Полный текст (475 стр.). Показаны 456–475 · переход к 461.
стр. 456
يقول: بنوك زين آبائك، يتزينون بهم وبسؤددهم وكرمهم، كما يتزين القضيب بالنور. ولم يجعل أبناءه زيناً له كما جعله زين أبيه، لأنه لم يرد تفضيل أولاده عليه كما فضله على أبيه؛ لما في ذلك من الحط من منزلته. فجعلهم زينا لجدودهم. يعني: أن آباءك يتزينون ببنيك كما تزينوا بك.
فخراً لدهرٍ بتّ من أهله ... ومنجبٍ أصبحت من عقبه
فخراً: نصب على المصدر، بإضمار فعل. أي: فليفخر الدهر فخراً، حيث صرت من أهله، وليفخر أبوك المنجب فخراً، حيث أصبحت من عقبه.
إنّ الأسى القرن فلا تحيه ... وسيفك الصّبر فلا تنبه
الهاء في تحيه للأسى، وهو الحزن. ونبا السيف ينبو: إذا لم يقطع، وأنباه صاحبه: إذا ضرب به فلم يقطع في يده.
يقول: إن الحزن قرن من أقرانك، فلا تحيه. أي: لا تمكنه من قلبك، إذ ليس عادتك أن يقاومك قرن، والصبر سيفك الذي تقتل به الأسى فاقتله به ولا تنبه عنه، فليس من عادتك أن ينبوا السيف في يدك.
ما كان عندي أنّ بدر الدّجى ... يوحشه المفقود من شهبه
الشهب: جمع شهاب، وهو الكوكب، والهاء للبدر، لما جعله بدراً جعل أهله كواكب فقال: إن البدر لا يستوحش من فقد كوكب، فليس ينبغي لك أن تستوحش لفقد واحد منهم.
حاشاك أن تضعف عن حمل ما ... تحمّل السّائر في كتبه
السائر: الذي حمل الخبر إليه، والهاء في كتبه للسائر.
يقول: كيف تضعف عن حمل هذا الخبر الذي حمله الفيج الذي سار به إليك وتضمنه كتاب! وقيل: أراد بالسائر: المثل السائر. والمعنى: أن الأمثال قد سارت والأخبار قد تظاهرت بفضل الصبر على المصائب وذكر قوم تحملوا غصصها، ففضلوا بذلك على غيرهم. فقال: حاشاك أن تضعف عما قوى عليه غيرك من الصبر ممن سارت بأخبارهم الصحف والكتب حيث ذكر فيها صبر من صبر.
وقد حملت الثّقل من قبله ... فأغنت الشّدّة عن سحبه
الشدة: القوة، والهاء في قلبه للمفقود.
يقول: حملت ثقل الشدائد من المصائب وغيرها من الأمور العظيمة، قبل المصيبة بهذا المفقود، فأغنت القوة التي بك عن سحب ما حملته من الشدائد؛ لأن الإنسان إذا ثقل عليه شيء جره وسحبه، فيعود الضمير في سحبه على الثقل.
وقيل: يرجع إلى ما ترجع إليه الهاء في قبله وهو المفقود.
يدخل صبر المرء في مدحه ... ويدخل الإشفاق في ثلبه
الإشفاق: الجزع.
يقول: المرء يمدح على الصبر، ويذم بالجزع، فإياك أن تجزع إذ ليس من عادتك أن تأتي أمراً تذم عليه.
مثلك يثنى الحزن عن صوبه ... ويستردّ الدّمع عن غربه
الصوب: الإصابة، وقيل: الصوب: الناحية والقصد. والغرب: مجرى الدمع من العين.
يقول: من كان مثلك رد الجزع عن طريقه وقصده، أو عما يريد إصابته، ويرد الدمع من عينه، ولا يسيل فيدل على جزعه.
إيما لإبقاءٍ على فضله ... إيما لتسليمٍ على ربّه
إيما: معناه إما. والإبقاء: الرعاية والمحافظة. والتسليم: الرضا بالقضاء.
يعني: مثلك يصبر: إما مراعاةً لفضله كي لا يذم بالجزع، وإما رضاءً بقضاء الله وحكمه.
ولم أقل مثلك أعنى به ... سواك يا فرداً بلا مشبه
لما قال: مثلك يثنى الحزن أثبت له مثلاً في الظاهر، فاعتذر عنه وقال: لم أرد بقولي: مثلك إنساناً سواك، وإنما أردت أنت الذي تفعل ذلك، ومثل صلة، وزيادة. وهذا مثل قوله:
كفاتكٍ. ودخول الكاف منقصة ... كالشّمس قلت، وما للشّمس أمثال
وقال أيضاً يمدحه، وقد جلس الأمير عضد الدولة ليشرب في مجلس متخذ له تدور غلمان بأعلاه وتنثر الورد على فرقه من جميع جوانبه، حتى يتورد المجلس ومن فيه، وحضر أبو الطيب فقال ارتجالاً سنة أربع وخمسين وثلاث مئة.
قد صدق الورد في الّذي زعما ... أنّك صيّرت نثره ديما
الديم: جمع ديمة، وهي المطرة تدوم أياماً.
يقول: صدق الورد في زعمه أنك صيرت منثوره أمطاراً. شبه أوراق الورد في نزوله من أعلى السماء متفرقةً بقطر الأمطار.
كأنّما مائج الهواء به ... بحرٌ حوى مثل مائه عنما
العنم: نبت أحمر. وحوى: أي امتلأ. والهاء في به للورد.
يقول: كأنما الهواء الذي يموج بالورد بحر ملآن بالعنم، مثل مائه. شبه الصفة بالبحر، والورد بالعنم، وشبه الورد في الهواء، وموجه فيه، ببحر ماؤه عنم.
стр. 457
ناثره ناثر السّيوف دماً ... وكلّ قولٍ يقوله حكما
دماً وحكماً نصب على التمييز، ونصب كل قول بفعل مضمر. أي: وينثر كل قول. وقيل: نصبه عطفاً على موضع السيوف معنىً كقوله تعالى: " وَجَاعِلُ اللَّيْلِ سَكَناً وَالشَّمْسَ والْقَمَرَ حُسْبَاناً ". ويجوز جره عطفاً على لفظ السيوف، غير أنه لما عطف عليه البيت الذي يليه منصوب القافية منع فيه الجر.
يقول: ناثر هذا الورد هو الذي ينثر السيوف دماً. أي: يكسرها على رءوس أعدائه ويطرحها مختضبة بالدم، وإذا قال قولاً ينثر الحكم في كل قول يقوله.
والخيل قد فصّل الضّياع بها ... والنّعم السّابغات والنّقما
أي ينثر أيضا خيله ونعمه وضياعه. أي: يفرقها ويهبها. يعني: أنه ينثر الخيل منظومة مفصلةً بالنعم والنقم.
فليرنا الورد إن شكا يده ... أحسن منه من جوده سلما
يقول: إن الورد إن كان يشكو يده في نثرها له، فليرنا الورد أحسن منه، هل سلم من جوده؟؟! أي لا معنى لشكايته من يد عادتها تفريق ما هو أحسن منه من الذخائر النفيسة، والجواهر الجليلة، فأي قدر للورد عندها.
وقل له لست خير ما نثرت ... وإنّما عوّذت بك الكرما
أي: قل للورد، لست بخير من الأموال التي تنثرها يده، وإنما نثرك الآن تعويذاً لكرمه من أن يصاب بالعين.
خوفاً من العين أن يصاب بها ... أصاب عيناً بها يعان عمى
عين الرجل يعان: إذا أصيب بعين. وخوفاً نصب على المفعول له. أي: إنما نثرك الآن عوذه لكرمه أن يصاب بالعين، ثم دعا على العين التي تصيب كرمه فقال: أعمى الله عيناً عانته وهمت بإصابته.
وقال أيضاً يمدحه وقد ورد الخبر بهزيمة وهسوذان بعد الكرة الأولى وضربت الدبادب على باب الملك عضد الدولة. فقال أبو الطيب في جمادى الآخرة.
أزائرٌ يا خيال أم عائد؟ ... أم عند مولاك أنّني راقد؟
الزيارة: للصحيح، والعيادة: للمريض. ومولاك: أي صاحبك. يخاطب خيال المحبوبة ويقول: أجئتني زائراً أم عائداً؛ لما نالتني العلة من حب صاحبك؟! وما لحقتني من الغشية شوقاً إليه؟! أم ظن صاحبك أني نائم فبعثك إلي زائراً كما يزور الطيف في المنام، وليس الأمر كما ظن فإني لست براقد.
ليس كما ظنّ غشيةٌ لحقت ... فجئتني في خلالها قاصد
قاصد في موضع نصب على الحال، فجعله مقيداً لأجل القافية.
