← Адаб

Адаб · id 753

معجز أحمد

أبو العلاء المعري

Полный текст (475 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

ما كان منك إلى خليلٍ قبلها ... ما يستراب به ولا ما يوجع قبلها: أي قبل هذه الحالة، أو هذه المصيبة، وما يستراب: أي ما يكره. يقول: لم يكن منك قبل هذه الحالة ما يريب صديقك ويوجعه. ولقد أراك وما تلمّ ملمّةٌ ... إلا نفاها عنك قلبٌ أصمع قلب أصمع: أي ذكي. يقول: إذا نالتك مصيبة، تدفعها عنك بقوة قلبك، وحدة ذكائك. ويد كأنّ نوالها وقتالها ... فرضٌ يحقّ عليك وهو تبرّع ويد عطف على قلب. يقول: كنت أعرفك، إذا نزلت بك حادثة دفعتها عنك بذكاء قلبك وشدة ساعدك، فما بالك لم تدفعها الآن عنك؟؟! وقوله: كأن نوالها وقتالها أي أنك لم تبخل بقتال ولا بذل نوال، حتى كأنهما واجبان عليك، وهو تبرع وتفضل. يا من يبدّل كلّ يومٍ حلّةً ... أنّى رضيت بحلّةٍ لا تنزع؟ أي: يا من كان يبدل، فحذف كان وكذلك فيما قبله، كقوله تعالى: " واتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ " أي ما كانت تتلوا. يقول: كنت تنزع كل يوم حلة للسؤال، وتلبس حلة جديدة، فكيف رضيت الآن بحلة لا تنزعها أبداً، ولا تبدلها بغيرها؟ يعني الكفن. ما زلت تخلعها على من شاءها ... حتّى لبست اليوم ما لا تخلع يقول: لم تزل تخلع حلتك على من طلبها حتى لبست الآن حلةً لا يشتهيها أحد، ولا يسألك أن تخلعها عليه. والهاء في تخلعها وشاءها للحلة. ما زلت تدفع كلّ أمرٍ فادحٍ ... حتّى أتى الأمر الّذي لا يدفع يقول: كنت تدفع كل حادثة عظيمة تنزل بك، حتى نزل بك الآن ما لا يمكن أحد دفعه يعني: الموت. فظللت تنظر لارماحك شرّعٌ ... فيما عراك ولا سيوفك قطّع عراك: أي أتاك. يقول: لما نزل بك حادث الموت، لم تغن عنك رماحك وسيوفك، لكنك ظللت تنظر إلى أصحابك، ولا يقدر أحد على دفعه عنك. بأبي الوحيد وجيشه متكاثرٌ ... يبكي ومن شرّ السّلاح الأدمع يقول: أبي فداء المتوحد الذي جيشه كثير. يعني: أن جيشه لا يقدر على دفع الموت عنه. جعله وحيداً لا ناصر له، وكأن جيشه يبكي عليه، لأنهم لا يملكون له شيئاً سوى البكاء ثم قال: والدموع شر السلاح؛ لأنه لا يدفع بها حادثة. وإذا حصلت من السّلاح على البكا ... فحشاك رعت به، وخدّك تقرع يقول: إذا كان رأس سلاحك هو البكاء لم يصل ضرره إلا إليك، لأنك تؤلم به قلبك وتقرع به خدك. وصلت إليك يدٌ سواءٌ عندها ال ... بازي لاشهب والغراب الأبقع أراد يد الدهر، والمراد بالبازي لاشهب: الكريم. وبالغراب الأبقع: اللئيم. يعني: أن الموت إذا جاء لم يفرق بين الشريف والوضيع. من للمحافل والجحافل والسّرى؟ ... فقدت بفقدك نيّراً لا يطلع المحافل: المجالس، وقيل: هي جماعات الناس. والجحافل: الخيل. والسرى: جمع سراية. كأن قوام هذه الأشياء، نيرها الذي غاب عنها فلا يطلع أبدا. ومن اتّخذت على الضّيوف خليفةً؟ ... ضاعوا ومثلك لا يكاد يضيّع من استفهام. يعني: كنت تتعاهد أمر أضيافك، فمن الذي تركت بعدك خليفة يقوم بأمورهم؟ فإنهم ضاعوا، ولم يكن من عادتك أن تضيع أحداً. قبحاً لوجهك يا زمان! فإنّه ... وجهٌ له من كلّ قبحٍ برقع يقول: قبح الله وجهك يا زمان! فإنه وجه مبرقع بكل لؤم: أي كل فعل مذموم مجتمع فيك! أيموت مثل أبي شجاعٍ فاتكٍ ... ويعيش حاسده الخصيّ الأوكع؟! الأوكع الذي تميل إبهام رجله على أصابعه حتى تخرج عن أصله، ويجوز أن يكون فاتك رفع بدلا من مثل وجر بدلا من من أبي شجاع. أنكر على الزمان موت فاتك وحياة كافور بعده، وقال: تترك كافوراً مع لؤمه، وتهلك فاتكا مع شرفه وكرمه؟! وإنما تفعل ذلك للؤمك، فأنت تحامي من كان مثلك. وقوله: أيموت مثل أبي شجاع: أي يموت أبو شجاع، ومثل زائدة. أيدٍ مقطّعةٌ حوالي رأسه ... وقفاً يصيح بها: ألا من يصفع؟ يقول: إن كافوراً للؤمه وخسته يبعث الناس على صفعه، فكأن قفاه يصيح: هل من أحد يصفعني؟ ولكن كأن أيدي من حوله مقطوعة لا يقدرون على صفعه وتناوله. وهذا على معنى الخبر، أن أيديهم كذلك. ويجوز أن يكون دعاء على أصحابها فكأنه يقول: قطع الله هذه الأيدي. أبقيت أكذب كاذبٍ أبقيته ... وأخذت أصدق من يقول ويسمع ويسمع: أي يجيب.

стр. 422

يقول للزمان أو للموت: أبقيت كافوراً الذي هو أكذب الناس قولا، وأخذت فاتكاً الذي هو أصدقهم قولا ووعدا.. وتركت أنتن ريحةٍ مذمومةٍ ... وسلبت أطيب ريحةٍ تتضوّع ريح وريحة ورائحة بمعنى. وتضوعت رائحة الطيب: إذا انتشرت. وهذا البيت كالذي قبله. يعني: بأنتن ريحة كافوراً وبأطيب ريحة فاتكا. فاليوم قرّ لكلّ وحشٍ نافرٍ ... دمه وكان كأنّه يتطلّع يقول: إنه كان يديم قنص الوحش، فلما مات استقر دم كل وحش في جلده بعد أن كان الدم يتطلع: أي يهم بالخروج من غير أن يجريه خوفا منه. وقيل: يتطلع الوحش: أي كان يهم بالخروج ولم يخرج خوفاً منه. وتصالحت ثمر السّياط وخيله ... وأوت إليها سوقها والأذرع ثمر السياط: أطرافها. يقول: إنه كان يديم ضرب خيله بالسياط في الحروب والغارات والصيد وطرد الوحش، فلما مات تصالحت السياط مع خيله، حتى سكنت إليها سوق الخيل وأذرعها، وأمنت أذاها وألمها، إذ لا يضربها أحد بالسياط بعده. وعفا الطّراد فلا سنانٌ راعفٌ ... فوق القناة ولا سنانٌ يلمع الطراد: مطاردة الفرسان. وقيل: هو الرمح الصغير. وعفا: أي درس. يقول: عفا بموته رسم الطعان والضراب، فلا يرى بعده سنان راعف: أي قد طعن به فهو يقطر دما، وكذلك لا يرى سيف يلمع ويبرق. ولّى وكلّ مخالمٍ ومنادمٍ ... بعد اللّزوم مشيّعٌ ومودّع المخالم: المصادق. يقول: لما مات تفرقت ندماؤه وأصدقاؤه، فودع بعضهم بعضا وشيعه، بعد أن كانوا ملازمين لا يتفرقون. وقيل: أراد ودع فاتكاً كل منادم وصديق. قد كان فيه لكلّ قومٍ ملجأ ... ولسيفه في كلّ قومٍ مرتع يقول: قد كان فاتك ملجأ ينتمي إليه كل قوم عندما يقع لهم من الحوادث، وكذلك سيفه كان يقتل كل قوم، فكأنه يرتع في لحوم القتلى. إن حلّ في فرسٍ ففيها ربّها ... كسرى تذلّ له الرّقاب وتخضع الفرس: أهل فارس. والهاء في فيها ترجع إلى الفرس، وأراد به أرض فارس، أو القبيلة أو الجماعة. أو حلّ في رومٍ ففيها قيصرٌ ... أو حلّ في عربٍ ففيها تبّع يقول: إن فاتكا كان في الفرس كسرى، وفي الروم قيصرا، وفي العرب تبعا. والتبابعة: ملوك اليمن. قد كان أسرع فارسٍ في طعنةٍ ... فرساً، ولكنّ المنيّة أسرع فرسا: نصب على التمييز. والتقدير: كان أسرع فارس فرسا في طعنه. يقول: كان أحذق بالطعن من كل فارس، وفرسه أسرع من كل فرس، ولكن لم ينفعه ذلك حين جاء الموت. لا قلّبت أيدي الفوارس بعده ... رمحاً ولا حملت جواداً أربع يعني: أنه كان حاذقاً بركوب الخيل والطعن بالرماح، فإذا قامت فلا حملت فرسا قوائمه الأربع، ولا حمل فارس رمحا بيده. ؟ العراقيات الأخيرة ودخل صديق لأبي الطيب عليه بالكوفة وبيده تفاحة من ند، مما جاءه في هدايا فاتك، عليها اسمه فناوله إياها فقرأها.. فقال أبو الطيب يرثي فاتكا: يذكّرني فاتكاً حلمه ... وشيءٌ من النّدّ فيه اسمه يقول: إن حلم فاتك يذكرني فاتكاً، حتى لا أنساه، فكلماً رأيت حليما تذكرته، وكذلك يذكرني فاتكاً قطعةٌ من ند كتب عليها اسمه. ولست بناسٍ ولكنّني ... يجدّد لي ريحه شمّه التقدير: ولست بناس إياه، أو بناس عهده. والهاء في ريحه لفاتك وفي شمه لشيء من الند. لما قال: إن اسمه وحلمه يذكراني إياه، كان ذلك دلالة على النسيان فاستدرك ذلك في البيت وقال: لست أنساه حتى أتذكره، ولكن شم هذا الند جدد لي ريحه، وطيب شمائله. وأيّ فتىً سلبتني المنون؟ ... لم تدر ما ولدت أمّه! أمه يجوز أن يرفع بالفعل الأول وهو لم تدر ويجوز أن يرفع بالفعل الثاني وهو: ولدته. يقول: أي فتىً أخذته المنون عني، ثم عظم أمره وقال: إن أمه لم تدر ما ولدته، لأنها ولدت الموت في صورة المولود فحسبته ولدا! فإذا لم تعلمه أمه، فغيرها أولى ألا يعرفه. ولا ما تضمّ إلى صدرها ... ولو علمت هالها ضمّه الهاء في صدرها وهالها للأم وفي ضمه لفاتك. وهو رفع لأنه فاعل هالها. يقول: لم تدر أم فاتك ماذا تضم إلى صدرها، ولو علمته لكان يهولها ضمه؛ لأنها ضمت الموت إلى صدرها. بمصر ملوكٌ لهم ما له ... ولكنّهم ما لهم همّه

стр. 423

يقول: قد كان في مصر من له مثل ما له، ولكنه قد قصر همه عن همه. ومثله لأشجع: وليس بأوسعهم في الغنى ... ولكنّ معروفه أوسع فأجود من جودهم بخله ... وأحمد من حمدهم ذمّه وأشرفه من عيشهم موته ... وأنفع من وجدهم عدمه يقول: موته خير من حياة ملوك مصر، وفقره أنفع من غناهم. وهذه الأبيات مبالغة في المدح. وإنّ منيّته عنده ... لك الخمر سقيّه كرمه يقول: إن كان أصل المنية، يسقى الناس كأسها، كما أن الكرم عنصر الخمر، فلما شرب كأس المنية صار كالخمر يسقى الكرم، فرد إليه ما خرج منه. وقيل: معناه إن المنية كانت تطيب له؛ لشجاعته لا يكرهها، كما يطيب الكرم أن يسقى الخمر. والهاء في قوله سقيه وفي كرمه يعود إلى الخمرة، وذكره على معنى النبيذ، والنبيذ مذكر. فذاك الّذي عبّه ماؤه ... وذاك الّذي ذاقه طعمه عبه أي شربه: أي الخمر الذي ذاقه هو الموت. يقول: هذا الموت، الذي شربه ماؤه، كما أن الخمر، ماء الكرم. وهذا الموت الذي ذاقه من طعم المنية، إنما كان طعمه. وعلى الثاني: إذا سقى الكرم فالذي عبه هو ماؤه على الحقيقة من الذي ذاقه طعمه. أي هو موافق له غير مباين. ومن ضاقت الأرض عن نفسه ... حرىً أن يضيق بها جسمه يقول: ضاقت الأرض عن نفسه لبعد همته فلم تسعه، ومن كان كذلك في حال الحياة فهو حقيق بعد الموت أن تضيق بجسمه. وقال أيضاً بعد خروجه من مدينة السلام إلى الكوفة وأنشدها بها، يذكر مسيره من مصر ويرثي فاتكاً، في شعبان سنة اثنتين وخمسين وثلاث مئة: حتّام نحن نساري النّجم في الظّلم ... وما سراه على خفٍّ ولا قدم؟ حتام: أي إلى متى، والأصل: حتى ما فحذف الألف من ما وجعل مع حتى بمنزلة اسم واحد، لكثرة الاستعمال، وكذلك: بم وفيم وعم وعلام هذا في الاستفهام. وفي الخبر لا يحذف الألف. ونساري نفاعل من السري: أي نسري معه، وأراد بالنجم: النجوم. وروي: على ساق ولا قدم. يقول: إلى متى نعارض النجوم في سيرها؛ ونسري معها، ونتعب نحن وهي لا تتعب؛ لأنها لا تسري على ساق ولا قدم، كما نسري نحن وإنما سيرها طبعها. ولا يحسّ بأجفانٍ يحسّ بها ... فقد الرّقاد غريبٌ بات لم ينم ولا يحس يعني النجم وفقد نصب لأنه مفعول يحس وفاعل يحس بها غريب. يقول: إن النجوم لا تتألم بجهة السفر، ولا يصيبها ألم السهر، كما نتألم نحن بذلك، فكيف نقدر على مباراتها؟! وأراد بالغريب الذي بات لم ينم: نفسه وكل من كان مثله. تسوّد الشّمس منّا بيض أوجهنا ... ولا تسوّد بيض العذر واللّمم العذر جمع عذار، وهو جانب اللحية. يقول: الشمس تسود ألوان وجوهنا البيض، ولا تغير بياض الشعر سواداً، وهو شكاية لأن بياض الوجه مما يشتهي بقاؤه، فلا تبقيه، وبياض الشعر مما يكره بقاؤه فتبقيه ولا تغيره! وكان حالهما في الحكم واحدةً ... لو احتكمنا من الدّنيا إلى حكم يقول: كان الواجب في مقتضى القياس أن تسود الشمس الأبيض من شعورنا، كما سودت وجوهنا البيض؛ لأن كل واحد منهما استوى في البياض. ونترك الماء لا ينفكّ من سفرٍ ... ما سار في الغيم منه سار في الأدم يقول: كما أدمنا السفر ولم ننفك منه، كذلك تركنا الماء غير منفك عن السفر؛ لأنا كنا نسافر في المفاوز المقفرة، فنحتاج إلى حمل الماء فنغترفه من أعقاب السحاب، فنجعله في الأداوي والمزاود، ونحمله مع أنفسنا، فلم يخل الماء أيضا من السفر؛ لأنه مرةً يسير في السحاب، ثم بعده يسير في المزاود. وإنما نسب سير الماء الذي في السحاب إليهم في قوله: ونترك الماء لا ينفك من سفر وإن كان سيره فيه ليس من جهتهم؛ لأنه لما كان هذا السير، والسير في المزاود واحد، هما عقيب صاحبه وسببا عنه. جريا مجرى الفعل الواحد؛ لأن السبب الذي أدى إلى إدامة السير هو فعلهم: الذي هو صب الماء في المزاود، فلولا هذا لم يدم سير الماء. لا أبغض العيس لكنّي وقيت بها ... قلبي من الحزن أو جسمي من السّقم يقول: إتعابي العيس في السير ليس لأجل أني أبغضها، ولكني وقيت بالعيس قلبي من الحزن، وجسمي من المرض، حين كنت بمصر. طردت من مصر أيديها بأرجلها ... حتّى مرقن بنا من جوش والعلم

стр. 424

جوش والعلم: موضعان من حسمى على أربع مراحل. يقول: سرت بها من مصر حتى خرجت من هذين الموضعين، خروج السهم من القوس أو من الرمية. وطرد الأيدي بالأرجل: إتباعها من غير تراخ في عدو. وهو استعارة لطيفة؛ لأنه جعل أرجلها تطرد أيديها في السير، كما يطرد الصيد، وهو مأخوذ من قول بعض العرب: كأنّ يديها حين جدّ نجاؤها ... طريدان والرّجلان طالبتا وترا إلا أن لفظ أبي الطيب ألطف وأحسن. تبرى لهنّ نعام الدّوّ مسرجةً ... تعارض الجدل المرخاة باللّجم تبرى لهن أي تعارض العيس، وفاعل تبرى نعام الدو: وأراد بها الخيل. شبهها بالنعام؛ لطول ساقها، وسرعة جريها. والدو: الفلاة المستوية. والجدل: جمع جديل، وهو زمام الناقة المضفور من السيور. يقول: إن الخيل كانت تعارض في سيرها هذه العيس، وتقابل اللجم بأزمتها؛ لطول عنقها. في غلمةٍ أخطروا أرواحهم ورضوا ... بما لقين رضا الأيسار بالزّلم الأيسار: الذين ينحرون الجزور، ويتقارعون عليها بالسهام، واحدهم يسر. والزلم: السهم، وجمعه أزلام. يقول: سرت بهذه الإيل في غلمة خاطروا معي بأنفسهم، ورضوا بما يلقون من خير وشر، كما يرضى بحكم القداح. تبدوا لنا كلّما ألقوا عمائمهم ... عمائمٌ خلقت سوداً بلا لثم يقول: إذا طرحوا عمائمهم عن رءوسهم، ظهرت عمائم خلقت: يعني شعورهم. وجعلها بلا لثم، لأنهم مرد لا شعور على وجوههم. بيض العوارض طعّانون من لحقوا ... من الفوارس، شلاّلون للنّعم العوارض: محط اللحية في الخد. والشل: الطرد. يقول: هم مرد لا شعور على عوارضهم، وهم يطعنون كل من لحقوا من الفوارس، ويغيرون على النعم. وروى ابن جني عنه: بالنصب. أي بيض العوارض طعانين شلالين وهو نصب على الحال والمدح. قد بلّغوا بقناهم فوق طاقته ... وليس يبلغ ما فيهم من الهمم يقول: بلغوا بقناهم فوق طاقة القنا من الطعن، ومع ذلك فإن القنا لا يبلغ حد هممهم، بل يقصر عنه. في الجاهليّة إلا أنّ أنفسهم ... من طيبهنّ به في الأشهر الحرم يقول: هم على عادة أهل الجاهلية في الغارة والحرب، ولكن أنفسهم لثقتها برماحها آمنة، فتسكن أنفسهم كما سكنت نفوس أهل الجاهلية في الأشهر الحرم. وقيل: أراد أنهم لعفتهم كأنهم في الأشهر الحرم. فكنى بالطيب عن العفة. ناشوا الرّماح وكانت غير ناطقةٍ ... فعلّموها صياح الطير في البهم ناشوا: تناولوا. والبهم جمع بهمة، وهو الشجاع. يقول: أخدوا الرماح وهي خرس فطعنوا بها الأبطال، حتى صاحت فيهم صياح الطير. وهو كقول المثلم: تصيح الردينيّات فينا وفيهم ... صياح بنات الماء أصحن جوّعا تخذي الرّكاب بنا بيضاً مشافرها ... خضراً فراسنها في الرّغل والينم تخذي: أي تسرع السير. والرغل والينم: نبتان حسنان. والفرسن: أسفل الخف. وقوله: بيضاً مشافرها لأنا لا ندعها ترعى. معكومةً بسياط القوم نضربها ... عن منبت العشب نبغي منبت الكرم معكومة: أي مشدودة الأفواه. يقول: ضربت بالسياط فكأن السياط شدت أفواهها. وقوله: نضربها عن منبت العشب: يعني نمنعها بضربها بالسياط عن رعي العشب، نطلب منبت الكرم لنرعى منه. وأين منبته من بعد منبته ... أبي شجاعٍ قريع العرب والعجم؟ القريح: السيد الكريم، لما قال: نبغي لها منبت الكرم رجع عنه وقال: أين نطلب لها منبت الكرم؟! بعدما بطل منبته، وهو أبو شجاع فاتك، الذي هو سيد العرب والعجم أي: لا منبت للكرم بعد أبي شجاع. بدل من منبته. لا فاتكٌ آخرٌ في مصر نقصده ... ولا له خلفٌ في النّاس كلّهم أي: إنما كان منبت الكرم فاتكا وقد مضى هو، فليس في مصر من يشابهه. من لا تشابهه الأحياء في شيمٍ ... أمسى تشابهه الأموات في الرّمم الرمم: جمع رمة وهي العظم البالي. يقول: لم تكن تشبهه الأحياء في أخلاقه الكريمة، وقد أمسى الآن تشبهه الأموات في عظامه الرميمة. عدمته وكأنّي سرت أطلبه ... فما تزيدني الدّنيا على العدم يقول: لما فقدته طلبت له مثلا في مكارمه وأخلاقه، فما ظفرت به في الدنيا، إذ ليس له نظير. وقيل: أراد طال سيرى في طلب مثله، تمنياً للغاية وعطائه فلم تزدني الدنيا على العدم شيئاً.

стр. 425

ما زلت أضحك إبلي كلّما نظرت ... إلى من اختضبت أخفافها بدم يقول: قصدت ملوكا وأدميت أخفاف إبلي بسيري إليهم، فلما وصلت إليهم وجدتهم لا خير فيهم، فكنت أضحك إبلي من حالي معهم! تعجبا وهزؤا. أسيرها بين أصنامٍ أشاهدها ... ولا أشاهد فيها عفّة الصّنم أسيرها: يجوز بفتح الهمزة ويجوز بضمها. يقال: سرت أنا وأسرت ناقتي. يقول: كنت أسير إبلي بين قوم كأنهم أصنام لا خير عندهم ولا عقل، ولكن ليس فيهم ما في الصنم من العفة. حتى رجعت وأقلامي قوائل لي ... المجد للسّيف ليس المجد للقلم يقول: ما زلت أتوسل إليهم بالقلم والفضل والعلم، فلما لم أظفر بخير قالت لي الأقلام: اطلب الشرف بالسيف لا بالقلم. اكتب بنا أبداً بعد الكتاب به ... فإنّما نحن للأسياف كالخدم الكتاب: مصدر كالكتابة. يقول: قالت الأقلام: اطلب أولا بالسيف، ثم بعد ذلك اكتب بنا. بعده، فإنا تبع له وخدم: أي مهد أمرك أولا بالسيف، ثم بعد ذلك اكتب بنا. ومثله للبحتري. تعنو له وزراء الملك خاضعةً ... وعادة السّيف أن يستخدم القلما أسمعتني ودوائي ما أشرت به ... فإن غفلت فدائي قلّة الفهم يقول لأقلامه: قد أسمعتني ما قلت لي؛ ودوائي هذا الذي أمرتني به من إعمال السيف، فإن لم أفعل فدائي من قلة العلم والفضل. من اقتضى بسوى الهنديّ حاجته ... أجاب كلّ سؤال عن هلٍ بلم فاعل أجاب ضمير من. يقول: من طلب حاجته بغير السيف لم يظفر بها، فإذا سأله إنسان وقال له: هل أدركت حاجتك؟ قال له. لم أدركها. وهل حرف استفهام ولم حرف نفي وجعلهما اسمين وجرهما. توهّم القوم أنّ العجز قرّبنا ... وفي التّقرّب ما يدعو إلى التّهم يقول: إن الملوك توهموا أن قربي منهم لعجز في، أو لأستميح رفدهم، لأن التقرب من الإنسان ربما يدعو إلى مثل هذا الوهم. وقيل: معناه إن التوهم كما يكون للاستماحة قد يكون لتمكن الفرصة وانتهازها، وليس ينبغي لهم أن يتوهموا أن قصدي إياهم للعجز دون أن يكون لانتهاز الفرصة. ولم تزل قلة الإنصاف قاطعةً ... بين الرّجال ولو كانوا ذوي رحم يقول: إنهم لما لم ينصفوا في إنزالنا منازلنا ففارقناهم، لأن قلة الإنصاف تقطع بين الناس، وإن كانوا ذوي قربي. فلا زيارة إلا أن تزورهم ... أيدٍ نشأن مع المصقولة الخذم المصقولة الخذم: هي السيوف القواطع. يعني: بعد هذه الكرة لا أزورهم إلا بأيد متعودة للضرب وحمل السيوف. من كلّ قاضيةٍ بالموت شفرته ... ما بين منتقمٍ منه ومنتقم المنتقم: الرجل القاتل. والمنتقم منه: المقتول: أي كل واحد من هذه المصقولة الخذم شفرته قاضية بالموت بين المقتول والقاتل أي كأن الفريقين يحتكمان إلى شفرته فيقضي بينهم بالموت. صنّا قوائمها عنهم فما وقعت ... مواقع اللّؤم في الأيدي ولا الكزم الكزم: القصر في أصابع اليد. يقول: صنا هذه السيوف أن يسلبنا إياها أعداؤنا من الملوك وغيرهم، فتقع قوائمها في أيديهم، وهي مواقع اللؤم؛ لأن قوائم السيوف إنما تقع في بواطن الأيدي إذا سلبوها، فإذا لم يسلبوها فما يقع فيهم إلا مضاربها. هوّن على بصرٍ ما شقّ منظره ... فإنّما يقظات العين كالحلم ما شق منظرة: أي ما كره النظر إليه لقبحه. يقول: هون على كل أمر مهول لا تقدر العين أن تنظر إليه، فإنه لا حقيقه لليقظة كما لا حقيقه للأحلام، كذلك أحوال الدنيا وشدائدها إلى الزوال عن قريب، كحلم مفزع يراه الإنسان في نومه، فإذا انتبه زال. ولا تشكّ إلى خلقٍ فتشمته ... شكوى الجريح إلى الغربان والرّخم يقول: لا تشك لأحد حالك فإنه يشمت بحلول المكروه بك. فصرت كالجريح يشكو ما به إلى الغربان والرخم، فإنها تتمنى موته لتأكل لحمه. وكن على حذرٍ للنّاس تستره ... ولا يغرّك منهم ثغر مبتسم الهاء في تستره للحذر. يقول: احذر من الناس واستر حذرك منهم؛ لأنك إذا أظهرته جاهروك بالعداوة، ولا تغتر بابتسامهم في وجهك. غاض الوفاء فما تلقاه في عدةٍ ... وأعوز الصّدق في الإخبار والقسم يقول: ذهب الوفاء فلا تلقاه في وعد أحد من الناس، وتعذر وجود الصدق في أخبار الناس وأيمانهم.

