشة، وهي المقاتلة والمدافعة.
стр. 203
يعرض بقوم خذلوه ذلك الوقت فيقول: إذا كان يوم شرب ومنادمة شاركوه في الأكل والشرب ولا يشاركونه في القتال والدفاع! ومثله قول الآخر:
يفر عن الكتيبة حين يلقى ... ويثبت عند قائمة الخوان
ومن قبل النطاح وقبل يأتي ... تبين لك النعاج من الكباش
روى: يأنى أي يحين من قولهم: أنى يأنى، وروى يأتى أي يجيء. والنطاح. أصله ضرب الكباش بالقرون، ثم استعمل في كل محاربة.
المعنى: أن الشجاع يعرف من الجبان قبل المحاربة وقبل وقتها فجعل الكباش مثلاً للشجعان والنعاج مثلاً للأراذل والجبناء.
فيا بحر البحور ولا أوري ... ويا ملك الملوك ولا أحاشي
لا أوري: أي لا استر قولي لك يا بحر البحور، هذا ولا أحاشى أي لا أستنثي أحد من قولي لك يا ملك الملوك.
قال ابن جنى: وربما كان ينشد المتنبي ويا بدر البدور مكان قوله يا ملك الملوك.
كأنك ناظرٌ في كل قلبٍ ... فما يخفى عليك محل غاش
الغاشي: القاصد، يقال: غشيه يغشاه إذا قصده.
يقول: أنت عارف بمن يقصدك، ولا يخفى عليك محله، فتنزل كلاً منزلته الذي يستحقها، فكأنك مطلع على أسرار القلوب.
وقيل: أراد بالغاشي من الغش فخفف. والأول أولى أي من نزل بك فلا يخفى عليك محله.
أأصبر عنك لم تبخل بشيءٍ ... ولم تقبل علي كلام واش؟
كان قد وشى بالمتنبي بعض من يعاديه إلى أبي العشائر، فلم يسمع منه وأنفذ عقيب هذه الوشاية إليه مالاً فهذا هو المراد بالبيت.
وكيف وأنت في الرؤساء عندي ... عتيق الطير ما بين الخشاش
عتاق الطير: كرامها. والخشاش: صغارها.
يقول: كيف أصبر عنك وأنت بين الرؤساء في الفضل، كالبازي بين صغار الطير.
فما خاشيك للتكذيب راجٍ ... ولا راجيك للتخييب خاش
يقول: إن من يخافك حل به بأسك ووقع به سخطك، فلا يرجو تكذيباً لما يخافه، ومن يرجوك لا يخاف أن يكذب رجاؤه، فأنت تصدق ظن من يخافك ويرجوك.
وقيل معناه: ليس يرجو من يخشاك أن يلقى من يكذبه ويخطئه في خوفه، لأن الناس كلهم يخافون منك
تطاعن كل خيلٍ سرت فيها ... ولو كانوا النبيط على الجحاش
النبيط: أهل السواد بالعراق. وقيل أراد به: العجم.
يقول: كل خيل سرت فيها وبينها كانت الغلبة لهم، ولو كانوا نبطاً على حميرهم؛ لأنهم يشجعون بك ويصيرون أفرس الناس وأطعنهم. والجحاش: جمع جحش وهو ولد الحمار.
أرى الناس الظلام وأنت نورٌ ... وإني فيهم لإليك عاش
العاشي: القاصد ليلاً.
يقول: الناس كالظلام في الليل، وأنت فيما بينهم كالنور، وأنا ناظر بين الناس إليك، وقاصد نحوك مستضيء بنورك. والأصل فيه قول الخنساء:
وإن صخراً لتأتم الهداة به ... كأنه علمٌ في رأسه نار
بليت بهم بلاء الورد يلقى ... أنوفاً هن أولى بالخشاش
الخشاش: الخشبة التي تكون في أنف البعير، فإن كانت من شعر قيل له: خزام، وإن كانت من ضفرٍ فهو: برة. والضمير في بهم للناس.
يقول: تأذيت بهؤلاء الناس الذين لا يشاكلونني، كما يتأذى الورد من شمه، بأنوف الذين هم بمنزلة البهائم! وقيل معناه: إني أتأذى بهم كما يتأذى الورد بأنوف الإبل، وروى بالحشاش وهي الكنف.
عليك إذا هزلت مع الليالي ... وحولك حين تسمن في هراش
الهراش والتهاريش: هو مخاصمة الكلاب.
يقول: هؤلاء الناس عليك مع الليالي، أي صاروا لأعدائك مع الزمان وحوادثه، إذا هزلت: أي أصابتك نوائب الدهر. ويصيرون حولك ومعك حين تسمن. أي إذا ساعدك الزمان كانوا معك يهارش بعضهم بعضاً في طلب النفع منك. ومثله لإبراهيم بن العباس:
وكنت أخي بإخاء الزمان ... فلما انثنى صرت حرباً عوانا
وكنت أعدك للنائبات ... فها أنا أطلب منك الأمانا
والمقصود وصفهم بدناءة الأصل.
أتى خبر الأمير فقيل كروا ... فقلت نعم ولو لحقوا بشاش
وروى: أجل والشاش: بلدة بالترك. وروى: كروا بفتح الكاف وهي رواية ابن جنى.
والمعنى: بلغنا خبر الأمير وهزيمة الخيل منه. وقيل لنا: كروا عليهم. أي عطف الأمير وأصحابه على الخيل فقلت: نعم ولو أنهم لحقوا في الهزيمة بشاش، لوثقت بعودته وكره عليهم.
стр. 204
وروى كروا على الأمير. والمعنى: أتى خبر الأمير بظفره بالعدو فقيل لنا يا معاشر أصحابه اللائذين به كروا فقلت نعم ولو كانوا بشاش. أي لو كان البعد بيننا وبين الأمير مثل ذلك للحقنا به، وقوله بعد ذلك وأسرجت الكميت يدل عليه.
يقودهم إلى الهيجا لجوجٌ ... يسن قتاله والكر ناش
اللجوج: المتمادي في الشيء، الذي لا ينثني عنه، ويبالغ فيه. ويسن: أي يبالغ فيه، حتى يعظم ويكبر من المسن والمسنة. وناش: أي ناشىء، أي في أوله: يقول: يقود العسكر إلى الحرب. لجوج: أي مبالغ في الحرب، ليسن قتاله: أي يصير إلى آخر القتال، ومع ذلك فإن كره لا يصير إلى آخره، بل ينشأ شيئاً فشيئاً يعني أن قتاله قد بلغ الغاية، وكر في أول حاله كالغلام الناشىء.
وأسرجت الكميت فناقتل بي ... على إعقاقها وعلى غشاش
الكميت: يستعمل في الذكر والأنثى، وناقلت بي: أي أسرعت. وقيل: أدامت السير. وقيل المناقلة: أي تضع رجلها مكان يدها، وإنما تفعل ذلك في الأرض الكثيرة الأحجار. والإعقاق: مصدر أعقت الدابة. إذا عظم بطنها من الحمل. وقيل: إذا نبت شعر الجنين الذي في بطنها. والغشاش: العجلة.
يقول: لما أتاني خبره، أسرجت فرسي وركبتها على سرعة، وهي عقوق ولم أشفق عليها.
من المتمردات أذب عنها ... برمحي كل طائرة الرشاش
يعني: أن الكميت من الخيل المتمردات التي لا تبالي بشيء، ولا يقدر على الوصول إليها لسرعتها وخبثها وذلك من قوله تعالى: " شيطانٍ مارد ".
يقول: إنها من الخيل المتمردات، وإني أدفع عنها برمحي، كل دم رشاش. أي أني أذب عنه بنفسي ورماحي كل من يريد عقرها، وأدفع عنها كل طائرة الرشاش: أي كل دم ينط عند الطعن ويرش وينتضح.
ولو عقرت لبلغني إليه ... حديثٌ عنه يحمل كل ماش
يقول: لو عقرت هذه الفرس تحتي، لبلغني إليه حسن الحديث الذي أسمعه عنه، وهذا الحديث يحملني إليه لأنه يحمل كل ماش وإن لم يكن له فرس.
إذا ذكرت مواقفه لحافٍ ... وشيك فما ينكس لانتقاش
شيك: أي إذا دخل في رجله شوك والتنكس: هو تنكيس الرأس. لإخراج الشوك من الرجل، والانتقاش: إخراج الشوك. ومنه: المنقاش ومعناه: إذا ذكرت مواقفه في الحروب للحافي: الذي لا حذاء له، وشيك في رجله، فإنه لا ينكس رأسه لإخراج الشوكة من رجله، لما داخله من الخوف والتحير، إذا سمع ذلك تاق ورغب في صحبته فأسرع إليه ولم يلو على شيء، كما فعلت.
وقيل: إذا ذكرت مواقفه في السخاء للإنسان وكان حاف، ودخل الشوك في رجله فإنه لا ينكس رأسه إلى أسفل لاستخراج الشوكة من رجله بل يسرع إليه، لما تقو الدواعي في الاحتياج إليه. هذا تفسير أبي الفتح.
