← Адаб

Адаб · id 753

معجز أحمد

أبو العلاء المعري

Полный текст (475 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يقول: دخلت حمصاً والشمس طالعة وشعاعها متقد وكأن نور وجهك بين العساكر غالباً لشعاع الشمس، والغرض به تفضيله على الشمس في الحسن والبهاء. في فيلقٍ من حديدٍ لو قذفت به ... صرف الزمان لما دارت دوائره الفيلق: العسكر؛ لأنه يفلق كل شيء أتى عليه يقول: دخلتها بجيشٍ من حديد؛ لكثرة ما عليهم من الحديد، لو رميت به صرف الدهر مع أنه لا يطيقه أحدٌ لما دارت دوائر صرف الزمان، ولا نفذت أحكامه. تمضي المواكب والأبصار شاخصةٌ ... منها إلى الملك الميمون طائره المواكب: جمع المواكب، وهو الجماعة من الناس، والمراد ها هنا الجيش. والهاء في منها: للكواكب وفي طائره. للملك. يقول: تسير الجماعات والأبصار شاخصة من بينها إلى الملك الميمون طائره دون غيره ممن معه من الجيش، وذلك لما له من الفضل والبهاء. قد حرن في بشرٍ في تاجه قمرٌ ... في درعه أسدٌ تدمى أظافره حزن: فعل الأبصار، والبشر: اسم يقع على الواحد وما فوقه من الناس، وأراد هاهنا الممدوح، والأظافر: جمع، وأصلها الأظافير فحذف الياء، وهو جمع أظفور بمعنى الظفر، أو جمع أظفار، فهي إذاً جمع الجمع لأن أظفاراً: جمع ظفر. يقول: تحيرت الأبصار في بشرٍ في تاجه قمرٌ، وهو وجهه، وفي درعه أسد، أي أنه شجاع، كأنه أسد، تدمى أظافيره بدماء الصيد. شبه وجهه بالقمر، ونفسه بالأسد، ومثله قول مسلم. كأن في سرجه بدراً وضرغاماً حلوٍ حلائقه شوسٍ حقائقه ... تحصي الحصى قبل أن تحصي مآثره الشوس: جمع أشوس. وشوساً، وهو الذي تصغر عينيه للنظر، ويضم أجفانه، وذلك فعل المبغض والعدو، والحقائق: جمع الحقيقة وهي ما يحق على الإنسان حفظه والذب عنه. والمآثر: جمع المأثرة، وهي ما يؤثر من فضل الإنسان. يقول: تحيرت الأبصار في بشرٍ خلائقه عذبة، وحقائقه محفوظة مرعية، ومآثره غير متناهية كثرة، بحيث يمكن إحصاء الحصا كلها، ولا يمكن إحصاء مآثره وعد محاسنه ومكارم أخلاقه وأفعاله. تضيق عن جيشه الدنيا ولو رحبت ... كصدره لم تبن فيها عساكره يقول: إن الدنيا مع سعتها تضيق عن جيش الممدوح لكثرته، ولو اتسعت الدنيا اتساع صدره، فكانت عساكره مع كثرتها لا تظهر فيها لسعة صدره، وهو كقول أبي تمام: ورحب صدرٍ لو ان الأرض واسعةٌ ... كوسعه لم يضق عن أهله بلد إذا تغلغل فكر المرء في طرفٍ ... من مجده غرقت فيه خواطره التغلغل: الدخول في المضيق. والهاء في مجده: للممدوح، وفي فيه: لطرف وفي خواطره: للمرء. يقول: إذا دخل فكر المرء في طرف من مجده، غرقت جوامع خواطره فيه، لعظمه ووفور مجده وشرفه، فإذا كان طرف منه بهذه الصفة، فكيف يتصور إحاطة الفكر بجميع مجده وشرفه؟! تحمى السيوف على أعدائه معه ... كأنهن بنوه أو عشائره تحمى: من الحمية والغضب. يقول: إن السيوف إذا كانت في يده وأيدي أوليائه، لفضل مضائه، كأنه تحمى وتغضب على أعدائه معه، حتى كأن السيوف بنوه أو أقاربه؛ لأنها تغضب لغضبه، ومثله لأبي تمام: كأنها وهي في الأوداج والغةٌ ... وفي الكلى تجد الغيظ الذي تجد إلا أن بيت المتنبي أبلغ؛ لذكره المناسبة والقرابة. إذا انتضاها لحربٍ لم تدع جسداً ... إلا وباطنه للعين ظاهره الهاء في باطنه وظاهره: للجسد. يقول: إن الممدوح إذا انتضى تلك السيوف من أغمادها عند الحرب، لم يترك من أعدائه جسداً إلا جعله إرباً إرباً، حتى تبدوا بواطن أجسادهم، أو يشق بطنه فتظهر منه الآلات الباطنة، أو يريق دمه الذي في باطن الجسد، فيظهر عند ما يسيل، فيصير في هذه الحالات باطن الجسد للعين ظاهراً. فقد تيقن أن الحق في يده ... وقد وثقن بأن الله ناصره يقول: إن السيوف تيقن أن الحق في يده، لما ازدادت قوة يده، وأيدي أوليائه، وقد وثقن بأن الله ينصره على أعدائه؛ فلهذا صرن مثل بنيه وعشائره في الحمية. ومثل قول النابغة: جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أول غالب تركن هام بني عوفٍ وثعلبةٍ ... على رءوسٍ بلا ناسٍ مغافره الهاء في مغافره: للهام.

стр. 37

يقول: إن هذه السيوف تركن هام هؤلاء القوم لما قطعن رءوسهم، عليها المغافر على رءوس بلا أجساد، وكانت الرءوس ملقاة على الأرض وعلى هاماتها المغافر، وعبر عن الأشخاص بالناس. فخاض بالسيف بحر الموت خلفهم ... وكان منه إلى الكعبين زاخره زخر البحر: إذا ارتفع موجه. يقول: خاض هذا الممدوح بسيفه خلف هؤلاء القوم، بحر الموت: يعني موضع القتال. واستحقر ذلك وإن كان عظيماً، حتى صار زاخر ذلك البحر ومتلاطمه من هذا الممدوح إلى الكعبين، يصف بذلك قلة مبالاته بالأمور العظام. حتى انتهى الفرس الجاري وما وقعت ... في الأرض من جيف القتلى حوافره روى: انتهى، وانثنى. يقول: من قتل منهم صار بحيث أن الفرس الجاري لم يضع وقت جريه حوافره إلا على جيف القتلى، ولا تقع حوافره على الأرض من كثرة القتلى. كم من دمٍ رويت منه أسنته ... ومهجةٍ ولغت فيها بواتره أصل الولغ: شرب السباع الماء بألسنتها، ثم كثر فصار اسماً للشرب مطلقاً. يقول: كم من دمٍ رويت منه أسنة الممدوح، وكم من نفس دخلت فيها سيوفه القواطع، وشربت منها حتى رويت، يعني أنه سفك دماء أعدائه فلم يبق له عدواً إلا قتله. وحائنٍ لعبت سمر الرماح به ... فالعيش هاجره والنسر زائره الحائن: الهالك. والهاءات: راجعة إليه. يقول: كم من هالك لعبت به الرماح السمر فأهلكته، حتى هجره العيش، فزاره النسر لأكل لحمه. من قال: لست بخير الناس كلهم ... فجهله بك عند الناس عاذره عاذره: أي قابل عذره. يقول: من لم يقل: خير الناس أنت، فهو جاهل، والجاهل إذا قال محالاً لجهله، فإن جهله يعذره عند الناس أجمعين. أوشك أنك فردٌ في زمانهم ... بلا نظيرٍ ففي روحي أخاطره أخاطره: أراهنه. يقول: من شك أنك فردٌ: لا نظير لك، فإني أراهنه وأشارطه بروحي وروحه، فحذف للدلالة، وإنما راهنه بروحه لفرط يقينه، أنه لا نظير له، فعلم أنه يفوز بالظفر، ويظفر بالخطر؛ لأن الروح أعز الأشياء يا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به مما أحاذره اعوذ، وألوذ: متقاربان في المعنى. يقول: يا من ألتجىء إليه في آمالي، ويا من أعتصم به مما أخشاه وأحذره من المكاره. ومن توهمت أن البحر راحته ... جوداً وأن عطاياه جواهره الهاء في جواهره: للبحر. يقول: يا من خلت أن راحته هي البحر وأن عطاياه هي جواهر البحر التي تخرج منه؛ لأن الجواهر لا تكون إلا من البحر. ارحم شباب فتىً أودت بجدته ... يد البلى وذوي في السجن ناضره الهاءات: كلها للفتى. يقول: ارحم شباب فتىً أهلكت البلى جدته، فأخلقته، وذبل في السجن ما كان ناضراً منه لا يجبر الناس عظماً أنت كاسره ... ولا يهيضون عظماً أنت جابره لا يهيضون: أي لا يكسرون ما تجبره أنت، ولا تجبر الناس ما تكسره أنت، يعني: أنهم لا يقدرون على رد أمرك ومثله قول الآخر: لا يجبر الناس عظم ما كسروا ... ولا يهيضون عظم ما جبروا وقال أيضاً يمدح شجاع بن محمد بن عبد العزيز بن الرضا المضاء الطائي المنبجي: عزيزٌ أسى من داؤه الحدق النجل ... عياءٌ به مات المحبون من قبل الأسى: جمع أسوة، وهي الصبر. والأسا: مصدر أسوت الجرح أسواً وأسياً. يقول: عزيز: أي قليل الوجود صبر من داؤه، أو مداواة من داؤه الحدق الواسعة، وهو داء عياء. ثم قال: به أي بهذا الداء. مات المحبون من قبل. ويجوز أن يكون المراد بالأسى الحزن، وعزيز: أي شديد صعب، يخشى عليه. وعزيزٌ: مرفوع بالابتداء وأسى خبره، وجاز البتدا بالنكرة لأنه في تقدير فعل، كأنه يقول: عزيز أسى، وداء عياء خبر ابتداء محذوف كأنه قال: وهو داء عياء. فمن شاء فلينظر إلي فمنظري ... نذيرٌ إلى من ظن أن الهوى سهل المنظر: موقع النظر عليه. يقول: من أراد أن يجرب هذا الداء فلينظر إلي، ليبصر نحول جسمي فإن منظري، أو حالي نذير ومخوف لمن ظن أن العشق هين، وأن الحب يمكن الخروج منه، والمقصد تعظيم أمر الهوى وقلة المداوة منه. وما هي إلا لحظةٌ بعد لحظةٍ ... إذا نزلت في قلبه رحل العقل

стр. 38

هي: ضمير قبل الذكر، والمراد به الخصلة، أو اللحظة المذكورة من بعد، وروى: وما هو، وأراد الهوى المذكور في البيت الذي قبله. والهاء في قلبه: ترجع إلى من في قوله من داؤه. يقول: لا يتولد الهوى إلا من نظرةٍ إثر نظرة، فإذا حلت تلك اللحظات المتكررة في القب، رحل العقل وزال بعد نزولها، فلا ينتفع بعد ذلك بالعقل. جرى حبها مجرى دمي في مفاصلي ... فأصبح لي عن كل شغلٍ بها شغل يقول: جرى حب هذه المرأة في جميع بدني، واستولى علي بجملتي وجرى مجرى الدم، أي أنه امتزج بجميع بدني كالدم الجاري فيه، فأصبح لي شغل بها، يشغلني عن كل شغلٍ هو سواه، وقيل معناه: أن هواها ذللني حتى عنها من شدة تأثيره في روحي وعقلي وبدني. هذا وروى: فأصبح عن غير شغلي بها شغل. ومن جسدي لم يترك السقم شعرةً ... فما فوقها إلا وفيها له فعل فما فوقها: يجوز أن يكون في العظم وفي الشعر، والهاء في فيها: للشعرة وروى: فيه وأراد به: الجسم. وفي له للسقم. يقول: لم يترك السقم من جسدي شعرة وما فوقها، في الصغر أو العظم، إلا وفيها للسقم تأثير وفعل، وتأثيره في الشعرة؛ لأن تحت كل شعرة منفذ إلى البدن، فيريد أن الحب وصل إلى كل مكان من جسده، وفعل السقم في الشعر: الشيب. وقيل: أراد بالشعرة: أقل شيء من جسده. إذا عذلوا فيها أجبت بأنةٍ ... حبيبتا قلبي فؤادي هيا جمل روى: بأنةٍ، ورنة: وهما واحد. وحبيتا: الألف فيه بدل من الياء، وأصله: حبيبتي على إضافة إلى الياء، إلا أنه أبدلها ألفاً، تخفيفاً. كقوله تعالى: " يا حسرتي على ما فرطت " والحبيبة تصغير الحبيبة. وأراد به: التخصيص لا التحقير. وقوله: قلبي أي: يا قلبي. وهو بدل من حبيبتا، وفؤادي بدل: من قلبي. وذلك نداء بعد نداء، وجميعها منصوب بالنداء المضاف. وهيا: حرف النداء. وجمل: اسم المرأة. وهو مبني على الضم بالنداء المفرد. يقول: إذ لاموني في حبها، كان مكان جوابي لهم بأنةٍ حكايتها: يا حبيبتي يا قلبي، يا فؤادي، يا جمل، وفيه تنبيه على أن الحبيب ينزل منزلة القلب، فلهذا، بين جواب العذال: أنها والقلب واحد. وقيل: تقديره يا حبيبتا قلبي أدركيني، فإني أشتكي قلبي ولا أبالي بملامة من يلومني فيها، ولا ألتفت إليه. كأن رقيباً منك سد مسامعي ... عن العذل حتى ليس يدخلها عذل الهاء في يدخلها: للمسامع، وهو جمع مسمع وهي الأذن. يقول: كأنك قد وكلت بي رقيباً منك يراقبني، من أن ألتفت إلى اللوام، فكأنه سد أذني عن دخول العذل فيها، فلا أسمع ما يقولون من هجرانك، والتسلي عنك، ومثله قول الآخر: كأن رقيباً منك يرعى خواطري ... وآخر يرعى ناظري ولساني ويجوز أن يريد: كأن الرقيب الذي يحفظك عني سد أذني عن سمع العذل فيك، حسداً منه على جريان ذكرك في سمعي؛ ذلك أني كنت بعد اللذة في سماع ذكره، كما قال أبو الشيص: أجد الملامة في هواك لذيذةً ... حباً لذكرك فليلمني اللوم كأن سهاد العين يعشق مقلتي ... فبينهما في كل هجرٍ لنا وصل يقول: كان السهر بالليل يعشق عيني، فبين الأرق والعين وصلٌ عند كل هجر لنا، يعني: أن الأرق لا يجد الوصال إلا عند هجران الحبيب. أحب التي في البدر منها مشابهٌ ... وأشكو إلى من لا يصاب له شكل فضل المحبوبة على البدر، فقال: أحب التي في البدر منها مشابهٌ: وهو جمع شبه، على غير القياس. فجعل منها شبهٌ في البدر، ولم يشبهها البدر بكليته ثم فضل الممدوح على المحبوبة. فقال: وأشكو إلى من لا يصاب له شكل: أي مثل فجعل في البدر منها شبهها، وجعل الممدوح بلا شبه. إلى واحد الدنيا إلى ابن محمدٍ ... شجاع الذي لله ثم له الفضل حذف التنوين من شجاعٍ: طلباً للتخفيف بسكونه، وسكون اللام من الذي. يقول: أشكو إلى من هو واحد أهل الدنيا الذي لله تعالى الفض ثم له. إلى الثمر الحلو الذي طيىءٌ له ... فروعٌ وقحطان بن هودٍ لها أصل

стр. 39

طيىء: قبيلة. وقحطان بن هود: أصل بعض العرب والهاء، في له: للثمر. وفي لها: لطيىء، والتأنيث لأجل القبيلة، ويجوز أن يكون التأنيث راجعاً إلى الفروع، وروى: له. والتذكير يرجع إلى اللفظ. لأن طيئاً لا تأنيث في لفظه، شبهه بالثمر الحلو، لأن في الثمار حامضاً ومراً، ثم جعل أباه غصناً من شجر طيب فروعه طيىء، وأصله قحطان بن هود. إلى سيدٍ لو بشر الله أمةً ... بغير نبيٍّ بشرتنا به الرسل يقول: وأشكو إلى سيد لو بشر الله أمةً بمن هو غير نبي، لبشرتنا رسل الله تعالى بهذا الممدوح، قبل وجوده، كما بشر الرسل عن الله تعالى بنبينا ﷺ . إلا أن العادة لم تجر بالبشارة، بغير الأنبياء ﵈. إلى القابض الأرواح والضيغم الذي ... تحدث عن وقفاته الخيل والرجل وروى القانص الأرواح: وهو الصائد، وروى: عن وقفاته ووقعاته. يقول: إلى الذي يقبض الأرواح في الحروب، وإلى الأسد الذي يتحدث عن وقعاته في الحروب الخيل. أي: أصحابها، والرجل: جميع الراجل. إلى رب مالٍ كلما شت شمله ... تجمع في تشتيته للعلي شمل شت: أي تفرق، وتجمع: أي اجتمع. يقول: أشكو إلى صاحب مالٍ كلما تفرق شمل المال يبذله، تجمع عنده للمعالي شمل، فيكون تفريقه له سبباً لاجتماع المعالي عنده، ومثله لأبي تمام: وليس بيانٌ للعلي خلق امرىء ... وإن جل إلا وهو للمال هادم همامٌ إذا ما فارق الغمد سيفه ... وعاينته لم تدر أيهما النصل يقول: هو كبير الهمة، يشبه السيف في مضائه وشدته، وبشاشة وجهه كصقالة السيف، فإذا فارق السيف غمده تشك فيهما حتى لا تعرف أيهما السيف وهو كقول أبي تمام: يمددن بالبيض القواضب أيدياً ... فهن سواء والسيوف القواطع رأيت ابن أم الموت لو أن بأسه ... فشابين أهل الأرض لانقطع النسل أراد بابن أم الموت: أخاه، يعني: أخا الموت. يقول: رأيت الممدوح أخا الموت، فلو أن بأسه وشدة قوته شاع بين أهل الأرض لانقطع النسل: أي نسل الخلق، لأنه يفنيهم ببأسه، ولأنهم يخافونه ولا يدنو ذكرٌ من أنثى فينقطع النسل. على سابحٍ موج المنايا بنحره ... غداةً كأن النبل في صدره وبل على فرسٍ سابحٍ موج المنايا بنحره: أي نحر الفرس في الغداة التي ترى فيها النبل متواتراً إلى صدره كأنه وبل: أي مطر. يعني: أن السهام لا تؤثر في صدر هذا الفرس، كما لا يؤثر فيه قطر الماء، وقيل: إن الهاء في صدره للممدوحن يعني: أن فرسه يلتقي موج الموت بنحره، وأن الممدوح يوم الحرية يلتقي السهام بنحره، فلا يبالي كأنها عنده قطر المطر. وكم عين قرنٍ حدقت لنزاله ... فلم تغض إلا والسنان لها كحل حدقت: أي أحدقت النظر إليه، والنزال: المنازلة، وهي المحاربة نازلاً. يقول: وكم عين مقارنٍ له: محارب، أحدت النظر إليه للمنازلة، فلم تغض إلا وصار سنان الرمح كحلاً لها. يعني: أنه جعل السنان لها موضع الكحل. إذا قيل: رفقاً! قال: للحلم موضعٌ ... وحلم الفتى في غير موضعه جهل رفقاً: نصب بفعل مضمر، أي ارفق رفقاً، أو استعمل رفقاً. يقول: إذا قيل له في الحرب: ارفق! قال: للحلم موضع، وليس هذا موضعه. وحلم المرء في غير موضعه جهل. ومنه قول الآخر: يناشدني حاميم والرمح شاجرٌ ... فهلا تلا حاميم قبل التقدم ولولا تولى نفسه حمل حلمه ... عن الأرض لانهدت وناء بها الحمل حمل حلمه: مفتوح لأنه مصدر، والحمل في آخره بكسر الحاء لأنه اسم. يقول: لولا الممدوح تولى حمل حلمه عن الأرض لانهدت الأرض من ثقل حلمه، وأثقلها الحمل، فجعل الحلم أعظم من الأرض؛ وهو مبالغة عظيمة. تباعدت الآمال عن كل مقصدٍ ... وضاق بها، إلا إلى بابه السبل الهاء في بها: للآمال، وفي بابه: للمدوح. يقول: لم يبق في الدنيا جوادٌ يقصد بالأمل سوى هذا الممدوح، فبعدت الآمال عن كل مقصد، وضاق بالأمل السبل من جميع الجوانب، إلا بابه، فهو المقصود إليه في الحوائج والآمال. ونادى الندى بالنائمين عن السرى ... فأسمعهم: هبوا فقد هلك البخل الندى: رفع لأنه فاعل نادى، والسرى: سير الليل. يقول: نادى العطاء بالذين ناموا عن السرى، لعدم الأسخياء الكرام، وغلبة البخلاء اللئام، ونبههم.

стр. 40

بقوله: هبوا فقد هلك البخل، لوجود هذا الرجل، الذي أصاب بالجود مقتل البخل. ويجوز أن يكون وصل عطاؤه إلى الناس، ومن دون أن يسافروا لأجله، فكأنه ناداهم ونبههم لوصوله إليهم في أوطانهم. وحالت عطايا كفه دون وعده ... فليس له إنجاز وعدٍ ولا مطل يقول: إن عطاياه اعترضت دون وعده وسبقته، فلا يحتاج إلى إنجاز وعد، ولا مطل ولا مدافعة؛ لأن هذه الأشياء لا تكون إلا بعد الوعد. فأقرب من تحديدها رد فائتٍ ... وأيسر من إحصائها القطر والرمل الهاء في تحديدها، وإحصائها: للعطايا، وكان الوجه أن يقول: وأيسر من إحصائها إحصاء القطر، إلا أنه حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. يقول: رد فائتٍ أقرب من تحديد عطاياه، وتحديد منحه. وعد قطر المطر، وحبوب الرمل: أهون من إحصاء نعمه؛ فكما لا تقدر الناس على هذين، كذلك تحديد عطاياه، وتعديد مننه غير مقدور عليه، بل ذلك دخل في المقدور. وما تنقم الأيام ممن وجوهها ... لأخمصه في كل نائبةٍ نعل تنقم: تعيب، وما: للسؤال. ومن في قوله: ممن هو الممدوح: والهاء في وجوهها: للأيام. وفي أخمصه: للممدوح والأخمص؛ باطن القدم. يقول: وما تنكر الأيام، وتعيب من رجل، وجوه الأياه نعلٌ لأخمصه في كل نائبة ومحنة، يعني أن الأيام تابعة له ومطيعة، وهو يعلوها حتى يطأ وجوهها، فتكون بمنزلة النعل لأخمصه. أي باطن قدمه. وما عزه فيها مرادٌ أراده ... وإن عز إلا أن يكون له مثل عزه: أي غلبه. يقول: لم يتعذر عليه مراد طلبه، وإن كان ذلك صعباً شديداً، إلا أن يريد أن يأتي بمثل له، فإنه يتعذر عليه وجوده لأنه لا مثل له. كفى ثعلاً فخراً بأنك منهم ... ودهرٌ لأن أمسيت من أهله أهل الرواية الصحيحة نصب دهراً عطفاً على ثعل وقوله: بأنك منهم رفع: لأنه فاعل كفى وأهل رفع: بخبر ابتداء محذوف. كأنه قال: هو أهلٌ لأن أمسيت من أهله، فارتفع أهلٌ وصفاً لدهر، وارتفع دهرٌ بفعل مضمر، تقديره: ليفخر دهرٌ أهلٌ، لأن أمسيت من أهله. يقول: كونك منهم، كفاهم فخر كونك أهلاً له وهذا وما قبله إفراط في المدح. وويلٌ لنفسٍ حاولت منك غرةً ... وطوبى لعينٍ ساعةً منك لا تخلو طوبى له: أي خير له، وقيل: أصله من الياء. وهو من طيب. يقول: ويلٌ لمن طلب منك غفلة؛ فإنه إذا طلب ذلك قتلته، وهو لا يظفر بك، وطوبى لعين منك لا تخلو ساعة، فإنها تكون في الراحة وترتع في روض محاسنك. فما بفقيرٍ شام برقك فاقةً ... ولا في بلادٍ أنت صيبها محل يقول: ليس لفقير أبصر برقك ونظر جودك فاقة، وليس في بلادٍ أنت قطرها قحطٌ ولا جدب. وقال أيضاً يمدحه: اليوم عهدكم فأين الموعد؟ ... هيهات! ليس ليوم عهدكم غد وروى: اليوم وعدكم وكذلك في الثاني؛ لأنهما متقاربان في المعنى. يقول: اليوم لقاؤكم، وهو آخر اليوم الذي اجتمعنا فيه، فعرفوني أين الموعد للقاء الثاني؟ ثم قال: هيهات: أي ما أبعد ما أطلب! ليس ليوم وعدكم غدٌ أبلغ إليه. وقيل معناه: اليوم ميعادكم الذي وعدتموني فأنجزوا لي وعدي، وهو وعد الملاقاة والوصل ثم قال: هيهات! ليس ليوم وعدكم غدٌ. أي أموت وقت فراقكم، فلا أعيش إلى غد ذلك اليوم. ومثله قول الشاعر: قالت أسير غداً فقلت لها ... هدد ببينك من يعيش غداه والأصل في البيت قول أبي تمام. قالوا الرحيل غداً لا شك قلت لهم ... الآن أيقنت أن اسم الحمام غد الموت أقرب مخلباً من بينكم ... والعيش أبعد منكم لا تبعدوا روى مخلباً: وهو للسبع كالظفر للإنسان، ويروى مخلباً؛ وهو مصدر خلب يخلب: إذا أخدع، خلابةً ومخلباً، أو يكون مصدراً من خلب: إذا اختطف. وروى لا تبعدوا: من البعد في المسافة. ولا تبعدوا: من الهلاك. يقول: الموت أقرب إلي من فراقكم، لأني أموت قبل أن تبينوا عني، خوفاً من فراقكم، ومهما فارقتموني كان العيش أبعد منكم، لأنه يعدم البتة، فهو أبعد منكم، لأنه لا يرجى عوده، وإذا بعدتم كنتم موجودين. ثم قال: لا تبعدوا. يعني لأن ببعدكم تبعد الحياة مني، وقيل: إنه دعاء للأحباب بألا يهلكوا، بل يبقوا سالمين، وبأن يقربوا منه. وهو تفسير البيت الأول. إن التي سفكت دمي بجفونها ... لم تدر أن دمي الذي تتقلد