стр. 426

سبحان خالق نفسي كيف لذّتها ... فما النّفوس تراه غاية الألم؟؟؟! يعني: أن لذة نفسي في الحروب، وورود المهالك، وذلك عند الناس غاية الألم، فسبحان الله الذي خلق نفسي على هذه الصفة. الدّهر يعجب من حملي نوائبه ... وصبر نفسي على أحداثه الحطم الحطم بالضم جمع حطوم. يقول: إن الدهر مع غلبته لكل أحد يعجب من احتمالي شدائده، ومن صبري على أحداثه الكاسرة. وقتٌ يضيع، وعمرٌ ليت مدّته ... في غير أمّته من سالف الأمم يقول: إن وقتي ضائع فيما بين أهل هذا القرن الذي أنا فيهم وعمري يذهب هدرا فيما بينهم، فليتني كنت قبل هذا الوقت بين الأمم السالفة. أتى الزّمان بنوه في شبيبته ... فسرّهم وأتيناه على الهرم يقول: من تقدم من سالف الأمم أدركوا الزمان في أول أمره فنالوا خيره، وأتيناه نحن في آخره فلم نجد إلا التعب والعناء. كولد الرجل إذا جاءوا في أول شبيبته انتفعوا بأبيهم، وكسب لهم الأموال وسرهم وأحسن إليهم، وإذا جاءوا له بعد الكبر والعجز والفقر، لم ينل ولده منه إلا الغم والحزن، وربما يموت الوالد فيبقى الوالد يتيما. وهذا كقول الآخر: ونحن في غفلةٍ إذ دهرنا جزعٌ ... فاليوم أمسى وقد أودى به الخرف كان قوم من أهل العراق قتلوا يزيداً الضبي ونكحوا امرأته، ونشأ له منها ولد يسمى: ضبة يغدر بكل أحد نزل به، أو أكل معه، أو شرب، ويشتمه واجتاز أبو الطيب بالطف فنزل بأصدقاء له، وسارت خيلهم إلى هذا العبد واستركبوه، فلزمه المسير معهم. فدخل هذا العبد الحصن وامتنع به، وأقاموا عليه، فلبس سلاحه لهم، وأخذ يشتمهم من وراء الحصن أقبح شتم، ويسمى أبا الطيب بشتمه، وأراد القوم أن يجيبه بمثل ألفظاه القبيحة وسألوه ذلك، فتكلف لهم على مشقة، وعلم أنه لو سبه لهم معرضاً لم يفهم ولم يعمل فيه عمل التصريح، فخاطبه على ألسنتهم من حيث هو. فقال في جمادى الآخرة سنة ثلاث وخمسين وثلاث مئة. قال ابن جني ورأيته وقد قرئت عليه هذه القصيدة وهو ينكر إنشادها، وكان مثل أبي الطيب معه في هذه القصيدة كما روى عن ابن مهرويه عن ابن خلاد عن أبيه قال: قلت لبشار: يا أبا معاذ إنك لتأتي بالأمر المتفاوق فمرةً تثير بشعرك العجاج فتقول: إذا ما ضربنا ضربة مضريّةً ... هتكنا حجاب الشّمس أو قطرت دما إذا ما أعرنا سيداً من قبيلةٍ ... ذرى منبرٍ صلّى علينا ورسلّما ثم تقول: ربابة ربّة البيت ... تصبّ الخلّ في الزّيت لها سبع دجاجاتٍ ... وديكٌ حسن الصّوت فقال: إنما أكلم كل إنسان على قدر معرفته، فأنت وعلية الناس يستحسنون ذلك، وأما رباب فهي جاريتي تربي دجاجات وتجمع لي بيضهن، فإذا أنشدتها هذا حرصت على جمع البيض وأطعمتنيه، وهو أحسن عندها وأنفق من شعري كله، فإذا أنشدتها في النمط الأول لما فهمته ولا انتفعت بها. فهذه صورة المتنبي في هذه القصيدة كما ترى: ما أنصف القوم ضبّه ... وأمّه الطّرطبّه رموا برأس أبيه ... وناكوا الأمّ غلبّه الطرطبة: الطويلة الثديين، وإنما تطول ثدياها إذا صارت عجوزاً. وقد روى: باكوا بالباء وأصله مواقعة الحمار. والغلبه: الغلبة. يقول: إن القوم لم ينصفوا ضبة ولا أمه العجوز، حيث قتلوا أباه وأتوا أمه إتيان الحمار. فلا بمن مات فخرٌ ... ولا بمن نيك رغبه يقول: ليس لهم بأبيه الذي قتلوه فخر، لأنه ساقط وضيع، ولا بأمه التي نيكت رغبة؛ لأنها عجوز لا يرغب أحد فيها. وإنّما قلت ما قل ... ت رحمةً لا محبّه وحيلةً لك حتّى ... عذرت لو كنت تنبه تنبه: تشعر، وكسر التاء في مثلها على لغة بني تميم. يقول: إنما قلت: ناكوا أمك غلبة وقهرا رحمة لك، حيث قتلوا أباك ونحكوا أمك. وقلت أيضا: حيلة لك، ليعذرك الناس على ما جرى، وأنه كان قهرا وغلبة، لا عن رضا منها بالفجور، ولو كنت تفطن لمرادي، ولكنك من جهلك لا تعلم ما أردت. وروى: غدرت: أي قلت هذا القول حيلة لك في الانصاف، حتى تغدر بي لو كنت تبالي بالغدر.. وما علكي من ألقت ... ل إنّما هي ضربه وما عليك من الغد ... ر إنّما هي سبّه وما عليك من العا ... ر أنّ أمّك قحبه وما يشقّ على الكل ... ب أن يكون ابن كلبه

стр. 427

القحبه الفاجرة، وأصلها من القحاب، وهو السعال، وكانت العاهرة إذا أحست بأحد سعلت، ليعلم مكانها فسميت بذلك. يقول: أي عار عليك في قتل أبيك إنما هي ضربة بالسيف، والرجل قد يضرب الضربة والضربتين، ولا يلحقه في ذلك عار، وكذلك أي ضرر عليك بأن تنسب إلى الغدر، فليس هذا بأكثر من نسبة تنسب إليها، وأنت مخلوق من المخازي، وأي عار عليك في كون أمك فاجرة تنكح، فإن النساء لذلك خلقن أي للنكاح! هذا كله هزؤ به. وأنت كلب للؤمك وخستك، فلا ضرر على الكلب في أن يكون ابن كلبة. وما هذه نافية، وفيما قبلها استفهام. ما ضرّها من أتاها ... وإنّما ضرّ صلبه الهاء في صلبه لمن وما للنفي. يقول: لم يضرها كثرة من وطئها؛ لأنها كانت تشتهي ذلك! ولكن الذي أتاها أوهن صلبه بإتيانها، على ما قيل في نكاح العجوز من زيادة الضرر. ولم ينكها ولكن ... عجانها ناك زبّه العجان: ما بين الدبر إلى أصل الخصية، والزب: قضيب الرجل. يقول: واطؤها لم يواقعها تلذذاً بمواقعتها، بل كانت الرغبة من جهتها والتلذذ كان لها، وكان الفعل منسوباً إليها فكأنها هي الناكحة دون ناكحها. يلوم ضبّة قومٌ ... ولا يلومون قلبه وقلبه يشتهّي ... ويلزم الجسم ذنبه يقول: الناس يلومون ضبة بأفعاله القبيحة، وإنما يجب أن يلوموا قلبه لأنه هو الذي يشتهي، فأي ذنب للجسم. لو أبصر الجذع فعلاً ... أحبّ في الجذع صلبه الفعل: كناية عن الأير. وروى مكانه شيئاً بهذا المعنى. يعني: أنه من حبه للأير لو كان الجذع أيرا لاشتهى أن يصلب عليه. يا أطيب الناس نفساً ... وألين النّاس ركبه وأخبث النّاس أصلاً ... في أخبث الأرض تربه وأرخص النّاس أمّاً ... تبيع ألفاً بحبّه قوله: يا أطيب الناس نفسا: كناية عن سماحته بأهله، وقوله: وألين الناس ركبة كناية عن أبنته. يقول: أصلك أخبث أصل، وبلدك أخبث بلد، وأنت تبيع ألف أم بحبة واحدة. كل الفعول سهامٌ ... لمريم وهي جعبه الفعول: كناية عن الأيور، شبهها بالسهام وشبه أمه بالجعبة وأن اسمها مريم على جهة السخرية، نسبها لمريم بنت عمران في حصانتها. وما على من به الدّا ... ء من لقاء الأطبّه يقول: ليس عليها لوم في فجورها، فإن ذلك لحكاك في رحمها، وصاحب الداء لا يلام على لقاء الأطبة، لتشفيه من دائه. وليس بين هلوكٍ ... وحرّةٍ غير خطبه الهلوك: الفاجرة من النساء. يقول: هي وإن كانت زانية فلا عار عليها في ذلك، إذ ليس بين الزانية وبين الحرة فرق إلا هذا العقد، وأما من حيث الصورة فيستويان. يا قاتلاً كلّ ضيفٍ ... غناه ضيحٌ وعلبه وخوف كلّ رفيقٍ ... أباتك اللّيل جنبه الضيح: اللبن الممزوج بالماء، والعلبة: قدح من جلد يكون مع الراعي. يقول: إذا نزل بك ضيف فقير يغنيه شرب اللبن الممزوج بالماء، وقصعة يشرب بها اللبن، قتلته وأخذت ما معه. فكيف تفعل بالأغنياء! وأنت ممن يخافه كل رفيق، وصاحب ينزل به ويبيت عنده، ونصب جنبه لأنه مفعول ثان من أبات وقيل ظرف. كذا خلقت ومن ذا ... الّذي يغالب ربّه! يقول: أنت معذور على غدرك، فأنت طبعت عليه فمن يقدر أن يحولك على طبعك عليه. ومن يبالي بذمٍّ ... إذا تعوّد كسبه؟ يقول: أنت تعودت هذا الغدر، ومن كسب مثل ذلك لا يأنف منه، كما لا يأنف الحجام من حجامته لما كان ذلك كسبه. أما ترى الخيل في النّخ ... ل سربةً بعد سربه على نسائك تجلوا ... أيورها منذ سنبه وهنّ حولك ينظر ... ن والأخيراج رطبه النخل: موضع يعنيه، وقبل: أراد به حقيقة النخل، والسربة: القطعة من الخيل، والسنبة: القطعة من الزمان. وتحلوا. تظهر. وروى أيورها وفعولها وهي كناية عنها. يقول: أما ترى خيولنا كيف تعرض أيورها على نسائك؟! منذ زمان! ونساؤك حولك ينظرن إلى الأيور وأخراجهن رطبة لها. وكلّ غرمول بغلٍ ... يرين يحسدن قنبه الغرمول: للبغل والفرس. والقنب: وعاء الغرمول. يقول: إذا نظرت نساؤك إلى أيور البغال حسدن قنب أيورهن، ويشتهين أن يكون أخراجهن وعاء لها: أي أرحامهن. فسل فؤادك يا ضب ... ب أين خلّف عجبه؟

стр. 428

اراد: يا ضبة فرخم. يقول: أين ذلك العجب الذي كان فيك قبل نزولنا على حصنك؟! وذلك أنه هرب منهم ودخل حصنه ولم يجسر على لقائهم. وإن يخنك لعمري ... لطالما خان صحبه لعمري: قسم. يقول: إن خانك قلبك الآن وأسلمك، فلعمري أن الخيانة له عادة، فطالما خان أصحابه قبل ذلك. وكيف ترغب فيه ... وقد تبيّنت رعبه يقول: كيف ترغب في قلبك بعدما علمت من خوفه وجبنه. ما كنت إلاّ ذباباً ... نفتك عنه مذّبه الهاء في عنه للقلب، وقيل: للعجب. يقول: لما نزلنا عليك طار قلبك من الخوف، فكأنك كنت ذبابا طردت عن قلبك وعن عجبك بالمذبة. وكنت تنخر تيهاً ... فصرت تضرط رهبه روى: تفخر من الفخار، وتنخر من النخير، وهو الصوت من الأنف. يقول: كنت تنخر قبل ذلك تكبراً، فلما نزلنا حول حصنك تركت ذلك التكبر خوفاً، وصرت تضرط رهبة وخوفاً. وإن بعدنا قليلاً ... حملت رمحاً وحربه وقلت ليت بكفّي ... عنان جرداء شطبه الشطبة: الفرس الطويلة. يقول: إن بعدنا عنك خرجت من حصنك، وحملت رمحك وسيفك وقلت: ليت في يدي عنان فرسي. إن أوحشتك المعالي ... فإنّها دار غربه أو آنستك المخازي ... فإنّها لك نسبه يقول: إن كانت المعالي قد أوحشتك، فإنها دار غربة، لا يسكنها إلا غريب. وهذا مثل. والمعنى: إن المعالي لا يحوزها إلا القليل من الناس، فإنها بمنزلة الغرباء وإن عجزت عنها فأنت معذور فإنها لا تليق بك، وإن تألف المخازي وتأنس بها. فغير منكر، لأنها نسبك وأصلك الذي تولدت منه فكيف لا تأنس بها؟! وإن عرفت مرادي ... تكشّفت عنك كربه وإن جهلت مرادي ... فإنّه بك أشبه يقول: أنت الآن في كربة وشغل قلب من هذا الشعر؛ لأنك من جهلك لا تعرف: أمدح هو أم هجو؟! فلو عرفت أنه هجو لانكشفت عن قلبك كربته، لأنك لا تبالي بالهجو والذم، لسقوطك وحقارة أصلك، وإن جهلت مرادي فيما أقول فإنه أشبه بك؛ لأنك جاهل لا تعرف الشتم من المدح. ونجم خارجي من بني كلاب بظهر الكوفة، وذكر له أن خلقاً من أهلها قد أجابوه وحلفوا له، فسارت إليها بنو كلاب معه، ليأخذها، ورفعت الرايات وخرج أبو الطيب على الصوت من ناحية قطوان فلقيته قطعة من الخيل في الظهر، فقاتلها ساعةً فانكشفت وجرح منها وقتل. وسار في الظهر حتى دخل إلى جمع السلطان والرعية من درب البراجم. ووقعت المراسلة سائل اليوم، وعادوا من غد فاقتتلوا إلى آخر النهار، فلم يصنع الخارجي شيئاً، ورجع وقد اختلفت فيه بنو كلاب وتبرأ بعضهم من بعض، وعاد بعد أربعة أيام فاقتتل في الظهر فوقع بالسلطان والعامة جراح، وقتل من بني كلاب، وطعن فرس لأبي الطيب تحت غلام له في لبته فمات لوقته، فحمله محمد بن عمرو على فرس، وخرج له غلام آخر فقتل رجلاً، وعادوا من غد فالتقى الناس عند دار أسلم، وبينهم حائط فقتل من بني كلاب بالنشاب عدة، فانصرفوا ولم يقفوا للقتال. ووقعت الأخبار إلى بغداد، فسار أبو الفوارس دلير بن لشكروز وجماعة من القواد، فورد الكوفة بعد رحيل بني كلاب عنها، فأنفذ إلى أبي الطيب ساعة نزل ثياباً نفيسةً من ديباج رومي ومن خز ودبيقي فقال يمدحه وأنشده إياها في الميدان وهما على فرسيهما، وكان تحت دلير فرس جواد أصغر، وعليه حلية ثقيلة مقلدة، فقاده إليه، وذلك في ذي الحجة سنة ثلاث وخمسين وثلاث مئة: كدعواك كلٌّ يدّعي صحّة العقل ... ومن ذا الّذي يدري بما فيه من جهل يخاطب عاذلته ويقول: كل أحد يدعي صحة عقله كما تدعينه أنت، ولا يعلم أحد ما فيه من الجهل والحمق؛ لأن المرء لا يعرف عيب نفسه. لهنّك أولى لائمٍ بملامةٍ ... وأحوج ممّن تعذلين إلى العذل لهنك: كلمة تستعمل عند التوكيد وأصلها: لأنك فأبدلت الهمزة هاء كما قالوا: إياك وهياك، وهي إن، التي تنصب الاسم وترفع الخبر، وأدخلوا عليها اللام للتأكيد، وجمع بينهما، وإن كانت إن للتأكيد، لأن الهمزة لما أبدلت هاء زالت لفظة إن فصارت كأنها شيء آخر غير إن فجاز الجمع بينهما. وهذا جواب القسم المحذوف. والمعنى: والله إنك أولى بالملامة وأحوج إلى العذل من هذا الذي تعذلينه، فإنك أجهل منه. تقولين ما في النّاس مثلك عاشقٌ ... جدي مثل من أحببته تجدي مثلي

стр. 429

مثلك نصب على الحال، لأنه صفة نكرة قدم عليها وجدي: أمر من الوجود وتجدي جوابه. يقول لعاذلته: إنك تقولين له، إنه ليس لك في العشاق نظير، فقد صدقت، وإنما كنت كذلك لأن من أحبه لا نظير له، فأوجدي مثل من أحبه حتى تجدي عاشقاً مثلي. وحبٌّ كنى بالبيض عن مرهفاته ... وبالحسن في أجسامهنّ عن الصّقل فاعل كنى ضمير المحب، والهاء في مرهفاته تعود إليه. يقول: أنا محب بخلاف سائر المحبين، فإذا رأيتني أذكر البيض فإنما أكنى بها عن السيوف، وإذا ذكرت الحسن فإنما أعني به صقل السيوف. وبالسّمر عن سمر القنا غير أنّني ... جناها أحبّائي وأطرافها رسلي يقول: إذا سمعتني أذكر السمر فإنما أعني بها الرماح. وجني الرماح أحبائي: أي ما تجنيه الرماح من القتل والسبي، فإنها أحبائي، وأطراف الرماح رسلي إلى أحبائي وهذا مثل قوله: وما سكني سوى قتل الأعادي وقوله: وليس لنا إلاّ السّيوف رسائل عدمت فؤاداً لم تبت فيه فضلةٌ ... لغير الثّنايا الغرّ والحدق النّجل يدعو على قلبه ويقول: لا كان لي قلب ليس له همة إلا النساء، وليس فيه فضلة لطلب المعالي واقتناء المكارم. فما حرمت حسناء بالهجر غبطةً ... ولا بلّغتها من شكا الهجر بالوصل الغبطة: السرور، والهاء في بلغتها للغبطة، وهي أحد المفعولين، والثاني من. يقول: لا تبالي بوصل النساء وهجرهن؛ فإن الحسناء إذا هجرتك لم تحرمك سروراً، وإذا وصلت لم تبلغك إليها. وهذا معنى قوله: ولا بلّغتها من شكا الهجر بالوصل ذريني أنل ما لا ينال من العلا ... فصعب العلا في الصّعب والسّهل في السّهل يقول لعاذلته: دعيني أخاطر بنفسي حتى أنال من الأمور ما لا يناله غيري، فإن صعاب المعالي لا تنال إلا بصعاب الأمور. تريدين لقيان المعالي رخيصةً ... ولا بدّ دون الشّهد من إبر النّحل يقول: إنك تريدين أن أدرك المعالي بالهويني، وهذا مما لا يكون، فإن المرء لا يدرك حلاوة المعالي إلا بمقاساة مرارة الخطر، كما أنه لا يجتني الشهد حتى يصبر على لسع النحل. حذرت علينا الموت والخيل تدّعي ... ولم تعلمي عن أيّ عاقبةٍ تجلي الخيل تدعي: أي أصحاب الخيل يدعو بعضهم بعضاً. وقيل: تدعي أي تنتسب كل قبيلة إلى أبيها. وتجلي: أي تنجلي وتنكشف. يقول لعاذلته: خفت على القتل ولم تعلمي عواقب الحرب، فربما انكشفت عن الظفر والعز. ولست غبيناً لو شريت منيّتي ... بإكرام دلّير بن لشكروزٍّلي يقول: لو اشتريت منيتي بهذا الإكرام من جهة دلير، لما كنت مغبوناً بل كنت مغبوطاً. تمرّ الأنابيب الخواطر بيننا ... ونذكر إقبال الأمير فتحلولي يقول: أمر الشيء يمر إمراراً فهو ممر، ومر يمر مرارةً فهو مر. والخواطر صفة الأنابيب أي الأنابيب المتحركة. ويقال: حلا الشيء يحلو، واحلولي يحلولي بمعنىً. يقول: نرى طعم الرماح فيما بيننا مراً، حتى إذا ذكرنا إقبال الأمير عاد ما أمر منها نهايةً في الحلاوة، فأقدمنا غير كارهين له. وفي قافية هذا البيت خلل؛ وذلك أنه جاء بها مردفة وليس في القصيدة بيت مردف غيره. ومعنى المردف: أن يكون قبل حرف الروي ألفاً أو واواً أو ياءً، فيلزم جميع القصيدة نحو: مسعود وسعيد وسالم. وما جاء به عيب عند العلماء بعلم القوافي، إلا أنه قد جاء في الشعر القديم مثله وهو: إذا كنت في حاجةٍ مرسلاً ... فأرسل حكيماً ولا توصه فجاء بهذه القافية مردوفة بالواو المضموم ما قبلها ثم قال: وإن باب أمرٍ عليك التوى ... فشاور لبيباً ولا تعصه وهذه غير مردفة. ولو كنت أدري أنّها سببٌ له ... لزاد سروري بالزّيادة في القتل الهاء في أنها قيل: راجعة إلى الطعنة التي أصابته في قتال الخارجي. وقيل: راجعة إلى الأنابيب، وقيل: راجعة إلى خيل الخارجي. والهاء في له للإكرام أو الإقبال. يقول: لو علمت أن هذه الطعنة أو هذه الأنابيب أو هذه الخيل سبب لإكرام الأمير وإقباله لكنت أزداد فرحاً بزيادة القتل والإقدام ليكون الإكرام أكثر. فلا عدمت أرض العراقين فتنةً ... دعتك إليها كاشف الخوف والمحل

стр. 430

نصب كاشف على النداء المضاف، أو على الحال، أو على البدل من الكاف في دعتك والمحل: الجدب. يقول: لا عدم أهل العراقين مثل هذه الفتنة التي كانت سبب مجيئك إلينا؛ لأنك كشفت عنا الخوف ببأسك، والمحل بجودك وفضلك. ظللنا إذا أنبى الحديد نصولنا ... نجرّد ذكراً منك أمضى من النّصل أنبى أي جعلها تنبو، يقال نبا النصل، وأنباه غيره. يقول: كنا إذا ضربنا أعداءنا فرجعت نصولنا ونبت؛ لما عليهم من الحديد، ذكرنا لهم اسمك فكان يؤثر فيهم أكثر مما يؤثر السيف! أي كنا نذكر اسمك فنهزمهم بذكره. ونرمي نواصيها من اسمك في الوغى ... بأنفذ من نشّابنا ومن النّبل النشاب: سهام العجم، وهي أطول من النبل، والهاء في نواصيها للخيل. يعني: كنا نرميها من اسمك بسهم أنفذ من كل سهم. فإن تك من بعد القتال أتيتنا ... فقد هزم الأعداء ذكرك من قبل جعل قبل نكرة فأعربه. يقول: إن كنت جئت إلينا بعد أن هزمناهم، فإنما هزمناهم باسمك فقام ذكرك مقام حضورك. وما زلت أطوي القلب قبل اجتماعنا ... على حاجةٍ بين السّنابك والسّبل قوله: أطوي القلب كناية عن العزم. يقول: ما زلت اضمر في نفسي المسير إليك، فكنى عن ذلك بالسنابك والطرق. ولو لم تسر سرنا إليك بأنفسٍ ... غرائب يؤثرن الجياد على الأهل يقول: لو لم تأتنا لأتيناك بأنفس غريبة، تختار الخيل على الأهل، وقوله: غرائب يجوز أن يكون المراد بها أنها غريبة فيما بين الأنفس، لأن سائر الأنفس لا تختار ذلك، ويجوز أن يريد أنها غريبة في هذا الزمان لعلو همتها. وخيلٍ إذا مرّت بوحشٍ وروضةٍ ... أبت رعيها إلاّ ومرجلنا يغلي أي: سرنا إليك بأنفس وخيل كريمة، قد تعودت الصيد، فإذا مرت على روضة فيها وحش، لم ترع حتى تصيد لنا، ثم ترعى بعد ذلك. ولكن رأيت القصد في الفضل شركةً ... فكان لك الفضلان بالقصد والفضل يقول: إنك رأيت قصدنا إليك مشاركةً في فضلك، فقصدتنا بنفسك حتى حويت الفضل الذي لك وفضل القصد فاجتمع الفضلان. وليس الّذي يتّبّع الوبل رائداً ... كمن جاءه في داره رائد الوبل يعني: أنك قصدتنا وأفضت علينا إنعامك، فهذا أهنى من عطاء كان بعد قصدنا إليك، كما أن الرجل إذا جاءه الغيث في داره، كان أهنى من أن يخرج في طلبه وارتياده. ومثله لآخر: فكنت فيهم كممطورٍ ببلدته ... فسرّ أن جمع الأوطان والمطرا وما أنا ممّن يدّعي الشّوق قلبه ... ويحتجّ في ترك الزّيارة بالشّغل يقول: لست ممن يزعم أنه مشتاق صديقاً، ثم يحتج في ترك زيارته؛ لأن الأشغال تمنعه عنها، لأن من هذه حاله، فليس بصادق في الشوق، فلولا أنك قصدتنا لكنا نقصد إليك ولم نتأخر عن خدمتك. وقيل: أراد أني لم أحتج بترك زيارتك بشغل ولكني أقول إن شاء الله تعالى. أراد أن يحصل لك فضل القصد مع غيره من الفضل. أرادت كلابٌ أن تقوم بدولةٍ ... لمن تركت رعى الشّويهات والإبل أنث كلاباً على معنى القبيلة. ومن استفهام على وجه الاستهزاء. يقول: أرادت بنو كلاب القيام بدولة الملك، وهم رعاة الغنم والإبل، فإذا طلبوا الولاية فلمن يتركوا رعيها؟! أي رعى الغنم والإبل أولى لهم من الإمارة. أبى ربّها أن يترك الوحش وحدها ... وأن يؤمن الضّبّ الخبيث من الأكل الهاء في ربها لبني كلاب وقيل: للشويهات. وفي وحدها للوحش. يعني: أنهم يسكنون مع الوحش، فلم يرد الله تعالى أن يؤتيهم الولاية فتنفرد الوحش عنهم، وعادتهم أكل الضباب فلم يرد الله تعالى لهم الولاية، فيأمن الضب من أكلهم لها. وقاد لها دلّير كلّ طمرّةٍ ... تنيف بخدّيها سحوقٌ من النّخل الطمرة: الفرس الوثابة، وقيل: المشرفة. والسحوق: النخلة الطويلة، وأراد بها ها هنا عنق هذه الطمرة، وهي فاعل تنيف والهاء في لها لبني كلاب. يقول: قصد دلير بني كلاب بكل فرس كأن عنقها نخلة طويلة، ترفع خديها. وكلّ جوادٍ تلطم الأرض كفّه ... بأغنى عن النّعل الحديد من النّعل أي قصد إليها بكل فرس صلب الحوافر لا يحتاج إلى نعل، كما لا يحتاج النعل إلى النعل وأراد: تلطم الأرض بحافر أصلب من نعل الحديد.