يقول للخيال: ليس كما ظن صاحبك أني نائم، وإنما نالتني غشية لشدة الشوق فجئتني في خلال هذه الغشية قاصداً، حيث حسبت أني نائم، ولأن العاشق لا ينام وإنما يغشى عليه. ومثله:
وإنّي لأستغشى وما بي غشيةٌ ... لعلّ خيالاً منك يلقى خياليا
عد وأعدها فحبّذا تلفٌ ... ألصق ثديي بثديها النّاهد
الهاء في أعدها للغشية.
يقول: عد يا خيال؛ وأعد الغشية التي كانت بي، فإني أحتملها من أجلك، فحبذا حال جمعت بيني وبينك، وإن كان فيها تلف النفس، فضلا عن الغشية والثدي الناهد: هو المشرف. والهاء في ثديها للمحبوبة.
وجدت فيها بما يشحّ به ... من الشّتيت المؤشّر البارد
الهاء في فيها للغشية. ويشح: أي يبخل. والشتيت: المتفرق من الثغر. والمؤشر: الذي في طرفه تحزيز وحدة، يكون ذلك في أطراف أسنان الأحداث.
والمعنى: وجدت أيها الخيال في حال الغشية بما يشح صاحبك به في حال اليقظة من الشتيت الموشر البارد: أي كنت تبخل بتقبيلي فمك، وارتشا في الثغر البارد الريق، فجدت في حال المنام.
إذا خيالاته أطفن بنا ... أضحكه أنّني لها حامد
خيالات: جمع خيالة، وقيل: جمع خيال، نحو جوابات وجواب، فكأن الخيال والخيالة لغتان مثل: مكان ومكانة، وجمعه وإن كان واحداً لأنه رآه دفعات كل دفعة خيالا، فصارت خيالات، والهاء في خيالاته وأضحكه يعود إلى مولاك، وفاعل أضحكه: أنني وصلته. ويقال: أطاف الخيال يطيف، وطاف يطوف.
يقول: إذا طاف بي خيال صاحب فحمدته، أضحك صاحبه حمدي إليه لخياله، من حيث أن الخيال لا حقيقة له، وليس بشيء يحمد فضحك لذلك.
وقال: إن كان قد قضى أرباً ... منا فما بال شوقه زائد؟
زائد: في موضع نصب على الحال.
يقول: قال مولى الخيال: إن كان قد قضى حاجته من خيالي، فلم شوقه إلي زائد؟ فهلا تسلي عني، وقنع بالطيف الذي يزوره؟ ومثله لآخر:
стр. 458
رأتني وقد شبّهت بالورد خدّها ... فصدّت وقالت: قاس خدّي بالورد
إذا كان مثلي في البساتين عنده ... فماذا الّذي قد جاء يطلبه عندي
لا أجحد الفضل ربّما فعلت ... ما لم يكن فاعلاً ولا واعد
ولا واعد في موضع نصب عطفاً على قوله: فاعلا وهو خبر كان، وفاعل فعلت ضمير الخيالات.
يقول: مجيباً لحبيبه وراداً عليه في قوله: لا أنكر فض هذه الخيالات علي؛ لأنها فعلت ما لم يكن يفعله صاحبها من الوصل، ولا كان يعد به، ونظر التهامي إلى هذا المعنى فقال:
فكان أكرم فضلاً، إنّ لذّته ... تخلو من المنّ والتّنغيص والمنن
ما تعرف العين فرق بينهما ... كلٌّ خيالٌ وصاله نافد
يقول: لا فرق بين الخيال وبين صاحبه، فإن وصله ينقضي وينصرم، وكلاهما خيال لا حقيقة له ولا دوام، فليس لصاحب الخيال أن يزدري بالخيال ووصله، إذ هما في الانقضاء سواء. وقوله: فرق بينهما أراد كلا من المذكورين: الخيال ومولاه، لما قال: لا فرق بينهما في قصر وصلهما، قدر أن كل واحد منهما خيال، ثم قال: كل خيال وصاله نافد.
يا طفلة الكفّ عبلة السّاعد ... على البعير المقلّد الواخد
الطفلة: الرخصة الناعمة: العبلة الممتلئة. والبعير المقلد: الذي جعل في عنقه قلادة. والواخد: السريع السير.
يقول هذا كله لمحبوبته.
زيدي أذى مهجتي أزدك هوىً ... فأجهل النّاس عاشقٌ حاقد
يجوز أذىً مهجتي وفيه تقديران: أحدهما أن مهجتي منادى مضاف. أي يا مهجتي زيدي أذىً. والثاني أنه مفعول زيدي وتقديره: زيدي مهجتي أذى.
يقول: زيدي في أذاك لي وتعذيبك إياي.
يقول: إنك كلما زدتني أذىً ازددت لك هوى، ولا أحقد عليك؛ لأن أجهل الناس هو العاشق الحاقد.
حكيت يا ليل فرعها الوارد ... فاحك نواها لجفني السّاهد
الفرع: شعر الرأس. والوارد: الطويل المسترسل. يخاطب الليل ويعاتبه على طوله.
يقول: يا ليل أشبهت شعرها في طوله وسواده، فاحك أيضا بعدها، كما حكيت شعرها، وابعد عن عيني.
وقيل: تقدير البيت: حكيت يا ليل فرعها الوارد، لجفني الساهد فاحك نواها.
طال بكائي على تذكّرها ... وطلت حتّى كلاكما واحد
يقول مخاطبا لليل: إن بكائي قد طال على تذكر المحبوبة، وطلت أنت أيها الليل، فكأنك والبكاء واحد، من حيث الطول، لا فرق بينكما.
ما بال هذي النّجوم حائرةً ... كأنّها العمى مالها قائد؟؟!
يصف طول الليل ويقول: ما للنجوم من هذا الليل متحيرةً واقفةً لا تزل! فكأنها عميان لا قائد لهم، فيبقون متحيرين لا يهتدون إلى مذهب. وهذا البيت مأخوذ من قول ابن المعتز:
والنّجم في كبد السّماء كأنّه ... أعمى تحيّر ما لديه قائد
أو عصبةٌ من ملوك ناحيةٍ ... أبو شجاعٍ عليهم واجد
العصبة: الجماعة، وهذا تشبيه آخر. شبه النجوم في تحيرها بملوك سخط عليهم الممدوح فبقوا حائرين لا يدرون ما يصنعون.
إن هربوا أدركوا وإن وقفوا ... خشوا ذهاب الطّريف والتّالد
هذا تفسير حيرة الملوك. يعني: لا يدرون ما يصنعون؛ لأنهم إن هربوا أدركهم، وإن وقفوا خافوا أن يغير على أموالهم.
فهم يرجّون عفو مقتدرٍ ... مبارك الوجه جائدٍ ماجد
الجائد: الجواد، وهو على أصل القياس، جاد فهو جائد، ولكنه مرفوض، واستغنوا عنه بقولهم جواد.
يعني: أنهم تحيروا فلا يدرون: أيهربون، أم يثبتون؟! فاستسلموا رجاء أنه إذا قدر عفا عنهم، وجرى على عادته في الجود والمجد.
أبلج لو عاذت الحمام به ... ما خشيت رامياً ولا صائد
صائد: في موضع النصب. وأبلج: في موضع جر بدلاً عن المجرورات المذكورة في البيت المتقدم. والأبلج: المفروق الحاجبين.
يقول: هو يحمي كل من يلجأ إليه، فلا يقدر على ضيم من استجار به، حتى لو لجأت إليه الحمام لأمنت ولم تخف صائدا ولا راميا.
أورعت الوحش وهي تذكره ... ما راعها حابلٌ ولا طارد
الوحش: اسم الجنس، وأراد ها هنا الجماعة فأنثه. والحابل: صاحب الحبالة، والطارد: الذي يطرد الوحش.
يعني: لا يجسر أحد على التعرض لمن يستجير به، حتى لو أن الوحش ذكرت اسمه في حال رعيها، أو خطر اسمه لها بالبال لأمنت بذكره، ولم يفزعها حابل بحبالته، ولا طارد يطردها. وهذا ذكره على وجه المثل.
стр. 459
تهدي له كلّ ساعةٍ خبراً ... عن جحفلٍ تحت سيفه بائد
فاعل تهدى: كل ساعة. والجحفل: الجيش العظيم. والبائد: الهالك.
يقول: يرد عليه كل ساعة خبر من عسكر عدوة: أنه هلك تحت سيفه، وإنما ذلك لكثرة سراياه وانتشارها في الأرض، وإنما قال ذلك، لأن الخبر كان قد ورد عليه بهزيمة وهسوذان مرة أخرى.
وموضعاً في فتان ناجيةٍ ... يحمل في التّاج هامة العاقد
وموضعاً: أي مسرعاً، وهو نصب عطفاً على قوله: تهدى له كل ساعة خبراً، وموضعاً والناجية: الناقة السريعة. والفتان: غشاء من أدم يكون للرحل.