стр. 41

تتقلد: من قولك تقلد فلانٌ دم فلانٍ إذا باء بإثمه. يقول: المرأة التي سفكت دمي بجفونها الحسنة، لم تعلم أن الذي تتقلده وتبوء به هو دمي. يعني: أنها قتلتني بجفونها الملاح، وأنها لم تعلم أني قتيلها بتلك الجفون. قالت وقد رأت اصفراري: من به؟ ... وتنهدت فأجبتها: المتنهد من به: أي فعل به، أو من المطالب به. وتنهدت: أي تنفست. وقيل: تنهدت المرأة؛ إذا رفعت صدرها وثديها. يقول: إن هذه المرأة لما رأت ما بي من الاصفرار قالت مستفهمة: من فعل به ذلك؟ من المطالب به؟ وتنفست عند ذلك ترحماً لي، لما شاهدت من حالي فأجبتها: المتنهد. أي قلت: الذي فعل بي ذلك هو المتنفس. وإنما لم يقل: المتنهدة؛ لأنه رده على معنى الإنسان أو الشخص، ومعناه أن الذي حصل بي منك دون غيرك، أي أنت فعلت ذلك. فمضت وقد صبغ الحياء بياضها ... لوني كما صبغ اللجين العسجد اللجين: الفضة، والعسجد: الذهب. هذا البيت يفسر على وجوه: أحدها: أنها مضت عني لما قلت لها في البيت الذي قبله، وقد صبغ الحياء والخجل بياضها، يعني أنها لما استحيت مما قلت لها احمر لونها ومضت، ثم عدل عن ذلك إلى وصف نفسه فقال: لوني كما صبغ الفضة الذهب. أي اصفر وجهي. وقال بعضهم: معناه أن الحياء صبغ لونها أحمر، ثم لحقها الخوف في الوقت من الرقباء أن يروها، فاصفر لونها لذلك الفزع بعد الخجل، فيكون تقديره: صبغ الحياء بياضها لوناً كلوني؛ لأن الحياء إذا كان مع الخوف يصفر الوجه. وقيل: أيضاً لأن الحياء يجلب اللونين معاً؛ لأن المستحي يحمر أولاً ثم إذا فكر فيما حصل منه الحياء، يصفر لونه، فيصير كصاحب الخوف، فكأنه ذكر الحالة الثانية فبين أنها خجلت واستمر بها الخجل والحياء حتى اصفر لونها، فصار كلوني الذي هو كلون الذهب الممتزج بالفضة. فرأيت قرن الشمس في قمر الدجى ... متأوداً غصنٌ به يتأود قرن الشمس: أول ما يبدو منها، وهو يضرب إلى الصفرة، وذلك يدل على استحالة لونهاأصفر، وأراد به الصبغ الذي حصل في وجه المرأة الذي هو كالقمر، وأراد: أن وجهها بمنزلة قرن الشمس، وقمر الدجى. وقصد تشبيهه بهما جميعاً، وقوله: متأوداً: أي متمايلاً يتأود به غصن: وهو قد المرأة والهاء في به: ترجع إلى قرن الشمس. فمعناه: رأيت متمأوداً يتأود به غصن. عدويةٌ بدويةٌ من دونها ... سلب النفوس ونار حربٍ توقد وهواجلٌ وصواهلٌ ومناصلٌ ... وذوابلٌ وتوعدٌ وتهدد العدوية: منسوبة إلى بني عدي. والبدوية: منسوبةٌ إلى البدو. والسلب: الاختطاف. والهواجل: جمع الهوجل، وهو الأرض المطمئنة، والصواهل: جمع الصاهل من صهيل الفرس، وهو صوته. والمناصل: جمع المنصل، وهو السيف، والذوابل، جمع الذابل وهو الرمح. يقول: إن هذه المرأة من أبناء الكرام ومن دون الوصول إليها هذه الأشياء. أبلت مودتها الليالي بعدنا ... ومشى عليها الدهر وهو مقيد يقول: أخلقت الليالي وتطاولها مودتها بعدي وبعدها، ومشى على ذلك الدهر فأفسدها بمشيه عليها وهو مقيد، وذلك لأنه إذا كان مقيداً كان أثقل وطئاً لاعتماده على الرجلين، وقصر خطوه، فيحطم الشيء إذا مشى عليه. وهي مبالغة مليحة وصنعة في الشعر حسنة. أبرحت يا مرض الجفون بممرضٍ ... مرض الطبيب له وعيد العود أبرحت: أي جاوزت الحد. يخاطب مرض الجفون، أو يكون المرض بمعنى المريض، فكأنه يقول: يا مرض الجفون الذي في عينيها، أو يا مريض الجفون، تجاوزت الحد، بممرض يعني: به نفسه، حتى مرض الطبيب له، ومرض عواده، فعادهم الناس، وإنما مرضوا رحمةً له واغتماماً لشدة حاله ورقةً عليه لما رأوا مابه من الهزال. يقول: أمرض الأطباء حزنهم لقصورهم عن شفائه لعظم دائه. فله بنو عبد العزيز بن الرضا ... ولكل ركبٍ عيسهم والفدفد الهاء في فله: للممرض، وعنى به نفسه. يقول: بنو عبد العزيز بن الرضا: الذين هم الممدوحين يكفوني لأني ألجأ إليهم في أحوالي وأجعلهم سبباً لإدراك آمالي، وكذلك أيضاً ركب هؤلاء، فمنهم عيسهم؛ لأن عطايا الأرض التي هي من ملكهم، يريد أنهم ملوك الدنيا، وأنه لا مقصود من الناس غيرهم.

стр. 42

وقيل إن معناه: إن هؤلاء لي ولغيري، ممن لا يقصدهم، ليس إلا العيس التي يركبونها والمفاوز التي يقطعونها، إذ لا يحصلون بقصدهم غيره إلا على الطلب، وأنا قد ظفرت بالمطلوب بقصدي إياهم. من في الأنام من الكرام ولا تقل ... من فيك شأمٌ سوى شجاعٍ يقصد؟ من: للاستفهام، والمراد: الإنكار، وقوله: شأم: أي يا شأم، ومعناه: من في الأنام من الكرام سوى شجاع، ولا تقل من فيك يا شأم. يعني: أنه المقصود في الدنيا للخلق، فهو واحد الناس في الناس، لا واحد الشأم وبعض من الدنيا. أعطى فقلت: لجوده ما يقتنى ... وسطاً فقلت: لسيفه ما يولد يقتنى: أي يدخر. وسطاً: من السطوة، وهي القهر، والغلبة، والحملة في الحرب وما بمعنى: الذي. يقول: بالغ الممدوح في الإعطاء حتى قلت: إن ما يقتنيه الناس من الأموال لجوده ليفرقها، وبالغ في سطواته حتى قلت: إن لسيفه كل ما يولد. وتحيرت فيه الصفات لأنها ... ألفت طرائقه عليها تبعد يقول: صارت صفات الواصفين متحيرة فيه لأنها يعني الصفات وجدت طرائق هذا الممدوح بعيدة عليها، ثم وصف بعض طرائقه فقال: في كل معتركٍ كلىً مفريةٌ ... يذممن منه ما الأسنة تحمد الكلى: جمع الكلية. والمفرية: المقطوعة. ويذممن: فعل الكلى وتحمد: فعل الأسنة. يقول: إن من طرائق الممدوح أنه شجاع، وله في كل موضع حرب كلى مقطوعة للقتلى، تذم الكلى المفرية من فعله، ما تحمد أسنة الرماح. وذلك الشيء هو الكلى. نقمٌ على نقم الزمان تصبها ... نعمٌ على النعم التي لا تجحد نقم الزمان: نوائبه. يقول: هذا الممدوح نقمة مصبوبة على نقم الزمان، وهي في الحقيقة نعم على النعم التي أنعم بها على الناس. يعني: إن الممدوح يدفع نوائب الزمان، فهو نعمة عليها وتلك نعمة على الناس، لأنهم يأمنون بها نوائب الدهر وهي نعمة متتابعة، مترادفة ولا يمكن أحد أن يجحدها لكثرتها وشهرتها. في شأنه ولسانه وبنانه ... وجنانه عجبٌ لمن يتفقد يقول: في كل واحد من هذه الأربعة من الممدوح عجب لمن تأمله! ففي شأنه: أعجب عظماً، وكبر همة، وفي لسانه: فصاحة، وفي بنانه: كتابة وسخاء، وضرباً وطعناً، وفي جنانه: قوة ونجدة وذكاء وشجاعة، وعلماً وفطنة وغير ذلك. أسدٌ، دم الأسد الهزبر خضابه ... موتٌ، فريص الموت منه يرعد الهزبر: من صفات الأسد، ويريد به المبالغة في الشدة. والفريص: بالفاء جمع فريصة، وهي لحمة تحت الكتف. يقول: هو أسد عادته قتل الأسود، فدم الأسد القوي خضابه الذي يتخضب به عند قتله إياه، وهو أيضاً موت، لإفنائه الأعداء، وترعد منه: أي الموت يفزع منه. ما منبجٌ مذ غبت إلا مقلةٌ ... سهدت ووجهك نومها والإثمد الإثمد: ما يجعل في العين مما ينفع. يقول: ما هذه البلدة بفراقك إلا كمقلة سهرت شوقاً إليك فغاب عنها نومها وكحلها، فلما عدت إليها نامت فرحاً بقدومك؛ فعاد إليها نومها وكحلها ووجدت روحاً وسكوناً. فالليل حين قدمت فيها أبيضٌ ... والصبح منذ رحلت عنها أسود يقول: إن الليل بقدومك هذه البلدة صار ضياء، كما كان ضوء النهار ظلاماً عند غيبتك عنها، وهذا المعنى مأخوذ من قول أبي تمام: وكانت وليس الصبح فيها بأبيضٍ ... فأمست وليس الليل فيها بأسود ما زلت تدنو وهي تعلو عزةً ... حتى توارى في ثراها الفرقد كل تاء تأنيث في البيت، وفيما قبله، وفيما بعده: كناية عن منبج، لأجل البقعة، والبلدة. يقول: ما زلت تقرب منها وهي ترتفع تشرفاً بك، واعتزازاً بمكانك، حتى علت السماء فتوارى الفرقد في ترابها وبقعتها. أرضٌ لها شرفٌ سواها مثلها ... لو كان مثلك في سواها يوجد يريد أن علوها لمكان الممدوح فيها. فقال: إن هذه الأرض بلدة شريفة. سواها من الأرضين مثلها، لو كان مثلك موجوداً فيها. أبدى العداة بك السرور كأنهم ... فرحوا وعندهم المقيم المقعد بك: أي بسببك. يقول: إنهم أظهروا السرور بك، وبقدومك، وفي قلوبهم من كراهة ذلك من الخوف والغم ما أقامهم وأقعدهم، فأضمروا العداوة في الباطن، وإن كانوا على توددٍ في الظاهر وعندهم من الغم المقيم المقعد. قطعتهم حسداً أراهم ما بهم ... فتقطعوا حسداً لمن لا يحسد

стр. 43

قطعتهم: مبالغة في القطع. يقول: جعلت العداة قطعاً؛ غيظاً وحسداً عليك، حتى أراهم حسدهم ما بهم من التقطع والذلة والنقص والمرض وتغير اللون، فتقطعوا حسداً لما فيك من الفضل، وأنت لا تحسد أحداً لأنك قد جمعت الفضائل الكلية، والحسد من دأب الناقصين، فأنت تحسد ولا تحسد أحداً. حتى انثنوا ولو ان حر قلوبهم ... في قلب هاجرةٍ لذاب الجلمد انثنوا: أي رجعوا. والجلمد: الحجر الصلب. يقول: تقطعوا حسداً حتى رجعوا، وفي قلوبهم من الحر حسداً وكمداً؛ ما لو كان ذلك الحر في قلب هاجرة النهار، لذاب بحرارتها الحجر الصلب، وجعل للهاجرة قلباً لما ذكر قلوبهم لازدواج الكلام. نظر العلوج فلم يروا من حولهم ... لما رأوك وقيل: هذا السيد العلج: أصله حمار الوحش، وجمعه علوج. والمراد به: الكفار من أهل الروم. يقول: لما رأوك الحساد دهشوا، وأظلمت الدنيا عليهم فزعاً منك، واستصغروا من حولهم من العساكر، استعظاماً لك من هيبتك، حتى أنهم لم يروا من حولهم من الخيل والحشم لاشتغالهم برؤيتك، ولأنك فقتهم حسناً وقيل لهم: هذا السيد. بقيت جموعهم كأنك كلها ... وبقيت بينهم كأنك مفرد يقول: لقيت جموع أولئك كأنك بوحدتك جملتهم، لموازنتك إياهم، وبقيت أنت بينهم مفرداً، لا نظير لك. وهذا تأكيد للمصراع الأول. لهفان يستوبي بك الغضب الورى ... لو لم ينهنهك الحجا والسؤدد لهفان: نصب على الحال من الغضب، وقيل بقيت لهفان، ويستوبى: من الوباء، وأصله الهمز فأبدله ضرورة، ومعناه: يفنى ويهلك، والغضب: فاعل يستوبى، والورى مفعوله ويجوز: أن يكون يستوبى: أي يوبى الغضب الذي بك. والباء في بك زائدة والورى: فاعله، والغضب مفعوله. يقول: غضبك يكاد يهلك الناس، لو لم يكفك العقل والسؤدد، فبقيت لهفان بين الغضب المهلك، وبين العقل والسؤدد. كن حيث شئت تسر إليك ركابنا ... فالأرض واحدةٌ وأنت الأوحد أي كن في أي مكان شئت، فليس لنا، ولا لركابنا مسرى إلا إليك؛ لأن الأرض واحدة، وأنت مالكها. وإنك أنت أوحد، لا نظير لك ولا شبيه. وصن الحسام ولا تذله فإنه ... يشكو يمينك والجماجم تشهد لا تذله: أي لا تذله، فخفف. يقول: صن سيفك واغمده ولا تذله فتفنيه من كثرة استعماله فإنه يفنى الحسام وتشكو يمينك، من كثرة ضرب الجماجم: وهي عظام الرءوس تشهد له بذلك، ومن حق السيف عليك أن تصونه ولا تهينه وهذا نظير قوله: شم ما االتضيت فقد تركت ذبابة ... قطعاً وقد ترك العباد جذاذا يبس النجيع عليه فهو مجردٌ ... من غمده فكأنما هو مغمد النجيع: دم الجوف. وقيل: الدم الطري. يقول: قد جف الدم على حسامك وهو مجرد عن غمده، لكنه من الدم اليابس عليه كأنه مغمد. ريان لو قذف الذي أسقيته ... لجرى من المهجات بحرٌ مزبد ريان: ضد عطشاً، وهو نصب على الحال. والمهجة: دم القلب. يقول: هذا السيف ريان من الدماء؛ لكثرة ما أسقيته من دماء القتلى، فلو رمى ما أسقيته من الدماء لجرى منها بحرٌ، يعلوه الزبد لغزارته. ما شاركته منيةٌ في مهجةٍ ... إلا وشفرته على يدها يد التذكير الذي في البيت: للحسام، والتأنيث: للمنية. وشفرة السيف: حده. يقول: ما شاركت المنية هذا السيف في نفس من الأنفس، إلا وحده على يد المنية يدٌ فتكون يده فوق يدها. ومثله لأبي تمام قوله: مطلٌ على الآجال حتى كأنه ... لصرف المنايا في النفوس مشارك غير أن المتنبي فضل السيف على المنية، وأبو تمام سوى بينهما. وقيل: إنما شاركته المنية فزعاً منه؛ لأن السيف يدٌ على يدها، يمنعها ويعوقها. إن الرزايا والعطايا والقنا ... حلفاء طيٍّ غوروا أو أنجدوا حلفاء: جمع حليف، وهو الجار المحالف على الولاية، وطيٍّ: أراد طيئاً فخفف. يقول: إن المصيبات، والعطيات، والرماح حلفاء طيىء، غير مفارقة عنهم، أينما حلوا نجداً أو غوراً، سهلاً أو جبلاً. صح: يال جلهمة. تذرك، وإنما ... أشفار عينك ذابلٌ ومهند جلهمة: قبيلة المدوح. والأشفار: يريد بها الأهداب هاهنا. يقول: ناد أيها الممدوح وقل: يال جلهمة، تدرك، وقد أحاطوا بك برماحهم وسيوفهم، حتى كأن أشفار عينك سيف ورمح، لكثرة سيوفهم ورماحهم.

стр. 44

وفيه معنى آخر: وهو أنك إذا صحت بهم جاءوك واجتمعوا عندك، وهابوك، حتى كأن أشفار عينك إذا نظرت إليهم، ذابلٌ ومهند؛ لهيبتك في قلوبهم ولطاعتهم لك. من كل أكبر من جبال تهامةٍ ... قلباً ومن جود الغوادي أجود الجود: المطر الشديد، والغوادي: جمع غادية، وهي السحابة التي تنشأ غداة. يقول: إن كل رجل منهم أكبر من جبال تهامة وأسخى من السحاب التي تأتي غدوة. وهذا يمكن أن يكون متعلقاً بقوله: أشفار عينك ذابلٌ ومهند من كل رجلٍ أكبر من جبال تهامة. ويمكن أن يكون للقسمة والتبعيض، كما يقال: رأيت من الناس ذاهبٌ. أي من هو ذاهب. يلقاك مرتدياً بأحمر من دمٍ ... ذهبت بخضرته الطلى والأكبد أحمر: صفة لمحذوف، يعني: بسيف أحمر من دم. يقول: الذي هو أكبر من جبال تهامة قلباً، يراك متقلداً بسيف أحمر، مما عليه من دماء الأعداء، صبغت خضرته وصقاله دماء الأعناق والأكباد، وسترها فيأتيك به. حتى يشار إليك ذا مولاهم ... وهم الموالي والخليقة أعبد يقول: حتى يطاعون لك منقادون لأمرك، ويشار إليك فيقال: ذا مولاهم أي سيدهم وهم مع ذلك سادات الناس كلهم، فأنت سيدهم، والخلق عبيدهم، فأنت سيد السادات. أنى يكون أبا البرية آدمٌ ... وأبوك والثقلان أنت محمد تقديره: كيف يكون آدم أبو البرية، وأبوك محمد، وأنت الثقلان. يريد: إذا كنت أنت الثقلين، وأبوك محمد، فأبو البرية إذاً أبوك! لا آدم! والثقلان: الجن والإنس. ومثله قول الآخر: وليس على الله بمستنكرٍ ... أن يجمع العالم في واحد يفنى الكلام ولا يحيط بفضلكم ... أيحيط ما يفنى بما لا ينفد؟ أيحيط، استفهام: والمراد به الجحد. ويفنى وينفد بمعنى، فلذلك وضع أحدهما موضع الآخر. يقول: يفنى كلام الشعراء في مدحكم فلا يحيط بفضلكم؛ لأن للكلام نهاية وليس لفضلكم نهاية، فكيف يحيط المتناهي بما لا يتناهى؟!. وقال في أبي دلف وكان قد حبسه الوالي لشيء بلغه عنه، وأبو دلفٍ هذا سجانٌ حبس المتنبي عنده مدة سنتين وقد أهدى إليه هدية وهو في السجن: أهون بطول الثواء والتلف ... والسجن والقيد يا أبا دلف أهون: أي ما أهون طول الثواء، وهذا إن بناه من الإهانة فهو من الشاذ. كقولهم: ما أعطاه للمال. لأن ما زاد على الثلاثة لا يبنى منه فعل التعجب، إلا بلفظ ثلاثي، فكأنه يقول: ما أشد الإهانة بطول الثواء والتلف. وإن كان من هان يهون فهو صحيح يدل عليه ما بعده من الأبيات، وكان قد حبس في السجن، وكان يتعهده رجلٌ يعرف بابن كنداج كنية أبي دلف، يأتيه بالطعام وغيره، فشغل عنه يوماً، فكتب إليه بهذه الأبيات يقول مخاطباً لأبي دلف: ماأيسر طول الثواء والهلاك علي، والسجن والقيد كل ذلك هين علي وهذا يدل على أنه كان محبوساً. غير اختيارٍ قبلت برك بي ... والجوع يرضي الأسود بالجيف يقول: قبلت برك بي عن غير اختيار بل بالاضطرار الواقع، كما أن الأسد إذا جاع، ولم يظفر بفريسةٍ، يأكل الجيف اضطراراً! كذلك حالي، في قبول برك. كن أيها السجن كيف شئت فقد ... وظنت للموت نفس معترف التوطين: جعل النفس وطناً. يقول للسجن: كن كيف شئت علي، فإني قد وطنت نفسي للموت، توطين المعترف بالشيء، الراضي به، المقر بالموت، الذي سكن إليه. وقيل: المعترف الصابر. يعني: وطنت للموت نفسي نفس رجل صابرٍ على الشدائد. لو كان سكناي فيك منقصةٌ ... لم تكن الدر ساكن الصدف يقول: لو كان كوني في السجن توجب منقصة وذلاًّ لكان كون الدر مع جودته وعلو قدره في الصدف الذي هو أخس حيوان البحر يوجب له النقص. فكما لا تؤثر خسة الصدف في قدر الدر، كذلك حالي في السجن. وهذا تسلية لنفسه. وكان قوم ي صباه قد وشوا به إلى السلطان وكذبوا عليه وقالوا: قد انقاد له خلقٌ من العرب، وقد عزم على أخذ بلدك، حتى أوحشوه منه فاعتقله وضيق عليه، فكتب إليه يمدحه: أيا خدد الله ورد الخدود ... وقد قدود الحسان القدود أيا: يحتمل أن يكون حرف نداء، والمنادى محذوف، وتقديره: أيا قوم. ويحتمل أن يكون افتتاح الكلام. مثل أما وألا وخدد: أي شقق. وقد: أي قطع، وأصله القطع طولاً. والقدود: جمع القد، وهو القامة. قال يدعو على ورد الخدود والقدود الحسنة، وفيه وجهان:

стр. 45

أحدهما: أن يكون على عادة العرب، في أنهم إذا استحسنوا شيئاً وتعجبوا منه دعوا عليه! نحو قولهم: قاتل الله فلاناً ما أفصحه!. والثاني: أن يحمل على حقيقة الدعاء عليها. فيقول: شقق الله ورد الخدود وقطع قدود الحسان قدوداً، فإني قد لقيت منها بلاءً وجهداً، وقاسيت منها مشقة، ويدل عليه قوله فهن أسلن دما مقلتي ومثله لجميل: رمى الله في عيني بثينة بالقذى ... وفي الغر من أنيابها بالقوادح فهن أسلن دماً مقلتي ... وعذبن قلبي بطول الصدود يقول: هن أسلن من مقلتي دماً؛ من بكائي عليهن، وعذبن قلبي بطول إعراضهن عني. وروى مهجتي أي قتلنني وسفكن دمي. وكم للهوى من فتىً مدنفٍ ... وكم للنوى من قتيلٍ شهيد المدنف: الذي طال مرضه. يعتذر من قوله فهن أسلن دماً. فيقول: ما أنا بأول عاشقٍ قتل شهيداً، فكم للهوى من فتىً قد دنف وصار إلى شرف الموت، وكم للنوى من قتيلٍ شهيدٍ مثلي، قد قتله الحب، كما قتلني شهيداًز فواحسرتا ما أمر الفراق ... وأعلق نيرانه بالكبود يقول: واحسرتا على نفسي من مفارقة الأحباب، فما أمر الفراق وأشد مرارته! وما أشد علق نيران الفراق بالكبود! وجمع الكبود ذهاباً إلى العموم، فكأنه قال: ما أعلق نيرانه بكبود العشاق. وروى: وأحرق نيرانه بالكبود. وأغرى الصبابة بالعاشقين ... وأقتلها للمحب العميد! قوله وأغرى: تعجب من غرى بالشيء إذا ولع به. والصبابة: رقة الهوى. والعميد: المصاب عمود قلبه. يقول: ما أولع الصبابة والشوق بالعشاق، وما أقتلها للمحب المصاب قلبه! يتعجب من ولع الهوى وقتله للعشاق. وألهج نفسي لغير الخنا ... بحب ذوات اللمى والنهود ألهج: أي أعرض، وأولع. واللمى: حمرة الشفة تضرب إلى السواد. والنهود: نتوء الثدي. يقول: ما أولع نفسي بحب النساء، لمى الشفاة، نواهد الثدي، الموصوفات بالحسن والجمال، لا الخنا: الذي هو داعية الزنا، لكن لأجل النظر فقط. فكانت وكن فداء الأمير ... ولا زال من نعمةٍ في مزيد أي كانت نفسي المذكورة، وذات اللمى والنهود فداء الأمير الممدوح. على وجه الدعاء، ثم ذكر دعاءً آخر فقال: ولا زال الأمير من الله تعالى في زيادة تامة من النعمة. لقد حال بالسيف دون الوعيد ... وحالت عطاياه دون الوعود الوعود: جمع الوعد، وهو مصدر وعد. فيكون بمعنى: الوعد. يقول: حال الأمير بسيفه دون الوعيد، فيقتل قبل أن يوعد، وحالت عطاياه دون الوعد؛ فيعطي قبل أن تعد. فالأول: يدل على فضل قوته، والثاني: على فضل سخائه وجوده. فأنجم أمواله في النحوس ... وأنجم سؤاله في السعود أنجم أمواله منحوسةٌ لتفريقه إياها، وأنجم سؤاله مسعودة لاستغنائهم بما يبذله لهم من الأموال ويفرقه بينهم. ولو لم أخف غير أعدائه ... عليه لبشرته باللود يقول: لو كان الخوف على الممدوح من أعدائه وحدهم، لكنت في أمنٍ دونهم، فبشرته بدوام الحياة غير إنما أخاف عليه من غير أعدائه، وهو الله تعالى، ذو القضاء المبرم في جميع الناس. والغرض هو الاستخفاف بأعدائه. وروى: عين أعدائه يعني: أن يصيبوه بعيونهم السيئة. رمى حلباً بنواصي الخيول ... وسمر يرقن دماً في الصعيد الصعيد: التراب الخالص. وقيل: هو ظاهر الأرض. يقول: رمى حلباً بوجوه خيله، لما حاربها برماح له، تريق دماء أعدائه في الصعيد: أي التراب. وبيضٍ مسافرةٍ ما يقم ... ن لا في الرقاب ولا في الغمود يقول: رماها بسيوفٍ مسافرةٍ، غير مستقرة في رقاب الأعداء ولا في غمودها؛ لأنها تتقدم من رقاب إلى رقاب، ومن قتيل إلى قتيل، فليس لها قرار؛ لكثرة ما تستعمل في الضرب فكأنها مسافرة غير مقيمة في غمد أو عنق. يقدن الفناء غداة اللقاء ... إلى كل جيشٍ كثير العديد يقدن: فعل السيوف التي لا تقيم في غمد، أو عنق. يقول: يقدن أي يسقن الفناء غداة اللقاء للحرب، إلى كل جيش كثير العدد؛ فهذا فعلهن وسفرهن. فولى بأشياعه الخرشني ... كشاءٍ أحس بزأر الأسود الخرشني: هو والي حلب، وخرشنة. هو الحصن في بلاد الروم. يقول: ولي الخرشني الذي حاربه الأمير بأصحابه وأشياعه، كانهزام الشاة عند ما تحس بصوت الأسد.

