Полный текст (475 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
يقول: كأن هذه الكواكب في ظلمات هذه الليلة الطويلة نساء بيض الوجوه قد كشفن وجوههن، ولبسن ثياباً سوداً. فشبه الكواكب بوجوه الجواري السافرات، وشبه الليل في سواده بالثياب السود التي تلبسها الجواري.
أفكر في معاقرة المنايا ... وقود الخيل مشرفة الهوادي
معاقرة المنايا: أي ملازمتها. وقيل: معاقرتها: محاربتها، من العقر. والهوادي: جمع الهادية، وهي العنق. ومشرفة: نصب على الحال.
يقول: طال علي هذا الليل مما أفكر في ملازمة المنايا وممارستها في الحروب والإقدام على القتال، ولذلك أفكر في قودي الخيل إلى الحرب مشرفة الأعناق. وقيل: معناه لا أفكر في معاقرة المنايا.
زعيماً للقنا الخطي عزمي ... بسفك دم الحواضر والبوادي
زعيماً: نصب على الحال من أفكر، وذو الحال: عزمي، والعزم: هو الكفيل. والقنا: المكفول له. وسفك دماء الحواضر والبوادي: المكفول به. والمكفول عنه: هو أبو الطيب.
يقول: أفكر في حال كوني زعيماً للرماح بأن تسفك دماء الناس كلهم، أهل الحضر وأهل البدو. وعلى إضمار لا في قوله: أفكر معناه لا أفكر في معاقرة المنايا مع تكفل عزمي بسفك دم الأعداء.
إلى كم ذا التخلف والتواني؟ ... وكم هذا التمادي في التمادي؟
التمادي: هو الإفراط في الأمور، وهو من المد، أو أراد ها هنا الإفراط في تأخيرها.
يقول لنفسه: إلى كم هذا التخلف والتقصير في طلب العز، واقتناء المكارم، وإلى كم تستعمل التمادي في التقصير وتتمادى تمادياً بعد تمادٍ.
وشغل النفس عن طلب المعالي ... ببيع الشعر في سوق الكساد
الشغل: بالفتح المصدر، وبالضم، الاسم. وها هنا بالفتح.
يقول: معاتباً لنفسه إلى كم تشغل نفسك عن طلب المعالي؛ بأن تبيع الشعر في سوق الكساد وتقتصر عليه دون ما هو أجل منه، فأنت تجيد الشعر ولا تصيب الصلة التي تستحقها بشعرك.
وما ماضي الشباب بمستردٍ ... ولا يومٌ يمر بمستعاد
يقول حاثاً لنفسه على لزوم الكائن قبل فوته: إن الشباب إذا مضى، وهو الزمان الذي لا يمكن تحمل المشاق في طلب المعالي لا يمكن رده، فكذلك اليوم الذي يمر لا يمكن إعادته! سواءٌ كان من أيام الشباب أو غيرها. وروى بمستفاد بالفاء أيضاً.
متى لحظت بياض الشيب عيني ... فقد وجدته منها ف يالسواد
عيني: رفع لأنه فاعل لحظت والهاء في وجدته: لبياض الشيب، وفي منها: للعين.
يقول: إذا رأت عيني بياض شعري، فكأنما وجدت ذلك البياض في كراهته عليها كأنه في سوادها؛ لأن البياض في سواد العين يكون عمي، وهو من أثقل الأشياء، فكذلك الشيب.
متى ازددت من بعد التناهي ... فقد وقع انتقاصي في ازدياد
يقول: متى ازددت في السن، بعد تناهى الأشد وذلك أربعون سنة كانت تلك الزيادة نقصاناً، لأنه كلما ازداد السن بعد انتهاء الغاية، ازداد الجسم نقصاً، فتكون زيادتي حاصلة في نقصان سني.
أأرضى أن أعيش ولا أكافي ... على ما للأمير من الأيادي؟!
يقول: هل أرضى بملازمتي هذا التقصير والتخلف، ولا أجازي هذا الأمير على ما أسدى إلي من النعم بمدحي إياه؟!
جزى الله المسير إليه خيراً ... وإن ترك المطايا كالمزاد
المزاد: جمع المزادة. يصف المشقة التي مرت عليه وعلى إبله في المسير إلى هذا الممدوح، ودل بالدعاء للمسير: على أنه لم يذكره على سبيل الشكاية، وإنما ذكره على سبيل الشكر، حيث أوصله إليه فاكتسب بسببه فخراً ومالاً وذخراً، وشبه الإبل. وهزالها بالمزاد: وهي القرب البالية، وهذا التشبيه جيد. وقيل: إنه أراد أن المسير ترك المطايا خالية من القوت واللحم، لطول سفرنا كمزادنا الخالية من الزاد، فتكون الألف واللام في المزاد دالة على الإضافة.
فلم تلق ابن إبراهيم عنسى ... وفيها قوت يومٍ للقراد
عنسى: رفع لأنها فاعلة تلق.
يقول: إن ناقتي لم تلق ابن إبراهيم، إلا بعد أن صارت من الهزال بحال لم يبق فيها من اللحم قدر ما يقتاته القراد يوماً واحداً!
ألم يك بيننا بلدٌ بعيدٌ ... فصير طوله عرض النجاد؟!
يقول: كان بيني وبين هذا الممدوح بلد بعيدٌ، فصير هذا المسير طوله الطويل، كعرض النجاد في القصر، وقربه غاية القرب. وفيه التطبيق للمبالغة في الجودة.
стр. 72
وأبعد بعدنا بعد التداني ... وقرب قربنا قرب البعاد
بعدنا، وقربنا: مفعول بهما. وبعد التداني، وقرب البعاد: منصوبان على المصدر.
يقول: إن المسير أبعد بعدنا، فجعله كبعد التداني الذي كان بيننا، وكذلك قرب المسير قربنا، مثل قرب البعد الذي كان بيننا من قبل. يعني أبعد البعد وقرب القرب.
فلما جئته أعلى محلى ... وأجلسني على السبع الشداد
يقول: لما قصدته بعد هذا التعب، رفع منزلتي وأحسن جائزتي حتى إنه رفعني إلى السموات السبع وأجلسني فوقها.
تهلل قبل تسليمي عليه ... وألقى ماله قبل الوساد
يقول: لقيني بطلاقة وجهه، وتبسمه، قبل أن أسلم عليه، وألقى إلي ماله قبل إلقاء الوسادة التي يجلسني فوقها.
نلومك يا علي لغير ذنبٍ ... لأنك قد زريت على العباد
يقول: يا علي، نلومك ولا ذنب لك، غير أنك قصرت وعبت على الناس بأفعالك وخصالك، فليس ذلك بذنب، وإنما هو فضلٌ منك وكرم.
وأنك لا تجود على جوادٍ ... هباتك أن يلقب بالجواد
هباتك: رفع لأنها فاعلة تجود. وتقديره: لا تجود هباتك على جواد أن يلقب كذلك بالجواد.
يقول: إن هباتك أبت أن يقلب أحدٌ بالجواد غيرك؛ لأنها فاقت هبات غيرك، حتى أخرجت جود الناس عن كونه جواداً، وهذا مثل قول بعض الشعراء:
رد معروفك الكثير قليلاً ... وأرى جودك الجواد بخيلاً
كأن سخاءك الإسلام؛ تخشى ... متى ما حلت عاقبة ارتداد
يقول: إنك من شدة مواظبتك على السخاء صار سخاؤك كالإسلام، لا تحول عنه، كما لا تحول عن الإسلام؛ خوفاً من عاقبة الارتداد؛ لأن عاقبته مذمومة، يجب على كل أحد التجنب منه؛ لأنه يلزمه في الدنيا: القتل، وفي الآخرة: العذاب الدائم. ومثله لأبي تمام.
مضوا وكأن المكرمات لديهم ... لكثرة ما أوصوا بهن شرائع
كأن الهام في الهيجا عيونٌ ... وقد طبعت سيوفك من رقاد
يقول: كأن هام أعدائك عيونٌ، وسيوفك مضروبة من النوم، فلا يكون مسكنهاإلا في الهامات، كسكون النوم في العين.
وقد صغت الأسنة من هموم ... فما يخطرن إلا في فؤاد
روى صغت وصغت. وروى: يخطرن بالكسر أي الرماح وبالضم الهموم، يقال: خطر الرمح. ويخطر، وخطر الشيء بالقلب يخطر، كأنك قد ضربت أسنة رماحك من الهموم؛ لأن محلها القلوب، كما أن محل الهموم القلوب.
والمعنى: أن قلوب الأعداء لا تخلو من أسنة رماحك، كما لا تخلو من الأحزان والهموم.
ويوم جلبتها شعث النواصي ... معقدة السبائب للطراد
الكناية في جلبتها: للخيل ولم يجر لها ذكر، لدلالة الكلام عليه. ومعقدة السبائب: أي مضفورة الشعر للذنب.
يقول: في اليوم الذي حشرت الخيل وأتيت بها مشعثةً نواصيها معقدة أذنابها، لأنها كانت مهيأة للحرب.
وحام بها الهلاك على أناس ... لهم باللاذقية بغي عاد
الهاء في بها: للخيل، أي بسبب الخيل.
يقول: وطاف الهلاك بهذه الخيل على قوم كان لهم بغي عاد باللاذقية.
فكان الغرب بحراً من مياهٍ ... وكان الشرق بحراً من جياد
يقول: كان الأعداء بين البحرين، غريبها بحر الشام، وشرقيها بحر من جياد: وهو جيش الممدوح شبهه بالبحر لكثرته، ولبياض الحديد وبريقه فيهم وقيل: أراد بالبحر من المياه، دماء القتلى. فبين أنها لكثرتها كبحرالماء، والجانب الشرقي من عتاق الخيل.
وقد خفقت لك الرايات فيه ... فظل يموج بالبيض الحداد
الضمير في فيه: يرجع إلى البحر من جياد.
يقول: تحركت أعلامك في البحر من الجياد فكان يموج بالسيوف البيض المحددة شبه بياض السيوف بماء البحر.
لقوك بأكبد الإبل الأبايا ... فسقتهم وحد السيف حاد
الأبايا: جمع الأبية، وهي التي لا تنقاد، وتمنع أنفسها من الخطام.
يقول: إن أعداءك رأوك بأكباد غلاظ كأكباد الإبل الأبية، التي لا تنقاد لصعوبتها. فسقتهم مع غلظ أكبادهم ونحوتهم وحد سيفك حادٍ بهم وسائقهم.
وقد مزقت ثوب الغي عنهم ... وقد ألبستهم ثوب الرشاد
يقول: قاتلتهم حتى انقادوا، وكشفت عنهم ثوب الضلالة، وألبستهم ثوب الرشاد والحق، فصاروا راشدين بعد أن كانوا غاوين.
فما تركوا الإمارة لاختيارٍ ... ولا انتحلوا ودادك من وداد
стр. 73
يقول: ما تركوا الإمارة اختياراً، بل غصبتهم عليها، وما ادعوا ودك من اعتقاد قلوبهم، بل نفاقاً في حبك.
ولا استفلوا لزهدٍ في التعالي ... ولا انقادوا سروراً بانقياد
يقول: ما انخفضوا لك لزهدهم في العلو، ولا انقادوا لك سروراً بالانقياد، لكنهم انقادوا خوفاً
ولكن هب خوفك في حشاهم ... هبوب الريح في رجل الجراد
يقول: هب خوفك في قلوبهم فطيرها، كما تهب الريح في قطعة من الجراد فتبددها.
وماتوا قبل موتهم فلما ... مننت أعدتهم قبل المعاد
يقول: وإنهم ماتوا خوفاً منك، ولما صاروا كالموتى، فكأنهم ماتوا قبل الموتة، حتى إذا مننت عليهم أعدتهم قبل يوم القيامة بعفوك عنهم.
غمدت صوارماً لو لم يتوبوا ... محوتهم بها محو المداد
يقول: كانوا قد ماتوا فأعدتهم قبل المعاد! بأن غمدت سيوفك عن قتلهم بها ولو لم يرجعوا عن معصيتك لمحوتهم كما ينمحي المداد من الألواح.
وما الغضب الطريف وإن تقوى ... بمنتصفٍ من الكرم التلاد
يقول: إن غضبك المستحدث وإن كان قوياً فلا يؤثر في كرمك الأصلي القديم، فلا يمكنه أن يغلب كرمك المتين.
فلا تغررك ألسنةٌ موالٍ ... تقلبهن أفئدةٌ أعادي
الموالي: هم الأصدقاء، وقد راعى فيه المطابقة، وجمع التأنيث في تقلبهن للألسنة.
يقول: لا تغتر بإظهارهم لك المولاة بألسنتهم فإن ألسنتهم وأفئدتهم مضمرةٌ للعداوة، فتغلب ألسنتهم قلوبٌ مضمرة على العداوة، فلا تغتر بظاهر أحوالهم.
وكن كالموت لا يرثي لباكٍ ... بكى منه ويروي وهو صادي
فاعل بكى: ضمير باكٍ.
يقول: كن كالموت لا يرحم، ولا يرق لباكٍ، يبكي من يده وفعله، ويروي الموت وهو عطشان بعد الري، فيزداد عطشاً.
فإن الجرح ينفر بعد حينٍ ... إذا كان البناء على فساد
نفر الجرح: إذا تورم وظهر من أسفله فساد.
يقول حاثاً له على قتل الباقين منهم: أضمروا العداوة، ويتربصون بك الدوائر فلا تغتر بإظهارهم المودة، فإنهك كالجرح إذا كان اندماله على فساد، وغور فيه، فإنه يظهر غوره بعد حين، فكذلك حالهم معك.
وإن الماء يجري من جمادٍ ... وإن النار تخرج من زناد
أراد بالجماد: الحجر.
يقول: لا تأمن إظهار أحوالهم، فقد يجري الماء من الحجر الصلد، وكذلك النار التي تحرق كل شيء تخرج من الزناد الحديد.
وكيف يبيت مضطجعاً جبانٌ ... فرشت لجنبه شوك القتاد؟
يقول: كيف ينام عدوك وهو جبان، مضطجعاً على فراش من قتاد: يعني أن خوفك قد أثر تأثيراً به، حتى كأنه نائم على شوك القتاد، هيبةً منك، وقد يحصل من الجبان بعض أحوالٍ لا تحصل من الشجاع ضرورة خوفاً، ويجوز أن يكون توحيد الجبان لأنه أراد: أميرهم.
يرى في النوم رمحك في كلاه ... ويخشى أن يراه في السهاد
يقول: يرى هذا الجبان رمحك أصابت كلاه في نومه، فخاف أن يرى في اليقظة ما يراه في النوم، فلا يلذ له نوم أبداً، لذلك.
أشرت أبا الحسين بمدح قومٍ ... نزلت بهم فسرت بغير زاد
يقول: أشرت إلي أن أمدح قوماً نزلت بهم فما أكرموني وخرجت من عندهم بغير زاد، فهل ترى أن أمدح من هذا فعله؟!
وظنوني مدحتهم قديماً ... وأنت بما مدحتهم مرادي
كأنه قد كان قصدهم قبل قصده الممدوح، ومدحهم فلم يثيبوه شيئاً.
يقول: إنهم ظنوا أني مدحتهم، وما علموا أنك كنت أنت المقصود بذلك المدح.
وقيل: إنه مدحهم بعدما أمره به هذا الممدوح، فلم يعطوه، فقال للمدوح: أنت أمرتني بمدحهم فيجب عليك أن تخرج ثواب مدحي لهم، وكنت ضامناً وقد أخذ هذا المعنى من قول الحكمي:
وإن جرت الألفاظ يوماً بمدحه ... لغيرك إنساناً فأنت الذي نعني
وإني عنك بعد غدٍ لغادٍ ... وقلبي عن فنائك غير غاد
يقول: إني غادٍ عنك بعد غدٍ، وقلبي غير مرتحل عن فنائك. ومثله لأبي تمام:
مقيم الظن عندك والأماني ... وإن قلقت ركابي في البلاد
محبك حيثما أتجهت ركابي ... وضيفك حيث كنت من البلاد
يقول: حيثما سرت ونزلت، فإني محبك، وحيثث كنت من البلاد فإني ضيفك، لأن عطاياك عظيمة وأياديك غير منقطعة ولا فانية. ومثله لأبي تمام قوله:
وما طوفت في الآفاق إلا ... ومن جدواك راحلتي وزادي
стр. 74
إلا أن بيت المتنبي أجود منه؛ لأنه دل على هذا المعنى في المصراع الأول بمعنىً آخر، وأنه لم يقتصر على الراحلة والزاد، لأن لفظ الضيف يتضمن سائر وجوه النعم والتعظيم، لأن من حكم الضيف أن يكون معظماً مكرماًن فبين أنه كذلك حيثما سار من البلاد.
وقال أيضاً يمدحه. أي يمدح علياً بن إبراهيم التنوخي:
ملث القطر! أعطشها ربوعا ... وإلا فاسقها السم النقيعا
الملث: الدائم القطر، والكناية في أعطشها: للربوع، وقدمها للدلالة، ونصب ربوعا على التمييز، كأنه قال: من ربوع.. والنقيع: المنقوع.
يخاطب المطر فيقول: يا دائم القطر، أعطش هذه الربوع من ربوع، ولا تسقها، وإن كنت لابد ساقيها، فاسقها السم النقيع! فإني شاكٍ منها؛ وقد بين العلة في ذلك في قوله.
أسائلها عن المتديريها ... فلا تدري ولا تذري دموعا
قوله: المتديريها: أي المقيمين بها والمتخيرين لها داراً، وكان الأصل المتدوريها، لأن الدار: أصلها دور، فهو من الواوي يقول أسائل هذه الربوع عن المقيمين فيها، فلا تدري سؤالي ولا تجيبني عنه ولا تبكي الدموع مساعدة عن بكاء الذين كانوا فيها، حزناً على خلوها منهم.
لحاها الله إلا ما ماضييها ... زمان اللهو والخود الشموعا
لحاها: أي لعنها، وأصله قشرها الله، والخود: الجارية الناعمة السهلة الخلق. والشموع: هي اللعوب المزاحة اللينة الكلام. وقيل: هي الصافية البياض.
يقول: لعن الله هذه الربوع إلا ماضيها، وهو استثناء منقطع، لكن شيئين منهما قد مضيا، فإني لا أدعو عليهما: أحدهما زمان اللهو، والثاني الخود الشموع وهي المحبوبة.
منعمةٌ، ممنعةٌ، رداحٌ ... يكلف لفظها الطير الوقوعا
الرداح: السمينة الكبيرة العجز. والوقوع: جلوس الطير.
يقول: إنها منعمة ممنوعة الوصول إليها، سمينة حسنة الصوت والمنطق، فلو سمع الطير لفظها في الهواء لسقط على الأرض، فكأن لفظها كلف الطير الوقوع على الأرض.
ترفع ثوبها الأرداف عنها ... فيبقى من وشاحيها شسوعاً
رفع الأرداف: لأنها فاعلةٌ لترفع ومفعوله الثوب. والوشاح: شيء تقلد به العروس كتقليد السيف، ويكون طرفاه مرسلين من جانبي البدن، والشسوع: مبالغة في الشاسع وشسوعا: نصب على الحال.
يقول: إن أردافها ترفع الثوب عن جسمها؛ لعظم أردافها، فيصير الثوب بعيداً عن وشاحيها وجسمها. وقد دل بذلك على دقة الخصر، لأنه لو لم يدق لم يبعد الثوب عنه، وروى: شسوعاً بالضم: وهو مصدر واقع موقع شاسع. كقولهم: صوم وعدل، وصفة الشيئين أولى؛ لأنه صفة صريحة وحقيقة، وهذا محمول عليها.
إذا ماست رأيت لها ارتجاجاً ... له، لولا سواعدها نزوعا
ماست: أي تبخترت. والارتجاج: الاضطراب. والهاء في لها: للأرداف، وفي له: للثوب. والنزوع: بمعنى النازع، وهو فاعل، من نزعت الشيء إذا جذبته عنه.
يقول: إذا تبخترت هذه المرأة في مشيها رأيت لأردافها من ثقلها اضطراباً، لولا سواعد هذه المرأة، لكان ذلك الارتجاج نازعاً لثوبها عنها، فلكون سواعدها في الكم، وإمساكها لثوبها، لم ينفصل الثوب عن البدن!!
تألم درزه والدرز لينٌ ... كما تتألم العضب الصنيعا
تألم: أصله تتألم، فحذف إحدى التاءين، وهو فعل المرأة. ولينٌ: أصله لينٌ، فخفف. والعضب: السيف القاطع. والصنيع: الذي جرد. وقيل: الذي فيه جودة الصنع.
يقول: تتألم هذه المرأة لنعومتها من درز هذا الثوب مع كون درزه ليناً، كما أنت تتألم أيها المخاطب من ضرب السيف. يعني: أن هذا القدر من الخشونة يؤثر فيها ويقع موقع ضربها بالسيف.
ذراعاها عدوا دملجيها ... يظن ضجيعها الزند الضجيعا
يقول: ذراعاها، أي ذراعا هذه المرأة لامتلائهما، كأنهما عدوا دملجيها، لأنهما يكادان أن يكسراهما؛ لامتلائهما، أو أنه لا يمكنهما أن يدورا على ذراعيها، فيكون ذراعاها قد أمسكاهما. والدملجان: قد غاصا بذراعيها، فيعادي كلٌّ منهما صاحبه. من هذا الوجه. وقيل: أراد أن دملجيها لا ينحطان عن عضديها، إلى ذراعيها، لامتلاء ذراعيها بهما ومنعهما من أن يخرجا من ذراعيها، فهما والذراعان لا يلتقيان أبداً، كالعدوين.
يقول: يظن مضاجعها أن زندها شخص واحد، قد ضاجعه لعظمه وامتلائه.
стр. 75
وقيل: أراد أنها لدقة خصرها يظن المضاجع أنها زند: وهو الزند الذي يوري منه النار، والزند ينحف الخصر لكثرة القدح ووصول الحجر إليه من الجانبين، فكأنه شبهها في رقة خصرها بالزند.
كأن نقابها غيمٌ رقيقٌ ... يضيء بمنعه البدر الطلوعا
يقول: إن نقابها يشرق لإضاءة وجهها من تحته كما يشرق الغيم الرقيق من فوق القمر: الذي هو البدر. شبه نقابها بغيم رقيق، ووجها بالبدر ثم قال يضيء الغيم بسبب منعه البدر من الطلوع، ولو قال بدله الشمس لكان أبلغ.
أقول لها: اكشفي ضري. وقولي ... بأكثر من تدللها خضوعا
قوله: وقولي بأكثر، يعني بخضوع أكثر من تدللها، خضوعاً، فتكون الباء متعلقة بمحذوف، وتكون هذه الجملة خبراً لقولي، وخضوعاً نصب على الحال، تفسيرٌ للخضوع المقدر.
يقول: أقول لها في حال تضرعي وتواضعي لها: اكشفي ضري، وخضوعي في قولي هذا أكثر من تدللها علي على كثرته؛ وذلك أن الدلال يكون مع الخضوع، فكأنه يقول: إنها تتمنع وتتدلل وأنا أخضع لها وأتذلل حتى يزيد خضوعي على مالها من التدلل والتمنع، وإن كان تدللها غير متناهٍ كثيراً فخضوعي أكثر منه.
أخفت الله في إحياء نفس ... متى عصي الإله بأن أطيعا؟
يقول لها: أخفت لله تعالى في إحياء نفس على الوصال، فتكوني قد أحييته بعد الإماتة، أو يريد: إنك قد هممتي بإماتتي فكأنك خفت الله تعالى في تبقيتي على هذه الحال. وليس ذلك مما يخاف الله تعالى، بل إحياء نفس مما يتقرب به إلى الله تعالى، فكيف يعصي الإله بطاعته تعالى.
غدا بك كل خلو مستهاماً ... وأصبح كل مستور خليعا
وروى: كل خلق. والمستهام: من بلغ النهاية في الهوى. والخليع: هو المتظاهر بالهوى.
يقول: أصبح كل خلي من الهم والهاً بك متحيراً في هواك، وأصبح كل عفيف في حبك، خالعاً عذاره، ومثله:
ولو أن لقمان الحكيم تعرضت ... لعينيه ميٌّ سافراً كان يبرق
أحبك أو يقولوا جر نملٌ ... ثبيراً وابن إبراهيم ريعا
أو ها هنا بمعنى: أن أو إلى أن أو إلا أن.
يقول لها: إني أحبك إلى أن يقولوا: جر نملٌ ثبيراً وهو الجبل. وهذا لا يكون أبدا، أو إلى أن يقال: إن ابن إبراهيم، خوف وأفزع. وهذا أيضاً غير جائز، فلا يزول حبك أبداً عني، لأن هذين أبداً لا يكونان.
بعيد الصيت منبث السرايا ... يشيب ذكره الطفل الرضيعا
يقول: إنه رفيع الشأن، متفرق العساكر في البلدان؛ لكون البلاد كلها من ممالكه، أو للإغارة على أعدائه، ويشيب ذكر شجاعته الطفل الرضيع؛ لخوفه منه، وخص الطفل؛ لبعده عن الشيب، وهذا مأخوذ من قوله تعالى: " يوماً يجعل الولدان شيباً ".
يغض الطرف عن مكرٍ ودهى ... كأن به وليس به خشوعا
الدهى: هو الدهاء. وخشوعاً: نصب لأنه اسم كأن. تقديره: كأن به خشوعاً، وليس أنه يغض طرفه عن مكرٍ ودهاءٍ، حتى كأنه لا يبصر شيئاً وهو مبصر، ولكن يتغافل بمكره، وهو يظن أنه خاشع البصر، وليس به خشوع لكنه يفعل مثل ذلك لدهائه.
إذا استعطيته مافي يديه ... فقدك، سألت عن سرٍّ مذيعا
فقدك: أي فحسبك، والمذيع: من عادته إفشاء السر، لأنه لا يكتمه. شبهه بمذيع السر، إذا سألوه المال. يعني: أن المذيع كما لا يكون له سر، كذلك هذا لا يثبت في يده غني.
قبولك منه منٌّ عليه ... وإلا يبتدىء يره فظيعا
منه: نصب لأنه مفعول قبولك، ومنٌّ عليه، خبر الابتداء وقبولك مبتدأ، وفظيع: أي أمر شديد منكر.
يقول: إذا قبلت بره وعطاءه فكأنك قد مننت عليه بقبولك ذلك، وإن لم يبتدىء بالنوال قبل السؤال، رأى ذلك قبيحاً منكراً. يعني: يسابقك إلى العطاء قبل الاستغناء.
لهون المال أفرشه أديماً ... وللتفريق يكره أن يضيعا
يقول: لهون المال عليه فرش تحته النطع من الأديم وصبه فوقه، لا لكرامته عليه، لأن النطع إنما يبسط لمن يضرب عنقه، ولو أراد إعزازه لجعله في الكيس، وإنما يكره أن يضيع المال، مخافة ألا يبلغ وقت تفريقه إياه، فيكره أن يضيع لأجل صرفه في مصارفه.
إذا ضرب الأمير رقاب قومٍ ... فما لكرامةٍ مد النطوعا
يقول: إن فرشه النطوع تحت المال، كما أنه إذا أراد أن يضرب رقاب قوم يلقى من تحتهم النطوع إهانةً لهم، لا إكراماً.