يعني: كل ساعة يرد عليه رسول ببشارة، وراكب يسرع، في رحل ناقة سريعة، تحمل تاج الملك الذي هلك تحت سيفه، ورأس من عقد ذلك التاج على رأسه، ويجوز أن يكون هو الذي قد عقد عليه.
يا عضداً ربّه به العاضد ... وسارياً يبعث القطا الهاجد
يبعث القطا: أي ينبه. والهاجد: النائم، وهو من وصف القطا. والساري: الذي يسير ليلا. والعاضد: المعين والمعني: يا عضد الدولة الذي ربه يعين به أولياءه.
وقيل: العاضد هو القاطع. يعني: يا عضداً يقطع الله تعالى به أصول أعدائه ويستأصلهم بفعله، ويا من سرى بالليل في فلوات يطلب الأعداء، فينتبه القطا النائم فيها.
وممطر الموت والحياة معاً ... وأنت لا بارقٌ ولا راعد
الراعد: السحاب الذي فيه الرعد. والبارق: الذي فيه البرق.
يقول: إنك تمطر الموت على أعدائك والحياء على أوليائك، فتحييهم بنعمك وتميت أعداءك بنقمك، ولست مع ذلك سحاباً حقيقياً لا ذي رعد ولا ذي برق. وقيل: أراد أنك تحسن بلا برق وتسيء بلا رعد، بخلاف السحاب يكون البرق فيه وعداً، والرعد وعيداً.
نلت وما نلت من مضرّة وهسو ... ذان ما نال رأيه الفاسد
أي: وما نلت من مضرته ما نال منها رأيه الفاسد. يعني: أن ما نال منه فساد رأيه أكثر مما نلت أنت منه. أي: جنى الشر على نفسه حين تعرض لقتال ركن الدولة.
يبدأ من كيده بغايته ... وإنّما الحرب غاية الكائد
الكائد: اسم فاعل من الكيد.
يقول: من جهله أنه بدأ بالمحاربة، وكان سبيله ألا يحارب إلا إذا اضطر إليه؛ إذ الحرب غاية الكائد.
ماذا على من أتى محاربكم ... فذمّ ما اختار لو أتى وافد
وافد: في موضع نصب على الحال.
يقول: من حاربكم فقتلتموه فيذم عاقبة ما اختاره، ولو جاءكم وافداً عليكم لنال كل ما أراد. يعني: لو أتى وافدا لأدرك مناه.
بلا سلاحٍ سوى رجائكم ... ففاز بالنّصر وانثنى راشد
راشد: حال، فترك نصبه لأجل التقفية. يعني: لو أتى محاربكم وافدا بلا سلاح إلا رجاءه إياكم لفاز بالنصر، وانثنى بالغنيمة والرشد، فمن علم ذلك من حالكم وحاله، فما الذي يضره لو فعل هذا، ولم يعرض نفسه للقتل، ونعمته للزوال والانتقال.
يقارع الدّهر من يقارعكم ... على مكان المسود والسّائد
يقارع: أي يقاتل. والمسود: الذي ساده غيره. والسائد: الذي ساد غيره. يعني: أن الدهر يحارب من حاربكم ونازعكم على الملك، وهو مكان المسود والسائد: يعني: أن الدهر خصم لعدوكم وعون لكم.
وقيل: أراد أن الدهر مسود، وأنتم ساده، فمن قارعكم قارعه الدهر لسيادتكم، فكأن الدهر جند لكم تسودونه، وتسوسونه.
وليت يومي فناء عسكره ... ولم تكن دانياً ولا شاهد
شاهد: في موضع النصب عطفا على قوله: دانيا والهاء في عسكره لوهسوذان.
يقول: إنك توليت القتال في اليومين اللذين فنى فيهما عسكر وهسوذان، وإن لم تكن حاضراً ذلك اليوم ولا قريباً؛ لأن جيش أبيك إنما فعلوا ذلك لتشجيعك إياهم.
ولم يغب غائبٌ خليفته ... جيش أبيه وجدّه الصّاعد
الهاء في خليفته وأبيه وجده للغائب. يعني: أنك وإن كنت غائبا كان خليفتك الذي يقوم مقامك جيش أبيك، وجدك الصاعد، فمن كان كذلك فكأنه لم يغب، فلهذا قلت: إنك توليت القتال وهزمه.
وكلّ خطيّةٍ مثقّفةٍ ... يهزّها ماردٌ على مارد
هذا عطف على ما تقدم، والمارد: الذي لا يطاق من خبثه.
يقول: ناب عنك جيش أبيك، كل فارس مارد على فرس مارد، يهز كل رمح خطى.
سوافكٌ ما يدعن فاصلةً ... بين طريّ الدّماء والجامد
стр. 460
يقول: نابتك رماح خطية، تسفك دماء الأعداء دائماً، لا تدع بين الطري والجامد فصلا. أي: إذا أراقت دماً فجمد أتبعته بطري من غير فصل.
إذا المنايا بدت فدعوتها ... أبدل نوناً بداله الحائد
الحائد: إذا أبدل داله بالنون فهو الحائن أي الهالك. والحائد: الذي يميل عن الحرب. والهاء في دعوتها للمنايا. وقيل: للخيل. أي دعوة الخيل: أن تقول ما في البيت.
يقول: إذا ظهرت المنيه في الحرب، فدعوة المنايا هي أن تقول: أبدل الله تعالى الحائد نوناً بدال. يعني: أنها تدعو على من يحيد عن الحرب بهذا القول أي جعل الله الحائد حائناً. أي: هالكا، من الحين، وهو الهلاك.
إذا درى الحصن من رماه بها ... خرّلها في أساسه ساجد
ساجد: حال، والهاء في بها ولها للخيل المضمرة.
يقول: إذا علم الحصن أنك رميته بخيلك سجد لك على أساسه، تعظيما لك ومثله قوله:
تملّ الحصون الشّمّ طول نزالنا ... فتلقى إلينا أهلها وتزول
ما كانت الطّرم في عجاجتها ... إلا بعيراً أضلّه ناشد
الطرم: بلدة وهسوذان، أو قلعته، والهاء في عجاجتها للخيل. والعجاجة: الغبار.
يعني: أن الطرم قد خفيت في عجاجة خيلك ساعة ثم أثخنتها فكانت بمنزلة بعير ضل عن صاحبه ثم وجده.
وقيل: أراد من كثرة ما أثارت الخيل الغبار، اسودت الطرم، فخفيت القلعة حتى لا يكاد أحد يراها، ثم شبه الطرم بالبعير الضال الذي فقده صاحبه، لأن وهسوذان خرج عنها وسلمها، فكأنه بعير أضله صاحبه.
تسأل أهل القلاع عن ملكٍ ... قد مسخته نعامةً شارد
شارد: في موضع النصب صفة لنعامة، وإنما ذكره لأن النعامة تقع على الذكر والأنثى، وتسأل: فعل الخيل وكذلك مسخت والهاء فيه ضمير الملك.
يقول: تتبع خيلك وهسوذان وتسأل عنه القلاع، وقد مسخته هذه الخيل نعامة نافراً. أي: كان ملكا ففر من بين يديه كالنعامة الشارد، وسؤال الخيل عنه: تعرضها للقلاع وأهلها.
تستوحش الأرض أن تقرّبه ... فكلّها آنهٌ به جاحد
الهاء في آنه ترجع إلى لفظ كل.
يقول: تفزع الأرض أن تقر بوهسوذان، فكل مكان منها حاحد لا يقر بمكانه. والمعنى: أنه فر ولم يوجد له أثر، فكل مكان طلبته الخيل فيه لم تجده، والغرض باستيحاش الأرض من الإقرار به هو أنها تأنف من كونه عليها، وتريد ألا يكون حياً يمشي عليها، فلما كان الأمر بخلاف مرادها لم ترض أن تقر به أنفةً من أن يكون هو من أهلها.
فلا مشادٌ ولا مشيدٌ حمى ... ولا مشيدٌ أغنى ولا شائد
المشيد: الجص. يقال: شدت البناء أشيده شيداً: إذا بنيته بالشيد وأنا شائد وهو مشيد.
وأشدته أشيده إشادةً: إذا رفعته. فأنا مشيد وهو مشاد. يعني: أنه هرب ولم يمنعه حصنه الذي رفعه وطوله وبناه بالشيد ولا مبانيه التي شيدها وجصصها.
فاغتظ بقومٍ وهسوذ ما خلقوا ... إلا لغيظ العدوّ والحاسد
أراد: وهسوذان فرخمه، فحذف منه الألف والنون. كما تقول: في مروان يا مرو.
يقول: يا وهسوذان: اغتظ بآل بويه، فهم لم يخلقوا إلا غيظاً لكل عدو وحاسد. وقيل: أراد بالقوم: جيش ركن الدولة.