وقيل: إن أحاديثه الحسنة تؤدي سامعها أنه إذا أصابت رجلهشوكة لم يشعر بها فلا يقطع الحديث لحسنه، ولا ينكس رأسه لإخراجها.
يزيل مخافة المصبور عنه ... ويلهي ذا الفياش عن الفياش
الفياش: المفاخرة، وأكثره في الباطل. روى ابن جنى قال: تلهى بمعنى تزيل على الخطاب للمدوح. وقيل: إن التاء راجع إلى المواقف، أي إن المواقف تزيل وتلهى.
يقول على الخطاب: إنك تزيل مخافة المحبوس بأن تخلصه من الأسر والحبس، وتنسي صاحب الفخر فخره؛ لأنه إذا نظر في أوصافك علم بقصوره عنك فيمتنع عن الفخار.
وعلى الخبر عن المواقف يقول: إذا سمع مواقفه: من جنس القتل وغيره، أنساه ذكرها وحسنها ما هو فيه من الخوف، فإذا سمع مفاخرة أنساه ذكر مفاخرته.
وما وجد اشتياقٌ كاشتياقي ... ولا عرف انكماشٌ كانكماشي
يقول: كل أحد يشتاق إلى لقائك، وينكمش نحوك. ولكن ليس لأحد شوق مثل شوقي إلى لقائك ولا اجتهاد لأحد، مثل اجتهادي في المسير إليك.
فسرت إليك في طلب المعالي ... وسار سواي في طلب المعاش
يقول: إنما قصدتك لأبلغ المنازل الرفيعة والمراتب السنية، وقصدك غيري لطلب المعاش، واقتناء الرياش، فلهذا صار شوقي أكثر وانكماشي أقدر.
وخرج أبو العشائر يوماً يتصيد، وخرج أبو الطيب معه، فأرسل بازياً على حجلة فأخذها فقال أبو الطيب يصف ذلك:
وطائرةٍ تتبعها المنايا ... على آثارها زجل الجناح
تتبعها: أي تتبعها، فحذف إحدى التاءين. والزجل: الصوت.
يقول: رب قبجةٍ رائشها يطير، وخلفها بازٍ يريد صيدها، فكأن المنايا تطلبها.
стр. 205
كأن الريش منه في سهامٍ ... على جسدٍ تجسم من رياح
الهاء في منه لزجل الجناح. وهو البازي، شبه ريشه بريش السهام؛ للسرعة، فيكون ريشه في نفس السهام، والسهام ظرف له.
ومعناه: كأن ريشه سهام على جسم يكون من ريح، لأن الريش سبب لقتل الطائر، كما أن السهام سبب للقتل.
وقيل في بمعنى على أي كأن ريشه على سهام كانت بهذه الصفة.
كأن رءوس أقلامٍ غلاظاً ... مسخن بريش جوجئه الصحاح
غلاظاً: نصب لأنه صفة لرءوس والصحاح: بمعنى الصحيح. وروى بالكسر: وهو جمع الريش. وقد يكون واحداً وجمعاً. والصحاح: نعت للريش. شبه السواد الذي في صدر الباز بآثار مسح رءوس الأقلام الغلاظ، وهو تشبيه مصيب. ويجوز أن يكون الصحاح بالفتح: صفة الجؤجؤ.
فأقعصها بحجنٍ تحت صفرٍ ... لها فعل الأسنة والرماح
يقال: طعنه فأقعصه. إذا قتله مكانه، بحجنٍ: أي بمخالب معقفة، وهو جمع أحجن. وتحت صفر: وهي أصابعه ورجله.
يقول: قتلها البازي بمخالبه أي أظفاره التي تحت أصابعه، وهذه المخالب لها فعل الأسنة والرماح. وهو القتل؛ لحدتها.
فقلت: لكل حيٍّ يوم سوءٍ ... وإن حرص النفوس على الفلاح
الفلاح: البقاء. وقيل الفلاح: الظفر بالخير.
يقول: كل حيٍّ لابد له من يوم سوء، يوافيه أجله فيه وإن حرص الناس على البقاء، فلا سبيل لهم إليه.
فقال له أبو العشائر أفي هذه الساعة قلت هذا؟! فقال مجيباً له على تعجب أبي العشائر لسرعة بديهته:
أتنكر ما نطقت به بديهاً ... وليس بمنكرٍ سبق الجواد؟!
بديهاً: مصدر في موضع الحال. يقول: لا تنكر بديهتي ولا تستبعد ارتجالي الأشعار، وأنا في ذلك بمنزلة الجواد، فإنه لا يستنكر منه سبق سائر الخيل.
أراكض معوصات القول قسراً ... فأقتلها وغيري في الطراد
أراكض: أي أسابق، وأجاري. والمعوص والعواص: الصعب.
يقول: إذا حاولت معنىً عويصاً من الشعر فرغت منه، وغيري بعد في التفكير.
ودخل عليه وعنده إنسان ينشده شعراً وصف به بركةً في داره فقال يمدح أبا العشائر:
لئن كان أحسن في وصفها ... لقد ترك الحسن في الوصف لك
يقول: إن كان قد أحسن في وصف هذه البركة، فقد ترك الحسن في وصفك وهو أولى من وصف البركة وأجمل.
لأنك بحرٌ وإن البحار ... لتأنف من حال هذي البرك
يقول: أنت بحر، والبحار تأنف من ماء هذه البركة. وهذا الوصف الذي وصفه، وهذه الأوصاف، دون الأوصاف التي أنت عليها.
كأنك سيفك لا ما ملك ... ت يبقى لديك ولا ما ملك
يقول: أنت مثل سيفك، إذا ملكت مالاً فرقته وأفنيته، والسيف إذا ملك مهجة أسالها وأفناها، فتبذل أنت ما ملكت، وتقتل بسيفك من وصل إليه.
فأكثر من جريها ما وهبت ... وأكثر من مائها ما سفك
الهاء في جريها ومائها للبرك. يقول: هباتك أكثر من مائها الجاري والدماء التي يسفكها سيفك أكثر مما فيها من الماء.
أسأت وأحسنت عن قدرةٍ ... ودرت على الناس دور الفلك
يقول: أسأت إلى أعدائك، وأحسنت إلى أوليائك، باختيار منك وقدرة، وأنت الدائر على الناس بالخير والشر، والإساءة والإحسان، والسعد والنحس، دور الفلك الدوار، إلا أنه لا اختيار له ولا قدرة، وأنت تفعل ما تفعله عن قدرة واختيار، فأنت الفلك الدائر في الحقيقة، وأنت أفضل منه للوجه المذكور.
وقال يمدحه ويذم قوماً من المتكسبة بالشعر:
لا تحسبوا ربعكم ولا طلله ... أول حيٍّ فراقكم قتله
الربع: المنزل، وجعل العمارة حياة له فسماه حياً، لأن أضاف أول إليه، وجعل التفصيل مضافاً إليه ما هو بعض منه. وجعله قتلاً له على المجاز.
يقول لأحبابه لما فارقهم: ليس هذا الربع بأول هالك بسبب فراقكم، بل قد تلف منزلكم وعفا رسمه، ودرس أثره، فكأن فراقكم قتله، وهذا الربع ليس بأول حي قتله فراقكم. وقد بين ذلك فيما بعده بقوله:
قد تلفت قبله النفوس بكم ... وأكثرت في هواكم العذله
الهاء في قبله للربع. يقول: ليس هذا الربع بأول كثير العذل بسبب فراقكم، وقد أكثر العذل في حبكم، فلم يكف أحد من العشاق عن هواكم، لأجل عذل العذال. والعذلة: جمع عاذل.
خلا وفيه أهلٌ وأوحشنا ... وفيه صرمٌ مروحٌ إبله
стр. 206
الصرم: جماعة من البيوت بمن فيها أهله والمروح: الذي يرد إبله عن المرعى في الرواح، والهاء في فيه في الموضعين للربع وفي إبله للصرم.
يقول: لما ارتحل عنه من كنت أحبه، رأيته وإن كان عامراً بأهله موحشاً، وإن كان فيه بيوت وجماعة من الناس، ويروحون إبلهم إليه.
لو سار ذاك الحبيب عن فلكٍ ... ما رضي الشمس برجه بدله
برجه: فاعل رضي. ومفعوله: الشمس وهو أولى.
يقول: لو كان هذا الحبيب في فلك فسار عنه وحلت الشمس موضعه، لما رضي بها برجه الذي كان يحله، بدلاً منه.
أحبه والهوى وأدوره ... وكل حبٍ صبابةٌ ووله
الصبابة: شدة الشوق. والوله: ذهاب العقل.
يقول: أحب هذا الحبيب، وأحب أن أحبه! وأحب منازله لأجله، وكل حب فيه صبابة وشدة شوق وجنون وتحير.
وقيل: الواو في قوله: والهوى واو القسم. أي وحق الهوى، فيكون مجروراً.