стр. 76
فليس بواهبٍ إلا كثيراً ... وليس بقاتلٍ إلا قريعا
القريع: السيد الشريف.
يقول: إن الممدوح لا يهب إلا كثيراً، وإذا قتل، لا يقتل إلا سيداً شجاعاً كريماً مقارعاً.
وليس مؤدباً إلا بنصلٍ ... كفى الصمصامة التعب القطيعا
كفى: يتعدى إلى مفعولين: أحدهما التعب، والثاني القطيع، وهو السوط. تقديره: كفى الصمصامة القطيع التعب.
يقول: إنه لا يؤدب إلا بسيف فيقيمه في التأديب مقام السوط، فيكفي السوط التعب والعناء.
عليٌّ ليس يمنع من مجيءٍ ... مبارزه ويمنعه الرجوعا
يقول: إنه لا يمنع مقاتله من المجيء إلى قتاله ونزاله، ولكنه إذا أراد أن ينصرف، منعه من الانصراف بقتله، فينتفي الرجوع.
عليٌّ قاتل البطل المفدى ... ومبدله من الزرد النجيعا
المفدى: الذي يفديه كل واحد من الناس، لشجاعته. والزرد: الدرع. والنجيع: الدم الطري. وقيل: دم الجوف.
يقول: إنه يقتل البطل الذي يفديه الناس لشجاعته، ويسلبه درعه ويلبسه بدل الدرع الدم الطري، الذي يخرج منه بالضرب والطعن.
إذا اعوج القنا في حامليه ... وجاز إلى ضلوعهم الضلوعا
في حامليه: يجوز أن يريد به، المطعونين. ومعناه: إذا صارت الرماح معوجة في المطعونين، ونفذ ذلك الرمح من ضلع إلى ضلع آخر، أي يخرج من جانب إلى جانب آخر، من هذا المطعون إلى مطعون آخر، وجواب هذا الكلام، بعد البيت الذي يليه. ويجوز أن يريد بحامليه: أعداء الحاملين للرمح. وإنما خص الرمح؛ لأن طعن الرمح أدل على الفروسية والشجاعة، لأنه يقابل مثل سلاحك.
ونالت ثأرها الأكباد منه ... فأولته اندقاقاً أو صدوعا
الهاء: في منه ترجع إلى لفظ القنا وكذلك أولته. وفي ثأرها للأكباد.
يقول: إذا اعوج القنا، وانصدع واندق في الأكباد، فكأن الأكباد نالت ثأرها من الرماح بهذا الاندقاق فأعطت الأكباد القنا اندقاقاً أو صدوعاً.
فحد في ملتقى الخيلين عنه ... وإن كنت الغضنفرة الشجيعا
إن استجرأت ترمقه بعيداً ... فأنت اسطعت شيئاً ما استطيعا
وروى: الخبعثنة فحد: أمر حاد يحيد، إذا تأخر عن المحاربة: والهاء في عنه: للممدوح، والغضنفرة: من صفات الأسد.
يقول: إذا اشتدت الحروب، واعوج القنا، ونالت الأكباد ثأرها من الرماح، فحد عنه، يا من يريد مبارزته عند التقاء الجيشين، وإن كنت أسداً شديداً شجاعاً، فإنه يقتلك لا محالة فتهلك.
وإن ماريتني فاركب حصاناً ... ومثله تخر له صريعا
أي: إن خاصمتني، أو شككت في قولي روى: حصاناً وجواداً وصريعاً نصب على الحال.
يقول: إن خاصمتني أو شككت في إخباري من حال هذا الممدوح، فاركب فرساً جواداً ومثله في قلبك نصب عينيك، وإن كان غائباً عنك فإنك تسقط من هيبته هالكا.
غمامٌ ربما مطر انتقاماً ... فأقحط ودقه البلد المريعا
البلد المريع، والممرع: هو الخصيب والمخصب وزناً ومعنى.
يقول: إنه غمام يمطر خيراً ونعمة إلا أنه ربما يمطر انتقاماً فيقحط قطره البلد الخصيب.
رآني بعد ما قطع المطايا ... تيممه وقطعت القطوعا
رأى: فعل الممدوح، وتيممه: فاعل قطع. والمطايا: مفعوله. وقطعت: فعل المطايا. والقطوع: مفعوله. وهو جمع القطع، وهو الطنفسة على ظهر البعير.
يقول: رآني الممدوح، بعد ما قطع المطايا، وأتبعها سيري إلى الممدوح وقصدي إياه، وقطعت المطايا الطنافس التي عليها؛ لطول ملازمتي لها؛ وكل ذلك لطول الطريق وبعد المسافة ومقاساة الشدائد. يذكر ذلك توصلاً إلى فضل عطاياه.
فصير سيله بلدي غديراً ... وصير خيره سنتي ربيعا
يقول: لما رآني أعطاني إعطاءً واسعاً، حتى جعل سيله بلدي غديرا: وهو مقر الماء. وصير خيره سنتي كلها ربيعاً؛ لأنه أفضل فصول السنة.
وجاودني بأن يعطي وأحوى ... فأغرق نيله أخذي سريعا
جاود: فاعل من الجود.
يقول: جاد علي بالعطاء وجدت عليه بالاحتواء والأخذ فجعل أخذه منه جوداً، لأنه كان يعد أخذه نعمة من جملة النعم عليه، فأغرق نيله وإعطاؤه أخذي بسرعة: أي لم يبلغ أخذي عطاؤه، فكأنه غرق أخذي.
أمنسي السكون وحضرموتاً ... ووالدتي وكندة والسبيعا
стр. 77
يقول: يا من أنساني هذه الأماكن لجوده، وإن كانت منشأي ومألفي، ويا من أنساني والدتي فلا أشتاقها؛ لأن عطاءك شغلني عن جميع ذلك.
قد استقصيت في سلب الأعادي ... فرد لهم من السلب الهجوعا
السلب: يجوز أن يكون الشيء المسلوب، ويجوز أن يريد به: المصدر، فيجوز فيه فتح اللام وإسكانها.
يقول: قد سلبت أعداءك كل شيء حتى النوم، فرد عليهم من جملة هذا السلب النوم. يعني: أنهم من خوفهم منك أن تسلبهم نفوسهم، لا ينامون، فأمنهم ليناموا.
إذا ما لم تسر جيشاً إليهم ... أسرت إلى قلوبهم الهلوعا
تسر: مضارع أسار يسير إسارة، وسار وهو يسير سيراً والهلوع: أسوأ الجزع.
يقول: إذ لم تسير جيشك إليهم، وتركت قتالهم فقد سيرت إلى قلوبهم الجزع والخوف، فكأنك قد سيرت إليهم الجيش؛ لأن خوفهم منك يقوم على حقهم مقام الجيش.
رضوا بك كالرضا بالشيب قسراً ... وقد وخط النواصي والفروعا
وخط: إذا ظهر واختلط البياض بالسواد، وأراد بالنواصي: شعرها. والفروع: الذوائب.
يقول: إنهم رضوا بك كارهين كرضاهم بالشيب إذا خالط شعر النواصي وسائر الفروع، فكما أن الشيب غير محبوب إلى كل أحد، فكذلك حالهم في رضاهم بك.
فلا عزلٌ وأنت بلا سلاحٍ ... لحاظك ما تكون به منيعا
العزل: هو فقد السلاح. من قولهم: رجل أعزل. وما؛ بمعنى الذي. كأنه قال: لحاظك الشيء الذي يكون به منيعاً. والهاء في به عائد إلى ما، والمنيع: الممنوع الجانب.
يقول: ليس فقدك السلاح بعزل؛ لأن لحاظك إذا نظرت إلى عدوك تغني عن السلاح، فصرت بالملاحظة منيعاً ذا سلاح.
لو استبدلت ذهنك من حسام ... قددت به المغافر والدروعا
الهاء في به: للذهن.
يقول: لو جعلت ذهنك بدلاً من سيفك، لقطعت به المغافر والدروع. يصفه بحدة الذهن وجودة الخاطر.
لو استفرغت جهدك في قتالٍ ... أتيت به على الدنيا جميعا
يقول: لو بذلت جهدك وقدرتك في القتال، لأتيت على جميع أهل الدنيا ولأفنيتهم، حتى لا تبقى الدنيا ولا أهلها.
سموت بهمةٍ تسمو فتسمو ... فما تلفي بمرتبةٍ قنوعا
التاء في تسمو الأول: للخطاب، والثاني: للهمة. أي تسمو أنت وتسمو همتك بسموك. ويجوز أن يكون: الأول للهمة، والثاني: للخطاب. أي تسمو همتك فتسمو أنت بسمو همتك. ويجوز أن يكونا للهمة أي تسمو همتك إلى درجة فما ترضى بها، فتسمو إلى ما فوقها. فما تلفى أنت أو همتك بمرتبة قنوعا، أي لا يرضى بمرتبة نالها بل يطلب فوقها.
وهبك سمحت حتى لا جوادٌ ... فكيف علوت حتى لا رفيعا؟!
الألف في رفيعا: ألف الإطلاق؛ لأن النكرة المنفية بلا تنصب بلا تنوين.
يقول: أحسب أنك بجودك علوت أقرانك حتى لا نظير لك فيه، فكيف قدرت على السمو والارتفاع حتى لا يبقى رفيع غيرك؟! وقال البخاري: يجوز أن يكون بلا من التنوين، لأن لا إذا تكررت يجوز فيها هذا الوجه نحو قولك: لا حول ولا قوة.
وقال أيضاً يمدحه أي علياً بن إبراهيم التنوخي، ويصف بحيرة طبرية:
أحق عافٍ بدمعك الهمم ... أحدث شيء عهداً بها القدم
العافي: الدارس. والهمم: مبتدأ. وأحق: خبره.
يقول: إن أحق دارس بالبكاء عليه، همم الناس الدارسة، فهي أولى بالبكاء لدروسها، من الأطلال الدارسة. وقوله: أحدث شيء عهداً بها القدم: أي أنها قد تقادمت، فأحدث شيء بها القدم: أي صار أقربها عهداً قديماً. وقيل: أراد بالعافي: الطالب. والمعنى: أن الهمم أحق طالب بأن يبكى عليه. فكأنه يقول: أعرض عن البكاء على الأطلال، وابك على الهمم. وهو مأخوذ من قول أبي نواس:
صفة الطلول بلاغة القدم ... فاجعل صفاتك لابنه الكرم
وإنما الناس بالملوك وما ... تفلح عربٌ ملوكها عجم
يقول: إنما عز الناس، وهممهم بالملوك، فما تفلح العرب إذا كانت ملوكها عجم؛ لأنهم لا همم لهم، وهم إذا رضوا بذلك فقد دنوا، فلا يرجى لهم فلاح.
لا أدبٌ عندهم ولا حسبٌ ... ولا عهودٌ لهم ولا ذمم
بكل أرضٍ وطئتها أممٌ ... ترعى بعبدٍ كأنها غنم
الذمم: جمع الذمة، وهي الحرمة. يعني: أن العجم ليس لهم حرمة.
стр. 78
يقول: وجدت في كل بلدٍ دخلتها أمماً أي جماعات، يلي عليهم عبد! فهم لا يأنفون عن الانقياد له، كأنهم غنم! وأراد بالعبد: العجم؛ لأنهم موالي العرب، وعبيدهم، وهم ينزلون من العرب منزلة العبيد، وفيه تعيير للعرب حيث رضوا بأن يلي عليهم العجم وانقادوا لهم.
يستخشن الخز حين يلمسه ... وكان يبري بظفره القلم
ويروى: حين يلبسه ويلمسه يصف بهذا العبد الذي صار والياً. ويقول: صار بحيث يستخشن الخز الذي هو في غاية اللين، حين يلمسه، بعد أن كان عبداً قد غلظت يداه من الكد، حتى لو أراد أن يبري بظفره القلم لبراه؛ لطول ظفره.
إني وإن لمت حاسدي فما ... أنكر أني عقوبةٌ لهم
يقول: إن كنت ألوم حسادي على حسدهم إياي، وعداوتهم لي، فإني أعلم أنهم معذورون على حسدهم لي، لأني عقوبة لهم، لما لي من الفضل والعلو، فأقتلهم غيظاً وحسداً. وقريب منه قول الآخر:
ولا خلوت الدهر من حاسدٍ ... وإنما الفاضل من يحسد
وكيف لا يحسد امرؤٌ علمٌ ... له على كل هامةٍ قدم؟!
العلم: الجبل.
يقول: كيف لا يحسد رجل مشهور بالفضل والكمال، عالي المحل، وله على كل هامة قدم، فهو أفضل من كل أحد.
يهابه أبسأ الرجال به ... وتتقي حد سيفه البهم
أبسأ الرجال: آنسهم. يقال: أبسأت به وأبهأت به إبساءً وإبهاء: إذا أنست به.
يقول: يخاف هذا الرجل آنس الرجال به، وأقربهم إليه. وتتقي: أي تحذر، من حد سيفه الشجعان.
تقديره: كيف لا يحسد امرؤ وهذه صفته؟!
كفاني الذم أنني رجلٌ ... أكرم مالٍ ملكته الكرم
فاعل كفاني: أنني، وما يتصل به. والمفعول الأول: الياء التي هي ضمير المتكلم. والمفعول الثاني: الذم.
يقول: منعني من أن أذم نفسي، فأكرم ما أملك وأدخره لنفسي، إنما هو الكرم فلا سبيل لأحد أن يذمني مع هذا الكرم.
يجني الغنى للئام لو عقلوا ... ما ليس يجني عليهم العدم
يقول: يجلب الغنى على اللئيم، ما لا يجلب عليه الفقر؛ لأن اللئيم إذا صار غنياً يبخل فيذم، وإذا كان فقيراً لم يذمه أحد.
هم لأموالهم وليس لهم ... والعار يبقى والجرح يلتئم
يقول: إن اللئام خدم أموالهم، وعبيدهم، حتى أوقعوا أنفسهم في الهلاك بسببها، وليست الأموال لهم، لأنهم لا ينتفعون بها، ولا يكتسبون بها حمداً ولا أجراً. ثم قال: والعار يبقى والجرح يلتئم: يعني أن غناءهم عارٌ عليهم، يبقى بعدهم. والجرح يلتئم: أي أن الجرح أهون من العار؛ لأن الجرح يندمل ويذهب أثره والعار يبقى على وجه الدهر.
من طلب المجد فليكن كعلي ... ىٍ يهب الألف وهو يبتسم
ويطعن الخيل كل نافذةٍ ... ليس لها من وحائها ألم
أي: كل طعنةٍ نافذةٍ، فحذفها والكناية في لها، وحائها: للطعنة والوحاء: السرعة، يمد ويقصر.
يقول: من طلب الشرف فليكن مثل هذا الممدوح، الذي يهب الألف لسائله وهو ضاحك، ويطعن أعداءه كل طعنة نافذةٍ من إحدى الجانبين إلى الجانب الآخر، ليس بهذه الطعنة ألم؛ لسرعتها وخفة يده بها. وقيل: أراد أنه يموت في الحال، فلا يحس بالألم بعد الموت.
ويعرف الأمر قبل موقعه ... فما له بعد فعله ندم
الهاء في فعله: للمدوح، أو للأمر. وروى: بعد فعلةٍ. وهي المرة الواحدة من الفعل.
يقول: إنه يعلم عواقب الأمور قبل فعلها ووقوعها، فإذا فعل أمراً لم يندم على فعله؛ لأنه لم يفعله إلا وهو عالم بعاقبته.
يمدحه بجودة الرأي وحدة الفطنة وشدة الذكاء.
والأمر والنهي والسلاهب وال ... بيض له والعبيد والحشم
السلاهب: جمع السلهب وهي الفرس الطويل. وقيل: هو الرمح الطويل. والحشم: حاشية الرجل، الذين يغضبون له، ويغضب لهم.
يقول: إن الممدوح له هذه الأشياء: من الأمر والنهي والخيل والسيف والعبيد والحواشي. وروى بدل الحشم: الخدم.
والسطوات التي سمعت بها ... تكاد منها الجبال تنقصم
يقول: للمدوح الحملات المشهورة، التي سمعت بها أيها المخاطب، كما سمع بها كل أحد، وهي التي تقرب الجبال من أن تتصدع وتتقطع، من شدتها وسطواتها.
يرعيك سمعاً فيه استماعٌ إلى الدا ... عي وفيه عن الخنا صمم
стр. 79
يرعيك سمعاً أي يصغي إليك. يقال: أرعني سمعك أي استمع مني واجعل سمعك راعياً، أو مراعياً لقولي. وقيل معناه: اجعل سمعك مرعىً لكلامي ومكاناً له والداعي: أراد به الداعي حقيقة.
يقول: إنه يصغي إلى المستغيث سمعاً وعادته الإصغاء إلى كل من يدعوه، ولكنه عن الفحش والقبيح أصم: أي يعرض عنه، ولا يصغى إليه، فكأنه أصم لا يسمع ذلك.
يريك من خلقه غرائبه ... في مجده كيف يخلق النسم؟!
يريك: تعدى إلى ثلاثة مفاعيل، أحدها. الكاف، والثاني غرائبه، والثالث كيف، وهو في موضع النصب، وهو في معنى يعلمك. والنسم: جمع نسمة، وهي النفس.
يقول: يريك هذا الممدوح إذا نظرت إليه وهو يخلق غرائب كرمه، ويبتدع محاسن شيمه، التي لم يسبق إليها، كيف يخلق الله الخلق على غير احتذاء ولا مثال. يعني: أنه يصطنع من أهلكه البؤس، حتى صار كالمعدوم فيحسن إليه وينعم عليه، حتى يحسن حاله؛ فكأنه أوجده بعد عدمه، فإذا رأيت ذلك، استدللت به على قدرة الله تعالى، على إيجاد الشيء بعد أن لم يكن.
ملت إلى من يكاد بينكما ... إن كنتما السائلين ينقسم
يخاطب صاحبه ويقول: عدلت إلى زيارة من لو جئتما يا صاحبي تسألانه نفسه يقسمها بينكما، فيكون نصفه مع أحدكما، ونصفه مع الآخر؛ ليبلغ كل واحد إلى أمله. وأصله قول أبي تمام:
لو لم يكن في كفه غير روحه ... لجاد بها فليتق الله سائله
من بعد ما صيغ من مواهبه ... لمن أحب الشنوف والخدم
الشنف: ما يجعل في أعلى الأذن، والقرط: ما يجعل في أسفله. والخدم: جمع خدمة: وهي الخلخال.
يقول: لم أقصده إلا بعد أن سبقت إلي مواهبه، وأغناني بها، وصيغ لي منها لمن أحبه من امرأتي وجاريتي ومحبوبتي ومن يتصل إلى الشنوف والخلاخيل، وفي هذا إشارة إلى أنه قد أغناه بمواهبه قبل وصوله إليه؛ لأن الإنسان لا يصوغ أنواع الحلي إلا بعد الغنى والكفاف.
ما بذلت ما به يجود يدٌ ... ولا تهدي لما يقول فم
تقديره: ما بذلت يد ما به بجود، ولا يهتدي فمٌ لما يقول.
ما الأولى نافية، والثانية، والثالثة، بمعنى: الذي.
يقول منبهاً على فضله وعطاياه، وفصاحته: لم يبذل إنسيٌّ الذي يجود به هذا الممدوح، ولم يهتد فم أحد للقول الذي يقول هو، لما يختص به من زيادة الجود والفصاحة.
بنو العفرني محطة الأس ... د ولكن رماحها الأجم
العفرني: اسم من أسماء الأسد، والأنثى: عفرناة. ومحطة: جد الممدوح. وبنو: رفع بالابتداء، والعفرني: جر بالإضافة. ومحطة: بدل من العفرني، وهو في موضع الجر. والأسد: جر لأنه نعت لمحطة، وجميع ذلك كاسم واحد مبتدأ، والأسد خبر الابتداء، كما تقول: بنو أبي عبد الله حمزة الظريف، منطلقون.
يقول: إن محطة جدهم، هو الأسد، وبنوه الأسود، إذ أولاد الأسود تكون أسوداً، ثم فصل بينهم وبين الأسد الحقيقي، الذي هو من البهائم، وبين أن رماحهم قائمة لهم مقام الأجم للأسود.
قوم بلوغ الغلام عندهم ... طعن نحور الكماة لا الحلم
يقول: هم قوم لا يعدون فيهم بالغاً، إلا إذا طعن من نحور الشجعان، فأما مجرد الاحتلام، في ملابسة الحروب فلا يعدونه بلوغاً. ومثله لبعض العرب:
لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحى ... ولكن فتى الفتيان كل فتى بدا
كأنما يولد الندى معهم ... لا صغرٌ عاذرٌ ولا هرم
يقول: إنهم عرفوا بالجود، فكأنهم ولدوا على تركة أحدهم منه، سواء كان طفلاً، أو شيخاً، فلا يعذرهم صغرهم ولا كبرهم.
إذا تولوا عداوةً كشفوا ... وإن تولوا صنيعةً كتموا
يقول: إنهم عادوا أظهروا العداوة لقوتهم وجرأتهم، وإن أعطو أحداً، أخفوا ذلك؛ ليكون أدل على الكرم وأبعد من الامتنان.
تظن من فقدك اعتدادهم ... أنهم أنعموا وما علموا
يقول: تظن أيها المخاطب من قلة اعتدادهم بالنعم وامتنانهم بها، أنهم أنعموا غافلين، وما علموا بما أنعموا، ومثله لابن الرومي:
أيها السيد الذي لا تنفك ... ك أياديه عندنا موصولة
فهي معروفة لدينا وإن كا ... نت لديه مجحودة مجهولة
إن برقوا فالحتوف حاضرةٌ ... أو نطقوا فالصواب والحكم
برقوا: أي أوعدوا، أو برق: إذا لمع.
стр. 80
يقول: إن أوعدوا أعداءهم فهلاكهم حاضر مقرون به، وإن نطقوا فجميع كلامهم صواب وحكم وقيل: أراد بقوله: برقوا، أنهم إن لمعوا في الدروع والبيض عند الحرب، قتلوا أعداءهم فيكون كقوله:
ويحمل الموت في الهيجاء إن حلو
أو حلفوا بالغموس واجتهدوا ... فقولهم: خاب سائلي القسم
اليمين الغموس: التي تغمس صاحبها في الإثم. وفي الحديث اليمين الغموس تدع الديار بلاقع ومثله للطائي:
وبلاقعاً حتى كأن قطينها ... حلفوا يميناً بالهلاك غموسا
يعني: كأن سكان الأطلال حلفوا يميناً غموساً، فعوقبوا، بكون ديارهم بلاقع.
وقولهم مبتدأ، وخاب سائلي في موضع النصب لأنهم مفعول وقع عليهم قولهم والقسم خبر الابتداء.
يقول: إنهم إذ حلفوا واجتهدوا في اليمين، فأعظم يمينهم أن يقول: خاب سائلي إن فعلت كذا. ومثله قول الآخر:
بقيت وفري وانحرفت عن العلا ... ولقيت أضيافي بوجه عبوس
أو ركبوا الخيل غير مسرجةٍ ... فإن أفخاذهم لها حزم
يقول: إذا ركبوا الخيل غير مسرجةٍن شدوا أفخاذهم عليها فتجري أفخاذهم مجرى الحزم؛ لثباتهم في الفروسية واعتيادهم ركوب الخيل.
أو شهدوا الحرب لاقحاً أخذوا ... من مهج الدارعين ما احتكموا
اللاقح: الشديد.
يقول: إذا حضروا الحرب في حال شدتها، أخذوا من نفوس المعلمين ما احتكموا، أو أرادوا.
تشرق أعراضهم وأوجههم ... كأنها في نفوسهم شيم
الأعراض: الأجسام وما يذكر به الرجل من مدح أو ذم.
يقول: أجسامهم ووجوههم مضيئة كشيم نفوسهم، فكأنها أخلاق أنفسهم في الإضاءة والخلوص من الشوائب. ومنه قول الآخر:
أضاءت لهم أجسامهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه
لولاك لم أترك البحيرة وال ... غور دفىءٌ وماؤها شبم
البحيرة: تصغير البحر في الأصل، وإنما أنث لأنه أراد به: بحيرة الشام وطبرية، والهاء فيه لازمة له؛ لأنه اسم هذا الموضع وصار علماً كحمزة وطلحة. والغور موضع بالشام. وقيل معناه: لولاك لم أترك البحيرة ولم أترك ماءها البارد، وكذلك لم أفارق الغور؛ مع أنه مكان طيب دفىء، وإنما فارقت هذه المواضع؛ مع أنها طيبة لأجلك. وقيل: الغور موطن الممدوح فيقول: لولا قصدك لم أترك البحيرة، وهي طيبة، وماؤها عذب، ولم أقصد الغور، مع أنه دفىء خالٍ من الطيب، لكن فضلك وكرمك وحبي لك، حملني على ذلك.
والموج مثل الفحول مزبدةٌ ... تهدر فيها وما بها قطم
الموج: قد يكون واحداًن اسم للجنس، وقد يكون جمع موجة، ولهذا شبهه بالفحول، والمزبدة: التي حصل لها زبد، وهو الفقاعة التي تكون فيه، إذا ضربته الريح، وتهدر: أي تصوت، والهاء في ما بها: للموج. أنثها لتأنيث الجماعة، والقطم: شهوة الضراب. شبه موج البحيرة في اضطرابه، بالفحول إذا هاجت.
يقول: إن موجها مثل الفحول، مزبدة مصوتة، فكأنها فحول هائجة للضراب، غير أنها ليس لها شهوة الضراب.
والطير فوق الحباب تحسبها ... فرسان بلق تخونها اللجم
حباب: الماء طرائقه. وفرسان بلق: أراد به الخيل البلق، شبه بياضها ببياض الماء، وسوادها بالسواد الي يحصل من ظلمة اضطراب الموج، وشبه تصرف الموجة على غير مراد الطائر، بالخيل عند انقطاع لجمها.
يقول: إن الطير فوق حباب هذا الموج، في أنه يمضي بها يميناً وشمالاً على غير فقد منها، كأنها فرسان خيل بلق، قد خانتها اللجم بالانقطاع. شبه الزبد بالخيل البلق؛ لأنه أبيض يابس يضرب إلى الخضرة.
كأنها والرياح تضربها ... جيشا وغىً: هازمٌ ومنهزم
الهاء في كأنها: للبحيرة، أو للموج الذي هو جمع موجة، أو للطير. شبه أحد هذه الأشياء، إذا ضربتها الريح بجيشين: أحدهما هازم، والآخر منهزم.
كأنها في نهارها قمرٌ ... حف به من جنانها ظلم
شبه البحيرة وصفاء سمائها، بالقمر. وشبه الجنان، بشدة خضرتها. والمناسبة للسواد بظلم الليل. وقوله: في نهارها قمر: تشبيه بديع، وهو أن يجتمع الليل والقمر في النهار، والغرض وصف مائها بالصفاء، وبساتينها بالخضرة.
ناعمة الجسم لا عظام لها ... لها بناتٌ وما لها رحم
стр. 81
يقول: هذه البحيرة ناعمة الجسم؛ لأنها ماء، ولا شيء ألين من الماء. وقوله: لها بنات. أراد به: السمك الذي فيها، وليس لها رحم، وقيل: أراد به السفن. والأول أليق.