رأوك لمّا بلوك نابتةً ... يأكلها قبل أهله الرّائد
بلوك: أي جربوك. والنابتة: القطعة النابتة من الحشيش.
يقول: لما جربوك رأوك أمراً هيناً فرموك بطلائعهم، وأوائل خيلهم قبل حضورهم، فكنت في القلة كالقطعة من العشب يأكلها الرائد قبل حضور الحي.
وخلّ زيّاً لمن يحقّقه ... ما كلّ دام جبينه عابد
يقول: خل زي الملك لأهله الذين يستحقونه، فإنه لا يليق بك، فليس كل من تزيا بزي الملوك يستحق ذلك، كما أنه ليس كل من دمى جبينه فهو عابد.
إن كان لم يعمد الأمير لما ... لقيت منه فيمنه عامد
يقول: إن كان عضد الدولة لم يقصد إلى ما جرى عليك، ولم يشهده بنفسه، فإن يمنه تعمد ذلك فناب عنه.
يقلقه الصّبح لا يرى معه ... بشرى بفتحٍ كأنّه فاقد
يقول: إذا طلع الصبح، ولم يرد عليه من يبشره بفتح، قلق لذلك، حتى كأنه فقد شيئاً كان في يده. وقيل: الفاقد: المرأة التي فقدت ولدها بغير هاء كحائض وطاهر يعني: كأنه من قلقه امرأة فقدت ولدها.
والأمر لله ربّ مجتهدٍ ... ما خاب إلاّ لأنّه جاهد
стр. 461
يقول لوهسوذان: اجتهدت في طلب الملك، فخاب سعيك، وقد رأينا من كان سبب خيبته، اجتهاده. وحرصه، وهذا كما قيل: الحريص محروم فكأنه قال: إن الإمارة والدولة بتوفيق الله تعالى، ومن مواهبه، لا تنال بالجد والاجتهاد.
ومتّقٍ والسّهام مرسلةٌ ... يحيص عن حابضٍ إلى صارد
يحيص: أي يعدل. وحابض: من قولهم حبض السهم يحبض حبضا فهو حابض، إذا وقع بين يدي الرامي لضعفه ولم يصل إلى الغرض. والصادر: من قولهم صرد السهم صردا، إذا نفذ من الرمية إلى ما وراءها.
يقول: رب متق من سهام مرسلة يعدل عنها من قرب، ويمر إلى الهدف حتى تصيبه يعني: ورب إنسان يحذر ما لا يصيب، ويفر إلى ما فيه هلاكه.
فلا يبل قاتلٌ أعاديه ... أقائماً نال ذاك أم قاعد
يعني: الغرض قتل العدو، فسواء قتلته بنفسك، أو قتله غيرك ممن هو منك، وأنت قاعداً - وقاعد في موضع نصب عطفاً على قائم وقوله: فلا يبل أصله فلا يبالي، فحذف الياء للجزم ثم حذف الألف أيضاً تخفيفاً.
ليت ثنائي الّذي أصوغ فدى ... من صيغ فيه، فإنّه خالد
الهاء في فإنه للثناء وفي فيه للممدوح.
يقول: إن ثنائي الذي أصوغه في عضد الدولة يبقى مخلداً، فليت أن الله جعله فداء من مدحته ليدوم ملكه خالداً كما دام هذا الثناء.
لويته دملجاً على عضدٍ ... لدولةٍ ركنها له والد
يقول: صغت مدحي دملجاً يزينه، كما يزين الدملج العضد، ولما كان الممدوح ملقباً بعضد الدولة جعل شعره دملجاً عليه؛ لما بين العضد والدملج من المناسبة؛ لأن الدملج زين العضد. ثم قال: ركنها له والد أي ركن هذه الدولة والد لعضد الدولة، أورد لقبه ولقب أبيه بلفظ وجيز، والهاء في لويته للثناء وفي له للعضد، والعضد: مؤنثة ولكنه رد الهاء إليها بلفظ التذكير، حملا على المعنى؛ لأنه أراد الممدوح، وهو مذكر، فرد الضمير إليه.
وخرج عضد الدولة يتصيد ومعه الكلاب والفهود والبزاة والشواهين وعدد الصيد، ما لم يرم مثله كثرةً، وكن يسير قدام الجيش يمنه ويسرةً فلا يطير شيء إلا وصاده، حتى وصل إلى دشت الأرزن، وهو موضع حسن على عشرة فراسخ من شيراز، كثير الصيد تحف به الجبال، والأرزن، فيه غاب وماء ومروج، وكانت الأيائل تصاد ويقتل بعضها، ويقبل بعضها يمشي والحبل في قرونها، وكانت الوعول تعتصم بالجبال، وتدور بها الرجال، وتأخذ عليها المضايق، فإذا أثخنها النشاب لجأت إلى مواضع لا تحملها، فهوت من رءوس الجبال إلى الدشت، فسقطت بين يديه، فمنها ما يطيح قرنه. ومنها ما يؤخذ ويذبح فتخرج نصول النشاب من كبده وقلبه، فأقام بها أياماً على عين حسنة وأبو الطيب معه، ثم قفل فقال أبو الطيب يمدحه في رجب سنة أربع وخمسين وثلاث مئة:
ما أجدر الأيّام واللّيالي
بأن تقول ماله وما لي؟
لا أن يكون هكذا مقالي
يقول: ما أخلق الأيام والليالي بأن تتظلم مني وتستغيث من يدي فتقول: ما لهذا الرجل ومالي؟! وقوله: لا أن يكون هكذا مقالي: يعني: ما أجدر ألا تكون الأيام هكذا. أي: تحتال الأيام والليالي من أجلي.
والمعنى: أنها أولى بأن تتظلم مني، وأن تقول هذا المقال، من أن أقوله أنا لها. أي: هي أحق بأن تستغيث مني، لا أنا، لأني أقوى منها وأقدر، فلا أحتاج إلى التظلم منها؛ لاعتصامي بعضد الدولة.
وتقديره: لا أن يكون هكذا مقالي لها، فحذف للاختصار والعلم به، ولا بد من ضمير يعود إليها، فلو لم يحمل على هذا التفسير لم يصح.
فتىً بنيران الحروب صالي
منها شرابي وبها اغتسالي
لا تخطر الفحشاء لي ببال
الضمير في منها وبها للحروب. والبال: القلب. وفتىً: خبر ابتداء محذوف أي: أنا فتى.
يقول: كيف لا تتظلم الأيام والليالي من يدي؟ وأنا فتى أصطلي بنار الحروب وألابسها وأخوض شدائدها. وهي نيرانها. وقوله: منها شرابي أي: أني ألفتها كما ألفت الماء الذي أشرب منه وأغتسل به، وقيل: أراد شرابي من دماء الأعداء التي أريقها في الحروب، وأتضمخ بها، فيكون ذلك اغتسالي، ثم قال: وأنا مع ذلك عفيف النفس، لا تخطر الفحشاء بقلبي فضلا عن فعلها.
لو جذب الزّرّاد من أذيالي
مخيّراً لي صنعتي سربال
ما سمته سرد سوى سروالي
стр. 462
الزراد: الذي يعمل الدروع. والسربال: القميص والسروال. واحد السراويل. والسرد: عمل الدروع ونسجها.
يقول: لو جذب الزراد أذيالي، وخيرني أن يسرد لي قميصا أو سراويل. وهو قوله: مخيراً لي صنعتي سربال ما طلبت منه إلا أنه يصنع لي سراويل، أحصن بها عورتي، ثم لا أبالي بعد ذلك بانكشاف سائر جسدي، إذا صنت العورة وحصنتها. وهذا مبالغة منه في بيان العفة.
وقيل: إن المراد بذلك أن كل ما علي حديد: فثوبي من حديد، وعمامتي من حديد، وتجافيف فرسي حديد. فلم يبق إلا أن أصنع سراويل من حديد.
وكيف لا وإنّما إدلالي
بفارس المجروح والشّمال
أبي شجاعٍ قاتل الأبطال
المجروح، والشمال: فرسان لعضد الدولة. وأبي شجاع: بدل من فارس. أي: كيف لا أكون كذا، وإنما أدل وأعتمد بفارس هذين الفرسين، وهو أبو شجاع الذي يقتل الشجعان كلهم.
ساقي كئوس الموت والجربال
لما أصار القفص أمس الخالي
وقتّل الكرد عن القتال
حتّى اتّقت بالفرّ والإجفال
فهالكٌ وطائعٌ وجالي
الجربال: الخمر. يعني: يسقى أعداءه كئوس الموت وأولياءه كئوس الخمر. والقفص: قوم من الأكراد، في نواحي كرمان، كان أهلكهم. والخالي: الماضي. والفر: الفرار. والإجفال: الإسراع في الهرب. وقتل الكرد: أي منعهم. والقفص: المفعول الأول لأصار. وأمس: المفعول الثاني.