стр. 46

يرون من الذعر صوت الرياح ... صهيل الجياد وخفق البنود يقول: انهزموا عنه، وخافوه، حتى ظنوا صوت الرياح أنه صهيل خيوله وخفق أعلامه، وأنهم إذا رأوا شيئاً ظنوه رجلاً ومثله قول جرير: ما زلت تحسب كل شيءٍ بعدهم ... خيلاً تكر عليهم ورجالا والأصل في ذلك قوله تعالى: " يحسبون كل صيحةٍ عليهم هم العدو ". فمن كالأمير ابن بنت الأمي ... ر أم من كآبائه والجدود؟ من: استفهام. ومعناه النفي. يقول: ليس أحد مثل الأمير وليس أحد كأبيه وأجداده، وهو أيضاً كريم من جهة الأمهات. سعوا للمعالي وهم صبيةٌ ... وسادوا وجادوا وهم في المهود يقول: إن الممدوح وأباءه وأجداده قد سعوا في طلب المعالي في حال صباهم، وسادوا غيرهم، وجادوا بأموالهم، وهم أطفال في المهود، والغرض المبالغة في سؤددهم وكرمهم. وروى: وشادوا أي بنوا المجد ورفعوه. أمالك رقىً ومن شأنه ... هبات اللجين وعتق العبيد الواو في قوله: ومن شأنه، واو الحال. ويجوز: أن يكون واو العطف، ومن في موضع النصب، وتقديره إذاً يكون: يا مالك رقىً ويا من شأنه هبات الفضة وإعتاق العبيد. دعوتك عند انقطاع الرجا ... ء والموت مني كحبل الوريد حبل الوريد: عرق في العنق، يتصل بالقلب. يقول: دعوتك لما انقطع الرجاء من الحياة، وقرب الموت مني، كقرب حبل الوريد. دعوتك لما براني البلى ... وأوهن رجلي ثقل الحديد براني: أي أنحلني، وقطعني، والبلى: مصدر بلى الشيء. وروى: لثقل الحديد. يقول: دعوتك عند الشدة، وعظم أثر القيد برجلي! وقد كان مشيهماً في النعال ... فقد صار مشيهماً في القيود يقول: قد كان مشى رجلي قبل ذلك في النعال، وصار الآن مشيهما في القيود! فلا عهد لي بالقيود قبل هذه الحالة! وكنت من الناس في محفلٍ ... فها أنا في محفلٍ من قرود لصوصٌ أطاعوا أبا مرةٍ ... بترك الركوع وترك السجود كأني قرنت بهم في الجح ... يم أرى كل يومٍ وجوه اليهود يقول: كنت إلى الآن في محفل من كرام الناس، وأنا الآن في محفل من القرود! وأراد بهم الأوباش وأصحاب الأهواء ثم بين فقال: هم لصوص وأطاعوا إبليس بترك الصلاة. وأبو مرة: كنية إبليس. تعجل في وجوب الحدود ... وحدي قبل وجوب السجود! وروى تعجل: فيكون متعدياً، أصله تتعجل أيها الأمير، فعلى هذا وجوب يكون منصوباً، والأولى تعجل بفتح اللام على الفعل الماضي اللازم ويجوز رفع وجوب الصلاة علي وحدي. قال ابن جنى: إنه لم يكن صغيراً لكن صغر نفسه عند الأمير ألا ترى أن من كان صبياً لا يظن به اجتماع الناس إليه للشقاق والخلاف والظاهر بخلاف ذلك، وما بعده يدل على أنه كان صغيراً، ومثله لابن الرومي: أم لذنبٍ ينوب عني فلم يأن ... اكتساب الذنوب للأطفال وقيل عدوت على العالمين ... بين ولادي وبين القعود عدوت: أي ظلمت يقول: قيل عدوت على العالمين بما نويت، وأنا بين أولادي وقعودي ومن كان طفلاً مثلي. فكيف يصح منه ما نسب إليه؟! فما لك تقبل زور الكلام ... وقدر الشهادة قدر الشهود؟! يقول: مالك تقبل على الكذب وهذه الشهادة كشاهديها في الحقارة، فكما لا قدر للشهود لحقارتهم فكذلك شهادتهم. فلا تسمعن من الكاشحين ... ولا تعبأن بمحك اليهود بمحك اليهود: أي العداوة وشدة الحاجة. وروى: بمحل اليهود: وهو السعاية. يقول: لا تسمع من الكاذبين كذبهم علي، ولا تبال بعداوة اليهود وسعايتهم بي، فإن شهادة اليهود على المسلمين غير مقبولة؛ لما بينهم من العداوة، والظاهر أنهم كانوا يهوداً. وقال ابن جنى: إنهم لم يكونوا يهوداً ولكن كني عنهم باليهود لذلتهم وحقارتهم وقلتهم، وظاهر البيت يدل على خلاف ذلك. وكن فارقاً بين دعوى: أردت ... ودعوى: فعلت بشأوٍ بعيد يقول: إن القوم إنما شهدوا علي، بأني أردت أن أهجوك وأخرج عليك، ولم يشهدوا أني فعلت ذلك، ولا نستحق الحبس والحد على العزم والنية ما لم يفعل، فكن فارقاً بين الواقع والمستقبل بمفرق بعيد، فإن بين الأمرين بوناً بعيداً. وفي جود كفيك ما جدت لي ... بنفسي ولو كنت أشقى ثمود

стр. 47

يقول: لو كان ما زعموا! فإن في جود كفيك لي رجاءٌ أن تعفو عني، وتجود بنفسي وتترك قتلها، على عظم ذنبي، ولو كنت في ذنبٍ عظيم. أشقى ثمود: الذي عقر ناقة صالح ﵇. واسمه قدار بن سالف. وقال إجابة لمعاذ الصيدواني وهو يعذله على تهوره: أيا عبد الإله معاذ إني ... خفيٌّ عنك في الهيجا مقامي هو: أبو عبد الله معاذ الصيدواني، وضم معاذ على نكرة الندا كأنه يقول: أيا عبد الله. يا معاذ. وكان معاذ هذا يلومه على تعرضه للحروب في الأسفار. فقال له: إنه خفي عنك مقامي في الحروب واستقلالي بها، وارتقائي إلى معالي الأمور. ذكرت جسيم ما طلبي وأنا ... نخاطر فيه بالمهج الجسام يقول: ذكرت عظيم ما أطلبه من الأمور، وأنا نخاطر في جسيم ما تطلبه، بالمهج والأرواح العظام، ولم تعرف أنا لا نبال باللوم والملام. أمثلي تأخذ النكبات منه ... ويجزع من ملاقاة الحمام؟ يقول: أمثلي تتناول النكبات منه، وتؤثر فيه! وهل أجزع من ملاقاة الموت؟ حتى تعذلني على بذل نفسي. ولو برز الزمان إلي شخصاً ... لخضب شعر مفرقه حسامي يقول: لا أبالي بنكبات الزمان، فإنه لو برز إلي وكان شخصاً لضربته بسيفي، وخضبت شعر وسط رأسه بدمه. والمفرق: وسط الرأس. وما بلغت مشيتها الليالي ... ولا سارت وفي يدها زمامي اليد والزمام: استعارة. يقول: ما بلغت أني أطيعها، ولا يمكنها أن تؤثر في. إذا امتلأت عيون الخيل مني ... فويلٌ في التيقظ والمنام يقول: إذا رأتني الخيل. يعني: أهلها. وأراد هاهنا محبها أي الفرسان ملء أعينها، فويلٌ لهم في حالتي التيقظ والمنام؛ لأنهم إذا رأوا خيالي في المنام، يذهب نومهم خوفاً مني، وإذا تعرضت لهم في اليقظة أقتلهم وأصله من قول الشاعر: على عدوك يابن عم محمدٍ ... رصدان ضوء الصبح والإظلام فإذا تنبه رعته وإذا هدى ... سلت عليه سيوفك الأحلام وقال لرجل بلغه عن قوم كلاماً فيه: أنا عين المسود الجحجاح ... هيجتني كلابكم بالنباح يقال: هذا عين الشيء. أي نفسه، وخالصه. والمسود: هو المتفق على سيادته. والجحجاح: السيد. وروى: هيجتني: أي حركتني، وأغضبتني. وهجنتني: نسبتني إلى الهجنة والعار. يقول: أنا عين المدعو سيداً، غير أن كلابكم: أي خساسكم من الشعراء وغيرهم نسبتني إلى الهجنة أو حركتني وأغضبتني بالنباح، أي بأشعارهم أو بكذبهم علي وتعيرهم لي فكأنه جعلهم كلاباً. أيكون الهجان غير هجانٍ ... أم يكون الصراح غير صراح الهجان: الكريم، الخالص. والهجين: ضده. والصراح: الخالص. يقول: أنا هجانٌ كريم، والهجان هجانٌ أبداً، وإن دعي هجيناً، والخالص خالصٌ، وإن نسب إلى ضده، ويحتمل أن يكون غير الكريم في معنى الهجين، فيكون صفةً للطاعنين فيه. ومعناه: أن من يكون غير كريم فلا يكون كريماً وإن دعي كريماً. يعني: أعداءه، ومن يكون خالصاً فلا يكون غير خالص. وأراد به نفسه. جهلوني وإن عمرت قليلاً ... نسبتني لهم رءوس الرماح يقول: جهلوا قدري ونسبي، ولو عشت قليلاً عرفت إليهم نفسي حتى تنسبني إليهم رءوس الرماح فيعرفونني بطعني لهم بها. وقال أيضاً ارتجالاً وقد سئل الشرب ففضل معاطاة الحراب على معاطاة الشراب: ألذ من المدام الخندريس ... وأحلى من معاطاة الكئوس المدام: الخمر. سمي به لأنها أديم في الدن. والخندريس: هي الخمر العتيقة من أعوام. معاطاة الصفائح والعوالي ... وإقحامي خميساً في خميس الصفائح: جمع الصفيحة، وهي السيف العريض. والعوالي: رءوس الرماح. والخميس: العسكر. يقول: ألذ من شرب الخمر العتيقة ومناولة الكئوس، مناولة السيوف والرماح، وسقى الدماء من الجراح، وإدخال جيش في جيش، كل ذلك ألذ وأحلى عندي من شرب الخمر العتيقة. فموتي في الوغى عيشي لأني ... رأيت العيش في أرب النفوس لما فضل الحرب على الشرب بين علة التفضيل. فقال: موتي في الحرب عيش في الحقيقة لبقاء الذكر الجميل؛ لأني رأيت العيش وكماله في حاجات النفوس، وحاجتي حصول عيش الأبد، وذلك في الموت لبقاء الذكر الجميل بعدي.

стр. 48

ويجوز أن يريد أن الحرب في سبيل الله حياة لي لكوني من الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله فكنت حياً بما أنا فيه من الثواب. قال ابن جنى: قلت له كيف ذلك؟ فقال الآية: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون ". ولو سقيتها بيدي نديمٍ ... أسر به لكان أبا ضبيس نصب أبا ضبيس؛ لأنه خبر كان، واسمه: ضمير النديم وهو صديقه الذي دعاه إلى الشرب. وقيل: إنه كان صاحب المجلس والدعوة. يقول: لو سقيت الخمر بيدي نديم لي فيه سرور وأنس لكان ذلك النديم أبا ضبيس يعني لكنت لا أشرب إلا من يده. وقال له بعض الكلابيين: أشرب هذا الكأس سروراً بك فأجابه ارتجالاً: إذا ما شربت الخمر صرفاً مهنئاً ... شربنا الذي من مثله شرب الكرم يقول: إذا شربت الخمر صرفاً أي غير ممزوج مهنأً بشربه. شربت أنا الماء الذي شرب الكرم من مثله. وقيل: إن الكرم إذا غرس صب في مغرسه الدم فيقوى بذلك. يقول: إذا شربت أنت الخمر شربت أنا الدم الذي شرب الكرم منه، ويدل عليه ما بعده وهو: ألا حبذا قومٌ نداما هم القنا ... يسقونها رياً وساقيهم العزم يقول حبذا قوم، نداماهم الرماح، يسقون رماحهم دماء أعدائهم ريا: أي قدر ما تروى به ويكون ساقيهم العزم. طربه لصليل السيوف لا لقرع الكئوس. وقال أيضاً ارتجالاً: لأحبتي أن يملئوا ... بالصافيات الأكوبا وعليهم أن يبذلوا ... وعلي ألا أشربا حتى تكون الباترا ... ت المسمعات فأطربا الأكواب: جمع الكوب، وهو الإبريق بلا عروة. يقول: لأحبائي أن يملئوا كئوسهم خمراً، ويعرضوها علي، ولكن علي ألا أشربها حتى تصير السيوف القاطعات المغنيات في العظام، فإذا سمعت هذا الغناء فأشرب وأطرب عند ذلك! ويجوز في الباترات: الرفع، على أن تجعل يكون فعلاً حقيقياً، وإن جعلته ناقصاً يجب رفع الباترات، ونصب المسمعات خبراً لها. وقال أيضاً يصف مجلساً لابن عبد الوهاب وقد جلس ابنه ليلاً إلى جانب المصباح: أما ترى ما أراه أيها الملك ... كأننا في سماءٍ مالها حبك أي ما أراه أيها الملك كائناً في مجلسك، في سماءٍ ليس لها طرائق، ولما شبه مجلسه بالسماء بين بعد ذلك وجه التشبيه فقال: الفرقد ابنك والمصباح صاحبه ... وأنت بدر الدجى والمجلس الفلك الهاء: في صاحبه للفرقد. وهما فرقدان. يقول: ابنك أحد الفرقدين، والمصباح الفرقد الثاني، وأنت بدر الدجى؛ لما لك من الفضل، والمجلس هو الفلك الذي يجوز هذه الأشياء. شبه ابنه بأحد الفرقدين والمصباح بالثاني، والأب بالبدر، والمجلس بالفلك فجمع فيه أربع تشبيهات. ومثله للمخزومي: كأن سعيداً وأبناءه ... نجومٌ وبدرٌ إذا ما اتسق يفتخر بشعر على أبي بكر الطائي وكان قد نام ساعة إنشاده قال: ونام أبو بكر الطائي وأبو الطيب ينشده فأنبهه: إن القوافي لم تنمك وإنما ... محقتك حتى صرت ما لا يوجد أي أنها لم تنمك بل أهلكتك حتى صرت غير موجود! والغرض أنه لو كان من المميزين لم ينم من شعره. فكأن أذنك فوك حين سمعتها ... وكأنها مما سكرت المرقد المرقد: الدواء المنوم، وقوله مما سكرت في معنى المصدر، كأنه قال: من سكرك. يقول: كأن أذنك حين سمعت القوافي، فوك. وكأن ما أنشدته لك من الشعر، هو الدواء المرقد، فشربته وسكرت، لأن نومك من القوافي، لا من الخمرة وروى لما سكرت. وقال يتغزل أيضاً: كتمت حبك حتى منك تكرمةً ... ثم استوى فيك إسراري وإعلاني يقول: كتمت حبك حتى كتمته منك تكرمة لك، إذ في إظهاره فضيحة المحبوب، أو تكرمة لنفسه من الاستكانة للنساء، ثم أطلق كتمانه، فظهر بما دل عليه من الأمارات، كالبكاء والنحول وغير ذلك، فاستوى فيه إسراري وإعلاني؛ لأن السر في الظهور كالعلانية. ويجوز أن يكون المراد به أنهما استويا في الكتمان، والمقصد أنه لم يظهر قط، بل بقي كما كان من الإسرار. كأنه زاد حتى فاض عن جسدي ... فصار سقمي به في جسم كتماني الهاء في كأنه: ضمير الكتمان، ودل عليه قوله: كتمت. ويجوز أن يكون راجعاً إلى الحب، أي زاد حبي حتى أسقم كتماني؛ فضعف عن حمل الكتمان. والكناية في به: ترجع إلى الحب.

стр. 49

يقول على المعنى الأول: كأن الكتمان زاد في جسدي، حتى فاض عنه وظهر، فصار سقمي بسبب الحب الذي كان في جسمي كتمان. يعني: أن جسمي كان سقيماً، فلما ظهر الحب زال عني السقم إلى جسم الكتمان، فصار الكتمان سقيماً؛ لأن إفشاء السر سقم الكتمان. وعلى الثاني: أن الكتمان زاد حتى فضل عن جسدي، فصار سقمي بسبب الحب، منكتماً في جسم كتمان. كأنه يقول: كان الكتمان في جسمي، فصار الآن جسمي في الكتمان، فلكون جسمي في جسم الكتمان صار سقمي فيه، وكان الكتمان ظرفاً لي، بعد ما كنت ظرفاً له. وقال يمدح محمد بن زريق الطرسوسي: هذي برزت لنا فهجت رسيساً ... ثم انصرفت وما شفيت نسيساً! يجوز أن يريد يا هذي فحذف حرف النداء للضرورة، ويجوز أن يكون إشارة إلى المرة الواحدة من برزت، فتكون هذه موضوعة موضع المصدر، كأنه يقول: هذه البرزة برزت لنا. والرسيس حنين الحمى وهيجانها، والنسيس: العطش. وقيل: هو الاختلاج. وقيل: هو بقية المرض. وقيل: بقية النفس. يقول للمحبوبة: يا هذه: برزت لنا هذه البرزة الحسنة فهيجت لنا الهوى وحرارة القلوب ثم انصرفت عنا ولم تشف بقية نفوسنا التي أبقيت لنا، وبقية مرضنا الذي هيجت لنا ببروزك وما شفيت اختلاج عيوننا ولا سكنت لنا عطشاً. وجعلت حظي منك حظي في الكرى ... وتركتني للفرقدين جليسا هذا تفسيره على وجوه: أحدها: جعلت حظي من رؤيتك وصلك في النوم، فكما لا حظ لي منك، لا حظ لي من النوم. والثاني: جعلت حظي منك في النوم. يعني: لا أراك إلا في النوم. والثالث: جعلت حظي منك بلا حقيقة ولا حاصل لي، كحظي من الأحلام التي أراها في النوم! ثم قال: وتركتني جليس الفرقدين، ولا أنام من طول الفكر. قطعت ذياك الخمار بسكرةٍ ... وأدرت من خمر الفراق كئوسا ذياك: تصغير ذاك. يقول: كنا في خمار مع قربك، بما كنا نقاسي من بخلك بالوصل، فالآن أزلت ذلك الخمار بسكرة الفراق، فكنا نستعظم ذلك الخمار، فصار ما كنا نستعظمه صغيراً في جنب سكرة الفراق! وصغر الخمار بقوله: ذياك لأنه صغير في مقابلة السكر، ولهذا قال: وأدرت من خمر الفراق كئوساً. فحدث عنها هذه السكرة. أو صغره ليبين أن مدة قربها قصرت بالإضافة إلى مدة الفراق، أو يكون أراد به التعظيم كقول لبيد: وكل أناس سوف تدخل بينهم ... دويهة تصفر منها الأنامل إن كنت ظاعنةً فإن مدامعي ... تكفي مزادكم وتروي العيسا المزاد: الوعاء الذي يجعل فيه الزاد، وأراد به ها هنا سقاء الماء، لأنه من الزاد. يقول: إن كنت مرتحلة فلا تأخذي الماء فإن دموعي تكفي مزادكم وتروي إبلكم من كثرة ما أصب من دموعي. وقيل: إنه من كفأت الإناء: إذا قلبته. أي أن مدامعي تقلب مزادكم وتريق الماء، لأن دموعي تقوم مقام المزاد فلا تحتاجون إليه. حاشى لمثلك أن تكون بخيلةً ... ولمثل وجهك أن يكون عبوسا ولمثل وصلك أن يكون ممنعاً ... ولمثل نيلك أن يكون خسيسا كان الوجه أن يقول: حاشى لمثلك أن يكون بخيلاً؛ لأن لفظ مثل مذكر، إلا أنه حمل على المعنى. يقول: معاذ الله أن تكوني بخيلة بالتقبيل عند الوداع، ولمثل وجهك أن يكون عابساً في تلك الحال، كأنه أراد بهذه العبارات اللطيفة، أن يقول: ودعيني وقبليني ولا تبعسي وجهك، وحاشاك أن تكوني مانعةً من الوصل، وأن يكون نيلك خسيساً حقيراً. وكني عن إكثار النيل وبذل الوصل من غير منع بأحسن عبارة. خودٌ جنت بيني وبين عواذلي ... حرباً وغادرت الفؤاد وطيسا الخود: الناعمة. والوطيس: معركة الحرب. وقيل: هو تنور من حديد. يقول: هي ناعمة وقد أوقعت حرباً بيني وبين عواذلي في حبها؛ لأنهن يلمنني وأعصيهن، فحدثت مقاتلة فؤادي معركة الحرب بيني وبين عواذلي. وقيل: أراد أنها لما أوقعت بيننا القتال وتركت فؤادي موقداً بالنار بما فيه من حرارة التوقد والوجد والعشق فصار كالتنور. بيضاء يمنعها تكلم دلها ... تيهاً ويمنعها الحياء تميساً روى يمنعها التكلم فيكون التكلم منصوباً بيمنع. وروى تكلم فيكون فعل مضارع، والأصل: تتكلم. فحذف إحدى التاءين تخفيفاً. ومعناه: أن تتكلم، غير أنه حذف أن في اللفظ، وهو منوى في العنى. فنصب، وكذلك في تميس فلهذا نصب.

стр. 50

يقول: إنها بيضاء ناعمة يمنعها دلها أن تتكلم من تيهها وتكبرها. لما وجدت دواء دائي عندها ... هانت علي صفات جالينوسا يقول: لما وجدت لدائي الذي هو الهوى الدواء عند المحبوبة وهو الوصل هانت عندي صفات جالينوس في طبه. ومثله للأخوص: وكنت إذا سقمت بأرض سعدى ... شفائي من سقامي أن أراها أبقى زريقٌ للثغور محمداً ... أبقى نفيسٌ للنفيس نفيساً يقول: أبقى أبو زريق ابنه محمداً للثغور، أبقى نفيسٌ: وهو الثغر. نفيساً: وهو محمد. إن حل فارقت الخزائن ماله ... أو سار فارقت الجسوم الروسا روى الروسا: بالألف واللام غير مهموزة، وروى رءوساً من غير ألف ولام، فيكون مهموزاً، وهو الأصل، والأولى التخفيف. يقول: إن حل هذا الممدوح بموضعٍ أو بمقر غرةً فارقت خزائنه: أي ماله. لتفريقه إياه على السؤال وغيرهم. وإذا سار فارقت جسوم أعدائه رءوسها؛ لقتله إياهم، فلا يسير إلا للمقاتلة. فوصفه بالسخاء والشجاعة. ملكٌ إذا عاديت نفسك عاده ... ورضيت أوحش ما كرهت أنيسا يقول: هو ملك، إذا عاديت أيها الإنسان نفسك، تعاده! وكذلك إذا رضيت أن يكون أنيسك أوحش ما تكرهه، يعني: إن لم يقتلك ويقتصر على الحبس، كنت راضياً بذلك؛ والسجن أوحش ما كرهه الإنسان. وقيل: أراد به الموت؛ لأنه أوحش ما كرهه الإنسان. الخائض الغمرات غير مدافعٍ ... والشمري المجعن الدعيسا الخائض وما بعده: نصب على المدح. كأنه قال: أعني أو أذكر أو أمدح. والشمري: المشمر. وقيل: هو في هذا الموضع فارس شمر وهو فارس معروف. والدعيس: الطعان الذي يطعن في موضعٍ مرتين. يقول: هو ملك يخوض الشدائد، ولا يدافع عنها، وهو الطعان الحاذق بالطعن والفارس المشمر الخفيف في الحرب. كشفت جمهرة العباد فلم أجد ... إلا مسوداً جنبه مرءوسا جمهرة العباد: جماعتهم. وقيل: أكثرهم. والمسود: الذي ساده غيره. والمرءوس: الذي رأسه غيره. وقوله: جنبه. نصب على الظرف. يعني: في جنبه. وبالإضافة إليه. يقول: فتشت جماعات العباد، فلم أجد بينهم بالإضافة إلى الممدوح إلا مسوداً أو مرءوساً، فكل رئيس في جنبه مرءوس، وكل سيد مسود؛ لأنه سيد السادات، ورئيس الرءوساء. بشرٌ تصور غايةً في آيةٍ ... تنفي الظنون وتفسد التقييسا يقول: إنه إنسان، بلغ الغاية من المكرمات، حتى صار فيها آيةً معجزة، بحيث تنفي تلك الآية والدلالة الظنون، فلا تحيط به الظنون وتفسد قياس من يقاس إليه من الناس، فلا يمكن قياس أحد إليه. وقيل: إن الظنون من الظنة: وهي التهمة. والمعنى: أنه لما صار آية في المكرمات، تنكر الناس فيه، أنه بشر! لما رأوه بهذه الصفة، فنفى هذه التهمة عنهم، وهي أن يتهم بما لا يليق به، كما نسب إلى السيد المسيح، فهو ينفي ذلك عن نفسه ويفسده قياس الناس في ذلك. وبه يضن على البرية لا بها ... وعليه منها لا عليها يوسى التذكير: للمدوح. والتأنيث: للبرية. ويوسي: من آسيت على الشيء. أي حزنت عليه. وتقديره: وبه يضن بالبرية عليه، وعليه يوسي من البرية، ولا يوسي عليها منه. يقول يضن: أي يبخل به على الخلق، ولا يبخل بالخلق عليه، أي يجعل الناس فداء له، ولا يجعل فداء لهم. ويقال: إنه خير من البرية كلهم، وهم دونه، والشيء يبخل به ولا يبذل بما دونه، أو يوحش البرية في رضاه، ولا يوحش هو لرضى البرية. أو يقال: يتهم البرية به فلا يوثق بالبرية، ولا يتهم هو من البرية. وقوله: وعليه منها أي عليه يوسى أي يحزن، ومنها أي من البرية إذا هلك أو أصابه مكروه، لا عليها يحزن إذا هلكت. والمعنى: أنه يبخل به على البرية، ولا يبخل بهم عليه؛ لأنهم لا يسدون مسده. ويجوز أن يريد يحزن عليه لكونه من البرية، ولأنه أشرف منها، فإذا عد منها فقد يخرجه، فيحزن عليه لذلك، ولا يحزن على البرية لكونه منها، وإنه يرفعها ويشرفها، فكونه منها يضعه ويرفعها فيحزن عليه ولا يحزن عليها بسببه. لو كان ذو القرنين أعمل رأيه ... لما أتى الظلمات صرن شموسا أو كان صادف رأس عازر سيفه ... في يوم معركةٍ لأعيا عيسى