стр. 431

فولّت تريغ الغيث والغيث خلّفت ... وتطلب ما قد كان في اليد بالرّجل يقول: ولت بنو كلاب لما قصدهم دلير، وذهبت بالوادي تطلب الغيث لإبلها، وخلفت الغيث: وهو طاعة السلطان. يعني: أنها تركت ما كانت فيه من الأمن والخصب، لما خرجت من طاعة السلطان، ورجعت إلى البوادي تطلب مساقط الأمطار. تحاذر هزل المال وهي ذليلةٌ ... وأشهد أنّ الذلّ شرٌّ من الهزل وهي ذليلة: يعني بنو كلاب. يقول: خافت أن تهزل أموالها، فخرجت تنتجع الأمطار والمراعي. وما لحقها من الذل شر من هزال المال. وأهدت إلينا غير قاصدةٍ به ... كريم السّجايا يسبق القول بالفعل غير قاصدة نصب على الحال، ونصب كريم لأنه مفعول أهدت وهو فعل بني كلاب، وبه يرجع إلى كريم السجايا وهو مقدم في المعنى. يقول: كان سبب مجيء دلير إلينا، مجيء بني كلاب، فكأنها أهدته لنا وإن لم تقصد ذلك، وهو يبتدئ بالنوال قبل الوعد بالسؤال. تتبّع آثار الرّزايا بجوده ... تتبّع آثار الأسنّة بالّفتل الفتل جمع فتيلة. يقول: جر بجوده كل مصيبة أصابتنا، في نفس أو مال. وأصلح حالنا، كما تصلح الجراح بالفتل عند المعالجة. وروى بالقتل يعني: أتى على المصائب بعطاياه، كما يأتي بالقتل على آثار الأسنة: أي لا يحتاج مع القتل إلى معالجة آثار الأسنة. شفى كلّ شاكٍ سيفه ونواله ... من الدّاء حتّى الثّاكلات من الثّكل يقول: شفى كل إنسان مما كان يشكوه، فشفى الفقر بنواله، والجور بسيفه، وأخذ للثاكلات بثأرهن؛ فشفاهن من الثكل. عفيفٌ تروق الشّمس صورة وجهه ... ولو نزلت شوقاً لحاد إلى الظّلّ شوقاً مفعول له. يقول: هو مع عفته قد عشقته الشمس، فلو نزلت من شوقها إليه، لعلد عنها إلى الظل لعفته. شجاعٌ كأنّ الحرب عاشقةٌ له ... إذا زارها فدّته بالخيل والرّجل يقول: تسلم إليه الحرب من شاء قتله أو سبيه، فكأنها عاشقة له، وتفديه بهم. قال ابن جني: هذا من بدائع معانيه. وريّان لا تصدى إلى الخمر نفسه ... وعطشان لا تروى يداه من البذل يقول: لا يرغب في الشراب؛ لما فيه من الإثم، فهو ريان عنه، ولا يفتر عن البذل؛ لما فيه من الحمد، فهو عطشان إليه. فتمليك دلّيرٍ وتعظيم قدره ... شهيدٌ بوحدانيّة الله والعدل يقول: تمليك الله تعالى إياه، وتعظيمه لقدره، دليل على التوحيد والعدل؛ لأن توليته إياه حكمة وصواب، ووضع للحق في موضعه. وما دام دلّيرٌ يهزّ حسامه ... فلا ناب في الدّنيا لليثٍ ولا شبل يعني: أن أنياب الأسود لا تعمل عمل سيفه، فكأنها في جنب سيفه معدومة. وما دام دلّيرٌ يقلّب كفّه ... فلا خلق من دعوى المكارم في حلّ أي ما دام هو يقلب كفه بالعطاء وقتل الأعداء فليس لأحد ادعاء المكارم، لأنه قد ملك المكارم. فتىً لا يرجّى أن تتمّ طهارةٌ ... لمن لم يطهّر راحتيه من البخل يقول: هو فتىً يعتقد أن الطهارة من الأنجاس لا تتم إلا بتطهير الراحة من البخل، فكما أن الطهارة من الأنجاس واجبة، كذلك اجتناب البخل واجب. وقيل: أراد بالطهارة: الختان، أي أن طهارة الختان لا تتم إلا بإزالة البخل. فلا قطع الرّحمن أصلاً أتى به ... فإنّي رأيت الطّيّب الطّيّب الأصل يقول: هو طيب وأصله الذي أتى به طيب إذ الطيب لا يأتي إلا من أصل طيب، فلا قطع الله تعالى أصلاً جاء بمثله. العميديات وقال يمدح أبا الفضل محمد بن الحسين بن العميد، حين ورد عليه بأرجان في ربيع الأول سنة أربع وخمسين وثلاث مئة: بادٍ هواك صبرت أم لم تصبرا ... وبكاك إن لم يجر دمعك أو جرى باد أي ظاهر، وهواك: رفع بالابتداء وباد خبره مقدم عليه عند سيبويه. وعند الأخفش: باد مبتدأ وهواك مرتفع به كما يرتفع الفاعل، وقد سد مسد المبتدأ. وقوله: أو لم تصبرا في موضع جزم، وأصله: تصبرن بالنون الخفيفة للتأكيد، فأبدل عنها ألفاً في الوقف، كقوله تعالى: " لَنَسْفَعاً " وقول الأعشى: ولا تعبد الشّيطان والله فاعبدا هذا قول البصريين. وفي قول البغداديين: أنه خاطب الواحد الاثنين كقول الآخر: فإن تزجراني بابن عفّان أنزجر ... وإن تدعاني أحم عرضاً ممنّعاً

стр. 432

والمعنى: أن هواك ظاهر علاماته، سواء صبرت أو جزعت، وكذلك بكاؤك ظاهر، سواء جرى دمعك أو لم يجر. وحكى أنه قيل للمتنبي: إنك خالفت بين المصراعين، فوضعت في الأول إيجاباً بعده نفي، وفي الثاني نفياً بعده إيجاب، وصنعة الشعر تقتضي الموافقة بين صدر البيت وعجزه. فقال: إن كنت خالفت بينهما لفظاً فقد وافقت بينهما معنىً، وذلك أن من صبر لم يجر دمعه، ومن لم يصبر جرى دمعه، ومراعاة المعنى أولى من مراعاة اللفظ. وبكاك عطف على هواك ويجوز أن يكون عطفاً على الضمير في صبرت كأنه قال: صبرت وصبر بكاؤك فلم يجر دمعك أو لم تصبر فجرى دمعك. كم غرّ صبرك وابتسامك صاحباً ... لمّا رآه وفي الحشى ما لا يرى الوجه: لما رآهما. ولكنه أقام ضمير الواحد مقام الاثنين. وقيل: أراد، كم غر صبرك صاحباً لما رآه، وابتسامك لما رآه، فحذف أحد الضميرين لدلالة الآخر، كما قال بعضهم: نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راضٍ والرّأي مختلف أي نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راض. ثم اكتفى بأحد الخبرين عن الآخر. وقيل: إنه أضمر التجلد. والضمير في رآه إليه راجع؛ وذلك أن الصبر والابتسام واحد وهو التجلد. والمعنى: أن كثيراً من أصحابك لما رأوا صبرك وضحكك غرهم ذلك منك، ولم يعلموا ما في قلبك من نار الهوى وألم العشق. أمر الفؤاد لسانه وجفونه ... فكتمنه وكفى بجسمك مخبرا الهاء في لسانه وجفونه: للفؤاد، وقيل: للعاشق؛ لأن في الكلام دلالة عليه، وفي كتمنه إلى ما لا يرى. يقول: لسانك يكتم أمر الهوى فلا ينطق به، وجفونك تكتمه بترك البكاء، فكأن قلبك أمرهما بكتم الهوى، وهما إخوانه وأتباعه، ولكن نحول جسمك يخبر عما في قلبك، فكفى به مخبراً. تعس المهارى غير مهريٍّ غدا ... بمصّورٍ لبس الحرير مصوّرا المهارى: جمع مهري، وهي إبل تنسب إلى مهرة بن حيدان أبو حي من العرب جيد الإبل. وتعس: أي شقي جده، وقوله: بمصور أي بإنسان مصور صورة حسنة، لبس حريراً مصوراً بالصور والنقوش. دعاء على الإبل؛ لأنها سبب الفراق، إلا هذا البعير الذي فوقه هذه المرأة التي هي كالصورة في حسنها، وعليها ثياب حرير عليها تصاوير. ومصوراً: نصب على الحال. نافست فيه صورةً في ستره ... لو كنتها لخفيت حتّى يظهرا الهاء في فيه للمصور وهو المحبوب، وقيل: هو الحرير. والهاء في ستره يرجع إلى المصور. يقول: كان دون هذه المحبوبة ستر عليه صورة، نافست هذه الصورة وحسدتها على قربها من المحبوب، ولو كنت هذه الصورة لخفيت وغبت حتى يظهر المحبوب للرائيين، بخلاف هذا الستر الذي لا يغيب. والفائدة في ظهوره إنما هو تنزه الأبصار برؤيته وتكون الفائدة فيه. وصف نفسه بالنحول وأنه بصفة لا تستره عن الناظرين، أو يريد إقامة عذره للناس في حبه إياه. لا تترب الأيدي المقيمة فوقه ... كسرى مقام الحاجبين وقيصرا لا تترب: أي لا تفتقر المقيمة الفاعلة من الإقامة التي هي المتعدي من القيامة. وكسرى وقيصر نصب به، والهاء في فوقه للستر. يقول: لا تترب يد من نقش على هذا الستر صورة كسرى وقيصر؛ حيث أقامهما على باب الستر كالحاجبين. يقيان في أحد الهوادج مقلةً ... رحلت وكان لها فؤادي محجرا المحجر: ما يبدو من النقاب من حوالي العين، جعل المحبوبة عين قلبه فقال: إن كسرى وقيصر يحفظان في واحد من الهوادج يعني هودج حبيبته مقلةً، فلما ارتحلت المقلة زال عن قلبي ضياؤه وعمي قلبي، فصار محجراً لا مقلة له. قد كنت أحذر بينهم من قبله ... لو كان ينفع حائناً أن يحذرا لهاء في قبله للبين، وقيل: أراد من قبل وقوعه، فحذف المضاف والحائن: الذي دنا حينه وهلاكه. يقول: لو نفع الحذر الحائن لنفعني؛ لأني كنت أحذر فراقهم قبل وقوعه، فلم ينفعني الحذر، لما وقع بي ما حذرته. ولو استطعت إذا غدت روّادهم ... لمنعت كلّ سحابةٍ أن تقطرا الرواد: جمع رائد. يقول: لو قدرت - حين تخرج روادهم لطلب الماء والكلأ - لمنعت السحاب من المطر، لكن لا قدرة لي على ذلك. فإذا السّحاب أخو غراب فراقهم ... جعل الصّياح ببينهم أن يمطرا

стр. 433

يقول: لو قدرت لمنعت كل سحابة من المطر؛ لأني تأملت الحال فرأيت السحاب سبباً للفراق؛ لأنه إذا مطر خرجوا لطلب المطر والكلأ، فهو مثل غراب البين؛ لأنه إذا صاح أذن بالفراق! ومطر السحاب كذلك، فالسحاب كالغراب ومطره في دلالته على الفراق كصياح غراب البين، فلو قدرت لمنعته من المطر حتى لا يؤدي إلى الفراق. وإذا الحمائل ما يخدن بنفنفٍ ... إلاّ شققن عليه ثوباً أخضرا الحمائل: جمع الحمولة، وهي الإبل التي يحمل عليها. والنفنف: المهوى بين جبلين. ويخدن: يسرعن. شبه كثرة الكلأ على وجه الأرض بثوب أخضر، وشقها إياه: رعيها له حتى يصير كالثوب المشقوق لما رعت الوسط وتركت الحافات. وقيل: شقها إياه: سيرها فيه. يقول: وإذا إبلهم لا تسير في فلاة إلا شقت عليها ما لبست من الكلأ، برعيها ووطئها. يحملن مثل الرّوض إلاّ أنّه ... أسبى مهاةً للقلوب وجؤذرا شبه الهوادج بالروض؛ للنقوش التي عليها، وشبه النساء التي في الهوادج ببقر الوحش وأولادها. يقول: تحمل هذه الإبل في هذا الروض هوادج مثل الروض وكذلك مثل الروض من ربات الهوادج، إلا أن هؤلاء النساء أسبى للقلوب من المها والجآذر. ومهاةً وجؤذرا نصبا على التمييز. فبلحظها نكرت قناتي راحتي ... ضعفاً، وأنكر خاتماي الخنصرا نكرت الشيء فأنكرته. يقول: بسبب لحظ النساء ضعفت راحتي عن حمل قناتي، وقلق خاتمي في خنصري؛ لنحولي وضعفي. أعطى الزّمان فما قبلت عطاءه ... وأراد لي فأردت أن أتخيّرا يقول: أعطاني الزمان حظاً فلم أقبله منه، وأردت أن أكون أشرف منه، وأراد لي حالاً فأحببت أن يكون على اختياري، فلم أرض إلا بلقاء ابن العميد. أرجان أيّتها الجياد فإنّه ... عزمي الّذي يذر الوشيج مكسّرا أرجان: مدينة من فارس، أصله بتشديد الراء، ونصبه بفعل مضمر، أي اقصدي أرجان. يقول لخيله: اقصدي أرجان فإني عزمت على لقاء ابن العميد عزماً صحيحاً، لو ردني عنه رمح لكسر الرمح عزمي. والوشيج: الرماح. وأصله: أصول الرماح. لو كنت أفعل ما اشتهيت فعاله ... ما شقّ كوكبك العجاج الأكدرا الفعال بفتح الفاء: ما يفعله الإنسان من كرم وجود وغيرهما، وكوكب الخيل: مجتمعها، والأكدر: الأسود. يقول لخيله: لو فعلت ما نت تشتهينه ما جشمتك دخول الغبار الأسود وشقه؛ لأن مرادك ألا تتكلفي ذلك، غير أني لا أرضى إلا بما أجشمك من المشقة في قصدي إلى ابن العميد ورؤيتي إياه. أمّي أبا الفضل المبرّ أليّتي ... لأيمّمنّ أجلّ بحرٍ جوهراً أمي: أي اقصدي، والمبر: المصدق، والآلية: اليمين. يعني: اقصدي أبا الفضل؛ فإنه الذي يبر يميني فيكون المبر خبراً لأمي. يقول: اقصدي أبا الفضل، فإنه الذي يبر يميني حيث حلفت أني أقصد بحراً جوهره أجل من جوهر كل بحر، وليس أحد بهذه الصفة غيره، فهو الذي يبر يميني. أفتى برؤيته الأنام وحاش لي ... من أن أكون مقصّراً أو مقصرا يقال: قصرت عن الشيء: إذا تركته عاجزاً، وأقصرت: إذا تركته وأنت قادر عليه. يقول: لما حلفت على أن ألقي أجل بحر جوهراً، أفتاني الناس كلهم بأن يميني لا تبر إلا برؤيته، لأنه المختص بهذه الصفة، وحاشى لي من أن أترك قصده قدرت أو لم أقدر عليه، فإن مثلي إذا حلف لا يحنث في يمينه، فلا بد لي من لقائه. صغت السّوار لأيّ كفٍّ بشّرت ... بابن العميد، وأيّ عبدٍ كبّرا يقول: صغت السوار، لأجعله في يد من يبشرني بابن العميد، وكذلك صغت لأي عبد كبر. يريد بذلك: ما جرى من عادة الناس إذا رأوا ما يتوقعون، أو شيئا يعجبهم كبروا عند رؤيته. إن لم تغثني خيله وسلاحه ... فمتى أقود إلى الأعادي عسكرا؟! يقول: إن لم يغثني ابن العميد بخيله وسلاحه، لم أقدر على تجهيز الخيل إلى قتل الأعداء. بأبي وأمّي ناطقٌ في لفظه ... ثمنٌ تباع به القلوب وتشترى يقول: أبي وأمي فداء لناطق يملك بحسن لفظه، قلوب الناس، فكأنه يجعل لفظه ثمناً للقلوب يشتريها به. من لا تريه الحرب خلقاً مقبلاً ... فيها، ولا خلقٌ يراه مدبرا من بدل من قوله: بأبي وأمي ناطق والهاء في فيها للحرب.

стр. 434

يقول: بأبي من لا تريه الحرب أحداً من الناس مقبلا إليه، ولا يراه أحد مدبرا: أي لا يقدر على لقائه أحد، ولا يولي من بين يدي أحد أيضاً. خنثى الفحول من الكماة بصبغه ... ما يلبسون من الحديد معصفرا أي: جعل الفحول كالمخنثين الذين يلبسون المعصفرات: يعني خضب ثياب الكماة ودروعهم بدمائهم فصاروا كالمخنثين الذين يلبسون المعصفرات. وقيل: جعلهم كالمخنثين لجبنهم. وتقديره: بصبغه معصفرا ما يلبسون من الحديد. يتكسّب القصب الضّعيف بخطّه ... شرفاً على صمّ الرّماح ومفخراً أراد بالقصب الضعيف: القلم، وبالمفخر: الفخر. يعني: إذا كتب بقلمه اكتسب قلمه بخطه شرفا على الرماح؛ لأنه يفعل بقلمه ما لا يفعله الفارس برمحه. ويبين فيما مسّ منه بنانه ... تيه المدلّ فلو مشى لتبخترا الهاء في منه للقصب. يقول: يظهر في كل قصب مسه بنانه من التيه ما لو أمكنه المشي لتبختر في مشيه. يا من إذا ورد البلاد كتابه ... قبل الجيوش ثنى الجيوش تحيّرا يعني: إذا كتب لعدو كتاباً لم يحتج إلى إنفاذ الجيوش؛ لأنه يهزمهم بكتابه ويصيرهم متحيرين بوعده ووعيده. وهذا المعنى ذكره ابن العميد لنفسه في قوله: إذا ما حلّ أرض علاي خطبٌ ... كشفت الخطب عنها بالخطابه وإن زحف الكتائب نحو أرضي ... قصمت عرى الكتائب بالكتابه أنت الوحيد إذا ركبت طريقةً ... ومن الرّديف وقد ركبت غضنفرا يقول: أنت في جميع أحوالك لا نظير لك، لا تركب إلا كل طريقة صعبة لا يطيقها أحد، ولا يتبعك فيها أحد؛ مخافة فضيحة، فكأنك ركبت الأسد، ومن ركب الأسد لا يمكن أحد من أن يصير رديفا له. قطف الرّجال القول قبل نباته ... وقطفت أنت القول لمّا نوّرا يقول: كلام الناس لم يدرك بعد، فهو كنور لم يتنور، وكلامك عذب فصيح كنور تنور وأدرك. فهو المتبّع بالمسامع إن مضى ... وهو المضاعف حسنه إن كرّرا فهو: أي القول. يقول: كلامك كلما سمعه سامع استعاده وتتبعه بسمعه؛ لحسنه، وكلما كرر على المسامع ازداد حسنه. وإذا سكتّ فإنّ أبلغ خاطبٍ ... قلمٌ لك اتخذ الأصابع منبراً يقول: إذا سكت قام قلمك مقام خطابك، يخطب الناس ومنبره أصابعك شبه قلمه على أنامله بخطيب على منبر. ورسائلٌ قطع العداة سحاءها ... فرأوا قناً وأسنّةً وسنّورا السحاء ما يشد به القرطاس، سمي بذلك لأنه يسحي من ظهره أو يقشر، والسنور: ما لبس من جنس الحديد خاصة كالدروع والجواشن. يقول: إذا فض أعداؤك كتبك رأوا من بلاغتك ما يملأ قلوبهم رعباً، فكأن الكتابة كتيبة فيها الرماح والأسلحة، تدفع بها الأعداء وتفل بها الجيوش. وقيل: إنهم إذا رأوا فصاحتك ماتوا حسداً لك. فدعاك حسّدك الرّئيس وأمسكوا ... ودعاك خالقك الرّئيس الأكبرا كان ابن العميد يخاطب بالأستاذ الرئيس. يقول: إن أعداءك خاطبوك بالرئيس، ولم يزيدوا عليه، والله تعالى قد سماك الرئيس الأكبر. خلفت صفاتك في العيون كلامه ... كالخطّ يملأ مسمعي من أبصرا الهاء في كلامه تعود إلى الخالق. يعني: أن الله تعالى لم يدعك الرئيس الأكبر بصوت يسمع، وإنما جعل فيك صفات تقوم مقام كلامه، لأن صفاتك توجب لك هذه التسمية. فكأنها خط فيه حكاية قول الله تعالى: إنك الرئيس الأكبر. فكما أن الخط إذا نظر إليه فهم ما يدل عليه من المعاني، وإن لم يسمع، فكذلك يفهم في صفاتك هذا الاسم وإن لم يسمع. أرأيت همّة ناقتي في ناقةٍ ... نقلت يداً سرحاً وخفّاً مجمرا؟! اليد السرح: السهلة القبض والبسط، والخف المجمر: الصلب يقول: هل رأيت همة ناقتي فيما بين النوق، كيف علت سائر الهمم، حيث قصدتك، بنقل يد سرح وخف مجمر، وترك الملوك وراءها. تركت دخان الرّمث في أوطانها ... طلباً لقومٍ يوقدون العنبراً الرمث نبت يوقد به وإذا أكلته الإبل اشتكت بطونها. يقول: تركت ناقتي أهل البادية الذين يوقدون الرمث، وقصدت ملكاً يوقد العنبر، فهمتها بخلاف همة سائر النوق. ومثله للبحتري: نزلوا بأرض الزّعفران وجانبوا ... أرضاً تربّ الشّيح والقيصوما وتكرّمت ركباتها عن مبركٍ ... تقعان فيه وليس مسكاً أذفرا

стр. 435

إنما جمع الركبة مع أن للناقة ركبتين مجازاً، لأنه أراد الركبتين وما بينهما أو يكون قد سمى لكل جزء منه ركبة، ثم قال: تقعان فرجع إلى التثنية الحقيقية وترك المجاز، والأذفر: الذكي الرائحة. يقول: إن ناقتي ترفعت وأنفت عن أن تقع ركبتاها على مبرك فيه التراب، وإنما أرادت أن تقع ركبتاها على المسك الأذفر، فلهذا قصدتك فأتتك دامية الأظلّ كأنّما ... حذيت قوائمها العقيق الأحمرا الأظل: باطن الخف الذي يلي الأرض، وحذيت أي جعل لها حذاءً وهو النعل. يقول: جاءتك ناقتي والحجارة قد أدمت أخفافها، فكأنها حذيت بالعقيق الأحمر. شبه الدم الأحمر بالعقيق. بدرت إليك يد الزّمان كأنّها ... وجدته مشغول اليدين مفكّرا يقول: إن ناقتي سبقت إليك قبل أن يعلم الزمان فيعوقها عنك، فكأنها رأت الزمان مشغولا عنها فانتهزت الفرصة. من مبلغ الأعراب أنّى بعدها ... لاقيت رسطاليس والإسكندرا يقول: من مبلغ الأعراب الذين فارقتهم، أني رأيت ملكا كأنه أرسطاليس في حكمته وعلمه، والاسكندر في ملكه. كأنه يعرض بسيف الدولة. ومللت نحر عشارها فأضافني ... من ينحر البدر النّضار لمن قرى العشار: النوق الحوامل التي أتى على حملها عشرة أشهر، والنضار: الذهب الخالص، وهو بدل من البدر ويجوز أن يكون صفة لها. يقول: من يبلغ الأعراب أني مللت ذبح نوقها لي ضيافةً، فخرجت من عندها وقصدت من ينحر لي بدر الذهب: أي يملكني إياها ويصلني برغائب الأموال وأنواع الصلات. وسمعت بطليموس دارس كتبه ... متملّكاً متبدّياً متحضّرا نصب دارس: على الحال من بطليموس ومتملكا على الحال من الممدوح. والهاء في كتبه للمدوح. يقول: سمعت أن بطليموس مع كمال فضله، دارس لكتب ابن العميد ومستفيد منها، وهو قد جمع الملك وفصاحة البدو وظرف الحضر. وقيل الهاء في كتبه لبطليموس. يعني: سمعته يدرس كتب بطليموس مع ما له من الملك والفصاحة والظرف. ولقيت كلّ الفاضلين كأنّما ... ردّ الإله نفوسهم والأعصرا يقول: إن فضل الفضلاء كلهم موجود فيه، فكأنه جمع جميع الفضلاء، وكأن الله تعالى رد أعصر الفاضلين ونفوسهم، فكأنهم حضور لم يموتوا. وهذا كقول أبي نواس: وليس على الله بمستنكرٍ ... أن يجمع العالم في واحد نسقوا لنا نسق الحساب مقدّماً ... وأتى فذلك إذ أتيت مؤخّرا يقول: مضى هؤلاء الفضلاء واحداً بعد واحد، كالحساب الذي يذكر تفاصيله، ثم يقال في آخره: فذلك الجميع. أي لما جئت في آخرهم كنت كأنك جملة التفصيل الذي سلف لهم، لأنك جمعت فضائل الكل ومناقبهم. يا ليت باكيةً شجاني دمعها ... نظرت إليك كما نظرت فتعذرا شجاني: أحزنني، ودمعها فاعل شجاني فتعذرا نصب لأنه جواب التمني بالفاء. يقول: ليت التي بكت عند مفارقتي إياها، حتى أحزنني دمعها، نظرت إليك كما نظرت لتعذرني في مفارقتها وقصدي إليك واختياري أكون عندك. وترى الفضيلة لا تردّ فضيلةً ... الشّمس تشرق والسّحاب كنهورا الكنهور: القطعة العظيمة من السحاب، وفاعل ترد ضمير الفضيلة ونصب فضيلة لأنها مفعول بها، ونصب الشمس بدل من الفضيلة، وكذلك السحاب وقيل: إن الشمس نصب بتشرق. يقول: ترى فيك الفضائل المتضادة مجتمعة! لا يرد بعضها بعضاً، فكأنها رأت الشمس والسحاب العظيم في وقت واحد، ومن عادة السحاب أن يستر الشمس، والشمس تذهب السحاب، وأنت قد اجتمع فيك نور الشمس، ومطر السحاب بجودك! ولا يرد أحدهما الآخر، وفاعل ترى ضمير الباكية. أنا من جميع النّاس أطيب منزلاً ... وأسرّ راحلةً وأربح متجرا أي: لما قصدتك طاب منزلي، وسرت راحلتي وربحت صفقتي وفضلت جميع الناس في هذه الأحوال. والمنصوبات هي على التمييز. زحلٌ على أنّ الكواكب قومه ... لو كان منك لكان أكرم معشرا القوم: لا يقع إلا على المذكرين من العقلاء، لكن لما كانت الكواكب محيطة بزحل، وهو واحد منها، جعلها قومه. يقول: إن زحل - مع أن الكواكب قومه - لو كان من جملتك ومنتسباً إليك، لكان أكرم معشراً من كونه من من جملة الكواكب. وقال يمدحه ويهنئه بالنيروز وينعت سيفاً قلده إياه وخيلاً حمله عليها ويذكر انتقاده شعره:

стр. 436

جاء نيروزنا وأنت مراده ... وورت بالذي أراد زناده يقال: نيروز، ونوروز. وورت أي أضاءت. يقول: إنما جاء النوروز ليسر برؤيتك فورت زناده: أي أدرك مراده. هذه النّظرة الّتي نالها من ... ك إلى مثلها من الحول زاده يقول: هذه النظرة التي نالها منك الآن، تكفيه للمسرة إلى عام قابل مثله والهاء في زاده للنيروز. ينثني عنك آخر اليوم منه ... ناظرٌ أنت طرفه ورقاده آخر اليوم: نصب على الظرف. والناظر: ناظر العين، وهو سواده الذي به يكون النظر. والهاء في منه وطرفه ورقاده للنيروز. وروى: ينقضي بدل ينثني. يقول: ينصرف عنك النيروز وقد خلف عندك لحظه ورقاده، فبقي بلا لحظ ولا نوم، إلى أن يعود إليك. شبه النيروز بمحب يسر بقرب حبيبة ويسهر لفراقه، فهو يشتاق إليه إلى أن يعود إليه. نحن في أرض فارسٍ في سرورٍ ... ذا الصّباح الّذي يرى ميلاده ذا الصباح: إشارة إلى صباح النيروز المذكور. والهاء في ميلاده للسرور. يقول: نحن في سرور في هذا الصباح، الذي هو ميلاده السرور. عظّمته ممالك الفرس حتّى ... كلّ أيّام عامه حسّاده الهاء في عظمته وفي عامه وحساده للنيروز أو الصباح المذكور، وهما واحد، وأراد بالممالك: أهل ممالك الفرس، فحذف. يعني: أن ملوك الفرس عظموه، حتى صارت سائر أيام السنة تحسده لذلك التعظيم. ما لبسنا فيه الأكاليل حتّى ... لبستها تلاعه ووهاده الأكاليل: جمع الإكليل وهو مثل التاج. والتلاع: جمع تلعة، وهي الأرض المرتفعة. والوهاد: جمع وهدة، وهي ما انهبط من الأرض. والهاءات للنيروز إلا في قوله: لبستها فإنه للإكليل. يقول: لم تعقد على رءوسنا أكاليل الأنوار إلا بعد أن عمت الأنوار التلاع والوهاد وصارت عليها كالأكاليل، وهو مثل قول أبي تمام: حتّى تعمّم صلع هامات الرّبا ... من نوره وتأزّر الأهضام والعمائم: أي الأكالي، إلا أن بيت أبي تمام أجود، لأنه جعل ما كان على الربا كالعمائم لارتفاعها، وما كان في الأهضام وهي المطمئن من الأرض كالأزر. والمتنبي جعل الأكاليل على التلاع والوهاد. إلا أنه يمكن أن يقال: إن معناه: لبستها تلاعه واتزرت بمثلها وهاده والتحفت، لأن لفظ اللبس مشتمل على العمائم والمآزر، فاكتفى بأحدهما كما قال: يا ليت زوجك قد غدا ... متقلّداً سيفاً ورمحا عند من لا يقاس كسرى أبوسا ... سان ملكاً به ولا أولاده يعني: نحن في أرض فارس، أو صرنا في هذا اليوم عند ملك أجل من كسرى أبي ساسان وأولاده وملكا نصب على التمييز ويجوز أن يكون تعلق البيت بالذي قبله. يقول: ما لبسنا فيه الأكاليل عند ملك هذه حاله، حتى لبستها تلاعه ووهاده. عربيٌّ لسانه فلسفيٌّ ... رأيه فارسيّةٌ أعياده يعني: أنه فصيح اللسان فكأنه عربي، ورأيه رأى الفلاسفة في الحكمة، وأعياده أعياد العجم. كلّما قال نائلٌ: أنا منه ... سرفٌ، قال آخرٌ: ذا اقتصاده يعني: كلما أعطى عطاءً تستعظمه الناس! ويقولون: هذا سرف أتى بعده بعطاء آخر أعظم منه، حتى يرى الناس أن الأول كان اقتصادا، وهذه عادته أبداً، فليس لعطائه حد. فنسب القول إلى النائل مبالغة. كيف يرتدّ منكبي عن سماءٍ ... والنّجاد الّذي عليه نجاده؟! النجاد: حمائل السيف. يقول: كيف لا يبلغ منكبي السماء، وعليه نجاد ابن العميد؟! أي كيف لا أبلغ السماء عزاً وشرفاً، وقد تقلدت بسيفه. وقيل: أراد أن ابن العميد بلغ السماء طولا، فكيف لا أبلغ السماء وقد لبست نجاده؟ وقوله: كيف يرتد أي كيف يقصر منكبي عن بلوغ السماء؟ والهاء في عليه للمنكب وفي نجاده للممدوح. قلّدتني يمينه بحسامٍ ... أعقبت منه واحداً أجداده الهاء في منه للسيف وكذلك في أجداده. يقول: قلدني سيفاً لا نظير له في السيوف وقوله: أعقبت منه معناه أن السيف ينسب إلى الهند، كما ينسب الرجل إلى أجداده، فكأن الهند أجداد هذا السيف، فلم يعقب رجال الهند منه إلا واحداً: أي لم يطبع له نظير. وقيل: إن الهاء منه للممدوح وهو المراد بالحسام وشبهه به لمضائه فكأنه. يقول: أعقبت أجداده منه واحداً لا ثاني له. كلّما استلّ ضاحكته إياةٌ ... تزعم الشّمس أنّها أرآده

стр. 437

الإياة: ضوء الشمس. والأرآد: جمع الرئد، وهو الترب. والهاء في أنها للشمس وفي أرآده للسيف. والمعنى: كلما استل السيف قابلته الشمس بآياتها وزعمت أنها تشبه لونه في صفائه وبريقه. شبه إياة الشمس، بالسيف وبريقه. وقيل: الهاء في أنها للإياءة، وفي أرآده للشمس، وذكره لأن تأنيثها ليس بحقيقي ولا علامة فيه اضطرارا للقافية. أي: تزعم الشمس: أن إياة الشمس وضوءها مثل ضوئه في المنظر. مثّلوه في جفنه خشية الفق ... د ففي مثل أثره إغماده أثر السيف وأثره: جوهره، وكان على جفن هذا السيف فضة منقوشة بالسواد. يعني: أن الصاغة مثلوا هذا السيف في جفنه: أي جعلوا مثالا في غمده له، لئلا يغيب عن عينهم لحسنه، فهو مغمد في جفن يشبه رونقه وجوهره؛ لأن الفضة التي عليه إذا جليت وصقلت أشبهت رونق السيف، فكأنه مجرد وهو مغمد، وصاحبه ينظر إليه ولا يفقد حسنه ولا رونقه. منعلٌ لا من الحفا ذهباً يح ... مل بحراً فرنده إزباده نعل السيف: الحديدة التي في أسفل غمده. والفرند: جوهر السيف وخضرته. يقول: غمد هذا السيف منعل ذهباً، ولم ينعل لأجل الحفاء، وهذا النعل يحمل سيفاً كالبحر في كثرة مائه، ولما جعله بحراً جعل جوهره عليه بمنزلة الزبد فوق البحر. يقول: هو بحر ولكن زبده فرنده. يقسم الفارس المدجّج لا يس ... لم من شفرتيه إلاّ بداده البداد: بداد السرج وهو الذي عليه من الجانبين، وقيل: هو الفخذان. والمدجج: تام السلاح. يقول: إذا ضرب فارساً قطعه نصفين مع فرسه، فلا يسلم منه إلا البداد؛ لانحرافه عن وسط السرج، وقوله: من شفرتيه يريد بأي شفرتيه ضرب. جمع الدّهر حدّه ويديه ... وثنائي فاستجمعت آحاده آحاده: أي غرائب الدهر التي لا نظير لها، والهاء في حده للسيف وفي يديه للممدوح وفي آحاده للدهر. يقول: جمع الدهر بين حد هذا السيف في نفاذه، ويدي ابن العميد في سخائه وثنائي في فصاحته. وكل واحد غريب. ومعناه: لا نظير له، فاجتمعت آحاد الدهر وغرائبه. وتقلّدت شامةً في نداه ... جلدها منفساته وعتاده الهاء في نداه ومنفساته وعتاده للممدوح. والمنفسات: كل شيء شريف نفيس. يعني: أن هذا السيف في جملة ما أعطانيه من منفساته وذخائره، مثل الشامة في الجسد. لما جعل السيف شامة جعل المنفسات جلداً لها؛ لأن الشامة لا تكون إلا على الجلد. وقيل: عنى بالجلد، غمد السيف وحليته. جعل السيف كالشامة لوضوحه في جملة ما أعطاه، وأراد أن السيف قيمته دون قيمة جفنه، لما عليه من الحلية، فهو وإن كان نفيساً فحليته أنفس منه! والهاء في منفساته وعتاده عائدة إلى الندى. وقيل إن الهاء عائده إلى الشامة، وذكره لما أراد به السيف. وقيل: أراد بالجلد، ما يلي هذا السيف من عطاياه المتقدمة والمتأخرة. جعلها كالجلد حول الشامة. وقيل: أراد بالجلد ظاهره الذي عليه الفرند لأن أنفس ما في السيف فرنده. فرّستنا سوابقٌ كنّ فيه ... فارقت لبده وفيها طراده فرستنا: أي جعلتنا فوارس والهاء في فيه للندى وفي فيها للسوابق وكن فعل السوابق. يعني: علمتنا الفروسية خيل سوابق كن في نداه وقوله: فارقت لبده أي انتقلت من سرج ابن العميد، وصارت تحت سرجي. يعني: هي وإن خرجت من ملكه وفارقت سروجه، فإنها لم تفارق من تعب طراده؛ لأني أقاتل عليها بين يديه، وأسير عليها معه حيث سار. وقوله: فيها طراده: أي عليها طراده، والهاء في لبده وطراده لابن العميد. وقيل: معناه أنها وإن كانت غير سائرة فذكرها سائر في الأرض، وقيل: أراد أن هذه الخيل تغيظ الحساد وتغير على الزمان، فكأنها في طراد، وإن كانت مستريحة. ورجت راحةً بنا لا تراها ... وبلادٌ تسير فيها بلاده يقول: إن الخيل لما انتقلت إلي، رجت أن تستريح من إتعابه إياها، وليست ترى ذلك ما دمت أنا أسير في بلاده، لأني ما دمت عنده فأنا متصرف بحكمه فكأنها لم تخرج عن ملكه. وقيل: أراد أنا لا نزال نعدو معه في غزواته، ونطارد عليها معه، إذا ركب إلى الصيد، فلا تستريح ما دمنا في خدمته، فهي إذاً لا تستريح أبداً لأنا لا نفارق خدمته أبداً. هل لعذري إلى الإمام أبي الفض ... ل قبولٌ سواد عيني مداده الهاء في مداده للقبول. والجملة صفة له.

стр. 438

يقول: هل يقبل عذري في قصوري عن خدمته، ولو قبل عذري لكتبت قبوله بسواد عيني وجعلته مداداً لكتبته، لعظم موقعه لدي. وقيل: الهاء راجعة إلى الممدوح، يريد على وجه الدعاء كأن سواد عيني مداداً يكتب به هو أنا من شدة الحياء عليلٌ ... مكرمات المعلّه عوّاده الهاء في المعله وعواده للعليل. يقول: أنا عليل من فرط حيائي. حيث قصرت في خدمته وقد أخجلني بانتقاده شعري وقد أعلني وجعل مكارمه عوادي. وقيل: المعنى اعتللت من شدة الحياء، والذي أعلني هو ابن العميد، لأنه أكثر من مكرماته ومواهبه، حتى أدى ذلك إلى الفرح الغالب علي، وأدى ذلك إلى الحياء في تقصيري، ولولاه لما كنت ذا حياء، غير أنه جعل مكرماته متجددة عندي فجعلها بمنزلة عوادي. ما كفاني تقصير ما قلت فيه ... عن علاه حتّى ثناه انتقاده ثناه: أي جعله ثانياً. وروى ثناني: أي صرفني. يقول: كنت قد خجلت من تقصيري في خدمته، فزادني خجلا حين انتقد علي عشري، فلم يكفني قصوري عن وصفه وتقصيري في خدمته، حتى انضم إليه انتقاده. إنّني أصيد البزاة ولكن ... ن أجلّ النّجوم لا أصطادّ يعني: أنا أبلغ الشعراء وأقدرهم على الوصف، ولكن معالي ابن العميد أعجزتني عن إدراكها، فلست أصل إلى وصفها، كالبازي لا يمكنه أن يصيد أجل النجوم وهو الشمس. ربّ ما لا يعبّر اللّفظ عنه ... والّذي يضمر الفؤاد اعتقاده يقول: رب معنى له قد استقر في قلبي، غير أن عبارتي تقصر عنه ولا تلحقه، وأنا أصفه بقلبي، وإن قصر اللفظ عنه. ما تعوّدت أن أرى كأبي الفض ... ل وهذا الّذي أتاه اعتياده يقول: لم أمدح مثل أبي الفضل، إذ لم أشاهد له مثالاً؛ فلذلك قصرت عن كنه وصفه، وهذا الذي أتى به من الكرم والجود هو عادة طبع عليها، لا تكلف فيها. وقيل: معناه ما رأيت مثله ومثل انتقاده، وهو قد رأى مثلي، وما أتاه من انتقاد شعري عادته، وقد فعل قبل ذلك كثيراً. وهذا يدل على تحرزه من ابن العميد والإقرار له بالفضل. إنّ في الموج للغريق لعذراً ... واضحاً أن يفوته تعداده يعني: قد غرقت في بحر جودك فاعذرني إن عجزت عن إحصائه؛ فإن الغريق معذور إذ لم يقدر على عد أمواج البحر. وقيل: إن فضائله غرقت فكري، فلم أقدر على وصفها حق الوصف، فكأنها موج وكأنني غريق فيه، لا يمكنني تعداده. للنّدى الغلب أنّه فاض والشّع ... ر عمادي وابن العميد عماده الهاء في عماده للندى. يقول: الغلب للندى حيث فاض علي وغشني بكثرته، لأن عماده ابن العميد، وعمادي الشعر، فمادة الندى أغزر من مادة الشعر. نال ظنّي الأمور إلاّ كريماً ... ليس لي نطقه ولا فيّ آده الآد والأيد: القوة، والظن ها هنا: العلم. يقول: قد أحاط علمي بجميع الأمور، غير ابن العميد، فإن علمي لا يحيط بوصفه، ولا في قوة لاستنباط معانيه، ولا تقوم عبارتي بمدحه. وقيل: أراد لم يجر في وهمي أني أرى إنساناً ليس لي مثل بلاغته وقوته. يعني: لم يكن في ظني أن في الدنيا أحداً أقصى مني، حتى رأيت ابن العميد. والهاء في نطقه وآده للكريم. ظالم الجود كلّما حلّ ركبٌ ... سيم أن يحمل البحار مزاده ظالم: نصب لأنه نعت لقوله: إلا كريماً. يعني: أن جوده يظلم قصاده؛ لأنه يكلفهم أن يحملوا البحار وهي جوده في مزاودهم وهذا ظلم، لأن أحداً لا يقدر عليه. غمرتني فوائدٌ شاء فيها ... أن يكون الكلام ممّا أفاده يقول: أفادني فوائد، حتى جعل فيها كلامه: أي تعلمت منه حسن القول، فصار ذلك من جملة ما غمرني من فوائده. ما سمعنا بمن أحبّ العطايا ... فاشتهي أن يكون فيها فؤاده يعني: أن كلامه نتيجة عقله ومادة قلبه، فإذا أفاده إنساناً فكأنه أفاده قلبه، وما سمعنا بأحد يهب قلبه في مواهبه. خلق الله أفصح النّاس طرّاً ... في مكانٍ أعرابه أكراده يقول: خلق الله تعالى ابن العميد أفصح الناس، في بلاد ليس فيها إلا الأكراد، والأعراب فيها غير الأكراد. وهذا أبين لفضله لأنه مقرون بضده. وأحقّ الغيوث نفساً بحمدٍ ... في زمانٍ كلّ النّفوس جراده أحق نصب لأنه مفعول خلق الله يعني: خلق الله تعالى منه غيثاً في زمان كل الناس فيه جراده. والهاء للزمان.

стр. 439

يعني: هو بمنزلة الغيث، والناس كالجراد يفسدون الزرع ويخربون البلاد، فهو أولى بالحمد من كل أحد؛ لأنه ينفع وغيره يضر. وهذا كقول أبي عينية يهجو يزيد بن خالد ويمدح أباه: أبوك لنا غيثٌ نعيش بسيبه ... وأنت جرادٌ لست تبقى ولا تذر مثلما أحدث النّبّوة في العا ... لم والبعث حين شاع فساده الهاء في فساده للعالم. يقول: أوجدك الله تعالى في هذا الزمان بعد ما شاع فيه البخل والفساد، كما بعث الله تعالى الأنبياء حين شاع في العالم الكفر والفساد، وهذا كقول الفرزدق: جعلت لأهل الأرض عدلاً ورحمةً ... على فترةٍ والنّاس مثل البهائم كما بعث الله النّبيّ محمّداً ... على فترةٍ والنّاس مثل البهائم زانت اللّيل غرّة القمر الطّا ... لع فيه، ولم يشنها سواده الهاء في سواده لليل. يعني: أنك زنت زمانك بمحاسنك، ولم يضرك لؤم أهله وفسادهم، كما أن البدر يزين الليل بضيائه، ولا يضره سواد الليل. كثر الفكر كيف نهدي كما ... أهدت إلى ربّها الرّئيس عباده يقول: كثر فكري فيما أهديه إلى ابن العميد في يوم النيروز، كما تهدي إليه عبيده. لما جعله رباً جعل الناس عبيداً له، تفخيماً وتعظيماً. والّذي عندنا من المال والخي ... ل فمنه هباته وقياده يعني: فكرت فلم أجد شيئاً أهديه إليه؛ لأن جميع ما عندي من المال فمن مواهبه، وجميع خيلي مما قاده إلي، فلم أدر ما أهدى إليه. فبعثنا بأربعين مهاراً ... كلّ مهرٍ ميدانه إنشاده يقول: فلما لم أجد ما أبعثه إليه، بعثت بأربعين بيتاً، كأنها أربعون مهراً، وميدان كل بيت منها إنشاده، لأنه إذا أنشد عرف قدره، كما أن المهر إذا جرى عرق عتقه. وقوله: بأربعين مهاراً ليس بحيد؛ لأن المفسر بعد مثل هذه العقود يكون بلفظ الواحد. عددٌ عشته يرى الجسم فيه ... أرباً لا يراه فيما يزاده يعني: إنما جعلت هذه القصيدة أربعين بيتاً، لأن الأربعين عدد سني الشباب، فإذا تجاوزها الإنسان تناقصت قواه، فالجسم يرى في الأربعين من استكمال القوة ما لا يراه فيما يزاد عليه. يعني: لم أزد على الأربعين لتكون القصيدة بعيدة عن النقص، حاصلة على غاية الكمال. فارتبطها فإنّ قلباً نماها ... مربطٌ تسبق الجياد جياده نماها: أي نشأها وصنعها. يقول: ارتبط هذه المهار، فإنها قيدت إليك، وقلبي الذي أنشأها وأحكمها مربط تسبق خيله سائر الخيل. لما جعل الأبيات مهاراً، جعل قلبه مربطاً لها، لأنها صدرت عنه. واحتفظ بشعري فإنه يفوق كل شعر. وأنفذت القصيدتان من أرجان إلى أبي الفتح ابن الأستاذ الرئيس بالري، فعاد الجواب يذكر سروره بأبي الطيب والشوق إليه، وأبياتاً نظمها في وصف ما سمع من قبله، وطعن فيها على بعض المتعرضين لقول الشعر، وأظهر فساد قولهم فقال أبو الطيب ارتجالاً والكتاب في يده لموصله: بكتب الأنام كتابٌ ورد ... فدت يد كاتبه كلّ يد يقول: ورد كتاب يقوم مقام الكتب كلها، ثم قال: جعل الله يد كل كاتب فداءً ليده. وقيل: معنى المصراع الأول: مثل معنى المصراع الثاني. فقوله: بكتب الأنام كقوله: بنفسي أي جعل الله جميع كتب الأنام فداء لكتابه، وأيديهم فداءً ليده. يعبّر عمّا له عندنا ... ويذكر من شوقه ما نجد يقول: هذا الكتاب يعبر عما عندنا من المحبة، ويذكر من الشوق مثل ما أجده في قلبي إليه. فأخرق رائيه ما رأى ... وأبرق ناقده ما انتقد أخرق وأبرق: أي حير. يقول: لما فض هذا الكتاب حير من رأى خطه، وأدهش من انتقد لفظه. وفاعل أخرق وأبرق ما. إذا سمع النّاس ألفاظه ... خلقن له في القلوب الحسد يقول: إن الناس إذا سمعوا ألفاظه أحدثت ألفاظه الحسد في قلب من حسده، فكل من قرأه حسده على فصاحته. فقلت وقد فرس النّاطقين: ... كذا يفعل الأسد ابن الأسد فرس الناطقين: أي غلبهم وقهرهم، كما يقهر الأسد فريسته، أي لما رأيته وقد حير كل ناطق، قلت: هكذا يكون من ورث البلاغة من آبائه وأجداده. وأحضرت مجلس الأستاذ أبي الفضل مجمرة قد حشيت بنرجس وآس، حتى خفيت نارها، فكان الدخان يخرج من خلال ذلك، فأنشأ يقول: أحبّ امرئٍ حبّت الأنفس ... وأطيب ما شمّه معطس

стр. 440

المعطس: الأنف. وتقدير البيت: هذا أبو الفضل أحب امرئٍ أحبته الأنفس وهذا البخور أطيب شيء شمه المعطس. ونشرٌ من النّدّ لكنّما ... مجامره الآس والنّرجس أي: وأطيب ما شمه معطس: نشر من الند ولكنه في مجمرة من بخور. جعلها لذلك مجامر، وهي مجمرة واحدة. ولسنا نرى لهباً هاجه ... فهل هاجه عزّك الأقعس؟؟! الأقعس: الثابت الممتنع وهاء هاجه للند. يقول: لسنا نرى ناراً تحرقه وتهيج رائحته، فلعل عزك هاجه، حتى انتشر ريحه. وإنّ القيام الّتي حوله ... لتحسد أرجلها الأرؤس القيام: جمع قائم. يقول: إن الغلمان والخدم القيام تشتهي رءوسها أن تباشر الأرض في الوقوف بين يديك تشرفاً بخدمتك، فتحسد الأرجل لذلك. وقيل: أراد أن الرءوس تحسد الأرجل؛ لأنها تمنت أن تسعى في خدمتك كما تسعى الأرجل. وقال أيضاً يمدحه ويودعه فيها، لما أراد الخروج إلى عضد الدولة في شهر ربيع الأول سنة أربع وخمسين وثلاث مئة: نسيت وما أنسى عتاباً على الصّدّ ... ولا خفراً زادت به حمرة الخدّ الخفر: الحياء، والصد: يجوز أن يكون من المتنبي، ويجوز أن يكون منها، وهو الأولى؛ ولهذا زادت حمرة وجهها عند عتابه إياها. يقول: نسيت كل شيء مر علي ولم أنس عتابي لحبيبتي على صدها، أو عتابها إياي على صدي عنها، وكذلك لا أنسى حمرة وجهها التي زادت من الحياء. وروى: نسيت على ما لم يسم فاعله. أي: نسى عهدي ولم أنس أنا عهدهم. ولا ليلةً قصّرتها بقصورةٍ ... أطالت يدي في جيدها صحبة العقد امرأة قصيرة وقصورة: ممنوعة من التصرف؛ صيانةً لها. يقول: ولم أنس ليلةً جعلتها قصيرةً بامرأة مقصورة: أي صارت ليلتي تلك قصيرة لطيبها، فعانقتها وأطالت يدي صحبة عقدها في عنقها. ومن لي بيومٍ مثل يومٍ كرهته ... قربت به عند الوداع من البعد أي لما فيه من البعد، فصرت الآن أتمناه، لأحظى فيه بالنظر والتسليم، وقوله: ومن لي بيوم أي من يرد علي مثل ذلك اليوم. وألاّ يخصّ الفقد شيئاً لأنّني ... فقدت فلم أفقد دموعي ولا وجدي أي: ومن لي بألا يخص الفقد شيئاً دون شيء، وإنما تمنيت ذلك، لأني فقدت محبوبي، ولم أفقد دموعي عليه، ووجدي لفراقه، فهلا إذ فقدته فقدت دموعي ووجدي عليه. تمنٍّ يلذّ المستهام بمثله ... وإن كان لا يغني فتيلاً ولا يجدي الفتيل: الخيط الذي يكون في شق النواة. يقول: قولي هذا تمن يتلذذ المستهام به، وإن كان لا يغني شيئاً. وجمع بين يجدي ويغني لاختلاف اللفظين. وغيظٌ على الأيّام كالنّار في الحشا ... ولكنّه غيظ الأسير على القدّ أي: وما أقوله غيظ مني على الأيام، وهذا الغيظ تأثيره في كتأثير النار في الحشا. ولكن غيظ لا يغني عن الأيام شيئاً فيغيظني عليها، مثل غيظ الأسير على القد. وهذا مأخوذ من قول علي ﵁: غضب الخيل على اللجم. فإمّا تريني لا أقيم ببلدةٍ ... فآفة غمدي في دلوقي من حدّي الدلوق: مصدر دلق السيف من الغمد: إذا انسل من غير أن يسله أحد، وسيف دلوق ودالق: سريع الانسلال. يقول: إن كنت لا أقيم ببلدة فليس ذلك لأن البلد غير طيب، ولكن آفة ذلك من نفسي؛ لأن بعد همتي لا ترضى بلداً ولا تدعني أستقر في مكان، فأنا كالسيف الذي يأكل غمده فيتسع عليه، فيقلق فيه، كما أن السيف سبب قلقه في جفنه، مضاء حده، كذلك أنا سبب انزعاجي من كل بلدة بعد همتي وشرف مطلبي. يحلّ القنا يوم الطّعان بعقوتي ... فأحرمه عرضي وأطعمه جلدي يقال: نزل بعقوته: إذا نزل بفنائه قريباً منه وعرض الرجل: موضع المدح والذم. وقيل: أراد ها هنا شرف آبائه. يقول: إذا أحدق بي الطعن يوم القتال لا أفر منه، مخافة أن يعاب حسبي ولكني أصبر وأمكن الرماح من جلدي حماية لعرضي وحسبي. تبدّل أيّامي وعيشي ومنزلي ... نجائب لا يفكّرن في النّحس والسّعد فالع تبدل: نجائب. يقول: إن الإبل النجائب تبدل هذه الثلاثة مني، فأكون في راحة وإقامة، ويوماً على خلافها، وتارةً أكون في عيش هنيء، وتارة في جهد، ويوماً في منزلي، ويوماً في آخر.