يقول: لما قتل القفص حتى جعلهم منقضياً كأمس الماضي، وقتل الكرد عن آخرهم فلم يبق منهم مقاتلاً، حتى التجئوا إلى الفرار وصاروا بين ثلاثة أقسام: هالك قتل، وطائع سلم، وهارب قد خلا عن وطنه.
واقتنص الفرسان بالعوالي
والعتق المحدثة الصّقال
يقول: اصطاد الفرسان بالرماح والسيوف. العتق: القديمة، الحديثة الصقال؛ لأنها كل وقت يجدد صقالها.
سار لصيد الوحش في الجبال
وفي رقاق الأرض والرّمال
على دماء الإنس والأوصال
الرقاق من الأرض: ما كان رقيقاً، ليس بذي رمل؛ لأنه أطيب التراب. وقوله: سار جواب لقوله: لما أصار والمعنى: أنه بدأ أولا بالجد والحرب، ثم أتبعه بالنزهة والصيد.
يقول: لما قتل الكرد، عاد إلى صيد الوحش في السهول والجبال، فكان سيره في هذه الأرضين على دماء الإنس وأوصالهم. وأراد بالإنس: الكرد الذين قتلهم وأجرى دماءهم وأبان أوصالهم: وهي كل عظم يتصل بالآخر.
منفرد المهر عن الرّعال
من عظم الهمّة لا الملال
وشدّة الضّنّ لا الأستبدال
الرعال: جمع رعلة، وهي القطعة من الخيل. ونصب منفرد على الحال. يعني: كان يسير وحده منفرداً عن جيشه، ولم يكن يفعل ذلك مللاً بجيشه، وإنما فعله لعظم همته أن يدنو منه أحد، وأن يختلط الجيش به، وليتأمل عسكره ويميزه ويتفقده؛ لظنه به، ولو اختلط بهم لم يستبن له قدره.
وقيل: إن عظم قدره وعلو همته حمله على الصيد بنفسه وقوله: لا الاستبدال يعني: أنه لم يرد الاستبدال بجيشه لتنزهه بهم، لكن لشدة ضنه بهم، أو بنفسه عن الاختلاط بهم.
ما يتحرّكن سوى انسلال
فهنّ يضربن على التّصهال
يعني: أن الرعال، وهي الخيل، لا تتحرك ولا تمشي إلا على وجه الانسلال: وهو اللين والرفق، هيبةً أو حذراً من تنفير الصيد، فإن صهل منها فرس ضرب على صهيلة هيبةً له، وحذراً من نفور الصيد.
كلّ عليلٍ فوقها مختال
يمسك فاه خشية السّعال
من مطلع الشّمس إلى الزّوال
يعني: كل قائد مختال فوق هذه الخيل، كأنه عليل؛ هيبةً منه، ولا يصول خشية نفور الصيد فهو يمسك فاه خشيةً من أن يسعل.
وقيل: أراد أن العليل إذا كان يمسك فاه إذا حضره السعال وهو مع الرئيس، فكيف يكون حال من دونه؟! وهم كذلك من مطلع الشمس إلى وقت الزوال. ومثله لأبي تمام:
فالمشي همسٌ والنّداء إشارةٌ ... خوف انتقامك والحديث سرار
فلم يئل ما طار غير آل
وما عدا فانغلّ في الأدغال
وما احتمى بالماء والدّحال
من الحرام اللّحم والحلال
إنّ النّفوس عدد الآجال
لم يئل: أي لم ينج. وغير آل: أي غير مقصر. وانغل: دخل والأدغال: جمع دغل، وهو الشجر الملتف. واحتمى: أي امتنع. والدحال: جمع دحل، وهو المطمئن من الأرض يجتمع فيها ماء السماء وينبت القصب.
стр. 463
يقول: لم ينج من الطير ما طار غير مقصر في الطيران. يعني: لم ينج منها طائر مجد في الطيران، فكيف المقصر؟! ولم ينج أيضاً ما انغل فيما بين الأشجار الملتفة. ولم ينج أيضاً ما امتنع بالدحال من الصيد الحرام اللحم كالخنزير والسباع، والحلال اللحم كالظباء والأيائل. وقوله: إن النفوس عدد الآجال مثل منه. وروى عدد بضم العين. والمعنى: أن النفوس معدة للموت، والأجل يدركها متى شاء وروى بفتح العين. يعني: أن لكل نفس أجلاً، فآجالها مثل أعدادها.
سقياً لدشت الأرزن الطّوال
بين المروج الفيح والأغيال
روى: الطوال: وهو الطويل، والطوال، وهي جمع طويل، فكأنه جعل لكل موضع منها دشتاً طويلاً لسعته، والدشت: الصحراء، وهي فارسي معرب أبدل منه السين شيناً علامة للتعريب. والأرزن: هو الخشب، وأضاف الدشت إليه لأنه ينبت فيه، والمروج: جمع مرج، وهو كل موضع فيه ماء وعشب لا ينقطع. والفيح: جمع أفيح وفيحاء وهو الواسع. والأغيال: جمع غيل، وهو الشجر الملتف، وأراد به الأجمة هنا.
مجاور الخنزير للرّئبال
داني الخنانيص من الأشبال
مشترف الدّبّ على الغزال
مجتمع الأضداد والأشكال
مجاور وما بعده نصب على الحال من دشت الأرزن. أي سقاه الله تعالى من هذه الأحوال. والرئبال: الأسد. والخنانيص: جمع خنوص، وهو ولد الخنزير. والأشبال: جمع شبل، وهو ولد الأسد. والمشترف والمشرف بمعنى. وذلك لأن الدب جبلي والغزال سهلي. فيكون مشرفاً يعني به: أن هذا الدشت سهلي جبلي قد اجتمع فيه صيد السهل والجبل، وقد حصل فيه الأضداد والأشكال.
كأنّ فنّاخسر ذا الإفضال
خاف عليها عوز الكمال
فجاءها بالفيل والفيّال
عوز الشيء: فقدانه. والهاء في عليها وجاءها لدشت الأرزن ردها إلى معنى الصحراء والأرض والناحية.
يقول: هذه الصحراء قد اجتمع بها جميع الحيوان إلا الفيل، فلما خشى الأمير أن تقصر عن حد الكمال جاءها بالفيل والفيال حتى كملت.
فقيدت الأيّل في الحبال
طوع وهوق الخيل والرّجال
تسير سير النّعم الأرسال
معتمّةً بيبّس الأجذال
طوع: نصب على الحال. والأيل ها هنا جمع الأيل، والمعروف في جمعه الأيائل. والوهوق: جمع وهق: وهو الحبل. والرجال: جمع راجل.
يقول: قاد الأيل، وهو الثور الوحشي في الحبال، وأنها طوع حبال الخيل والرجال. يعني: أنها متمكنة لا يتعذر عليهم صيدها. والنعم الأرسال: القطع من الإبل، واحدها: رسل. والأجذال: جمع جذل، وهو أصل الشجرة إذا قطع أعلاه وأراد به ها هنا قرون الأيل، وجعلها معتمة بالقرون؛ لإحاطتها برءوسها، وتعطفها عليها. واليبس: جمع يابس.
يقول: أقبلت الأيائل تسير كأنها قطع الإبل المتصلة، من كثرتها، وشبه قرونها بأصول الأشجار اليابسة.
ولدن تحت أثقل الأحمال
قد منعتهنّ من التّفالي
لا تشرك الأجسام في الهزال
قوله: ولدن: أي الأيائل ولدت تحت أثقل الأحمال، وهي قرونها، جعلها أثقل الأحمال لطولها وكثرة شعبها.
وقيل: أراد بأثقل الأحمال الجبال؛ لأنه تولد في مغارات الجبال. وقول: قد منعتهن من التفالي: يعني: أن القرون قد منعتها من أن يدنو بعضها من بعض فيفلى بعضها رءوس بعض كسائر الحيوانات. ثم ذكر أن القرون لا تشارك الأجسام في الهزال، ولا تنقص كما تنقص الأجسام.
إذا تلفّتن إلى الأظلال
أرينهنّ أشنع الأمثال
يقول: إذا تلفتت الأيائل، ونظرت أظلالها، رأت منها أشنع منظر وأقبح مثال؛ لطول قرونها وكثرة شعبها.
كأنّما خلقن للإذلال
زيادةً في سبّة الجهّال
كأن هذه القرون خلقت للإذلال، زيادة في سبة الجهال. يعني بذلك قول الناس: لفلان قرنان. فإذا زاد في السب قال: له قرون الأيل.
والعضو ليس نافعاً في حال
لسائر الجسم من الخبال
الخبال: الفساد، وجعل القرن عضواً مجازاً لاتصاله بالأعضاء.