стр. 51

يقول: لو استعمل ذو القرنين رأى هذا الممدوح، وكان له مثل الظلمات، لكانت بنور رأيه شموساً. وأضاءت له؛ لأن رأيه أضوأ من الشمس. وعازر: هو الذي أحياه الله تعالى على يد المسيح أو أصاب رأسه سيفه ومات، لأعيا عيسى أن يحييه ويشق عليه إحياءه بعد موته. أو كان لج البحر مثل يمينه ... ما انشق حتى جاز فيه موسى أي: لو كان لج البحر الذي انشق لموسى ﵇، مثل يمين هذا الممدوح، ما انشق حتى جاز فيه موسى بمن معه. أو كان للنيران ضوء جبينه ... عبدت فكان العالمون مجوسا يقول: لو كان للنار نور جبين هذا الممدوح، لعبدها أهل الدنيا كلهم! وصاروا بأجمعهم مجوساً! والغرض وصفه بالحسن والبهاء. لما سمعت به سمعت بواحدٍِ ... ورأيته فرأيت منه خميسا يقول: لما سمعت بذكره، سمعت بواحدٍ من الناس، فلما رأيته رأيت عسكراً عظيماً، وإن كان في نفسه واحد، لقيامه مقام الجماعة. ولحظت أنمله فسلن مواهباً ... ولمست منصله فسال نفوسا يقول: لما رأيت أنامله وجدتها تسيل منها المواهب، ولما لمست سيفه وجدته يسيل منه الدماء! يا من نلوذ من الزمان بظله ... أبداً ونطرد باسمه إبليسا المعنى: يا من نلجأ إلى ظله إذا جار علينا الزمان، وإذا تعرض لنا إبليس طردناه باسمه؛ لأن اسمه محمد، وبه يطرد إبليس. قيل: إنه أراد أنه في هيئة بمثابة أن يطرد به إبليس، مع كثرة ضرره بالناس، وقيل: أراد بإبليس، كل من تتأذى به الأنفس فهو إبليس. صدق المخبر عنك دونك وصفه ... من بالعراق يراك في طرسوسا يقول: صدق المخبر الذي أخبرني عنك. ثم وصفه بقوله: دونك، أي وصف ذلك المخبر دون ما أنت عليه وأنت فوق ما وصفه. ثم قال: من بالعراق يراك في طرسوسا التي أنت فيها فكأنهم في فضلك وشهرتك رأوك وشاهدوك، وأراد بذلك بعد صيته وذكره، لا يستقر بل تسير به الركبان، أو يكون كناية عن وصول عطاياه إلى البلدان. وقول الحكمي أبلغ وأحسن من هذا؛ وهو: ملكٌ تصور في القلوب مثاله ... فكأنه لم يخل منه مكان لأنه عم جميع الأماكن، والمتنبي اقتصر على العراق وطرسوس. بلدٌ أقمت به وذكرك سائرٌ ... يشنا المقيل ويكره التعريسا أصله: يشنأ بالهمز، فخفف، وأبدل منه الألف. والمقيل: من القيلولة، أو مكانها. والتعريس: يكون في وجه الصبح. يقول: إن طرسوس بلدٌ أقمت به وذكرك سائرٌ ليلاً ونهاراً، لا مقيل له بالنهار، ولا تعريس له بالليل. فإذا طلبت فريسةً فارقته ... وإذا خدرت تخذته عريسا خدر الأسد: إذا غاب في الأجمة. والعريس والعريسة: مأوى الأسد. يقول: إذا غزوت فارقت هذا البلد، كما يفارق الليث عريسه، وإذا عدت إلى البلد اتحذته مأواك؛ لما شبهه بالأسد جعل مأواه عريسا. إني نثرت عليك دراً فانتقد ... كثر المدلس فاحذر التدليسا يقول: إني نثرت عليك من شعري دراً، فانتقده وميزه من شعر غيري، واحذر من المدلس: الخائن. أن يدلس عليك بشعرس يقيمه مقام شعري، أو يحط هذا الشعر عندك من منزلته، فقد كثر المدلسون المتشاعرون. حجبتها عن أهل أنطاكيةٍ ... وجلوتها لك فاجتليت عروسا التأنيث في حجتها: للقصيدة، وإن لم يصرح بها فقد صرح بمفهومها، أو يكون راجعاً إلى قوله: عروساً؛ لأنه شبه القصيدة بالعروس. يقول: منعتها عن أهل أنطاكية، وحملتها إليك مجلوة، حتى اجتليتها عروساً. يعني: إني مدحتك دونهم، لأنك خيرهم، وكلامي خير الكلام، فلا يليق إلا بك. خير الطيور على القصور وشرها ... يأوي الخراب ويسكن الناووسا يقول: أنا خير الشعراء، فلا أمدح إلا خير الناس. وغيري من الشعراء يقصد غيرك، فأنا كالطائر الذي سكن القصور، وأولئك كالطيور التي تأوي الخراب، والنواويس. شبه الممدوح بالقصر، وملك أنطاكية بالخرابات والنواويس. لو جادت الدنيا فدتك بأهلها ... أو جاهدت كتبت عليك حبيا يقول: لو كانت الدنيا ممن يجود؛ لفدتك بأهلها. أو كانت ممن تجاهد، لكتبت أنها موقوفة عليك، حبيساً في سبيل الله تعالى؛ لتنصر الدين وتذل المشركين. وروى: كتبت عليك حبيسا، أي لو أمكنها أن تخلدك لخلدتك أبداً، ولكتبت ذلك عليك. وقال يمدح محمد بن زريق أيضاً:

стр. 52

محمد بن زريق ما نرى أحداً ... إذا فقدناك يعطي قبل أن يعدا يقول: يا محمد بن زريق. ما نرى أحداً سواك يعطى قبل الوعد، دون المطل المكدر للعطايا. يعني أنه ليس أحد سواه. وقد قصدتك والترحال مقتربٌ ... والدار شاسعةٌ والزاد قد نفدا قصد بقوله: والترحال مقترب، استعجال العطاء وبقوله والدار شاسعة: الاستكثار منه؛ لأن القليل لا يكفيه، لبعد داره، وبقوله: والزاد قد نفد، أي أنه لا مادة للزاد إلا من جهة أخرى، والغرض منه الاستكثار، أو يكون قصد أن يبين أن الضرورة قد دعته إلى هذا السؤال ولولاها لكان لا يسأل. فخل كفك تهمي واثن وابلها ... إذا اكتفيت وإلا أغرق البلدا تهمى: في موضع الحال، وليس بجواب. يقول: خل يدك تصب وتهمي واصرف وابلها: أي مطرها الجود عني إذا اكتفيت وإن لم تصرفه أغرق الوابل البلد. وروى: إن اكتفيت يخاطب الممدوح يقول: هاتها واثن وابلها إن اكتفيت بها دون الوابل، ولما تعرض في البيت الأول للاستكثار، بين هاهنا أن القليل من عطاياه كثير وأن غرضه يحصل بالقليل من عطاياه. وقال يمدح عبيد الله بن يحيى البحتري: بكيت يا ربع حتى كدت أبكيكا ... وجدت بي وبدمعي في مغانيكا المغاني: جمع المغنى، وهو المنزل، من قولهم: غني بالمكان. يقول: قد بكيت يا منزل الأحباب حتى كدت أحملك على البكاء رقة لي، وجدت بي وبدمعي في منازلك، أي هلكت وجدت بروحي، كما أفنيت دمعي بعد مفارقة الراحلين عنك. فعم صباحاً لقد هيجت لي شجناً ... واردد تحيتنا إنا محيوكا صباحاً: نصب على الظرف، أي في صباح، وعم من قولهم: وعم يعم بمعنى نعم ينعم أي أنعم صباحاً. يقول: أيها الربع أنعم صباحاً، على وجه الدعاء، كرامة لمن نزل به، فقد هيجت أحزاني، واردد علينا سلامنا، فإنا مسلمون عليك بقولنا: أنعم صباحاً. بأي حكم زمانٍ صرت متخذاً ... رئم الفلا بدلاً من رئم أهليكا يقول: بأي حكم زمانٍ استبدلت ظباء الفلا بدلاً من الجواري التي كن فيك، مثل ظباءٍ خالصة البياض وهذا على عادتهم في نسب الحوادث إلى الزمان. ومثله للبرقعي: تبدل الربع من أسماء غزلانا ... وأقفرت من سليمى أرض حلوانا أيام فيك شموسٌ ما انبعثن لنا ... إلا ابتعثن دماً باللحظ مسفوكا أيام: نصب على الظرف، أو على إضمار فعل. كأنه يقول: أذكر أياماً. يقول: أذكر تلك الأيام التي كانت فيك شموس من الحبايب، لم يظهرن لنا إلا أخرجن بلحظهن ونظرهن، أو بعيونهن، دماءً من العشاق. وقوله: مسفوكاً أي مصبوباً. والعيش أخضر والأطلال مشرقة ... كأن نور عبيد الله يعلوكا يقول: أذكر أياماً، هذا حالها، وهو أن العيش كان ناعماً لذيذاً، والأطلال مضيئة بالشموس، فكأن نور عبيد الله يعلوكا. نجا امرؤٌ يا ابن يحيى كنت بغيته ... وخاب ركب ركابٍ لم يؤموكا روى: جاز مكان خاب أي هلك، والركب: جمع الراكب، والركاب: الإبل. وروى: الرحال وهي الإبل واحدها راحلة. يقول: آمن الفقر من كنت طلبته ومأموله، وخسر راكبوا إبل وهلكوا إذا لم يقصدوك. يعني: لو قصدوك لأغنيتهم عن طول الأسفار وكفيتهم مؤن المشقات. أحييت للشعراء الشعر فامتدحوا ... جميع من مدحوه بالذي فيكا يقول: أحييت شعر الشعراء بما أظهرت من المكارم والخصال، وبما أعطيتهم من الأموال، حتى هديتهم إلى الشعر، فمدحوا ممدوحهم بما فيك من المحاسن والخصال البديعة، فلما رأوا فيك هذه المعالي تعلموا المدح وقول الشعر. وعلموا الناس منك المجد واقتدروا ... على دقيق المعاني من معانيكا يقول بياناً لما قبله: إنهم لما مدحوا الناس بأوصافك تنبه الممدوحون لمثل صنائعك، فكأن الشعراء هم الذين علموهم منك المجد واقتدر الشعراء على دقيق المعاني من معانيك التي تخصصت بها دون غيرك. ومثله للآخر: ما رأينا من فضل جود ابن يحيى ... صير الناس كلهم شعراء علم المفحمينأن ينطقوا الأش ... عار فيه والباخلين السخاء فكن كما أنت يا من لا شبيه له ... أو كيف شئت فما خلقٌ يدانيكا يقول: كن كما أنت يا من لا نظير له، أو كن كيف شئت من النقصان عما أنت عليه، فما خلق يدانيك، بحال من الأحوال، ولا يشبهك بخصلة من الخصال، فكل فعالك حميدة.

стр. 53

شكر العفاة لما أوليت أوجدني ... إلى نداك طريق العرف مسلوكا أوجدني: أي هداني، وأرشدني. والمفعول الأول: الياء، والثاني طريق العرف. يقول: شكر السؤال لما أعطيتهم من النوال أوجدلى سبيلاً مسلوكاً إلى معروفك فقصدتك. وروى: إلى يديك يعني أوجدلى شكرهم شكرهم، شكرهم، طريق المعروف مسلوكاً إلى يديك فسلكته. وعظم قدرك في الآفاق أوهمني ... أني بقلة ما أثنيت أهجوكا يقول: علو محلك في العالم أوهمني أني بهذا القدر من المدح والثناء أهجوك! يعني: أنك تستحق فوق ما مدحتك به وأثنيت عليك، فكأني هجوتك. كفى بأنك من قحطان في شرفٍ ... وإن فخرت فكلٌّ من مواليكا يقول: كفى قحطان شرفاً أنك منهم. فتكون الرواية على هذا: كفى بأنك في قحطان من شرفٍ، ويحتمل كفاك شرفاً بكونك من قحطان، مع شرفٍ لك طارف أضفته إليه. والرواية على هذا: كفى بأنك من قحطان في شرف وإن فخرت، وجدت كل قحطان أوكل الناس من مواليك وخدمك؛ لأن إحسانك يعمهم ومنك يشملهم، فكلهم مواليك. ولو نقصت كما قد زدت من كرمٍ ... على الورى لرأوني مثل شانيكا يقول: لو تناهيت في النقصان، تناهيك في الرجحان، لفنيت وعدمت. فرآني الناس مثل عدوك، لأنه لم يبق من أعدائك أحد، فكنت مثلهم في الفناء، وقد أحسن في إضافة النقص إلى نفسه والزيادة إلى الممدوح. وقيل: لو نقصت من المدح، كما زدت على الناس من الكرم، لرأوني في ذلك مثل عدوك، الذي يحسن ذكرك. يعني وإن لم أبلغ الغاية في محاسنك لم أقصر عما دق عليه، كيلا أكون مثل شانيك. لبى نداك لقد نادى فأسمعني ... يفديك من رجلٍ صحبي وأفديكا لبى: من قولهم لبيك بمعنى: لزومٌ لك بعد لزوم، وإنما ثنوه على التوكيد، ونصبوه على المصدر، وأضافوه إلى كاف المواجهة، وأضافه هاهنا إلى النداء. يقول: أجابةً لنداك بعد إجابة، فقد نادى إلى نداك، فأسمعني صوته، يفديك أصحابي ونفسي من رجل بين الرجال. يعني أن سخاءه دعاه إلى معروفه فأجابه وروى: لبى نداك والأول أولى. ما زلت تتبع ما تولى يداً بيدٍ ... حتى ظننت حياتي من أياديكا يقول: مازلت تنعم يداً بيدٍ أي: نعمة يد بيد، حتى ظننت حياتي من جملة نعمك علي، لكثرة ما أنعمت فلم أميز ما هو: أعطاء دهر، أم غيره؟! فإن تقل ها فعاداتٌ عرفت بها ... أو لا فإنك لا يسخوا بلا فوكا يقول: إن قلت خذ كان ذلك من عادتك التي عرفت بها، وإن أردت أن تقول لا فلم تجد فوك يسخو بها أبداً فلا يمكنك أن تقول ذلك. وقال أيضاً يمدحه: أريقك أم ماء الغمامة أم خمر ... بفي برودٌ وهو في كبدي جمر؟! يقول: أهذا ريقك! أم ماء المطر؟ لعذوبته وصفائه، أم الخمرة؛ لمافيها من اللذة والتفريح، فقد جمع ريقك الحرارة والبرودة، فهو في فمي بارد وفي كبدي حار؛ من حيث ألتذ به عند لهوي، لكنه يهيج العشق في قلبي وكبدي فهو كالخمر، فمن حيث برودته شبهه بماء الغمام ومن حيث الحرارة شبهه بالجمر وأني بلفظ الاستفهام مبالغة في التشبيه. أذا الغصن أم ذا الدعص أم أنت فتنةٌ؟ ... وذيا الذي قبلته البرق أم ثغر؟! يقول: أهذا قدك أم الغضن؟! وهذا كفلك أم الدعص؟ وهما حالان ثم بينةٌ من الرجل أم أنت فتنة كلفت بها كما جمعت هذه الأشياء المختلفة، وهذا الذي قبلته برقٌ لامع أم سنٌّ؟! وشبه الثغر بالبرق، من حيث: أن الشفة كالسحاب، فإذا ابتسمت يبدو البرق من السحاب. وروى: بل أنت فتنة، والتصغير في ذيا: إشارة إلى صغر أسنانها، وإما لأنه محبوب عندهم. كقولهم: يا بني. وهذا في التقسيم كقول الآخر: أقطع الدجى أم شعرك الفاحم الجعد ... أبدر الدجى أم لاح من وجهك السعد؟! رأت وجه من أهوى بليل عواذلي ... فقلن نرى شمساً وما طلع الفجر يقول: رأت العواذل وجهها بليل، فبهتن وقلن: نرى شمساً طالعة قبل طلوع الفجر! فأقررن بحسنها، وكففن عن عذلي وعذرنني في حبها، بعدما كن يعذلنني، ولأن الحسن للمحبوبة شغل العواذل، عن العذل، وكأنه مشتق من قوله تعالى: " فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن " يعني: أنهن إذا رأين يوسف ﵇ بهتن حتى تركن عذل امرأة العزيز. والواو في قوله: وما طلع واو الحال. رأين التي للسحر في لحظاتها ... سيوفٌ ظباها من دمي أبداً حمر

стр. 54

يقول: هؤلاء العواذل، رأين المرأة التي في لحظاتها للسحر سيوف، ظباها حمرٌ أبداً من دمي لأنها تقتلني بها. تناهى سكون الحسن في حركاتها ... فليس لرائي وجهها لم يمت عذر يقول: سكون الحسن تناهي في حركاتها يعني: أنها إذا تحركت سكن الحسن في حركاتها، فتكون حركاتها مسكناً للحسن، فلا يفارق الحسن حركاتها، فمن رآها في حسنها وجمالها ولم يمت، فليس له عذر في حكم العشق! إليك ابن يحى ابن الوليد تجاوزت ... بي البيد عنسٌ لحمها والدم الشعر العنس: الناقة الصلبة القوية. يقول: تجاوزت بي إليك في المفاوز ناقةٌ قويةٌ، لحمها ودمها الشعر الذي مدحتك به فكنت أحييها بإنشادي لها مدحكم، صيانةً لها من الهزال، لما علمت أنها إذا وصلت إليك وصلت إلى مرادها. نضحت بذكراكم حرارة قلبها ... فسارت وطول الأرض في عينها شبر النضح: الرش. يقول: رششت على الناقة فبردت بمدحكم والشعر فيكم حرارة قلبها، فنشطت وأسرعت في السير واستقصرت تلك المفاوز البعيدة، حتى كأن طول الأرض في عينها شبر؛ لاشتياقها إليك. إلى ليث حربٍ يلحم الليث سيفه ... وبحر ندىً في موجه يغرق البحر يقال: ألحمت فلاناً عرض فلانٍ، إذا جعلته يتناوله. وأراد هاهنا: تمكين السيف من لحم الليث. يقول: سارت هذه الناقة إلى ليث حربٍ، يلحم سيفه الأسد، أي يمكن سيفه من لحم الأسد، وإلى بحر سخاء، يغرق البحر في موجه، ففضله بذلك على البحر. وإن كان يبقى جوده من تليده ... شبيهاً بما يبقي من العاشق الهجر يقول: إنه بحرٌ إن كان يبقي جوده من ماله شيء، يبقي مقدار ما يبقي من العاشق الهجر، لأنه لا يبقى منه إلا القليل، فكذلك هذا الممدوح لا يبقى من ماله إلا ذلاك القدر. فتىً كل يوم يحتوي نفس ماله ... رماح المعالي لا الردينية السمر الردينية: الرماح المنسوبة إلى ردينة، وهي امرأة كانت تعمل الرماح، وزوجها: السمهر، وكان هو كذلك يعمل الرماح وإليه تنسب السمهرية. يقول: يسلب أمواله كل يوم رماح المعالي، لا الرماح الحقيقية: التي هي الردينية السمر. يعني: أنه فرقها على سؤاله وعفاته. تباعد ما بين السحاب وبينه ... فنائلها قطرٌ ونائله غمر التأنيث: للسحاب لأنه أراد به الجماعة. يقول: بعيدٌ ما بين السحاب وبينه؛ لأن نائل السحاب قطرٌ، ونائله غمر كثير. ولو تنزل الدنيا على حكم كفه ... لأصبحت الدنيا وأكثرها نزر يقول: لو كان أمر الدنيا إليه، لوهبها، وصار أكثرها في جنب هباته قليلاً؛ لأن كفه لا نهاية لها، فكل كثير عندها قليل. أراه صغيراً قدرها عظم قدره ... فما لعظيمٍ قدره عنده قدر يعني: عظم قدره أراه صغيراً قدر الدنيا، فليس لشيءٍ عظيم القدر قدرٌ عنده لعظم قدره وعلو همته. متى ما يشر نحو السماء بوجهه ... تخر له الشعرى وينكسف البدر تخر: جزم لأنه جزاء الشرط، وهو: متى ما يشر وفتحه لاجتماع الساكنين، وينكسف نصب عطفاً عليه. يقول: إن الممدوح متى نظر إلى السماء وأشار بوجهه إليها خرت له الشعرى وانكسف البدر: إما لهيبته، وإما خجلاً من نوره، وخص الشعرى لأن قوماً عبدوها، فبين أنها مع ذلك تسجد له، وخص البدر لكثرة ضوئه ولأنه كان معبوداً للقوم. ترى القمر الأرضي والملك الذي ... له الملك بعد الله والمجد والذكر ترى: يجوز أن يكون فعل الشعرى، وأراد: ترى أيها المخاطب القمر الأرضي، وهو الملك الذي له المجد والذكر بعد الله . كثير سهاد العين من غير علةٍ ... يؤرقه فيما يشرفه الفكر يقول: هو كثير السهاد، ثم قال: من غير علة، لصنعته في الشعر. ولما بين في قوله: يؤرقه الفكر فيما يكسبه الشرف، فلهذا يسهد كثيراً. له مننٌ تفنى الثناء كأنما ... به أقسمت ألا يؤدى لها شكر الكناية في به: للمدوح. يقول: له نعم تفنى الثناء للعجز عن الإحاطة بها، كأنما أقسمت المنن بهذا للمدوح ألا يؤدي لها الشكر. أبا أحمدٍ ما الفخر إلا لأهله ... وما لامرىءٍ لم يمس من بحتر فخر يقول: يا أبا أحمد، أنت أهل الفخر، فما الفخر إلا لأهله، وما لرجلٍ من غير قبيلتك فخر، وأنت منهم، فكأن الفخر جميعه لك.

стр. 55

هم الناس إلا أنهم من مكارم ... يغنى بهم حضرٌ ويحدو بهم سفر يقول: هم من الناس لأنهم مخلوقون مثلهم، ثم بين أنهم لبعد صيتهم يغنى بذكرهم الحاضرون، ويحدو به المسافرون. بمن أضرب الأمثال أم من أقيسه ... إليك وأهل الدهر دونك والدهر؟! يقول: لا نظير لك، فمن يضرب المثل في شأنك؟ أم من نقيسه إليك؟ وأهل الدهر والدهر دونك! وقال يمدح أخاه أبا عبادة عبيد الله بن يحيى البحتري: ما الشوق مقتنعاً مني بذا الكمد ... حتى أكون بلا قلبٍ ولا كبد الكمد: الحزن. يقول: إن الشوق لا يقنع مني بهذا الحزن الشديد، حتى يجعلني بلا قلبٍ ولا كبدٍ، فأموت. ولا الديار التي كان الحبيب بها ... تشكو إلي ولا أشكو إلى أحد هذا البيت يفسر على وجوه: أحدها: أن يكون عطفاً على قوله: ما الشوق ومعناه: أن الشوق كما لا يرضى مني بما أقاسي من الحزن، كذلك الدار التي كان الحبيب بها، لا ترضى مني بهذا الكمد. وتمم الكلام عند قوله: كان الحبيب بها. ثم ابتدأ وقال: تشكو إلي: أي هذه الديار تشكو إلي وحشة الفراق لجهلها، وأنا لا أشكو إلى أحد لجلادتي ولكتماني الأسرار، ولأني عاقل. والثاني: أن الديار ما شكت لأنها قد درست فضعفت عن الشكوى، لانمحاء آثارها، كما ضعفت أنا عن الشكوى، لسقوط القوة، وإن الديار ما شكت إلي لأنها ليست بناطقه فتعرب عن شكايتها. والثالث: أن دمعي حال دون تأملي آثار البلى في الديار؛ فلهذا لم تشك إلى أحد، ولو تأملتها تشكو إلي وحشتها، وسوء إثارة الزمان عليها، ثم لا أشكو إلى أحد. أي كانت الديار خالية، ليس فيها من أشكو إليه. ما زال كل هزيم الودق ينحلها ... والسقم ينحلني حتى حكت جسدي الهزيم: مطر الجود الذي له صوت. من الهزيمة وهو الصوت. وقيل هو: من الهزيمة. كأنه المطر الذي يلي بعضه بعضاً. والودق: المطر الشديد. يقول ما زال كل مطر جود شديد القطر يصيب الديار، فيعفوا رسومها، فذلك نحولها، وما زال السقم ينحلني بإذهاب لحمي حتى حكت الديار جسدي. وهذا البيت يؤكد المعنى الثاني، الذي ذكرناه في البيت. وكلما فاض دمعي غاض مصطبري ... كأن ما سال من جفني من جلدي يقول: كلما سال دمعي نقص اصطباري، وظهر جزعي، كأن الذي سال من الدمع من عيني سائل من جلدي. ومنه قول الآخر: فليس الذي يجري من العين ماؤها ... ولكنه نفسٌ تذوب فتقطر فأين من زفراتي من كلفت به ... وأين منك ابن يحيى صولة الأسد هذا له معنيان: أحدهما: أين من زفراتي وهي الأنفاس زفرات من كلفت به؟ أي أن زفراته لا تبلغ زفراتي! وقوله: أين منك؟ أي: من صولتك. يا ابن يحيى، صولة الأسد؟ أي: أن صولته دون صولتك. والثاني: أين من كلفت به من زفراتي؟ أي: أنه غافلٌ عنها، خالٍ منها. وأين منك صولة الأسد؟ أي: لا يبلغ صولتك، ولا يؤثر فيك شيئاً. لما وزنت بك الدنيا فملت بها ... وبالورى قل عندي كثرة العدد يقول: لما وزنت الدنيا وأهلها بك، فملت بهم، أي كنت أرجح منهم، فقل عندي كثرة العدد؛ لأن الاعتبار في الوزن بالفضل والمعنى لا بالعدد والذوات. ومثله للبحتري: ولم أر أمثال الرجال تفاوتت ... إلى الفضل حتى عد ألفٌ بواحد ما دار في خلد الأيام لي فرحٌ ... أبا عبادة! حتى درت في خلدي خلد الأيام: استعارة لطيفة، ولما ذكر الخلد: وهو القلب. قال: ما دار في قلب الأيام لي سرور حتى درت في قلبي. يعني: ما سررت منذ سمعت ذكرك في زماني هذا، حتى قصدتك فسررت برؤيتك. ملكٌ إذا امتلأت مالاً خزائنه ... أذاقها طعم ثكل الأم للولد يقول: هو ملكٌ إذا امتلأت خزائنه من المال، أذاقها بتفريق مالها، طعم ثكل الأم لولدها. ماضي الجنان يريه الحزم قبل غدٍ ... بقلبه ما ترى عيناه بعد غدٍ الجنان: القلب. ومضاؤه: ذكاؤه، وحدته، وشجاعته. والحزم: رفع على أنه فاعل يريه، وينصب على أنه مفعوله الثاني، والفاعل الجنان. يقول: إنه يرى بقلبه الأشياء قبل ما تراه العين بعد غدٍ. ماذا البهاء ولا ذا النور من بشرٍ ... ولا السماح الذي فيه سماح يد يقول: ليس هذا البهاء والنور اللذين فيه، من بشر، بل هو من ملك، ولا السخاء الذي فيه سخاء يد أحدٍ. بل هو سخاء أيدٍ كثيرة.