ينصرها الغيث وهي ظامئةٌ ... إلى سواه وسحبها هطله
الهاء في ينصرها للأدؤر. أي: يكسوها العشب. يقال: أرض منصورة. إذا سقيت.
يقول: الغيث يسقيها وهي عطشى. إلى سوى الغيث، وهو الحبيب الذي ارتحل عنها، وسحب هذه الديار هاطلة بالمطر ولا تحتاج إليه.
وقيل معناه: إن هذه الأدؤر يصيبها المطر فيكسوها العشب فتستدعي معاودة من رحل عنها، وهو الحبيب. يقال: دار بني فلان منصورة. أي عادها من كان رحل عنها، ولهذا دعت العرب لديار أحبابها بالسقيا، ليعودوا إليها.
واحرباً منك يا جدايتها ... مقيمةً فاعلمي ومرتحله!
روى واحرباً، واحزناً لجداية أي وا أسفاً، واهلاكاً.
كأنه يقول: يا ظبية هذه الدار، ويلي منك! سواء كنت مقيمة أو مرتحلة؛ لأنك إن اقمت فممنوعة، وإن ارتحلت، حال البعد بيننا.
لو خلط المسك والعبير بها ... ولست فيها لخلتها تفله
العبير: الزعفران، عن أبي عبيدة. وقيل: أخلاط من الطيب فيه الزعفران، عن الأصمعي. والتفلة: المتغيرة الريح.
يقول: لو خلط المسلك والزعفران بتراب هذه الأدؤر، ولم تكوني فيها لظننت أنها متغيرة الريح لأن طيبها بك أنت!
أنا ابن من بعضه يفوق أبا ال ... باحث والنجل بعض من نجله
النجل: الولد والهاء في بعضه لمن الأولى وفي نجله لمن الثانية. ويريد بالباحث: إنساناً كان يبحث عن أصله، ويطعن في نسبه.
يقول: أنا ابن الرجل: الذي بعض ذلك الرجل: أي نفسه. يفوق والد الباحث، الذي يبحث عن فضل أبي، فإذا كنت أفضل من أبيه فالرجل الذي أنا بعضه لاشك في انه أفضل منه بكثير؛ لأن الولد بعض من ولده.
وإنما يذكر الجدود لهم ... من نفروه وأنفدوا حيله
نفروه: أي غلبوه بالنفر. يقال: نافرته. أي فاخرته بكثرة النفر فغلبته. يقول: أنا غني بفضلي عن الافتخار بجدودي، وإنما يفخر بالجدود من ليس يفضل في نفسه. فغلبه المفاخرون وأنفدوا حيله، فحينئذ يفتخر بآبائه وفضلهم.
فخراً لعضبٍ أروح مشتمله ... وسمهريٍّ أروح معتقله
مشتملة: أي مقلدة. يقول: لأفخر بالسيف فخر، حيث أتقلد به. والرمح حيث أمسكه بيدي؛ لأني إذا استعملتها كفاني فخراً وشرفاً.
وليفخر الفخر إذا غدوت به ... مرتدياً خيره ومنتعله
الهاء في خيره وفي به للفخر وفي منتعله لخير.
يقول: كل شيء يفتخر بي، حتى الفخر يفتخر بأن ألبسه، فأرتدي به وأنتعله؛ لأني أعلى من الفخر.
أنا الذي بين الإله به الأق ... دار والمرء حيثما جعله
يقول: أنا الذي جعلني الله تعالى من الفضل والكمال، فقدر كل إنسان يتبين إذا قدر بفضلي، وفيس محله إلى محلي.
وقيل معناه: إن أقدار الناس تتبين بمدحي أو بهجوي، فمن مدحته رفعت قدره، ومن هجوته وضعت قدره وأخملت ذكره، والهاء في جعله قيل: ترجع إلى اسم الله تعالى، وقيل: إلى المرء. أي حيثما جعل نفسه. قلت: ويجوز أن يكون راجعاً إلى الضمير الذي في أنا الذي بين الإله به أي المرء حيثما جعله هذا الرجل الذي بين الله به الأقدار.
جوهرةٌ تفرح الشراف بها ... وغصةٌ لا تسيغها السفله
يقول: أنا جوهرة تفرح الكرام بها. يعني: إذا مدحت شريفاً يفرح بي؛ لأني أناسبه، وكل لئيم يحسدني ويراني غصة له في صدره، لقصوره عني ولازدرائي به، فنظير الأول قول الشاعر:
وكل امرىءٍ يصبوا إلى من يجانس
ونظير المصراع الثاني قول الشاعر:
стр. 207
والجاهلون لأهل العلم أعداء
إن الكذاب الذي أكاد به ... أهون عندي من الذي نقله
الكذاب: مصدر كذب، أو كاذبني. وروى أكايده من الكيد.
يقول: إن الكذب الذي يكيدني به حسادي، لا أبالي به، وهذا الكذب أهون وأقل وزناً من الكاذب الذي نقل هذا الكذب، ولا قدر له.
فلا مبالٍ، ولا مداجٍ، ولا ... وانٍ، ولا عاجزٌ ولا تكله
المدجي: الساتر للعداوة، أي لا أدري هذا الحاسد، ولا أساتره ولا أواني. أي لست بضعيف عاجز مقصر في أمري. وروى ولا فان من قولهم: شيخ فان: أي ضعيف، ميتاً في الضعف. والتكلة: الضعيف الذي يكل أمره إلى غيره.
يقول: لا أبالي بهم لقلتهم ولا أؤاخيهم لخستهم، ولا أعجز عن مكافأتهم، ولا أستعين بأحد على نكايتهم.
ودارعٍ سفته فخر لقىً ... في الملتقى والعجاج والعجله
العجلة: السرعة. وقيل: أراد به الطين. وفي القرآن: " خلق الإنسان من عجل ". وسفته: ضربته بسيفي.
يقول: كم دارع. أي ورب دارع ضربته بالسيف عند الملتقى في الحرب فصرعته لوجهه على الغبار في الطين بسرعة.
وسامعٍ رعته بقافيةٍ ... يحار فيها المنقح القوله
المنقح: المهذب. وقوله: القولة أي الكثير القول. وقيل الجيد القول.
يقول: رب سامع خوفته بقصيدة حسنةٍ يتحير فيها الشاعر الفصيح المهذب لقوله وبجيد شعره.
يصف نفسه بالفصاحة وجودة الشعر.
وربما أشهد الطعام معي ... من لا يساوي الخبز الذي أكله
أشهد: فعل ما لم يسم فاعله، والطعام: مفعوله الثاني. واسمه من. كأنه يعرض بأبي العشائر بأنه لم يميزه عمن دونه.
ومعناه: أني مع فضلي ربما أواكل من لا يساوي ما يأكله من الطعام، وروى: يشهد وهو مضارع أشهد واسمه الضمير المستكن والطعام مفعوله الثاني.
ومعناه على هذا: وربما يشهد الطعام معي من لا يساوي الخبز الذي يأكله ومثله لابن بابك:
لا غرو إن جمعتنا دار مفضيةٍ ... فالصيد يجمع بين الكلب والبازي
ويظهر الجهل بي وأعرفه ... والدر درٌّ برغم من جهله
فيه وجوه: أحدها: أن الذي أواكله يظهر أنه جاهل بي! وأنا أعرفه على خموله ومعناه كيف يجوز ألا يعرفني وأنا في الظهور كالشمس وهو خامل مغمور؟! والثاني: أني عارف بفعله إنه يظهر الجهل بي مع أنه يعرفني.
والثالث: أنا أعرف جهله بي. ثم قال: والدر در برغم من جهله وهذا مثلٌ. أي لا يضرني جهل من لا يعرف فضلي، كما أن الدر لا يحط قيمته جهل من لا يعرف قدره وقيمته.
مستحيياً من أبي العشائر أن ... أسحب في غير أرضه حلله
يقول: إني إنما أحتمل معاشرة الأردياء، وأكون مع من لا يرى فضلي مستحياً منه أن أرتحل من بابه وأسحب حلله في غير أرضه ومحله.
أسحبها عنده لدى ملكٍ ... ثيابه من جليسه وجله
قول: لدى ملك بدل من عنده. يقول: أسحب هذه الحلل عند ملك ثيابه خائفة من جليسه؛ لأنه أبداً يخلع ثيابه على من يجالسه فهي تخاف أن ينزعها ويلبسها لجليسه، لأنها لا تتشهي مفارقته تشرفاً بكونها عليه.
وبيض غلمانه كنائله ... أول محمود سيبه الحمله
البيض: جمع أبيض، أي غلمانه البيض من جملة نائله: أي عطائه.
يعني: أنه يهب البدور والخلع والغلمان الذين يحملونها، فالحملة لنائله أول محمول إلى المعطى له.
مالي لا أمدح الحين ولا ... أبذل مثل الود الذي بذله
معناه: كيف لا أمدحه ولا أوده مثل ما يودني وأحبه مثل ما يحبني!؟ وجعل الممدوح ممن يحبه تعظيماً لنفسه ورفعاً لقدره.