стр. 441

يعني: أني لا أستقر في كان فإذا هممت بأمر ركبت نجائب، ولم أفكر في طالع نحس أو سعد، ولا يردني عن مرادي نحوسة ولا نحس ولا أبالي به. وأوجه فتيانٍ حياءً تلثّموا ... عليهنّ لا خوفاً من الحرّ والبرد وأوجه: عطف على نجائب: أي تبدل إياي نجائب وأوجه غلمان، قد تلثموا عليها حياءً لصباحتها وطلاقتها، والضمير في عليهن للأوجه. وقيل: حياءً ممن به يتعرضون له بالسبي والغارة، ولم يتلثموا عليها خوفاً من الحر والبرد. يعني: أنا أبداً أسير على هذه النجائب مع هؤلاء الغلمان. وليس حياء الوجه في الذّئب شيمةً ... ولكنّه من شيمة الأسد الورد أسد ورد: إذا كان لونه يضرب إلى الحمرة، ولما وصف غلمانه بالحياء بين أن ذلك من وصف الأسد، فكما أن الحياء لا يمنعه من إقدامه، فكذلك حياء هؤلاء. إذ الوقاحة من صفة الذئب، لخسته، والحياء عادة الأسد. إذا لم تجزهم دار قومٍ مودّةٌ ... أجاز القنا والخوف خيرٌ من الودّ أجازه: أي أفضى به إلى الاجتياز. يقول: إذا لم تمكن هؤلاء الغلمان المودة من الاجتياز بديار قوم، أمكنهم منه القنا: أي إذا عبروا بديار قوم ليس بينهم مودة ومسالمة، عبروا بها قهراً وغلبةً، والخوف خير من الود: أي: إن حصولك على مرامك قهراً أشرف من وصولك إليه مسالمةً ووداً، وهذا مثل قولهم: رهبوت خير من رغبوت. يحيدون عن هزل الملوك إلى الّذي ... توفّر من بين الملوك على الجدّ يعني: هؤلاء الفتيان يحيدون عن الملوك الذين هم أصحاب الهزل، ويقصدون الذي توفر: أي كثر فيه الجد، فرفضوا الهازل وأقبلوا على الجاد يعني ابن العميد. ومن يصحب اسم ابن العميد محمّدٍ ... يسر بين أنياب الأساود والأسد يقول: من سار بذكر اسم ابن العميد، أمكنه أن يمر بين أنياب الحيات، ومخالب الأسود. ولا تتعرض له، هيبةً لابن العميد. وجر محمد بدلاً من ابن العميد ويجوز نصبه على أن يكون بدلاً من اسم. يمرّ من السّمّ الوحيّ بعاجزٍ ... ويعبر من أفواههنّ على درد الوحي: السريع. والدرد: جمع الأدرد، وهو الذي تساقطت أسنانه. يقول: من صحب اسمه يتخلص من السم الوحي، الذي يكون من الحيات: أي أن الأساود يعجز سمها عنه، فلم تضره، وأمسكت عنه أفواهها الأسود، فلم تعمل فيه، فكأنها ساقطة الأسنان. كفانا الرّبيع العيس من بركاته ... فجاءته لم تسمع حداءً سوى الرّعد يقول: قد صارت الدنيا كلها ربيعاً ببركاته فكفانا هذا الربيع أمر العيس، في طلب العلف والكلأ لها، فما سرنا من الأرض إلا صادفنا فيه الماء والمرعى، فجاءته هذه العيس من غير حداء حاد سوى الرعد. إذا ما استحين الماء يعرض نفسه ... كرعن بسبتٍ في إناءٍ من الورد استحين الماء: عداه بنفسه يقال: استحيته واستحيت منه. السبت: جلود تدبغ بالقرظ فتلين - شبه بها مشافر الإبل لرقتها. وكرعن: أي شربن. يقول: إنا كنا نسير بين رياض زاهرة، ومياه جارية، فإذا عرض الماء نفسه على الإبل استحيت من كثرة عروضه، وكرعت فيه بمشافر كأنها السبت، في إناء كأنه من الورد، لكثرة الأزهار حوله. كأنّا أرادت شكرنا الأرض عنده ... فلم يخلنا جوٌّ هبطناه من رفد الجو: المتسع من الأرض. يقول: كأن الأرض أرادت منا أن نشكرها عند الممدوح، فكل موضع نزلناه منها كان فيه رفدها. لنا مذهب العبّاد في ترك غيره ... وإتيانه نبغي الرّغائب بالزّهد يقول: تركنا غيره من الملوك وأتيناه، نبغي أضعاف رفد غيره، كما أن الزهاد تركوا متاع الدنيا ليصلوا إلى نعيم الأبد. رجونا الّذي يرجونه في كلّ جنّةٍ ... بأرجان حتّى ما يئسنا من الخلد يقول: رجونا أن ننال بأرجان جميع ما يرجوه الزهاد في الجنة من النعيم، حتى رجونا الخلود ولم نيئس منه. تعرّض للزّوّار أعناق خيله ... تعرّض وحشٍ خائفاتٍ من الطّرد الطرد: مصدر طردت الصيد، إذا طلبته. يعني: أن خيله تنظر إلى زواره نظراً شزراً خوفاً من أن يهبها لهم، فكأنها وحش خافت من الطرد، فتمد أعناقها إلى الصائد. وقوله: تعرض للزوار: أي توليهم عرضها: أي جانبها. وتلقي نواصيها المنايا مشيحةً ... ورود قطاً صمٍّ تشايحن في ورد مشيحةً: أي مجدة، وتشايحن: أي أسرعن وجددن في الطيران.

стр. 442

وقيل: مشيحةً: أي مزدحمة، وتشايحن: أي ازدحمن. والورد: الماء بعينه والورود إتيان الماء. يقول: إن خيله تكره الانتقال عنه إلى زواره، وتسرع إلى الموت بين يديه، كما تسرع القطا إلى ورود الماء. جعلها صماً لتكون أسرع في طيرانها واقتحامها على الماء؛ لأنها لا تسمع شيئاً يردها عنه. أي تختار لقاء الموت بين يديه على انتقالها من عنده إلى زواره. وتنسب أفعال السّيوف نفوسها ... إليه، وينسبن السّيوف إلى الهند الهاء في نفوسها للأفعال. يعني: أن السيوف إنما تعمل في يده، فأفعالها تنسب إليه فيقال: هذه ضربة عميدية، كما يقال: سيوف هندية. إذا الشّرفاء البيض متّوا بقتوه ... أتى نسبٌ أعلى من الأب والجدّ الشرفاء: جمع شريف، والبيض: الكرام السادة. متوا: أي توصلوا. بقتوه: أي خدمته. يقول: إذا انتمى الكرام السادة إلى خدمته، كان ذلك لهم أشرف من انتمائهم إلى الآباء والأجداد الشرفاء. فقولهم: فلان خادم ابن العميد، خير له من النسب الشريف! فتىً فاتت العدوى من النّاس عينه ... فما أرمدت أجفانه كثرة الرّمد العدوى: أن يقرب البعير الجرب إلى الصحيح فيصير جرباً مثله. يقول: كثرت العيوب في الناس وعمهم اللؤم! لكنه قد سار عن لؤمهم ولم تتعد إليه أخلاقهم، فكأن عينه أبت أن تقبل عدوى عيوب الناس إليها. وضرب الرمد مثلاً لما ذكر العين. وخالفهم خلقاً وخلقاً وموضعاً ... فقد جلّ أن يعدي بشيءٍ وأن يعدي يعني: خالف الناس في خلقه وخلقه وموضعه من الشرف، فلا يلحقه فسادهم ولا يعدي إليه منهم شيء. يغيّر ألوان اللّيالي على العدى ... بمنشورة الرّايات منصورة الجند يغير: أي يجعل سواد الليل بياضاً، ويغيرها عليهم حتى يجعلها كالنهار، بجيوش قد نشروا راياتهم ونصرت جنودهم. وتغييرهم الليالي: هو أن يقلب سوادها ببريق سيوفهم إلى ضوء النهار أو بالنيران التي ألقاها في ديار عدوهم. إذا ارتقبوا صبحاً رأوا قبل ضوئه ... كتائب لا يردي الصّباح كما تردى الرديان: ضرب من السير السريع. يعني: أن الأعداء إذا نظروا الصبح، رأوا كتائبه تسبق الصبح، فهي تردى في السير أسرع ما يردى الصباح. ومبثوثةً لا تتّقي بطليعةٍ ... ولا يحتمى منها بغورٍ ولا نجد يعني: ورأوا خيلاً مبثوثة لا يقدر أن يعتصم منها بطليعة من الطلائع، ولا في مكان عال ولا منخفض. يغضن إذا عدن في متفاقدٍ ... من الكثر غانٍ بالعبيد عن الحشد يغضن: أي يختفين ويغللن. في متفاقد: أي يفقد بعضهم بعضاً لكثرتهم. يعني: أن خيلك إذا عدن من حيث توجهن، غاضت في جيشك كما يغيض النهر في البحر. وروى: يغرن أي يدخلن فيه. ومنه قولهم: غارت عينه: أي دخلت في الرأس، ثم بين أنه مستغن بكثرة عبيده الذين هم ملكه، عن الجند والحشد. حثت كلّ أرضٍ تربةً في غباره ... فهنّ عليه كالطّرائق في البرد يقول: هو كثير الغزوات، يغزو سائر الأرضين، فلكل أرض تربة في غباره مختلفة الألوان، فإذا مر عسكره بأرض سوداء أو حمراء أو غبراء علاه لون كل تربة من الأرضين، فهو عليه كالطرائق المخططة على البرد. فإن يكن المهديّ من بان هديه ... فهذا، وإلاّ فالهدى ذا، فما المهدي؟! يقول: إن كان المهدي الذي ينتظر، من بان هديه وانتشر عدله، فهذا هو ذلك المهدي؛ لظهور طريقته وعدله، وإن لم يكن كذلك، فسيرة هذا الممدوح هي الهدى فما معنى قولنا المهدي بعد هذا!. يعلّلنا هذا الزّمان بذا الوعد ... ويخدع عمّا في يديه من النّقد الهاء في يديه للزمان. يقول: إن الزمان يعد بخروج المهدي بعد ابن العميد، فكأن الزمان يخدعنا عن هذا الحاصل ويمنينا بالغائب. هل الخير شيءٌ ليس بالخير غائبٌ ... أم الرّشد شيءٌ غائبٌ ليس بالرّشد؟! تقديره: هل الخير شيء غائب، ليس بالخير الحاضر، وكذلك في الرشد. يقول: هل هنا خير ورشد غائبان، غير هذا الخير والرشد اللذين نشاهدهما الآن، حتى ندع هذا الحاضر للغائب الذي لا حقيقة له، فكذلك لا نترك المهدي الحاضر للغائب المنتظر. أأحزم ذي لبٍّ وأكرم ذي يدٍ ... وأشجع ذي قلبٍ وأرحم ذي كبد

стр. 443

الهمزة للنداء، وأكرم: تفخيماً أو تقريراً لمناقيه فكأنه قال: يا أحزم الناس، وأكرم الناس، وأشجع الناس، وأرحم الناس. وأحسن معتمٍّ جلوساً وركبةً ... على المنبر العالي أو الفرس النّهد الفرس النهد: المشرف. يقول: يا أحسن من يلبس العمامة في حال ما يجلس على المنبر العالي عند الخطبة، على ما جرت به عادة الملوك في صدر الإسلام، وقيل: أراد بالمنبر: سرير الملك، ويا أحسن من يلبس العمامة في ركوبه على الفرس. تفضّلت الأيّام بالجمع بيننا ... فلمّا حمدنا لم تدمنا على الحمد يقول: يا أيها الموصوف بالخصال المذكورة، إن الأيام ابتدأتني بالإحسان، فجمعت بيننا، فلما حمدناها لم تدمنا على هذا الحمد، بل أذنت في انصرافي عنك! وجعل الحمد منهما جميعاً: أي كنت تحب الاجتماع معي، كما كنت أحبه، فلكل واحد منا حمد الأيام على اجتماعه مع صاحبه، وهذا تعظيم منه لأمر نفسه كما هو تعظيم للممدوح. جعلن وداعي واحداً لثلاثةٍ: ... جمالك والعلم المبرّح والمجد أي جعلن الأيام وداعي وداعاً واحداً، أودع به ثلاثة أشياء في وقت واحد: جمالك، وعلمك، ومجدك. وقوله: والعلم المبرح أي الزائد على سائر العلوم. وقد كنت أدركت المنى غير أنّني ... يعيّرني أهلي بإدراكها وحدي أي: أدركت المنى بلقائك، غير أن أهلي يعيروني إذا لم أشاركهم فيما نلته، فأرجع إليهم لأشاركهم. وكلّ شريكٍ في السّرور بمصبحي ... أرى بعده من لا يرى مثله بعدي المصبح: الإصباح. والهاء في بعده راجعة إلى كل شريك. وفي مثله لابن العميد. يقول: كل من شاركني من أهلي في السرور بمصبحي عندهم، فإني إذا فارقته رأيت بعده، ولا يرى مثله إذا فارقني، فإني أعتاض عن فراقه ملكاً يغنيني ولا يعتاض هو من فراقي أحداً، فلا أمنعه السرور بما أستفيده. كأنه يشير إلى أنه يرجع إليه. فجد لي بقلبٍ إن رحلت فإنّني ... أخلّف قلبي عند من فضله عندي أي: هب لي قلباً أرتحل به عنك، فإني أترك قلبي عندك، من فضلك الذي عندي. فلو فارقت نفسي إليك حياتها ... لقلت أصابت غير مذمومة العهد أي: لو فارقت نفسي الحياة وآثرتك عليها لصوبت رأيها في اختيارك وما ذممت عهدها في هذه المفارقة. العضديات وجه أبو شجاع عضد الدولة بن ركن الدولة في طلب المتنبي، ولم يمكن الأستاذ الرئيس مخالفته، فحمله مكرما فقال المتنبي يمدحه بشيراز، وهي أول ما قال فيه سنة أربع وخمسين وثلاث مئة. أوه بديلٌ من قولتي واها ... لمن نأت والبديل ذكراها أوه تأوه، وهي كلمة تستعمل على وجه التوجع. واها: كلمة تستعمل للتعجب. يقول: تألمي الآن بديل من تعجب كان لوصل من نأت عني، وصار ذكراها بدل منها، فأنا اليوم أتوجع من فراقها، بعد أن كنت أتلذذ بوصالها. وتقدير البيت: قولي أوه بدل من قولي واها. فقولتي مبتدأ وأوه في موضع نصب بقولتي وبديل خبر المبتدأ، وواها في موضع نصب بقولتي وهذا كما نقول: ضربي زيداً بدل من ضربي عمراً. أوه من ألاّ أرى محاسنها ... وأصل واهاً وأوه مرآها يقول: أنا أتوجع من أجل أني أرى محاسنها بعد ما كنت أتعجب بوصالها، وأصل استحساني، لوصلها فيما تقدم، وتوجعي الآن على فقدها إنما هو مرآها: أي رؤيتها. يعني: فيما تقدم. أي: لولا أني رأيتها لم أتعجب من حسنها، ولم أتلهف على فراقها. شاميّةٌ طالما خلوت بها ... تبصر في ناظري محيّاها المحيا: الوجه. يقول: التي أتوجع من فراقها. هي شامية، وهي التي طالت الخلوة بيني وبينها، فكانت ترى في ناظر عيني وجهها لقربها مني. فقبّلت ناظري تغالطني ... وإنّما قبّلت به فاها به أي فيه: أي فقبلت من ناظري فاها. يعني: أن ناظر العين كالمرآة إذا قابله شيء انطبعت صورته فيه. يقول: إنها رأت شكل فمها في ناظري، فغالطتني أنها تقبل عيني، وإنما قبلت شكل فمها، الذي رأته في ناظري. فليتها لا تزال آويةٌ ... وليته لا يزال مأواها الهاء في ليتها للمحبوبة وفي ليته للناظر.

стр. 444

يقول: ليت هذه المحبوبة لم تزل حالةً في ناظري، وليت ناظري لم يزل محلا لها، وهذا التمني يرجع إلى معنى القرب؛ لأنها لا تحل في ناظره إلا عند القرب، فكأنه يقول: ليتها لم تفارقني ولم تزل قريبة مني، تنظر فمها في سواد عيني. وروى: لا تزال آويه الهاء للناظر، وذكر الآوى وإن كان من حقه آويته ذهاباً إلى المعنى، كأنه قال: ليتها لم تزل إنساناً أو شخصاً آويه. كلّ جريحٍ ترجى سلامته ... إلاّ فؤاداً دهته عيناها دهته: أي أصابته بداهيةٍ. يقول: كل مجروح ترجى سلامته واندماله من جرحه، إلا قلباً جرحته عينا هذه المرأة، فإن برأه لا يرجى أبداً. تبلّ خدّيّ كلّما ابتسمت ... من مطرٍ برقه ثناياها يقول: كلما ضحكت من شكواي إليها بكيت استعظاماً لها، فكأن ضحكها سبب جريان دمعي على خدي، ولما جعل دمعه مطراً، جعل لمع ثناياها برق ذلك المطر. وقيل: أراد إذا ابتسمت فظهرت ثناياها، بكيت شوقاً إلى تقبيلها، فبلت دموعي خدي من مطر صفته ما ذكرنا. وقيل: أراد إذا ابتسمت أبكتني بحسن مبسمها، تنغيصي بمفارقتها، إذ ذلك مما ينغص الوصل. وقيل: أراد ابتسامها في حال الهجر الحاصل. وقيل: أراد حقيقة ذلك، وهو ما يرشف من فيها، فريقها يبل خديه، وهو مطر برقه ثناياها. وقيل: إنه أراد أنها كانت تقبله، فكلما قبلته بلت بريقها خده، وكثر حتى صار كالمطر. وقيل: أراد أنها كانت تضحك من محبته فتبرق في وجهه. ما نفضت في يدي غدائرها ... جعلته في المدام أفواها ما بمعنى الذي. وهو مفعول نفضت وفاعله غدائرها. يقول: جعلت ما نفضت غدائرها من بقايا طيبها في يدي أخلاطا من الطيب في الخمرة، وطيبت الخمرة به. في بلدٍ تضرب الحجال به ... على حسانٍ ولسن أشباها يقول: خلوت بها في بلد، أو هذه في بلد تستتر فيه النساء الحسان بالحجال، غير أن أولئك الحسان لسن يشبهنها في الحسن؛ لأنها تفوقهن في حسنها. وقيل: أراد وصفهن بالحسن، وأن كل واحدة منهن متفردة بحسن لا يشاركها فيه غيرها. وقيل: أراد أنهن لا يشبهن غيرهن من النساء في الحسن، بل هن أحسن من غيرهن من الحسان. لقيننا والحمول سائرةٌ ... وهنّ درٌّ فذبن أمواها الحمول بالفتح: الإبل التي عليها الهوادج. يقول: هن في صفاء بشراتهن كالدر، فلما لقيننا يوم سارت الإبل، بكين جزعاً من الفراق، فذبن وجرين دموعاً، هي كبشراتهن في الصفاء، ونصب أمواها على التمييز وهي جمع ماء في القلة. كلّ مهاةٍ كأنّ مقلتها ... تقول: إيّاكم وإيّاها المهاة: البقرة الوحشية. والمهاة البلورة. يقول: كل واحدة منهن كأنها مهاة في حسنها وفي عيونها، فكأن مقلتها تحذر الناس فتقول: احذروا صيدها إياكم. فيهن منّ تقطر السّيوف دماً ... إذا لسان المحبّ سمّاها يقول: في هؤلاء النساء امرأة تسفك سيوف قومها دم من يحبها، عند تسميته إياها لعزتهم وحميتهم، وأراد بها محبوبته. وقيل: معناه أن في هؤلاء النساء امرأة تقتلك بجفونها التي هي السيوف، وتريق دمك بعيونها، متى ذكرت أنك تحبها. أحبّ حمصاً إلى خناصرةٍ ... وكلّ نفسٍ تحبّ منشاها يقول: أحب ما بين هذين الموضعين اللذين هما: حمص وخناصرة؛ لأن منشاي كان فيهما، وكل إنسان يحب وطنه الذي نشأ به. حيث التقى خدّها وتفّاح لب ... نان وثغري على حميّاها الحميا: الخمرة، وهي أيضاً سورتها. والهاء في خدها للمحبوبة وفي حمياها للناحية التي بين حمص وخناصرة. يقول: إني أحب هذا المكان لأني جمعت فيه بين خد المحبوبة أقبلها، وبين تفاح لبنان أتنقل به وبين شرب الخمر أتلذذ بها، والكل متقارب طيباً وطعماً. ولبنان: جبل بالشم، يقال له: جبل لبنان. وصفت فيها مصيف باديةٍ ... شتوت بالصّحصحان مشتاها الصحصحان هنا: موضع بقرب دمشق. وهو في اللغة: المكان المتسع. والهاء في فيها للمواضع التي بين حمص وخناصرة، وفي مشتاها للبادية. يقول: صفت في هذه المواضع مصيف بادية: أي على رسم العرب بالخروج إلى البادية وأقمت الشتاء بالصحصحان: التي هي مشتى أهل البادية. إن أعشبت روضةٌ رعيناها ... أو ذكرت حلّةٌ غزوناها الحلة: جماعة بيوت العرب، ينزلون في مكان واحد.

стр. 445

يقول: صفت وشتوت على هذه الحال، وكنا أهل عز ومنعة، فكلما سمعنا بروضة كثيرة العشب قصدنا إليها، ورعينا إبلنا فيها، وإذا علمنا بحلة غزوناها وأغرنا عليها واغتنمنا أموالها. أو عرضت عانةٌ مفزّعةٌ ... صدنا بأخرى الجياد أولاها العانة: قطعة من حمر الوحش. ومفزعةً: أي مسرعة، لأنها إذا فزعت أسرعت في العدو. يقول: كنا في تلك الناحية إذا عرضت عانة من الحمير صدنا بأخرى الجياد أي بأردئها: التي تكون متأخرةً عن صواحبها في الجودة، أولى حمير الوحش: وهي السوابق منها. أو عبرت هجمةٌ بنا تركت ... تكوس بين الشّروب عقراها الهجمة: القطعة العظيمة من الإبل. قال الأصمعي: ما بين الأربعين إلى المئة. وتكوس: أي تمشي على ثلاث قوائم عندما عقرناها. والشروب: جمع شرب والشرب: جمع شارب. والعقري: جمع عقير. يقول: إذا عبرت بنا قطعة من الإبل عقرنا الأدبار، فتكوس بين الشاربين. والخيل مطرودةٌ وطاردةٌ ... تجرّ طولى القنا وقصراها قوله: والخيل مطرودة وطاردة: أي لم تنفك غارة، ومطاردة، فتارةً لنا وتارة علينا. والطولى: تأنيث الأطول: والقصرى: تأنيث الأقصر. يعجبها قتلها الكماة ولا ... ينظرها الدّهر بعد قتلاها ينظرها: يؤخرها. يقول: يعجب الخيل قتلها الكماة، ثم لا تلبث أن تقتل بعدها طلباً للثأر. وقيل: أراد بالخيل أصحابها. والمعنى: أنها إذا قتلت أعداءها أعجبها ذلك، وهي بعد ذلك لا يمهلها الدهر بعد من قتلت. أي: أصحاب الخيل، لأن العاقبة إلى الفناء. وقد رأيت الملوك قاطبةً ... وسرت حتّى رأيت مولاها يقول: رأيت الملوك كلهم، والآن رأيت عضد الدولة الذي هو سيد الملوك. قال ابن جني: بلغني أن سيف الدولة قال لما سمع هذا البيت: أترى نحن في الجملة؟! ومن مناياهم براحته ... يأمرها فيهم وينهاها يقول: إن الموت تحت يده وطاعته! فهو متى شاء يأمر ملك الموت في الملوك وينهاه عنهم! أي يملك أرواح الملوك إن شاء أهلكهم وإن شاء أمهلهم. أبا شجاعٍ بفارسٍ عضد ال ... دولة فنّاخسرو شهنشاها هذه الأوصاف، والكنية، والاسم، نصب بدلاً من مولاها ومن روى: أنه منادي قال: أبو شجاع كنيته، وشهنشاه لقبه، وفناخسرو اسمه، وفارس مقره. أي: لقيته بفارس. أسامياً لم تزده معرفةً ... وإنّما لذّةً ذكرناها نصب أسامياً بفعل مضمر. أي ذكرت أساميا. يقول: لم أذكر هذه الأسامى لزيادة معرفة بها، إذ هو بذاته وصفاته مشهورة، وإنما ذكرناها التذاذاً بذكرها. تقود مستحسن الكلام لنا ... كما تقود السّحاب عظماها عظماها أي معظمها. والهاء للسحاب وتقود فاعله ضمير الأسامى. يقول: إن أساميه المذكورة، ومساعيه المشهورة، تقود لنا مستحسن الكلام في مدحه، كما يقود السحاب بعضه بعضاً وينضم إلى معظمه. وهذا كقول الآخر: إذا امتنع الكلام عليك فامدح ... أمير المؤمنين تجد مقالا هو النّفيس الّذي مواهبه ... أنفس أمواله وأسناها يقول: هو كريم شريف الخطر، فلا يهب إلا أنفس أمواله، وأكرم ذخائره. وروى عن عبد الصمد أحد خزان عضد الدولة أنه أمر لأبي الطيب بألف دينار عدداً، وزن سبع مئة، فلما أنشد هذا البيت تقدم إلي بأن أبدلها بألف وازنة. لو فطنت خيله لنائله ... لم يرضها أن تراه يرضاها يقول: إذا رضى فرساً، وهبه لقاصده، فلو فطنت خيله لهذا الرضا منه، لم يسرها أن تراه راضياً بها؛ لأنه إذا رضيها وهبها، وهي لا تحب الانتقال عنه. لا تجد الخمر في مكارمه ... إذا انتشى خلّةً تلافاها خلةً نصب بتجد. يقول: إن الخمر لا تجد في أخلاقه الكريمة خللاً قبل السكر، حتى إذا شربها تلافته وأزالته. تصاحب الرّاح أريحيّته ... فتسقط الرّاح دون أدناها الأريحية: الاهتزاز للكرم. يقول: إن أريحيته تهزه للكرم وتعينها الراح، غير أن أدنى تأثير أريحيته، يزيد على أثر فعل الراح فيه. تسرّ طرباته كرائنه ... ثمّ يزيل السّرور عقباها الكرائن: جمع كرينة، وهي الجارية العوادة، والهاء في عقباها للطربات.