стр. 56

وقيل معناه: ولا السخاء الذي فيه سخاء يدٍ وإنما هو سحابٍ، أو سخاء بحر. أي الأكف تبارى الغيث ما اتفقا ... حتى إذا افترقا عادت ولم يعد يقول: أي كفٍّ من بين الأكف تعارض الغيث وتكاثره، ما داما متفقتين في الحال. الكف في الإعطاء والغيث في إحياء إدامة الإنداء، حتى إذا افترقا، عادت الكف إلى الإعطاء، ولم يعد الغيث إلى الإنداء، وليس هكذا كفٌّ إلا كف هذا الممدوح. قد كنت أحسب أن المجد من مضر ... حتى تبحتر فهو اليوم من أدد مضر: ابن نزار بن معد بن عدنان. وأدد: ابن طايحة بن إلياس بن يعرب ابن قحطان. وبحتر: الذي هو الممدوح من قحطان. يقول: كنت أظن قبل هذا، أن الشرف كله من مضر، حتى رأيته ببحتر، فنسب نفسه إليها لكون الممدوح منها، فهو الآن من أدد الذي هو من قحطان. قيل: تبحتر أي: أقام ببحتر فلما أقام فيها علمت أنه من أدد. قومٌ إذا مطرت موتاً سيوفهم ... حسبتها سحباً جادت على بلد فاعل مطرت: سيوفهم، ومفعوله: موتاً والهاء في حسبتها: للسيوف، وفي جادت: للسحب. يقول: هم قوم إذا قاتلوا، مطرت سيوفهم موتاً؛ لكثرة ما يقتلون بها، فيظن سيوفهم سحاباً مطرت مطراً جوداً على بلدٍ. لم أجر غاية فكري منك في صفةٍ ... إلا وجدت مداها غاية الأبد يقول: ما أجريت غاية فكري في صفةٍ منك، إلا وجدت غاية تلك الصفة غاية الأبد، وليس للأبد نهاية. وقال يمدح محمد مساور بن محمد الرومي: جللاً كما بي فليك التبريح ... أغذاء ذا الرشإ الأغن الشيح الجلل: الأمر العظيم هاهنا، وهو أيضاً الأمر الهين ونصب بخبر فليك. والتبريح: اسمه وهو الشدة. والرشأ: ولد الظبية، والأغن: الذي يخرج صوته من الخيشوم. والشيح: نبت معروف، وهو من نبات نجد، وهو ينعم المواشي إذا رعته وقوله: فليك أصله فليكن فحذف النون لسكونها وسكون التاء الأولى من التربيح، تشبهاً للنون بحروف اللين؛ لما فيه من الغنة. يقول: ليكون التبريح والشدة عظيماً كما بي، فتم الكلام هاهنا، ثم استأنف في المصرع الثاني متعجباً من المشبه به فقال: أغذاء ذا الرشأ الأغن الشيح؟! أي فرط شبهه بالظبي شككت فيه: أنه ظبي في الحقيقة أم لا؟ وقد طعن في ذلك. وقيل: إن أحد المصراعين ينافي الآخر ولا مطعن فيه لأن المصراعين بمنزلة البيتين، فكما يجوز أن يكون أحد البيتين منقطعاً عن الآخر، فكذلك المصراعان، وقد ورد مثال ذلك في الأشعار. وقد قيل في وجه اتصال المصراعين وجهان: أحدهما: أنه بين في المصراع الأول حالة في شدة التبريح وبالغ فيه، ثم بين في المصراع الثاني: أن من فعل به تبريح الهوى هو الرشأ الأغن المنعم الذي ربى بالشيح. والثاني: أن معناه: إن كان في الدنيا تبريحاً، فليكن عظيماً مثل ما بي. ثم قال: أتظنون أن من فعل بي هو الرشأ الذي غذاؤه الشيح؟ ما هو إلا الرشأ الذي غذاؤه قلوب العاشقين وأبدانهم، فيا له من رشأ أغن! وقد كان ما قاله المتنبي على زعم بعضهم: جللا كما بي فليك التبريح ... أولا فتبريح الهوى ترويح لله من رشأ أغن مهفهفٍ ... أغذاء ذا الرشأ الأغن الشيح ومعناه على هذا: ليكن التبريح عظيماً كما بي، وإلا فإنه ترويحٌ إذا لم يكن مثل تبريحي، ثم قال: لله من رشأ، ومعناه عجباً من الرشأ الذي في صوته غنة! مهفهفٍ: أي دقيق الخصر. غداؤه الشيح: الذي ينعم به أمثاله. فكأنه قال: كل ما حصل بي من التبريح، فمن الرشأ الذي صفته هذه. لعبت بمشيته الشمول وجردت ... صنماً من الأصنام لولا الروح يقول: لعبت الخمر بمشية هذا الرشأ، حتى صار مثل شارب الخمر. وجردت: أي عرته عن ثيابه. وصنماً: نصب لوقوع جردت عليه، فكأنه يقول: جردت الشمول صنماً من الأصنام، لولا أن فيه الروح، لكان صنماً. وقيل: جردته في الحسن صنماً، فنصب على الحال. وإنما لم يقل: وثناً لأنه غير مصور بخلاف الصنم. ما باله لاحظته فتضرجت ... وجناته وفؤادي المجروح؟! تضرجت: أي احمرت. يقول: ما بال هذا الرشأ لاحظته فاحمرت وجناته؟! وقلبي هو المجروم النظر إليه! فكان ينبغي أن يحمر قلبي. ورمى، وما رمتا يداه فصابني ... سهمٌ يعذب والسهام تريح رمت يداه: على لغة من يقول: أكلوني البراغيث. وما للنفي وسهم: رفع بصابني.

стр. 57

يقول: رمى هذا الرشأ سهماً وهو النظر ولم ترم يداه فصابني، سهمٌ يعذب طول الأبد، بخلاف السهام المريحة القاتلة. قرب المزار ولا مزار وإنما ... يغدو الجنان فنلتقي ويروح المزار الأول: موضع الزيارة. والثاني: المصدر، ويحتمل أن يكونا مصدرين. يقول: قرب المزار بيننا بالفكر والقلب، ولا زيارة في الحقيقة، وإنما يغدو القلب ويروح، إلى القلب فنلتقي نحن بالتقائهما، فالتقاؤنا بالأرواح لا بالأشباح. وفشت سرائرنا إليك وشفنا ... تعريضنا فبدا لك التصريح يقول: كنا قد عرضنا بحبك فشفنا أي أضعفنا تعريضنا به فضعفت أسرارنا لذلك التصريح، فأظهر هزالنا ونحولنا ما بنا، فصار التعريض تصريحاً. وقيل: أراد لما شفنا التعريض وجهر بنا، فلم نطق كتمان الحب، أسررنا إلى التصريح فانهتك الستر. لما تقطعت الحمول تقطعت ... نفسي أسىً وكأنهن طلوح الحمول: بالفتح الإبل، وبالضم الأحمال. وأراد ها هنا الهوادج بما فيها. يقول: لما تقطعت الحمول عن عيني تقطعت نفسي حزناً. ثم شبه الحمول بالطلوح وهي جمع الطلح شجر عظيم، لأنهم يشبهون الإبل، وأحمالها بالنخيل، وسائر الأشجار الرفيعة. ويجوز تشبهها بالطلح لنحولها ودقتها. وجلا الوداع من الحبيب محاسناً ... حسن العزاء وقد جلبن قبيح الضمير في جلبن: للمحاسن. يقول: أظهر الوداع من الحبيب محاسن، وكان الحسن الصبر، وقد أظهرن قبيحاً؛ لظهور هذه المحاسن، أو لما تعقبه من الفراق. ومثله قول الشاعر: والصبر يحسن في المواطن كلها ... إلا عليك فإنه لا يحمد قيدٌ مسلمةٌ وطرفٌ شاخصٌ ... وحشاً يذوب ومدمعٌ مسفوح وقد روى أيضاً فيدٌ مسالمةٌ أي مصالحة؛ من حيث أنه أشار بها للوداع. والشاخص: هو الذاهب المتحير. والمسفوح: المصبوب وأراد به المدمع الحال فيه، لأن محله غير مسفوح، ويجوز أن يكون أراد ومدمع مسفوح منه: يصف حال الوداع فيقول: كان لكل واحدٍ منا، يد مسلمة للتوديع خوف الرقباء، وطرف طافحٌ متحير، وحشاً ذائب؛ أسفاً على الفراق، ودمع مسفوح. يجد الحمام ولو كوجدي لانبرى ... شجر الأراك مع الحمام ينوح انبرى: أي انبعث وأخذ. يقول: لو حزن الحمام مثل حزني لناح شجر الأراك الذي عليه، مع الحمام عند نوحها. وأمق لو خدت الشمال براكبٍ ... في عرضه لأناخ وهي طليح الأمق: الطويل. وأراد به هاهنا: المفازة الواسعة. والطليح: الناقة المعيبة. وخدت: أي حدت وجرت، وأناخ: فعل الراكب. يقول: رب مهمةٍ طويل لو جرت في عرضه الريح الشمال براكب عليها، لأناخ الراكب، وهي: يعني الشمال معيبة فإذا كان المركوب ريحاً هذا حالها في العرض، فما ظنك بسائر المركوبات بالطول؟ لأن عرض كل شيء دون طوله. وروى: في عرضه. أي جانبه. نازعته قلص الركاب وركبها ... خوف الهلاك حداهم التسبيح الهاء في نازعته: للأمق، ومعناه: جاذبته؛ لأنه أراد أن يهلك الركاب، وأردت أن أنجو بها، وحداهم: ممدود إلا أنه قصر للضرورة. يقول: نازعت هذا الأمق أبكار الإبل، في حالة كان حداء الراكبين فيها من خوف الهلاك والضلال التسبيح لله تعالى، وخوف الهلاك: نصب لأنه مفعولٌ له. لولا الأمير مساور بن محمدٍ ... ما جشمت خطراً ورد نصيح التاء في جشمت: لقلص الركاب. يقول: لولا الممدوح ما جشمت قلص الركاب الأبكار، أمراً مهولاً، وما رد الناصح الذي ينهى عن ركوب، مثل هذه المهلكة. ومتى ونت وأبو المظفر أمها ... فأتاح لي ولها الحمام متيح يقول: متى فترت هذه القلص، ومقصودها الممدوح، فأتاح لي: أي قدر لي ولها، الحمام: أي الموت متيح: وهو الله تعالى. شمنا وما حجب السماء بروقه ... وحرىً يجود وما مرته الريح يقول: هو السحاب شمنا بروقه في حال ما لم يحجب السماء، بخلاف سائر السحب، إذ المعهود من البرق أن يحجب السماء بالغيم، وهو حقيق بأن يجود من غير أن تمر به الرياح، أي تحلبه كما تحلب السحاب وتقديره؛ شمنا بروقه وما حجب السماء. مرجو منفعةٍ مخوف أذيةٍ ... مغبوق كأس محامدٍ مصبوح يقول: هو مرجو محامدٍ يسيرها إلى أوليائه، ومخوف أذيه يحلها بأعدائه، وقد صبح كأس المحامد وغبق، فهو محمود أبداً.

стр. 58

حنقٌ على بدر اللجين وما أتت ... بإساءةٍ وعن المسيء صفوح يقول: إنه حنقٌ على بدر الفضة؛ لكثرة تفريقه إياها من غير ذنب وإساءة منها، وهو مع ذلك يعفو عن المسيء المذنب. لو فرق الكرم المفرق ماله ... في الناس لم يك في الزمان شحيح فاعل فرق ضمير الممدوح، والكرم مفعوله، والمفرق: صفة الكرم. وماله: نصب بالمفرق، الذي هو الفاعل من فرق. وروى: لو فرق الكرم المفرق ماله على ما لم يسم فاعله فيرفع ما بعده إلا ماله فإنه منصوب. يقول: لو أنه فرق كرمه، الذي يفرق ماله على الناس لم يكن في الزمان بخيل. يعني: أنه يعم الناس بره حتى لا يبخل أحدٌ بشيء من المال. ألغت مسامعه الملام وغادرت ... سمةً على أنف اللئام تلوح ألغت: أي ألقت وقد روى ذلك أيضاً. وقيل معناه: جعلت الملام لغواً أي باطلاً. فمعناه: أبطلت. يقول: إن مسامعه أبطلت ملام اللائمين له، على إعطائه وغادرت الملام سمة لائحة على أنوف اللئام. وروى على أنف اللئام. يعني أنه لوى به أنوفهم. هذا الذي خلت القرون وذكره ... وحديثه في كتبها مشروح التأنيث في كتبها: للقرون. يقول: هذا الممدوح هو الذي ذكره في كتب القرون الماضية، مشروح منزلٌ منزلة الأنبياء؛ من تقدم البشارة بهم، وكان الوجه أن يقول: وذكره وحديثه مشروحان، ولكن لما كان معناهما واحد، اقتصر على واحد. ألبابنا بجماله مبهورةٌ ... وسحابنا بنواله مفضوح مبهورة: أي مغلوبةٌ مدهوشة. يقول: عقولنا بجماله مغلوبة مدهوشة، والحاب بعطائه مفضوح لقصور نيله من نيله. يغشى الطعان فلا يرد قناته ... مكسورةً ومن الكماة صحيح الواو في قوله: ومن الكماة للحال. يقول: إنه يرد للمطاعنة فلا يرد رمحه مكسوراً إلا بد ألا يبقى من الشجعان صحيح. وعلى التراب من الدماء مجاسدٌ ... وعلى السماء من العجاج مسوح المجاسد: جمع مجسدة، وهو الثوب الذي يلي الجسد، وهو أيضاً الثوب المصبوغ بالجساد: وهو الزعفران. يقول يغشى الطعان وتراب الأرض قد غشي بثيابٍ من الدماء، وعلى الجو من الغبار مسوح سود. فشبه التراب المختلط بالدم: بالثياب المصبوغة بالزعفران. وشبه الغبار الكثيف: بالمسوح السود. يخطو القتيل إلى القتيل أمامه ... رب الجواد وخلفه المبطوح يقول رب الجواد: وهو الممدوح، يخطو من قتيل إلى قتيل آخر أمامه وخلفه مبطوح، حين طعنه فتخطاه. فمقيل حب محبه فرحٌ به ... ومقيل غيظ عدوه مقروح يقول: قلب محبه وهو مقيل الحب، فرد به غيظ عدوه، أي قلب عدوه بالغيظ الذي فيه مجروح. يخفي العداوة وهي غير خفيةٍ ... نظر العدو بما أسر تبوح يخفي: فعل العدو. يقول: يخفي عدوه العداوة عنه؛ لخوفه منه، وهي لا تخفى عليه لذكائه، وفطنته. وقوله: نظر العدو بما أسر تبوح يحتمل أن يريد به: نظر الدو إليه نظراً شزراً، يظهر ما أسره في قلبه من العداوة. فيكون المصدر مضافاً إلى فاعله. ويحتمل أن يريد: أنه إن نظر إلى العدو يبوح بسره؛ لأنه إذا نظر إليه يعرف ما في قلبه، ويكون المصدر مضافاً إلى المفعول. يا ابن الذي ما ضم بردٌ كابنه ... شرفاً ولا كالجد ضم ضريح يقول: يا ابن الذي لم يضم البرد شرفاً وحياءً، والابن: هو الممدوح، ولا ضم القبر كجده ميتاً. نفديك من سيل إذا سئل الندى ... هولٍ إذا اختلطا دمٌ ومسيح المسيح: العرق. يقول نفديك: من رجلٍ يشبه السيل إذا سئل السخاء، وهو هول؛ إذا اختلطا دمٌ وعرقٌ في القتال. وفي قوله: اختلطا دم ومسيح: أورد الاثنين قبل الذكر، أورده مورد قولهم: أكلوني البراغيث. لو كنت بحراً لم يكن لك ساحلٌ ... أو كنت غيثاً ضاق عنك اللوح يقول: لو كنت بحراً كنت بلا شطٍّ ونهاية، أو كنت غيثاً ضاق عنك الهواء لكثرته. والأوجه أن يقول: لم يك له وضاق عنه ولكنه أسنده إلى كنت. وخشيت منك على البلاد وأهلها ... ما كان أنذر قوم نوح نوح عجزٌ بحرٍّ فاقةٌ ووراءه ... رزق الإله وبابك المفتوح البيت الأول: معناه ظاهر. يقول بعده: عجزٌ بالحر الذي به فقر مع أن قدامه رزق الله تعالى، وبابك المفتوح بالسخاء. إن القريض شجٍ بعطفي عائذٌ ... من أن يكون سواءك الممدوح

стр. 59

وذكي رائحة الرياض كلامها ... تبغي الثناء على الحيا فتفوح شجي يشجى فهو شج: إذا اغتص به. وعطف الشيء: جانبه. يقول: إن الشعر يلتجىء إلي عائذٌ بعطفي وجانبي؛ مخافة أن أمدح به غيرك من الناس، لرغبته في محاسنك وزهدة فيمن سواك، لأنهم لا يستحقونه. الذكي: الرائحة الشديدة. يقول: إن شعري كره أن أمدح به غيرك لأنه قد رأى الرياض تشكر المطر. ففوحها طيب كلامها وثنائها على المطر فتشكر على قدر إمكانها، فأرادني أن أمدحك به فأؤدي شكرك. جهد المقل فكيف بابن كريمةٍ ... توليه خيراً واللسان فصيح يقول: إذا شكرت الرياض للمطر، بالريح الذكي، وذلك جهد المقل، فكيف ظنك بابن حرة توليه براً جزيلاً وإحساناً جميلاً، وله لسان فصيح، فاعذره إذا ترك الثناء عليك. وقال أيضاً يمدحه: أمساورٌ أم قرن شمسٍ هذا؟ ... أم ليث غابٍ يقدم الأستاذا؟ يقدم: أي يتقدم. والأستاذ: قيل هو الممدوح الذي هو مساور، أو قرن الشمس أيضاً اشتبه بقرن الشمس حتى إنه يحتاج إلى الاستفهام أنه هو، أم قرن الشمس؟ وقرن الشمس أول ما يبدو منها، ويكون ليث غاب على هذا: هيبته التي تسبق إلى قلوب الناس دون نفس مساور، لأن الشيء لا يتقدم نفسه فكأنه قال: إن هيبته التي تسبق ليث غاب، تقدم مساوراً وقيل: إن الأستاذ غير مساور، الذي هو الممدوح. وقيل: هو كافورٌ الإخشيدي وكان مساور في حجابه أو قواده. فيكون على هذا شبه الأستاذ بالشمس، وشبه مساوراً بقرنها، ثم جعله أيضاً ليث غاب يتقدم الأستاذ في سيره، أو في موكبه. وقيل: إن الأستاذ ليس هو رجلاً بعينه، وإنما المقصود: أن مساوراً في شجاعته يسبق أستاذه، ودون أستاذه يعجز عنه. شم ما انتضيت فقد تركت ذبابه ... قطعاً وقد ترك العباد جذاذا يقول: أغمد ما انتضيته يعني: السيف. فقد تركت حده قطعاً من كثرة ما ضربت به، وقد ترك السيف عباد الله قطعاً. هبك بن يزدادٍ حطمت وصحبه ... أترى الورى أضحوا بني يزداذا هب: أي اجعل. يقول: هب أنك كسرت ابن يزداد وأصحابه، أترى أن الناس كلهم بنو يزداد، فتقتلهم وتحطمهم، كما قتلت خصمك! كأنه قد كان جاوز عن قتل أعدائه إلى قتل غيرهم. غادرت أوجههم بحيث لقيتهم ... أقفاءهم وكبودهم أفلاذا يقول: غادرت أي تركت وجوههم عندما لقيتهم أقفاءهم: أي طمست آثارها حتى لم تبين وجوهم من أقفائهم. وقيل: أراد أنك هزمتهم فقامت أقفاؤهم: أي طمست آثارها حتى لم تبين وجوههم من أقفاءهم: أي طمست آثارها حتى لم تبين وجوههم من أقفائهم. وقيل: أراد أنك هزمتهم فقامت أقفاؤهم في استقبالهم مقام وجوههم، وتركت أكبادهم متقطعة. في موقفٍ وقف الحمام عليهم ... في ضنكه واستحوذ استحوذا يقول: فعلت ذلك بهم، في موقفٍ وقف الموت عليهم في مضيق ذلك الموقف، أي في موقف صعب، وغلبت عليهم غلبة عظيمة. جمدت نفوسهم فلما جئتها ... أجريتها وسقيتها الفولاذا التأنيث: للنفوس. وجمدت نفوسهم: يجوز أن يريد جمدت دماؤهم فلما جئتها أجريتها وأذبتها، ثم أسقيتها الفولاذا لأنه كان ظامئاً إليها. لما رأوك رأوا أباك محمداً ... في جوشن وأخا أبيك معاذا يقول: لما رآك ابن يزداد وأصحابه، رأوا برؤيتك أباك وعمك، لأنك أشبهتهما فعلاً ونجدة، فكأنهما كانا في جوشن واحد، وقيل رأوهما في جوشنك، وذلك جامعٌ لمدحه ومدح أبيه وعمه، لأنه نسبهما إلى الشجاعة. أعجلت ألسنهم بضرب رقابهم ... عن قولهم لا فارسٌ إلا ذا يقول: لما رأوك أرادوا أن يقولوا: ليس في العالم فارسٌ إلا هذا، فأعجلتهم عن قول ذلك بضرب رقابهم قبلها. غرٌّ طلعت عليه طلعة عارضٍ ... مطر المنايا وابلاً ورذاذا مطر المنايا: يجوز أن يكون منصوباً بتقدير فعل، فكأنه يقول: وأمطرت عليهم مطر المنايا. والوجه عندي غير ذلك وهو: أن يكون مطر المنايا فعلاً ماضياً وفاعله ضمير عارض: تقديره طلعت عليهم طلعة عارض أمطر ذلك العارض عليهم المنايا. يقول: إن ابن يزداد كأنه لم يجرب الأمور؛ فطلعت عليهم طلعة سحاب ماطر، غير أن مطره كان الموت. ووابلاً: أي عظيماً، ورذاذا: أي صغيراً، شبه الدم السائل من ضربة السيف بالوابل، ومن الطعن فيهم بالرذاذ.

стр. 60

فغدا أسيراً قد بللت ثيابه ... بدمٍ وبل ببوله الأفخاذا يقول: غدا ابن يزداد، أسيراً جريحاً، قد بللت ثيابه من دمه، وبل هو أفخاذه ببوله، خوفاً منك وفزعاً. سدت عليه المشرفية طرقه ... فانصاع لا حلباً ولا بغداذا المشرفية: السيوف المنسوبة إلى اليمن وتعمل فيها. وانصاع: أي انصرف وانثنى. يقال: صعته فانصاع. يقول: سدت عليه السيوف طرقه؛ لأنك أسرته فبقي حائراً لم يصل إلى حلب ولا إلى بغداد. طلب الإمارة في الثغور ونشؤه ... ما بين كرخايا إلى كلواذا هاتان قريتان من رستاق بغداد. يقول: إنه طلب إمارة الثغور، ونشؤه بين هذين الموضعين، والسواد لا تصلح للإمارة. فكأنه حسب الأسنة حلوةً ... أو ظنها البرني والأزاذا البرني والأزاذ: نوعاً من التمر. يقول: حسب من جهله أن الأسنة حلوة، أو ظنها هذين النوعين من التمر، ولم يعلم أن طعمها بالخلاف. لم يلق قبلك من إذا اختلف القنا ... جعل الطعان من الطعان ملاذا يقول: إن ابن يزداد لم يلق قبلك رجلاً إذا ترددت الرماح واختلفت، جعل المطاعنة ملاذاً من المطاعنة، ومعناه: أنه يتحصن بالمطاعنة من أذى خصمه. فكأنه هرب من الطعان إلى الطعان، في حال ما يلتجىء غيره إلى العساكر والحصون. من لا توافقه الحياة وطيبها ... حتى يوافق عزمه الإنفاذا يقول: لم يلق ابن يزداد قبلك أحداً لا توافقه الحياة وطيبها، أي لا تطيب له الحياة، حتى يمضي عزمه فيما يقصده. متعوداً لبس الدروع يخالها ... في البرد خزاً والهواجر لاذا اللاذ: ثوبٌ رقيق كالكتان، أو أرق منه. يقول: لم يلق ابن يزداد قبلك متعوداً لبس الدروع في الصيف والشتاء حتى يخالها التذاذاً بها واعتياداً للبسها أنها في البرد: خز. وفي الصيف: كتان، أو ثوب رقيق. أعجب بأخذكه وأعجب منكما ... ألا تكون لمثله أخاذا! يقول: ما أعجب أخذك له، وأسرك إياه! وأعجب منك ومنه ألا تكون أخاذاً لمثله مع فضل قوتك! وقال يرثي محمد بن إسحاق التنوخي إني لأعلم واللبيب خبير ... أن الحياة وإن حرصت غرور ورأيت كلاً ما يعلل نفسه ... بتعلة وإلى الفناء يصير يقول: إني أعلم أن الحياة غرور، وإن حرصت عليها، وملت إليها، وإنما أعلم ذلك لأني عاقل، والعاقل يعلم ذلك لا محالة. أمجاور الديماس رهن قرارةٍ ... فيها الضياء بوجهه والنور الديماس: حفرة القبر، وقيل: هو اسم لحبس الحجاج، كان لا يدخله أحدٌ ويخرج منه! وقوله: رهن قرارةٍ: منصوب على الحال، أو على البدل من مجاور الديماس، والقرارة: أراد بها أرض القبر، والهاء في فيها ترجع إلى القرارة. يقول: يا ساكن القبر قد أنار الأرض نور وجهك. ما كنت أحسب قبل دفنك في الثرى ... أن الكواكب في التراب تغور ما كنت آمل قبل نعشك أن أرى ... رضوى على أيدي الرجال يسير يقول: ما كنت أظن أن النجوم تغور في الثرى، أي تغيب، حتى رأيت تواريك في القبر، وما كنت أرجو قبل رؤيتك على النعش، أن الجبل يسير على أيدي الرجال. خرجوا به ولكل باكٍ خلفه ... صعقات موسى يوم دك الطور يقول: خرجوا به إلى القبر، والباكين كل له غشيانٌ كغشيان موسى ﵇، يوم دك الطور، أي أزيل وسوى به الأرض، وهو من قوله تعالى " وخر موسى صعقاً ". والشمس في كبد السماء مريضةٌ ... والأرض واجفةٌ تكاد تمور مرض الشمس: عبارة عن قلة ضوئها، وعن كسوفها، وكأن الشمس في تلك الحالة مرتجة في وسط السماء، والأرض مضطربة. تكاد الأرض تمور أي تزلزل وتدور، وإنما قال في وسط السماء؛ لأن الشمس في تلك الحالة تكون أضوأ ما تكون. وحفيف أجنحة الملائك حوله ... وعيون أهل اللاذقية صور صور: جمع أصور، وصور: أي مائلة. يقول: حضرت الملائكة جنازته، فكأن حوله أصوات أجنحتهم عند سيرهم مع الجنازة، وعيون أهل هذه البلدة مائلة نحو جنازته تحسراً عليه وعلى مفارقته. حتى أتوا جدثاً كأن ضريحه ... في قلب كل موحدٍ محفور