أأخفت العين عنده خبراً؟ ... أم بلغ الكيذبان ما أمله!
الكيذبان: الكثير الكذب.
يقول: مالي لا أمدحه؟! ثم يقول: هل الكذاب الساعي بالنميمة بلغه أحوالي، كأنها خافية عنه. وهو معنى قوله: أأخفت العين أي أخفت عينه عنده خبري في المحبة له، أم بلغ ما كان يتمناه من فساد الحال بيني وبينه.
وقيل معناه: أخفت عيني عن قلبي خبر هذا الرجل في الإحسان إلي. وقيل أراد بالعين: الرقيب، وأنثه تشبيهاً بالعين التي هي الجارحة. أي أخفى الرقيب عنده خبري في الموالاة، فأخبره بخلاف ما أنا عليه، حتى يفسد ما بيني وبينه من الموالاة والمحبة.
أم ليس ضراب كل جمجمةٍ ... منخوةٍ ساعة الوغى زعله
стр. 208
المنخوة: المملوءة. من النخوة، وهي الكبر. وزعلة: أي مرحة بطرة.
يقول: لم أمدحه كأنه غير شجاع يضرب في الحرب رءوس الأبطال المتكبرين الذين في رءوسهم النخوة وفي قلوبهم المرح والبطر. وقوله: ساعة الوغى ظرف لنخوه: أي منخوة حالة الحرب، ولو جعله ظرفاً لضراب لجاز أن يضرب ساعة الوغى زعلة.
وصاحب الجود ما يفارقه ... لو كان للجود منطقٌ عذله
صاحب: نصب عطفاً على قوله: ضراب كل جمجمةٍ؛ لأنه خبر ليس. يعني أنه قد بلغ في السخاء حداً لو كان له لسان لعذله.
وراكب الهول ما يفتره ... لو كان للهول محزمٌ هزله
المحزم: موضع الحزام. والهاء في ما يفتره للهول الأول، وفي هزله للهول الثاني، وقيل للمحزم.
يقول: هو يركب الهول ولا يفتره أي لا ينزل عنه ساعة، فلو كان الهول مركوباً يشد عليه الحزم لهزله وأذاب لحمه، من كثرة ركوبه إياه.
وفارس الأحمر المكلل في ... طيىءٍ المشرع القنا قبله
الأحمر: فرسه الذي ركبه يوم وقعته بأنطاكية، والمكلل: بكسر اللام الأولى هو الحاد الماضي، فإن جررته فهو صفة للفرس وإن نصبته فهو صفة للممدوح وإن فتحت اللام الأولى وجررته فهو صفة للفارس. أي الملك المتوج، وإن نصبته فهو صفة للفرس وهو الذي على رأسه شبه الإكليل. والقنا، وإن كان جمعاً قد ذكر حيث قال: المشرع القنا لأنه أراد به الجنس. وروى المشرع فعلى هذا يكون صفة لطيىءٍ إنه كان فارس هذا الفرس في وقت إشراع الرماح قبله.
لما رأت وجهه خيولهم ... أقسم بالله لا رأت كفله
الهاء في كفله للممدوح. وقيل: إنه راجع للأحمر المكلل وهو الفرس..
يقول: لما رأت خيول الأعداء وجهه أقسم هو بالله ألا يولي ولا ينهزم، فلا يروا له قفاً.
فأكبروا فعله وأصغره ... أكبر من فعله الذي فعله
روى: أصغر بفتح الراء على الفعل الماضي، وفاعله أبو العشائر. وأكبر على هذا خبر ابتداء محذوف. أي: هو أكبر. وقيل: إنه مبتدأ والذي خبره. والمعنى: أنهم استعظموا فعله واستصغره هو، ثم قال: هو أكبر من فعله. أي هو أعظم من فعله وإن كان عظيماً وكل فعل عظيم ففاعله أعظم منه كما قال أبو تمام:
أعاذلتي ما أحسن الليل مركباً ... وأحسن منه في الملمات راكبه
أي أصغره على المبالغة فيكون أصغر مبتدأ وما بعده خبر له. ومعناه أنهم استكبروا فعله، وأصغره ما يفعله هو أكبر من فعله الذي فعله عندهم فاستكبروه.
القاتل الواصل الكميل فلا ... بعض جميلٍ عن بعضه شغله
الكميل: المبالغة في الكامل.
يقول: هو يقتل أعداءه، ويصل أولياءه، وإنه كامل الفضل فيهما، فبعض فعله في الجميل لا يشغله عن بعض، بل يحسن في حال القتال وغيره.
فواهبٌ والرماح تشجره ... وطاعنٌ والهبات متصله
تشجره: أي تدخله. يعني أنه هو يهب أمواله، ويطاعن أعداءه في وقت واحد، فلا الحرب تشغله عن الجود ولا الجود يشغله عن الحرب.
وهذا تفسير للبيت الذي قبله.
وكلما آمن البلاد سرى ... وكلما خيف منزلٌ نزله
آمن: أي وجدها آمنة. وقيل معناه: كلما وافى بلداً أمن من الحرب، وسار من هناك إلى بلد آخر يفتحه، وكلما خيف منزل: إما من الدعار، أو من الأعداء نزله فأزال الخوف عنه.
وكلما جاهر العدو ضحىً ... أمكن حتى كأنه ختله
الختل: الخديعة. أي إذا قصد عدوه مجاهرة أمكن منه، حتى كأنه أتاه غفلة منه، فمجاهرته تقوم مقام ختل غيره.
يحتقر البيض واللدان إذا ... شن عليه الدلاص أو نثله
اللدان: الرماح اللينة. الواحد لدن. وشن الدرع: إذا صبها على بدنه. والدلاص: الدرع الصافية البراقة. ونثل الدرع، وشنها، وأفرغها، وصبها: إذا لبسها. وذكر الضمير في قوله: نثله وإن عاد للدرع؛ لأن الذرع يذكر ويؤنث يقول: إذا لبس درعه لا يبالي السيوف والرماح وغيرها.
قد هذبت فهمه الفقاهة لي ... وهذبت شعري الفصاحة له
الفقاهة: الفطنة والعلم بغوامض الأمور.
يقول: فقاهتي في الشعر وعلمي بغوامض المعاني هذبت فهم الممدوح، وبصرته جودة الشعر من رداءته، حتى لا يستحسن شعراً هو دون شعري، وكذلك فصاحته هذبت شعري، وحملتني على التحفظ فيه، وتنقيحة حتى جاء مهذباً من كل عيب ومثله لأبي تمام:
ولذاك شعري فيك قد سمعوا به ... سحرٌ وأشعاري لهم أشعار
стр. 209
فصرت كالسيف حامداً يده ... ما يحمد السيف كل من حمله
يقول: لما علمت بفصاحته، تأنقت في شعري، وهذبت ألفاظه، فصارت فصاحته سبباً إلى تجويد شعري، كما كان جودة ضربه وقوة ساعده سبباً لإظهار حد سيفه، فصار سيفه حامداً له حيث أظهر جودته، ثم قال: ما يحمد السيف كل من حمله يعني: أن السيف إذا كان في يد من لا يحسن الضرب نبا إن كان ماضياً، وإنما يعمل في يد الحاذق بتصريفه فلا يحمد السيف دون من لا يحسن الضرب به.
وجلس معه ليلة على الشراب فنهض لينصرف وقت انصرافه، فسأله الجلوس فجلس، فخلع عليه ثياباً نفيسة، ثم نهض لينصرف فسأله الجلوس فجلس، فأمر له بثمن جارية فحمل إليه، ونهض لينصرف، فسأله الجلوس بقود مهرة إليه، فقال له ابن الطوسي الكاتب: لا تبرحن الليلة يا أبا الطيب فأجابه:
أعن إذني تهب الريح رهواً ... ويسري كلما شئت الغمام؟!
ولكن الغمام له طباعٌ ... تبجسه بها وكذا الكرام
يقول جواباً لذلك: لا أنصرف استزادةً مني لهباته، ليس عن أمري ولا كان طلبي من الرجل، إن ما ترى من جود الأمير ورجوليته، كرم طبعه يدعو إليه. كما أن الغمام ليسح ماؤه لطبعه، دون أن يبعثه عليه باعث، ولا يقدر أحد أن يحبس مطره، فكذلك هذا الرجل لا يمكنه أن يمتنع عن العطاء، لأن الله تعالى فطره على ذلك وروى: تبجسه بها ولها والهاء: للطباع وفي تبجسه للغمام.
وأراد أبو العشائر سفراً فقال أبو الطيب يودعه:
الناس ما لم يروك أشباه ... والدهر لفظٌ وأنت معناه
المصراع الأول له معنيان أحدهما: أن الناس إذا لم تكن فيهم متساوون ليس لواحد منهم فضل على صاحبه، فإذا حضرتهم فضلتهم فتفاوتوا بك، فصاروا المفضولين وأنت الأفضل. والثاني: أن الناس ما لم يروك فهم سواء، فإذا رأوك تفاضلوا في أقدارهم، فكل من رآك أكثر فهو أشرف، وكل من قربت منزلته منك فهو أفضل.