стр. 446

يقول: إذا غنت له الكرائن وأطربته، وهب لهن، فسررن بما وصل إليهن، ثم لا يلبثن أن يهبهن لبعض جلسائه، لأنهن مملوكات له، فيزيل سرورهن، فأول الطربات سرهن، وآخرها غمهن. بكلّ موهوبةٍ مولولةٍ ... قاطعةٍ زيرها ومثناها الزير والمثنى من أوتار العود، أي يزيل عقبي الطربات سرور قيانه بكل موهوبة باكية؛ لزوالها عن ملكه، قاطعةً أوتار عودها جزعاً. تعوم عوم القذاة في زبدٍ ... من جود كفّ الأمير يغشاها في زبد: أي في عطاء جم كالبحر المزبد. يعني: أنه يهبها مع ذخائر أمواله وتغمرها عطاياه، فهي تتقلب فيها، كالقذاة في البحر. والهاء في يغشاها للموهوبة. تشرق تيجانه بغرّته ... إشراق ألفاظه بمعناها يقول: غرة وجهه تزين تيجانه كما تزين معاني كلامه ألفاظه. ينظر إلى قول الآخر: ومازانها العقد الّذي فوق نحرها ... ولكن لها نحرٌ يزيّن بالعقد دان له شرقها ومغربها ... ونفسه تستقلّ دنياها الهاء في شرقها ومغربها للأرض وفي دنياها للنفس. يقول: ملك الأرض شرقها وغربها، ونفسه تستقل له ذلك. تجمّعت في فؤاده هممٌ ... ملء فؤاد الزّمان إحداها يقول: قد اجتمعت في قلبه همم، واحدة منها تملأ الدهر! فضلاً عن سائر هممه. جعل للزمان فؤاداً ليجانس قوله: في فؤاده همم. فإن أتى حظّها بأزمنةٍ ... أوسع من ذا الزّمان أبداها الهاء في حظها وأبداها للهمم. يقول: إن كان لتلك الهمم التي في قلبه حظ، فأتى بزمان آخر يسعها. أبداها: أي أظهرها. يعني: في نفسه همم يضيق الزمان بواحدة منها، فلو وجد أزمنةً أوسع من هذا الزمان تسعها لأبداها. وصارت الفيلقان واحدةً ... تعثر أحياؤها بموتاها الفيلقان: الجيشان، وأنث على معنى الجماعة، وأراد بالفيلقين: أهل هذا الزمان وأهل الأزمنة المتقدمة. أي: الأحياء والأموات. يقول: إن أتى حظ بأزمنة تسعها أبداها، وأعاد من سلف من الأمم والملوك، وأدخلهم في طاعته، وصار عسكر الأحياء والأموات واحداً في الانقياد له. وتعثر الأحياء بالأموات. وهذا تفسير للهمم التي تجمعت في فؤاده. ودارت النّيّرات في فلكٍ ... تسجد أقماره لأبهاها الهاء في أبهاها للأقمار، ويجوز أن تكون للنيرات. يعني: لو أظهر تلك الهمم لخضعت له ملوك الدنيا واجتمعت، كلهم في وقت واحد، فتسجد أقمار الفلك لأبهاها وهو الشمس. جعل سلطانه فلكاً يشتمل على الأرض وملوكها، كما يشتمل الفلك على العالم، وجعل الملوك أقماراً وهو شمساً. الفارس المتّقي السّلاح به ال ... مثنى عليه الوغى وخيلاها خيلاها أي عسكراها، وهي تثنية الخيل. والهاء للوغى؛ لأنه في معنى الحرب. وروى: المتقي بفتح القاف، أي يتقي به من أثر السلاح، وتثني عليه الحرب وعسكراها. أي: عسكره وعسكر العدو. لو أنكرت من حيائها يده ... في الحرب آثارها عرفناها الهاء في حيائها وآثارها لليد وفي عرفناها للآثار. يقول: لو أنكرت يده من فرط حيائها آثارها في الحرب؛ لعلمنا أنه فعله، لأن أحداً لا يقدر أن يفعل مثل فعله. وكيف تخفي الّتي زيادتها ... وناقع الموت بعض سيماها زيادة اليد: اسم لما تحمله اليد، زائداً على ما جرت عادتها بحمله. وقيل: الزيادة: السوط. التي ترجع للآثار. والهاء في زيادتها لليد وفي سيماها للزيادة. والموت الناقع: السريع. وقيل: الثابت. يقول: كيف تخفي آثار يده؟؟! وما تفعله بزيادتها هو الموت الناقع، وهو علامة من علامات زيادة يده، فإذا ضربت بالسيف كيف يخفي آثارها؟!. الواسع العذر أن يتيه على الدّ ... نيا وأبنائها وما تاها ما للنفي وتاه فعل: أي لم يته. يقول: لو تاه على الدنيا وأهلها، كان له في ذلك أوسع عذر، لأنه ملكها وأهلها، وهو مع ذلك لم يته تواضعاً منه. لو كفر العالمون نعمته ... لما عدت نفسه سجاياها يقول: هو ينعم على الخلق عامةً، فلو جحد الخلق نعمه عليهم ما ترك عادته في الجود. وقوله: لما عدت: أي ما تجاوزت نفسه عادتها في الجود. كالشّمس لا تبتغي بما صنعت ... منفعةً عندهم ولا جاها

стр. 447

يقول: هو في شمول نعمته كالشمس أي: لأنها تشرق بطبعها، ولا تريد من الناس شكراً ولا أجراً من منفعة أو جاه، فكما لا يتصورون فيها ذلك فكذلك حاله. ولّ السّلاطين من تولاّها ... والجأ إليه تكن حديّاها أي متحدياً للسلاطين، ونظيراً لها. والهاء ترجع إلى السلاطين. يقول: دع السلاطين مع من تولاهم، وانضم إليه تصر من جملتهم، والهاء ترجع إلى عضد الدولة، تكن نظير السلاطين ومبارياً لهم ومتطاولاً عليهم. خاطب بهذا نفسه أو صاحبه. ولا تغرّنّك الإمارة في ... غير أميرٍ وإن بها باهي الهاء في بها للإمارة وباهي فاعل من البهاء. يقول: دع السلاطين ولا تغتر بما تراه من مباهاتهم بالإمارة، فليس الأمير في الحقيقة إلا من هو بالصفة المذكورة. فإنّما الملك ربّ مملكةٍ ... قد فغم الخافقين ريّاها يقال: فغمتة رائحة الطيب، إذا ملأت منخره. والريا كل شيء رائحته طيبة. والهاء للمملكة. يقول: ليس الأمير إلا من ملأت مملكته، رائحتها بين المغرب والمشرق. مبتسمٌ والوجوه عابسةٌ ... سلم العدى عنده كهيجاها يقول: الملك من يحتقر أعداءه ولا يحتفل بهم، فسلمهم وحربهم عنده سواء ويكون مبتسماً في الحرب عند عبوس الشجعان، لا يدخله قلق ولا حرج، وليس ذلك إلا عند عضد الدولة. النّاس كالعابدين آلهةً ... وعبده كالموحّد الّلاها يعني: أن الملك في الحقيقة هو الممدوح، فعبده على بصيرة وصواب، كمن يوحد الله تعالى، وعبد غيره من الملوك على باطل وضلالة كمن يعبد الأصنام، التي لا تنفع ولا تضر. وقيل: معناه من رجا غيره كان ضالاً عن الصواب، بعيداً عن الرشد، كمن يعبد غير الله تعالى، ومن وقف رجاؤه عليه كان مظفراً منصوراً متبعاً للصواب والرشد، كمن يوحد الله تعالى ويتبع الحق. والمعنيان متقاربان. وقال أيضاً يمدحه في هذا الشهر، ويمدح ابنيه: أبا الفوارس، وأبا دلف، ويذكر شعب بوان في طريقه: مغاني الشّعب طيباً في المغاني ... بمنزلة الرّبيع من الزّمان المراد بالشعب: شعب بوان، وهو في أرض فارس، شعب بين جبلين طوله أربعة فراسخ، كله شجر وكرم، ولا تقع فيه الشمس على الأرض لالتفاف أشجاره وطيباً نصب على المفعول له، أو على التمييز. يقول: فضل هذه المغاني في طيبها، كفضل الربيع على سائر الأزمان في الطيب. ولكنّ الفتى العربيّ فيها ... غريب الوجه واليد واللّسان أراد بالفتى العربي: نفسه. يقول: أنا غريب الوجه فيها؛ لأنه لا يعرف. وغريب اللسان؛ لا يفهم كلامه. وغريب اليد: يعني أن سلاحه السيف والرمح، وسلاح من بالشعب الحربة ونحوها. ذكره ابن جني. وقال غيره: إن خطه عربي مثل لسانه، فهو أيضاً غريب وقيل غريب النعمة: أي ليس للعجم سخاء العرب. ملاعب جنّةٍ لو سار فيها ... سليمانٌ لسار بترجمان يقول: هذه المغاني ملاعب الجن؛ لأنهم لا يظهرون؛ لالتفاف الأشجار والكروم، فتسمع أصواتهم ولا ترى أشخاصهم. فشبههم بالجن من هذا الوجه. وقيل: شبههم بالجن؛ لغموض لغتهم. ثم قال: لو سار فيها سليمان، مع علمه بمنطق الطير وسائر الألسن، لاحتاج إلى الترجمان. طبت فرساننا والخيل حتّى ... خشيت وإن كرمن من الحران طبت: أي استمالت مغاني الشعب فرساننا وخيلنا لطيبها، فلم تبرح منها حتى خشيت عليها الحران، وإن كانت كريمة. والحران: عيب في الخيل، وهو أن تقف ولا تنبعث. غدونا تنفض الأغصان فيها ... على أعرافها مثل الجمان الجمان: اللؤلؤ الصغار. يقول: سرنا من الشعب بكرةً، وكان الندى يسقط من أوراق الأشجار على أعراف الخيل، فينتظم عليها مثل الجمان. وقيل: أراد ما يقع على أعراف الخيل عند نفض الأغصان في خللها من ضوء الشمس. وقيل: أراد أن الأغصان كان عليها من الورد والياسمين، فشبهه عند تساقطه على أعراف الخيل باللؤلؤ. فسرت وقد حجبن الحّر عنّي ... وجئن من الضّياء بما كفاني يقول: حجبت الأغصان عني حر الشمس، وجاءت الأغصان من ضوئها في خلل الأوراق بما نحتاج إليه ونكتفي به. وألقى الشّرق منها في ثيابي ... دنانيراً تفرّ من البنان الشرق: الشمس، والهاء في منها للأغصان.

стр. 448

يقول: إن ضوء الشمس يقع على ثيابنا من خلا ل الأوراق قطعاً مدورة كالدنانير، غير أنها كانت تفر من البنان: يعني أن البنان إذا شاء أن يقبض عليها صارت على ظهر اليد، فكأنها فارة من البنان. وحكى: أن الملك عضد الدولة لما أنشده هذا البيت قال: لأقرنها في يدك. لها ثمرٌ تشير إليك منه ... بأشربةٍ وقفن بلا أواني الأواني: جمع آنية، والآنية: جمع إناء. يقول: لهذه الأغصان والأشجار ثمر من عنب وغيره، كأنه لرقته وصفائه يشير إليك بأشربة واقفة بغير أوان. شبهها في صفائها بالشراب. وأمواهٌ يصلّ بها حصاها ... صليل الحلي في أيدي الغواني يقول: بهذا المكان مياه شديدة الجري، فكأن صليل حصاها، كصليل الحلي كالأسورة ونحوها في أيدي النساء الحسان. شبه الجداول بمعاصم الجواري الناعمة، وصوت جريانها على الحصا بصوت الحلي في معاصمهن. ولو كانت دمشق ثنى عناني ... لبيق الثّرد صينيّ الجفان الثريد اللبيق والمليق: اللطيف المزين المحسن. والثرد: الثريد. ولبيق: فاعل ثنى واسم كان ضمير المغاني. يقول: لو كانت دمشق في طيبها، لثنى عناني عنها وجذبني هذا الممدوح، الذي ثرده مليقة، وجفانه صينية. يلنجوجيّ ما رفعت لضيفٍ ... به النّيران ندىّ الدّخان يلنجوجي منسوب إلى اليلنجوج، وهو العود الذي يتبخر به والتاء في رفعت تعود إلى النيران، والهاء في به إلى ما يقول: إن النار التي يوقدوها للأضياف إنما توقد بالعود. والثرد المليقة تطبخ بهذه النار، ودخانها دخان الند. يحلّ به على قلبٍ شجاعٍ ... ويرحل منه عن قلبٍ جبان يعني: إذا حل به أضيافه سر بنزولهم، وقويت نفسه، فلقيهم بقلب شجاع، وإذا رحلوا عنه اغتم وضعف قلبه كقلب الجبان. وقيل: أراد أن ضيفه ينزل به وهو شجاع يعني: الضيف، فإذا رأى داره ورآه في غاية الحسن واللطف، ازداد في العيش رغبة، فيجبن. منازل لم يزل منها خيالٌ ... يشيّعني إلى النّوبندجان النوبندجان بلدة. يقول هذه المغاني: منازل لا يفارقني خيالها، لحسنها، بل يشيعني حتى وصلت إلى النوبندجان. وقيل: معناه أن لدمشق منازل لم يزل خيالها يشيعني حتى وصلت إلى النوبندجان فسلوت عنها. والنوبندجان: مدينة قريبة من شعب بوان في طريق شيراز إذا ارتحلت منها نزلت بالشعب. إذا غنّى الحمام الورق فيها ... أجابته أغانيّ القيان يعني: إذا تغنت الحمام في هذه المغاني على أشجارها، أجابتها القيان بغنائهن. وفيها يجوز أن يرجع إلى مغاني الشعب، وأن يرجع إلى دمشق. ومن بالشّعب أحوج من حمامٍ ... إذا غنّى وناح إلى البيان يقول: أهل الشعب عجم الأعاجم فلا أفهم غناءهم كما لا أفهم غناء الحمام، فهما سواء بل غناؤهم أحوج إلى البيان من غناء الحمام. وقد يتقارب الوصفان جدّاً ... وموصوفاهما متباعدان يقول: أهل الشعب والحمام، وإن كانا متباعدين في الأشخاص، لاختصاصهم بالإنسانية دونها، إلا أن أوصافهما في الاستعجام متقاربة جداً. يقول بشعب بوّانٍ حصاني: ... أعن هذا يسار إلى الطّعان؟! يقول: لماً رحلت من شعب بوان عاتبني فرسي وقال: تترك مثل هذا المكان في طيبه وحسنه وتؤثر لقاء الأقران ومباشرة الطعان؟! أبوكم آدمٌ سنّ المعاصي ... وعلّمكم مفارقة الجنان قال لي فرسي: إن مفارقة الجنان صار موروثاً لكم عن أبيكم آدم، فإنه أول من ترك الجنة وخرج إلى الدنيا. فقلت إذا رأيت أبا شجاعٍ: ... سلوت عن العباد وذا المكان يعني قلت لفرسي: إذا لقيت عضد الدولة علمت صواب رأيي، ونسيت هذا المكان وسلوت عن جميع العباد، لما ترى من إحسانه وكرمه. فإنّ النّاس والدّنيا طريقٌ ... إلى من ماله في النّاس ثان يقول: إن الدنيا وجميع أهلها طريق إلى هذا الممدوح، يعبرهم حتى ينتهي إليه، فإنه الغاية التي ليس وراءها مطلب، وليس له ثان في الناس. له علّمت نفسي القول فيهم ... كتعليم الطّراد بلا سنان الكناية في فيهم للناس. يقول: إنما مدحت الملوك وسائر الناس لأتمرن بالمدح، وأصلح لمدحه إذا وصلت إليه، كما يتعلم الفارس الطراد بالرمح الذي لا سنان عليه. بعضد الدّولة امتنعت وعزّت ... وليس لغير ذي عضدٍ يدان

стр. 449

يقول: الدولة إنما امتنعت على أعدائها وعز سلطانها، بعضدها: الذي هو أبو شجاع، ولو لم يكن لها عضد لم يكن لها يدان. ولا قبضٌ على البيض المواضي ... ولا حظٌّ من السّمر اللّدان اللدان: جمع لدن، وهو الرمح اللين. يعني: من لم يكن له عضد، لم يمكنه القبض على السيوف، والطعن بالرماح، لأن قوام الجميع بالعضد. دعته بمفزع الأعضاء منها ... ليوم الحرب بكرٍ أو عوان دعته: أي الدولة دعت عضدها. والهاء في منها للدولة، وقيل: لليد، ودعته: أي سمته. يعني: أن الدولة سمت أبا شجاع عضدها، وهو مفزع الأعضاء وبه قوامها يعني: لما كانت الدولة تفزع إليه في حروبها كذلك تفزع اليد إلى عضدها، فلهذا سمته عضد الدولة. فما يسمى كفنّا خسر مسمٍ ... ولا يكنى كفنّا خسر كان يعني: أن ليس له نظير، ولا يدركه أحد في الدنيا باسم ولا كنية، ولا أحد يشبهه في ملكه وسلطانه ولا في عدله إلى الناس وإحسانه. ولا تحصى فضائله بظنٍّ ... ولا الإخبار عنه ولا العيان وروى فواضله أي عطاياه. يقول: لا يحيط الظن مع سعته بأوصافه الجميلة، وعطاياه الجزيلة، وكذا الأخبار والمشاهدة لا يحيطان بها. أروض النّاس من تربٍ وخوفٍ ... وأرض أبي شجاعٍ من أمان أروض: جمع أرض قياسا، وليس بمسموع. يقول: ممالك غيره من الملوك مضطربة غير آمنة فكأنها مخلوقة من الخوف، كما أنها مخلوقة من التراب، لما كان الخوف لا يفارقها وأرض الممدوح سالمة آمنة، لا يقدر أحد أن يعيث في بلاده، فكأنها مخلوقة من الأمان. يذمّ على اللّصوص لكلّ تجرٍ ... ويضمن للصّوارم كلّ جاني يذم: أي يجعلهم في ذمامه. وقيل: يحرمهم. أي: يعقد الذمة للتجار على اللصوص فيحرمهم بها عليهم، ويضمن لسيوفه أن يقتل بها كل جان. إذا طلبت ودائعهم ثقاتٍ ... دفعن إلى المحاني والرّعاني المحاني: جمع محنية، وهي منعطف الوادي. والرعان: جمع رعن، وهو أنف الجبل. يقول: إذا أرادت ودائع التجار ثقات يحفظونها، فإن أصحابها يتركونها بهذه المواضع، ولم يتعرض أحد لها، هيبة من عضد الدولة. فباتت فوقهنّ بلا صحابٍ ... تصيح بمن يمّر: أما تراني؟! يقول: باتت أمتعة التجار فوق هذه المواضع مطروحة بلا صحاب تحرسها فكل أحد يمر بها، ولا يتعرض لها فتقول له: أما تراني؟! رقاه كلّ أبيض مشرفيٍّ ... لكلّ أصمٍّ صلٍّ أفعوان رقاه: أي رقى عضد الدولة، وهي جمع رقية، والأصم: الحية. والصل: ضرب من الحيات من الأصل، ويشبه به الداهية. والأفعوان: ذكر الأفاعي، وهي أخبث الحيات. يعني: هو يقهر أهل الفساد بالسيوف، كما يقهر الحواء الحية بالرقية، فرقيته سيفه الذي به ترقى كل حية خبيثة أقام السيف مقام الرقية أي لا رقية له إلا السيف كما يقال: عتابك السيف. وما يرقى لهاه من نداه ... ولا المال الكريم من الهوان اللها: العطايا، واحدها لهوة. يقول: هو يرقى كل مفسد بسيفة، ولا يرقى ماله من سخائه. حمى أطراف فارس شمّريٌّ ... يحضّ على التّباقي في التّفاني يقال: رجل شمري وشمري بكسر الشين وفتحها: إذا كان خفيفاً متشمراً لأموره. يقول: حمى أطراف فارس رجل ملك مشمر جاد. وهو يحض على التباقي في التفاني: أي يحض أولياءه على إفناء أهل الفساد، ليكون ذلك سبب بقاء أهل الصلاح وهو من قوله تعالى: " وَلَكُمْ في الْقِصَاصِ حَيَاة ". بضربٍ هاج أطراب المنايا ... سوى ضرب المثالث والمثاني يعني: حمى أطراف فارس بضرب، وقيل: الباء متعلق بقوله: يحض أي يحض أصحابه على التباقي في التفاني بضرب لا بمجرد قول، بل بضرب أهاج طرب الموت حتى ثار من مظانه، وهو الضرب بالسيف، وليس هو ضرب للعيدان التي تهيج طرب أصحاب اللهو، والمثاني: جمع مثنى. والمثالث جمع مثلث، وهي الأوتار. أي: همه الحرب وضرب رءوس الأعداء، وليس كغيره من الملوك الذي همه في اللهو والغناء. كأنّ دم الجماجم في العناصي ... كسا البلدان ريش الحيقطان العناصي: جمع عنصوة، وهي الخصلة من شعر الرأس. والحيقطان: ذكر الدراج وريشه ملون.

стр. 450

يقول: من كثرة من قتل من الأعداء قد تساقطت شعورهم من رءوسهم، وهي مخضبة بالدم، فهي حمر مثل ريش ذكر الدراج، فكأن الدم قد كسا الأرض ريش الدراج. فلو طرحت قلوب العشق فيها ... لما خافت من الحدق الحسان الهاء في فيها لفارس. يقول: حمى أطراف فارس من كل لص وداعر، وأمنها من كل خوف، لو طرحت القلوب الواقعة في أيدي أهل العشق فيها، لأمنت من الحدق الحسان، وهذا ضد قوله في بدر. حدقٌ يذمّ من القواتل غيرها ... بدر بن عمّار بن إسماعيلا ولم أر قبله شبلي هزبرٍ ... كشبليه ولا مهري رهان يريد: لم أر قبل شبليه شبلي هزبر، فحذف المضاف. يقول: لم أر ولدي أسد كولدي عضد الدولة، ولا مهرين يراهن عليهما كمهريه. جعله أسداً، وجعل ولديه شبليه، لتشابهما في الشجاعة، وجعل المهرين مثلا لهما، لتساويهما في السبق. أشدّ تنازعاً لكريم أصلٍ ... وأشبه منظراً بأبٍ هجان التنازع: التجاذب. يقول: هما يتنازعان، أي كل واحد منهما يجاذبه الآخر: يعني. أنهما تساويا فيه. والهجان: الخالص الكريم. وتنازعا ومنظراً نصبا على التمييز. يقول: لم أر ولدين أشد تشابهاً بأصلهما الكريم أصلاً ومنظراً من ولديه: يعني: أنهما تساويا في مشابهته. وأكثر في مجالسه استماعاً ... فلانٌ دقّ رمحاً في فلان يعني: أنه يكثر الأب في مجالسه ذكر الوقائع ومصارع الأبطال، وهما يسمعان ذلك فقد نشئا عليه، وتعوداه من الصغر. وأوّل دايةٍ رأيا المعالي ... فقد علقا بها قبل الأوان الداية: الظئر. يقول: أول داية حضنتهما هي المعالي، فتعودا المعالي وربيا عليها. وروى رأية بالراء وهي فعلة من رأى بمعنى علم. وأوّل لفظةٍ فهما وقالا ... إغاثة صارخٍ أو فكّ عاني يقول: أول ما تلفظا به وتعلماه من الكلام أنهما قالا لأصحابهما: أغيثوا الصارخ وفكوا العاني، أو قالا: نغيث نحن ونفك، أي نشأا على ذلك. وكنت الشّمس تبهر كلّ عينٍ ... فكيف وقد بدت معها اثنتان؟! يقول لعضد الدولة: كنت شمسا تبهر الأبصار بنورك، فكيف إذا انضم إليها شمسان منها؟ حتى صرن معها شموشا ثلاثة. يعني: كنت تغلب الملوك بفضلك، فكيف وقد صار اثنان يعاونانك ويشدان معاليك؟ جعله مع ابنيه شموساً. فعاشا عيشة القمرين يحيا ... بضوئهما ولا يتحاسدان القمران: الشمس والقمر. يقول دعاءً لهما: بقيا بقاء الشمس والقمر، يعمان الناس بفضلهما، من غير أن يحسد أحدهما الآخر، مثل الشمس والقمر، اللذين ينفعان الناس بالنور، ولا يحسد أحدهما الآخر. ولا ملكا سوى ملك الأعادي ... ولا ورثا سوى من يقتلان دعاء له أيضا معهما بالبقاء يقول: لا ملكا إلا ممالك الأعادي، ولا ورثا إلا أسلاب من قتلاه. يعني: لا ملكا ملكك ولا ورثاك. وكان ابنا عدوٍّ كاثراه ... له ياءي حروف أنيسيان المعنى: أن أنيسيان، تصغير الإنسان، فإذا زدت عليه ياءين فقلت: أنيسيان، فزاد عدد حروفه، وصغر معناه. فيقول: إن كان لهذا الممدوح عدو، له ابنان فكاثره بهما. فيكونا زائدين في عدده، ناقصين لسقوطهما وتخلفهما عن قدره، كما أن ياءي أنيسيان قد زادتا في عدد حروفه ونقصتا منه وصغرتاه. والهاء في كاثراه للممدح وفي له للعدو. وقال أبو الفتح ابن جني: حدثني علي بن حمزة البصري قال: كنت حاضراً بشيراز وقت عرضه لهذه القصيدة، وقد سئل عن معنى هذا البيت: قال فالتفت إلي وقال: لو كان صديقنا أبو فلان حاضراً لفسره لهم. يعنيني بالكنية. قال ابن جني: وقال لي يوما، أتظن أن عنايتي بهذا الشعر مصروفة إلى من أمدحه به؟! ليس الأمر كذلك، لو كان لهم لكفاهم منه البيت. قلت: فلمن هي؟ قال: هي لك ولأشباهك. دعاءٌ كالثّناء بلا رياءٍ ... يؤدّيه الجنان إلى الجنان يعني: هذا دعاء مني، وثناء عليك، ليس فيه رياء ولا خداع، لأنه صدر عن قلب خالص إلى قلبك الذي يشهد لي دعواي. وقيل: أراد أن هذا المعنى يؤديه قلبي إلى قلبك، لأنه دقيق، وأنت تفهم بإشارتي إليك. فقد أصبحت منه في فرندٍ ... وأصبح منك في عضبٍ يمان