يقول: إن العضو وإن عظم لا يمنع صاحبه من الموت والفساد.
وأوفت الفدر من الأوعال
مرتدياتٍ بقسيّ الضّال
стр. 464
أوفت: أي أشرفت، وقيل أقبلت. والفدر: جمع فدور، وهو المسن من الأوعال، وهي تيوس الجبل. والضال: السدر البري، والعرب تتخذ منها القسي شبه قرونهاً لطولها وانعطافها بالقسي، وجعلها مرتدية بها، لانعطافها من رءوسها إلى أكفالها.
نواخس الأطراف للأكفال
يكدن ينفذن من الآطال
النواخس: من نخست الدابة بعود: دفعتها به، والآطال: الخواصر، واحدها إطل.
يقول: طالت قرونها حتى نخست أكفالها، وأطراف هذه القرون تكاد تنفذ في الخواصر؛ لحدتها واعتراضها.
لها لحىً سودٌ بلا سبال
يصلحن للإضحاك لا الإجلال
يقول: لهذه الفدر: وهي التيوس، لحىً سود، ليس لها شوارب، ولحاها تصلح لأن يضحك منها ويسخر من صاحبها، ولا تصلح للإجلال، بخلاف سائر اللحى، وكان القياس أن يقول: بلا أسبلة، لكن أقام الواحد مقام الجمع.
كلّ أثيثٍ نبتها متفال
لم تغذ بالمسك ولا الغوالي
الأثيث: كثير النبت يقال شعر أثيث إذا كان صفيقاً كثيفاً. والمتفال: المنتنة الرائحة. والغوالي: جمع الغالية.
يقول: لكل منها لحية كثيفة ملتفة الشعر منتنة الريح لم تغذ بالمسك ولا الغالية.
ترضى من الأدهان بالأبوال
ومن ذكيّ المسك بالدّمال
الدمال: السرجين.
يقول: تستعمل البول بدل الدهن، والبعر بدل المسك. وقيل: إن الوعل يشرب بوله، فهو ينصب على لحيته.
لو سرّحت في عارضي محتال
لعدّها من شبكات المال
بين قضاة السّوء والأطفال
سرحت: أي مشطت، وعارضا الرجل: جانبا وجهه. يعني: أن لحيته كبيرة تصلح للعدول والقضاة، فلو كانت في وجه رجل صاحب حيلة لعدها من الشبكات التي يصطاد بها المال، بين قضاة السوء والأطفال. يعني: يأكل بها أموال الأيتام التي في حجر القضاة.
شبيهة الإدبار بالإقبال
لا تؤثر الوجه على القذال
القذال: مؤخر الرأس.
يقول: إن وجهها مثل أقفائها في كثرة الشعر، وإقبالها مثل إدبارها، ففي وجهها من شعر نواصيها ما يشبه أذنابها، فلا يتميز إقبالها من إدبارها ولا وجهها من قفاها.
وقيل: إنها رميت من كلا الجانبين، فهي ما بين النبال أقبلت أم أدبرت. ثم أخبر أنه لا يؤثر في الرمي بعض الأعضاء على البعض، بل هو مرمي من خلفه وقدامه.
فاختلفت في وابلي نبال
من أسفل الطّود ومن معال
يعني: اختلفت الأوعال في وابلين من السهام: من أسفل الطود، وهو الجبل، ومن فوقه. يعني: ان الرماة كانوا يرمونها من أعلى الجبل ومن تحته، وشبه كثرة السهام بالمطر الوابل. وقول: من معال. أي: من أعلى الجبل.
قد أودعتها عتل الرّجال
في كلّ كبدٍ كبدي نصال
العتل: القسي الفارسية الواحد عتلة، وهي القسي التي نشاهدها، وكبدي النصل: جانباه.
يقول: قد رمتها قسي الرجال، من فوق ومن تحت، فأثبتوا في كبد كل وعل سهمين. والهاء في أودعتها للوعول.
فهن يهوين من القلال
مقلوبة الأظلاف والإرقال
يهوين: أي يسقطن من القلال. أي: من رءوس الجبال. يعني: أنها كانت تسقط من أعالي الجبال معكوسة على رءوسها إلى أسفل، فأظلافها فوق جسومها، وكذلك عدوها معكوس مقلوب. والإرقال: ضرب من السير السريع.
يرقلن في الجوّ على المحال
في طرقٍ سريعة الإيصال
يرقلن: أي يسرعن. والمحال: جمع محالة، وهي فقار الظهر. أي كانت تهوي على ظهورها في طرق سريعة الإيصال لها إلى الأرض.
ينمن فيها نيمة الكسال
على القفيّ أعجل العجال
الهاء في فيها للطرق. والنيمة: الهيئة للنائم، كالجلسة والكسال: جمع كسلان. والعجال: جمع عجلان. والقفى: جمع قفا.
يقول: ينمن في الطرق التي يهوين فيها كما تنام الكسالى على أقفائها، تشبيهاً بنوم الكسلان الذي إذا نام لا يحب الحركة والعجلة ولا ينتبه بالتحريك.
لا يتشكّين من الكلال
ولا يحاذرن من الضّ؟ لال
يعني: لا تشكو كلالا؛ لأن هويتها حركة طبيعية، فلا مشقة عليها فيها ولا يحاذرن من الضلال. يعني أنها لا تخطئ الحضيض؛ لأن المرمى من شاهق لا ينفك من الهوى والسقوط.
فكان عنها سبب التّرحال
تشويق إكثارٍ إلى إقلال
الهاء في عنها للأيائل، والوعول.
стр. 465
يقول: كان سبب رحيلنا عن صيد الوحش تشويق الإكثار منها إلى الإقلال. يعني: كثر الصيد حتى شوقنا الإكثار، بما أدخل علنيا من الملال إلى الإقلال منها، فكان ذلك سبب رحيلنا.
فوحش نجدٍ منه في بلبال
يخفن في سلمى وفي قتال
البلبال: الهم. وسلمى: أحد جبلي طيئ، والآخر أجأ. وقتال: جبل بالقرب من دومة الجندل. والهاء في منه لأبي شجاع.
يقول: الوحش التي في نجد، لما سمعت بما صنع الأمير هنا خافت واضطربت في جبالها.
نوافر الضّباب والأورال
والخاضبات الرّبد والرّئال
والظّبي والخنساء والذّيّال
الضباب: جمع ضب. والأورال: جمع ورل وهي دابة أكبر من الضب على خلقته. والخاضبات: النعام إذا أكلت الزهر احمرت أطراف جناحها. والربد: جمد أربد وربداء، وهو الذي يضرب لونه إلى لون الرماد. والرئال: جمع الرأل، وهو فرخ النعام. والخنساء: البقرة الوحشية. والذيال: الثور الوحشي. ونوافر نصب على الحال من الوحش. أي: يخفن منه على هذه الحال. يعني: هذه الحيوانات الوحشية نافرة في نجد خوفاً منه.
يسمعن من أخباره الأزوال
ما يبعث الخرس على السّؤال
الازوال: جمع زول، وهو العجب.
يقول: وحش نجد يسمعن من أخبار عضد الدولة أخباراً عجيبة تبعث الخرس على السؤال لعجبها.
وقيل: أراد بالخرس الوحوش؛ لأنها لما سمعت بأخباره أقبلت مع خرسها يسأل بعضها بعضاً على هذا الخبر العجب.
وقيل: إن الهاء في أخباره تعود إلى الصيد. أي: يسمعن من أخبار الصيد.
فحولها والعوذ والمتالي
تودّ لو يتحفها بوالي
يركبها بالخطم والرّحال
الفاء فاء الجواب، وقيل: الفاء أصل، وهي فحول بضم الفاء جمع فحل. والعوذ: جمع عائذة، وهي القريبة العهد بالنتاج. والمتالي: جمع متلية، وهي التي يتلوها ولدها. والخطم: جمع خطام
يؤمنها من هذه الأهوال
ويخمس العشب ولا يبالي
وماء كلّ مسيلٍ هطّال
يعني: أنها تتمنى أن يبعث والياً، حتى يركبها بالأزمة والرحال، ويؤمنها هذا الوالي من أن يقصدها لصيدها، ولا يروعها بأهوالها، ويأخذ منها خمس العشب الذي ترعاه وخمس الماء الذي تشربه.
يا أقدر السّفّار والقفّال
لو شئت صدت الأسد بالثّعال
أو شئت غرّقت العدى بالآل
السفار: جمع المسافر. والقفال: جمع قافل، وهو الراجع من سفره. والثعالي: الثعالب. وأبدل الياء من الباء.
يقول لعضد الدولة: يا أقدر مسافر وراجع لو شئت أن تصيد الأسود بالثعالب لأمكنك ذلك؛ لسعادة إقبالك. والآل: السراب. يعني: لو شئت أن تفرق أعداءك بالسراب لأمكنك.