стр. 61

يقول: حتى أتو به قبراً، كأن ضريحه حفر في قلب كل موحدٍ، يعني أن موته صعب على الموحدين؛ فكأنهم حفروا قبره في قلوبهم؛ لعظم تأثيره فيهم. وقيل: أراد أنه ليس يغيب ذكره عن قلوب الموحدين فكأنه دون فيها، ويجوز أن يريد بتشبيه قبره بقلوب الموحدين: إشارة إلى حصول النور فيه لما دفنه فيه كالنور الذي يكون في قلب المؤمن الموحد. بمزودٍ كفن البلى من ملكه ... مغفٍ وإثمد عينه الكافور مزود: صفة لمحذوف، أي برجل مزود. يقول: أتوا القبر برجل مزود عن جميع ما يملكه، كفناً يبلى وهو مغف: أي مغض عينيه. وإثمد عينيه: أي كحلهما. الكافور: أي إنه لم يحمل من ماله لنفسه إلا الكحل والكفن والحنوط. فيه السماحة والفصاحة والتقى ... والبأس أجمع والحجا والخير أي في الجدث. أو في المرثى، والخير هنا: الكرم. والحجا: العقل فكأنه يقول: إن هذه المعاني دفنت بدفنه. كفل الثناء له برد حياته ... لما انطوى فكأنه منشور انطوى: كناية عن موته. والمنشور: عن حياته. يقول: كفل له الثناء أو الذكر برد حياته، فكأنه حي بعد الدفن والموت، يعني: أن ذكره الجميل باق بعده، فكأنه لم يمت؛ لقيام ذكره له مقام الحياة ومثله لآخر: ردت صنائعه إليه حياته ... فكأنه من نشرها منشور فكأنما عيسى بن مريم ذكره ... وكأن عازر شخصه المقبور يقول: إن ذكره الباقي بعده، أحياه فكأن ذكره، المسيح ﵇، وكأن شخصه المقبور، عازر. وهو: الذي أحياه الله تعالى على يد السيد المسيح. واستزاده بنو عم الميت فقال ارتجالاً: غاضت أنامله وهن بحور ... وخبت مكايده وهن سعير يقول: كانت أنامله في الجود كالبحور، فغار ماؤها، وكانت مكايده في الحرب سعيراً، فخبت وطفئت. يبكى عليه وما استقر قراره ... في اللحد حتى صافحته الحور قراره: يرفع وينصب؛ الرفع باستقر، والنصب على الظرفية. يقول: يبكى عليه، ومن الواجب ألا يبكى عليه؛ لأنه لم يستقر قراره حتى أتاه من الكرامة والثواب، وصافحته الحور، ويجوز أن يكون على الاستفهام والتوبيخ، أي نبكي وهو لم يستقر قراره حتى صافحته الحور. صبراً بني إسحاق عنه تكرماً ... إن العظيم على العظيم صبور نصب صبراً: على المصدر أي اصبروا صبراً، وتكرماً: نصب لأنه مفعول له. يقول: اصبروا وترفقوا عن الجزع عن هذا الميت؛ لأن قدركم عظيم، والمفجوع به عظيم، والمصيبة بمثله عظيمة، والعظيم يصبر على العظيم، فاصبروا على عظماء. فلكل مفجوعٍ سواكم مشبهٌ ... ولكل مفقود سواه نظير يقول: لكل مصاب نظير غيركم فإنه لا نظير لكم، ولكل مفقود غير هذا الميت نظير، فإنه لا نظير له. أي ليس في الأحياء مثلكم ولا في الأموات مثله! وقيل: إن هذا أمر عام فلكم أمثال وله نظير؛ لأن المفجوعين والمفقودين كثير. أيام قائم سيفه في كفه ال ... يمنى وباع الموت عنه قصير أيام: نصب بقوله لكل مفقود سواه نظير أيام. يقول: لكل مفقود نظير أيام. وقيل: تقديره اذكر، أو اذكروا أيام. يقول: كانقائم سيفه أيام حياته في يمناه إشارة إلى شجاعته، وكان باع الموت مع طوله واقتداره، قصير عنه! ولطالما انهملت بماءٍ أحمرٍ ... في شفرتيه جماجمٌ ونحور فاعل انهملت: جماجم ونحور. يقول: لطالما انهملت جماجمٌ ونحورٌ، بماءٍ أحمر، وهو الدم. في شفرتيه: أي شفرتي سيفه. فأعيذ إخوته برب محمدٍ ... أن يحزنوا ومحمدٌ مسرور يقول: أعيذ إخوة الميت، برب محمد، وهو الميت، أن يحزنوا عليه، وهو مسرورٌ: أي بما أتاه الله من الثواب والكرامة، وأسباب المسرة. ويجوز أن يكون محمد الأول النبي ﷺ ، والثاني الميت. أو يرغبوا بقصورهم عن حفرةٍ ... حياه فيها منكرٌ ونكير يقول: وأعيذهم أن يرغبوا في قصور الدنيا عن دار الآخرة، وأن ينسوا ما يلزمهم من الأعمال الصالحة، فكنى عن الآخرة بحفرة هذا الميت، الذي حياه فيها منكر ونكير، فكأنه يحثهم على الاستعداد للموت. وقيل: أراد أعيذهم أن يتركوا زيارة قبر هذا الميت، الذي حياه فيه منكر ونكير، ويلزموا قصورهم المنيفة. نفرٌ إذا غابت غمود سيوفهم ... عنها فآجال العداة حضور

стр. 62

يقول: هم نفرٌ، إذا سلوا سيوفهم، ففارقت غمودها حضرت آجال العباد، وقتلوا من شاءوا. وإذا لقوا جيشاً تيقن أنه ... من بطن طيرٍ تنوفةٍ محشور الضمير في لقوا: يعود إلى النفر، والتنوفة: الفاختة. وتيقن فعل الجيش. والهاء في أنه للجيش، ووحد محشور لهذا المعنى. يقول: إنهم إذا لقوا جيشاً في الحرب تيقن ذلك الجيش أنهم مقتولون فتأكلهم طيور الفاختة، فيحشرهم الله تعالى يوم القيامة من بطونها. لم تثن في طلبٍ أعنة خيلهم ... إلا وعمر طريدها مبتور يقول: إنهم لا يثنون أعنة خيلهم في طلب عدوهم، إلا أدركوه، وجعلوا عمره مبتوراً: أي مقطوعاً. يممت شاسع دارهم عن نيةٍ ... إن المحب على البعاد يزور عن نيةٍ: أي بعدٍ. يقول: إني قصدت دارهم البعيدة، على بعد المسافة؛ لحبي لهم، وقد تبين ذلك. ويجوز أن يريد بقوله عن نيةٍ: أي عن قصدٍ مني إليهم، ونيةٍ مني على زيارتهم؛ لحبي إياهم، ولم يكن ذلك اتفاقاً، أو على سبيل الاجتياز بهم. ثم قال: إن المحب على البعاد يزور وهذا كقول القائل وهو: من عالج الشوق لم يستبعد الدار وقريب منه قول الآخر: وما كنت زوراً ولكن ذا الهوى ... إذا لم يزر لابد أن سيزور ومثله قولهم: إن المحب إذا لم يستزر زارا وقنعت باللقيا وأول نظرةٍ ... إن القليل من الحبيب كثير يقول: رضيت برؤيتهم، بل بأول نظرةٍ ولم أطل المقام للنظر؛ لأن القليل من المحب كثير فأنا محب لهم. إن من قوله: غاضت أنامله إلى قوله: ولطالما انهملت بماء أحمر زيادة قالها ارتجالاً، بعد أن قال القصيدة فألحقت في هذا الموضع. وسأله بنو عم الميت أن ينفي الشماتة عنهم فقال ارتجالاًك ألآل إبراهيم بعد محمدٍ ... إلا حنينٌ دائمٌ وزفير الهمزة: للاستفهام، ومعناه الجحد. يقول: ما لآل إبراهيم وهم بنو عم الميت بعد موت هذا الرجل إلا الحنين الدائم، وهو الشوق إليه، وكذلك الزفير الدائم والبكاء أسفاً عليه، وإنما قال ذلك: لأن بعضهم قالوا: إنهم شمتوا به، فنفى عنهم ذلك. ما شك خابر أمرهم من بعده ... أن العزاء عليهم محظور يقول: ما شك من اختبر أمرهم وتأمله، من بعد المتوفى أن الصبر عليهم ممنوع حرام؛ لما هم فيه من الغم والجزع والقلق والهلع. تدمي خدودهم الدموع وتنقضي ... ساعات ليلهم وهن دهور فاعل تدمي: الدموع، ومفعوله: خدودهم، والواو في قوله وهن واو الحال. يقول: إنهم من كثرة ما جرت دموعهم على خدودهم قرحت خدودهم حتى صارت تدمى، وإنهم من كثرة سهرهم بالليل، صارت ساعات الليل عندهم بمنزلة الدهور. وقيل: أراد، إنهم يبكون الدم مكان الدمع. أبناء عمٍّ كل ذنبٍ لامرىءٍ ... إلا السعاية بينهم مغفور يقول: هم أبناء عمٍّ واحد، فكل ذنب لديهم مغفور، إلا السعاية بينهم، فإن من حقهم ألا يغفروها، وأن يعاقبوا من سعى بينهم بالعداوة. طار الوشاة على صفاء ودادهم ... وكذا الذباب على الطعام يطير يقول: إن الوشاة تعرضوا ليفسدوا ما بينهم من صفاء الود، كما أن الذباب يطير على الطعام لإفساده، ولم تؤثر وشايتهم في ودادهم، إلا قدر ما أثر الذباب في إفساد الطعام، إذا طار عليه. وهذا إشارة إلى قلة الوشاة وحقارتهم، وقيل أراد بقوله: طار الوشاة، أي ذهبوا وهلكوا. ولقد منحت أبا الحسين مودةً ... جودي بها لعدوه تبذير أبو الحسين: أخ الميت. وقيل: هو المرثي. يقول: إني منحته مودة عظيمة، ولو وجدت بها لعدوه لكان تبذيراً وكنت مبذراً مسرفاً؛ وذلك لنقصان عدوه فلا يستحق مودتي، أو لكثرة حقوقه وعظم مننه لدي، لو أحببت غيره كحبه، لكنت واضعاً للمودة في غير موضعها. ملك تكون كيف شاء كأنما ... يجري بفضل قضائه المقدور يقول: إنه ملك تكون على مشيئته، اختيارٌ كيف شاء، حتى كأن المقادير تجري على مراده، فلم يجر عليه شيئاً يكرهه. وقال أيضاً في نفي الشماتة عنهم: لأي صروف الدهر فيه نعاتب؟ ... وأي رزاياه بوترٍ نطالب؟ اللام في لأي: يجوز أن تجعل زائدة؛ لتقديم المفعول كقوله تعالى: " للرؤيا تعبرون " وإن كان لا يقال: عبرت للرؤيا، ويجوز أن تجعل: لام الغرض. فكأنه قال: لأي أفعال الدهر في هذا نعاتب الدهر.

стр. 63

يقول: من كثرة نوائب الدهر لا ندري ما الذي نعاتب منها؛ لكثرة الرزايا فلا ندري أيها نطالب بالوتر فيه، ويجوز أن يريد في الدهر، ويجوز أن يريد فيه موتته أو في هذا الفعل. مضى من فقدنا صبرنا عند فقده ... وقد كان يعطى الصبر والصبر عازب يقول: مضى بالموت من فقدنا صبرنا بمصيبته، فقد كانت حياته لعظم صبره، يعطينا الصبر إذا بعد عنا الصبر. والمعنى أنه كان يشجعنا على الحرب ويعلمنا الثبات. يزور الأعادي في سماء عجاجةٍ ... أسنته في جانبيها الكواكب يقول: إنه كان يزور الأعداء في سماء العجاجة، وكانت أسنته في جانبي هذه السماء كواكب. شبه الغبار المتراكم بالسماء، وأسنة الممدوح التي تلمع من خلال ذلك الغبار، بالكواكب اللامعة من السماء ومثله للآخر: نسجت حوافرها سماءً فوقها ... جعلت أسنتنا نجوم سمائها فتسفر عنه والسيوف كأنما ... مضاربها مما انفللن ضرائب فتسفر: فعل العجاجة، وعنه: أي عن المرثي. والواو في قوله: والسيوف للحال. والمضارب: جمع المضرب، وهو حد السيف. والضرائب: جمع الضريبة وهو الشيء المضروب بالسيف. يقول: كانت تنجلي هذه العجاجة عن هذا المرثي، ومضارب السيوف كلها منكسرة؛ من كثرة ما قتل بها الأعداء، فكأنها لانفلالها مواضع الضرب. طلعن شموساً والغمود مشارقٌ ... لهن وهامات الرجال مغارب طلعن: فعل السيوف. وشموساً: نصب على التمييز. شبهها بالسيوف لما انتضيت من أغمادها. يقول: مطالع هذه الشموس، الأغماد لظهورها منها، ومغاربها، هامات الرجال؛ لأنها تغيبت فيها فهن يطلعن من مطالعها، وهي الأغماد، ويغربن في مغاربها، وهي الهامات. مصائب شتى جمعت في مصيبةٍ ... ولم يكفها حتى قضتها مصائب يقول: ليست هذه مصيبةً واحدةً، بل هي مصائب متفرقة، جمعت في مصيبةٍ واحدة؛ لأنه كان يموت خلقاً كثيراً، فماتوا بموته، ولم يكفها ذلك حتى تبعتها مصائب أخر، وهي أقوال العداة: إنا شامتون بموته، فإن هذه مصيبة انضمت إليها. رثى ابن أبينا غير ذي رحم له ... فباعدنا منه ونحن الأقارب رثى: أي رحم، ورق. وغير: فاعله، ومفعوله: ابن أبينا. يقول: رثى هذا الميت، الذي هو ابن أبينا، من هو غير ذي رحم لنا، بل هو بعيد عنه وعنا، وباعدنا هذا الراثي عن هذا المرثي، ونحن أقاربه وبنو عمه. وعرض أنا شامتون بموته ... وإلا فزارت عارضيه القواضب العارضان: جانبا اللحية: وهما العذاران. يقول: عرض الراثي أنا شامتون بموته، إلا أنه كذب، وزارت السوف عارضيه. أليس عجيباً أن بين بني أبٍ ... لنجلٍ يهوديٍّ تدب العقارب؟! تدب العقارب: كناية عن النميمة. يقول: أليس من العجائب أن تدب عقارب ولدٍ يهودي، بين بني أبٍ! ووصفه بأنه ابن يهودي لذلته وحقارته. وقيل: أراد بأن اليهود اشتهر عنهم مكاتمة عداوة المسلمين، والمشي بينهم بالسعايات. ألا إنما كانت وفاة محمدٍ ... دليلاً على أن ليس لله غالب يقول: كانت وفاة محمد، المرثي في عزته ومنعته ومجده، دليلاً على أن الله تعالى لا يغلبه أحد. ومثله لأبي تمام: كفي فقتل محمدٍ لي شاهدٌ ... أن العزيز مع القضاء ذليل وقال يمدح الحسين بن إسحاق التنوخي هو البين حتى ما تأنى الحزانق ... ويا قلب حتى أنت ممن أفارق هو: إضمار للبين، ولم يجر له ذكر، وذلك لتعظيم الأمر ومثله قوله تعالى " قل هو الله أحدٌ " وتأنى أي تثبت، وأصله: تتأنى. والحزانق: جمع الحزنقة وهي الجماعة. يقول: هو البين المتناهي الذي كنا نحاذره، حتى أن الجماعات لا تقف وتثبت، وحتى أنت يا قلبي من وجد ممن أفارقه في أحبابي. يعني: أن البين بلغ حداً إذ ارتحل القلب فارتحل مع ما ارتحل. وقفنا ومما زاد بتاً وقوفنا ... فريقي هوىً منا مشوقٌ وشائق وقوفنا: فاعل زاد. وقوله: فريقي هوىً: نصب على الحال من النون والألف في قوله وقوفنا. يقال: شاقني الشيء، والمشوق: هو العاشق الذي شاقه غيره، والشائق: هو المعشوق؛ لأنه الحامل على الاشتياق فهو شائق، وأنا مشوق. يقول: وقفت أنا والحبيب للتوديع ومن جملة ما عمنا أنا وقفنا في حالٍ ما كنا عليه، ونحن فرقتان: أحدهما محب مشوق والآخر محبوب يشوق صاحبه، بعد فراقه.

стр. 64

وقد صارت الأجفان قرحى من البكا ... وصار بهاراً في الخدود الشقائق البهار: جمع بهارة، وهي شيء أصفر، من الرياحين. والشقائق: هي التي تدعى شقايق النعمان، وهي حمر. وروى: قرحاً منوناً على الاسم، وقرحى غير منونةٍ، صفة الأجفان، والمعنى واحد. يقول: قد صارت الأجفان قريحة من البكاء غداة التوديع لخوف الفراق، وصار بهاراً أصفر في الخدود الشقائق، ومثله لابن المعتز قوله: لم تشن شيئاً ولكنها ... بدلت التفاح بالياسمين على ذا مضى الناس: اجتماعٌ وفرقةٌ ... وميتٌ ومولودٌ، وقالٍ ووامق وروى: مضى الدهر أي على هذا. وذلك، إشارة إلى ما تقدم ثم فسره فقال: اجتماعٌ وفرقةٌ. يعني: أن الناس يجتمعون تارةً ويتفرقون أخرى، وواحدٌ يموت وآخر يولد وواحدٌ مبغض وآخر عاشق، وقيل: أن معناه أن بني آدم على اجتماع بعد فرقة، وميت بعد مولود، ومبغض بعد عاشق، ومثله للأعشى. شبابٌ وشيبٌ، وافتقارٌ وثروةٌ ... فلله هذا الدهر كيف ترددا تغير حالي والليالي بحالها ... وشبت وما شاب الزمان الغرانق تغير: فعل ماض. وروى: تغير: وهو فعل مضارع، وأصله تتغير، لأن الحال مؤنث فحذف أحد التاءين. والأول أولى. والغرانق: هو الشاب الناعم، وجمعه: غرانيق. يقول: إن الليالي قد أثرت في وغيرتني، وهي بحالها، وشبت أنا والزمان لا يتغير عن حاله وجدته. سل البيد: أين الجن منا بجوزها؟ ... وعن ذي المهاري: أين منها النقانق؟ البيد: جمع البيداء، والهاء في بجوزها: أي بواسطها. والمهاري: جمع المهرية. وهي الإبل المنسوبة إلى مهرة بن حيدان، وهي قبيلة. والنقانق: جمع النقنق، وهو ذكر النعام. يقول: سل المفاوز: هل الجن تقطع وسطها كما نقطعها نحن! وسلها: أيضاً عن حال إبلنا في سرعة سيرها، هل تقطها النعام كما تقطها إبلنا؟ لأن النعام موصوفة بسرعة السير. وليلٍ دجوجي كأنا جلت لنا ... محياك فيه فاهتدينا السمالق السمالق: جمع السملق، وهي الأرض البعيدة الأطراف، وفاعل جلت: السمالق، وجلت: أي أظهرت. يقول: وكم ليلة مظلمة؟ كأنما أظهرت لنا المفاوز وجهك المضيء حتى اهتدينا بضوئه. فما زال لولا نور وجهك جنحه ... ولا جابها الركبان لولا الأيانق جنحه: جوانبه، وهو فاعل زال، والهاء في جابها: للسمالق أو للبيد. والأيانق: جمع الأينق: وهو جمع الناقة. يقول: لولا نور وجهك ما زال ظلام الليل، ولولا النوق؛ لما قطع الركبان تلك السمالق؛ لبعدها وصعوبتها. وهزٌّ أطار النوم حتى كأنني ... من السكر في الغرزين ثوبٌ شبارق الهز: تحريك الإبل ركبانها في السير. وهو عطف على الأيانق، وقيل: عطف على قوله: وليل دجوجي فكأنه قال: ورب هزٍّ والأول أولى. والمعنى لولا الأيانق ولولا هزها الذي طير النوم عني، لما قطعنا هذه المفاوز، حتى كأنني من السكر: أي من النعاس في الغرزين: وهما؛ ركابان للبعير من الخشب. وثوب شارق: أي مقطع مخرق. تعباً وضعفاً واسترخاءً. شدوا بابن إسحاق الحسين فصافحت ... ذفاريها كيرانها والنمارق شدوا: أي غنوا وأحدوا. والذفرى: العظم الناشز خلف الأذن. وقيل: الذفرى من القفا هو الموضع الذي يعرق من البعير. وتقديره شدوا بالممدوح، ابن إسحاق، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه. يقول: حدى الحداة باسم الممدوح، بصوتٍ كالغناء فسمعت الإبل حدوهم فعرفت، ورفعت رءوسها، حتى أدركت ذفاريها الرحال والوسائل. بمن تقشعر الأرض خوفاً إذا مشى ... عليها وترتج الجبال الشواهق تقشعر: أي تضطرب، وكذا، ترتج الجبال: يعني حدوا بمن إذا مشى على الأرض اضطربت خوفاً، وإذا علا الجبال الشاهقة اضطربت هيبةً منه. فتىً كالسحاب الجون يخشى ويرتجى ... يرجى الحيا منها ويخشى الصواعق الجون: الأسود. الحيا: المطر. يقول: إن هذا الرجل هو كالسحاب الأسود الذي فيه المطر، فهو ترجى منه الأمطار، ويخشى منه الصواعق. أي أنه مرجو مخوف. ولكنها تمضي وهذا مخيمٌ ... وتكذب أحياناً وذا الدهر صادق يقول: إن السحاب قد تغيب، وهذا مقيمٌ أبداً، وقد تكذب السحاب فلا تمطر وهذا صادق الدهر فلا يخيب راجيه. تخلى عن الدنيا لينسى فما خلت ... مغاربها من ذكره والمشارق

стр. 65

يقول: اعتزل عن الدنيا استحقاراً لها، وتعفف فما ازداد إلا جلالة وعظماً فلم يخل من ذكره المشرق والمغرب. غدا الهندوانيات بالهام والطلى ... فهن مداريها وهن المخانق المدارى جمع: المدارى والمدارة وهي شيء يفرق به الشعر، وهو المشط وقد يكون من الذهب، والفضة والحديد والعاج والخشب. يقول إذا السيوف الهندية بالهام والأعناق، فبعضها مدارى يعملها في الهام، وبعضها مخانق للزومها في الأعناق وقطعها إياها. تشقق منهن الجيوب إذا غزا ... وتخضب منهن اللحى والمفارق يقول: تشقق من هذه السيوف الجيوب، إذا غزا الممدوح أعداءه، وتخضب منها مفارق الرأس واللحى، إذا ضرب أعداءه بها. يجنبها من حتفه عنه غافلٌ ... ويصلي بها من نفسه منه طالق التأنيث: للسيوف، والتذكير: لمن. يقول يجنب هذه السيوف من غفل هلاكه عنه، ويصلى بها من صارت نفسه طالقةً منه. يحاجي به: ما ناطقٌ وهو ساكتٌ؟ ... يرى ساكتاً والسيف عن فيه ناطق يحاجي: أي يغالط، والأحجية: المعماة. معناه: يحاجي بهذا الرجل فيقال: ما ناطقٌ ساكتٌ؟ فجواب المجيب: هذا الرجل؛ لأنه يرى ساكتاً إذا أمسك عن الكلام. وفي الحرب، السيف ينطق عنه بقتل أعدائه، فيقوم فعل السيف مقام لفظه. نكرتك حتى طال منك تعجبي ... ولا عجبٌ من حسن ما الله خالق يقول: إنما نكرتك لما رأيت محاسناً خارجة عن المعتاد، حتى تعجبت منك، ثم عاودت نفسي فقلت: ولا عجب من صنع الله تعالى. ويجوز أن يريد: إني لما سمعت بوصفك نكرتك فلما عاينتك رأيت مصداق ما سمعت فزال التعجب عني. كأنك في الإعطاء للمال مبغضٌ ... وفي كل حربٍ للمنية عاشق يقول: كأنك مبغضٌ مالك؛ لكثرة تفريقه للناس، وكأنك عاشق للموت في كل حرب، لملازمتك دواعيها وأسبابها. ألا قلما تبقى على ما بدا لها ... وحل بها منك القنا والسوابق يبقى: فعل القنا، والسوابق. والهاء في بها ولها: ترجع إليها أيضاً. وتقديره ألا قل ما تبقى القنا والسوابق على ما بدا لها، وحل بها من جهتك، من مدافعة الطعن بالقنا، وإجراء الخيل السوابق. وقيل: إن قوله: تبقى ترجع إلى الحرب يقول: ما تبقي الحرب على ما بدا لها منك؛ لأنك إذا حضرتها هزمت الأعداء فلا تبقى حرب. وقوله: وحل بها ... إلى آخره: حال. أي في تلك الحال. خف الله واستر ذا الجمال ببرقعٍ ... فإن لحت ذابت في الخدور العواتق العواتق: جمع العاتق، وهي المرأة الحسناء. يقول: اتق الله واستر جمالك ببرقع، فإنك إن ظهرت لذوات الخدور من النساء، الجواري الأبكار، ذبن وجداً بك، وشوقاً إليك. وروى حاضت في موضع ذابت أي إذا رأينك حضن؛ لأنه يقال: إن الشهوة إذا غلبت على النساء حضن. ويجوز أن يريد بذلك: أن الحسان من النساء بالإضافة إلى جمالك، بمنزلة من حاضت، في باب سقوط درجتها عن صواحبها. سيحيي بك السمار ما لاح كوكبٌ ... ويحدو بك السفار ما ذر شارقٌ حذف مفعول سيحيي وهو الليل لدلالة الكلام عليه، وكذلك يحدو بك السفار: وهي الإبل. يقول: إن المحدثين بالليل يحيون الليالي بذكرك وحديثك، والمسافرون يحدون إبلهم بك ما طلع نجم وما طلعت الشمس، والأولى أنهم يسمرون ويحدون بشعري الإبل فيك. فما ترزق الأقدار من أنت حارمٌ ... ولا تحرم الأقدار من أنت رازق ولا تفتق الأيام ما أنت راتقٌ ... ولا ترتق الأيام ما أنت فاتق يقول: إن الأقدار موافقةٌ لك، فترزق من ترزق، وتحرم من تحرمه أنت، ولا تنقض الأيام ما تبرمه أنت، ولا تبرم ما نقضته أنت. لك الخير غيري رام من غيرك الغنى ... وغيري بغير اللاذقية لاحق يقول: دام لك الخير، وهذا دعاء له، ثم عاد إلى ذكر نفسه وقال: غيري من الناس طلب الغنى من غيرك، والتحق بغير بلدتك، فأما أنا فلا أفضل سواك عليك. هي الغرض الأقصى ورؤيتك المنى ... ومنزلك الدنيا وأنت الخلائق يقول: إن اللاذقية هي الغرض الأبعد الذي لا غاية بعده، ومنيتي رؤيتك، والدنيا كلها منزلك، وإن كان مسكنك اللاذقية، وأنت جميع الخلق، بما فيك من فضائل الناس كلهم، وهذا كقوله أيضاً: إلا رأيت العباد في رجل وهجى الحسين بن إسحاق على لسان أبي الطيب، فكتب إليه يعاتبه فأجابه