يريد: أن الناس إذا رأوه تعلموا أسباب الرياسة منه، واهتدوا بأفعاله إلى المكارم، فمن صحبه أكثر كان إلى السيادة أقرب.
وأما المصراع الثاني فمعناه: أن الأفعال التي تنسب إلى الدهر من إعزاز وإذلال، وإحسان وإساءة، إنما هي عبارة عنه وإنها تنسب إليه بالقول، وإلا في الحقيقة فأنت فاعلها والمعني بها، لأنك تفعل ذلك دون الدهر.
والجود عينٌ وأنت ناظرها ... والبأس باعٌ وفيك يمناه
يقول: قوام الجود بك، كما أن العين بناظرها. والبأس: وهي الشجاعة، قوامها بك، ووجودها بسببك، كما أن الباع بطشه وفضله في اليد اليمنى.
أفدي الذي كل مأزقٍ حرجٍ ... أغبر فرسانه تحاماه
أعلى قناة الحسين أوسطها ... فيه وأعلى الكمي رجلاه
الحرج: الضيق. المأزق: المضيق في الحرب. والأغبر: المظلم الذي عليه غبرة. وتحاماه: تجنبه. والهاء في فيه ترجع إلى المأزق. وقيل: إلى الذي وقوله: كل مأزق مبتدأ، وأغبر في موضع جر، صفة لمأزق، وإن شئت رفعته فيكون صفة لكل، وفرسان مبتدأ آخر، وتحاماه خبره، وهذه الجملة صفة لمأزق، ولكل. والهاء في فرسانه تعود إلى المأزق وكذلك في فيه.
يقول: أفدي الفارس الذي إذا حصل في مضيقٍ أغبره. يحذر منه الفرسان ويتركونه، ويكون أعلى رمحه في ذلك المأزق أوسطه؛ لأنه يكثره بكثرة الطعن حتى يصير وسطه أعلاه، أو يثنيه إذا طعن فارساً فيصير أعلاه أسفله وكذلك ينكس الفارس الشجاع عن فرسه، فيكون رجلاه فوقه وأعلاه، أو ينتفخ بعد قتله إياه وترتفع رجلاه فوقه. وما بعد قوله: الذي إلى آخره، داخل في صفة الذي وموضعه نصب بأفدي، أي أفدي الذي هذه صفته.
تنشد أثوابنا مدائحه ... بألسنٍ ما لهن أفواه
يقول: إن أثوابنا تنشد مدائحه، من حي إن الناس إذا رأوها علينا علموا أنها من خلعه، حتى لو لم نشكر له لأعلنت هذه الثياب بمدحه.
والثاني: هو أن لأثوابنا التي خلعها علينا صوتاً لجدتها، فهذا الصوت كإنشادها مدائحه. ذكره ابن جنى.
إذا مررنا على الأصم بها ... أغنته عن مسمعيه عيناه
هذا يؤكد المعنى الذي بدأنا بذكره. يعني أن هذه الثياب إذا مررنا بها على الأصم، فمتى رآها علم أنها من خلعه، فأغنته عيناه عن أذنيه.
سبحان من خار للكواكب بال ... بعد ولو نلن كن جدواه
نلن: أي أدركن وهو فعل ما لم يسم فاعله.
стр. 210
وحكى ابن جنى عن المتنبي: أنه كان يشير إلى الضمة رفعاً للالتباس بين فعلن وفعلن وقوله خار: أي جعل لها الخيرة.
يقول: لو نيلت هذه النجوم، لكانت يده تصل إليها وتجعلها من جملة عطاياه، ولكن الله تعالى بعدها منه خيرةً لها.
لو كان ضوء الشموس في يده ... لضاعه جوده وأفناه
ضاعه: أي فرقه.
يقول: لو كان ضوء الشمس في يده لفرقته هباته. وروى: أضاعه جوده أي ضيعه من الضياع.
يا راحلاً كل من يودعه ... مودعٌ دينه ودنياه
يقول: إن الدين والدنيا معك، فإذا فارقناك فارقنا ديننا ودنيانا بفراقك.
إن كان فيما نراه من كرمٍ ... فيك مزيدٌ فزادك الله
روى: من كرم ومن حسن.
يقول: لا مزيد على ما نلت من كرم في عقولنا، فإن كان في الكرم مزيد خفي علينا، فبلغك الله إليه، وأنا لك مرادك منه.
فقال قوم لأبي العشائر إنه ما كناك وإنما تعرف بكنيتك فقال:
قالوا ألم تكنه؟! فقلت لهم ... ذلك عيٌّ إذا وصفناه
أي قالوا: لم لا تذكر كنيته؟ فقلت لهم: إذا وصفته فذكر الكنية عي؛ لأن أوصافه تغني عن ذكرها، إذ لا يوجد في غيره ما فيه من الأوصاف. وهذا مثل قوله في مرثية أخت سيف الدولة:
ومن يصفك فقد سماك للعرب
لا يتوقى أبو العشائر من ... ليس معاني الورى بمعناه
وروى: من لبس فيكون نكرة. يعني: لا يتوقى رجلاً لبس معناه بمعاني الخلق، فيشاركه في هذا الوصف فيحتاج إلى تكنية، ليفصل بينهما. وروى: من ليس ومعنى البيت: أن الرجل إنما يذكر باسمه وكنيته لتميزه عن غيره، ومعاني أبي العشائر مخالفة لمعاني الناس فإذا وصف تميز عن غيره ولم يخف أن يلبس به غيره، لأنه لا يشاركه أحد في أوصافه فيحتاج إلى تمييز عنه بالكنية.
أفرس من تسبح الجياد به ... وليس إلا الحديد أمواه
يجوز نصب الحديد للضرورة؛ لأنها معرفه واسمه: أمواه، وهي نكرة. ويجوز أن تجعل خبر ليس محذوفاً، فتنصب الحديد على الاستثناء. المقدم. كأنه قال: وليس في الأرض أمواه إلا الحديد، فلما قدمه نصبه.
يقول: هو أفرس رجل تسبح به الجياد، ولما جعلها تسبح، جعل الماء الذي تسبح فيه الحديد، وهو الدروع والسلاح.
وأخرج إليه جوشناً حسناً أراه إياه بميا فارقين فقال يمدحه:
به وبمثله شق الصفوف ... وزلت عن مباشرها الحتوف
زلت: أي زلقت. والهاء في مباشرها للصفوف، ويجوز أن يكون للحتوف أي زلت الحتوف عن مباشرها.
يقول: بهذا الجوشن وبأمثاله تشق الصفوف في الحرب، ويندفع الموت عنه عند مصادقة الأقران والشجعان.
فدعه لقىً فإنك من كرامٍ ... جواشنها الأسنة والسيوف
يقول: دع هذا الجوشن مطروحاً، فإنك من قوم كرام ليس لهم جواشن إلا السيوف والرماح.
وضرب لأبي العشائر مضرب بميافارقين على الطريق، فكثر غاشيه وسائله، فقال له إنسان: جعلت مضربك على الطريق؟ فقال أبو العشائر أحب يا أبا الطيب أن تذكر هذا، فأنشد أبو الطيب قائلاً:
لام أناسٌ أبا العشائر في ... جود يديه بالعين والورق
أي: قد لام بعض الناس أبا العشائر في بذله الدراهم والدنانير على الناس.
وإنما قيل: لم خلقت كذا؟! ... وخالق الخلق خالق الخلق
يقول: من لامه على جوده بمنزلة من قال: لم خلقت كذا؟! لأنه طبع عليه ولا يمكنه الانفكاك منه، والله تعالى كما خلق الإنسان خلق له خلقاً، وما كان من فعل الله تعالى فلا سؤال فيه على العبد، ولا لوم عليه إذ لا فعل له فيه.
قالوا: ألم تكفه سماحته ... حتى بنى بيته على الطرق؟!
أي لاموه على جوده وقالوا: ألم يكفه ما فيه من الجود والسماحة حتى ضرب بيته على الطريق ليقصده كل وارد؟! فأجاب عن ذلك بقوله:
فقلت: إن الفتى شجاعته ... تريه في الشح صورة الفرق
أي فقلت لهم: إن الفتى الشجاع يرى الشح كالفرق: وهو الجبن، فيجتنبه كما يجتنب الجبن؛ لأن البخيل إنما يبخل بماله خوف الفقر، فهو يقوم عليه كما يقوم على أمر مخوف، فكأنه يقول: إن السخي لتيقنه بالعوض، يسمح بما عنده فيرى البخل من الجبن.
بضرب هام الكماة تم له ... كسب الذي يكسبون بالملق
يقول: إن ما يكسبه أعداؤه بالملق والخديعة، يأخذه هو بسيفه؛ لأنه يضرب رءوسهم ويغير على أموالهم.