يبقر عنهن بطنها أبداً ... وما تشكى ولا يسيل دم
يبقر: أي يشق، وعنهن: أي عن البنات. وتشكى: أصله تتشكى فحذف إحدى التاءين.
يقول: يشق بطن هذه البحيرة عن بناتها التي هي السمك، أي يصطاد منها السمك، ولا تشتكي من ذلك ولا تتألم ولا يسيل منها دم، وإن حملناها على السفن، فمعناه أي يشق بطنها عن هذه السفن، وعلى الأول قول ابن الرومي:
بنات دجلة في فنائكم ... مأسورة في كل معترك
تغنت الطير في جوانبها ... وجادت الروض حولها الديم
جادت: مطرت عليها مطر الجود.
يقول: الطير تتغنى في جوانب هذه البحيرة، والرياض التي حولها مهتزة، والديم فاعل جادت مفعولها الروض.
فهي كماويةٍ مطوقةٍ ... جرد عنها غشاؤها الأدم
الماوية: المرآة. وغشاؤها: رفع لأنه اسم ما لم يسم فاعله. والأدم: بدل من الغشاء. شبه هذه البحيرة بالمرآة، ورياضها حولها بالطوق الذي يكون حول المرآة، وقيل شبهها في استدارتها بالمرآة، ورياضها حولها بالطوق الذي يكون حول المرآة، وقيل شبهها في استدارتها بالمرآة المطوقة. وقوله: جرد عنها غشاؤها الأدم. قيل: حشو لإتمام البيت، لا فائدة فيه. وقيل: أراد توكيد صفائها، فكأنه قال: كأنها مرآة مطوقة ساعة ما تجرد من غشائها. كما يقال: هذا ثوب حل من الورقة. وقوله الأدم: قيل مع هذا، إنه لا فائدة له. والأولى: أنه بدل.
يشينها جريها على بلدٍ ... يشينه الأدعياء والقزم
الكناية في يشينها: للبحيرة. وفي يشينه: للبلد. والقزم: سقاط الناس، ورذلهم.
يقول: ليس لهذه البحيرة عيب، غير أنها تجري في بلدٍ أهله سقاط.
فقد اشتمل البيت على مدح البحيرة ومدح البلد الذي تجري عليه، وذم أهله.
أبا الحسين استمع فمدحكم ... في الفعل قبل الكلام منتظم
يقول: إن أفعالكم تمدحكم وتثني عليكم، فمدحكم منتظم في أفعالكم، قبل مدح المادحين إياكم بالكلام والشعر. أي شيمكم تمدحكم.
وقد توالى العهاد منه لكم ... وجادت المطرة التي تسم
العهاد: مطر. جمع عهدة، والوسمى: هي المطرة في أول السنة. والهاء في منه: قيل للممدوح. وقيل للممدوح الذي جرى في البيت الذي قبله.
يقول: على الأول مخاطباً لقبيلة الممدوح، قد توالى من هذا الممدوح لكم الإحسان، وكساكم الثناء، فأحسن إليكم، وحسن حالكم به كما تحسن الأرض حين يسمها المطر بالنبات. وعلى الثاني يقول: قد توالى مدحكم كتوالي العهاد بعضها في إثر بعض، وجادت بمدحكم المطرة التي تسم الأرض بالنبات. شبه. مدحه لهم بالأمطار المتواترة.
أعيذكم من صروف دهركم ... فإنه في الكرام متهم
يقول: أعيذكم بالله من صروف الدهر، فإنكم كرام، وهو متهم بالإساءة إلى الكرام، ولا يؤمن على قصده إياكم بالمكاره.
وقال يمدح المغيث بن علي بن بشر العجلي:
دمعٌ جرى فقضى في الربع ما وجبا ... لأهله وشفى أنى؟ ولا كربا
أنى: بمعنى كيف؟ أو من أين؟ وكرب: أي قارب.
يقول: دمعي جرى في ربع المحبوبة، فقضى لأهله ما وجب لهم من الحق، وشفاني من وجدي، ثم رجع عما أعطى فقال: أنى ولا كربا؟ أي كيف أنه قضى الواجب وشفى الوجد، وهو لم يفعل ذلك؟! لأنه قارب أن يفعل ما هو شفائي وقضاء بحقهم ومثله قول الآخر:
قف بالديار التي لم يعفها القدم ... بلى وغيرها الأرواح والديم
عجنا فأذهب ما أبقى الفراق لنا ... من العقول وما رد الذي ذهبا
يقول: عطفنا على هذا الربع، وقد كان الفراق قد أبقى بعض عقولنا، طمعاً في أن يرده علينا فأذهب الربع هذه البقية، وما رد الذي أذهبه الفراق!
سقيته عبراتٍ ظنها مطراً ... سوائلاً من جفونٍ ظنها سحبا
فاعل ظنها في الموضعين: ضمير الربع. والهاء في الأولى: للعبرات. وفي الثانية: للجفون.
يقول: سقيت هذا الربع دموعاً سائلاتٍ من جفوني، حتى ظن الربع أن هذه العبرات مطراً، وأن جفوني سحبٌ ماطرة: وهي جمع سحاب.
دار الملم بها طيفٌ تهددني ... ليلاً فما صدقت عيني ولا كذبا
الإلمام: زيارة الطيف. والألف واللام في الملم بمعنى: التي.
стр. 82
يقول: هذا الربع. دار المرأة التي ألم بها طيف خيالها، ألم بها ليلاً، ويهددني الطيف بالهجران، على ما جرت به عادة المرأة تعذب بالدلال، وتهدد بالهجران، فما صدقت عيني في الرؤيا؛ لأنها أرتني ما لا حقيقة له! ولا كذب الطيف بالتهدد؛ فإنه قال: لأهجرنك. فأصبحت والهجران واقع!
ناءيته فدنا، أدنيته فنأى ... جمشته فنبا قبلته فأبى
روى: نأيته، وأنأيتة. أي أبعدته، وروى: ناءيته: أي نأيت عنه فحذف الجر عنه والتجميش: المغازلة، فنبا: أي ارتفع وجفا.
يقول: كلما أردت من الطيف أمراً قابلني بضدة، فلما بعدت عنه، قرب مني، ولما قربته بعد، ولما غازلته ومازحته، قابلني بالجفاء، ولما قبلته، قابلني بالإباء؛ لأن خلقها لما كان لا يستمر على حال واحدة، كذلك الخيال يجري على هذا المثال. وهو كقول الشاعر:
صدت وعلمت الصدود خيالها
والأصل فيه قول الآخر:
فشكواي تؤذيها وصبري يسوءها ... وتجزع من بعدي وتنفر من قربي
هام الفؤاد بأعرابيةٍ سكنت ... بيتاً من القلب لم تمدد له طنبا
الطنب: الحبل الذي يشد به الخيمة. قوله: هام أي تحير وأصابه الجنون من العشق.
يقول: هام قلبي بأعرابية سكنت من القلب بيتاً ليس له أطناب وأوتاد، بخلاف بيوت أهل البادية. وقيل: إن معناه أنها ملكت فؤادي بلا مشقة، فكانت كمن سكن بيتاً لم يتعب في شد أطنابه.
مظلومة القد في تشبيهه غصناً ... مظلومة الريق في تشبيهه ضربا
الضرب: العسل الثخين، وقيل: هو الشهد.
يقول: من شبه قدها بالغصن، فقد ظلمها؛ لأن قدها أحسن وأقوم، ومن شبه ريقها بالعسل، فقد ظلمها؛ لأنه أطيب وأحلى منه. وإنما قال ذلك: لأنه وضع التشبيه في غير موضعه.
بيضاء تطمع فيما تحت حلتها ... وعز ذلك مطلوباً إذا طلبا
ما تحت حلتها: يعني جسمها. وقوله: بيضاء إشارة إلى أنها مخدرة منعمة، لا تبرز للشمس، ولا تكد في العمل، وإشارة إلى نقائها من الدنس والريب، بل هي عفيفة ترد يد طالبها عنها.
يقول: هي تطمعك في نفسها بلين كلامها، فإذا طلبتها وجدتها أعز مطلوب. ومثله قول الآخر:
يحسبن من لين الحديث زوانيا ... ويصدهن عن الخنا الإسلام
كأنها الشمس، يعيى كف قابضه ... شعاعها ويراه الطرف مقتربا
يقول: كأنها من قربها وبعد منالها الشمس، فإنك ترى شعاعها قريباً منك، فإن أردت أن تقبض عليه، لم يمكنك! فكذلك هذه المرأة. ومثله قول أبو عينية:
فقلت لأصحابي هي الشمس ضوءها ... قريب ولكن في تناولها بعد
ومثله للآخر:
فأصبحت مما كان بيني وبينها ... سوى ذكرها كالقابض الماء باليد
مرت بنا بين تربيها فقلت لها: ... من أين جانس هذا الشادن العربا؟
الشادن: الغزال إذا كبر.
يقول: مرت بنا هذه الجارية بين جاريتين متساويتين في السن حياءً من أن تمر بنا وحدها، فاستخفت بهما، فعرفتها لفضل حسنها فقلت لها: أنت غزال فكيف شابه الغزال العرب؟! أو كيف اجتمع الغزال مع العرب؟؛ لأنها غزال والتربان من العرب
فاستضحكت ثم قالت: كالمغيث يرى ... ليث الشرى وهو من عجلٍ إذا انتسبا
فاستضحكت: أي ضحكت. والشرى: موضع ينسب إليه الأسود.
يقول: لما قلت لها، من أين جانس هذا الشادن العرب؟! ضحكت من قولي. وقالت: هذا ليس ببعيد؛ كما أن المغيث يرى كأنه ليث الشرى وهو مع ذلك من بني عجلٍ، فكذلك أنا.
جاءت بأشجع من يسمى وأسمح من ... أعطى وأبلغ من أملي ومن كتبا
التأنيث في جاءت: يرجع إلى عجل؛ لأنه قبيلة. والأولى أنه فعل الأعرابية.
يقول: جاءت هذه المرأة أو هذه القبيلة بأشجع من يدعى ويسمى من الناس وأسخاهم وأبلغهم في الإملاء والكتابة. يصفه بالشجاعة، والسخاء، والبلاغة، يداً ولساناً.
لو حل خاطره في مقعدٍ لمشى ... أو جاهلٍ لصحا أو أخرس خطبا
يقول: إن خاطره لو حل في زمن أزال عنه زمانته حتى يمشي، ولو حل في جاهل لصحا من جهله، ولو حل في أخرس لصار خطيباً بليغاً.
إذا بدا حجبت عينيك هيبته ... وليس يحجبه سترٌ إذا احتجبا
يقول: إنه إذا ظهر للناس من الحجاب، حجبت عينيك هيبته فلا تقدر أن تنظر إليه لجلالته، فكأنه محتجب، وهو كما قال الفرزدق:
стр. 83
وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم ... يخضع الرقاب نواكس الأبصار
وقوله: ليس يحجبه سترٌ إذا احتجبا. فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه إذا احتجب يطلع على ما غاب من أحوال الناس فلا يخفى عنه شيء فكأنه غير محتجب.
والثاني: أنه إذا احتجب لا يمكنه ذلك، لأن نور وجهه ينم عليه ويخرق الحجاب إليه. وهي كقوله:
أصبحت تأمر بالحجاب لخلوةٍ ... هيهات لست على الحجاب بقادر
والثالث: أراد أنه ليس بشديد الاحتجاب، فمن أراد الدخول عليه لا يصعب عليه رؤيته، وإن كان محتجباً؛ لتواضعه.
بياض وجهٍ يريك الشمس حالكةً ... ودر لفظٍ يريك الدر مخشلبا
المخشلب الرديء من الدر، وقيل هو الخرز الأبيض الذي يشبه اللؤلؤ. ليس بعربي؛ لكنه. استعمله على ما جرت به عادة العامة في الاستعمال واسمه في اللغة الخضض.
يقول: لو قست الشمس إلى بياض وجهه، لرأيتها سوداء حالكة! ولو قست لفظه بالدر كان بالنسبة إليه كالرديء الذي لا قيمة له! ووصفه بغاية الحسن والفصاحة.
وسيف عزمٍ ترد السيف هبته ... رطب الغزار من التامور مختضبا
هبة السيف: حركته. وغرار السيف: ما بين حده إلى وسطه. والتامور: دم القلب.
قيل في معناه وجهان: أحدهما يقول: إن له سيف عزم متى تحرك كان أمضى من السيف، الذي هو رطب الغرار من دم القلب. والثاني: أراد أنه متى تحرك عزمه خضب سيفه من دم قلب عدوه، فكأن سيفه لا يقتل إلا عند إمضاء عزمه فيهم.
عمر العدو إذا لاقاه في رهجٍ ... أقل من عمر ما يحوي إذا وهبا
قوله: إذا وهب قال ابن جنى: يعني أنه إذا أراد أن يهب؛ لأنه إذا وهب الشيء فليس يملكه كقوله جل وعلا: " فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ". أي أردت قراءته.
يقول: إن عمر عدوه إذا لاقاه في الحرب، أقل من عمر ما يحويه من الال، إذا أراد هبته، فيكون عمره أقصر بقاءً من المال في يده. وقيل أراد بقوله: إذا وهب إزالة الهبة؛ لأن عمر ما يحويه لا ينقطع إلا بالهبة دون الإرادة.
توقه؛ فإذا ما شئت تبلوه ... فكن معاديه أو كن له نشبا
نصب تبلوه بإضمار أن وتقديره: أن تبلوه. فحذف أن وأبقى عملها.
يقول لصاحبه: احذر هذا الرجل؛ فإن لم تثق بقولي وأردت اختباره فكن عدوه، أو ماله، لترى ما يفعل بك من الإبادة والإفناء؛ لأن عادته إهلاك أعدائه وتفريق ماله.
تحلو مذاقته حتى إذا غضبا ... حالت فلو قطرت في الماء ما شربا
المذاقة: الذوق، ويجوز أن يكون طعم الشيء المذوق. وحالت: التأنيث للمذاقة وجعل المذاقة مما يقطر اتساعا، أي لو كانت مما يقطر فقطرت في الماء لم يشرب.
يقول: هو في حال الرضى، حلو الأخلاق، فإذا تغيرت لغضبٍ عادت حلاوته مرارة، بحيث لو كانت مما يقطر فقطرت في الماء لم يشربه أحد لمرارته.
وقد عيب هذا البيت من جهة التصريع لأنه لا يستعمل إلا في أول القصيدة لا في حشوها إلا عند الخروج من قصةٍ إلى قصة أخرى. وأجيب بأن هذا هو الأكثر وقد جاء مثل ذلك كما قال الآخر في أثناء التشبيب:
ألا نادٍ في آثارهن الغوانيا ... سقين سهااً ما لهن وماليا؟
وتغبط الأرض منها حيث حل به ... وتحسد الخيل منها أيها ركبا
أيها: منصوب بتحسد لا بركب لأنه صلة، والصلة لا تعمل إلا في الموصول.
يقول: إذا حل في مكان من الأرض غبطها سائر المواضع لكونه فيها؛ لما نالها من الشرف والفخر، فتتمنى سائر البقاع حصول هذا الشرف بحلوله فيها، وكذلك إذا ركب فرساً حسدته جميع الخيل لما يحصل لمركوبه من الشرف، فتتمنى أن يتحول هذا الفخر إليها بركوبه إياها. ومثله لأبي تمام:
مضى طاهر الأثواب لم تبق بقعةٌ ... غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر
ولا يرد بفيه كف سائله ... عن نفسه ويرد الجحفل اللجبا
الجحفل: الجيش العظيم. واللجب: الشديد الصوت.
يقول: إذا جاءه السائل لا يرده بقوله ولا ينهره، وهو مع ذلك يرد الجيش العظيم بكلمة تهديد تخرج من فيه. وإنما قال: لا يرد بفية إشارة إلى أنه لا يرده خائباً بقوله: لا ولكن يرده بالعطاء. ومنه قول الآخر:
لنا جانبٌ منه دميثٌ إذا ... رامه الأعداء ممتنعٌ صعب
وكلما لقي الدينار صاحبه ... في ملكه افترقا من قبل يصطحبا
стр. 84
أراد: من قبل أن يصطحبا. فحذف أن وأعملها والهاء في صاحبه للدينار.
يقول: كلما لقي الدينار في ملكه ديناراً آخر مثلة وهو المراد بقوله صاحبه افترق الدينار من قبل إتمام صاحبه للصحبه بينهما: بأن يهب أحدهما لواحدٍ والآخر لآخر.
وقد عيب البيت من جهة المناقضة لأنه قال: لقي الدينار صاحبه فأثبت بينهما المصاحبة، ثم نفاها. بقوله: قبل أن يصطحبها. والجواب: أنه أراد بالاصطحاب: أي يفترقان قبل استدامة الصحبة بينهما. فلا مناقضة فيه. ومثله قول الآخر:
لا يألف الدرهم المضروب خرقتنا ... لكن يمر عليها وهو منطلق
مالٌ كأن غراب البين يرقبه ... فكلما قيل: هذا مجتدٍ، نعبا
نعب الغراب: إذا صاح ومد عنقه، فإن قدها قيل: نعق.
يقول: له مال كأن غراب البين ينتظره! فإذا رأى طالب المعروف نعب في ماله، فيفرق شمله، كما يفرق شمل الأحباب عند صياحه. وقيل: أراد أن الغراب لا يفتر من الصياح، فكذلك هو في العطاء.
بحرٌ عجائبه لم تبق في سمرٍ ... ولا عجائب بحرٍ بعدها عجبا
الهاء في بعدها: راجعة إلى العجائب الأولى.
يقول: هو بحر ذو عجائب، تزيد على عجائب البحر، وسائر العجائب التي تحكى في الأسمار، فلم تبق عجائبه في حديث الأسمار ولا عجائب البحار بعدها عجباً.
يعني: العجائب التي تذكر في الأسمار وعجائب البحار بالإضافة إليه كلاشيء.
لا يقنع لبن عليٍّ نيل منزلةٍ ... يشكو محاولها التقصير والتعبا
لا يقنع: أي لا يرضى، وابن عليٍّ مفعوله، والفاعل: نيل منزلة، والهاء في محاولها: للمنزلة.
يقول: إنه إذا وصل إلى منزلة صعبة يقصر عنها من يطلبها، فإنه لا يرضى بها وطلب منزلة أعلى منها، وإن كانت بحيث يشكو طالبها قصوره عنها وتعبه فيها.
هز اللواء بنو عجلٍ به فغدا ... رأساً لهم وغدا كلٌّ له ذنبا
هز: أي حرك.
يقول: إن بني عجل حركوا لواءهم بسببه ومكانه، فجعلوه أميراً لهم، فرفعوا لواءهم فوقه، فأصبح هو سيدهم، وصاروا أذناباً له وأتباعاً. وقيل: إنه أراد أنه صار الناس أذناب بني عجل بقوته، فهم سادة الناس وهو سيدهم.
التاركين من الأشياء أهونها ... والراكبين من الأشياء ما صعبا
نصب التاركين، والراكبين: على المدح كأنه قال: أمدح التاركين.
المعنى: أنهم يتركون من الأمور ما هو سهل، ويفعلون ما هو أصعب على غيرهم؛ لفضل قوتهم وشجاعتهم. وهذا من قول الآخر:
ولا يرعون أكناف الهوينى ... إذا حلوا ولا روض الهدون
مبرقعي خيلهم بالبيض متخذي ... هام الكماة على أرماحهم عذبا
هذا أيضاً نصب على الحال، وحذف النون للإضافة. والعذبا: جمع عذبة، وهي الخرقة التي تشد على رأس الرمح.
يقول: إنهم قد برقعوا خيلهم بالسيوف؛ أي حفظوها بسيوفهم من الأعداء، فكأنهم غطوها بالسيوف، وجعلوها مكان البراقع. وقيل: أراد أنهم جعلوا برقعها سيوف الضرب بوجوهها فيقع موقع البراقع منها، وكذلك جعلوا رءوس أعدائهم الشجعان، على رماحهم، بدل الخرق التي تشد عليها. وقيل: أراد شعر الهام. ومثله قول مسلم:
تكسو السيوف نفوس الناكثين به ... وتجعل الهام تيجان القنا الذبل
إن المنية لو لاقتهم وقفت ... خرقاء تتهم الإقدام والهربا
خرقاء: أي متحيرة فزعة ولاقتهم: أي حاربتهم.
يقول: إن الموت لو لقيهم في الحرب لبقي متحيراً لا يدري القوم فلا يأمن في نفسه أحد الأمرين ومثله لأبي تمام:
شوسٌ إذا خفقت عقاب لوائهم ... ظلت قلوب الموت منهم تخفق
مراتبٌ صعدت والفكر يتبعها ... فجاز وهو على آثارها الشهبا
الشهب: الكواكب المضيئة. قوله: فجاز أي الممدوح. قيل أراد جاز هذا الممدوح على آثار هذه المراتب ولم يبلغها، وقيل الفكر على آثارها ولم يبلغها.
يقول: إن الممدوح له مراتب تصعد، والفكر من الناس يتبعها، ولم يلحقها بعد.
وقيل: أراد أن لهم مراتب تبعها الفكر ليبلغ إلى محلها، فجاز الفكر الشهب، وهو بعد في آثار تلك المراتب ولم يصل إليها!
محامدٌ نزفت شعري ليملأها ... فآل ما امتلأت منه ولا نضبا
نزفت: أي أنزفت. ونضب: أي فني من قولهم: نضب الماء. إذا جف. وقوله: ليملأها أي ليملأ شعري تلك المحامد.
стр. 85
المعنى: لهذا الممدوح، أو لقومه محامدٌ ومفاخر، قد استفرغت شعري في وصفها ليملأها شعري، فآل عن أجزاء ما امتلأت المحامد منه، ولا فني شعري أيضاً فأنا أبداً أمدحهم، فلا شعري ينفد، ولا هو يبلغ كنه وصفهم.
مكارمٌ لك فت العالمين بها ... من يستطيع لأمرٍ فائتٍ طلبا
فت: أي سبقت.
يقول: لك مكارم سبقت جميع الخلق بها فلم يدركوا فيها شأوك، ولا يقدر أحد على رده ولا طلبه.
لما أقمت بأنطاكية اختلفت ... إلي بالخبر الركبان في حلبا
أنطاكية على مسيرة يومين من حلب.
يقول: لما أقمت بأنطاكية تزودت الركبان بالخبر من عندك، وأنا بحلب، فذكروا وصولهم إلى النعم الجزيلة والأيادي الجميلة.
فسرت نحوك لا ألوي على أحدٍ ... أحث راحلتي: الفقر والأدبا
نصب الفقر والأدب؛ لأنهما بدل من راحلتي.
يقول: لما عرفت الحال سرت نحوك غير ملتف إلى أحد من الناس دونك، وحثثت نحوك راحلتين: وهما الفقر والأدب، لتزيل عني الفقر وتشرفني بالإكرام لأجل الأدب.
أذاقني زمني بلوى شرقت بها ... لو ذاقها لبكى ما عاش وانتحبا
الانتحاب، والنحيب: تردد البكاء في الصدر، والهاء في بها وذاقها: للبلوى. وبكى، وعاش، وانتحب: فعل الزمن.
يقول شاكياً من زمانه: إنه أذاقني من بلاه ومحنه ما نشب في حلقي فشرقني، ولو ذاق الزمان ما أذاقني، لبكى وانتحب ما عاش!
وإن عمرت جعلت الحرب والدةً ... والسهمري أخاً والمشرفي أبا
يقول: إن طال عمري جعلت الحرب والدتي؛ فأعتني بأمرها كما يعتني الرجل بأمر والدته، والرمح أخاً والسيف أبا: يعني لازمت الحرب، والرمح والسيف، كما يقال: فلان ابن بجدة هذا الأمر، وفلان أخو فلوات، وأراد: في إدراك ثأري من الزمان وأهله.
بكل أشعث يلقى الموت مبتسما ... حتى كأن له في قتله أربا
الأرب: الحاجة. وبكل رجل أشعث: أي أغبر معاودٍ للحرب، يلقى الموت وهو ضاحك، حتى يظن أن له حاجةً في أن يقتل. والمراد بالموت: علاماته. ومثله لأبي تمام:
يستعذبون مناياهم كأنهم ... لا ييأسون من الدنيا إذا قتلوا
قحٍّ يكاد صهيل الجرد يقذفه ... عن سرجه مرحاً بالعز أو طربا
القح: الخالص من كل شيء، والجرد: جمع أجرد، وجرداء: وهو القصير الشعر، وقيل: هو الذي يتجرد من الخيل ويسبقها.
يقول: بكل أشعث خالص في نسبه عربي يكاد يرميه صهيل الخيل عن سرجه مرحاً وشوقاً إلى الحرب، سروراً بالموت.
الموت أعذرلى، والصبر أجمل بي ... والبر أوسع، والدنيا لمن غلبا
يقول: إن الموت يعذرني إذا قتلت شوقاً إليه، والصبر أجمل بالحر من احتمال الضيم، والبر أوسع بمن يريد العز إن لم يكن في هذا الموضع يطلبه في موضع آخر، والدنيا لمن غلب. وجميع البيت مثل ضربه.
وقال أيضاً يمدحه ويذم الزمان:
فؤادٌ ما تسليه المدام ... وعمرٌ مثل ما يهب اللئام
فؤاد: خبر ابتداء محذوف، وتقديره: فؤادي فؤادٌ، وهذا فؤادٌ، وكذلاك في قوله: وعمرٌ. وما الأولى للنفي، والثانية: بمعنى الذي. واللئام: جمع لئيم، وهو من يجمع ثلاثة أحوال: البخل، ومهانة النفس، والدناءة في الأصل.
يصف بعد همته وعلو قدره وعزة مطلبه فيقول: إن فؤادي لا يغلبه شرب الخمر، ولا يسليه السكر عما يطلبه من الشرف والعلو، ولي عمرٌ منكدٌ منغص مثل هبة اللئيم التي تكون منغصة حقيرة؛ فلقصر عمر أخاف ألا أدرك مطلوبي وقيل غرضه في ذلك شكاية حاله، وضيق صدره، وقصر عمره، وتنغيص حياته، وإنه صار إلى حدٍّ لا يسليه الشراب. هذا مثل قصار الهمم، وإن كانوا طوال العمر.
ودهرٌ ناسه ناسٌ صغارٌ ... وإن كانت لهم جثثٌ ضخام
الجثث: جمع الجثة، وهي شخص الإنسان ما دام حياً جالساً أو نائماً، فإذا كان قائماً فهو قامة.
يذم أهل الدهر فيقول: إن الدهر دهرٌ، أو هذا دهرٌ، أهله صغار، ليس لهم همة مع عظم أجسامهم، التي هي مثل: جسم البغال وأحلام العصافير وهذا مثل.
وما أنا منهم بالعيش فيهم ... ولكن معدن الذهب الرغام
الرغام والرغام: التراب.