стр. 451

يقول: تكسبت من هذا الممدوح جوهراً نافذا، وفهماً ثاقباً، يغوص في المعنى، كالسيف الذي له الفرند، وتكسب ثنائي منك سيفاً قاطعاً، منه فرنده وماؤه في الأصل جوهر كريم. وقيل: أراد حصل ثنائي عليك عند مستحقه، فهو عليك كالجوهر في السيف اليماني. ولولا كونكم في النّاس كانوا ... هذاء كالكلام بلا معاني وروى: هراء وهو اللغو الفاسد من الكلام، كما أن الكلام إنما يفيد بالمعنى، فإذا عرى عن المعنى صار لغوا، فأنتم في الناس كالمعنى في الكلام. وقال يمدحه وقد ورد الخبر بانهزام وهسوذان ويذكر ذلك في جمادى الأولى، وكان ركن الدولة أنفذ إليه جيشاً من الري فهزمه وملك بلده: إثلث فإنّا أيّها الطّلل ... نبكي وترزم تحتنا الإبل إثلث: أي كن ثالثا. والإرزام: الحنين. يقول: أيها الطلل كن ثالثاً في البكاء والحنين على فراق الأحبة، فإنا نبكي وإبلنا ترزم، فابك أنت أيضاً تكن لنا ثالثاً. أولا فلا عتبٌ على طللٍ ... إنّ الطّلول لمثلها فعل الهاء في مثلها ضمير الحالة المضمرة: وإن لا تبك معنا فلا عتب عليك في تركك البكاء. لو كنت تنطق قلت معتذراً ... بي غير ما بك أيّها الرّجل يقول: لو كنت أيها الطلل ناطقاً لقلت معتذراً عن ترك البكاء: إن ما بي غير ما بك أيها الرجل، لأن الذي بي هو الموت، ولا بكاء معه وبك الحياة، فإذا كان تركي البكاء لأجل الموت الحال بي، كنت معذوراً فيه. وقوله: معتذرا نصب على الحال. أبكاك أنّك بعض من شغفوا ... ولم أبك أنيّ بعض ما قتلوا هذا تفسير لقول الطلل: بي غير ما بك. يقول: لو كان الطلل ممن ينطق لقال لي: إنما بكيت لأنهم شغفوك حباً، ولم أبك لأنهم قتلوني بالرحيل، فلا قدرة لي على البكاء. يعني: هذا الطلل ارتحل عنه أهله، فبادت رسومه، ودرست أعلامه، ونحن أحياء نشكو الشوق فإذا لم يبك معنا فهو معذور. وإنما قال: بعض من شغفوا وبعض ما قتلوا لأن من لما يعقل وما لما لا يعقل. إنّ الذين أقمت وارتحلوا ... أيّامهم لديارهم دول هذا أيضا من كلام الطلل، وقيل: هو خطاب منه لنفسه. يقول الطلل: إن الذين ارتحلوا وأقمت أنت بعدهم، أو يقول: إن الذين ارتحلوا عن هذا الطلل وأقمت بعدهم أيامهم دول لديارهم، إذا حلوها عمرت وإذا ارتحلوا عنها خربت وزالت دولتهم. الحسن يرحل كلّما رحلوا ... معهم وينزل حيثما نزلوا هذا تفسير لقوله: أيامهم لديارهم دول يعني: أن حسن الطلل بأهله، فكلما حلوا به حسن، وإذا ارتحلوا عنه ارتحل الحسن معهم فهو ينزل بنزولهم ويرحل برحيلهم. في مقلتي رشإٍ تديرهما ... بدويةٌ فتنت بها الحلل يقول: هذا الحسن الذي يرحل برحيلهم في مقلتي غزال بدوية قد فتنت الحلل بحسنها وملاحتها. والحلل: جمع حلة، وهي بيوت الأعراب المجتمعة. تشكو المطاعم طول هجرتها ... وصدودها ومن الّذي تصل؟ يصفها بقلة تناول الطعام، وذلك مما يحمد في النساء. يقول: هي تصد عن الطعام كما تصد عن العشاق. والطعام يشكو هجرها وصدها عنه، فإذا كانت عادتها الصدود عنه مع أن أحداً لا يهجر الطعام فمن الذي تصله هي من الناس؟! مع وجود هذه العادة فيها. ما أسأرت في القعب من لبنٍ ... تركته وهو المسك والعسل ما بمعنى الذي، وهو في موضع النصب بأسأرت والقعب: القدح. يقول: إذا شربت لبناً فبقي بعد شربها شيء، فذاك يكتسب من فمها طيبها وحلاوتها، فيصير كالعسل والمسك. قالت: ألا تصحو؟! فقلت لها: ... أعلمتني أنّ الهوى ثمل الثمل: السكر، والثمل السكران. يقول: قالت لي المحبوبة: ألا تصحو من هواك؟! فقلت لها: قد أعلمتني أن الهوى السكر، لأن الصحو إنما يكون عن السكر. لو أنّ فنّا خسر صبّحكم ... وبرزت وحدك عاقه الغزل يقول: إن عضد الدولة - مع اهتمامه بأمر الملك، وقله اشتغاله باللهو والغزل - لو قصد قومك وبرزت أنت وحدك لرددته عن قومك بحسنك وملاحتك. وتفرّقت عنكم كتائبه ... إنّ الملاح خوادعٌ قتل يقول: لو خرجت لعضد الدولة، لفتنته حتى تفرقت عنكم عساكره وكتائبه لاشتغاله بك عن الحرب؛ لأن الملاح خوادع قاتلات. ما كنت فاعلةً وضيفكم ... ملك الملوك وشأنك البخل

стр. 452

أتمنّعين قرىً فتفتضحي ... أم تبذلين له الّذي يسل؟ يقول: كيف تصنعين لو نزل بك عضد الدولة وهو ملك الملوك، مع ما أنت عليه من البخل، إن منعت قراه تفتضحين، وإن بذلت له ما يسأله منك، تركت عادتك في البخل، فأيهما تختارين؟ بل لا يحلّ بحيث حلّ به ... بخلٌ ولا جورٌ ولا وجل يقول: لا يحل موضعا يحل به عضد الدولة، بخل ولا جور ولا خوف: أي حيثما يحل نفي هذه الأحوال عن أهلها بجوده، وأمنه، وعدله. وقيل: أراد بالجود ما تستعمله هذه المرأة من المنع والخوف، خوف الرقباء. ملك إذا ما الرّمح أدركه ... طنبٌ ذكرناه فيعتدل الطنب: الاعوجاج. يقول: إن الرمح إذا اعوج إما صورة أو قصورا عن الحمل فإذا ذكرنا اسمه عند ذلك، زالت عنه الآفة. إن لم يكن من قبله عجزوا ... عمّا يسوس به فقد غفلوا يقول: إن لم يكن لأحد من الملوك قبله مثل سياسته فإما أن يكونوا غفلوا عنها، أو لم يكونوا قادرين عليها، فعجزوا عن إدراكها. حتّى أتى الدّنيا ابن بجدتها ... فشكا إليه السّهل والجبل ابن بجدتها: أي العالم بها. والبجدة: دخيلة الأمر. يقول: لم يكن لأحد قبله مثل سياسته. حتى أتى الدنيا العالم بحقائقها وبواطن أمور أهلها، فشكا إليه أهل السهل والجبل ما قاسوا قبله من الجور، فعمهم بعدله وأزال عنهم كل جور. شكوى القليل إلى الكفيل له ... ألاّ يمرّ بجسمه العلل يقول: شكا إليه أهل السهل والجبل ما قاسوا من الجور وغيره، كما يشكو المريض إلى من كفل له ألا يمر بجسمه الأمراض، وهو الطبيب الحاذف بجيمع أنواع الأسقام. يعني: يزيل آثار الجور ويمحو رسومها، كما يفعل الطبيب الماهر بمداواة العليل. قالت فلا كذبت شجاعته ... أقدم فنفسك ما لها أجل فاعل قالت: شجاعته. وقوله: فلا كذبت دعاء له واعتراض بين القول والمقول له. يقول: قالت شجاعته: أقدم فما لنفسك أجل ولا يدنو منك موت، ثم دعا له بالبقاء فقال: فلا كذبت شجاعته أبداً في قولها: إن نفسه ليس لها أجل. يعني: إن جرى مثل في الجود والعلم والحلم وكل فضل فهو النهاية في ذلك المثل، وكذلك هو الغاية، إذا قيل: من البطل في الحروب. عدد الوفود العامدين له ... دون السّلاح الشّكل والعقل الشكل: جمع شكال، وهو للخيل. والعقل: للإبل، وهو جمع عقال. يقول: إن عدة الزوار القاصدين إليه هي الشكل والعقل، دون السلاح. يعني: أنهم إذا قصدوه استعدوا الشكل للخيل، والعقل للإبل، ثقة منهم بتحقيق آمالهم. وقوله: دون السلاح يعني أنه لا يلقاه إلا عاف يستميح، فأما المحارب فلا يجسر على لقائه. فلشكلهم في خيله عملٌ ... ولعقلهم في بخته شغل البخت: جمع بختة وهي الجمال الخرسانية. يقول: إن شكلهم وعقلهم مشغولة بما قاده إليهم من الخيل والإبل، فلا يفضل لهم شكال ولا عقال. تمشي على أيدي مواهبه ... هي أو بقيّتها أو البدل روى تمشي وتمسي بالسين. يقول: تمشي الخيل والإبل على أيدي مواهبه: أي مواهبه تتصرف في خيله وإبله وتلي أمرها. يعني: إن زاره قوم أعطاهم الخيل والإبل، فإن بقي منها بقية وهبها لقوم آخرين، وإن لم يبق منها شيء، وهب بدلها من سائر الأموال والنفائس. يشتاق من يده إلى سبلٍ ... شوقاً إليه ينبت الأسل السبل: المطر، يريد به هنا الحرب. والأسل: الرماح. يشتاق هو إلى قتل أعدائه وإراقة دمائهم، والرماح إنما تنبت شوقاً إلى ذلك السبل؛ لأنه يعملها في حروبه، ويريق بها دماء أعدائه. وقيل: أراد بالسبل جود يده. سبلٌ تطول المكرمات به ... والمجد لا الحوذان والنّفل الحوذان والنفل: نبتان طيبان. يعني: هذا السبل ليس بمطر ينبت العشب، ولكنه حرب ينبت به المكارم والمجد. وإلى حصى أرضٍ أقام بها ... بالنّاس من تقبيله يلل اليلل: قصر الأسنان، وقيل انعطافها إلى داخل الفم. يقول: من كثرة ما قبل الناس الحصى بين يديه، حصل لهم في أسنانهم قصر وانعطاف. وقال ابن جني: أراد أن الناس لكثرة ما يقبلون الأرض بين يديه حدث بهم انحناء وانعطاف، كما تنعطف الأسنان إلى داخل الفم. قال: وهذا من اختراعات المتنبي. إن لم تخالطه ضواحكهم ... فلمن تصان وتذخر القبل؟

стр. 453

الهاء في تخالطه للحصى. يقول: إن لم تخالط ضواحك الأسنان الحصى بين يدي عضد الدولة، فلمن يدخرون تقبيل الأرض أي ليس أحد يستحقها غيره. في وجهه من نور خالقه ... قدرٌ هي الآيات والرّسل يقول: ما في وجهه من النور والجمال، يقوم مقام المعجزات التي هي الآيات، وما يأتي به الرسل؛ لما فيه من ظهور قدرة الله تعالى وعظمته فيه. فإذا الخميس أبى السّجود له ... سجدت له فيه القنا الذّبل يقول: إذا امتنع الجيش عن طاعته والسجود له، سجدت له فيه الرماح. يعني: أن الرماح تنحني لطعن الآبين للسجود، فيجري ذلك مقام سجود الرماح. أي: إن لم يخضع له طوعاً، خضع له كرهاً. والهاء في فيه للخميس. وإذا القلوب أبت حكومته ... رضيت بحكم سيوفه القلل القلل: جمع القلة، وهي أعلى الرأس. يقول: من لم يرض بحكمه ضرب رأسه بالسيف، فكأنه راض بحكم السيف. أرضيت وهسوذان ما حكمت ... أم تستزيد؟ لأمّك الهبل!! يقول: هل رضيت يا وهسوذان بما حكمت السيوف فيك؟ أم تطلب زيادة عليه، ثم دعا عليه بالهلاك فقال: ثكلتك أمك. وردت بلادك غير مغمدةٍ ... وكأنّها بين القنا شعل يقول: إن السيوف وردت بلادك يا وهسوذان وهي مجردة من أغمادها، فكأنها بين الرماح، شعل النيران بين الحطب. والقوم في أعيانهم خزرٌ ... والخيل في أعناقها قبل الخزر: ضيق العينين. والقبل: إقبال إحدى العينين على الأخرى، والخيل تفعله لعزة أنفسها. يقول: قصدك فرسان خزر العيون؛ لأنهم أتراك، أو فعلوا ذلك غضباً، على خيل عربية عزيزة الأنفس. فأتوك ليس لمن أتوا قبلٌ ... بهم وليس بمن نأوا خلل الأصل: لمن أتوه، ولا بمن نأوا عنه، فحذف الضمير. يقول: أتاك جيش ركن الدولة ولم يكن لك به طاقة، ولم تقدر على مقاومتهم، ولم يكن بركن الدولة، لما نأى جيشه عنه لمحاربتك خلل. يصف كثرة جيش ركن الدولة. لم يدر من بالرّيّ أنّهم ... فصلوا ولا يدري إذا قفلوا فصلوا: أي ارتحلوا. يقول: لما فصلوا عن الري لم يعلم بهم أحد، وكذلك إذا رجعوا لا يعلمون برجوعهم؛ لأنهم لا يظهرون في جملة العسكر. ومن بالري قيل: أراد به ركن الدولة. ويجوز أن يريد به أهل الري، إنهم لا يعلمون لهم خروجاً ولا قفولاً. فأتيت معتزماً ولا أسدٌ ... ومضيت منهزماً ولا وعل يقول: لما قصدوك أتيتهم أنت معتزماً، ولا أسد يقدم مثل إقدامك، ثم انهزمت ولا وعل ينهزم مثل انهزامك. تعطى سلاحهم وراحهم ... ما لم تكن لتناله المقل يقول لوهسوذان: تعطي سلاح عساكر ركن الدولة جيوشك فتقتلها، وتعطي راحات أكفهم من ذخائرك وغنائم القتلى وأسلابهم، ما لم تكن العيون تناله لعزته. يعني: مكنت سلاحهم منكم، وراحهم من أموالكم وذخائركم، فكأنك أعطيتها هذه الأشياء. قال ابن جني: قوله: وراحهم إشارة إلى الصفع، يعني لصفعوا قفاك وقتلوا خيلك. أسخى الملوك بنقل مملكةٍ ... من كاد عنه الرّأس ينتقل يقول أسخى الملوك من نقل مملكته إلى غيره عندما يخاف أن ينقل عنه رأسه. يعني: نجوت برأسك وسمحت بمملكتك. لولا الجهالة ما دلفت إلى ... قومٍ غرقت وإنّما تفلوا دلفت: قربت، وقيل: الدلف: المشي الرويد والسريع. يقول: لولا جهلك لم تقرب من قوم بصقوا عليك فغرقت في بصاقهم، أي انهزمت بيسير من عسكرهم. لا أقبلوا سرّاً، ولا ظفروا ... غدراً، ولا نصرتهم الغيل الغيل: جمع الغيلة، وهي الخديعة. يقول: لم يقصدوا إليك خفيةً، بل جاءوك مجاهرة، ولا ظفروا بك على سبيل الغدر، لأن هذا مذموم يدل على ضعف الطالب، ولا نصرهم المكر عليك والخديعة. لا تلق أفرس منك تعرفه ... إلاّ إذا ما ضاقت بك الحيل يقول: لوهسوذان: من عرفت أنه أفرس منك فلا تقاتله، إذا ما كان لك حيلة في مسالمته، وإنما تحاربه إذا ضاقت الحيل. لا يستحي أحدٌ يقال له: ... نضلوك آل بويه أو فضلوا نضلوك: أي غلبوك، وأصله في الرمي. يقال: تناضل الرجلان ففضل أحدهما صاحبه. وأتى بعلامة الجمع مع تقدم الفعل على مذهب من قال: أكلوني البراغيث. يقول: إن الناس قد انقادوا لآل بويه، فلا يستحي أحد إذا قيل له: إن آل بويه غلبوك ونضلوك، وذلك لا يخفي على أحد.

стр. 454

قدروا عفوا، وعدوا وفوا، سئلوا ... أغنوا، علوا أعلوا، ولواعدلوا علوا: من عليت في المكارم، مثل علوت في المكان. يقول: إذا قدروا على أعدائهم عفوا عنهم عند القدرة، وإذا وعدوا وفوا وأنجزوا، وإذا سألهم سائل أعطوه وأغنوه. ولما ارتفعوا في المكارم شاركوا أولياءهم في معاليهم، ولما ولوا بثوا العدل في الرعية. فوق السّماء وفوق ما طلبوا ... فمتى أرادوا غايةً نزلوا فوق السماء: أي علوا فوق الغايات التي يضرب بها المثل، وعلوا الرتب فإذا أرادوا غاية نزلوا إليها من العلو. قطعت مكارمهم صوارمهم ... فإذا تعذّر كاذبٌ قبلوا تعذر: أي اعتذر كاذب. يقول: إن كرمهم قد قطع سيوفهم: أي منعها من القتل بالعفو، فإذا اعتذر إليهم مذنب قبلوا عذره، وإن كان كاذباً. كرماً منهم. لا يشهرون على مخالفهم ... سيفاً يقوم مقامه العذل يقول: إذا قدروا على دفع مخالفهم باللوم، لم يشهروا عليه السيف، ولم يتعدوا إلى القتال. يصفهم بذلك لكرم أخلاقهم. فأبو عليٍّ من به قهروا ... وأبو شجاعٍ من به كملوا يقول: إن آل بويه إنما قهروا أعداءهم بأبي علي ركن الدولة، وكمل فضلهم وفخارهم بأبي شجاع عضد الدولة. حلفت لذا بركات نعمة ذا ... في المهد: ألاّ فاتهم أمل يقول: حلفت لأبي علي بركات أبي شجاع أنه يريك فيه جميع آماله: أي كانت مخايل سؤدده لائحة عليه وهو صغير في المهد، فذا الأول لأبي علي، والثاني لأبي شجاع، وقيل المعنى: حلفت لأبي شجاع بركات نعمة أبي علي ألا يتجاوزها المل، فذا الأول إشارة إلى أبي شجاع والثاني إلى أبي علي. وقال أيضاً يعزى عضد الدولة بعمته وقد توفيت بمدينة السلام. آخر ما الملك معزّىً به ... هذا الّذي أثّر في قلبه هذا دعاء بلفظ الخبر يعني: جعل الله هذه المصيبة التي أثرت في قلبك آخر ما تعزى به. أي: لا أعادها الله بعد هذه. لا جزعاً بل أنفاً شابه ... أن يقدر الدّهر على غصبه يقول: لو لم يؤثر هذا المصاب في قلبه جزعاً، لكن تداخلته الحمية والأنفة حيث قدر الدهر على غصبه عمته. لو درت الدّنيا بما عنده ... لاستحيت الأيّام من عتبه يقول: لو علمت الدنيا بما عنده من الفضل والمجد، لاستحيت من عتبه عليها؛ لأنها إذا أساءت إليه عتب عليها، لأجل هذه الإساءة. لعلّها تحسب أنّ الّذي ... ليس لديه من حزبه يقول: لعل الأيام ظنت أن من غاب عن حضرته، ليس من حزبه فأقدمت على ذلك لما رأتها بعيدةً عن نصرته. وأنّ من بغداد دارٌ له ... ليس مقيماً في ذرا عضبه الذرا: الناحية. يقول: لعل الأيام ظنت أن من داره بغداد ليس في حماية سيفه، فلهذا عرضت لعمته لما كانت مقيمة ببغداد. وقيل: كان ابن معز الدولة مقيماً ببغداد وهو ابن عمه. يعني: أنه في حماية سيفه. والمقصد تفضيله عليه. وأنّ جدّ المرء أوطانه ... من ليس منها ليس من صلبه يقول: لعل الأيام ظنت ألا نسب بينك وبين عمتك لما بعدت عنك، ولم تكن مقيمةً في وطنك الذي من عادتك وعادة أجدادك أن يكونوا فيه، ولعلها ظنت أن القوم يتناسبون بأوطانهم، فمن فارق وطنه لم يكن بينه وبين أهله نسب؛ فلهذا أقدمت عليها لما فارقت وطنك. والهاء في أوطانه للمرء وفي صلبه للجد. أخاف أن يفطن أعداؤه ... فيجفلوا خوفاً إلى قربه يقول: أخشى أن يفطن أعداؤه إلى أن من قرب منه آمن حوادث الدهر، فيسرعون إلى قربه؛ ليحصلوا في ذمته. لا بدّ للإنسان من ضجعةٍ ... لا تقلب المضجع عن جنبه يقول: لا بد للإنسان من الموت، فعبر عنه بالضجعة، ثم قال: تلك الضجعة لا تقلب المضجع عن جنبه. يعني: لا بد للإنسان أن يرقد رقدة لا ينقلب فيها من جنب إلى جنب، ولا ينتبه منها أبداً. ويعني بها ضجعة القبر. ينسى بها ما كان من عجبه ... وما أذاق الموت من كربه الهاء في بها للضجعة. يقول: صاحب هذه الضجعة ينسى بسببها تكبره، وينسى عندها أيضاً ما ذاقه من مرارة الموت؛ لأنه لا يحس شيئاً. نحن بنو الموتى فما بالنا ... نعاف ما لا بدّ من شربه؟!

стр. 455

يقول: مات آباؤنا وأجدادنا ونحن نموت أيضاً، فكيف نكره ما لا بد لنا منه!! لأن الفرع يلتحق بأصله ويعود إليه. وقوله: نحن بنو الموتى مأخوذ من قول أبي نواس: وما المرء إلاّ هالكٌ وابن هالكٍ ... وذو نسبٍ في الهالكين عريق تبخل أيدينا بأرواحنا ... على زمانٍ هي من كسبه يقول: كيف نبخل على الزمان بأرواحنا، وهي له وكسبه على ما جرت به عادة العرب في نسبة الأمور إلى الدهر. وقيل: أراد أن الإنسان، هذه أحواله إلى آخر تربيته في الزمان، واختلاف أحواله تترتب على اختلاف أحوال الزمان، على ما جرت العادة به، فلهذا نسب أرواحنا إلى الزمان. فهذه الأرواح من جوّه ... وهذه الأجسام من تربه يقول: أرواحنا من جو الزمان، وأجسامنا من تربه، فنحن مركبون منه؛ وذلك لأن الجسم كثيف والأرض كثيفة، والروح لطيف كالهواء والشيء منجذب إلى شبهه. لو فكّر العاشق في منتهى ... حسن الّذي يسبيه لم يسبه يقول: لو تفكر العاشق في عاقبة حسن حبيبه الذي يسبي قلبه، فيعلم أنه يصير إلى الدود والتراب، لنفرت نفسه، ولم يسب قلبه. لم ير قرن الشّمس في شرقه ... فشكّت الأنفس في غربه هذا مثل. والمعنى: إذا ولد المولود، علم أنه سيموت لا محالة كما أن الشمس إذا طلعت لا يشك أحد في غروبها. يموت راعي الضّأن في جهله ... ميتة جالينوس في طبّه العرب تضرب المثل براعي الضأن فتقول: أجهل من راعي الضأن. يقول: لا حيلة لأحد في الموت! يستوي فيه الأحمق الجاهل، والطبيب العالم فجهل هذا لا يقدم أجله، وعلم الآخر لا يؤخر موته. وربّما زاد على عمره ... وزاد في الأمن على سربه السرب: النفس. والهاء في عمره وسربه ضمير جالينوس. يقول: ربما عاش الجاهل المخلط أكثر من العالم المهتم وربما زاد أمر الجاهل في نفسه إلى وقت موته على أمر العالم بها. وغاية المفرط في سلمه ... كغاية المفرط في حربه يقول: عاقبة من بالغ في الاحتراز، وتجاوز الحد في المسالمة وترك الحرب، كعاقبة المبالغ في التغرير بنفسه، والتعرض للحرب. يعني: غاية كل واحد منهما الموت الذي لا محيص لأحد عنه، فما بالنا نجزع منه! فلا قضى حاجته طالبٌ ... فؤاده يخفق من رعبه يقول: إذا كانت الحال هذه، فلا عذر لمن يجزع من الموت، فمن طلب حاجة وخاف الإقدام عليها حتى يخفق فؤاده من خوفه منها، فلا قضيت حاجته ولا بلغها. والهاء للخائف. أستغفر الله لشخصٍ مضى ... كان نداه منتهى ذنبه يعني: لم يكن له ذنب إلا جوده وسخاؤه، فجوده هو نهاية ذنبه. أي: لا ذنب له ومع ذلك أسأل الله له الغفران. وكان من حدّد إحسانه ... كأنّما أسرف في سبّه حدد: إحسانه أي حصره. وقيل: معناه من حدد ذكر إحسانه فحذف المضاف. يعني: أنه كان يكره أن يذكر فضائله، كأنه عنده سبه وذكره بالسوء في وجهه. يريد من حبّ العلا عيشه ... ولا يريد العيش من حبّه الهاء في حبه للعيش. يقول: كان يحب الحياة ليكتسب فيها المعالي، ولم يكن يريد الحياة لأجل حبها وطلب اللذة فيها. يحسبه دافنه وحده ... ومجده في القبر من صحبه الهاء في يحسبه المفعول الأول ليحسب. والمفعول الثاني وحده. يقول: من دفنه يحسب أنه دفنه وحده، ولم يعلم أن المجد مدفون معه. أي: قد مات المجد بموته. وقوله: من صحبه يريد أن مجده واحد من أصحابه؛ لأن معه المجد والعفاف والكرم والبر وغير ذلك. ويظهر التّكير في ذكره ... ويستر التّأنيث في حجبه يقول: نكنى عنه بلفظ التذكير إعظاماً له فنظهر التذكير وإن كان في حجبه. أي: هي أنثى مستورة في الحجب. أخت أبي خير أميرٍ دعا ... فقال جيشٌ للقنا لبّه يعني: أن هذا الشخص عمة عضد الدولة، وهو خير أمير دعا جيشه فقال الجيش للقنا: أجبه ولبه. أي: قل له: لبيك. يا عضد الدّولة من ركنها ... أبوه والقّلب أبو لبّه يقول: أنت زين ركن الدولة وكماله، كما أن العقل زين للقلب، فضله على أبيه. يعني: أنت لبه، وهو وعاء لك، والهاء في لبه للقلب. ومن بنوه زين آبائه ... كأنّها النّور على قضبه القضب: جمع قضيب. والنور: الزهر.