стр. 211
معناه: أن ما يأخذونه بالسؤال والملق حصل له بتقبيل الأيادي؛ لأن شجاعته معه، وفي أعدائه كثرة، فإن ذهب ما في يده رجع إلى أعدائه وغار عليهم واكتسب أموالهم.
وقيل: هو ملك يضرب هام الشجعان، وماله قليل، مثل مال من يكسب في الملق، لتسلط الجود عليه وتركه لادخار الأموال.
كن لجةً أيها السماح فقد ... آمنه سيفه من الغرق
يخاطب السماح ويقول له: كن أعظم ماشئت، فإن الممدوح لا يخشى أن يفرق ماله، لأن سيفه قد أمنه من ذلك، لأنه كلما نفذ ماله أخلف عليه سيفه مثله وأكثر منه، من مال أعدائه. والهاء في منه وسيفه للممدوح.
وانتسب له أي لأبي العشائر بعض من رماه أي المتنبي على باب سيف الدولة في الليلة التي نشرحها بعد قوله:
وأحر قلباه ممن قلبه شيم
وانتسب إلى أبي العشائر وذكر أنه هو الذي أمرهم بذلك فقال أبو الطيب:
ومنتسبٍ عندي إلى من أحبه ... وللنبل حولي من يديه حفيف
حفيف النبل: صوته.
يقول: رب رام قصدني سهامه، وانتسب إلى من أحبه وقت رميه، وأنا أسمع حولي حفيف نبله.
فهيج من شوقي وما من مذلةٍ ... حننت ولكن الكريم ألوف
يقول: لما ذكر لي أبا العشائر هيج شوقي إليه، ولم يكن حنيني إليه من ذل أو حزن، ولكني ألوفٌ، والكريم يألف إلى من أحسن إليه.
وكل ودادٍ لا يدوم على الأذى ... دوام ودادي للحسين ضعيف
يقول: كل وداد لا يكون دائماً على الأذى ممن يؤذيه، كما دام ودادي لأبي العشائر، فهو ود ضعيف.
فإن يكن الفعل الذي ساء واحداً ... فأفعاله اللائي سررن ألوف
يقول: إن ساءني فعله مرة، فالذي سرني من أفعاله المواضي وأياديه السوالف، ألوف.
ونفسي له نفسي الفداء لنفسه ... ولكن بعض المالكين عنيف
العنيف: ضد الرفيق. يقول: نفسي له. أي أنا عبده فليصنع بي ما أحب! ثم قال: نفسي فداء له. ثم عرض به فقال: ولكن بعض المالكين عنيف أي أنه لما ملك عنف عليها، وأراد إتلافها وكان حقه أن يرفق بها.
تمت الشاميات
الجزء الثالث
السيفيات
وقال أبو الطيب يمدح سيف الدولة: أبا الحسن علي بن عبد الله بن حمدان ابن حمدون بن الحارث العدوي. عند نزوله أنطاكية ومنصرفه من الظفر يحصن برزويه، في جمادى الآخر سنة ٣٣٧ وكان جالساً تحت شراع ديباج:
وفاؤكما كالرّبع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا والدّمع أشفاه ساجمه
خاطب صاحبيه، وقد لاماه على البكاء على الربع فقال: وفاؤكما بإسعادي كالربع أشجاه دارسه. والطاسم والطامس بمعنى الدارس. وأشجاه: أشده شجوا، والشجو: الحزن. أي: لا أبكي الربع وصرت أبكي وفاءكما معه! وقال الشيخ أبو الفتح ابن جني: وهذا لفظه أملاه إملاء. وطسم يطسم طسما فهو طاسم إذا درس والخمحت آثاره وكذلك طمس يطمس فهو طامس طامس، وسجم الدمع فهو ساجم: إذا سال. وقوله: وفاؤكما خطاب للاثنين، وإنما كثر ذلك في كلام العرب لأن أقل رفقه عندهم ثلاثة، فلهذا قالوا الواحد شيطان والاثنان شيطانان، والثلاثة رفقه. وربما يخاطب الواحد بخطاب الاثنين والجماعة: تفخيماً له. أو إذا أراد تكرير الخطاب وتفصيل ما حكاه ابن جني عن المتنبي في معناه: أن صاحبيه واعداه بالمساعدة في البكاء على ربع حبيبه، والوقوف معه على أطلاله، ثم لم يفيا بما واعداه، فقال: وفاؤكما بالمساعدة دارس كهذا الربع الدارس. وقوله: أشجاه طاسمه أي كل ما كان منه طامساً كان أشجى بقلبي، كذلك وفاؤكما كلما رأيته دارساً زاد في شجوي وحزني.
стр. 212
وذكر صاحب الجليل؟ في تلخيص هذا المعنى. ما هو في العموم مثل كلام أبي الطيب فقال معناه: يا خليلي وفاؤكما بأن تسعداني، كهذا الربع كلما أبصرته أشجاني، وفي قوله: والدمع أشفاه ساجمه إشارة إلى أن صاحبيه غدرا معه في البكاء. فقال: إنما يشفي الدمع من الصبابة إذا كان ساجما، وكلما كان أجرى كان الشوق أشفى، والباء في قوله: بأن تسعدا متعلقة بمحذوف ولا يجوز تعلقها بقوله: وفاؤكما لأنك حينئذ فرقت بين الموصول والصلة، لأنك إذا قدرت البيت على قوله: وفاؤكما بأن تسعدا كالربع أشجاه طاسمه كانت الباء وما بعدها صلة وفاؤكما، وقد فرق بينهما بقوله: كالربع فيجب أن يضمر بعد المصدر. وهو قوله: وفاؤكما ما يتعلق به ويجعل بأن تسعدا تفسيراً له. وتقديره: وفاؤكما بأن تسعدا، ثم يحذف هذا، ويجعل الثاني تفسيراً له ومثل هذا كثير في صناعة الإعراب.
وما أنا إلاّ عاشقٌ كلّ عاشقٍ ... أعقّ خليليه الصّفيّين لائمه
الصفيين: الذي يصفى لك المودة من الغش، فيكون بمعنى المصفى. فقيل بمعنى مفعل.
يقول: أنا عاشق. فقال: كل عاشق أعق خليليه الصفيين: من يلومه، فمن لا منى منكما كأنه قد عقني، وروى: وما أنا إلا عاشق كل بنصب اللام. ومعناه: أنا عاشق كل عاشق، بعد لوم خليليه له عقوقا منهما إليه وهذا أبلغ من الأول، ومثل هذا:؟ وإني لأعشق من عشقكم نحولي وكلّ امرئٍ ناحل وقد سئل أبو الطيب عن هذا فقال: إن الخليل الصفي لا يكون عاقا، وأفعل لا يضاف إلا إلى ما هو بعضه.
وقيل: معناه: إذا لام لم يكن خليلا مصافياً عند العاشق؛ لأنه قصد إساءته فكأنه قال وكل عاشق إذا لامه خليله، كان أعق له من عدوه.
وقد يتزيّا بالهوى غير أهله ... ويستصحب الإنسان من لا يلائمه
يتزيا: يتكلف يتفعل من الزي، وهو الهيئة، أي يجعل الهوى زيا له.
يقول: ربما يظهر الإنسان من نفسه أنه عاشق، وليس هو بعاشق حقيقة، كما أن الإنسان قد يصحب من لا يوافقه.
يعني: أنا عاشق على الحقيقة ولست في دعواي متكلفاً.
بليت بلى الأطلال إن لم أقف بها ... وقوف شحيحٍ ضاع في التّرب خاتمه
يدعو على نفسه بالهلاك إن لم يطل الوقوف على أطلال دار المحبوبة.
وقد عيب عليه هذا البيت. وقيل: هذا يدل على تحمله مع دناءة همته، وعظم خطر الخاتم في عينه.
وإلى كم يكون وقوف الشحيح على خاتمه ولو كان ألأم الناس، حتى يجعل ذلك غاية الوقوف على أطلال دار الحبيب؟.
وأحسن ما يمكن أن يقال إنما أراد: أنا أقف بها وقوفاً زائداً على عادة من وقف قبلي على أطلال حبيبة، كما أن وقوف الشحيح إذا ضاع خاتمه يكون زائداً على وقوف غيره، وطلبه له أشد.
قيل: إنما خص الخاتم لأنه ربما كان فضة كثيرة القيمة حليل الخطر وهذه صفته. فالوقوف على طلبه يدوم، والبحث عنه يطول من كل واحد، وهو من الشحيح أكثر، ومنه أطول.
كئيباً توقّاني العواذل في الهوى ... كما يتوقّى ريّ؟ ض الخيل حازمه
نصب كئيباً على الحال. والكئيب: هو الحزين. والريض: الصعب الذي لم يرض. والحازم: الذي يشد الحزام. والهاء فيه تعود إلى الريض.