стр. 86
يقول: لست من هؤلاء الناس، وإن كنت أعيش فيما بينهم، بل جوهري يخالف جوهرهم وطباعي تنافي طباعهم، كما أن الذهب يتولد من التراب، ومع ذلك جوهره يخالف جوهر التراب. شبه نفسه بالذهب وسائر الناس بالتراب. ومثله قوله: فإن المسك بعض دم الغزال ومثله: فإن في الخمر معنىً ليس في العنب ومثله: فإنك ماء الورد إن ذهب الورد
أرانب غير أنهم ملوكٌ ... مفتحةٌ عيونهم نيام
يقول: هؤلاء أرانب في الحقيقة، غير أنهم ملوك! فجعلهم أرانب، واستعار لهم اسم الملوك وهو عكس ما يقال: هم ملوكٌ في صورة الأرانب، وقد فتحوا عيونهم وهم مع ذلك كأنهم نيام لجهلهم. ومثل هذا قول الشاعر:
وخبرني البواب أنك نائم ... وأنك إذا استيقظت أيضاً فقائم
وإنما شبههم بالأرانب؛ لأنها إذا نامت لا تطبق أجفانها فشبههم بها لهذه العلة، وما لها من الضعف والخسة ودناءة الأصل والقدر، وقوله: غير أنهم ملوك أي رفع زمنهم قدرهم ودانت لهم الدنيا، والمراد به ذم الزمان وأهله.
بأجسامٍ يحر القتل فيها ... وما أقرانها إلا الطعام
يحر: من الحرارة، أي يسرع ويشتد؛ لخسة شجاعتهم.
يقول: إن هذا الدهر، أهله لشرههم بالطعام لا يموت أكثرهم إلا عن التخمة، فكأن الذين يقاتلونهم بالفراغ من الطعام لأنهم لا يموتون أكثرهم إلا بأكلها، فهي أقرانهم دون الرجال. وهذا مثل.
وخيلٍ ما يخر لها طعينٌ ... كأن قنا فوارسها ثمام
الثمام: نبتٌ ضعيف ورقه مثل خوص النخل.
يقول: إنهم لضعفهم إذا طعنوا فارساً، لا يسقط عن ظهر فرسه، فكأن رماحهم من شجر الثمام. شبهها به لضعفه وكون ورقة على شكل أسنة الرماح، فهو إشارة إلى ضعفهم وقلة شجاعتهم. وهذا مثل.
خليلك أنت لا من قلت خلى ... وإن كثر التجمل والكلام
الخليل والخل: هو الصديق. وسمي بذلك لمداخلة صديقه في جميع أموره وأحواله، ولأن حب كل واحد منهما يدخل في خلل صاحب قلبه، والتجمل: إظهار الجميل من القول وغيره.
يقول: ليس لك صديق في الحقيقة إلا نفسك، فأنت صديق نفسك، لا من تسميه خليلاً، وإن كثرت مجاملته، وأظهر لك الود بالكلام. ومثله للآخر.
كل النداء إذا ناديت يخذلني ... إلا ندائي إذا ناديت يا مالي
وهذا مثل.
ولو حيز الحفاظ بغير عقلٍ ... تجنب عنق صيقله الحسام
حيز: جمع. والحفاظ: مراعاة الحقوق والذمم. والحسام: رفع لأنه فاعل تجنب.
يقول: هؤلاء لا عقول لهم؛ فلذلك ليس لهم حفاظ بالعقل، فلو أمكن تحصيل الحفاظ من دون العقل، لتجنب السيف عنق الصيقل، الذي أرهف حده، وأظهر رونقه، وأبرز حسنه فكأنه إذا ضرب به لا يؤثر؛ لمحامات حرمته، ومراعات حقه.
وشبه الشيء منجذبٌ إليه ... وأشبهنا بدنيانا الطغام
الطغام والطغامة: الذي ليس له معرفة.
المعنى: أن الدنيا تميل إلى الأراذل؛ لخساسة قدرها كما يميل الشبه إلى شبهه، فكما أنها رذلة خسيسة، فهي أيضاً تنجذب إلى الخساس والأراذل؛ للتجانس بينهما. وهذا أيضاً مثل.
ولو لم يعل إلا ذو محلٍّ ... تعالى الجيش وانحط القتام
القتام: الغبار.
يقول: لو لم يعل ولم يرتفع، إلا من له محل وقدر، لكان يجب ألا يعلو الغبار مع أنه من جنس التراب على الجيش؛ لفضلهم ومالهم من التمييز والعقل ومثله:
قالت: علا الناس إلا أنت! قلت لها: ... كذاك يسفل عند الوزن من رجحا
وهذا مثل.
ولو لم يرع إلا مستحقٌّ ... لرتبته أسامهم المسام
الرعى هنا: السياسة. والأسامة: رعى المال، يقال أسام ماله فهو مسيم والمال مسام.
يقول: لو لم يقم برعاية الناس إلا من هو مستحق له، لوجب أن تكون الرعية هي الراعي، والأمير هو المرعي؛ لأن في الرعية من هو أشرف من هؤلاء الرعاة وهذا مثل.
ومن خبر الغواني فالغواني ... ضياءٌ في بواطنه ظلام
خبر واختبر: بمعنى جرب. والهاء في بواطنه للضياء.
يقول: من جرب النساء وعرفهن، وعرف ظاهرهن فإنه وإن كان ضياءً فباطنه ظلام وضلال.
إذا كان الشباب السكر، والشي ... ب هماً، فالحياة هي الحمام
стр. 87
يقول: إذا كان الإنسان شاباً فهو كالسكران، لكونه جاهلاً غافلاً. وفي حال المشيب في الحزن والهم والأسقام! فالحياة هي الموت في الحقيقة، إذ ليس له فيها راحة، فلا فرق بين حياته وموته، كأنه تنبيه وحث على ترك الغفلة، والنهوض لمعالي الأمور، في حال الشباب وهذا مثل أيضاً.
وما كلٌّ بمعذورٍ ببخلٍ ... وما كلٌّ على بخلٍ يلام
يعني: أن الكريم لا يعذر على بخله؛ لكرمه ولاتصال الآمال به. وإن بخل المعسر لا يلام، لأن فضله ومنزلته إنما هو بالمال. وهذا أيضاً مثل ضربه.
ولم أر مثل جيراني ومثلي ... لمثلي عند مثلهم مقام
المقام: الإقامة.
يقول: لم أر من هو مثلي في الفضل، يقيم بين قوم لا يشاكلونه، لأنهم سفلة أخساء فمقامي فيما بينهم عجيب.
بأرضٍ ما اشتهيت رأيت فيها ... فليس يفوتها إلا الكرام
يقول: مقامي بأرضٍ مخصبة، فيها كل ما اشتهيت من أنواع النعم، وليس يفوت إلا الكرام تلك الأرض فإني لا أراهم فيها وإن كنت أشتهي ذلك.
فهلا كان نقص الأهل فيها ... وكان لأهلها منها التمام!
يقول: هلا كان هذا النقص الذي في أهل هذه الأرض في نفس الأرض، وكان التمام الذي فيها لأهلها، فيكون منها كرماً وفضلا.
بها الجبلان من فخرٍ وصخرٍ ... أنافا: ذا المغيث، وذا اللكام
يقول: هذه الأرض، فيها جبلان عاليان: أحدهما من فخر، وهو المغيث.
والثاني من صخر، وهو اللكام جعل الممدوح كالجبل قدراً.
وليست من مواطنه ولكن ... يمر بها كما مر الغمام
يقول: هذه الأرض ليست من مواطن المغيث؛ لخستها ودناءتها، مع شرفه وكرمه، ولكنه يمر بها ليحميها وينعم على أهلها، كما يمر الغمام بالأرض الجدبة فيحييها بالنبات. وقد استدرك ها هنا ما قال في قوله: فليس يفوتها إلا الكرام.
ثم قال: وبها الجبلان. فقال: وإن كان هذا الكريم فيها فليس هو من أهلها لأن أهلها لئام، وإنما يجتاز فيها كاجتياز السحاب.
سقى الله ابن منجبةٍ سقاني ... بدرٍّ ما لراضعه فطام
أنجبت المرأة: إذا ولدت نجيباً، فهي منجبة وابن منجبة هو الممدوح. والنجيب: الكريم السليم من العيوب.
يقول: سقى الله ابن منجبةٍ وهو الذي سقاني بدرٍّ وخير كثير، ما لراضعه فطام: أي لأن نعمته دائمة لا تنقطع، بل تتصل وتدوم.
ومن إحدى فوائده العطايا ... ومن إحدى عطاياه الدوام
روى: من وهي للممدوح وهو بدل من قوله: ابن منجبة. فتكون في موضع نصب. وروى: من فتكون للتبعيض.
يقول: له فائدة من فوائد العلا والجاه، فإذا أعطي عطية جعلها دائمة، والدوام بعض عطاياه المشكورة.
فقد خفي الزمان به علينا ... كسلك الدر يخفيه النظام
روى: به فيكون للممدوح. وروى: بها فيكون راجعاً إلى العطايا. وله معنيان: أحدهما: أن الزمان والشدائد صارت مغمورة مستورة بهذا الرجل وبعطاياه، لاشتمال هذا الرجل وعطاياه على الزمان وشدائده، فلا يظهر للزمان تأثير بالإضافة إليه وإلى عطاياه، كما أن الدر إذا نظم في السلك فإنه يخفي السلك ويستره لاشتماله عليه ولنفاسته.
والمعنى الثاني: أن قبح الزمان وخسة أهله صارت خافية بحسن كرمه وعطاياه.
يعني: أن كرمه صار جابراً لمعايب الدهر ومعايره. وهذا مثل.
تلذ له المروءة وهي تؤذي ... ومن يعشق يلذ له الغرام
المروءة: مصدر مرؤ، كالإنسانية. والغرام: قيل هو العذاب وأصله من المشقة.
يقول: إن المروءة لذيذة له مع أنها تؤذي صاحبها؛ لما فيها من تفريق المال وتحمل المشاق، فهو يلتذ بها لعشقه لها، كما أن العاشق يتلذذ بالغرام، وما يجد من ألم الشوق وحرق الهوى. وهذا أيضاً مثل.
تعلقها هوى قيسٍ لليلى ... وواصلها فليس به سقام
يقول: عشق هذا الممدوح المروءة، كما عشق قيس بن الملوح، الملقب بالمجنون لليلى العامرية، ولكنه واصل المروءة المعشوقة، فليس لها سقام العشق. مثل ما كان لقيس في عشق ليلى؛ لأن السقام إنما يكون من الهجر وعدم الوصال، فهو لما واصلها لم يجد السقام. وهذا أيضاً مثل.
يروع ركانةً ويذوب ظرفا ... فما يدري: أشيخٌ أم غلام!
стр. 88
ركانةً وظرفاً: نصب على التمييز. وقوله: أشيخ مبتدأ وخبره محذوف. وتقديره: أشيخ هو أم غلام؟ والجملة في موضع نصب بقوله: فما تدري، والركانة: الوقار والثبات.
يقول: إذا نظرت إليه راعك وقاراً وهيبة، وإذا راعيته راعك بظرفٍ وحسن خلق، فله ركانة الشيوخ وظرافة الأحداث.
وتملكه المسائل في نداه ... فأما في الجدال فما يرام
المسألة تستعمل في سؤال العطاء، وسؤال العلم، فلما أراد هاهنا سؤال العطاء، بين ما يزيل الشبهة فقال: تملكه مسائل السائلين، وإذا سألوه المال فلا يمكنه ردهم، فأما إذا سألوه مسائل العلم والجدال، فلا يرومه أحد. يمدحه بالسخاء والعلم.
وقبض نواله شرفٌ وعزٌّ ... وقبض نوال بعض القوم ذام
ويروى: وفيض نواله. وهو الأولى. والذام: العيب. يقول: أخذ نواله شرف لنا وعز، لكرمه وفضله وأخذ عطايا بعض القوم وهم سقاط: عيبٌ. ومثله:
عطاؤك زينٌ لامرىءٍ إن حبوته ... بخيرٍ وما كل العطاء يزين
أقامت في الرقاب له أيادٍ ... هي الأطواق والناس الحمام
الحمام: في أصل اللغة، عبارة عن كل طائر ذي طوق.
يقول: نعمه لازمة للناس، مثل الأطواق للحمام. فنعمه كالأطواق، والناس كالحمام وأخذ هذا بعض المتأخرين فقال.
ترك الناس حماما هتفاً ... بنداه تحت أطواق المنن
إذا عد الكرام فتلك عجلٌ ... كما الأنواء حين تعد عام
الأنواء: جمع نوء وهو سقوط نجم من منازل القمر في المغرب وطلوع رقيبه من المشرق يقابله وذلك في كل ثلاثة عشر يوماً، وبانقضائها تنقضي السنة.
يقول: إذا عد الكرام فهم بنو عجلٍ دون غيرهم، فكأن الكرام اسم لهم خاص، كما أن الأنواء تكون عاماً، فلا عام إلا ذو أنواءٍ وما الأنواء إلا نفس العام، فكما أن الأنواء لا تنفصل عن العام، كذلك الكرم لا يزايلهم.
تقى جبهاتهم ما في ذراهم ... إذا بشفارها حمى اللطام
تقى: أي تحفظ، وتمنع. وذراهم: ناحيتهم. والشفار: جمع الشفرة، وهي حد السيف والهاء في فيها: ضمير السيوف وإن لم يجر لها ذكر، وقيل: هو ضمير عجل. واللطام: كناية عن الضراب. وحمى: أي اشتد.
يقول: إن جباههم تصون وتدفع عن أموالهم وحريمهم، والحرم: المستجيرون في شدة المحاربة، وهو حين اشتداد حد السيوف للضراب.
ولو يممتهم في الحشر تجدو ... لأعطوك الذي صلوا وصاموا
يقول: لو قصدتهم يوم القفيامة مجتدياً معروفهم، لأعطوك صلاتهم وصيامهم: أي ثوابها مع شدة الحاجة إلى الطاعة في ذلك اليوم واختاروا لأنفسهم النار؛ كراهة رد المستميح، إذ ليس هناك أموال. وهذا مأخوذ من قول الآخر.
ولو بذلت أمواله جود كفه ... لقاسم من يرجوه شطر حياته
ولو لم يجد في العمر قسماً لزائر ... لجاد له بالشطر من حسناته
فإن حلموا فإن الخيل فيهم ... خفافٌ والرماح بها عرام
العرام: الجهل والطيش.
يقول: إن كانوا حلموا حلم ذو رزانة وسكون، فخيلهم تخف ولا تحلم، وتسرع في العدو، وفي رماحه خفة ونزق، أي هم جهال في الحروب. ومثله للفرزدق:
أحلامنا تزن الجبال رزانةً ... ويزيد جاهلنا على الجهال
وعندهم الجفان مكللاتٌ ... وشذر الطعن والضرب التؤام
المكللات: التي أديرت عليها اللحم مثل الإكليل. وشزر الطعن: إذا كان عن يمين وشمال، وأراد بالتوام هنا: متابعة الضرب، مكان الواحد اثنان.
يقول: إنهم يقرون الضيف بالجفان المكللات باللحوم، ويطعنون أعداءهم شزراً في الحروب، ويضربونهم ضرباً متتابعاً، وهذا من قول حسان:
لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدةٍ دما
نصرعهم بأعيننا حياءً ... وتنبوا عن وجوههم السهام
يقول: إذا سألناهم استحيوا من نظرنا إليهم، فكأنا صرعناهم فنأخذ منهم ما نسأله، وهم في الحروب لا يؤثر السلاح في وجوههم. يصفهم بالحياء عند المسألة والوقاحة عند الحرب. وحياءٌ: نصب على التمييز. وقول ليلى الأخيلية أبلغ من هذا وهو:
فتىً كان أحيا من فتاةٍ حييةٍ ... وأشجع من ليثٍ بخفان خادر
قبيلٌ يحملون من المعالي ... كما حملت من الجسد العظام
стр. 89
يقول: هم جماعة يتعاونون على القيام بالمعالي، ويحملونها كما تعاونت العظام على حمل الجسد، فقوام المعالي ونظامها بهم، كما أن قوام الجسد وثباته بعظامه وهذا مثل.
قبيلٌ أنت أنت، وأنت منهم ... وجدك بشرٌ الملك الهمام
تقديره: قبيل أنت منهم، وأنت منهم، وأنت أنت.
يقول: إن بني عجل قبيلة أنت منهم، وأنت أنت: أي أنت المشهور، ولك المحل العظيم. وهذا تفخيم لشأنه، وجدك المسمى: بشرٌ، منهم، وهو الملك الهمام. أي كفاهم شرف كونك وجدك منهم.
لمن مالٌ تمزقه العطايا ... ويشرك في رغائبه الأنام؟
الرغيبة: وهي المال النفيس. والرغائب: جمع الذي يرغب فيه.
يقول: ليس مال تفرقة العطايا ويشرك جميع الخلق في رغائبه غير مالك، وهذا مفهوم من الكلام؛ لأن من يدل عليه: فعلى هذا يكون البيت مستقلاً بنفسه، ويجوز أن يكون معنى البيت الذي يليه متصلاً به، فيكون فيه معنى التضمين.
ولا ندعوك صاحبه فترضى ... لأن بصحبةٍ يجب الذمام
يقول: أنت لا ترضى بأن تدعى صاحب المال الذي وصفته، لأن الصحبة مما توجب مراعاة حقه، وذلك يمنع من تفريقه. والمعنى الثاني: لمن المال الذي تفرقه العطايا، ويشرك فيه الناس، لا يدعوك صاحبه فترضى أنت به؛ لأنك إذا أقررت بأنك صاحبه فيلزمك حفظه.
تحايده كأنك سامريٌّ ... تصافحه يدٌ فيها جذام
تحايده: أي تتجنبه وتميل عنه إلى جانب آخر. والهاء ضمير المال. وفي تصافحه: يجوز أن تكون للمال، ويجوز أن يكون للسامري. والسامري يجوز أن يكون اسم السامري المذكور في القرآن، ويجوز أن يكون منسوباً إليه. وكل اسم في آخره ياء مشددة، إذا نسب إليه حذفت الياء منه، وألحقت به ياء النسبة، كما لو نسبت إلى كرسي، قلت: رجل كرسي. والجذام: الأكلة التي تقع في اليد.
يقول: إنك تتجنب من مالك، فكأنك السامري، الذي اتخذ العجل والال بمنزلة اليد الجذماء، والسامري لا تمسه يد فكيف الجذماء! لأن الله تعالى قال في حقه " لا مساس " والأولى أن المراد به المنتسبون إليه بالشام. وهم قوم من ولده يستقذرون الناس ولا يخالطونهم تعززاً منهم، ويغسلون ثيابهم إذا أصابهم الناس فيقول: إنك تتجنب أن تمس مالك فكأنك منتسب إلى هؤلاء القوم لأن السامري إذا كان يتجنب أن تمسه اليد السليمة، كان من اليد الجذماء أشد اجتناباً. والغرض: أنه يفرق ماله.
إذا ما العالمون عروك قالوا ... أفدنا أيها الحبر الإمام
عروك: أي قصدوك، وأتوك. والحبر: العالم.
يقول: العلماء إذا سألوك عن العلم واستفادوا منك قالوا: أفدنا أيها الإمام في العلم.
إذا ما المعلمون رأوك قالوا ... بهذا يعلم الجيش اللهام
المعلم: من جعل لنفسه علامة ليعرف بها، وتلك علامة الشجعان. واللهام: هو الجيش العظيم.
يقول: إن الشجعان إذا رأوك قالوا: بهذا يعلم الجيش. أي أنه ليس فيهم أشهر منه فكأنه قال: هو علامة الجيش وزعيم الجيش وفارسه المشهور.
لقد حسنت بك الأوقات حتى ... كأنك في فم الدنيا ابتسام
وروى: في فم الزمن. يعني أن أوقات الزمان حسنت لكونك فيها، كما يحسن وجه الإنسان بالابتسام في الفم.
وأعطيت الذي لم يعط خلقٌ ... عليك صلاة ربك والسلام
يقول: إنك أعطيت ما لم يعط أحد من المخلوقين، فعليك صلاة الله تعالى، وهي الرحمة منه، وعليك سلامه، أي تحيته.
الجزء الثاني
وقال يمدح أبا الفرج أحمد بن الحسين القاضي المالكي:
لجنيةٍ أم غادةٍ رفع السجف! ... لوحشيةٍ؟ لا، ما لوحشيةٍ شنف
الشنف: ما يعلق في أعلى الأذن. والقرط ما يعلق على شحمة الأذن. والسجف: الستر، وهو جانب البيت. وقوله: لجنية أراد ألجنيةٍ؟ إلا أنه حذف ألف الاستفهام، لدلالة أم عليها يجوز أن تكون أم منقطعة، وتكون بمعنى بل وفي الكلام حذف تقديره: لجنية رفع السجف أم لغادة رفع السجف؟ فحذف من الجملة الأولى لدلالة الثانية.
стр. 90
ومعنى البيت على الخبر كأنه يقول مخبراً: لجنية رفع السجف ثم أضرب وقال: بل لغادة رفع السجف. بل قال: لا يرفع هذا الستر لجنية ولا لغادة بل رفع لوحشية، ثم رد على نفسه ذلك فقال: ما رفع لوحشية إذ ليس للوحشية شنف، فكأنه نفى أن يكون تشبيهه للمحبوبة بسائر ما شبه به النساء. ومعناها على الاستفهام، أنه نظر إلى محبوبته وقد رفع عنها ستر قبتها، فحيره حسنها، فلم يدر أجنيةٌ هي؟! أم غادة ناعمة؟ فقال: هذا الستر المرفوع لجنية أو غادة أو وحشية ثم استدرك فقال لو كانت وحشية لم يكن لها شنف.
نفورٌ، عرتها نفرةٌ فتجاذبت ... سوالفها والحلى والخصر والردف
نفور: أي تنفر عن الريبة. عرتها: أي أصابتها، وغشيتها. والسالف: مقدمة صحفة العنق، وجمعها سوالف.
يقول: هذه الجارية نفور فلئن رمقن طرفاً إليها، نفرت منا، فتجاذبت هذه الأشياء، لأن سوالفها كانت ناعمة، وحليها كان ثقيلاً والخصر كان دقيقاً، والردف كان ثقيلاً وما أشبه ذلك.
وخيل منها مرطها، فكأنما ... تثنى لنا خوطٌ ولاحظنا خشف
خيل: من التخيل، وهو الاضطراب، والفساد فكأنه قال: وأفسد، وفاعله المرط: وهو كناية عن الذي تلبسه نساء العرب مكان الإزار.
يقول: لما نظرنا إليها نفرت منا فتعثرت في مرطها فاضطرب عليها ثوبها. ثم شبهها في تلك الحالة بالغصن الرطب، وبالخشف فقال: كأنما تمايل لنا مرط بانٍ؛ لاعتدالها وحسنها وكأنما لاحظنا خشفاً لحسن عينيها وروى: ولاح لنا خشف.
زيارة شيبٍ وهي نقص زيادتي ... وقوة عشق وهي من قوتي ضعف
تقديره: أمري زيادة شيب، وأمري قوة عشق. فيكون خبر ابتداء محذوف. ويجوز أن يكون تقديره: شكواي زيادة عشق. ويجوز نصبه على إضمار فعل محذوف. أي أشكو زيادة شيب، ويمكن أن يكون المضمر هي تقديره: هي زيادة شيب.
يقول: شيبني الهوى فكلما زاد شيبي زاد جسمي نقصاً، وكلما قوي عشقي، ضعفت قوتي، فالزيادة نقصان، والقوة ضعف.
هراقت دمي من بي من الوجد ما بها ... من الوجد بي والشوق لي ولها حلف
الحف، والحليف: الصاحب المحالف الملازم.
يقول: سفكت دمي الجارية التي تحبني، مثلما أحبها، وبها من الوجد ما بي، والشوق لي ولها ملازم ومصاحب. والباء الأولى متعلقة بها، والثانية بالوجد.
ومن كلما جردتها من ثيابها ... كساها ثياباً غيرها الشعر الوحف
الشعر الوحف: هو الكثير الملتف الشديد السواد.
يقول: هراقت دمي من كلما عريتها من ثيابها، ألبسها الشعر الكثير ثياباً غير الثياب التي عريتها منها. ومثل هذا قول بكر بن النطاح.
بيضاء تسحب من قيام شعرها ... وتغيب فيه وهو جثل أسحم
وقابلني رمانتا غصن بانةٍ ... يميل به بدرٌ ويمسكه حقف
الحقف: الكثيب من الرمل المعرج. شبه ثدييها برمانتين وقدها بغصن البانة. وجعل الرمانتين على غصبن بانة، ليكون أعجب وأحسن؛ لأن البان لا يحمل الرمان. وشبه وجهها: بالبدر. وردفها: بالكثيب، وهذا من تمام قوله: هراقت دمي.
أكيداً لنا يا بين؟ واصلت وصلنا ... فلا دارنا تدنو ولا عيشنا يصفو
أكيداً؟ نصب على المصدر أي أتكيد كيداً.
يقول: يا بين، واصلت، وفرقت بيننا، فارتفع الوصل فكأنك كدتنا فتركتنا لا تدنو دارنا، ولا يصفو عيشنا، والكيد: اتصال الضرر بالغير من حيث لا يعلم.
أردد ويلي لو قضى الويل حاجةً ... وأكثر لهفي لو شفى غلةً لهف
روى: ويلي ولهفي على الإضافة إلى ياء المتكلم. وروى: ويلا ولهفا بالألف. وهي: إما بدل من الياء، وإما على الندبة.
ويل: دعاء للشر. واللهف: شدة الحزن. يقول: أردد هاتين الكلمتين على لساني، ومعناهما في قلبي، فلو نفع ذلك لنفعني، وقضى حاجتي، وشفى غلتي، فيكون على هذا جواب لو محذوفاً، ويجوز أن يجعل أردد فأكثر، فجواب لو تقديره: لو قضى الويل حاجةً، لكنت أردد الويل، ولو شفى اللهف غلة كنت أكثر ذكره.
ضنىً في الهوى كالسم في الشهد كامنٌ ... لذذت به جهلاً وفي اللذة الحتف
الشهد: العسل في الشمع. والضنى: الهزال والألم. والحتف: الهلاك.
يقول: الألم كامن في الهوى، كالسم إذا كمن في العسل، فيلتذ العاشق بالهوى، كالعسل الممزوج بالسم، يجد الإنسان حلاوته وفيه هلاكه.
стр. 91
فأفنى، وما أفنته، نفسي كأنما ... أبو الفرج القاضي له دونها كهف
يجوز في قوله: وما أفنته نفسي. تقديران.
أحدهما: أن ينصب نفسي بالفعل الأول. تقديره. فأفنى الضنى نفسي وما أفنته، فيكون الضنى فاعله، ونفسي مفعوله.
والثاني: أن ترفع نفسي بالفعل الثاني ما أفنته وتكون التاء مخبرة لتأنيث الفعل، ليست بضمير، وتحذف المفعول من الفعل الأول وهو المختار عند البصريين، لأن إعمال الثاني أولى لقربه من الاسم.
يقول: إن الضنى أفنى نفسي وأهلكها ولم تفنه نفسي، حتى كأن هذا الممدوح كهف الضنى دون النفس، فيمنع نفسي من أن تصل إليه. والمراد: أنه كهف له، وملجأ لنفسي وكيف يقدر الهوى على إفناء نفسي؟!