ولو جعلت موضع الإلال
لآلئاً قتلت بالآلي
الإلال: الحراب، واحدتها آلة، والآلئ: جمع لؤلؤة.
يعني: لو جعلت بدل الحراب لآلئ، لأمكنك أن تفعل بها ما تفعل بالحراب؛ لسعادة جدك فلا يتعذر عليك شيء ترومه.
لم يبق إلاّ طرد السّعالي
في الظّلم الغائبة الهلال
على ظهور الإبل الأبّال
السعال: جمع سعلاة، وهي الغول. وقيل: السعلاة أخبث الجن. والإبل الأبال: التي قد اجتزأت بالعشب عن الماء، الواحد: الأبل. يقال: أبلت الإبل تأبل أبلاً.
يقول: لم يبق إلا أن تطرد السعالي في الظلمات التي لا يطلع فيها القمر، على الإبل التي تجزئ بالرطب عن الماء.
فقد بلغت غاية الآمال
فلم تدع منها سوى المحال
في لا مكانٍ عند لا منال
الهاء في منها للآمال.
يقول: قد بلغت جميع الآمال، ولم تترك منها إلا ما هو المحال، وهو ما لا يحويه مكان، ولا يصل إليه منال، وهو المحال؛ لأن كل شيء لا بد من أن يحويه مكان ويدركه منال، خلا الله ﵎ فإنه لا يحويه مكان، ولا يدركه منال ولا مثال، وهو موجود حي.
وقيل: أراد قد بلغت ما يصح بلوغه فلم يبق إلا وراء العالم الذي لا يحويه مكان ولا يناله منال.
يا عضد الدّولة والمعالي
النّسب الحلي وأنت الحالي
بالأب لا بالشّنف والخلخال
حلياً تحلّى منك بالجمال
الحالي: الذي يلبس الحلي وحلياً نصب على المصدر.
стр. 466
يخاطب عضد الدولة ويقول: النسب زينة لك، كما أن الحلي زينة للابسه، فأنت حالي بمفاخر أبيك، لا بالحلي الذي هو الشنف والخلخان. وقوله: حلياً تحلى منك بالجمال يعني: أن كرم نسبك حلى عليك، وأنت أيضاً حلى بالنسب حليته الجمال فنسبك يزينك وأنت تزينه بجمالك.
وربّ قبحٍ وحلىً ثقال
أحسن منها الحسن في المعطال
المعطال: العاطل، التي لا حلي عليها. يعني: حسن الحلي بحسن لابسه، فإن الحسن على المرأة العاطل أحسن من الحلي الثقيل على المرأة القبيحة. وهذا كما قال في موضع آخر:
وفي عنق الحسناء يستحسن العقد
فخر الفتى بالنّفس والأفعال
من قبله بالعمّ والأخوال
من قبله: أي من قبل فخره بعمه وخاله.
يقول: الفتى من يفخر بأفعاله ونفسه قبل افتخاره بأعمامه وأخواله. والباء في قوله بالعم متعلق بمحذوف. أي: لا يفخر أحد بعمه وخاله، ويترك نفسه وأفعاله. وقيل: إن الباء وما بعدها في موضع نصب على الحال من الهاء في قبله وتعلقها أيضاً بمحذوف. أي: من قبله كائناً بالعم والخال.
وقال أيضاً يمدحه ويودعه في شعبان سنة أربع وخمسين وثلاث مئة. وهي آخر ما سار في شعره، وفي أثناء هذه القصيدة كلام جرى على لسانه كأنه ينعى نفسه، وإن لم يقصد ذلك.
فدىً لك من يقصّر عن مداكا ... فلا ملكٌ إذاً إلاّ فداكا
الفداء: بكسر الفاء يمد ويقصر، وإذا فتح يقصر لا غير والمدى: الغاية.
يقول: لعضد الدولة جعل الله فداءك من يقصر عن مداك في الفضل والجود، فإذا أجيبت لي هذه الدعوة، فداك كل ملك، فلم يبق في الدنيا ملك، إلا وهو فداك؛ لأنهم كلهم مقصرون عن معاليك، فكأني قلت: فداك سائر الملوك والخلائق.
ولو قلنا فدىً لك من يساوي ... دعونا بالبقاء لمن قلاكا
قلاك: أي أبغضك.
يقول: لو قلنا جعل الله فداك من يساويك، لكنا قد دعونا لمن يبغضك بالبقاء لقصوره عن محلك وانحطاطه عن مساواتك. يعني: إذا قلت فداك من يساويك. كأني قلت لا فداك من هو دونك. وهذا اقتضاء.
وآمنّا فداءك كلّ نفسٍ ... وإن كانت لمملكةٍ ملاكا
ملاك الشيء: قوامه الذي يقوم به. أي: لو قلنا فداك من يساويك، لكنا قد جعلنا كل نفس آمنة من أن تكون فداك، وإن كانت قواماً لممالك؛ لأن كل ملك مقصر عن علاك، فهو خارج عن هذه الدعوة لو دعوتها، فلهذا تركتها.
ومن يظّنّ نثر الحبّ جوداً ... وينصب تحت ما نثر الشّباكا
يظن: يفتعل من الظن، وأصله يظتن فقلبت التاء طاء لموافقة الطاء في الإطباق. ثم أبدلت الطاء ظاء لتدغم في الظاء بعدها، ثم أدغم فيها الظاء فصار اللفظ بالظاء يظن وموضع من نصب عطفاً على كل ويجوز أن يكون موضعه جراً عطفاً على كل نفس ويجوز أن يكون رفعاً على الاستئناف.
يقول: وكنا أيضاً آمنا. فداك من ينثر الحب وينصب تحته الشباك. وهذا مثل لمن يبذل الأموال وغرضه أن يجر بها نفعاً إلى نفسه، وهو يظن أن ذلك جود، وهو ليس بجواد في الحقيقة، لأنه كالتاجر يطلب ببذل الأموال الأرباح، وأما الجواد فمن يحسن ولا يطلب جزاء على ما فعله، ولا يجر نفعاً إلى نفسه. ولابن الرومي مثل ذلك:
رأيتك تعطي المال إعطاء واهبٍ ... إذا المرء أعطى المال إعطاء مشتري
ومن بلغ التّراب به كراه ... وقد بلغت به الحال السّكاكا
الكرى: النوم. والسكاك: الهواء.
يقول: آمنا. فداك كل من بلغه نومه وغفلته وخمول ذكره وجهله بالتراب، وإن بلغته حاله وغناؤه للسماء.
والكرى أيضاً: دقة الساقين، وهذا إشارة إلى ضعفه وخموله.
فلو كانت قلوبهم صديقاً ... لقد كانت خلائقهم عداكا
الصديق: يقع على الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث بلفظ واحد، وكذلك العدو، وقد أتى بلفظ الجمع في قوله: عداكا لأن القاقية أدته إلى ذلك، والأحسن أن يقول: عدوا ليطابق قوله صديقاً.
والمعنى: أن جميع من ذكرته لو كانوا يحبونك بقلوبهم فإن خلائقهم أعداؤك لكونهم أضداد لك، والضد يبغض ضده، فأخلاقهم تبغضك لقصور أصحابها عن شأوك.
لأنّك مبغضٌ حسباً نحيفاً ... إذا أبصرت دنياه ضناكا
الضناك: السمينة التي ضاق جلدها بشحمها. لما استعار لقلة الحسب النحافة، استعار لكثرة المال السمن والضخامة.
يقول: إن خلائقهم أعداؤك؛ لأنك تبغض من كثر ماله وقل حسبه ومجده.
стр. 467
أروح وقد ختمت على فؤادي ... بحبّك أن يحلّ به سواكا
يقول: أحسنت إلي إحساناً ملكت به، حتى صرت مضطراً إلى حبك، وشغلت به قلبي. كما في الخبر: جبلت القلوب على حب من أحسن إليها فأنا أروح عنك مختوماً على قلبي بحبك، فلا يشغل بحب ملك غيرك.
وقد حمّلتني شكراً طويلاً ... ثقيلاً لا أطيق به حراكا
الحراك: الحركة. يعني: أروح عنك وقد حملتني من شكرك ما لا أطيق له حملاً، ولا أقدر على القيام به، لكثرة ما أفضت علي من إحسانك، فكيف أتفرغ إلى حمل نعمة غيرك؟؟! إشارة بالعود إليه.
أحاذر أن يشقّ على المطايا ... فلا تمشي بنا إلاّ سواكا
روى: إلا سواكا ومساكا وهما المشي الضعيف المضطرب. يقال: سوكت الإبل، إذا تمايلت في مشيتها من الضعف والهزال.
يقول: أخاف أن أشكرك، فيثقل على المطايا فلا تقدر على المشي تحته، إلا مشياً ضعيفاً من كثرة ما حملناه من العطايا، ومن كثرة ما تقلدنا من الشكر ونحن عليها.