يقول: إن لم أقف وأنا كئيب والعواذل يريدون عذلي ويحذرون مني كما يحذر الرجل من الفرس الصعب، إذا أراد شد الحزام عليه، فهو يداريه حذراً أن يرمحه، فكذلك العواذل يحذرون صولته.
قفي تغرم الأولى من اللّحظ مهجتي ... بثانيةٍ والمتلف الشّيء غارمه
الأولى في موضع الرفع لأنها فاعلة تغرم.
يقول: إنك لحظتني لحظة فأتلفت بها نفسي، فاغرميها بلحظة ثانية؛ تحييني بها، كما أتلفت مهجتي بلحظتك الأولى؛ فإن من أتلف شيئاً غرمه.
سقاك وحيّانا بك الله إنّما ... على العيس نورٌ والخدور كمائمه
الهاء: للنور، والنور: الأبيض من الزهر. والكمائم: جمع كمامة وهو وعاء الزهر قبل أن يتفتح.
شبه النساء بالنور، والهوادج بالكمائم، ولما جعلها نوراً دعا لها بالسقيا، وجعله تحية لها، كما يحيي الصديق صديقه بالورد والريحان.
ومعناه: رزقنا الله وصلك والتلذذ بطيبك. ومثل آخر هذا البيت قول الآخر وهو:
ولم أر كالأظعان يوم رحيلهم ... وأحداجهم تحكي الكمائم في الورد
وقريب من بيت أبي الطيب قول السري بن أحمد الرفاء.
حيّا به الله عاشقيه فقد ... أصبح ريحانةً لمن عشقا
стр. 213
وما حاجة الأظعان حولك في الدّجى ... إلى قمر؟ ما واجدٌ لك عادمه
الأظعان: الراحلون، والهاء في عادمه للقمر.
يقول: الراحلون معك في ظلمة الليل، لا يحتاجون إلى ضوء القمر؛ لأن من وجدك فقد وجد القمر.
إذا ظفرت منك العيون بنظرةٍ ... أثاب بها معيي المطيّ ورازمه
ثاب وأثاب: بمعنى. أي أرجع. والمعيي: الرازم، وجمعهما لاختلاف اللفظتين. وقيل الرازم: الذي قد قام من الإعياء.
يقول: إن الإبل المعيية إذا نظرت إليك عادت إليها نفسها، فكيف نحن مع شدة شوقنا إليك! فهو أولى بنا.
حبيبٌ كأنّ الحسن كان يحبّه ... فآثره أوجار في الحسن قاسمه
روى في الحكم وفي الحسن والهاء في يحبه للحبيب، وكذلك في آثره وفي قاسمه للحسن.
يقول: كان الحسن يحب هذا الحبيب، فآثره على غيره وخصه بزيادة الحسن وبدائعه، أو جار من قسم الحسن في قسمته، فأعطى هذا الحبيب أكثر مما أعطى غيره.
تحول رماح الخطّ دون سبائه ... وتسبى له من كلّ حيّ كرائمه
الهاء في كرائمه تعود إلى حي وهو جمع كريمة.
يقول: إن الرماح تحول بين هذا الحبيب وبين من أراد سباءه؛ لعزة قومه وتسبى الرماح له من كل حي كرائمه.
ويضحى غبار الخيل أدنى ستوره ... وآخرها نشر الكباء الملازمة
الكباء: العود والبخور، والنشر: الرائحة الطيبة، والهاء في ستوره للحبيب وفي آخرها للستور وفي ملازمه لآخرها.
يقول: عليه ستور كثيره، فأدناها إلينا غبار الخيل التي تركض حوله، وآخرها داخلها يلازمه ريح العود ودخانه.
وما استغربت عيني فراقاً رأيته ... ولا علّمتني غير ما القلب عالمه
يعني: ليس هذا بأول فراق رأيته فأستغربه، بل رأيت مثله كثيراً، والهاء في عالمه راجعة إلى ما.
فلا يتّهمني الكاشحون فإنّني ... رعيت الرّدى حتّى حلت لي علاقمه
العلقم: شجر مر، وأراد به ها هنا الشدائد.
يقول: لا يتهمني الأعداء على الردي، أني أضعف عن احتماله، فإني قد تعودته وقاسيت أمثاله، حتى حلا في فمي كل مر، وهان علي كل صعب.
مشبّ الّذي يبكي الشّباب مشيبه ... فكيف توقّيه وبانيه هادمه؟!
المشب: الذي يشب ويأتي بالشباب. والمشيب: الذي يأتي بالمشيب، والضمائر كلها تعود إلى الذي ويجوز أن يكون في مشيبه يعود إليه فقط، وفي توقيه وبانيه وهادمه يعود إلى الشباب.
يقول: إن الذي يبكي الشباب لا ينفعه، فإن الشيب الذي صيره شاباً، هو الذي أفضى به إلى المشيب، وهو الحياة، فإنه تنقله من حال إلى حال، فكيف نقدر على الاحتراز منه؟! وهو الشيء الذي به بقاؤه وبه فناؤه. وقيل: هو الله تعالى الذي يأتي بالشباب والشيب. وقيل أراد به: الدهر على ما جرت عادته في نسبة الحوادث إليه.
وتكملة العيش الصّبا وعقيبه ... وغائب لون العارضين وقادمه
له معنيان: أحدهما: أن كمال العيش إنما هو في الصبا وفيما يعقب الصبا، فأما أيام الشيب فلا تعد من العيش، لأنها مشوبة بالأحزان والأسقام.
وقوله: وغائب لون العارضين وقادمه يعني أن هذا تكملة العيش، وأراد به حال نقاء العارض من الشعر، ثم غاب ذلك وقدم عليه بياض الشيب والشعر. وهذا أحسن.
والثاني: أن المراد به أن جميع العمر ما ذكر من هذا البيت وهو: أيام الصبي، ثم عقيبة الشباب، وبعده بياض الشعر بعد سواده، وهو أيام الشيب. والهاء في قادمه تعود إلى اللون.
قال ابن جني: سألته وقت القراءة عليه: أيقال تكملة العيش لجميعه؟ قال: هو جائز لأنه بالجميع يكمل.
وما خضّب النّاس البياض لأنّه ... قبيحٌ، ولكن أحسن الشّعر فاحمه
الفاحم: الشديد السواد. يقول: إن الناس لا يخضبون البياض لأنه قبيح، بل هو حسن، ولكن الشعر الأسود أحسن في مرأى العين؛ لدلالته على فتى السن، والبياض يدل على الهرم.
وأحسن من ماء الشّبيبة كلّه ... حيا بارقٍ في فازةٍ أنا شائمه
الحيا: المطر، والبارق: السحاب الذي فيه برق. والفازة: الخيمة. وشمت البرق: إذا نظرت مخايله. والهاء في شائمه تعود إلى الحيا.
يقول: مطر سحابة في خيمة، وأنا أنظر إليه، أحسن من ماء الشباب، لأني أنال به من السرور واللذات، ما لا أناله بالشباب.
عليها رياضٌ لم تحكها سحابةٌ ... وأغصان دوحٍ لم تغنّ حمائمه
стр. 214
عليها: أي على الفازة. شبه النقوش التي عليها بالرياض المنورة، وقوله: لم تحكها أي ليست هذه الرياض من صنعة الغيث والسحاب، ولكنها من صنعة البشر، وعليها صور أغصان أشجار عليها حمائم، لكنها صامتة لا تتغنى ولا تتغرد. والهاء في حمائمه للدوح.
وفوق حواشي كلّ ثوبٍ موجّهٍ ... من الدّرّ سمطٌ لم يثقّبه ناظمه
الهاء في ناظمه للسمط.
يقول: على حواشي كل ثوب ذي وجهين عقد منظوم من الدر، غير أن ناظمه لم يثقبه؛ لأنه ليس بدر على الحقيقة، بل نقش على صورة خلقة الدر.
ترى حيوان البرّ مصطلحاً بها ... يحارب ضدّ ضدّه ويسالمه
يعني: عليها تصاوير الحيوان من كل جنس. كالسباع والوحوش والفرسان، فمرة يصالح الضد ضده، ومرة يحاربه، لأنه ربما يتصل تارة وينفصل أخرى عند ضرب الريح إياها.
وقيل: أراد أن عليها صور سباع تفترس وحوشا، فهي في صور المحارب ولكنها مسالمة، لا يقدر بعضها على بعض، فهي محاربة ومسالمة في وقت واحد.
إذا ضربته الرّيح ماج كأنّه ... تجول مذاكيه وتدأى ضراغمه
تدأى: أي تختل، وقيل: تسرع. والهاء في ضربته وفيما بعده: تعود إلى قوله: كل ثوب موجه وقيل: تعود إلى الحيوان.
يقول: إن الريح إذا ضربت هذا الثوب ماج: أي اضطرب، فحسبته خيلا تجول، وسباعاً تصول، وهو المراد بقوله: تدأى ضراغمه أي الأسود المصورة عليه.