قليل الكرى لو كانت البيض والقنا ... كآرائه ما أغنت البيض والزغف
البيض: الأولى السيوف، والبيض الثانية: جمع بيضة، وهي الترك. والزغف: الدروع اللينة. وقيل: هي الطويلة.
يقول: إنه قليل النوم، صلب الرأي، فلو كانت البيض والرماح مثل رأيه في المضاء لم ينفع معها المغافر والدروع. والعرب تمتدح بقلة النوم.
يقوم مقام الجيش تقطيب وجهه ... ويستغرق الألفاظ من لفظه حرف
التقطيب: تعبيس الوجه.
يقول: إنه شجاع، فصيح، فعبوس وجهه في الحرب يقوم مقام العسكر في هزم الأعداء. وحرف من لفظه، يستفاد منه ما يستفاد من اللفظ الكثير من غيره. فكأن حرفه يستغرق جميع الألفاظ!
وإن فقد الإعطاء حنت يمينه ... إليه حنين الإلف فارقه الإلف
يقول: إنه لا يفتر عن العطاء، وإذا لم يعط في حال، حنت يمينه، واشتاقت إلى الإعطاء، كما يشتاق الصديق إلى صديقه بعد فراقه.
أديبٌ رست للعلم في أرض صدره ... جبالٌ جبال الأرض في جنبها قف
فاعل رست: جبالٌ. والقف المرتفع من الأرض.
يقول: هو أديب رست في صدره جبال العلم، التي هي إذا قيست جبال الأرض إليها صغرت في جنبها، كالقف إلى جنب الجبال. شبه العلوم التي في صدره بالجبال ثم فضلها على جبال الأرض.
جوادٌ سمت في الخير والشر كفه ... سمواً أود الدهر أن اسمه كف
متعدٍّ من ود: معنا. حمل الدهر على أن يود ويتمنى، وفاعله ضمير السمو، ومفعوله الدهر، والهاء في اسمه: للدهر، وفي كفه: للممدوح.
يقول: كفه قد علت في فعل الخير والشر، والنفع والضر، سمواً يتمنى الدهر أن يكون اسمه كفاً ليشاركه في الاسم، وإن فارقه في المعنى.
وأضحى وبين الناس في كل سيدٍ ... من الناس، إلا في سيادته خلف
أي بين الناس في سيادة كل سيد خلاف، إلا في سيادته، فإن الناس اتفقوا على أنه سيد.
يفدونه حتى كأن دماءهم ... لجاري هواه في عروقهم تقفو
يقول: يفديه الناس بأنفسهم، لتمكن حبه في قلوبهم، فكأن هواه جرى في عروقهم قبل جريان الدم فيها، وكأن دماءهم تتبع ما جرى في عروقهم من المحبة قبل جريان الدماء فيها. واللام في قوله: لجاري هواه يجوز أن تكون معناه: من أجل جاري هواه في عروقهم كأنه دماء تقفو، ومفعول تقفو محذوف على هذا، وهو في وهذا لجاري، ويجوز أن يكون متعلقاً بقوله: لجاري وهواه فيكون المفعول مقدماً على الفعل. والفعل معداً إليه باللام لتقدمه على الفعل، كقوله تعالى: " إن كنتم للرؤيا تعبرون " فتقديره: تقفو الدماء جاري هواه في العروق.
وقوفين في وقفين: شكرٍ ونائلٍ ... فنائله وقفٌ، وشكرهم وقف
وقوفين قيل: نصب بإضمار فعل. أي أذكر وقوفين. وقيل: على الحال من يفدونه وقيل من قوله تقفوا وقيل من قوله: بين الناس إلا في سيادته خلف في هذا الحال. وتقديره: رأيتك راكبين، أي أنا راكب، وأنت راكب.
يقول: إن الممدوح والناس واقفين وقفاً فالممدوح واقفٌ نائله على الناس. والناس واقفون شكرهم عليه. فجعل الممدوح مقابل الناس. فنائله وقفٌ على الناس كلها، وشكرهم وقف عليه وحده.
ولما فقدنا مثله دام كشفنا ... عليه، فدام الفقد وانكشف الكشف
قال ابن جنى: عليه بمعنى: عنه والهاء فيه: تعود إلى مثله. ومعناه: إنا لما لم نجد مثله طلبناه لعلنا نجده فدام كشفنا مدةً عن مثله، ثم لما لم نجد مثله دام الفقد بعد ذلك، وانقطع الكشف، على ألا ننظر له. ويجوز أن يكون بمعنى: له. والهاء للمدوح. فكأنه يقول: دام كشفنا لمثله وباقي الكلام على وجهه.
стр. 92
وما حارت الأوهام في عظم شأنه ... بأكثر مما حار في حسنه الطرف
يصفه بعظم شأنه وحسن وجهه.
يقول: ما تحيرت العقول في عظم حاله أكثر مما تحير البصر في حسن وجهه، فهما متساويان.
ولا نال من حساده الغيظ والأذى ... بأعظم مما نال من وفره العرف
الوفر: المال الكثير. والعرف: المعروف.
يقول: لم ينقص الغيظ والأذى من أبدان حساده، أكثر مما نقص الجود من ماله.
تفكره علم، ومنطقه حكمٌ ... وباطنه دين، وظاهره ظرف
الحكم: الحكمة. ومعناه ظاهر.
اعلم أن العروض الطويل إذا لم يكن مصرعاً لا يجيء إلا من مفاعلن مقبوضة فأما مفاعيلن على ما جاء في هذا، فإنما يؤتى به في المصرع فقط. والتصريع: هو إعادة القافية.
عذره من وجهين: أحدهما: أن هذا وإن كان هو الأكثر، فقد جاء في مثل هذا عن العرب، ألا ترى أن الكامل لا يكون عروضه مفعولن إلا في المصرع، وقد جاء عن العرب مفعولن في الكامل من ذلك قول ربيع بن زياد.
ومجنبات ما يذقن عدوفا ... يقذفن بالمهرات والأمهار
والثاني: أن مفاعيلن، أصل العروض الطويل، فيكون قد رجع هاهنا إلى الأصل لضرورة الشعر، لأنه إذا جاز الخروج عن أصل الكلمة للضرورة، فالرجوع إلى الأصل أولى.
وروى: ومنطقة حجا، وروى: تقى.. وهذا لا اعتراض عليه.
أمات رياح اللوم وهي عواصفٌ ... ومغنى العلا يودي ورسم الندى يعفو
المغنى: المنزل. ويودي: أي يهلك، ويدرس. والواوات للحال.
يقول: رياح اللؤم في حال عصوفها وشدتها، كاد منزل العلا يهلك بتلك الريح، ورسم الجود يعفو ويدرس بها، والمراد بها، والمراد أنه: أعاد المعالي والجود بعد ذهاب دولتها.
فلم نر قبل ابن الحسين أصابعاً ... إذا ما هطلن استحيت الديم الوطف
الديم: جمع ديمة، وهي مطر يدوم أياماً من غير ريح، ولا رعد، وأقله نصف يوم وأكثره خمسة أيام. والوطف جمع الوطفاء: وهي السحابة المتدلية الأطراف، الدانية من الأرض. وقوله: قبل ابن الحسين أراد قبل أصابع ابن الحسين، فحذف المضاف ويجوز أن يكون أخبر بالجملة عن البعض.
المعنى: أصابع هذا الرجل إذا ما هطلن بالعطايا، زادت على هطل السحاب الوطف، حتى نستحي من أصابعه.
ولا ساعياً في قلة المجد مدركاً ... بأفعاله ما ليس يدركه الوصف
يقول: ما رأينا ساعياً غاية المجد، فأدرك بفعله ما لا يدركه الوصف، إلا هذا الممدوح: فإنه أدرك من المجد ما لا يوصف.
ولم نر شيئاً يحمل العبء حمله ... ويستصغر الدنيا ويحمله طرف
العبء: الحمل الثقيل. والطرف: الفرس الكريم.
يقول: ما رأينا شخصاً يحمل المغارم، ومؤن العفاة والحلم والوقار مثل ما يحمله الممدوح. وهو مع ذلك يستصغر الدنيا لعظم همته، ومع ذلك يحمله طرف.
ولا جلس البحر المحيط لقاصدٍ ... ومن تحته فرشٌ ومن فوقه سقف
فرش: روى بالفتح وبالضم، فالفتح: مصدرٌ في معنى المفروش. والضم: جمع فراش. والبحر المحيط: هو البحر الأعظم الذي يحيط بجميع الأرض.
يقول: هو بحر؛ لكثرة جوده وما رأينا بحراً قط جالساً لقاصد، وتحته فرش وفوقه سقف.
فواعجباً مني أحاول نعته ... وقد فنيت فيه القراطيس والصحف
القرطاس: شيء يستعملونه بدل الكاغد. كان من قشورٍ بيض. والصحف: جمع صحيفة وهي الكتب.
يقول: أتعجب من نفسي حيث أطلب استيفاء وصفة في الشعر، والقراطيس، مع أن وصفه يستغرق جميع القراطيس والصحف!
ومن كثرة الأخبار عن مكرماته ... يمر له صنفٌ، ويأتي له صنف
روى: الأخبار بفتح الهمزة وكسرها، الفتح هو الجمع، والكسر مصدر أخبر.
يقول: من كثرة ذكر الممدوح في الآفاق يأتيه صنف من الناس، ويصدر عنه صنف آخر.
وتفتر منه عن خصالٍ كأنها ... ثنايا حبيبٍ لا يمل لها الرشف
تفتر فاعله ضمير الأخبار أي تنكشف من هذا الممدوح، عن خصال حميدة حلوة لا يمل ذكرها، فكأن تلك الخصال ثنايا الحبيب التي لا يمل ترشفها ومصها. يعني: أن خصاله مستطابة كاستطابة رشف المحبوب.
قصدتك والراجون قصدي إليهم ... كثيرٌ، ولكن ليس كالذنب الأنف
قصدي: في موضع نصب، لأنه مفعول، والراجون: فاعله. أي الذين يرجون قصدي إليهم كثير، ولكن أنت كالأنف، وغيرك كالذنب، وليسوا سواء. والراجون قصدي نصب على الحال.
стр. 93
ولا الفضة البيضاء والتبر واحداً ... نفوعان للمكدى وبينهما صرف
واحداً نصب لأنه خبر ليس. ونفوعان: خبر ابتداء محذوف. أي هما نفوعان. والمكدى: المحروم. وهذا البيت من تمام البيت الذي قبله.
يقول: قصدتك ولو قصدت غيرك لوجدت عنده خيراً، ولكنك أكرم وأكثر عطاء من غيرك، فليس الذهب والفضة سواء وإن نفعا الطالب المحروم، ولكن أنت كالذهب وغيرك كالفضة.
ولست بدونٍ يرتجى الغيث دونه ... ولا منتهى الجود الذي خلفه خلف
بدونٍ: أي قليل صغير المقدار. وهو اسم يثنى ويجمع. ودونه: نصب على الظرف، وخلف. اسم غير ظرف.
يقول: لست بدون الناس فيبعد عنك العاني، ويرجو الغيث دونك أي سواك بل أنت أفضل من الغيث وأجود، ولأنت في الجود غاية ما خلفها غاية أخرى بل أنت النهاية التي ليست وراءها نهاية فكيف تقصد غيرك؟!
ولا واحداً في ذا الورى من جماعةٍ ... ولا البعض من كل ولكنك الضعف
يقول: ليس واحداً في هذا الخلق من جماعة، ولا بعضاً من جميع الناس، ولكنك مثليهم، لأن الضعف مثل الشيء مرتين.
ولا الضعف حتى يتبع الضعف ضعفه ... ولا ضعف ضعف الضعف بل مثله ألف
ضعفه: رفع لأنه فاعل يتبع ومفعوله الضعف ويجوز على العكس من ذلك وقوله: ولا الضعف نصب لأنه معطوف على خبر ليس، ومثله: نصب لأنه صفة نكرة مقدمة عليها، فنصب على الحال، والنكرة ألف والهاء في مثله: ترجع إلى ضعف الضعف ومعناه أنه أكثر من الخلق ثناءً ألف مرة
أقاضينا! هذا الذي أنت أهله ... غلطت ولا الثلثان هذا ولا النصف
يقول: إن الذي قلته أنت أهله، ثم قال: قد غلطت في ذلك، بل ما قلته ليس بثلثي ما تستحقه ولا نصفه بل هو أقل من ذلك.
وذنبي تقصيري وما جئت مادحاً ... بذنبي ولكن جئت أسأل أن تعفو
يعتذر من تأخيره الخدمة والمدح.
فيقول: ذنبي وتقصيري وما جئت مادحاً، ولكن جئت أسأل أن تعفو عن ذنبي في التقصير، وتقديره وما جئت مادحاً، بل جئت بذنبي أسأل أن تعفو ما تقدم. وقيل معناه: إني لم أقصدك مادحاً بذنبي، إني مقصر وكيف أمدحك بما يعد من ذنبي؟! وهو التقصير في مدحك، وإنما جئتك أسأل العفو عن تقصيري.
وقال يمدح علي بن منصور الحاجب ويصف جيشه
بأبي الشموس الجانحات غواربا ... اللابسات من الحرير جلاببا
الشموس: رفع بالابتداء. وخبره قوله: بأبي ويدل عليه الباء. تقديره: الشموس مفدية بأبي. والجانحات: المائلات. وغواربا. نصب على الحال. والجلابب، أصلها جلابيب، فحذف الياء ضرورة. وهي جمع جلباب: وهي الملحفة. وقيل: ثوب أوسع من الخمار.
يقول: أفدي بأبي نساءً كالشموس مائلات إلى الغروب يعني أنهن تهيأن للغروب والخروج للغيبة في الهوادج، والخروج إلى المقاصد، وأنهن كن يلبسن الثياب، والملاحف من الحرير. يصف تنعمهن وغناءهن. وقيل: أراد بقوله: غوارب أنهن كن يلبسن المصبغات بالحمرة، فكن كالشمس في حمرة الشفق.
المنهبات عيوننا وقلوبنا ... وجناتهن الناهبات الناهبا
نهبت المال: أخذته وأغرت عليه. وأنهبته: أي أمكنته من نهبه وجعلته نهباً له. فنهبت: يتعدى إلى مفعول واحد. وأنهبت: إلى مفعولين، فأحد المفعولين للمنهبات. عيوننا وقلوبنا: عطف عليه. والمفعول الآخر: وجناتهن. والناهبات: صفة لوجناتهن. والناهب: مفعول الناهبات. وهذا الناهب: ينهب وجنات النساء.
يقول: إنهلن جعلن وجناتهن ناهبات لعيوننا وقلوبنا! فهذه الوجنات هي الناهبات الناهب، وهو الذي ينظر إليهن فينهبها بالنظر، والوجنات تنهب قلبه وعينه.
وقيل: أراد أنهن جعلن وجناتهن ناهبة لقلوبنا وعيوننا، فهذه الوجنات تنهب الناهب: أي الرجل الشجاع الذي يغير على الأعداء.
الناعمات القاتلات المحييا ... ت المبديات من الدلال غرائبا
ناعمات: أي لينات المعاطف والقاتلات: أي بالهجر. والمحييات: أي بالوصل. المبديات: أي المظهرات من الدلال: وهو الغنج والتحكم. غرائبا: أي عجائب.
حاولن تفديتي وخفن مراقباً ... فوضعن أيديهن فوق ترائبا
الترائب: جمع التريب، وهو موضع القلادة من الصدر.
стр. 94
يقول: أردن أن يقلن: جعلنا الله فداك، فخفن من الرقيب فوضعن أيديهن على ترائبهن، فإن من أراد أن يفدي غيره وضع يده على صدره. وقيل معناه: إنهن لما منعن من التفدية، وضعن أيديهن فوق صدورهن من الحزن والوجع؛ تسكيناً لقلوبهن مما فيها من ألم الفراق.
وبسمن عن بردٍ خشيت أذيبه ... من حر أنفاسي فكنت الذائبا
يقول: ضحكن عن ثغر مثل البرد، صفاءً ورونقاً، فخشيت أن أذيب هذا البرد من حر أنفاسي لما فيها من شدة الحزن، فكأنها النار، فكنت حينئذ أنا الذائب دون البرد، وبقي البرد عل حالة وذبت أنا.
يا حبذا المتحملون وحبذا ... وادٍ لثمت به الغزالة كاعبا
حبذا: كلمة تدل على حصول المحبة في قلب المتكلم، وهو اسم موضوع لذلك، وهو في موضع الرفع بالابتداء والمتحملون: خبره. والمنادى هو: حبذا أدخل فيه النداء تأكيداً وكأنه يقول: يا حبذا المتحملون. وقيل: المنادى محذوف. أي يا قوم حبذا المتحملون. والغزالة: اسم من أسماء الشمس. والوادي: مجرى السيل في البادية.
يقول: ما أحب إلي هؤلاء المتحملون! وما أحب إلي الوادي الذي قبلت فيه حبيبتي! فكأنني قبلت شمساً ناهدة الثديين، فلما استطاب هذا الوقت اشتاق إلى القوم الذين كانت هي فيما بينهم، وإلى الوادي الذي حصل فيه التقبيل، فكأنه يشير إلى أنه وإن منع من المحبة بخوف الرقيب اتفق له هذه الحالة المذكورة.
كيف الرجاء من الخطوب تخلصاً ... من بعد ما أنشبن في مخالبا!
تخلصاً: نصب بالرجاء لأنه مصدر، يعمل عمل الفعل، فكأنه يقول: كيف أرجو التخلص من حوادث الدهر وبلاياه، بعد أن تمكنت مني، وأدخلت في مخالبها! والتأنيث في أنشبن: للخطوب.
أوحدنني ووجدن حزناً واحدً ... متناهياً فجعلنه لي صاحبا
أوحدنني: يجوز أن يريد أن المحبوبات رحلن عني وتركنني وحيداً قريناً للحزن عليهن. ويجوز أن يكون ضمير الخطوب. أي خطوب الدهر فرقت بيني وبين أحبائي وافردتني منهم، ويجوز أن يريد: أوجدتني وحيداً، أو واحد أزماني.
يقول: إن خطوب الدهر أوجدتني على ما ذكرناه ووجدت حزناً وحيداً متناهياً في الشدة، فجعلنه لي صاحباً وقرنته بي! فأنا وحيد والحزن وحيد.
ونصبنني غرض الرماة يصيبني ... محنٌ أحد من السيوف مضاربا
يقول: إن الخطوب جعلتني هدفاً للشدائد، ورمتني بمحن تصيبني! وهي أحد من مضارب السيوف؛ لأن من أصابته السيوف ربما يبرأ، ومن أصابته المحن لا يبرأ.
أظمتني الدنيا، فلما جئتها ... مستسقياً مطرت علي مصائبا
أظمتني: أي أعطشتني. والأصل: أظمأتني بالهمزة. فقلبت الهمزة ألفاً، ثم حذفها لسكونا وسكون التاء بعدها.
يقول: أظمأتني الدنيا بما أصابتني من محنها، فلما سألتها أن تكشف عني بالراحة والرضا أزادتني بلاءً فأمطرت علي مصائباً.
وحبيت من خوص الركاب بأسودٍ ... من دارش فغدوت أمشي راكبا
الخوص: جمع أخوص وخوصاء، وهو في البعير مثل الحول، إلا أنه أقل منه. وقيل: الخوصاء. الغائرة العين، وهو من أمارة الكرم. والدارش: ضرب من جلد الماعز، إذا كان مدبوغاً وتقديره: جئت بأسود من دارش ومن في قوله: من خوض الركاب. بمعنى: بدل. أي بدل ذلك.
يقول: أعطيت بدل الإبل، الخف والنعل الأسود، من جلد دارشٍ، فلبست ذلك، وغدوت أمشي راكباً: أي صرت راكباً عليه، وأنا ماشٍ في الحقيقة.
حالاً متى علم ابن منصورٍ بها ... جاء الزمان إلي منها تائباً
حالاً: نصب بفعل محذوف. أي أشكوا حالاً. أوأذكر حالاً. وقيل: نصب على الحال.
يقول: لي حالٌ لو علم ابن منصور بها لغيرها إلى ما هو أحسن منها. فيكون كأن الزمان ندم على إساءته إلي، وتاب منها. وقيل: أراد جاءني الزمان معتذراً مما جنى؛ لأنه يخاف أن ينتقم لي منه.
ملكٌ سنان قناته وبنانه ... يتباريان دماً وعرفاً ساكبا
يتباريان: يعارض كلٌّ منهما صاحبه. والساكب: الجاري.
يقول: إن دم أعدائه يجري من سنان قناته، مثلما يجري معروفه من بنانه، فكأن كل واحد منهما يباري صاحبه وينافسه، في أن أيهما أكثر انسكاباً. ونصب عرفاً ودماً: على التمييز.
يستصغر الخطر الكبير لوفده ... ويظن دجلة ليس تكفي شاربا
стр. 95
يقول: إنه يستصغر ما يعطي القصاد من المال الكبير الخطر! حتى يظن أن دجلة مع كثرة فيضها، وغزارة مائها لا تكفي لشارب واحد.
كرماً فلو حدثته عن نفسه ... بعظيم ما صنعت لظنك كاذبا
نصب: كرماً على أنه مفعول لأجله أي يستصغره لأجل كرمه. وقيل: نصب على المصدر: أي كرم كرماً. عن ابن جنى.
يقول: إنه كريم يفعل أفعالاً عظيمة حتى لو حدثته عن أفعاله لظنك كاذباً، لعظم ما صنعت نفسه! ولا يعلم أنها صنعت ذلك؛ لاستعظامه إذا سمعه.
وهذا ليس بالمدح الجيد وهو إلى الجهل والغباوة أقرب.
سل عن شجاعته وزره مسالماً ... وحذار ثم حذار منه محاربا
حذار: أي احذر. وهو مبني على الكسر.
يقول: سل عن شجاعته لتعلم رجوليته والقه زائراً مسالماً؛ حتى تستفيد منه، واحذر أن تقصده وتجرب شجاعته مبارزاً، فإنه يهلكك ويقتلك للوقت، ولا تصل إلى مقصدك منه.
فالموت تعرف بالصفات طباعه ... لو لم تلق خلقاً ذاق موتاً آئباً
هذا تأكيد للبيت الذي قبله، ومعناه: أنه كما يموت من يحاوله، فتعرف أحوال شجاعته بالاستخبار، كما أن الموت تعرف صفاته وطباعه بالوصف لا بالتجربة، لأنك لا تلقى أحداً ذاقه ثم عاد، حتى تعرف حقيقته، فكذلك حاله والطباع: هي الطبع وهي مؤنثة. وقيل: هي جمع الطبع. وروى كالموت تعرف بالطباع صفاته أي يعرف الموت طبعاً ومشاهدة لا تجربة
إن تلقه لا تلق إلا جحفلاً ... أو قسطلاً أو طاعناً أو ضاربا
أو هارباً أو طالباً أو راغباً ... أو راهباً أو هالكاً أو نادبا
الجحفل: العسكر، وسمي به لكثرة الخيل فيه. والقسطل: الغبار. والنادب: المتفجع على أمر وقع فيه.
يقول: إذا لقيته لقيت عسكراً، أي يقوم مقام العسكر، أو يكون معه عسكر أو رأيت غباراً وطاعناً وضارباً؛ لأنه شجاع لا يكون إلا عند هذه الأمور. يجوز أن تكون هذه أحوال الممدوح أو هارباً: أي لا تلقاه إلا هارباً من قبيح، أو طالباً، لمكرمة أو راغباً إليه سفراً وحضراً، لا يفارقه السائل أو راهباً من بأسه، أو هالكاً بسيفه وسطوته، أو نادباً: أي متوجعاً ومتفجعاً؛ من إيقاعه به. وقيل نادباً: أي داعياً إلى القتال قائداً إليه من قولهم: ندبت فلاناً لهذا الأمر فانتدب.
وإذا نظرت إلى الجبال رأيتها ... فوق السهول عواسلاً وقواضبا
وإذا نظرت إلى السهول رأيتها ... تحت الجبال فوارساً وجنائبا
العواسل: الرماح المضطربة المهتزة. والجنائب: جمع جنيبة.
المعنى: أن عسكره ملأ السهل والجبل، فإذا نظرت إلى الجبال رأيتها فوق السهول كأنها رماح وسيوف، لكثرة ما عليها، وكأنها سترتها، فلا ترى سواها. وإذا نظرت إلى السهول قد امتلأت بفوارسه، وجنائبه، فكأنها صارت فوارس وجنائب.
وعجاجةً ترك الحديد سوادها ... زنجاً تبسم أو قذالاً شائبا
القذال: قذالان، وهما ما اكتنفنا القفا من يمين وشمال. يقول: رأيت عجاجةً. جعل سواد تلك العجاجة الحديد كأنها زنج أسود تبسم، أو قذالاً قد شاب. شبه لمعان السيوف في سواد الغبار، كتبم الزنجي حين يبدو بياض أسنانه من تحت سواده، أو بقذال قد شاب، فيلوح الشيب في وسط سواد الشعر وهو تشبيه عجيب.
فكأنما كسي النهار بها دجى ... ليلٍ وأطلعت الرماح كواكبا
روى: كسي أي ألبس. وروى: كسي أي لبس، فعلى هذا يقال: كسوته فكسي. والهاء في بها: للعجاجة.
يقول: كأن النهار بهذه العجاجة قد لبس ظلمة الليل، وكأن أسنة الرماح فيها بمنزلة الكواكب، فتكون الرماح قد أطلعت الكواكب، وهي أسنتها.
قد عسكرت معها الرزايا عسكراً ... وتكتبت فيها الرجال كتائبا
الهاء في معها وفيها: للعجاجة. وعكسرت: أي جمعت عسكراً وتكتبت: تجمعت.
يقول: قد جمعت المصائب جمع هذه العجاجة كعسكر لإهلاك أعدائه، وتجمعت في هذه العجاجة الرجال، فكانوا كتائب: أي قطعةً قطعة.
وإنما ذكر للرزايا عسكراً، وللرجال كتائب، لأن العساكر أكثر من الكتائب، فيدل على أن الرزايا أكثر على الأعداء من رجاله.
أسدٌ فرائسها الأسود يقودها ... أسدٌ يصير له الأسود ثعالبا
стр. 96
يقول: هؤلاء الرجال الذين في العجاجة أسود فرائسها الأسود. شبه أعداءه بالأسود أيضاً، ثم قال: يقود هذا الأسود أسدٌ، وهو الممدوح. تصير له جميع الأسود من جيشه وجيش عدوه بمنزلة الثعالب، فلا يقومون قدامه.
في رتبةٍ حجب الورى عن نيلها ... وعلا فسموه علي الحاجبا
حذف التنوين من علي وأصله: علياً الحاجب، وإنما حذفه ضرورة؛ لسكونها وسكون اللام من الحاجب وقد قرىء: " قل هو الله أحد " بحذف التنوين من أحد.
يقول: إنه من الشرف في رتبة منع الناس عن الوصول إليها، وحجبهم عن نيلها، ثم علا إلى ما هو أعلى منها؛ فسمي لذلك علياً الحاجب. فكأنه سمي علياً لعلوه، وحاجباً، لأنه حجب الناس عن رتبته.
ودعوه من فرط السخاء مبذراً ... ودعوه من غصب النفوس الغاصبا
المبذر: الذي يفسد ماله بالتفريق.