стр. 66

أتنكر يا ابن إسحاق إخائي ... وتحسب ماء غيري من إنائي يقول معاتباً له أتنكر؟!: أي تجحد مؤاخاتي لك، بعد ما عرفتها مني، وتحسب ماء غيري من إنائي، وهو مثل يعني: تحسب ما هجيت به من شعر غيري أنه من شعري فلا تميز بين شعري وشعر غيري؟! أأنطق فيك هجراً بعد علمي ... بأنك خير من تحت السماء الهجر: الكلام القبيح. يقول: أقول فيك فحشاً، بعد ما علمت أنك خير من في الأرض وتحت السماء، وروى: أأنطق فيك هجواً. وأكره من ذباب السيف طعماً ... وأمضي في الأمور من القضاء وأكره: عطف على قوله: خير من تحت السماء. يقول: أقول فيك فحشاً بعد علمي بأنك أكره من حد السيف طعماً وأمضى من القضاء في الأمور!! وما أربت على العشرين سني ... فكيف مللت من طول البقاء؟! يقول: ما زاد سني على عشرين سنة، فكيف مللت من طول حياتي حتى أهجوك فتقتلني؛ لأني إذا هجوتك لا آمن على نفسي من الهلاك. وما استغرقت وصفك في مديحي ... فأنقص منه شيئاً بالهجاء يقول: لم استوف مدحي فيك بعد، وما أدركت الغاية فكيف أنقص منه شيئاً بالهجاء؟ وهبني قلت: هذا الصبح ليلٌ ... أيعمى العالمون عن الضياء! معناه: هب أني قلت: إن هذا النهار ليلٌ! أيعمى العالمونعن ضياء هذا النهار؟! وهذا مثلٌ ضربه في أنه هجاه، وذكره مغايرة ليتقبله الناس بمشاهدتهم فضله. وقالوا: إنه كالنهار الذي لا يخفي ضوء الشمس فيه، ولقالوا: إني عابثٌ في ذلك. تطيع الحاسدين وأنت مرءٌ ... جعلت فداءه وهم فدائي أصله: أتطيع، فحذف ألف الاستفهام. وقوله: جعلت فداءه. أخرجه مخرج الدعاء. وهم: يحتمل أن يكون عطفاً على التاء من جعلت، الذي هو ضمير المرفوع، فيكون قد عطفه على ضمير المرفوع المتصل من غير توكيد بالمنفصل، وكان حقه أن يقول: جعلت أنا فداءه وهم فدائي. غير أن هاهنا حسن ذلك لوقوع فداءه بين المعطوف والمعطوف عليه، ويحتمل أن يكون: وهم فدائي جملة منفصلة عن الجملة الأولى، فيكون هم مبتدأ وفداء خبره فتكون الواو عطفت جملة على جملة، أو يكون للحال. المعنى: أتطيع الحاسدين الذين كذبوا علي، وتسمع كلامهم في؟ وأنت الرجل! جعلت أنا فداءه والحساد فدائي. يعني: جعلت فداءه لأفضاله علي، فهم فدائي لفضلي عليهم. ويجوز أن يتم الكلام عند قوله: وأنت مرء يعني أنت رجل مستحق أن توصف بالرجولية فلا ينبغي أن تسمع كلام الحاسدين في، ثم ابتدأ بالدعاء له وعلى الحاسدين. ويجوز أن يكون بعضه متصلاً ببعض. وهاجي نفسه من لم يميز ... كلامي من كلامهم الهراء يعني: إنما الهاجي نفسه، من لم يميز كلامي من جزالته وحسن موقعه من كلام حسادي، الفاسد الساقط، الذي لا معنى له. لأن تركه الفرق بين كلامي، وكلامهم، ينبىء عن الجهل، والجهل ذم مذموم، فكأنه هجا نفسه. وإن من العجائب أن تراني ... فتعدل بي أقل من الهباء يقول: إن من العجائب أن تراني، وتعرف فضلي وعقلي، ثم تجعلني عديلاً إلى من هو أقل من الهباء. يعني: أنه لا وزن له ولا خطر. وتنكر موتهم وأنا سهيلٌ ... طلعت بموت أولاد الزناء يقول: أتنكر موت حسادي إذا رأوني؟! وأنا سهيل اليماني الذي بطلوعي تموت أولاد الزناء. وذلك أن العرب تزعم أن ما نتج من أمهار الخيل، إذا ضرب الفحل أمه من دون إذن صاحبه فإنه يموت إذا طلع سهيل، فكذلك تموت الحساد بسببي. وقال يمدحه أي الحسين بن إسحاق التنوخي: ملام النوى في ظلمها غاية الظلم ... لعل بها مثل الذي بي من السقم الهاء في ظلمها للنوى لأنها مؤنثة، ويجوز أن يكون للمرأة وإن لم يجر لها ذكر وفي بها: للنوى خاصة. يقول: لومي البعد بتبعيد هذه المرأة عني، واختصاصه بها غاية الظلم له، فلعل به من السقم والعشق مثل ما بي فتعشق هذه المرأة الذي ذهب بها، كما أعشقها أنا. وبين ذلك بقوله: فلو لم تغر لم تزو عني لقاءكم ... ولو لم تردكم لم تكن فيكم خصمي يقول: لو لم، تغر النوى علي لم تقتض علي رؤيتكم، ولو لم تكن مريدةً لكم؛ لم تكن النوى خصماً لي بسببكم. أمنعمةٌ بالعودة الظبية التي ... بغير وليٍّ كان نائلها الوسمي؟ الوسمي: أول المطر، والولي: الذي يليه.

стр. 67

يقول: أتنمعم علي هذه المحبوبة التي كالظبية بالعودة الثانية إلى الوصال، التي كان إعطاؤها مرة واحدة لا ثاني لها؟ فكان وصلها كالوسمي الذي لا يتبعها الولي. فجعل الوسمي مثلاً للأول، والولي مثلاً للعودة. ترشفت فاها سحرةً فكأنني ... ترشفت حر الوجد من بارد الظلم إنما خص السحرة، لأنه وقت تغير الأفواه ونكهاتها، والظلم: ماء الأسنان، وبريقها. يقول: مصصت فاها وقت السحر، فكأنني مصصت حر الوجد من أسنان بوارد. يعني: لما استعذبت ازددت عشقاً، فازداد بذلك وجدي، وحصل حر الوجد في قلبي، والبرودة في فمي، كما قال في موضع آخر وهو: بفي برودٌ وهو في كبدي جمر! فتاةٌ تساوي عقدها وكلامها ... ومبسمها الدري في الحسن والنظم يقول: تشابهت منها ثلاثة أشياء وهي: عقدها المنتظم من الدر، وكلامها الشبيه: الدر، وثغرها الذي تبسمت عنه كالدر فهي مشابهته في حسنها ونظامها وهو أبلغ من قول البحتري: فمن لؤلؤٍ تبديه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه لأنه زاد عليه ذكر العقد. ونكهتها والمندلي وقرقفٌ ... معتقةٌ صهباء في الريح والطعم المندلي: أراد به العود. والقرقف: الخمر. والصهباء: البيضاء المشربة حمرة، وهي صفة الخمر. يقول: هذه الثلاثة أيضاً متشابهة وهي الرائحة: فمنها العود الذي يبخر به، ومنها الخمرة الصافية فهي متشابهة في الريح والطعم فللعود نكهتها، وللخمر طعمها، ورائحة فمها. جفتني كأني لست أنطق قومها ... وأطعنهم والشهب في صورة الدهم الشهب: الخيل البيض. والدهم: السود. يقول جفتني هذه المرأة كأني لست أنطق قومها نظماً ونثراً، وكأني لست أطعنهم إذاً إلا على خيل دهم وشهب، وعذار قد اسودت فكأنها دهم، فكأنه يقول: لست ذليلاً في قومها مذموماً جباناً حتى تجفوني. يحاذرني حتفي كأني حتفه ... وتنكزني الأفعى، فيقتلها سمي النكرة: الغرزة بشيء مثل الإبرة. يقال: نكزته الأفعى: إذا غرزته ولم تعضه يقول: يخاف من موتي كأني موتٌ للموت! وتنكزني الأفعى فتموت! فكأني قتلتها بسمي، حتى كأني دونها، وكل ذلك إشارة إلى قوته وشجاعته. طوال الردينيات يقصفها دمي ... وبيض السريجيات يقطعها لحمي الردينيات: الرماح والسريجيات: السيوف. ويقصفها: يكسرها. يقول: إن الرماح والسيوف لا تؤثر في أبداً، ولحمي ودمي يؤثران فيها، ويكسرانها ويقطعانها. وقيل: أراد: أني عزيزٌ في قومي. فمن أراد قتلي كثر الضرب والطعن عليه، في طلب ثأري، حتى تكسر الرماح والسيوف عليه. برتني السرى برى الدى فرددنني ... أخف على المركوب من نفسي جرمي السرى: مؤنثة، وقد جعلها جمعاً للسرية؛ فلذلك قال: رددنني، والأولى في أخف الرفع؛ لأنه وما بعده جملة من مبتدأ وخبر، فهو وإن وقع موقع الحال فلا يتغير الإعراب من حيث الصورة، ويجوز فيه النصب على بعض الوجوه. يقول: أنحفتني السرى حتى قطعتني كقطع السكاكين فتركتني خفيفاً غاية الخفة، حتى كأني على المركوب أخف جرماً من نفسي؛ لأنه من أخف الأشياء. وأبصر من زرقاء جوٍّ لأنني ... إذا نظرت عيناي شاءهما علمي زرقاء جوٍّ: هي زرقاء اليمامة، وكانت موصوفة بحدة البصر وقد روى شأواهما علمي: وهي تثنية الشأو، وهو الغاية. أي غايتهما علمي والتثنية للعينين أي سابقهما وهو فاعل من شاء إذا سبق وروى سأواهما علمي يقول ردني السرى خفيفاً بصيراً أبصر من هذه المرأة؛ لأنها أبصرت بعينها، وأنا أبصر بالقلب والعلم. علمي يسبق نظر عيني فقبل إبصار العينين تبصر عيني كما هو عليه. كأني دحوت الأرض من خبرتي بها ... كأني بني الإسكندر السد من عزمي يقول: كأنني من خبرتي، ومعرفتي بالأرض، دحوت الأرض لكثرة تردادي بها، وكأن الإسكندر بنى سد يأجوج ومأجوج من عزمي؛ لقوته، ورفعته، ومضائه في الأمور. لألقى ابن إسحاق الذي دق فهمه ... فأبدع حتى جل من دقة الفهم أي كأن الإسكندر بنى السد من عزمي الذي صممته على قصد ابن إسحق وكأني دحوت الأرض من خبرتي بها لألقى ابن إسحاق الذي دق فهمه وعظم إبداعه حتى ارتفع أن يوصف بدقة الفهم. وهو المراد بقوله: حتى جل عن دقة الفهم. وقيل: برتني السرى بري المدى لألقى هذا الرجل.

стр. 68

نوأسمع من ألفاظه اللغة التي ... يلذ بها سمعي ولو ضمنت شتمي يقول: لألقى ابن إسحاق، وأسمع من ألفاظه، وعباراته الشريفة، اللغة التي استلذها، وإن كانت متضمنة شتمي!. يمين بني قحطان رأس قضاعةٍ ... وعرنينها بدر النجوم بنى فهم العرنين: مقدم الأنف وأعلاه، وبنى فهم: بدل من النجوم. يقول: إنه يمين بني قحطان كلهم، ورأس قضاعة: التي هي قبيلة من قحطان، وعرنين قضاعة أيضاً، وهو بدر بني فهم: الذين هم رهطه الأدنون فجعلهم نجوماً وجعله بدراً. إذا بيت الأعداء كان استماعهم ... صرير العوالي قبل قعقعة اللجم يقول: إذا جاء أعدؤه ليلاً سمعوا صرير الرماح في عظامهم قبل استماعهم إلى صلصلة اللجم، يعني: أنهم لا يشعرون حتى تصير الحال هذه. وقيل: إنه يبادر إلى أخذ الرمح، وإن لم يجد فسحة لإسراج فرسه وإلجامه ركب بغير سرج ولجام. مذل الأعزاء المعز وإن يئن ... به يتمهم فالموتم الجابر اليتم روى: وإن يئن وإن يحن ومعناه واحد. وتقديره: مذل الأعزاء معز الأولياء. يقول: هو يذل أعاءه وإن كانوا أعزاء، ويعز أولياءه المستجيرين به وإن كانوا من أعدائه الذين أيتم أولادهم، فالذين يؤتمهم يجبر يتيمهم ويرضيهم، ويقوم لهم مقام الآباء في النفقة عليهم والإحسان إليهم. وإن تمس داءً في القلوب قناته ... فممسكها منه الشفاء من العدم وروى: فممسكها بكسر السين، وروى: بفتحها، فالأول يريد به الممدوح والثاني يده، لأنها الموضع الذي يمسكه به، ويجوز أن يريد به المصدر: أي إمساكها. يقول: إن أمست قناته داءً في قلوبهم؛ لطعنه إياهم بها فالذي يمسك القناة عنهم هي يده، شفاؤهم من الفقر، إمساكه لها يشفي من الفقر. مقلد طاغي الشفرتين محكمٌ ... على الهام إلا أنه جائر الحكم يقول: إنه تقلد سيفاًن طغى جانباه، وقد جعل الحكم على رءوس الأعداء، غير أنه جائر الحكم من كثرة القتل. تحرج عن حقن الدماء كأنه ... يرى قتل نفس ترك رأس على جسم يقول: إن سيفه يتأثم عن حقن الدماء، فكأنه يرى القتل في الاحتساب والالتذاذ كترك الرءوس على الأماكن، وتحرجه عن حقن الدماء. إما لأن سيفه لا يقتل إلا الكفرة، الذين يكون الإثم في الكف عنهم، أو يريد بيان كونه جائر الحكم: لعدم التمييز منه، أو لأنه جماد لا يلزمه إثم في القتل، ثم نزه نفس الممدوح فقال: وجدنا ابن إسحاق الحين كحده ... على كثرة القتلى برياً من الإثم وروى: كجده بالجيم. يقول: وجدنا هذا الرجل كحد السيف مضاء في براءته من الإثم كبراءة السيف من الإثم، مع كثرة القتلى منه، لأنه لا يقتل إلا المستحق. مع الحزم حتى لو تعمد تركه ... لألحقه تضييعه الحزم بالحزم يقول: إنه مع الحزم في جميع الأمور، حتى لو تعمد ترك الحزم لألحقه ذلك بالحزم! يعني: إذا أحزمه في بعض الأمور، كان ذلك الحزم: وهو الجود وتبذير المال، في طلب المجد؛ فكأن تركه الحزم حزماً منه لما فيه من اقتناء الحمد والمجد. وفي الحرب حتى لو أراد تأخراً ... لأخره الطبع الكريم إلى القدم يقول: إنه مع الحزم في اقتناء المعالي، لو أراد أن يتأخر عن الحرب لأخره طبعه إلى التقدم. يعني: إنه إذا نوى أن يتأخر عن المحاربة قدمه إليها طبعه الكريم. له رحمةٌ تحيي العظام وغضبةٌ ... بها فضلةٌ للجرم عن صاحب الجرم يقول: له رحمة واسعة بحيث تحيي العظام البالية، وله مع هذه الرحمة غضب متجاوز عن الحد، بحيث أنه يفضل غضبه على جرم المجرم فيهلكه ويفنيه، وقيل أراد أنه واسع الرحمة له مع ثورة الغضب فضلة تمسكه لغضبه فهو مالكٌ أمره. ورقة وجهٍ لو ختمت بنظرةٍ ... على وجنتيه ما انمحى أثر الختم يصفه بالحسن ويقول: له رقةٌ بوجهه حتى لو ختمت عليه بنظرة أو لو نظرت إليه لبقيت على وجهه حمرة؛ لفرط حيائه، ولأثر الختم فيه أثراً لا ينمحي أبداً. أذاق الغواني حسنه ما أذقتني ... وعف فجازاهن عني على الصرم يقول: حسنه أذاق الغواني من ألم العشقف ما أذاقتني الغواني منه، وصار عفيفاً فجاز الغواني عني بتنزهه عنهن على ما فعلن بي من الهجران. فدىً من على الغبراء أولهم أنا ... لهذا الأبي الماجد الجائد القرم

стр. 69

يقول: يفدي هذا الشريف الجواد السيد، كل من على الأرض، أولهم أنا البادىء بالفداء له قبلهم. والغبراء: اسم الأرض. لقد حال بين الجن والإنس سيفه ... فما الظن بعد الجن بالعرب والعجم يقول: حجز سيفه بين الجن والإنس؛ فمنع الجن عن قصدهم الشر للإنس، فإذا كان تأثيره في الجن! فما الظن بالإنس؛ في دفع بعضهم عن بعض. وروى بين الجن والأمن سيفه. يعني أن سيفه أخاف الجن وأزال عنهم الأمن والسكون. وأرهب حتى لو تأمل درعه ... جرت جزعاً من غير نارٍ ولا فحم يقول: قد أخاف كل شيء حتى الجمادات! فلو أنه أحد النظر إلى درعه لذابت؛ خوفاً منه، من غير نار وفحم، وإن لم يكن لها تمييز وعقل. وجاد فلولا جوده غير شاربٍ ... لقيل كريمٌ هيجته ابنة الكرم يقول: لولا علمنا بأنه صاح مع كثرة جودٍ منه، لقلنا إنه لفرط جوده سكران، وإن الذي حمله على جوده هو سكره الذي حصل له من الخمر. أطعناك طوع الدهر يا ابن ابن يوسفٍ ... بشهوتنا والحاسدو لك بالرغم الحاسدو لك: أراد بهم الحاسدون لك، غير أنه حذف النون. وروى: الحاسدون على الرغم: وهو عطف على الضمير في أطعناك الذي هو النون والألف، وحسن العطف على الضمير المتصل المرفوع من غير تأكيد المنفصل لطول الكلام. يقول: أطعناك طاعة الدهر لك، وأطعناك أبد الدهر، بشهوةٍ ومحبة، والذين حسدوك أطاعوك على رغم منهم وذل. وثقنا بأن تعطى فلو لم تجد لنا ... لخلناك قد أعطيت من قوة الوهم كان حقه أن ينصب الياء من تعطى بأن، غير أنه سكنه ضرورةً. يقول: لقوة ظنوننا وثقنا بأنك تعطينا، حتى لو لم تعطنا لظننا أنك قد أعطيتنا من قوة الوهم ولما شاهدنا من دوام جودك وكثرة عطاياك. دعيت بتقريظك في كل مجلسٍ ... وظن الذي يدعو ثنائي عليك اسمي روى: دعيت، أي سميت بمدحي لك، يعني صار اسمي: مدحي لك فقيل: هذا الذي مدح الأمير، وعلى الأول: صار اسمك مدحي إياك. وقيل: هذا الذي قيل فيه كذا. وظن الذي يدعوني ويسميني أن اسمي: الثناء عليك، فيدعوني به، فيقول: يا من أثنى على الأمير ويا مادح الأمير. وأطمعتني في نيل ما لا أناله ... بما نلت حتى صرت أطمع في النجم روى: أعلق بالنجم. يقول: أطمعتني في نيل ما لا أكاد أصل إليه، حتى صرت أطمع في نيل النجم الذي يعجز عن نيله كل حي. إذا ما ضربت القرن ثم أجزتني ... فكل ذهباً لي مرةً منه بالكلم يقول: أنت تضرب الطعنة الواسعة فإذا ضربت القرن ثم أردت أن تعطيني الجائزة فكل لي ملء الجراحة ذهباً، والهاء في منه راجعة إلى القرن. أبت لك ذمي نخوةٌ يمنيةٌ ... ونفسٌ بها في مأزق أبداً ترمي النخوة: الكبرياء. يقول: ابت ذمي لك نخوتك اليمنية، وأراد به وجهين: أحدهما أن الممدوح كان يميناً والمتنبي أيضاً ينسب إلى كندة، وهم من اليمن. فيقول: كونك من اليمن تأبى نفسي أن تذمك مع ما كان بيننا من الرحم، أو يريد: أن نخوتك في نفسك وهمتك العالية يمنعاني عن ذمي لك وعن هجوك، وكذلك يأبى ذمي لك، نفسك التي ترمي بها في كل معركة. وقيل: إنما ذكر ذلك لأنه كان متهماً بهجو ذلك الممدوح، فأراد إزالة هذه التهمة عن نفسه بهذا القول. فكم قائلٍ: لو كان ذا الشخص نفسه ... لكان قراه مكمن العسكر الدهم القرى: الظهر. والدهم: الكثير. يقول: كم من قائل يقول: لو كان نفس هذا الممدوح جسم! لكان ظهره مستقراً للعسكر الكثير. يصف سعة نفسه وعظمها، وأن بعضها يسع الكثير من العسكر. وقائلةٍ والأرض أعني تعجباً ... علي امرؤٌ يمشي بوقري من الحلم يقول: ورب قائلةٍ، وأعني بها الأرض على وجه التعجب: علي رجلٌ يمشي، عليه مثلي من الحلم! عظمت فلما لم تكلم مهابةٌ ... تواضعت وهو العظم عظماً عن العظم يقول: عظم قدرك، فمنعت هيبتك أن تكلم، فلما علمت أن الناس هابوك تواضعت فتعظمت بذلك التواضع عظماً عن العظم، وذلك التواضع هو عين العظم. يعني: التواضع رفع النفس عن التكبر. ودخل على عليٍّ بن إبراهيم التنوخي فعرض عليه كأساً بيده، فيها شراب أسود فقال ارتجالاً: إذا ما الكأس أرعشت اليدين ... صحوت فلم تحل بيني وبيني لم تحل: أي لم تمنع، وهو فعل الكأس.

стр. 70

يقول: إذا شرب غيري الكأس، وهي الخمر، فأرعشت يديه من السكر، صحوت أنا، فلم تحجز الخمر بيني وبين عقلي. فأجرى العقل مجرى النفس؛ لأن قيام النفس بالعقل. وقيل: أراد لم تحل بيني وبين جدي؛ لأن جدي لا يفارقني أبداً. هجرت الخمر كالذهب المصفى ... فخمري ماء مزنٍ كاللجين يقول: تركت الخمر التي تشبه الذهب المصفى في لونها، وعدلت إلى الماء الصافي، الذي يشبه لونه الفضة لصفائه. أغار من الزجاجة وهي تجري ... على شفة الأمير أبي الحسين روى: أغار من المدامة. يقول: أحسد أقداح الخمر إذا جرت على شفته حيث تتشرف به فأتمنى ذلك الشرف لي دونها. وقيل: إنما أغار عليها لكون الشراب كان أسواداً، فنزه شفته عنها والقصة تدل على ذلك. كأن بياضها والراح فيها ... بياضٌ محدقٌ بسواد عين شبه بياض الزجاجة ببياض العين، والشراب الأسود بسواد العين، وحقق التشبيه بإحداق البياض بسواد العين، كإحداق الزجاجة بسواد الشراب. أتيناه نطالبه برفدٍ ... فطالب نفسه منه بدين يقول: أتينا الممدوح نطلب منه العطاء، فطالب نفسه بدين لازم. يعني: إنه أوجب على نفسه العطاء؛ لجوده وسخائه. وشربها فقال: مرتك ابن إبراهيم صافية الخمر ... وهنئتها من شاربٍ مسكر السكر مرتك أصلها: مرأتك، فحذف الهمزة ضرورة. والثاني أنه كان ينبغي أن يقول: أمرأتك؛ لأن هذه اللفظة على الانفراد لا تستعمل إلا بالألف، فإذا أتبعت هناك جاز استعمالها من غير الألف. فهو شاذ من وجهين. يقول: جعل الله لك هذه الخمرة هنيئة مريئة لك، يا من يسكر السكر. يعني: لا يغلبه السكر بشرب الخمر بل يغلب هو السكر. رأيت الحميا في الزجاج بكفه ... فشبهتها بالشمس في البدر في البحر الحميا: اسم من أسماء الخمر. يقول: رأيت الخمر في الزجاج على يده، فشبهت الخمر؛ لصفائها ورقتها وضيائها بالشمس، وشبهت بالزجاج بالبدر؛ لبياضه ونقائه، وشبهت كفه بالبحر؛ لكثرة سخائه وعطاياه. إاذ ما ذكرنا جوده كان حاضراً ... نأى أو دنى يسعى على قدم الخضر اسم كان: ضمير الجود. يقول: إن جوده في سرعته ووصوله إلى الناس كأنه يسعى على قدم الخضر، لأنه يقال: إنه لا يذكر في موضع إلا وكان حاضراً في ذلك الموضع. يقول: سواء كان الممدوح نائياً أو دانياً فإن جوده يصل إلينا في أسرع ما نريد. وقال أيضاً يمدحه: أحادٌ أم سداسٌ في أحاج؟ ... لييلتنا المنوطة بالتناد أراد الاستفهام كأنه قال: أأحاد، فحذف الهمزة لدالالة قوله: أم سداسٌ. وهذا البناء للتكرار، فإذا قال: جاءني القوم أحاد، أراد به واحداً واحداً، وكذلك ما زاد عليه، ولا يراد به حقيقة العدد، وإنما خص السداس دون ما فوقها من سباع وغيره؛ لأن العرب لا تستعمل هذا المثال فيما فوق سداس، هذا قول بعضهم، وليس بواضح. فقد ذكر أبو حاتم: في كتاب الإبل هذا المثال فيما زاد على سداس إلى عشار. فالأولى أن يقال: إنما خص هذه لأنها ليالي الأسبوع، ومدار أيام الدنيا على هذا العدد. يقول: إن هذه الليالي جاءت واحدة واحدة أم ستة ستة جمعت في واحدة. وقيل: إنه أراد ها هنا واحدة هذه الليلة أم ستة ليال مجموعة في واحدة؟ فكأنه يقول هذه الليلة واحدة أو ليالي الأسبوع كلها، وهي في طولها كأنها متصلة بيوم القيامة. وقوله: لييلتنا تصغير ليلة؛ وإنما صغرها مع وصفه لها بالطول؛ إشارة إلى أنها في نفسها قصيرة وإن كانت هي عنده طويلة؛ لطول سهره فيها. أو يقال: إنما صغرها على سبيل التعظيم كقول بعضهم: دويهية تصفر منها الأنامل وقيل: أراد بيوم التنادي: يوم الرحيل إلى الأعداء للمحاربة، وتنادى بعضهم بعضاً، ويدل على هذا قوله: أفكر في معاقرة المنايا فكأنه طالت عليه هذه الليلة لسهرة تفكراً في قتل الأعداء فإذا وصل إلى مراده قصرت عليه وزال عنه السهر. كأن بنات نعشٍ في دجاها ... خرائد سافراتٌ في حداد سافرات: يجوز فيها الرفع صفة لخرائد، ويجوز نصبها على الحال، فتكون مكسورة. والحداد: هي الثياب السود.