стр. 456

يقول: بنوك زين آبائك، يتزينون بهم وبسؤددهم وكرمهم، كما يتزين القضيب بالنور. ولم يجعل أبناءه زيناً له كما جعله زين أبيه، لأنه لم يرد تفضيل أولاده عليه كما فضله على أبيه؛ لما في ذلك من الحط من منزلته. فجعلهم زينا لجدودهم. يعني: أن آباءك يتزينون ببنيك كما تزينوا بك. فخراً لدهرٍ بتّ من أهله ... ومنجبٍ أصبحت من عقبه فخراً: نصب على المصدر، بإضمار فعل. أي: فليفخر الدهر فخراً، حيث صرت من أهله، وليفخر أبوك المنجب فخراً، حيث أصبحت من عقبه. إنّ الأسى القرن فلا تحيه ... وسيفك الصّبر فلا تنبه الهاء في تحيه للأسى، وهو الحزن. ونبا السيف ينبو: إذا لم يقطع، وأنباه صاحبه: إذا ضرب به فلم يقطع في يده. يقول: إن الحزن قرن من أقرانك، فلا تحيه. أي: لا تمكنه من قلبك، إذ ليس عادتك أن يقاومك قرن، والصبر سيفك الذي تقتل به الأسى فاقتله به ولا تنبه عنه، فليس من عادتك أن ينبوا السيف في يدك. ما كان عندي أنّ بدر الدّجى ... يوحشه المفقود من شهبه الشهب: جمع شهاب، وهو الكوكب، والهاء للبدر، لما جعله بدراً جعل أهله كواكب فقال: إن البدر لا يستوحش من فقد كوكب، فليس ينبغي لك أن تستوحش لفقد واحد منهم. حاشاك أن تضعف عن حمل ما ... تحمّل السّائر في كتبه السائر: الذي حمل الخبر إليه، والهاء في كتبه للسائر. يقول: كيف تضعف عن حمل هذا الخبر الذي حمله الفيج الذي سار به إليك وتضمنه كتاب! وقيل: أراد بالسائر: المثل السائر. والمعنى: أن الأمثال قد سارت والأخبار قد تظاهرت بفضل الصبر على المصائب وذكر قوم تحملوا غصصها، ففضلوا بذلك على غيرهم. فقال: حاشاك أن تضعف عما قوى عليه غيرك من الصبر ممن سارت بأخبارهم الصحف والكتب حيث ذكر فيها صبر من صبر. وقد حملت الثّقل من قبله ... فأغنت الشّدّة عن سحبه الشدة: القوة، والهاء في قلبه للمفقود. يقول: حملت ثقل الشدائد من المصائب وغيرها من الأمور العظيمة، قبل المصيبة بهذا المفقود، فأغنت القوة التي بك عن سحب ما حملته من الشدائد؛ لأن الإنسان إذا ثقل عليه شيء جره وسحبه، فيعود الضمير في سحبه على الثقل. وقيل: يرجع إلى ما ترجع إليه الهاء في قبله وهو المفقود. يدخل صبر المرء في مدحه ... ويدخل الإشفاق في ثلبه الإشفاق: الجزع. يقول: المرء يمدح على الصبر، ويذم بالجزع، فإياك أن تجزع إذ ليس من عادتك أن تأتي أمراً تذم عليه. مثلك يثنى الحزن عن صوبه ... ويستردّ الدّمع عن غربه الصوب: الإصابة، وقيل: الصوب: الناحية والقصد. والغرب: مجرى الدمع من العين. يقول: من كان مثلك رد الجزع عن طريقه وقصده، أو عما يريد إصابته، ويرد الدمع من عينه، ولا يسيل فيدل على جزعه. إيما لإبقاءٍ على فضله ... إيما لتسليمٍ على ربّه إيما: معناه إما. والإبقاء: الرعاية والمحافظة. والتسليم: الرضا بالقضاء. يعني: مثلك يصبر: إما مراعاةً لفضله كي لا يذم بالجزع، وإما رضاءً بقضاء الله وحكمه. ولم أقل مثلك أعنى به ... سواك يا فرداً بلا مشبه لما قال: مثلك يثنى الحزن أثبت له مثلاً في الظاهر، فاعتذر عنه وقال: لم أرد بقولي: مثلك إنساناً سواك، وإنما أردت أنت الذي تفعل ذلك، ومثل صلة، وزيادة. وهذا مثل قوله: كفاتكٍ. ودخول الكاف منقصة ... كالشّمس قلت، وما للشّمس أمثال وقال أيضاً يمدحه، وقد جلس الأمير عضد الدولة ليشرب في مجلس متخذ له تدور غلمان بأعلاه وتنثر الورد على فرقه من جميع جوانبه، حتى يتورد المجلس ومن فيه، وحضر أبو الطيب فقال ارتجالاً سنة أربع وخمسين وثلاث مئة. قد صدق الورد في الّذي زعما ... أنّك صيّرت نثره ديما الديم: جمع ديمة، وهي المطرة تدوم أياماً. يقول: صدق الورد في زعمه أنك صيرت منثوره أمطاراً. شبه أوراق الورد في نزوله من أعلى السماء متفرقةً بقطر الأمطار. كأنّما مائج الهواء به ... بحرٌ حوى مثل مائه عنما العنم: نبت أحمر. وحوى: أي امتلأ. والهاء في به للورد. يقول: كأنما الهواء الذي يموج بالورد بحر ملآن بالعنم، مثل مائه. شبه الصفة بالبحر، والورد بالعنم، وشبه الورد في الهواء، وموجه فيه، ببحر ماؤه عنم.

стр. 457

ناثره ناثر السّيوف دماً ... وكلّ قولٍ يقوله حكما دماً وحكماً نصب على التمييز، ونصب كل قول بفعل مضمر. أي: وينثر كل قول. وقيل: نصبه عطفاً على موضع السيوف معنىً كقوله تعالى: " وَجَاعِلُ اللَّيْلِ سَكَناً وَالشَّمْسَ والْقَمَرَ حُسْبَاناً ". ويجوز جره عطفاً على لفظ السيوف، غير أنه لما عطف عليه البيت الذي يليه منصوب القافية منع فيه الجر. يقول: ناثر هذا الورد هو الذي ينثر السيوف دماً. أي: يكسرها على رءوس أعدائه ويطرحها مختضبة بالدم، وإذا قال قولاً ينثر الحكم في كل قول يقوله. والخيل قد فصّل الضّياع بها ... والنّعم السّابغات والنّقما أي ينثر أيضا خيله ونعمه وضياعه. أي: يفرقها ويهبها. يعني: أنه ينثر الخيل منظومة مفصلةً بالنعم والنقم. فليرنا الورد إن شكا يده ... أحسن منه من جوده سلما يقول: إن الورد إن كان يشكو يده في نثرها له، فليرنا الورد أحسن منه، هل سلم من جوده؟؟! أي لا معنى لشكايته من يد عادتها تفريق ما هو أحسن منه من الذخائر النفيسة، والجواهر الجليلة، فأي قدر للورد عندها. وقل له لست خير ما نثرت ... وإنّما عوّذت بك الكرما أي: قل للورد، لست بخير من الأموال التي تنثرها يده، وإنما نثرك الآن تعويذاً لكرمه من أن يصاب بالعين. خوفاً من العين أن يصاب بها ... أصاب عيناً بها يعان عمى عين الرجل يعان: إذا أصيب بعين. وخوفاً نصب على المفعول له. أي: إنما نثرك الآن عوذه لكرمه أن يصاب بالعين، ثم دعا على العين التي تصيب كرمه فقال: أعمى الله عيناً عانته وهمت بإصابته. وقال أيضاً يمدحه وقد ورد الخبر بهزيمة وهسوذان بعد الكرة الأولى وضربت الدبادب على باب الملك عضد الدولة. فقال أبو الطيب في جمادى الآخرة. أزائرٌ يا خيال أم عائد؟ ... أم عند مولاك أنّني راقد؟ الزيارة: للصحيح، والعيادة: للمريض. ومولاك: أي صاحبك. يخاطب خيال المحبوبة ويقول: أجئتني زائراً أم عائداً؛ لما نالتني العلة من حب صاحبك؟! وما لحقتني من الغشية شوقاً إليه؟! أم ظن صاحبك أني نائم فبعثك إلي زائراً كما يزور الطيف في المنام، وليس الأمر كما ظن فإني لست براقد. ليس كما ظنّ غشيةٌ لحقت ... فجئتني في خلالها قاصد قاصد في موضع نصب على الحال، فجعله مقيداً لأجل القافية. يقول للخيال: ليس كما ظن صاحبك أني نائم، وإنما نالتني غشية لشدة الشوق فجئتني في خلال هذه الغشية قاصداً، حيث حسبت أني نائم، ولأن العاشق لا ينام وإنما يغشى عليه. ومثله: وإنّي لأستغشى وما بي غشيةٌ ... لعلّ خيالاً منك يلقى خياليا عد وأعدها فحبّذا تلفٌ ... ألصق ثديي بثديها النّاهد الهاء في أعدها للغشية. يقول: عد يا خيال؛ وأعد الغشية التي كانت بي، فإني أحتملها من أجلك، فحبذا حال جمعت بيني وبينك، وإن كان فيها تلف النفس، فضلا عن الغشية والثدي الناهد: هو المشرف. والهاء في ثديها للمحبوبة. وجدت فيها بما يشحّ به ... من الشّتيت المؤشّر البارد الهاء في فيها للغشية. ويشح: أي يبخل. والشتيت: المتفرق من الثغر. والمؤشر: الذي في طرفه تحزيز وحدة، يكون ذلك في أطراف أسنان الأحداث. والمعنى: وجدت أيها الخيال في حال الغشية بما يشح صاحبك به في حال اليقظة من الشتيت الموشر البارد: أي كنت تبخل بتقبيلي فمك، وارتشا في الثغر البارد الريق، فجدت في حال المنام. إذا خيالاته أطفن بنا ... أضحكه أنّني لها حامد خيالات: جمع خيالة، وقيل: جمع خيال، نحو جوابات وجواب، فكأن الخيال والخيالة لغتان مثل: مكان ومكانة، وجمعه وإن كان واحداً لأنه رآه دفعات كل دفعة خيالا، فصارت خيالات، والهاء في خيالاته وأضحكه يعود إلى مولاك، وفاعل أضحكه: أنني وصلته. ويقال: أطاف الخيال يطيف، وطاف يطوف. يقول: إذا طاف بي خيال صاحب فحمدته، أضحك صاحبه حمدي إليه لخياله، من حيث أن الخيال لا حقيقة له، وليس بشيء يحمد فضحك لذلك. وقال: إن كان قد قضى أرباً ... منا فما بال شوقه زائد؟ زائد: في موضع نصب على الحال. يقول: قال مولى الخيال: إن كان قد قضى حاجته من خيالي، فلم شوقه إلي زائد؟ فهلا تسلي عني، وقنع بالطيف الذي يزوره؟ ومثله لآخر:

стр. 458

رأتني وقد شبّهت بالورد خدّها ... فصدّت وقالت: قاس خدّي بالورد إذا كان مثلي في البساتين عنده ... فماذا الّذي قد جاء يطلبه عندي لا أجحد الفضل ربّما فعلت ... ما لم يكن فاعلاً ولا واعد ولا واعد في موضع نصب عطفاً على قوله: فاعلا وهو خبر كان، وفاعل فعلت ضمير الخيالات. يقول: مجيباً لحبيبه وراداً عليه في قوله: لا أنكر فض هذه الخيالات علي؛ لأنها فعلت ما لم يكن يفعله صاحبها من الوصل، ولا كان يعد به، ونظر التهامي إلى هذا المعنى فقال: فكان أكرم فضلاً، إنّ لذّته ... تخلو من المنّ والتّنغيص والمنن ما تعرف العين فرق بينهما ... كلٌّ خيالٌ وصاله نافد يقول: لا فرق بين الخيال وبين صاحبه، فإن وصله ينقضي وينصرم، وكلاهما خيال لا حقيقة له ولا دوام، فليس لصاحب الخيال أن يزدري بالخيال ووصله، إذ هما في الانقضاء سواء. وقوله: فرق بينهما أراد كلا من المذكورين: الخيال ومولاه، لما قال: لا فرق بينهما في قصر وصلهما، قدر أن كل واحد منهما خيال، ثم قال: كل خيال وصاله نافد. يا طفلة الكفّ عبلة السّاعد ... على البعير المقلّد الواخد الطفلة: الرخصة الناعمة: العبلة الممتلئة. والبعير المقلد: الذي جعل في عنقه قلادة. والواخد: السريع السير. يقول هذا كله لمحبوبته. زيدي أذى مهجتي أزدك هوىً ... فأجهل النّاس عاشقٌ حاقد يجوز أذىً مهجتي وفيه تقديران: أحدهما أن مهجتي منادى مضاف. أي يا مهجتي زيدي أذىً. والثاني أنه مفعول زيدي وتقديره: زيدي مهجتي أذى. يقول: زيدي في أذاك لي وتعذيبك إياي. يقول: إنك كلما زدتني أذىً ازددت لك هوى، ولا أحقد عليك؛ لأن أجهل الناس هو العاشق الحاقد. حكيت يا ليل فرعها الوارد ... فاحك نواها لجفني السّاهد الفرع: شعر الرأس. والوارد: الطويل المسترسل. يخاطب الليل ويعاتبه على طوله. يقول: يا ليل أشبهت شعرها في طوله وسواده، فاحك أيضا بعدها، كما حكيت شعرها، وابعد عن عيني. وقيل: تقدير البيت: حكيت يا ليل فرعها الوارد، لجفني الساهد فاحك نواها. طال بكائي على تذكّرها ... وطلت حتّى كلاكما واحد يقول مخاطبا لليل: إن بكائي قد طال على تذكر المحبوبة، وطلت أنت أيها الليل، فكأنك والبكاء واحد، من حيث الطول، لا فرق بينكما. ما بال هذي النّجوم حائرةً ... كأنّها العمى مالها قائد؟؟! يصف طول الليل ويقول: ما للنجوم من هذا الليل متحيرةً واقفةً لا تزل! فكأنها عميان لا قائد لهم، فيبقون متحيرين لا يهتدون إلى مذهب. وهذا البيت مأخوذ من قول ابن المعتز: والنّجم في كبد السّماء كأنّه ... أعمى تحيّر ما لديه قائد أو عصبةٌ من ملوك ناحيةٍ ... أبو شجاعٍ عليهم واجد العصبة: الجماعة، وهذا تشبيه آخر. شبه النجوم في تحيرها بملوك سخط عليهم الممدوح فبقوا حائرين لا يدرون ما يصنعون. إن هربوا أدركوا وإن وقفوا ... خشوا ذهاب الطّريف والتّالد هذا تفسير حيرة الملوك. يعني: لا يدرون ما يصنعون؛ لأنهم إن هربوا أدركهم، وإن وقفوا خافوا أن يغير على أموالهم. فهم يرجّون عفو مقتدرٍ ... مبارك الوجه جائدٍ ماجد الجائد: الجواد، وهو على أصل القياس، جاد فهو جائد، ولكنه مرفوض، واستغنوا عنه بقولهم جواد. يعني: أنهم تحيروا فلا يدرون: أيهربون، أم يثبتون؟! فاستسلموا رجاء أنه إذا قدر عفا عنهم، وجرى على عادته في الجود والمجد. أبلج لو عاذت الحمام به ... ما خشيت رامياً ولا صائد صائد: في موضع النصب. وأبلج: في موضع جر بدلاً عن المجرورات المذكورة في البيت المتقدم. والأبلج: المفروق الحاجبين. يقول: هو يحمي كل من يلجأ إليه، فلا يقدر على ضيم من استجار به، حتى لو لجأت إليه الحمام لأمنت ولم تخف صائدا ولا راميا. أورعت الوحش وهي تذكره ... ما راعها حابلٌ ولا طارد الوحش: اسم الجنس، وأراد ها هنا الجماعة فأنثه. والحابل: صاحب الحبالة، والطارد: الذي يطرد الوحش. يعني: لا يجسر أحد على التعرض لمن يستجير به، حتى لو أن الوحش ذكرت اسمه في حال رعيها، أو خطر اسمه لها بالبال لأمنت بذكره، ولم يفزعها حابل بحبالته، ولا طارد يطردها. وهذا ذكره على وجه المثل.

стр. 459

تهدي له كلّ ساعةٍ خبراً ... عن جحفلٍ تحت سيفه بائد فاعل تهدى: كل ساعة. والجحفل: الجيش العظيم. والبائد: الهالك. يقول: يرد عليه كل ساعة خبر من عسكر عدوة: أنه هلك تحت سيفه، وإنما ذلك لكثرة سراياه وانتشارها في الأرض، وإنما قال ذلك، لأن الخبر كان قد ورد عليه بهزيمة وهسوذان مرة أخرى. وموضعاً في فتان ناجيةٍ ... يحمل في التّاج هامة العاقد وموضعاً: أي مسرعاً، وهو نصب عطفاً على قوله: تهدى له كل ساعة خبراً، وموضعاً والناجية: الناقة السريعة. والفتان: غشاء من أدم يكون للرحل. يعني: كل ساعة يرد عليه رسول ببشارة، وراكب يسرع، في رحل ناقة سريعة، تحمل تاج الملك الذي هلك تحت سيفه، ورأس من عقد ذلك التاج على رأسه، ويجوز أن يكون هو الذي قد عقد عليه. يا عضداً ربّه به العاضد ... وسارياً يبعث القطا الهاجد يبعث القطا: أي ينبه. والهاجد: النائم، وهو من وصف القطا. والساري: الذي يسير ليلا. والعاضد: المعين والمعني: يا عضد الدولة الذي ربه يعين به أولياءه. وقيل: العاضد هو القاطع. يعني: يا عضداً يقطع الله تعالى به أصول أعدائه ويستأصلهم بفعله، ويا من سرى بالليل في فلوات يطلب الأعداء، فينتبه القطا النائم فيها. وممطر الموت والحياة معاً ... وأنت لا بارقٌ ولا راعد الراعد: السحاب الذي فيه الرعد. والبارق: الذي فيه البرق. يقول: إنك تمطر الموت على أعدائك والحياء على أوليائك، فتحييهم بنعمك وتميت أعداءك بنقمك، ولست مع ذلك سحاباً حقيقياً لا ذي رعد ولا ذي برق. وقيل: أراد أنك تحسن بلا برق وتسيء بلا رعد، بخلاف السحاب يكون البرق فيه وعداً، والرعد وعيداً. نلت وما نلت من مضرّة وهسو ... ذان ما نال رأيه الفاسد أي: وما نلت من مضرته ما نال منها رأيه الفاسد. يعني: أن ما نال منه فساد رأيه أكثر مما نلت أنت منه. أي: جنى الشر على نفسه حين تعرض لقتال ركن الدولة. يبدأ من كيده بغايته ... وإنّما الحرب غاية الكائد الكائد: اسم فاعل من الكيد. يقول: من جهله أنه بدأ بالمحاربة، وكان سبيله ألا يحارب إلا إذا اضطر إليه؛ إذ الحرب غاية الكائد. ماذا على من أتى محاربكم ... فذمّ ما اختار لو أتى وافد وافد: في موضع نصب على الحال. يقول: من حاربكم فقتلتموه فيذم عاقبة ما اختاره، ولو جاءكم وافداً عليكم لنال كل ما أراد. يعني: لو أتى وافدا لأدرك مناه. بلا سلاحٍ سوى رجائكم ... ففاز بالنّصر وانثنى راشد راشد: حال، فترك نصبه لأجل التقفية. يعني: لو أتى محاربكم وافدا بلا سلاح إلا رجاءه إياكم لفاز بالنصر، وانثنى بالغنيمة والرشد، فمن علم ذلك من حالكم وحاله، فما الذي يضره لو فعل هذا، ولم يعرض نفسه للقتل، ونعمته للزوال والانتقال. يقارع الدّهر من يقارعكم ... على مكان المسود والسّائد يقارع: أي يقاتل. والمسود: الذي ساده غيره. والسائد: الذي ساد غيره. يعني: أن الدهر يحارب من حاربكم ونازعكم على الملك، وهو مكان المسود والسائد: يعني: أن الدهر خصم لعدوكم وعون لكم. وقيل: أراد أن الدهر مسود، وأنتم ساده، فمن قارعكم قارعه الدهر لسيادتكم، فكأن الدهر جند لكم تسودونه، وتسوسونه. وليت يومي فناء عسكره ... ولم تكن دانياً ولا شاهد شاهد: في موضع النصب عطفا على قوله: دانيا والهاء في عسكره لوهسوذان. يقول: إنك توليت القتال في اليومين اللذين فنى فيهما عسكر وهسوذان، وإن لم تكن حاضراً ذلك اليوم ولا قريباً؛ لأن جيش أبيك إنما فعلوا ذلك لتشجيعك إياهم. ولم يغب غائبٌ خليفته ... جيش أبيه وجدّه الصّاعد الهاء في خليفته وأبيه وجده للغائب. يعني: أنك وإن كنت غائبا كان خليفتك الذي يقوم مقامك جيش أبيك، وجدك الصاعد، فمن كان كذلك فكأنه لم يغب، فلهذا قلت: إنك توليت القتال وهزمه. وكلّ خطيّةٍ مثقّفةٍ ... يهزّها ماردٌ على مارد هذا عطف على ما تقدم، والمارد: الذي لا يطاق من خبثه. يقول: ناب عنك جيش أبيك، كل فارس مارد على فرس مارد، يهز كل رمح خطى. سوافكٌ ما يدعن فاصلةً ... بين طريّ الدّماء والجامد

стр. 460

يقول: نابتك رماح خطية، تسفك دماء الأعداء دائماً، لا تدع بين الطري والجامد فصلا. أي: إذا أراقت دماً فجمد أتبعته بطري من غير فصل. إذا المنايا بدت فدعوتها ... أبدل نوناً بداله الحائد الحائد: إذا أبدل داله بالنون فهو الحائن أي الهالك. والحائد: الذي يميل عن الحرب. والهاء في دعوتها للمنايا. وقيل: للخيل. أي دعوة الخيل: أن تقول ما في البيت. يقول: إذا ظهرت المنيه في الحرب، فدعوة المنايا هي أن تقول: أبدل الله تعالى الحائد نوناً بدال. يعني: أنها تدعو على من يحيد عن الحرب بهذا القول أي جعل الله الحائد حائناً. أي: هالكا، من الحين، وهو الهلاك. إذا درى الحصن من رماه بها ... خرّلها في أساسه ساجد ساجد: حال، والهاء في بها ولها للخيل المضمرة. يقول: إذا علم الحصن أنك رميته بخيلك سجد لك على أساسه، تعظيما لك ومثله قوله: تملّ الحصون الشّمّ طول نزالنا ... فتلقى إلينا أهلها وتزول ما كانت الطّرم في عجاجتها ... إلا بعيراً أضلّه ناشد الطرم: بلدة وهسوذان، أو قلعته، والهاء في عجاجتها للخيل. والعجاجة: الغبار. يعني: أن الطرم قد خفيت في عجاجة خيلك ساعة ثم أثخنتها فكانت بمنزلة بعير ضل عن صاحبه ثم وجده. وقيل: أراد من كثرة ما أثارت الخيل الغبار، اسودت الطرم، فخفيت القلعة حتى لا يكاد أحد يراها، ثم شبه الطرم بالبعير الضال الذي فقده صاحبه، لأن وهسوذان خرج عنها وسلمها، فكأنه بعير أضله صاحبه. تسأل أهل القلاع عن ملكٍ ... قد مسخته نعامةً شارد شارد: في موضع النصب صفة لنعامة، وإنما ذكره لأن النعامة تقع على الذكر والأنثى، وتسأل: فعل الخيل وكذلك مسخت والهاء فيه ضمير الملك. يقول: تتبع خيلك وهسوذان وتسأل عنه القلاع، وقد مسخته هذه الخيل نعامة نافراً. أي: كان ملكا ففر من بين يديه كالنعامة الشارد، وسؤال الخيل عنه: تعرضها للقلاع وأهلها. تستوحش الأرض أن تقرّبه ... فكلّها آنهٌ به جاحد الهاء في آنه ترجع إلى لفظ كل. يقول: تفزع الأرض أن تقر بوهسوذان، فكل مكان منها حاحد لا يقر بمكانه. والمعنى: أنه فر ولم يوجد له أثر، فكل مكان طلبته الخيل فيه لم تجده، والغرض باستيحاش الأرض من الإقرار به هو أنها تأنف من كونه عليها، وتريد ألا يكون حياً يمشي عليها، فلما كان الأمر بخلاف مرادها لم ترض أن تقر به أنفةً من أن يكون هو من أهلها. فلا مشادٌ ولا مشيدٌ حمى ... ولا مشيدٌ أغنى ولا شائد المشيد: الجص. يقال: شدت البناء أشيده شيداً: إذا بنيته بالشيد وأنا شائد وهو مشيد. وأشدته أشيده إشادةً: إذا رفعته. فأنا مشيد وهو مشاد. يعني: أنه هرب ولم يمنعه حصنه الذي رفعه وطوله وبناه بالشيد ولا مبانيه التي شيدها وجصصها. فاغتظ بقومٍ وهسوذ ما خلقوا ... إلا لغيظ العدوّ والحاسد أراد: وهسوذان فرخمه، فحذف منه الألف والنون. كما تقول: في مروان يا مرو. يقول: يا وهسوذان: اغتظ بآل بويه، فهم لم يخلقوا إلا غيظاً لكل عدو وحاسد. وقيل: أراد بالقوم: جيش ركن الدولة. رأوك لمّا بلوك نابتةً ... يأكلها قبل أهله الرّائد بلوك: أي جربوك. والنابتة: القطعة النابتة من الحشيش. يقول: لما جربوك رأوك أمراً هيناً فرموك بطلائعهم، وأوائل خيلهم قبل حضورهم، فكنت في القلة كالقطعة من العشب يأكلها الرائد قبل حضور الحي. وخلّ زيّاً لمن يحقّقه ... ما كلّ دام جبينه عابد يقول: خل زي الملك لأهله الذين يستحقونه، فإنه لا يليق بك، فليس كل من تزيا بزي الملوك يستحق ذلك، كما أنه ليس كل من دمى جبينه فهو عابد. إن كان لم يعمد الأمير لما ... لقيت منه فيمنه عامد يقول: إن كان عضد الدولة لم يقصد إلى ما جرى عليك، ولم يشهده بنفسه، فإن يمنه تعمد ذلك فناب عنه. يقلقه الصّبح لا يرى معه ... بشرى بفتحٍ كأنّه فاقد يقول: إذا طلع الصبح، ولم يرد عليه من يبشره بفتح، قلق لذلك، حتى كأنه فقد شيئاً كان في يده. وقيل: الفاقد: المرأة التي فقدت ولدها بغير هاء كحائض وطاهر يعني: كأنه من قلقه امرأة فقدت ولدها. والأمر لله ربّ مجتهدٍ ... ما خاب إلاّ لأنّه جاهد
следующие страницы →