يقول: أفرط في السخاء؛ فدعي مبذراً، وأكثر من غصب نفوس الأعداء؛ فسمي غاصباً.
ومخيب العذال فيما أملوا ... منه وليس يرد كفاً خائبا
يقال خيبه: إذا قطع أمله. وذكر الكف في قوله خائباً ذهاباً بها إلى العضو. كما قال الأعشى:
يضم إلى كفيه كفاً مخضبا
والذي زاده حسناً: أن الخائب هو صاحب اليد، فالمعنى يرجع إليه.
يقول: إنه يخيب عذاله. إذا عذلوه في سخائه ولا يرد سائلاً خائباً من عطائه.
هذا الذي أفنى النضار مواهباً ... وعداه قتلاً والزمان تجاربا
النضار: بالضم الذهب، وبالكسر الجمع. وهو جمع نضر، وهو المذهب.
يقول: هذا الممدوح هو الذي أفنى جميع الذهب بالمواهب، حتى لا يوجد شيء منه إلا وهو من مواهبه، وأفنى أعداءه فلم يبق منهم أحد، ولذلك أفنى الزمان تجارباً حتى لا يوجد زمان إلا وله فيه تجربة.
هذا الذي أبصرت منه حاضراً ... مثل الذي أبصرت منه غائبا
روى: مثل رفعاً ونصباً؛ فالرفع تقديره: أن يكون هذا مبتدأ أول والذي مبتدأ ثان. ومثل خبر الذي والجملة خبر هذا. والضمير في منه: يعود إلى هذا. وتقدير النصب: أن يكون هذا مبتدأ والذي خبره ونصب مثل بأبصرت، ونصب حاضراً وغائباً على الحال من الكرم والشرف، مثل ما كنت أسمعه وأنا غائب لا كالذي يزيد.
كالبدر من حيث التفت رأيته ... يهدي إلى عينيك نوراً ثاقبا
يقول: هو كالبدر، فمتى التفت إليه رأيت نوراً مضيئاً منه. يعني أن عطاءه يصل إلى الحاضر والغائب، وكذلك بهاؤه واشتهاره لا يخفى على أحد.
كالبحر يقذف للقريب جواهراً ... جوداً ويبعث للبعيد سحائبا
يقول: هو كالبحر من حيث ينتفع به القريب والبعيد، فالقريب ينتفع بجواهره، والبعيد ينتفع بالسحائب التي تنشأ من البخار، فتحمله الريح إلى البلاد القاصية. شبهه بالبحر؛ لعموم عطاياه، وشمولها القريب والبعيد.
كالشمس في كبد السماء وضوءها ... يغشى البلاد مشارقاً ومغاربا
كبد السماء: وسطها. يقول إن عطاياه، وبهاءه، وذكره، بلغ القاصي، والداني. كالشمس فإنها تكون في وسط السماء وشعاعها يعم الأرض شرقاً وغرباً.
أمهجن الكرماء والمزرى بهم ... وتروك كل كريم قومٍ عاتبا
هجنت الرجل: نسبته إلى الهجنة، والعيب. وأزريت: إذا قصرت. والمقصر يهم بما يظهر من كرمه وتقدمه في خصاله الحميدة، ويا من يترك كل كريم قوم عاتباً عليه، لأنهم عجزوا عن شأوك. والعتب: أول الغضب.
يقول: يا من هجن عليك، لكونك فوقهم، ويجوز أن يكونوا عاتبين على أنفسهم حيث لم يكونوا مثله.
شادوا مناقبهم وشدت مناقباً ... وجدت مناقبهم بهن مثالبا
شادوا: رفعوا. والمناقب: هي الأفعال الكريمة. والمثالب: الأفعال الذميمة.
يقول: إن مناقب الناس، إذا قيست إلى مناقبك، كانت تلك المناقب كالمخازي لهم.
لبيك غيظ الحاسدين الراتبا ... إنا لنخبر من يديك عجائبا
غيظ الحاسدين: نصب؛ لأنه منادى مضاف. ونصب الراتب؛ لأنه نعت له، والراتب: الثابت ونخبر أي نعلم، ونرى ونجرب فنعلم.
كأن الممدوح دعاه، لما انتهز بما شهر من إحسانه وفضله، أو دعاه حقيقة، فأجابه. فقال لبيك يا من تغيظ الحساد، فيبقى الغيظ في قلوبهم غير زائل عنها. إنا لنعلم ونرى عجائب من يديك ضرباً وطعناً وسجناً وكناية يعجز الناس عن بلوغه، وجعل البيت، مصرعاً؛ لأنه انتقل من المديح إلى الإجابة.
стр. 97
تدبير ذي حنكٍ يفكر في غدٍ ... وهجوم غرٍّ لا يخاف عواقبا
الحنك: التجارب، ويجوز في تدبير، وهجوم: الرفع على خبر الابتداء المحذوف، كأن قائلاً قال: ما تلك العجائب؟ فقال: هي تدبير ذي حنك وهجوم غرٍّ، أو على الابتداء وحذف الخبر المقدم عليه، أي له تدبير ذي حنك. والنصب: بدلاً من عجائب. والغر: الذي لم يجرب الأمور.
يقول: له في السياسة تدبير ذي الرأي والتجربة، وفي الحروب إقدام الغر، الذي لم يجرب الأمور فلا يخشى العاقبة.
وعطاء مالٍ لو عداه طالبٌ ... أنفقته في أن تلاقي طالبا
روى: عطاء رفعاً ونصباً، على ما ذكرناه عداه: جاوزه من غير أن يأخذه.
يقول: له عطاء مال لو جاوزه طالب، لبذل ذلك المال في تحصيل من يطلبه ليأخذه.
خذ من ثناي عليك ما أسطيعه ... لا تلزمني في الثناء الواجبا
قصر ثناي: وهي واجبه المد قصر للضرورة وما أسطيعه: أصله ما أستطيعه، فحذف استخفافاً.
يقول: خذ من ثنائي عليك ما أقدر عليه، ولا تلزمني في مدحك ما تستحقه ويجب لك فليس ذلك في وسعي ولا يجب أن يحيط به وهمي وخاطري.
فلقد دهشت لما فعلت ودونه ... ما يدهش الملك الحفيظ الكاتبا
دهش الرجل: أي تحير، ودهشته وأدهشته: إذا حيرته.
يقول: خذ ما أقدر عليه وإلا تلزمني الواجب؛ لأني قد دهشت بما رأيت من صفاتك، وأقل ما أرى من فعلك يخير الملائكة الحفظة الكرام الكاتبين، مع قوتهم! فكيف أقدر أنا على الاستيفاء بالوصف! وكيف يحيط وصفي وعلمي بكنهك؟! وقال يمدح عمر بن سليمان الشرابي ويذكر حسن بلائه وهو يومئذ يتولى الفداء بين الروم والعرب
نرى عظماً بالصد والبين أعظم ... ونتهم الواشين والدمع منهم
الصد: الإعراض، مع قرب المسافة. والبين: البعد من حيث المسافة.
يقول: إنا نستعظم أمر الإعراض والهجر مع القرب، ولا نستعظم البين: الذي هو بعد المسافة، وهو أعظم منه، ونتهم الواشين في إظهار سرنا، والدمع من جملة الواشين؛ لأنه يفضحنا ويهتك أستارنا.
ومن لبه مع غيره كيف حاله؟ ... ومن سره في جفنه كيف يكتم؟!
يقول: من كان عقله مع غيره أي: مع المحبوبة. كيف حاله؟! لأنه إذا عدم عقله ولبه، لم يدر ما يقول ويسمع، ومن يكون سره في عينه كيف يكتمه! لأن العاشق لا يمكنه إمساك الدمع فيظهر سره بذلك.
ولما التقينا والنوى ورقيبنا ... غفولان عنا ظلت أبكي وتبسم
الواو: في قوله: والنوى ورقيبنا: واو الحال، والجملة في موضع نصب.
يقول: لما اجتمعت أنا والمحبوبة في حال ما كان النوى والرقيب غافلين عنا، ظلت أنا أبكي وأشكو إليها ما بي من الشوق والوجد، وهي تضحك من شكواي وبكائي تعجباً من حالي، ومسرةً بما ابتليت.
فلم أر بدراً ضاحكاً قبل وجهها ... ولم تر قبلي ميتاً يتكلم
شبهها بالبدر، وشبه نفسه بالميت. ثم ذكر متعجباً فقال: لم أر بدراً ضاحكاً قبل وجهها؛ لأن البدر لا يضحك، وهي بدر ضاحك، وكنت ميتاً، فلم أر قبل نفسي ميتاً يتكلم! لأني كنت أشكو إليها حالي وأتكلم به، وكنت ميتاً فالعجب من ذلك.
ظلومٌ كمتنيها لصبٍّ كخصرها ... ضعيف القوى من فعلها يتظلم
المتنان: لحمتان في الصلب، يكتنفان القفا. والخضر: معقد الإزار. والقوى: جمع القوة.
يقول: متنها قوي ممتلىء، وخصرها دقيق نحيف، فهي تظلم العشاق، كما يظلم متناها خصرها، لأنهما يكلفانها فوق طاقتها، وعاشقها ضعيف القوة كخصرها. وقوله: من فعلها يتظلم زيادة، ليس فيه كبير فائدة إلا إتمام البيت، ولو قال بدل المتن الردف لكان أولى؛ لأن المتن لا يوصف في الشعر بالعبارة والفخامة، وإنما يذكر بالاهتزاز والرشاقة، ويوصف الردف بالعظم. وهذا البيت مأخوذ من قول خالد الكاتب:
صباً كئيباً يتشكى الهوى ... كما اشتكى نصفك من نصفكا
بفرعٍ يعيد الليل والصبح نيرٌ ... ووجهٍ يعيد الصبح والليل مظلم
الباء في قوله: بفرع متعلقه بقوله ظلوم ويجوز أن يكون من الضمير الذي في ظلوم.
يقول: إنها ظلمتني حين فتنتني: بفرع أسود لو نشرته في النهار لصار ليلاً، وبوجه منير، لو أسفرت عنه ليلاً لصار نهاراً. والواو واو الحال في الموضعين.
فلو كان قلبي دارها كان خاليا ... ولكن جيش الشوق فيه عرمرم
стр. 98
يقول: لو كان قلبه دارها، كان خالياً كخلوها، ولكن قلبي وإن كان جارياً مجرى دارها من حيث أنه محلها فإنه مملوء بالشوق بل جيش الشوق فيه كثير. وروى: ولو كان قلبي خالياً كان دارها، وقيل: هذا أولى. ومعناه: لو كان قلبي عامراً بالشوق لكان دارها؛ لأن جسمي ناحل مثل رسومها وفؤادي محترق كاحتراق أثافيها غير أن جيش الشوق فيه عرمرم.
أثافٍ بها ما بالفؤاد من الصلى ... ورسمٌ كجسمي ناحلٌ متهدم
الأثافي: تثقل وتخفف، وهي الأحجار التي تنصب تحت القدر. والصلى: الاحتراق.
تقدير البيت ومعناه: أثافٍ بها من الاحتراق، ما بالفؤاد من النار والشوق. ورسم تلك الدار ناحل متهدم كجسمي في نحوله.
بللت بها ردني والغيم مسعدي ... وعبرته صرفٌ وفي عبرتي دم
الردن: طرف الكم. والصرف: أي الخالص.
يقول: وقفت على آثار هذه الدار، فبكيت حتى بللت كمي من دموعي، وكان الغيم في تلك الحال يساعدني على البكاء، غير أن دمع الغيم كان صافياً لا يمازجه دم، وكان دمعي ممزوج بالدم.
ولو لم يكن ما انهل في الخد من دمي ... لما كان محمراً يسيل فأسقم
يقول: إن الذي ينصب من عيني دم؛ لأنه لو لم يكن دماً لما كان أحمر، ولم أسقم كلما سال من جفني؛ لأن الدم هو الذي يسقم إذا أفرط سيلانه، ومثله:
وليس الذي يجري من العين ماءها ... ولكنه نفسٌ تذوب فتقطر
بنفسي الخيال الزائري بعد هجعةٍ ... وقولته لي: بعدنا الغمض تطعم
يجوز في الخيال: الرفع على الابتداء، أي الخيال مفدى بنفسي. والنصب على إضمار فعل النسبة: أي أفدي الخيال. وهكذا في قوله. والألف واللام في الزائري: بمعنى الذي. أي الذي زارني بعد ما نمت نومة، وأفدي قوله معاتباً لي: بعدنا تطعم النوم، أي أن الخيال عاتبني فقال لي: كيف تنام بعد مفارقتي؟! فنفسي فداؤه لهذا القول.
سلامٌ فلولا الخوف والبخل عنده ... لقلت: أبو حفصٍ علينا المسلم
أي قال الخيال: سلام. فهو حكاية لقوله. ويجوز أن يكون أراد بالسلام: السلامة، فيكون التقدير بنفسي قوله: أتنام بعدنا؟ وأراد: أن الخيال لما رآه نائماً ولى عنه مغاضباً، فأخبر عن انصرافه بالسلام، لأن العادة أن يسلم الإنسان على صاحبه عند الانصراف، ثم استأنف وقال: فلولا الخوف والبخل عنده: أي لولا أن هذا الخيال فيه خوف وبخل، لكان يشبه الممدوح في حسنه وبهائه وطيب سلامه، فكنت أقول: إن هذا المسلم هو أبو حفص؛ وإنما قال ذلك، لأن الخوف والبخل محمودان في النساء، لأنها إذا خافت لم تقدم على ما لا يحل، وإذا بخلت حفظت ماء وجهها ومال زوجها.
محب الندى الصابي إلى بذل ماله ... صبواً كما يصبو المحب المتيم
الصابي: المائل. والمتيم: الذي استعبده الحب. والتيم: العبد.
يقول: إنه عاشق لبذل ماله، عشقاً متناهياً، كما يعشق المحب المستعبد حبيبته.
وأقسم لولا أن في كل شعرةٍ ... له ضيغماً قلنا له: أنت ضيغم
الضيغم: هو الأسد. من الضغم وهو العض يقول: لا يمكننا تشبيهه بالأسد؛ لأن كل شعرةٍ منه تقوم مقام الأسد، فلولا هذا، لقلت: إنه الأسد.
أتنقصه من حظه وهو زائدٌ! ... ونبخسه والبخس شيءٌ محرم؟!
هذا البيت تمام معنى البيت الذي قبله يقول: أتنقصه من حظة بأن تسميه أسداً، وهو زائد عليه فنكون قد بخسته حقه، والبخس أمر محرم.
يجل عن التشبيه، لا الكف لجةٌ ... ولا هو ضرغامٌ ولا الرأي مخذم
الضرغام: الأسد. والمخذم: السيف القاطع.
يقول: هو يرتفع عن التشبيه، فكفه أكثر من لجة البحر، وقلبه أجرأ من الأسد، ورأيه أمضي من السيف القاطع، والإنسان يشبه في سخائه بالبحر، وفي شجاعته بالأسد، وفي مضائه بالسيف.
ولا جرحه يوسى، ولا غوره يرى ... ولا حده ينبو، ولا يتثلم
يقول: لا يداوي جرحه، ولا يرى غوره: أي لا تعلم كنه صفاته وحقيقة أمره، ولا ينبو حده، فجعل له حداً لمضائه، وجعل ذلك الحد لا ينبو عن الضريبة، بخلاف حد السيف، فإنه قد ينبو ولا يعمل، وقد يتثلم وينكر، وهذا لا ينكر ولا يتثلم.
ولا يبرم الأمر الذي هو حالل ... ولا يحلل الأمر الذي هو مبرم
стр. 99
أظهر التضعيف في حاللٌ ويحلل: للضرورة، والأصل في القياس الإدغام: يعني أنه إذا أحكم أمراً، لا يقدر أحد على حله، وإذا حل أمراً، لا يحكمه أحد.
ولا يرمح الأذيال من جبريةٍ ... ولا يخدم الدنيا، وإياه تخدم
لا يرمح الأذيال: أي لا يضربها برجله. وروى: ولا يسحب الأذيال.
يقول: إنه متواضع لا يسحب ذيله من التجبر والخيلاء، وأنه زاهد في الدنيا، تارك لها ولا يخدمها وهي تخدمه، مقبلة عليه جارية تحت أمره، منقادة إليه.
ولا يشتهي يبقى وتفنى هباته ... ولا يسلم الأعداء منه ويسلم
يقول: إنه لا يحب البقاء في الدنيا إلا للأفضال على الأولياء، وكذلك لا يحب أن يسلم أعداؤه ويسلم هو، بل يجب الانتقام منهم.
ألذ من الصهباء بالماء ذكره ... وأحسن من يسرٍ تلقاه معدم
الصهباء: الخمر البيضاء، المعصورة من العنب الأبيض.
يقول: ذكره؛ لتضمنه المحاسن، ألذ من الخمر الممزوج بالماء. وإنما قال ذلك؛ لأنها إذا مزجت بالماء كانت ألذ طعماً وأضعف سورة، وأحسن من الغنى بعد الفقر!
وأغرب من عنقاء في الطير شكله ... وأعوز من مسترفدٍ منه يحرم
العنقاء: اسم على غير مسمى، والعرب تزعم أنه طائر عظيم في عنقه بياض، وأنه بحيث لا يراه أحد، ولا يصل إليه. وقيل: إنه طائر ذهب فلم يبق في أيدي الناس غير اسمه. وإنما سمي عنقاء، لأن في عنقه بياض كالطوق. ويضرب المثل بالعنقاء في الشيء الذي لا يوصل إليه، فيقال: طارت به العنقاء وهو أعز وأغرب من العنقاء، ويقال له: عنقاء مغرب إضافة، وصفة، وإغرابها العادي: ذهابها في الطيران. والأعواز، والعوز: عدم الشيء.
يقول: مثل الممدوح في الناس أعز وجوداً، وأغرب من هذا الطائر الذي ليس له وجود، كذلك مثله أقل وجوداً من رجل يطلب عطاءه ورفده فيحرمه ويمنعه
وأكثر من بعد الأيادي أيادياً ... من القطر بعد القطر والوبل مثجم
مثجم: من أثجمت السماء، إذا دام مطرها. وأياديا: نصب على التمييز.
يقول: هو أكثر أيادياً بعد الأيادي من تتابع القطر في الوبل الدائم.
سني العطايا لو رأى نوم عينه ... من اللوم آلى أنه لا تهوم
التهويم: اختلاس أدنى النوم.
يقول: إنه كريم جواد، فلو ظن أن نومة يدنيه من البخل، حلف عليه ألا ينام، مع أنه شيء لا يقدر عليه.
ولو قال: هاتوا درهماً لم أجد به ... على سائل أعيا على الناس درهم
يقول: إن جميع ما في أيدي الناس من هباته، فلو طلب درهماً واحداً ليس من عطاياه لأعيا على الناس ذلك، لأنه لم يوجد ما ليس من مواهبه.
ولو ضر مرءاً قلبه ما يسره ... لأثر فيه بأسه والتكرم
الهاء في قلبه: للممدوح، وفي يسره للمرء.
يقول: إنه يسر بما فيه من البأس والشجاعة، فلو كان إنسان يضره ما يسره، لكان هذا الممدوح يضره بأسه وكرمه.
يروي بكالفرصاد في كل غارةٍ ... يتامى من الأغماد بيضاً ويوتم
الفرصاد: التوت وقوله: بكالفرصاد: أراد بدمٍ كالفرصاد حمرةً. وأراد باليتامى: سيوفاً فارقت أغمادها فصارت كاليتامى، وقيل: إنما قال ذلك؛ لأن أجفانها كسرت وفللت كأنها اليتامى.
يقول: يروى سيوفه عند كل غارة بدم الأعداء، وإنه يؤتم أولاد من قتله بهذه اليتامى التي هي السيوف، وقد روى: من الأغماد تنضى: أي تجرد.
إلى اليوم ماحط الفداء سروجه ... مذ الغزو سارٍ مسرج الخيل ملجم
الغزو: رفع: بالابتداء وخبره محذوف أي هذا الغزو واقع وكائن، لم يحط الفداء، والسعي بين العرب والروم بالصلح سروجه، من وقت الغزو إلى اليوم، فهو يسعى في ذلك، مسرجٌ خيله وملجم لها. ونسب الفعل إلى الفداء لأنه كان بسببه.
يشق بلاد الروم والنقع أبلقٌ ... بأسيافه والجو بالنقع أدهم
النقع: الغبار، وصفه بأنه أبلق، لبرق الحديد في خلاله، فقد اجتمع فيه السواد والبياض.
المعنى: أنه يقطع بلاد الروم وقد اسود الجو من غبار خيله، وبياض السيوف يلمع من خلال الغبار، فالجو أدهم: أي اسود بالغبار، والغبار أبلق بالسيوف، فأعلى الجو أسود، وأسفله بالسيوف أبلق.
إلى الملك الطاغي فكم من كتيبةٍ ... تساير منه حتفها وهي تعلم
стр. 100
إلى: يتعلق بقوله: يشق بلاد الروم إلى الملك الطاغي وهو ملك الروم، جعله طاغياً لكفره. والهاء في منه للممدوح، وفي حتفها للكتيبة.
يقول: هو يشق بلاد الروم إلى الملك الكافر، فكم من كتيبة لملك الروم تساير حول هذا الممدوح ومنه هلاكها، وهي تعلم ذلك لأنه كان يغير عليهم.
ومن عاتقٍ نصرانهٍ برزت له ... أسيلة خدٍّ عن قليلٍ ستلطم
العاتق: البكر. ونصرانة. أي نصرانية وروى عنه أنه قال: ربما أنشدت وعذراء نصرانية برزت له: أي لهذا الممدوح. للنظر إليه عند دخوله البلد، وقيل: بروزها هو خروجها مع الرجال إلى المعركة، وقيل: هو مفارقها.
يقول: كم من جاريةٍ عذراء نصرانية وضعت خوفاً من عسكره. وقوله: عن قليل ستلطم: يعني أنه يعاود الغزو فيقتل رجالها فتلطم وجهها، أو تسبى فتلطم عند السبي.
صفوفاً لليثٍ في ليوث حصونها ... متون المذاكي والوشيج المقوم
المذاكى: الخيل التي نمت أسنانها الواحد مذكى. والوشيج: الرماح، سمى به لتداخله. والمواشجة: المداخلة. وصفوفاً: نصب على الحال من عاتق وهي في معنى الجمع، لأن كم تدل على الكثرة. وقيل: هو حال من الكتيبة. أي أتت الكتائب حوله صفوفاً.
يقول: إن الكتيبة تساير هذا الممدوح صفوفاً، والعواتق وقفن صفوفاً، ينظرن إلى قائدٍ كأنه أسد في خيل كأنهم أسود، حصونها متون الأفراس، وأطراف الرماح، لا كالروم الذين يتحصنون بحصون المدر والأحجار. ومنه قول الآخر وهو:
أن الحصون الخيل لا مدر القرى
تغيب المنايا عنهم وهو غائبٌ ... وتقدم في ساحاتهم حين يقدم
ساحة الدار: أصلها، وأصله من الاتساع، والانبساط.
يقول: إذا غاب عنهم الممدوح غاب موتهم، فإذا عاد إلى ديارهم قدم عليهم موتهم فأهلكهم.
أجدك ما تنفك عانٍ تفكه ... عم ابن سليمانٍ ومالاً تقسم
أجدك: نصب على المصدر. أي أتجد جداً ومعناه: أيجد هذا الفعل. وقوله: عم ابن سليمانٍ: أي يا عمر بن سليمان، فرخمه. وهذا جائز على مذهب الكوفيين؛ إذا كان الاسم على ثلاثة أحرف، متحرك الأوسط، ولا يجوز عند البصريين إلا إذا زيد على ثلاثة أحرف، فيرد عليه الترخيم.
يقول: إنك أبداً في فكاك الأسرى وتفريق الأموال.
مكافيك من أوليت دين رسوله ... يداً لا تؤدي شكرها اليد والفم
أوليت فلاناً خيراً: أي فعلت به خيراً.
يقول: جزاك الذي أنعمت على دين رسوله، نعمة لأتقوم بشكرها اليد واللسان فلا يمكن لأحد مكافأته، ولا يقدر عليها إلا الله .
على مهلٍ إن كنت لست براحمٍ ... لنفسك من جودٍ فإنك ترحم
يقول: ارفق بنفسك ولا تتعبها في طلب المجد، وتحمل المؤن والكلف في الجود بالمال والنفس، فإنك تنفق مالك وتجود بنفسك، فإن كنت لا ترحم نفسك فإن الله يرحمك، وكذلك الناس لما أنت فيه من تكلف الجود بالنفس والمال.
محلك مقصودٌ وشانيك مفحمٌ ... ومثلك مفقودٌ ونيلك خضرم
الخضرم: الكثير.
يقول: محلك عامر بالقصاد، وعدوك مفحم لا يقدر على ذلك، ونظيرك مفقود، وعطاؤك كثير لا يكاد يحصى.
وزارك بي دون الملوك تحرجٌ ... إذا عن بحرٌ لم يجز لي التيمم
التحرج: ترك الحرج، وهو الإثم، وهو فاعل زارك.
يقول: حملني على زيارة تلك الملوك تحرز من الإثم، الذي يلزمني في تركي قصدك، وقصدي غيرك، لأن قصدك واجب لا يجوز العدول عنه إلى غيره، كما أنه إذا ظهر البحر، وأمكن الوصول إليه، لا يجوز العدول إلى التيمم. وهو مأخوذ من قوله تعالى: " فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً "
فعش لو فدى المملوك رباً بنفسه ... من الموت لم تفقد وفي الأرض مسلم
قوله: فعش دعاء.
يقول: لو فدى العبد مولاه بنفسه من الموت، لفداك المسلمون كلهم؛ لأنهم عبيدك، فكيف تفقد وفي الأرض مسلم؟! وقال يمدح عبد الواحد بن العباس بن أبي الأصبع الكاتب:
أركائب الأحباب إن الأدمعا ... تطس الخدود كما تطسن اليرمعا
تطس: أي تكسر، وتهد وترض. واليرمع: الحجارة: يقول: يا إبل الأحباب، إن الدموع تؤثر في الخد إذا جرت، وترضه، كما تفعلن أنتن بالأحجار، فإنكن تكسرنها من شدة وطئكن عليها. واليرمع: الحجارة الرخوة كالمدر يفتت باليد.
فاعرفن من حملت عليكن النوى ... وامشين هوناً في الأزمة خضعا
стр. 101
من حملت: مفعول فاعرفن وفاعله النوى والهون بالفتح: الرفق، وبالضم: الهوان.
يقول للركائب: اعرفن الذي حملته عليكن النوى: وهو البعد. واعرفن حقه وامشين له مشياً ليناً، لئلا تتعبنه. وذلك يدل على عظم حال من عليهن.
قد كان يمنعني الحياء من البكا ... فاليوم يمنعه البكا أن يمنعا
البكا: يمد ويقصر.