стр. 71

يقول: كأن هذه الكواكب في ظلمات هذه الليلة الطويلة نساء بيض الوجوه قد كشفن وجوههن، ولبسن ثياباً سوداً. فشبه الكواكب بوجوه الجواري السافرات، وشبه الليل في سواده بالثياب السود التي تلبسها الجواري. أفكر في معاقرة المنايا ... وقود الخيل مشرفة الهوادي معاقرة المنايا: أي ملازمتها. وقيل: معاقرتها: محاربتها، من العقر. والهوادي: جمع الهادية، وهي العنق. ومشرفة: نصب على الحال. يقول: طال علي هذا الليل مما أفكر في ملازمة المنايا وممارستها في الحروب والإقدام على القتال، ولذلك أفكر في قودي الخيل إلى الحرب مشرفة الأعناق. وقيل: معناه لا أفكر في معاقرة المنايا. زعيماً للقنا الخطي عزمي ... بسفك دم الحواضر والبوادي زعيماً: نصب على الحال من أفكر، وذو الحال: عزمي، والعزم: هو الكفيل. والقنا: المكفول له. وسفك دماء الحواضر والبوادي: المكفول به. والمكفول عنه: هو أبو الطيب. يقول: أفكر في حال كوني زعيماً للرماح بأن تسفك دماء الناس كلهم، أهل الحضر وأهل البدو. وعلى إضمار لا في قوله: أفكر معناه لا أفكر في معاقرة المنايا مع تكفل عزمي بسفك دم الأعداء. إلى كم ذا التخلف والتواني؟ ... وكم هذا التمادي في التمادي؟ التمادي: هو الإفراط في الأمور، وهو من المد، أو أراد ها هنا الإفراط في تأخيرها. يقول لنفسه: إلى كم هذا التخلف والتقصير في طلب العز، واقتناء المكارم، وإلى كم تستعمل التمادي في التقصير وتتمادى تمادياً بعد تمادٍ. وشغل النفس عن طلب المعالي ... ببيع الشعر في سوق الكساد الشغل: بالفتح المصدر، وبالضم، الاسم. وها هنا بالفتح. يقول: معاتباً لنفسه إلى كم تشغل نفسك عن طلب المعالي؛ بأن تبيع الشعر في سوق الكساد وتقتصر عليه دون ما هو أجل منه، فأنت تجيد الشعر ولا تصيب الصلة التي تستحقها بشعرك. وما ماضي الشباب بمستردٍ ... ولا يومٌ يمر بمستعاد يقول حاثاً لنفسه على لزوم الكائن قبل فوته: إن الشباب إذا مضى، وهو الزمان الذي لا يمكن تحمل المشاق في طلب المعالي لا يمكن رده، فكذلك اليوم الذي يمر لا يمكن إعادته! سواءٌ كان من أيام الشباب أو غيرها. وروى بمستفاد بالفاء أيضاً. متى لحظت بياض الشيب عيني ... فقد وجدته منها ف يالسواد عيني: رفع لأنه فاعل لحظت والهاء في وجدته: لبياض الشيب، وفي منها: للعين. يقول: إذا رأت عيني بياض شعري، فكأنما وجدت ذلك البياض في كراهته عليها كأنه في سوادها؛ لأن البياض في سواد العين يكون عمي، وهو من أثقل الأشياء، فكذلك الشيب. متى ازددت من بعد التناهي ... فقد وقع انتقاصي في ازدياد يقول: متى ازددت في السن، بعد تناهى الأشد وذلك أربعون سنة كانت تلك الزيادة نقصاناً، لأنه كلما ازداد السن بعد انتهاء الغاية، ازداد الجسم نقصاً، فتكون زيادتي حاصلة في نقصان سني. أأرضى أن أعيش ولا أكافي ... على ما للأمير من الأيادي؟! يقول: هل أرضى بملازمتي هذا التقصير والتخلف، ولا أجازي هذا الأمير على ما أسدى إلي من النعم بمدحي إياه؟! جزى الله المسير إليه خيراً ... وإن ترك المطايا كالمزاد المزاد: جمع المزادة. يصف المشقة التي مرت عليه وعلى إبله في المسير إلى هذا الممدوح، ودل بالدعاء للمسير: على أنه لم يذكره على سبيل الشكاية، وإنما ذكره على سبيل الشكر، حيث أوصله إليه فاكتسب بسببه فخراً ومالاً وذخراً، وشبه الإبل. وهزالها بالمزاد: وهي القرب البالية، وهذا التشبيه جيد. وقيل: إنه أراد أن المسير ترك المطايا خالية من القوت واللحم، لطول سفرنا كمزادنا الخالية من الزاد، فتكون الألف واللام في المزاد دالة على الإضافة. فلم تلق ابن إبراهيم عنسى ... وفيها قوت يومٍ للقراد عنسى: رفع لأنها فاعلة تلق. يقول: إن ناقتي لم تلق ابن إبراهيم، إلا بعد أن صارت من الهزال بحال لم يبق فيها من اللحم قدر ما يقتاته القراد يوماً واحداً! ألم يك بيننا بلدٌ بعيدٌ ... فصير طوله عرض النجاد؟! يقول: كان بيني وبين هذا الممدوح بلد بعيدٌ، فصير هذا المسير طوله الطويل، كعرض النجاد في القصر، وقربه غاية القرب. وفيه التطبيق للمبالغة في الجودة.

стр. 72

وأبعد بعدنا بعد التداني ... وقرب قربنا قرب البعاد بعدنا، وقربنا: مفعول بهما. وبعد التداني، وقرب البعاد: منصوبان على المصدر. يقول: إن المسير أبعد بعدنا، فجعله كبعد التداني الذي كان بيننا، وكذلك قرب المسير قربنا، مثل قرب البعد الذي كان بيننا من قبل. يعني أبعد البعد وقرب القرب. فلما جئته أعلى محلى ... وأجلسني على السبع الشداد يقول: لما قصدته بعد هذا التعب، رفع منزلتي وأحسن جائزتي حتى إنه رفعني إلى السموات السبع وأجلسني فوقها. تهلل قبل تسليمي عليه ... وألقى ماله قبل الوساد يقول: لقيني بطلاقة وجهه، وتبسمه، قبل أن أسلم عليه، وألقى إلي ماله قبل إلقاء الوسادة التي يجلسني فوقها. نلومك يا علي لغير ذنبٍ ... لأنك قد زريت على العباد يقول: يا علي، نلومك ولا ذنب لك، غير أنك قصرت وعبت على الناس بأفعالك وخصالك، فليس ذلك بذنب، وإنما هو فضلٌ منك وكرم. وأنك لا تجود على جوادٍ ... هباتك أن يلقب بالجواد هباتك: رفع لأنها فاعلة تجود. وتقديره: لا تجود هباتك على جواد أن يلقب كذلك بالجواد. يقول: إن هباتك أبت أن يقلب أحدٌ بالجواد غيرك؛ لأنها فاقت هبات غيرك، حتى أخرجت جود الناس عن كونه جواداً، وهذا مثل قول بعض الشعراء: رد معروفك الكثير قليلاً ... وأرى جودك الجواد بخيلاً كأن سخاءك الإسلام؛ تخشى ... متى ما حلت عاقبة ارتداد يقول: إنك من شدة مواظبتك على السخاء صار سخاؤك كالإسلام، لا تحول عنه، كما لا تحول عن الإسلام؛ خوفاً من عاقبة الارتداد؛ لأن عاقبته مذمومة، يجب على كل أحد التجنب منه؛ لأنه يلزمه في الدنيا: القتل، وفي الآخرة: العذاب الدائم. ومثله لأبي تمام. مضوا وكأن المكرمات لديهم ... لكثرة ما أوصوا بهن شرائع كأن الهام في الهيجا عيونٌ ... وقد طبعت سيوفك من رقاد يقول: كأن هام أعدائك عيونٌ، وسيوفك مضروبة من النوم، فلا يكون مسكنهاإلا في الهامات، كسكون النوم في العين. وقد صغت الأسنة من هموم ... فما يخطرن إلا في فؤاد روى صغت وصغت. وروى: يخطرن بالكسر أي الرماح وبالضم الهموم، يقال: خطر الرمح. ويخطر، وخطر الشيء بالقلب يخطر، كأنك قد ضربت أسنة رماحك من الهموم؛ لأن محلها القلوب، كما أن محل الهموم القلوب. والمعنى: أن قلوب الأعداء لا تخلو من أسنة رماحك، كما لا تخلو من الأحزان والهموم. ويوم جلبتها شعث النواصي ... معقدة السبائب للطراد الكناية في جلبتها: للخيل ولم يجر لها ذكر، لدلالة الكلام عليه. ومعقدة السبائب: أي مضفورة الشعر للذنب. يقول: في اليوم الذي حشرت الخيل وأتيت بها مشعثةً نواصيها معقدة أذنابها، لأنها كانت مهيأة للحرب. وحام بها الهلاك على أناس ... لهم باللاذقية بغي عاد الهاء في بها: للخيل، أي بسبب الخيل. يقول: وطاف الهلاك بهذه الخيل على قوم كان لهم بغي عاد باللاذقية. فكان الغرب بحراً من مياهٍ ... وكان الشرق بحراً من جياد يقول: كان الأعداء بين البحرين، غريبها بحر الشام، وشرقيها بحر من جياد: وهو جيش الممدوح شبهه بالبحر لكثرته، ولبياض الحديد وبريقه فيهم وقيل: أراد بالبحر من المياه، دماء القتلى. فبين أنها لكثرتها كبحرالماء، والجانب الشرقي من عتاق الخيل. وقد خفقت لك الرايات فيه ... فظل يموج بالبيض الحداد الضمير في فيه: يرجع إلى البحر من جياد. يقول: تحركت أعلامك في البحر من الجياد فكان يموج بالسيوف البيض المحددة شبه بياض السيوف بماء البحر. لقوك بأكبد الإبل الأبايا ... فسقتهم وحد السيف حاد الأبايا: جمع الأبية، وهي التي لا تنقاد، وتمنع أنفسها من الخطام. يقول: إن أعداءك رأوك بأكباد غلاظ كأكباد الإبل الأبية، التي لا تنقاد لصعوبتها. فسقتهم مع غلظ أكبادهم ونحوتهم وحد سيفك حادٍ بهم وسائقهم. وقد مزقت ثوب الغي عنهم ... وقد ألبستهم ثوب الرشاد يقول: قاتلتهم حتى انقادوا، وكشفت عنهم ثوب الضلالة، وألبستهم ثوب الرشاد والحق، فصاروا راشدين بعد أن كانوا غاوين. فما تركوا الإمارة لاختيارٍ ... ولا انتحلوا ودادك من وداد

стр. 73

يقول: ما تركوا الإمارة اختياراً، بل غصبتهم عليها، وما ادعوا ودك من اعتقاد قلوبهم، بل نفاقاً في حبك. ولا استفلوا لزهدٍ في التعالي ... ولا انقادوا سروراً بانقياد يقول: ما انخفضوا لك لزهدهم في العلو، ولا انقادوا لك سروراً بالانقياد، لكنهم انقادوا خوفاً ولكن هب خوفك في حشاهم ... هبوب الريح في رجل الجراد يقول: هب خوفك في قلوبهم فطيرها، كما تهب الريح في قطعة من الجراد فتبددها. وماتوا قبل موتهم فلما ... مننت أعدتهم قبل المعاد يقول: وإنهم ماتوا خوفاً منك، ولما صاروا كالموتى، فكأنهم ماتوا قبل الموتة، حتى إذا مننت عليهم أعدتهم قبل يوم القيامة بعفوك عنهم. غمدت صوارماً لو لم يتوبوا ... محوتهم بها محو المداد يقول: كانوا قد ماتوا فأعدتهم قبل المعاد! بأن غمدت سيوفك عن قتلهم بها ولو لم يرجعوا عن معصيتك لمحوتهم كما ينمحي المداد من الألواح. وما الغضب الطريف وإن تقوى ... بمنتصفٍ من الكرم التلاد يقول: إن غضبك المستحدث وإن كان قوياً فلا يؤثر في كرمك الأصلي القديم، فلا يمكنه أن يغلب كرمك المتين. فلا تغررك ألسنةٌ موالٍ ... تقلبهن أفئدةٌ أعادي الموالي: هم الأصدقاء، وقد راعى فيه المطابقة، وجمع التأنيث في تقلبهن للألسنة. يقول: لا تغتر بإظهارهم لك المولاة بألسنتهم فإن ألسنتهم وأفئدتهم مضمرةٌ للعداوة، فتغلب ألسنتهم قلوبٌ مضمرة على العداوة، فلا تغتر بظاهر أحوالهم. وكن كالموت لا يرثي لباكٍ ... بكى منه ويروي وهو صادي فاعل بكى: ضمير باكٍ. يقول: كن كالموت لا يرحم، ولا يرق لباكٍ، يبكي من يده وفعله، ويروي الموت وهو عطشان بعد الري، فيزداد عطشاً. فإن الجرح ينفر بعد حينٍ ... إذا كان البناء على فساد نفر الجرح: إذا تورم وظهر من أسفله فساد. يقول حاثاً له على قتل الباقين منهم: أضمروا العداوة، ويتربصون بك الدوائر فلا تغتر بإظهارهم المودة، فإنهك كالجرح إذا كان اندماله على فساد، وغور فيه، فإنه يظهر غوره بعد حين، فكذلك حالهم معك. وإن الماء يجري من جمادٍ ... وإن النار تخرج من زناد أراد بالجماد: الحجر. يقول: لا تأمن إظهار أحوالهم، فقد يجري الماء من الحجر الصلد، وكذلك النار التي تحرق كل شيء تخرج من الزناد الحديد. وكيف يبيت مضطجعاً جبانٌ ... فرشت لجنبه شوك القتاد؟ يقول: كيف ينام عدوك وهو جبان، مضطجعاً على فراش من قتاد: يعني أن خوفك قد أثر تأثيراً به، حتى كأنه نائم على شوك القتاد، هيبةً منك، وقد يحصل من الجبان بعض أحوالٍ لا تحصل من الشجاع ضرورة خوفاً، ويجوز أن يكون توحيد الجبان لأنه أراد: أميرهم. يرى في النوم رمحك في كلاه ... ويخشى أن يراه في السهاد يقول: يرى هذا الجبان رمحك أصابت كلاه في نومه، فخاف أن يرى في اليقظة ما يراه في النوم، فلا يلذ له نوم أبداً، لذلك. أشرت أبا الحسين بمدح قومٍ ... نزلت بهم فسرت بغير زاد يقول: أشرت إلي أن أمدح قوماً نزلت بهم فما أكرموني وخرجت من عندهم بغير زاد، فهل ترى أن أمدح من هذا فعله؟! وظنوني مدحتهم قديماً ... وأنت بما مدحتهم مرادي كأنه قد كان قصدهم قبل قصده الممدوح، ومدحهم فلم يثيبوه شيئاً. يقول: إنهم ظنوا أني مدحتهم، وما علموا أنك كنت أنت المقصود بذلك المدح. وقيل: إنه مدحهم بعدما أمره به هذا الممدوح، فلم يعطوه، فقال للمدوح: أنت أمرتني بمدحهم فيجب عليك أن تخرج ثواب مدحي لهم، وكنت ضامناً وقد أخذ هذا المعنى من قول الحكمي: وإن جرت الألفاظ يوماً بمدحه ... لغيرك إنساناً فأنت الذي نعني وإني عنك بعد غدٍ لغادٍ ... وقلبي عن فنائك غير غاد يقول: إني غادٍ عنك بعد غدٍ، وقلبي غير مرتحل عن فنائك. ومثله لأبي تمام: مقيم الظن عندك والأماني ... وإن قلقت ركابي في البلاد محبك حيثما أتجهت ركابي ... وضيفك حيث كنت من البلاد يقول: حيثما سرت ونزلت، فإني محبك، وحيثث كنت من البلاد فإني ضيفك، لأن عطاياك عظيمة وأياديك غير منقطعة ولا فانية. ومثله لأبي تمام قوله: وما طوفت في الآفاق إلا ... ومن جدواك راحلتي وزادي

стр. 74

إلا أن بيت المتنبي أجود منه؛ لأنه دل على هذا المعنى في المصراع الأول بمعنىً آخر، وأنه لم يقتصر على الراحلة والزاد، لأن لفظ الضيف يتضمن سائر وجوه النعم والتعظيم، لأن من حكم الضيف أن يكون معظماً مكرماًن فبين أنه كذلك حيثما سار من البلاد. وقال أيضاً يمدحه. أي يمدح علياً بن إبراهيم التنوخي: ملث القطر! أعطشها ربوعا ... وإلا فاسقها السم النقيعا الملث: الدائم القطر، والكناية في أعطشها: للربوع، وقدمها للدلالة، ونصب ربوعا على التمييز، كأنه قال: من ربوع.. والنقيع: المنقوع. يخاطب المطر فيقول: يا دائم القطر، أعطش هذه الربوع من ربوع، ولا تسقها، وإن كنت لابد ساقيها، فاسقها السم النقيع! فإني شاكٍ منها؛ وقد بين العلة في ذلك في قوله. أسائلها عن المتديريها ... فلا تدري ولا تذري دموعا قوله: المتديريها: أي المقيمين بها والمتخيرين لها داراً، وكان الأصل المتدوريها، لأن الدار: أصلها دور، فهو من الواوي يقول أسائل هذه الربوع عن المقيمين فيها، فلا تدري سؤالي ولا تجيبني عنه ولا تبكي الدموع مساعدة عن بكاء الذين كانوا فيها، حزناً على خلوها منهم. لحاها الله إلا ما ماضييها ... زمان اللهو والخود الشموعا لحاها: أي لعنها، وأصله قشرها الله، والخود: الجارية الناعمة السهلة الخلق. والشموع: هي اللعوب المزاحة اللينة الكلام. وقيل: هي الصافية البياض. يقول: لعن الله هذه الربوع إلا ماضيها، وهو استثناء منقطع، لكن شيئين منهما قد مضيا، فإني لا أدعو عليهما: أحدهما زمان اللهو، والثاني الخود الشموع وهي المحبوبة. منعمةٌ، ممنعةٌ، رداحٌ ... يكلف لفظها الطير الوقوعا الرداح: السمينة الكبيرة العجز. والوقوع: جلوس الطير. يقول: إنها منعمة ممنوعة الوصول إليها، سمينة حسنة الصوت والمنطق، فلو سمع الطير لفظها في الهواء لسقط على الأرض، فكأن لفظها كلف الطير الوقوع على الأرض. ترفع ثوبها الأرداف عنها ... فيبقى من وشاحيها شسوعاً رفع الأرداف: لأنها فاعلةٌ لترفع ومفعوله الثوب. والوشاح: شيء تقلد به العروس كتقليد السيف، ويكون طرفاه مرسلين من جانبي البدن، والشسوع: مبالغة في الشاسع وشسوعا: نصب على الحال. يقول: إن أردافها ترفع الثوب عن جسمها؛ لعظم أردافها، فيصير الثوب بعيداً عن وشاحيها وجسمها. وقد دل بذلك على دقة الخصر، لأنه لو لم يدق لم يبعد الثوب عنه، وروى: شسوعاً بالضم: وهو مصدر واقع موقع شاسع. كقولهم: صوم وعدل، وصفة الشيئين أولى؛ لأنه صفة صريحة وحقيقة، وهذا محمول عليها. إذا ماست رأيت لها ارتجاجاً ... له، لولا سواعدها نزوعا ماست: أي تبخترت. والارتجاج: الاضطراب. والهاء في لها: للأرداف، وفي له: للثوب. والنزوع: بمعنى النازع، وهو فاعل، من نزعت الشيء إذا جذبته عنه. يقول: إذا تبخترت هذه المرأة في مشيها رأيت لأردافها من ثقلها اضطراباً، لولا سواعد هذه المرأة، لكان ذلك الارتجاج نازعاً لثوبها عنها، فلكون سواعدها في الكم، وإمساكها لثوبها، لم ينفصل الثوب عن البدن!! تألم درزه والدرز لينٌ ... كما تتألم العضب الصنيعا تألم: أصله تتألم، فحذف إحدى التاءين، وهو فعل المرأة. ولينٌ: أصله لينٌ، فخفف. والعضب: السيف القاطع. والصنيع: الذي جرد. وقيل: الذي فيه جودة الصنع. يقول: تتألم هذه المرأة لنعومتها من درز هذا الثوب مع كون درزه ليناً، كما أنت تتألم أيها المخاطب من ضرب السيف. يعني: أن هذا القدر من الخشونة يؤثر فيها ويقع موقع ضربها بالسيف. ذراعاها عدوا دملجيها ... يظن ضجيعها الزند الضجيعا يقول: ذراعاها، أي ذراعا هذه المرأة لامتلائهما، كأنهما عدوا دملجيها، لأنهما يكادان أن يكسراهما؛ لامتلائهما، أو أنه لا يمكنهما أن يدورا على ذراعيها، فيكون ذراعاها قد أمسكاهما. والدملجان: قد غاصا بذراعيها، فيعادي كلٌّ منهما صاحبه. من هذا الوجه. وقيل: أراد أن دملجيها لا ينحطان عن عضديها، إلى ذراعيها، لامتلاء ذراعيها بهما ومنعهما من أن يخرجا من ذراعيها، فهما والذراعان لا يلتقيان أبداً، كالعدوين. يقول: يظن مضاجعها أن زندها شخص واحد، قد ضاجعه لعظمه وامتلائه.

стр. 75

وقيل: أراد أنها لدقة خصرها يظن المضاجع أنها زند: وهو الزند الذي يوري منه النار، والزند ينحف الخصر لكثرة القدح ووصول الحجر إليه من الجانبين، فكأنه شبهها في رقة خصرها بالزند. كأن نقابها غيمٌ رقيقٌ ... يضيء بمنعه البدر الطلوعا يقول: إن نقابها يشرق لإضاءة وجهها من تحته كما يشرق الغيم الرقيق من فوق القمر: الذي هو البدر. شبه نقابها بغيم رقيق، ووجها بالبدر ثم قال يضيء الغيم بسبب منعه البدر من الطلوع، ولو قال بدله الشمس لكان أبلغ. أقول لها: اكشفي ضري. وقولي ... بأكثر من تدللها خضوعا قوله: وقولي بأكثر، يعني بخضوع أكثر من تدللها، خضوعاً، فتكون الباء متعلقة بمحذوف، وتكون هذه الجملة خبراً لقولي، وخضوعاً نصب على الحال، تفسيرٌ للخضوع المقدر. يقول: أقول لها في حال تضرعي وتواضعي لها: اكشفي ضري، وخضوعي في قولي هذا أكثر من تدللها علي على كثرته؛ وذلك أن الدلال يكون مع الخضوع، فكأنه يقول: إنها تتمنع وتتدلل وأنا أخضع لها وأتذلل حتى يزيد خضوعي على مالها من التدلل والتمنع، وإن كان تدللها غير متناهٍ كثيراً فخضوعي أكثر منه. أخفت الله في إحياء نفس ... متى عصي الإله بأن أطيعا؟ يقول لها: أخفت لله تعالى في إحياء نفس على الوصال، فتكوني قد أحييته بعد الإماتة، أو يريد: إنك قد هممتي بإماتتي فكأنك خفت الله تعالى في تبقيتي على هذه الحال. وليس ذلك مما يخاف الله تعالى، بل إحياء نفس مما يتقرب به إلى الله تعالى، فكيف يعصي الإله بطاعته تعالى. غدا بك كل خلو مستهاماً ... وأصبح كل مستور خليعا وروى: كل خلق. والمستهام: من بلغ النهاية في الهوى. والخليع: هو المتظاهر بالهوى. يقول: أصبح كل خلي من الهم والهاً بك متحيراً في هواك، وأصبح كل عفيف في حبك، خالعاً عذاره، ومثله: ولو أن لقمان الحكيم تعرضت ... لعينيه ميٌّ سافراً كان يبرق أحبك أو يقولوا جر نملٌ ... ثبيراً وابن إبراهيم ريعا أو ها هنا بمعنى: أن أو إلى أن أو إلا أن. يقول لها: إني أحبك إلى أن يقولوا: جر نملٌ ثبيراً وهو الجبل. وهذا لا يكون أبدا، أو إلى أن يقال: إن ابن إبراهيم، خوف وأفزع. وهذا أيضاً غير جائز، فلا يزول حبك أبداً عني، لأن هذين أبداً لا يكونان. بعيد الصيت منبث السرايا ... يشيب ذكره الطفل الرضيعا يقول: إنه رفيع الشأن، متفرق العساكر في البلدان؛ لكون البلاد كلها من ممالكه، أو للإغارة على أعدائه، ويشيب ذكر شجاعته الطفل الرضيع؛ لخوفه منه، وخص الطفل؛ لبعده عن الشيب، وهذا مأخوذ من قوله تعالى: " يوماً يجعل الولدان شيباً ". يغض الطرف عن مكرٍ ودهى ... كأن به وليس به خشوعا الدهى: هو الدهاء. وخشوعاً: نصب لأنه اسم كأن. تقديره: كأن به خشوعاً، وليس أنه يغض طرفه عن مكرٍ ودهاءٍ، حتى كأنه لا يبصر شيئاً وهو مبصر، ولكن يتغافل بمكره، وهو يظن أنه خاشع البصر، وليس به خشوع لكنه يفعل مثل ذلك لدهائه. إذا استعطيته مافي يديه ... فقدك، سألت عن سرٍّ مذيعا فقدك: أي فحسبك، والمذيع: من عادته إفشاء السر، لأنه لا يكتمه. شبهه بمذيع السر، إذا سألوه المال. يعني: أن المذيع كما لا يكون له سر، كذلك هذا لا يثبت في يده غني. قبولك منه منٌّ عليه ... وإلا يبتدىء يره فظيعا منه: نصب لأنه مفعول قبولك، ومنٌّ عليه، خبر الابتداء وقبولك مبتدأ، وفظيع: أي أمر شديد منكر. يقول: إذا قبلت بره وعطاءه فكأنك قد مننت عليه بقبولك ذلك، وإن لم يبتدىء بالنوال قبل السؤال، رأى ذلك قبيحاً منكراً. يعني: يسابقك إلى العطاء قبل الاستغناء. لهون المال أفرشه أديماً ... وللتفريق يكره أن يضيعا يقول: لهون المال عليه فرش تحته النطع من الأديم وصبه فوقه، لا لكرامته عليه، لأن النطع إنما يبسط لمن يضرب عنقه، ولو أراد إعزازه لجعله في الكيس، وإنما يكره أن يضيع المال، مخافة ألا يبلغ وقت تفريقه إياه، فيكره أن يضيع لأجل صرفه في مصارفه. إذا ضرب الأمير رقاب قومٍ ... فما لكرامةٍ مد النطوعا يقول: إن فرشه النطوع تحت المال، كما أنه إذا أراد أن يضرب رقاب قوم يلقى من تحتهم النطوع إهانةً لهم، لا إكراماً.
следующие страницы →