وفي صورة الرّوميّ ذي التّاج ذلّةٍ ... لأبلج لاتيجان إلاّ عمائمه
أراد بالرومي: ملك الروم، وكان على الفازة صورته.
يقول: في صورة ملك الروم صاحب التاج ذلة: أي خضوع للملك الأبلج، وهو سيف الدولة. والأبلج: المنقطع ما بين الحاجبين. ثم قال: لا تيجان للعرب إلا العمائم والتاج لملوك العجم.
تقبّل أفواه الملوك بساطه ... ويكبر عنها كمّه وبراجمه
البراجم: المفاصل التي تحت الأنامل، والواحد برجمة، وهي عبارة عن اليد.
يعني: أن الملوك إذا رأته قبلت بساطه؛ لأنها لم تكن أهلا لتقبيل يده ولا كمه.
قياماً لمن يشفى من الدّاء كليّه ... ومن بين أذنى كلّ قرمٍ مواسمه
قياماً: نصب بإضمار فعل. أي: تراهم قياما. وقيل: نصب على الحال. وقوله: يشفى من الداء كيه مثل. ومن؛ بمعنى الذي. المتقدم. والهاء في كيه تعود إلى من الأولى، وفي مواسمه إلى من الثانية. والقرم: الرئيس.
يقول: إنه يشفى من الداء كيه ويروض كل صعب. وكل قرم لقيه ولى عنه فآثار سيفه في قفاه وبين أذنيه. تلوح كالسمة.
وقيل: معناه: إنه يقهر كل قرم ويسمه سمة ذل وعجز. والمواسم: جمع ميسم وموسم.
قبائعها تحت المرافق هيبةً ... وأنفذ ممّا في الجفون عزائمه
قبيعة السيف: الفضة التي على قائمة مثل الكرة. والهاء في قبائعها للملوك وفي عزائمه للمدوح.
يقول: إنهم قيام بين يديه، وسيوفهم نحن مرافقهم وهم متكئون عليها، ثم قال: عزائم سيف الدولة في الأمور أنفذ من السيوف التي في الجفون.
له عسكرا خيلٍ وطيرٍ إذا رمى ... بها عسكرا لم تبق إلاّ جماجمه
الوجه أن يقال: إذا رمى بها، ردا للضمير إلى أحد العسكرين.
معناه: له عسكر من الخيل، فإذا قصد إلى عسكر عدوه، قتلته الخيل وأكلته الطير، فلم يبق إلا عظام الرءوس. والهاء في جماجمه تعود إلى قوله عسكرا.
أجلّتها من كلّ طاغٍ ثيابه ... وموطئها من كلّ باغٍ ملاغمه
الملاغم: ما حول الفم. واحدها ملغم.
يقول: جلال خيله: ثياب كل طاغ قتله، وموطئها: ملاغم كل باغ. والتأنيث: للخيل: والتذكير: للطاغي والباغي.
فقد ملّ ضوء الصّبح ممّ تغيره ... وملّ سواد اللّيل ممّا تزاحمه
التاء في تغيره وتزاحمه للخيل. وأراد: مما تغير فيه، فحذف حرف الجر، وأوصل الفعل إليه.
يقول: إن الصبح قد مل من كثرة إغارة الممدوح فيه، وسواد الليل قد مل من كثرة سيره فيه، ومزاحمته إياه.
وملّ القنا ممّا تدقّ صدوره ... وملّ حديد الهند مما تلاطمه
تدق صدوره: أي تكسره. وتلاطمه: أي تضاربه.
يقول: إن الرماح والسيوف قد ملت؛ من كثرة ما تطعن بالرماح وتكسرها، وتضرب بالسيوف.
سحابٌ من العقبان يزحف تحتها ... سحابٌ إذا استسقت سقتها صوارمه
стр. 215
السحاب: يذكر على اللفظ، ويؤنث على معنى الجمع، فأنث السحاب الأول على المعنى، وذكر الثاني على اللفظ وإقامة القافية.
شبه الجيش، والعقبان فوقه، بسحاب يسير تحت سحاب آخر، ثم جعل الأسفل يسقي الأعلى، فجعل الغمام مستقياً، مع أنه يكون ساقياً.
سلكت صروف الدّهر حتّى لقيته ... على ظهر عزمٍ مؤيداتٍ قوائمه
مؤيدات: محكمات، لما جعل عزمه مركوباً، جعل له ظهراً وقوائما.
يقول: ركبت عزمي وسلكت إليه المؤيدات، مفاوز شديدة، كأنها صروف الدهر. يعني: أني قويت عزمي على قصده، فتكلفت الأسفار حتى لقيته.
مهالك لم تصحب بها الذّئب نفسه ... ولا حملت فيها الغراب قوادمه
مهالك: بدل من صروف الدهر. والقوادم: ريش الجناح المقدمة، وفاعل تصحب: نفسه، ومفعوله: ذئب. وفاعل حملت: قوادمه، والغراب: مفعوله. والضمير: الغراب.
يعني: أن هذه المفاوز مهالك وحشة لا يقدر الذئب على قطعها، ولا الغراب على سلوكها؛ لشدتها. ومثله قول الآخر:
مهامة لا يسرى بها النّجم وحده ... ولا الطّيف إلاّ خائفاً يترقّب
فأبصرت بدراً لا يرى البدر مثله ... وخاطبت بحراً لا يرى العبر عائمه
عبر الوادي: شطه.
يقول: لما وصلت إليه رأيت بدراً لا يرى البدر الحقيقي مثله، وخاطبت بحراً ليس له عبر ولا نهاية
غضبت له لمّا رأيت صفاته ... بلا واصفٍ والشّعر تهذى طماطمه
الطماطم: جمع طمطمة، وهي ما لا يفهم من الكلام.
يقول: لما رأيت صفاته بلا واصف يصفها بحقائقها، غضبت لهذا الممدوح، فبصرت ببدائع شعري، وصار شعر غيري كالهذيان الذي لا معنى له.
فكنت إذا يمّمت أرضاً بعيدةً ... سريت فكنت السّرّ واللّيل كاتمه
الهاء في كاتمه للسر.
يقول: كنت أسير ليلاً مخفياً سيري، فكنت كأني سر في ضمي الليل، وهو يكتمني عن كل أحد.
وهذا البيت من بدائع هذه القصيدة وسيدها، وواسطة قلادتها.
لقد سلّ سيف الدّولة المجد معلماً ... فلا المجد مخفيه ولا الضّرب ثالمه
يقول: هو سيف سله المجد، ليضرب به رقاب البخل، فالمجد لا يخفيه والضرب لا يثلم حده.
على عاتق الملك الأغرّ نجاده ... وفي يد جبّار السّماوات قائمه
أي على عاتق الخليفة، لأنه من جملة أوليائه وأنصار دعوته. وقوله: وفي يد جبار السماوات قائمه أي أنه سيف الله يضرب به رءوس من كفر به وعبد إله غيره.
تحاربه الأعداء وهي عباده ... وتدّخر الأموال وهي غنائمه!
يقول: إن أعداءه يحاربونه، وهم عباده، يعلمون أنه يأسرهم ويستعبدهم ويجمعون الأموال وهم يعلمون أنه يغنمها!
ويستكبرون الدّهر والدّهر دونه ... ويستعظمون الموت والموت خادمه
يقول: إن الناس يستكبرون أمر الدهر في تصرفه، وهو أكبر منه قوة! ويستعظمون الموت وهو خادمه! يهلك من يأمره بقتله.
وإنّ الّذي سمّى عليّا لمنصفٌ ... وإنّ الّذي سمّاه سيفاً لظالمه
يقول: من سماه عليا فقد أنصفه؛ لأنه على المنزلة، رفيع المحل، ومن سماه سيفا فقد ظلمه؛ لأنه أمضى من السيف وأعظم تأثيراً منه.
وما كلّ سيفٍ يقطع الهام حدّه ... وتقطع لزبات الزّمان مكارمه
لزبات: أصله تحريك الزاي، ولكنه خففه وسكنه ضرورة: وهي الشدائد. يقول: من سماه سيفاً إنما ظلمه؛ لأن السيف عمله القطع فقط، وربما ينبو فلا يقطع رقاب الأعداء، والممدوح يكشف شدائد الزمان بمكارمه وبجوده فتسميته بالسيف ظلم؛ لأنه أعم منه نفعاً.
وقال أيضاً يمدحه وقد عزم على الرحيل عن أنطاكية:
أين أزمعت أيّهذا الهمام؟ ... نحن نبت الرّبا وأنت الغمام
الربا: جمع ربوة، وهي ما ارتفع من الأرض.
يقول: أي موضع عزمت أن ترحل إليه أيها السيد العظيم الهمة؟ فنحن محتاجون إلى مقامك احتياج نبت الربا إلى مطر الغمام، وخص نبت الربا؛ لأنه أحوج إلى سقيا الغمام، ولأن الروضة إذا كانت على ربوة كانت أحسن وأنضر وأخضر.
نحن من ضايق الزّمان له في ... ك وخانته قربك الأيّام
следующие страницы →