يقول: قد كان في أول أمري يمنعني الحياء من البكاء لفقد الأحباء، فالآن تزايد الحب وغلب البكاء الحياء ومنعه من منعي عن البكاء، فصار الحياء ممنوعاً بعد أن كان مانعاً. ومثله قول بعض الأعراب:
قد كنت أعلو الحب حيناً فلم يزل ... بي النفض والإبرام حتى علانيا
حتى كأن لكل عظم رنةً ... في جلده ولكل عرقٍ مدمعا
حول الكلام عن الإخبار عن النفس إلى الغيبة.
فقال: وقد بلغ البكاء إلى حدٍّ حتى صار يبكي جميع جسد العاشق، فصار كل عرق منه يجري الجمع، وكل عظم أو عضو يرن رنيناً من ألم الفراق! وشدة الاشتياق! ويجوز أن يكون الهاء راجعاً إلى كل عضو.
وكفى بمن فضح الجداية فاضحاً ... لمحبه وبمصرعي ذا مصرعا
الجداية: الغزالة. ومن: في موضع الرفع، لأنه فاعل كفى ويجوز أن يكون فاضحاً تمييزاً أو حالاً، وذا في موضع الجر؛ لأنه بدل من مصرعي ومصرعاً نصب على التمييز. والمصرع: يجوز أن يكون اسماً، ومصدراً. وكلاهما محتمل في البيت.
يقول: كفى بمن فضح الغزالة بحسن جيده وعينه أن يكون فاضحاً لمحبه، وكفى بمصرعي هذا مصرعاً.
المعنى: أنه إذا فضح الغزالة، فليس بعجب أن يفضحني في حبه، وكفاني مصرعي يوم فراق من هذه حاله.
سفرت وبرقعها الفراق بصفرةٍ ... سترت محاجرها ولم تك برقعا
روى: الحياء والفراق.
يقول: هذه المرأة سفرت وجهها ومحاجرها، وقامت لها مقام البرقع، ولم تكن هذه صفرة برقعها.
فكأنها والدمع يقطر فوقها ... ذهبٌ بسمطي لؤلؤٍ قد رصعا
الهاء، في كأنها للصفرة وفي فوقها للمحاجر. ويجوز أن يكون في فوقها للصفرة أيضاً. والسمط: اسم لكل جانب من جوانب القلادة.
يقول: كأن صفرة وجهها والدمع فوقها، قلادة من ذهب رصع بلؤلؤ. وشبه الصفرة بالذهب والدمع باللؤلؤ لصفائه ورقته
كشفت ثلاث ذوائبٍ من شعرها ... في ليلةٍ فأرت ليالي أربعا
وروى: نشرت يقول: كشفت ثلاث ظلم، فصارت الليالي أربعاً. شبه كل ذؤابة منها بليلة لسوادها، ولم يجعلها قطعة من الليل؛ دلالة على كثرة الشعر ووفور السواد.
واستقبلت قمر السماء بوجهها ... فأرتني القمرين في وقتٍ معا
يقول: استقبلت القمر بوجهها، وهو قمر أيضاً، فأرتني قمرين معاً، أحدهما قمر السماء، والثاني وجهها. ومعاً: نصب على الحال، أي مصطحبين. وقيل: أراد بالقمرين الشمس والقمر. فكأنه يقول: أرتني الشمس والقمر معاً في وجه واحد وجعل وجهها شمساً للمبالغة.
ردي الوصال سقى طلولك عارضٌ ... لو كان وصلك مثله ما أقشعا
روى: ما أقشع وما أقلع فاعله ضمير وصلك والهاء في مثله للعارض وهو السحاب.
يقول: ارجعي إلى الوصال الذي كان بيننا، ثم دعا لها أن يسقى طلولها سحابٌ دائم لا انقطاع له، ولو كان وصلك مثله أي مثل هذا السحاب في الإدامة ما أقشع ذلك الوصل.
زجلٌ يريك الجو ناراً، والملا ... كالبحر والتلعات روضاً ممرعاً
زجل: صفة السحاب أي ذي صوت وهو الرعد. والملا: المكان الواسع، وأراد الأرض. والتلعات: جمع تلعة وهي المكان المرتفع. والممرع: الخصيب.
يقول: سقى طلولك سحابٌ ذو رعدٍ، يريك الجو ناراً؛ من كثرة بروقه، ويريك الأرض الواسعة كالبحر؛ من كثرة مائه، ويريك التلعات معشبةً ممرعة كأنها روضة مريضة مخصبة.
كبنان عبد الواحد الغدق الذي ... أروى، وآمن من يشاء، وأفزعا
الغدق: الكثير، وهو صفة البنان. وروى وأفزعا وأجزعا شبه بنان الممدوح بسحابٍ هذه صفته، ثم أخذ في وصف البنان بأنه غدق يروى كل أحد ويؤمن من يشاء ويخيف. وصفه بغاية السخاء وغاية الفتوة والعلا، وهذا تحقيق. التشبيه بالسحاب لأنه يروي البلاد والعباد ويأتي بالغيث الذي هو رحمة، وبالصاعقة التي هي نقمة.
ألف المروءة مذ نشا فكأنه ... سقي اللبان بها صبياً مرضعا
اللبان: اللبن وقيل: هو جمع اللبن، ونصب صبياً على الحال.
стр. 102
يقول: إنه اعتاد المروءة من صغره؛ فكأنما سقى بها اللبن وهو يرضع، أي كأنه رضع المروءة من لبن أمه
نظمت مواهبه عليه تمائماً ... فاعتادها فإذا سقطن تفزعا
روى نظمت على ما لم يسم فاعله ومواهبه اسمه، والمفعول الأول القائم مقام الفاعل. وتمائما نصب على أنه المفعول الثاني. هذه رواية ابن جنى. قال: ومعناه أن اعتقاده أن مواهبه تقيه من الذم كاعتقاد التمائم أنها تقيه من الآفات، فإذا خلا من مواهبه يفزع كما يفزع ذو التمائم إذا سقطت تمائمه.
وروى نظمت على الفعل المسند إلى الفاعل. وفاعله المواهب، والتمائم المفعول. والمعنى: مواهبه حصلت له من الحمد والثناء وأدعيه السؤال، ما هو كالتمائم، فهو إذا خلا من ذلك أنكر ذلك، وفزع من سقط تميمته. وروى: عقدت مواهبه.
ترك الصنائع كالقواطع بارقا ... تٍ والمعالي كالعوالي شرعا
الصنائع: النعم. والعوالي: جمع عالية، وهي الرمح الأعلى. والشرع: الممدودة المقومة نحو الأعداء. وبارقات وشع: نصب على الحال. وقيل: لأنه مفعول ثانٍ لترك.
يقول: أظهر الصنائع حتى صارت كالسيوف اللامعات، ورفع المعالي حتى جعلها كالرماح الشرع إلى الأعداء.
متبسماً لعفاته عن واضحٍ ... تغشي لوامعه البروق اللمعا
روى تغشى بالغين: أي تستر وتعشى: أي تظلم وتورث العشي. ونصب مبتسماً على الحال من قوله: ترك الصنائع بارقات وهو مبتسم، ويجوز نصبه على المدح بفعل مضمر، أي أعني مبتسماً. وقوله: عن واضح أي عن ثغر واضح، والمفعول الثاني من تغشى محذوف، أي تغشى لوامعه البروق برقها.
يقول: إنه يلقى سائليه مبتسماً ضاحكاً عن ثغر واضح يغلب لمعانه لمعان البرق اللامع.
متكشفاً لعداته عن سطوةٍ ... لو حك منكبها السماء لزعزعا
متكشفاً: بدل من قوله: متبسماً ويجوز فيه وجه آخر، وهو أن يكون حالاً من الضمير في متبسماً فيكون العامل متبسماً. وفاعل زعزع ضمير منكبها أي حركها، ومنكبها: جانبها أو بعضٌ منها.
يقول: إنه يلقى عفاته مبتسماً في حال ظهوره لأعدائه أي مكاشفتهم بالعداوة، وله سطوة لوحك بعض منها السماء لحركها.
وإن شئت قطعت الثاني عن الأول فيجوز فيه الرفع على إضمار المبتدأ وكذلك في متبسماً.
الحازم اليقظ الأغر العالم ال ... فطن الألد الأريحي الأروعا
الكاتب اللبق الخطيب الواهب ال ... ندس اللبيب الهبرزي المصقعا
الحازم: الجامع للأطراف، الذي أحواله كلها مجموعة. واليقظ: الكثير التيقظ في الأمور. والأغر: الأبيض. والفطن: العالم بدقائق الأمور. والألد: شديد الخصومة العالم بها. والأريحي: الذي يهتز للعطاء. والأروع: الذي يروعك بجماله.
والندس: الفطن المتجاسر على الأمور. والهبرزي: الخالص الكرم والأصل. وقيل: هو الذي يبرز البدائع من مجده. والمصقع: الفصيح. وهذه الصفات كلها نصب على المدح.
نفسٌ لها خلق الزمان لأنه ... مفني النفوس مفرقٌ ما جمعا
نفسٌ: خبر ابتداء محذوف، أي هي نفسٌ، أو ابتداء وخبره محذوف، أي له نفس.
يقول: إنه يفرق ما جمعه من المال ويفني بالقتل أعداءه فخلقه كخلق الزمان.
بيدٍ لها كرم الغمام لأنه ... يسقي العمارة والمكان البلقعا
يقول: إنه يعم الخاص والعام بجوده، فيشبه الغمام الذي يسقي المكان العامر والخالي.
أبداً يصدع شعب وفرٍ وافرٍ ... ويلم شعب مكارمٍ متصدعا
الشعب الأول: هو الجمع. والثاني هو التفريق.
يقول: إنه يفرق ما اجتمع عنده من الأموال؛ ليجمع بتفريقه ماتفرق من المكارم، فهذا دأبه أبدا.
يهتز للجدوى اهتزاز مهندٍ ... يوم الرجاء هززته يوم الوعى
الوعى غير معجم بمعنى الوغى بالإعجام: وهو الحرب. وتقديره يهتز للجدوى يوم الرجاء اهتزاز مهند هززته يوم الوغى.
يقول: يهتز للعطاء كاهتزاز السيف للحرب.
يا مغنياً أمل الفقير لقاؤه ... ودعاؤه بعد الصلاة إذا دعا
يا مغنياً: نصب لأنه نداء نكرة، وأمل الفقير: مبتدأ. ولقاؤه: خبره.
والجملة في موضع نصب؛ لأنها صفة للنكرة المناداة.
يقول: يا من علا الناس بمواهبه، فكل فقير يرجو لقاءه ويدعو الله تعالى بعد صلاته، أن يجمع بينه وبينه؛ ليغنيه مثل غيره.
أقصره ولست بمقصرٍ، جزت المدى ... وبلغت حيث النجم تحتك فأربعا
стр. 103
أقصر الرجل عن الأمر: إذا تركه. وقوله: فأربعا أراد فأربعن فأبدل النون ألفاً. ومعناه: أقم.
يقول: أقصر وأقم فقد تجاوزت الغاية من المجد، وبلغت مكاناً فوق النجم، فاترك سعيك فليس وراءه غاية. وقوله: فلست بمقصر. أي أقصر فإنك إذا قصرت بعد تجاوز الغاية فلست بمقصر في الحقيقة، إذ ليس بعد الغاية غاية. وقيل: أراد أقصر، أنا أعلم أنك لا تقصر، ولا تقبل مني ذلك.
وحللت من شرف الفعال مواضعاً ... لم يحلل الثقلان منها موضعا
وروى: من شرف المعالي.
يقول: قد نزلت من الشرف والكرم منازل كثيرة لا يقدر الثقلان أن ينزلوا واحداً منها.
وحويت فضلهما وما طمع امرؤٌ ... فيه، ولا طمع امرؤٌ أن يطمعا
يقول: قد جمعت فضائل الجن والإنس، وما طمع أحد في ذلك الفضل؛ لأنه لم يكن في أحد من الخصال مثل ما فيك، ولا خطر ببال أحد.
نفذ القضاء بما أردت كأنه ... لك، كلما أزمعت شيئاً أزمعا
وروى: بعد القضاء.
يقول: إن القضاء يتصرف بإرادتك، فكأنه لك أي كأنه قضاؤك، وأنت تملكه، فكلما عزمت على شيء يعزم هو أيضاً عليه، متابعة لك.
وأطاعك الدهر العصي كأنه ... عبدٌ إذا ناديت لبى مسرعا
وروى: أرادك الدهر.
يقول: إن الدهر الذي لا يطيع أحداً، أطاعك! حتى كأنه عبدك، إذ ناديت أجابك مسرعاً بالتلبية والإجابة.
أكلت مفاخرك المفاخر وانثنت ... عن شأوهن مطي وصفي ظلعا
ظلع: أي عجز.
يقول: إن مفاخرك أبطلت مفاخر الخلق، فكأنها أكلتها ورجعت مطيات وصفي عن غايات تلك المفاخر، ظالعة معييةً بها.
وجرين جري الشمس في أفلاكها ... فقطعن مغربها وجزن المطلعا
الهاء في أفلاكها ومغربها للشمس.
يقول: إن مفاخرك في الدنيا كجري الشمس، فقطعت المغرب وجازت المشرق وبلغت حيث تبلغ الشمس. وإنما قال: في أفلاكها أراد إجرائه.
لو نيطت الدنيا بأخرى مثلها ... لعممنها وخشين ألا تقنعا
نيطت: أي وصلت. كناية في عممنها للمفاخر. والثاني في ألا تقنعا. ويجوز أن يكون للخطاب، ويجوز أن يكون فعل المفاخر. وقوله: وخشين. يجوز أن يكون للمفاخر، ويجوز أن يكون فعل الدنيا الموصولة بدنيا أخرى وما فيها. فأورده على الجمع.
يقول: لو وصلت هذه الدنيا بأخرى مثلها لعمتها مفاخرك، وخشيت مفاخرك الدنيا وما فيها، ألا تقنع أنت ومفاخرك بها.
فمتى يكذب مدعٍ لك فوق ذا ... والله يشهد أن حقاً ما ادعى
روى: يكذب بالرفع على الاستفهام. والله بالواو وهو الأولى لأن ما بعده من البيت يدل عليه. وروى يكذب بالجزم على الجزاء. فالله بالفاء على الجواب. ومعناه على الاستفهام.
يقول: متى يمكن أن يكون من ادعى لك فوق الذي قلت مكذباً؟! لأن الله يشهد أن ما ادعاه لك حق.
وعلى الجزم، معناه: متى ادعى لك مدع فوق هذا وكذب هذا المدعي، فالله يشهد أن ما يدعيه حق وأنه صادق.
ومتى يودي شرح حالك ناطقٌ ... حفظ القليل النزر مما ضيعا
النزر، والقليل: بمعنىً واحد. وجمع بينهما لاختلاف لفظهما، أو للمبالغة.
يقول: متى يقدر ناطق على شرح حالك؟! فإن علمه لا يحيط بكنه صفاتك، ومتى ظن أنه استوفى حالك، كان قد حفظ اليسير مما ضيع، فإن ما ضيعه كثير وما حفظه يسير.
إن كان لا يدعى الفتى إلا كذا ... رجلاً فسم الناس طراً إصبعا
تقديره: إن كان لا يدعى الفتى رجلاً إلا كذا، فالفتى؛ اسم ما لم يسم فاعله، ورجلاً خبره، وطراً نصب على الحال. وقيل: على المصدر. أي: فسم الناس إذا طررتهم طراً: أي جمعتهم جمعاً.
يقول: إن كان لا يدعى الفتى رجلاً إلا إذا كان مثل هذا الممدوح، فيجب أن تسمى جميع الناس إصبعا؛ لأنهم بالإضافة إليه كالإصبع من الجسد، فإذا كان اسمه رجلاً، فاسمهم كلهم الأصبع.
أو كان لا يسعى لجودٍ ماجدٌ ... إلا كذا فالغيث أبخل من سعى
قوله: فالغيث أبخل من سعى ومن للعقلاء، والغيث ليس منهم؛ وإنما حسن ذلك لوجهين: أحدهما: لأن المعنى أبخل الساعين، وهذا يعم من يعقل ومن لا يعقل، فغلب من يعقل كقوله تعالى: " والله خلق كل دابةٍ من ماءٍ " إلى آخره.
والثاني: وهو أن السعي لما كان من صفات العقلاء وقد استعمل في الغيث، أطلق عليه لفظ العقلاء لقوله تعالى: " والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ".
стр. 104
يقول: إن كان السعي في طلب المجد والجود، لا يعد سعياً حتى يكون مثل سعيك، فالغيث المضروب به المثل في الجود، أبخل الساعين؛ لبعده عن بلوغ غايتك وكونك فقته.
قد خلف العباس غرتك ابنه ... مرأى لنا وإلى القيامة مسمعا
يقول: يابن عباس. إن أباك قد خلف غرتك خلفاً منه وعوضاً عن رؤيته إلى يوم القيامة، فإذا رأيناك فكأنا رأيناه، وإذا سمعناك، فقد سمعناه.
واجتاز بمكان في بعض أسفاره بالليل، يعرف بالفراديس، فسمع زئير الأسد فقال يخاطبه:
أجارك يا أسد الفراديس مكرم؟ ... فتسكن نفسي، أم مهانٌ فمسلم؟
فتسكن نفسي: نصب لأنه جواب الاستفهام فنصبه بالفاء.
يقول: يا أسد الفراديس وهو رستاقٌ بدمشق أجارك مكرم حتى تسكن نفسي إليكن؟ أم مهانٌ فمسلمٌ إلى أعدائه.
وحكى عنه أنه قال: ما كانت نفسي نافرة فتسكن، وإنما قلت: فأعلم حقاً.
ورائي وقدامي عداةٌ كثيرةٌ ... أحاذر من لصٍ ومنك ومنهم
يقول: قد أحاط بي من قدامي وورائي، أشياء محذورة، فأعداءٌ أحاذرهم، ولصٌّ أخاف قطعه طريقي، وأسودٌ أحاذرها وأسمع زئيرها.
فهل لك في حلفي على ما أريده ... فإني بأسباب المعيشة أعلم؟
الحلف: من المحالفة، وهي المعاهدة.
يقول للأسود: هل تتحالفين معي على ما أريد من طلب الولاية، فإني مثلك في الافتراس والشجاعة، ولي فضل عليك من جهة أني أعلم بأسباب المعيشة ووجوه المكاسب، منك.
إذاً لأتاك الرزق من كل وجهةٍ ... وأثريت مما تغنمين وأغنم
يقول: لو حالفتني لأتاك الرزق من كل ناحية، فكنت أنت تكسبين من جهةٍ، وأنا أكتسب من جهة، فيكثر ما لنا ويتسع رزقنا.
وقال يمدح عبد الرحمن بن المبارك الأنطاكي:
صلة الهجر لي وهجر الوصال ... نكساني في السقم نكس الهلال
النكس بالفتح أولى، وهو مصدر نكسته والنكس بالضم. أكثر ما يستعمل في عود المرض بعد زواله، وروى ذلك أيضاً في البيت.
والمعنى: أن مواصلة الهجر لي، وهجران الوصال، رداني إلى السقم والنحول، مثل الهلال ينكس إلى النحول بعد الكمال على التدريج، فكأنه يقول كنت صحيح الجسم كامل الخلق فصرت كالهلال.
فغدا الجسم ناقصاً والذي ين ... قص منه يزيد في بلبالي
البلبال: الهم والحزن. وقيل: الاضطراب والتحير.
يقول: قد نحل جسمي، ونقصت أجزاؤه! وما ينقص من الجسم يزيد في الحزن بقدر ما نقص منه!
قف على الدمنتين بالدو من ريا ... كخالٍ في وجنةٍ جنب خال
الدمنة: البعر الملبد، والرماد المتراكم بعضه على بعض. والدو: الصحراء المستوية سميت بذلك لدوي الرياح فيها. وريا: اسم محبوبته. وإنما سمى الدمنتين؛ لأن من عادات العرب ينزلون موضعاً فإذا نفذ ماؤه وتلونت أرضه، انتقلوا إلى موضع آخر.
يقول لنفسه، قف على ما بين الدمنتين في الدو، من دو ريا. فكأنهما خالان في وجنة المحبوبة، أحدهما في جنب الآخر. شبه سواد البعر والرماد في عرصة الدار، بخالٍ في وجنة المحبوبة. وقال في جنب خال. وأراد منه حبيبته، إنها تحسن في عينه كالخيال على الخد.
بطلولٍ كأنهن نجومٌ ... في عراصٍ كأنهن ليالي
الطلول: ما شخص من آثار الديار: كالوتد، والحوض. العرصة: ساحة الدار. والباء في بطلولٍ. في موضع الحال، من قوله: كخال في وجنة. والعامل فيه معنى التشبيه، ويجوز أن يكون بدلاً من الدمنتين، أي قف بطلول في موضع الحال. شبه الأطلال بالنجوم، لأنه اهتدى بها إلى دار حبيبته كما يهتدي بالنجوم، أو لأن الأمطار غسلتها فبيضتها فصارت كالنجوم، وشبه العراص بالليالي؛ لخلائها ووحشتها ولما فيها من الرماد المحترق، وأشار أنه لا خير فيها.
ونؤيٍّ كأنهن عليهن ... خدامٌ خرسٌ بسوقٍ خدال
النوي: جمع النوى، وهو حاجز يحفر حول الخيمة لمنع المطر أن يدخل إليها. والخدام: جمع الخدمة، وهي الخلخال. والسوق: جمع ساق. والخدال: جمع الخدلة، وهي الممتلئة. والهاء في كأنهن: للنؤي، وفي عليهن: للعراص. شبه النؤي بالخلخال؛ لاستدارته حول الخيمة، وشبه موضع البيت بالساق الخدله؛ لامتلائه من الطيف، يوم ارتحال أهله عنه، وجعل الخدام خرساً؛ لأنها لا صوت لها كما لا صوت للنؤي.
لا تلمني فإنني أعشق العشا ... ق فيها يا أعذل العذال
الهاء: ضمير العرصة، والطلول.
стр. 105
يقول: لا تلمني على الوقوف بهذه الأطلال؛ فإني أعشق العشاق؛ وإن كنت أعذل العذال. وفيها: متعلق بقوله: لا تلمني وإن شئت بقوله لا تلمني بالعذال. أو بقوله: فإني أعشق العشاق فيها.
ما تريد النوى من الحية الذوا ... ق حر الفلا وبرد الظلال؟
يقول: أي شيء تريد النوى مني؟ وأنا كالحية الذواق، قد تعودت قطع الفلا، وقاسيت حرها وبرد ظلالها. يعني: أني لا أبالي بالنوى؛ لتعودي الأسفار.
فهو أمضى في الروع من ملك المو ... ت وأسرى في ظلمةٍ من خيال
يقول: هذه الحية الذواق يعني: نفسه أمضى في الحرب وأكثر إتلافاً للنفوس من ملك الموت، وأسرى في ظلمة الليل من الخيال، فلا ترده الظلمات.
ولحتفٍ في العز يدنو محبٌّ ... ولعمر يطول في الذل قال
تقديره: هو محب لحتفٍ يدنو في العز. وهو قالٍ لعمرٍ يطول في الذل.
يعني: أنه يحب العز؛ وإن كان مع الحتف، ويبغض العمر؛ وإن كان مع الذل.
نحن ركبٌ ملجن في زي ناسٍ ... فوق طيرٍ لها شخوص الجمال
قوله: ملجن أي من الجن. فحذف النون؛ لسكونها وسكون اللام من الجن.
يقول: نحن ركب نشبه الجن في أفعالها للزومنا المفاوز، وإن كنا في صورة الإنس، ورواحلنا تشبه الطير؛ لسرعة سيرها، وإن كانت في صورة الجمال.
من بنات الجديل تمشي بنا في البي ... د مشي الأيام في الآجال
الجديل: فحل كريم تنسب إليه كرائم الإبل. وهي تمشي بنا في الفلوات، وتفنيها شيئاً فشيئاً، كما تمشي الأيام في الآجال فتفنيها جزءًا فجزءًا.
كل هوجاء للدياميم فيها ... أثر النار في سليط الذبال
الهوجاء: في الأصل المجنونة، وهي ها هنا: الناقة التي ترمي بنفسها في المسير، من النشاط كأنها هوجاء، ولا يوصف الذكر بها. فلا يقال: بعير أهوج. والدياميم: جمع ديمومة وهي الفلاة. والسليط: قيل: هو السراج. وقيل: هو دهن الزيت. والذبال: جمع ذبالة، وهي الفتيلة.
يقول: كل واحد من هذه الرواحل هوجاء، قد أثر المفاوز فيها وأهزلها وأخذ لحمها؛ كما تأخذ النار دهن الفتيلة وتفنيه.
عامداتٍ للبدر والبحر والضر ... غامة ابن المبارك المفضال
يجوز في عامداتٍ الجر: على البدل من هوجاء. والرفع: على إضمار المبتدأ. والنصب: على الحال. والعامل، ما في الجملة من قوله: للدياميم فيها. أي بمنزله الدياميم عامدات.
يقول: إن هذه الرواحل يقصدون ابن المبارك، الذي هو كالبدر جمالاًن وكالبحر سخاءً، وكالأسد شجاعة وإقداماً، وهو كثير الفضل غزير الإحسان.
من يزره يزر سليمان في المل ... لك جلالاً ويوسفاً في الجمال
وربيعاً يضاحك الغيث فيه ... زهر الشكر في رياض المعالي
جلالاً: نصب على التمييز. وربيعاً: عطف على قوله: يزر سليمان فكأنه قال: ويزر ربيعاً. وجعله ربيعاً؛ لانتفاع الناس فيه وبسببه وعطائه، ولما جعله ربيعاً، جعل رياضه المعالي، وزهرها الشكر والثناء، يعني أنه ربيع يسقي رياض المعالي، الغيث جوده، وزهر تلك الرياض الشكر. ويجوز أن يكون أراد شكر الناس. فشبه جوده بالغيث، وشكرهم بالزهر ومعاليه بالرياض.
نفحتنا منه الصبا بنسيم ... رد روحاً في ميت الآمال
نفحتنا: أي هبت علينا دفعة بعد دفعة. والنسيم: الريح اللينة في هبوبها.
يقول: كانت أمالنا منقطعة عن الناس لبخلهم، فهبت الصبا علينا، بنسيم هذا الربيع، ورد الروح في آمالنا الميتة وأحيتها بعد موتها. وأراد بالنسيم: إشاعة جوده واشتهار كرمه.
هم عبد الرحمن نفع الموالي ... وبوار الأعداء والأموال
يقول: همه مقصور على الإحسان إلى الأولياء، وإهلاك الأموال والأعداء في وجوه البر، واقتناء الحمد والمجد والذخر، ولا يشتغل بغير ذلك من اللهو وجمع الأموال.
أكبر العيب عنده البخل والطع ... ن عليه التشبيه بالرئبال
الرئبال: الأسد.
يقول: إن أكبر العيب عنده البخل، لفرط جوده، وهو شجاع، فإن شبهته بالأسد فقد طعنت فيه؛ لأنه أشجع من الأسد. ويجوز أن يريد: أن من أراد أن يطعن عليه، يمكنه ألا يشبهه بالأسد. وهذا ليس بطعن في الحقيقة.
والجراحات عنده نغماتٌ ... سبقت قبل سيبه بسؤال
стр. 106
يقول: إن عادته في تقديم النوال على السؤال، فإذا سمع نغمات السائل قبل العطاء، تألم منها كما يتألم من الجراحات، وتؤثر تلك النغمات فيه تأثير الجراحات؛ تأسفاً على سبق السؤال على الإعطاء. وقيل: أراد أن يلتذ بالجراحات في الحروب التذاذه بنغمات السؤال. يمدحه بالسخاء والشجاعة.
ذا السراج المنير هذا النقي ال ... جيب هذا بقية الأبدال
الأبدال: زهاد الدنيا. ويقال: إن الأرض لا تخلو منهم. أربعون منهم في الشام، وثلاثون في سائر الأرض، وسمو أبدالاً؛ لأنهم إذا مات أحدهم أبدل الله مكانه آخر!! وقوله النقي الجيب: أي سليم القلب، من الغش والخيانة. يصفه بالاشتهار كالسراج المنير، وبسلامة القلب؛ وبأنه من أولياء الله تعالى، الذين بهم بقاء الدنيا وقوامها.
فخذا ماء رجله وانضحا في ال ... مدن تأمن بوائق الزلزال
البوائق: جمع البائقة، وهي الداهية، وروى: تأمن، وتؤمن.
يقول: إنه ولي الله تعالى، فلو رش الماء الذي غسل به رجله في المدن والبلدان، لأمنت من الزلزال. وقيل: أراد أن الأرض لا تستقل من طيه إياها، هيبةً منه، فلو أخذ الماء الذي غسل به رجله ورش عليها لسكنت من هيبته.
وامسحا ثوبه البقير على دا ... ئكما تشفيا من الإعلال
البقير: القميص الذي لا كم له. وقيل: هو الفرجي؛ لأنه يبقر مقدمه.
يقول: إن العليل إذا مسح ثوبه شفي من جميع الأدواء.
مالئاً من نواله الشرق والغر ... ب ومن خوفه قلوب الرجال
قابضاً كفه اليمين على الدن ... يا ولو شاء حازها بالشمال
مالئاً وقابضاً: نصبا على المدح. وقيل: على الحال من قوله: هذا بقية الأبدال أي يكون هذا على هذه الأحوال.
يقول: إنه قد ملأ الأرض كلها من عطاياه، واستولى عليها شرقاً وغرباً، وملأ من خوفه قلوب الناس. وقبض عن الدنيا كفه، زاهداً عنها، ولو شاء لنالها بأهون سعيٍ، فالرواية على هذا: عن الدنيا.
وقيل: أراد أنه استولى على الدنيا كلها بيمينه، ولو شاء لأخذها بأصغر الأخذ. وهو المراد بقوله بالشمال. والرواية على هذا: على الدنيا.
نفسه جيشه وتدبيره النص ... ر وألحاظه الظبا والعوالي
يقول: إنه وحده يقوم مقام الجيش، وتدبيره بنفسه يقوم مقام النصرة، ورأيه ولحظاته تقوم مقام السيوف والرماح.
وله في جماجم المال ضربٌ ... وقعه في جماجم الأبطال
الجمجمة: عظم الرأس.
يقول: إذا فرق ماله بالهبات، فإنه يقصد الأبطال ويضرب جماجمهم بالسيف، ويسلب أموالهم. فالضرب الواقع في جماجم الأموال، هو الواقع في رءوس الأبطال.
فهم لاتقائه الدهر في يو ... م نزالٍ وليس يوم نزال
فهم: راجع إلى الأبطال. يعني: أن الأبطال يخافون منه أبداً، فكأنهم طول الدهر في قتال؛ لخوفهم منه، وإن لم يكن قتال. والدهر نصب على الظرفية.
رجلق طينه من العنبر الور ... د وطين العباد من صلصال
العنبر الورد: الذي يضرب إلى الحمرة، ومنه العنبر الأشهب: الذي يضرب إلى البياض، وهما جيدان. والأسود رديء. والصلصال: طين يابس، وهو الذي له صوت.
يقول: إن طينه الذي خلق منه، عنبر الورد، وطين غيره من صلصال، فله فضل على الناس.
فبقيات طينه لاقت الما ... ء فصارت عذوبةً في الزلال
يقول: إنه لما خلق، بقيت من طينته بقية، فخالطت الماء، فصارت تلك البقية عذوبةً في الماء الزلال، ولولاها لكانت كماء البحر.
وبقايا وقاره عافت النا ... س فصارت ركانةً في الجبال
يقول: إن بقايا وقاره وسكونه وهيبته، كرهت الناس فلم ترض بهم؛ لعلمها أنهم لا يستحقونها، فتحولت إلى الجبال فصارت سكوناً فيها.
لست ممن يغره حبك السل ... م وألا ترى شهود القتال
روى: بفتح التاء في ترى. وشهود بضم الشين. وروى: بالضم والفتح.
يقول: لست ممن يغتر بأنك تحب السلم، أي الصلح وألا تختار شهود القتال. وعلى الرواية الأخرى وألا ترى شاهد القتال. فشهود. فعول: بمعنى فاعل.
ذاك شيءٌ كفاكه عيش شان ... يك ذليلاً وقلة الأشكال
يقول: ذاك الشيء، أي ترك القتال، كفاكه ذلة مبغضيك وقلة من يشابهك؛ لأن أعداءك ذلوا وقلوا وأمثاله فقدوا، فليس يوجد أحد يقاومك وكفيت أمر الحرب بهذا الوجه، فلا تحتاج إلى القتال.
стр. 107
واغتفارٌ لو غير السخط منه ... جعلت هامهم نعال النعال
واغتفار: عطف على قوله: عيش شانيك.
يقول: كفاك الحرب اغتفارك ذنوب أعدائك، ولو غير السخط والغضب ذلك الاغتفار واستولى عليه، لجعل أعداءك نعالاً لنعال الأفراس، ولدستهم بخيلك.
لجيادٍ يدخلن في الحرب أعرا ... ءً ويخرجن من دمٍ في جلال
وروى: لجيادٍ وبجياد وهو من تمام البيت الذي قبله، أي تجعلهم نعالاً لنعال جياد، أو تطأهم بجياد تدخل في الحرب أعراء: أي عارية، فتكتسي بالدم فترجع والدم قد غطاها، فكأنها في جلال: أي لابسة جلالاً.
واستعار الحديد لوناً وألقى ... لونه في ذوائب الأطفال
هذا البيت معطوف على قوله: جعلت هامهم. يعني: أن السيوف كانت تختضب بالدم، فتستعير لوناً غير لونها، وألقى لونها البياض على ذوائب الأطفال؛ لأنها كانت تشيبهم من الخوف، وهذا مأخوذ من قوله تعالى: " يوماً يجعل الولدان شيباً " قال البخاري؟: معناه: أنه يقتل الآباء، ويؤتم الأولاد؛ فيشيبون من الحزن والخوف!
أنت طوراً أمر من ناقع السم ... وطوراً أحلى من السلسال
السم الناقع: هو القاتل لوقته. والسلسال: الماء العذب، السهل في الحلق.
يقول: أنت في حالٍ أمر من السم القاتل، وفي حالٍ أطيب من الماء العذب السائغ.
إنما الناس حيث أنت وما النا ... س بناسٍ في موضعٍ منك خال
يقول: أنت كل الناس، فإذا غبت عن موضع فقد غاب الناس كلهم. وقيل: إنما صار الناس ناساً، إذا كنت فيهم؛ لأنهم يأتمون بك، وكل موضع خلا منك، فأهله لا تعد من الناس.
وقال يمدح أبا علي هارون بن عبد العزي الأوراجي الكاتب:
أمن ازديارك في الدجى الرقباء ... إذ حيث أنت من الظلام ضياء
أمن: فعل ماضٍ، من الأمن، والازديار: افتعال من الزيارة. والدجى: جمع دجية، وهي الظلمة. وضياء: رفع بالابتداء وخبره مقدم عليه، وهو قوله: حيث كنت.
يقول: إن رقباءك أمنوا أن تزوري أحداً في الظلام؛ لأن كل موضع تكونين فيه، مضيءٌ بنور وجهك. ومثله قول الآخر:
طارقٌ نم عليه نوره ... كيف يخفي الليل بدراً طلعا
قلق المليحة، وهي مسكٌ هتكها ... ومسيرها في الليل وهي ذكاء
القلق: الحركة، والاضطراب. وذكاء: اسم الشمس، وهي معرفة غير مصروفة. وقلق: مبتدأ. وهتكها: خبره. ومسيرها: عطف على قلق. وخبره: محذوف. تقديره: ومسيرها في الليل، وهي ذكاء هتك.
يقول: إنها كالمسك إذا حرك فاح فحركتها تهتكها وتنم عليها، وكذلك مسيرها بالليل وهي الشمس هتكٌ لها. فجعل نفسها مسكاً، ووجهها شمساً، فالمصراع الأول من قول امرىء القيس.
ألم تر أني كلما جئت طارقاً ... وجدت بها طيباً وإن لم تطيب
ومثل المصراع الثاني:
أرادوا ليخفوا في الظلام مسيرهم ... فنم عليهم في الظلام التبسم
أسفي على أسفي الذي دلهتني ... عن علمه فبه علي خفاء
المدله: هو الذاهب العقل.
يقول: كان لي حزنٌ عليك، فحيرتني يوم الفراق عنه، حتى لم أحس به، وزال علمي به عني، فأسفي الآن على الحزن المتقدم، الذي حيرتني عن علمه، حتى صار خافياً علي. فكأنه اشتاق إلى حزنه الأول: الذي كان قبل حزن الفراق.
وشكيتي فقد السقام لأنه ... قد كان لما كان لي أعضاء
الشكية، والشكاية، والشكوى: بمعنى واحد.
يقول: شكايتي الآن من عدم السقام، لا من السقام؛ لأن السقام إنما كان عندما كان لي أعضاء، فلما فقدت الأعضاء وصرت معدوماً لزوال السقام عني، فأنا أشتاق السقام؛ لأن بوجوده وجود الأعضاء أيضاً.
مثلت عينك في حشاي جراحةً ... فتشابها؛ كلتاهما نجلاء
عين نجلاء: أي واسعة، وكذلك طعنة نجلاء. وقوله: فتشابها ذكره وحقه: فتشابهتا؛ لأن أحديهما العين، والأخرى جراحة، وهما مؤنثان. غير أنه ذهب بهما إلى المعنى، فكأنه قال: فتشابه الشيئان المذكوران. وأراد بالعين: العضو. وبالجراحة: الجرح. كقول زياد الأعجم:
إن السماحة والمروءة ضمنا ... قبراً بمرو على الطريق الواضح
وأما قوله كلتاهما فأنثه رداً إلى لفظ العين، والجراحة. وأفرد قوله: نجلاء؛ لأن لفظة كلتا مفردة، وإنما تدل على التثنية لصيغته.
стр. 108
يقول: جعلت بعينيك مثالاً في قلبي. أي جرحت قلبي جراحة واسعة مثل عينك الواسعة، فكل واحد من العين والجراحة واسع.
نفذت علي السابري وربما ... تندق فيه الصعدة السمراء
السابري: قيل أراد به الثوب الرقيق. وقيل: هو الدرع. والصعدة: القناة القصيرة. ونفذت: فعل العين.
يقول: نفذت عينك السابري على أحد المعنيين ورقته، ووصلت إلى قلبي فجرحته جرحاً واسعاً، ثم قال: ربما تندق الرمح ويلتوي الصلب القوي في هذا السابري؛ إن أراد به الدرع، فالمعنى ظاهر: أي أن عينك نفذت هذا الدرع إلى قلبي، وربما كانت تنكسر عليه الرماح ولا تعمل فيه. وإن أراد به الثوب الرقيق فمعناه أن قميصه ربما كان لا تعمل فيه الرماح بل تندق دون الوصول إلي؛ هيبة مني، في قلب من يريد طعني، ومع ذلك فإن عينك نفذته! وقيل أراد: أن عينك وصلت إلى قلبي وجرحته ولم تخرق الدرع ولا القميص. كما قال:
رامياتٍ بأسهمٍ ريشها الهد ... ب تشق القلوب قبل الجلود
أنا صخرة الوادي إذا ما زوحمت ... فإذا نطقت فإنني الجوزاء
الصخرة: إذا كانت بالوادي كانت أصلب وأثبت.
يقول: أنا كصخرة الوادي في الصلابة والثبات، فإذا زاحمني أحدٌ في الفضل والكمال، أو في حال القتال لا يقدر على إزالتي عما أنا عليه من الحال، وما أختص به من الجلال.
وقوله: فإذا نطقت فإنني الجوزاء له معنيان.
أحدهما: أنه شبه نفسه بالجوزاء؛ لعلو محله عن كل ناظر. أي إذا نطقت لم يدرك غايتي أحد في البلاغة، كما لا يدرك أحد الجوزاء، وخصه بالذكر لأنه يشبه صورة الإنسان. والثاني: أنه أراد به ما يقول المنجمون من أن الجوزاء وصاحبه عطارد، يدلان على البلاغة والنطق. فيقول: أنا كالجوزاء: يستفاد من علمي ويقتبس من فوائدي، ويستمد من فصاحتي، كما أن الجوزاء يعطى من ولد فيه النطق والبراعة والبلاغة.
وإذا خفيت على الغبي فعاذرٌ ... ألا تراني مقلةٌ عمياء
يقول: إن خفي على الجاهل فضلي، فأنا أعذره، كما أعذر الأعمى إذ لم ير شخصي؛ لأن الجاهل أعمى القلب.
شيم الليالي أن تشكك ناقتي ... صدري بها أفضي أم البيداء؟!
الشيم: جمع الشيمة، وهي العادة. وأفضي: أوسع، وهو اسم المبالغة، وأراد: أصدري أم البيداء أوسع؟! يقول: عادة الليالي لقصدها بمحنها وصروفها، أن تشكك ناقتي، فلا أدري أصدري أوسع بالأيام، وبأموالها، أم الفضاء أوسع.
فتبيت تسئد مسئداً في نيها ... إسادها في المهمة الإنضاء
الإسآد: قيل هو إسراع السير. وقيل: سير الليل كله. وقيل: هو إدامة السير ليلاً ونهاراً. والمهمة: الأرض الواسعة. والإنضاء: مصدر أنضاه. إذا هزله. وتبيت: فعل الناقة. وتقدير البيت: فتبيت تسئد مسئد الإنضاء في نيها إسآداً مثل إسآدها في المهمة.
وإعرابه: تبيت. من أخوات كان، واسمه ضمير الناقة، وتسئد: فعل. في موضع نصب، لأنه خبر تبيت. ومسئداً: نصب على الحال من الضمير الذي فيه تبيت، وهو اسم الفاعل، وفاعله الإنضاء: وهو مرفوع به؛ لأن اسم الفاعل يعمل عمل الفعل. وإسآدها: نصب؛ لأنه وصف مصدر محذوف، كأنه قد أسأد مثل إسآدها، والضمير في إسآدها: راجع إلى الناقة، والناصب قوله: مسئد. ونظير التقدير الذي ذكرناه قول القائل:
تبيت هندٌ تصلي، مصلياً عمرو ... في دارها، صلاتها في المسجد
هذا كما تقول: مررت بهند واقفاً عندها عمرو فواقفاً: حال من مررت، وعمرو: مرفوع بواقف.
معناه: أن هذه الناقة تسرع في السير، والمهمة. والإنضاء يأخذ من الناقة وينقص منها، مقدار ما تنقص هي من المهمة.
ومثله لكشاجم في الشمعة قوله:
تكيد الظلام كما كادها ... فتفنى وتفنيه في الموقف
والمتنبي حول هذا المعنى إلى المفازة والناقة كما ترى.
أنساعها ممغوطةٌ، وخفافها ... منكوحةٌ، وطريقها عذراء
الأنساع: جمع نسع، وهو سير مضفور كهيئة العنان. والممغوطة: الممدودة. والخف: من البعير، بمنزلة القدم من الإنسان. ومنكوحة: أي دامية. فذكر بلفظ النكاح لذكره العذراء.
يقول: أنساع هذه الناقة ممتدة لهزالها فجالت عليها أنساع رحلها، وخفافها دامية من الحفا وطريقها مجهولٌ لم يسلكه أحد.
يتلون الخريت من خوف التوى ... فيها كما يتلون الحرباء
стр. 109
الخريت: الدليل العالم بخفيات الطرق، كخفاء ثقب الإبرة. والتوى: الهلاك. والحرباء: دابة أكبر من العظاية، على خلقتها. ويقال: إنها ذكر أم حبين تستقبل الشمس دائماً كيف دارت. والهاء في فيها: للطريق، لأنها تؤنث. وقيل: ترجع إلى البيداء.
المعنى: أن هذه الطريق مجهولة فالدليل إذا سلكها يتقلب يميناً وشمالاً وخلفاً وقداماً، ومن ناحية إلى ناحية؛ وهذا هو التلون، كما تتقلب الحرباء في الشمس. ذكره ابن جنى.
وقيل: أراد أنه يصفر لونه مرة، ويسود تارة، ويحمر أخرى؛ خوف الهلاك ورجاء الاهتداء. فهذا هو التلون كحال الحرباء مع الشمس.
بيني وبين أبي عليٍّ مثله ... شم الجبال ومثلهن رجاء
الهاء في مثله: للممدوح. والشم: جمع أشم، رفع لأنه بدل من قوله: مثله ويجوز أن يكون الابتداء مضمر أي: هو شم الجبال. فيكون كالتفسير لمثله ومثلهن منصوب؛ لأنه وصف لنكرة وهو رجاء فلما تقدمت على الموصوف نصبت على الحال.
يقول: بيني وبين الممدوح جبالٌ، هي مثل الممدوح في العلو والثبات والرزانة والوقار. فشبه الجبال به، ولم يشبهه بالجبال.
وهذه عادته: أن يمكن التشبيه في الموصوف، ويجعل المعنى ثابتاً فيه. ثم قال: ومثلهن رجاء. أي لي رجاء عنده مثل هذه الجبال.
وعقاب لبنانٍ، وكيف بقطعها ... وهو الشتاء، وصيفهن شتاء؟
العقاب: جمع عقبة. ولبنان: جبل بالشام في ناحية دمشق. والباء في بقطعها زائدة. قوله: وهو الشتاء في موضع نصب على الحال.
يقول: بيني وبينه عقابٌ وهي شديدة البرد، وصيفها مثل شتاء غيرها، فكيف لي بقطعها في الشتاء وهي بهذه الصفة؟
لبس الثلوج بها علي مسالكي ... فكأنها ببياضها سوداء
لبس: أي عمى وغطى وأخفى، علي الطريق في هذه العقاب، فكأنها مع بياضها سوداء؛ حيث أن الطريق خفي فيها وهي بيضاء، كما يخفى في سواد الليل، إذ العادة أن الطريق لا يخفيه إلا سواد الليل وظلمة الغيم، فمتى خفي بالبياض صار بمنزلة السواد.
وكذا الكريم إذا أقام ببلدةٍ ... سال النضار بها وقام الماء
النضار: هو الذهب. وقام الماء: أي جمد. وأراد بالكريم: الممدوح. يعني إنما جمد لتحيره في عطائه، وخجله من كثرة سخائه، وسال الذهب في هباته كما سال الماء.
جمد القطار فلو رأته كما رأى ... بهتت فلم تتبجس الأنواء
الأنواء: الأمطار بالقمر؛ وقد بيناه. وتتبجس: أي تتفجر. ورأى: فعل القطار، رده إلى اللفظ، وليس فيه علامة التأنيث. وروى: كما أرى أي لو رأته القطار كما أرى وأشاهد، لميزت كما ميزت، ولو رأته الأنواء والقطار على اختلاف التقدير. يعني: لو رأته الأنواء كما رأته القطار. ويجوز رفع الأنواء من ثلاثة أوجه: أحدها: بقوله: رأته.
والثاني: بقوله: بهتت الأنواء.
والثالث: فلم تتبجس وهو المختار عند البصريين، وباقي الأفعال فيه ضمير الأنواء.
يقول: إن المطر لما رأى جوده جمد وتحير فصار ثلجاً، ولو رأته الأنواء كما رآه المطر لتحيرت ولم تتفجر بالماء؛ خجلاً منه، وهذا على مذهب من يعتقد أن الأمطار من النجوم.
في خطه من كل قلبٍ شهوةٌ ... حتى كأن مداده الأهواء
يقول: كل أحد يهوى خطه لحسنه، فشهوة كل قلب حاصلة في خطه، فكأن مداد خطه من أهواء الناس ومحبتهم.
ولكل عينٍ قرةٌ في قربه ... حتى كأن مغيبه الأقذاء
القرة: المسرة وأصله البرد. والمغيب: الغيبة. والأقذاء: جمع قذىً، وهو ما يسقط في العين. وروى الإقذاء مصدر من أقذيت عينه إذا طرحت فيها القذى.
يقول: كل أحد يسر من قربه ويحزن لفراقه، فكأن رؤيته قرة العين، وغيبته قذى يسقط فيها.
من يهتدي في الفعل ما لا يهتدي ... في القول حتى يفعل الشعراء
تقديره: من يهتدي في الفعل إلى ما لا يهتدي إليه الشعراء في القول حتى يفعله. فالشعراء: رفع بقوله: ما لا يهتدى وأما يهتدى. ففيه ضمير الممدوح، وكذلك في حتى يفعل وفي هذا البيت وجوه: أحدها: أن من يصلح أن يكون بمعنى الذي، موضعه رفع بخبر الابتداء المحذوف. أي هو الذي، وما بعده إلى آخر البيت صلة، والضمير العائد إليه مستتر في الفعل الذي يليه.
والثاني: يصلح أن يكون استفهاماً: أي من يفعل هذا غيره؟ وهو مرفوع بالابتدائ وما بعده خبر عنه.
стр. 110
والثالث: أنه حذف حرف الجر من يهتدى وعداه إلى المفعول. والأصل: من يهتدى في الفعل إلى ما لا يهتدى. فحذف إلى وأوصل الفعل إلى المفعول.
والرابع: أن ما في قوله ما يهتدى يصلح أن يكون بمعنى الذي، وأن يكون نكرة موصوفة. أي يهتدى في الفعل إلى شيء لا يهتدى إليه الشعراء.
والخامس: أنه حذف الضمير الراجع إلى ما وهو قوله: إليه وهذا لا يجوز إلا في ضرورة؛ لأنه من صلة ما وإنما يجوز حذفه إذا كان متصلاً بالفعل كقولك: ما شربته ماء، وما شربت ماء. فأما إذا انفصل الضمير فلا يجوز حذفه.
المعنى: أنه يهتدى في الفعل إلى ما لا يهتدى إليه الشعراء بالقول، حتى يفعله هو، فإذا فعله اهتدوا إليه.
في كل يومٍ للقوافي جولةٌ ... في قلبه ولأذنه إصغاء
القوافي ها هنا: القصائد.
يقول: إن الممدوح في كل يوم يمدح بالقصائد وينشد، فللقوافي جولان في قلبه، ولها استماع في أذنه.
وإغارةٌ فيما احتواه كأنما ... في كل بيتٍ فيلقٌ شهباء
الفيلق: القطعة من الجيش. والشهباء: بيضاء من الحديد، وإنما تكون دالة إلى الكتيبة، لا إلى الفيلق، والبيت من الشعر.
يقول: إنه كل يوم يقصد ويمدح، ويهب ماله للشعراء، فكل بيت يمدح به، جيشٌ يغير على ماله؛ وذلك لتمكين الشعراء من ماله.
من يظلم اللؤماء في تكليفهم ... أن يصبحوا وهم له أكفاء
من: بمعنى الذي. أي: هو الذي يظلم اللؤماء. ويجوز أن يكون نكرة موصوفة. أي: هو رجلٌ يظلم اللؤماء. واللؤماء: جمع لئيم.
يقول: هو الذي يطلب من اللئام أن يفعلوا مثل فعله، وأن يكونوا نظراء له، فهو يظلمهم بذلك؛ لأنه يكلفهم ما ليس في طباعهم، فهم يظلمون بذلك.
ونذمهم وبهم عرفنا فضله ... وبضدها تتبين الأشياء
نذمهم: أي نعيرهم.
يقول: نحن نعير اللئام ونذمهم ولا يجب أن نذمهم؛ إذ بهم عرفنا فضل الممدوح؛ لأنهم لو كانوا مثله لما عرفنا فضله، وإنما عرفنا فضله لقصورهم عنه؛ لأن الشيء إنما يتبين إذا قرن بضده. وروى: وبضدها تتبين الأشياء، على ما لم يسم فاعله.
من نفعه في أن يهاج وضره ... في تركه، لو تفطن الأعداء
يقول: إن الممدوح نفعه في أن يهيج للحرب؛ لأنه حينئذٍ يغير على أعدائه، ويغنم أموالهم وينتفع بها.
وضره في ترك هيجانه؛ لأنه إذا لم يحارب، صالح أعداءه. واستضراره بذلك: حيث يفرق ما جمعه في حال الحرب. ولو تفطن الأعداء بذلك قصدوا إلحاق الضرر به.
فالسلم يكسر من جناحي ماله ... بنواله ما تجبر الهيجاء
السلم: يذكر ويؤنث. والهيجاء: الحرب. شبه المال بالطائر فاستعار له جناحين.
يقول: الصلح يكسر جناحي ماله، بنواله وتفرقته. أي أن الصلح يقل ماله، وما يكسره الصلح يجبره الحرب؛ لأنه يغنم أموال أعدائه فهو يتلف ويخلف.
يعطي فتعطى من لها يده اللها ... وترى برؤية رأيه الآراء
اللها: الدراهم والدنانير، واحدها لهوة. وأصلها القبضة التي تلقى في فم الرحاء. والآراء: جمع الرأي، وهو مقلوب مخفف من الأأراء.
يقول: إنه يعطي عطاء كثيراً، والمعطى إليه يعطي من عطاياه. يعني: أنه قد أغناه بعطائه، حتى أنه يجود على غيره، وإذا نظر غيره إلى آرائه، تعلم منه الرأي والتدبير، ويبصر به وجه الصواب، بسداد رأيه. وقيل: أراد أنه إذا نظر إلى رأيه فكأنه قد أبصر جميع آراء الناس.
متفرق الطعمين مجتمع القوى ... فكأنه السراء والضراء
يقول: إنه جمع اللين والشدة، والبأس والجود، والرأي لا يدخله خلل، فكأنه لاجتماع اللين والشدة والسراء والضراء. وقيل: أراد بقوله مجتمع القوى باجتماع هذين الخلقين فيه اجتمعت قواه وكملت صفاته.
وكأنه مالا تشاء عداته ... متمثلاً لوفوده ما شاءوا
متمثلاً: نصب على الحال. وما: بموضع رفع.
يقول: كأنه صور مما يكرهه أعداؤه، ومما يحبه أولياؤه في حال تمثله لوفوده وهم أولياؤه. وقيل: أراد أنه يسيء إلى أعدائه في حال إحسانه إلى أوليائه، فيجمع الأمرين في وقت واحد.
يا أيها المجدي عليه روحه ... إذ ليس يأتيه لها استجداء
يقول: يا أيها الرجل الموهوب له روحه، من حيث لم يأت أحد يستجديه. أي: يستوهبه. يعني: لو طلب طالبٌ روحك لوهبته منها، فمن لا يطلب ذلك فكأنه وهبه منها. ومثله:
следующие страницы →