لعلّ الله يجعله رحيلاً ... يعين على الإقامة في ذراكا
الذرا: الناحية والكنف.
يقول: أرجو أن يجعل الله تعالى هذا الرحيل سبباً لإقامتي في ذراك. يعني: إنما أمضى لأصلح شأني وأحمل أهلي وأقيم في ظلك ساكن النفس رخي البال.
فلو أنّي استطعت حفضت طرفي ... فلم أبصر به حتّى أراكا
يقول: لو قدرت بعد رحيلي عنك لغمضت طرفي، فلم أنظر إلى أحد حتى أرجع إليك؛ لشدة شوقي إليك، واهتمامي بسرعة العود، ومثله لآخر:
غمضت عيني لا أرى أحداً ... حتّى أراهم آخر الدّهر
وكيف الصّبر عنك وقد كفاني ... نداك المستفيض وما كفاكا؟
المستفيض: من فاض الماء، إذا سال.
يقول: أصبر عنك وقد أفضت علي من نعمائك حتى كفاني ما أعطيتنيه، وأغناني؟ وأنت بعد لم يكفك البذل والإنعام!
أتتركني وعين الشّمس نعلي ... فتقطع مشيتي فيها الشّراكا؟!
يقول: قد بلغت بقصدي إليك المنزلة الرفيعة، حتى صارت عين الشمس أو نفسها نعلي! فإذا فارقتك زالت عني هذه المنزلة، وانحططت عن الدرجة التي أوصلتني إليها، فكأن مشيتي قطعت شراك نعلي، حتى سقطت عن رجلي، وهذا مثل: يعني: لا أحط نفسي وأنت ترفعني. أي: لا أبعد عنك وأنت تقربين. وقوله: أتتركني كأنه يقول: لا تتركني أضيع الشرف الذي وصلت إليه بقصدك، كأنه يعرض بالرغبة في المقام عنده.
أرى أسفي، وما سرنا، شديداً ... فكيف إذا غدا السّيرا بتراكا؟؟!
ابتراكا: أي شديداً. يقال: ابتركت الناقة في سيرها إذا سارت سيراً شديداً ومثله لسحيم:
أشوقاً ولمّا يمض بي غير ليلةٍ ... فكيف إذا حثّ المطيّ بنا شهرا؟!
إلا أن في قوله: وما سرنا زيادة حسنة. وقد جعل مكان الشوق الأسف لأنه قال: وما سرنا فإذا لم يسر فلا شوق هناك. ومثله قول قيس:
أشوقاً ولمّا يمض بي غير ليلةٍ ... رويد الهوى حتّى تعبّ لياليا
ومثله لبعضهم:
وقد كنت أبكي والنّوى مطمئنة ... بنا وبكم من علم ما البين صانع
وهذا الشّوق قبل البين سيفٌ ... وها أنا ما ضربت وقد أحاكا!
يقال: ضربه فما أحاك فيه السيف. أي: لم يقطع.
يقول: عمل في الشوق وأنا بعد لم أرحل عنه، فكأنه سيف قطع من بدني قبل أن أضرب به. شبه الشوق بالسيف، ونفسه بمن أثر فيه السيف، ثم تعجب بأن أثر فيه السيف قبل الضرب به.
إذا التّوديع أعرض قال قلبي ... عليك الصّمت لا صاحبت فاكا
أعرض: أي قرب وظهر، ونصب الصمت بعليك لأنه إغراء: أي الزم الصمت.
يقول: كلما أردت أن ألفظ بالوداع قال لي قلبي: اسكت لا صحبت فاك: أي أهلكه الله تعالى وفرق بينك وبين فيك قبل أن تنطق بالوداع.
وقيل: المعنى أن القلب قال لي: اسكت بعد رحيلك عنه، ولا تمدح غيره، فلا صاحبت فاك.
ولولا أنّ أكثر ما تمنّى ... معاودةٌ لقلت: ولا مناكا!
أي: ما تتمنى، فحذف تاء المخاطبة. يعني: قال قلبي عندما أردت التوديع: اسكت فلا صحبت فاك إن نطقت بالوداع ومدحت بعده غيره. وقال أيضاً: لولا أنك تتمنى الرجوع إليه، لقلت لا صاحبت مناك أيضاً.
قد استشفيت من داءٍ بداءٍ ... وأقتل ما أعلّك ما شفاكا
أعلك: أي أمرضك.
стр. 468
يقول: قال قلبي تداويت من شوقك إلى أهلك بفراق عضد الدولة، وكل واحد منهما سقم، غير أن أقتل ما أسقمك، ما استشفيت به. يعني: أن فراق أهلك أعلك، وفراق عضد الدولة الذي استشفيت به، فهو أقتل لك وأدحى في الإهلاك. من الذي أعلك.
وقيل: هذا من قول المتنبي إلى قلبه وهو قريب من قول القائل:
المستجير بعمرو عند كربته ... كالمستجير من الرّمضاء بالنّار
فأستر منك نجوانا وأخفى ... هموماً قد أطلت لها العراكا
النجوى: السر. والعراك: الصراع.
يقول لعضد الدولة: أستر منك مناجاتي مع قلبي، وأخفي منك هموماً لا أزال أعاركها.
إذا عاصيتها كانت شداداً ... وإن طاوعتها كانت ركاكا
الركاك: جمع ركيك، وهو الضعيف. والهاء في عاصيتها وطاوعتها للهموم، وأراد بالهموم: ما يهمه من الشوق. أي: إن عاصيت الهموم، واخترتك على أهلي كانت قوية وإن طاوعتها كانت ركيكة؛ لأني أختار لقاء الأهل على جوارك والتشرف بك. وهذا رأي ضعيف.
وكم دون الثّويّة من حزينٍ ... يقول له قدومي ذا بذاكا
الثوية: مكان بالكوفة. وقوله: دون الثوية أي أقرب إلينا من الثوية.
يقول: كم لي بقرب الثوية من حزين على فراقي، إذا قدمت عليه سر بلقائي، فكأن قدومي قال له: هذا السرور الآن، بذلك الحزن الذي كان، ولولا كان ذلك الحزن، لم يكن هذا السرور.
قال ابن جني: ولم يقل بعد قوله يقول: إن شاء الله تعالى.
ومن عذب الرّضاب إذا أنخنا ... يقبّل رجل تروك والوراكا
الرضاب: قطع الريق. وتروك: اسم ناقة وهبها له عضد الدولة والوراك شبه مخدة يتخدها الراكب تحت وركه، يتورك عليها.
يقول: كم دون الثوية من حبيب حلو الريق إذا وصلت إليه يقبل الناقة ومخدتي التي هي على الناقة.
يحرّم أن يمسّ الطّيب بعدي ... وقد علق العبير به وصاكا
صاك به: أي لصق به.
يقول: هذا الحبيب قد حرم على نفسه أن يمس الطيب بعد غيبتي عنه، وهو مع ذلك طيب الجسم، كأن العبير لصق به، وهو من قول امرئ القيس:
وجدت بها طيباً وإن لم تطيّب
والمصراع الأول من قول الآخر:
فيا ليل إن الغسل ما دمت أيّما ... عليّ حرامٌ لا يمسّني الغسل
ويمنع ثغره من كلّ صبٍّ ... ويمنحه البشامة والأراكا
البشام: شجر يتخذ منه المساويك، وكذلك الأراك. والهاء في يمنحه للثغر.
يقول: هذا الحبيب يمنع ثغره من كل من يشتاق إليه، فلا يمكنه من تقبيله ورشفه، ومع ذلك يجود بثغره على مساويك البشام والأراك. يصفه بالعفة.
يحدّث مقلتيه النّوم عنّي ... فليت النّوم حدّث عن نداكا
يقول: إن الحبيب العذب الرضاب، إذا نام رآني في النوم، فليته رأى في النوم ما حبوتني به من المال والإكرام، فيعذرني في فراقي له.
وأنّ البخت لا يعرقن إلاّ ... وقد أنضى العذافرة اللّكاكا
البخت: جمع البختي، ويعرقن: من قولهم أعرق الرجل، إذا أتى العراق. والعذافرة: الناقة الشديدة. وقيل: الشحيمة. واللكاكا: جمع لكيك، وهو الكثير اللحم وروى بضم اللام، فيكون صفة لواحدة وفاعل أنضى ضمير الندى.
يقول: وليت النوم أخبره أن البخت لا تصل إلى العراق، إلا وقد أنضى نداه النياق بثقله وكثرته.
وما أرضى لمقلته بحلمٍ ... إذا انتهبت توهّمه ابتشاكا
الابتشاك: الكذب. وتوهمه: أي تتوهمه المقلة، فحذف تاء التأنيث، والهاء في مقلته لعذب الرضاب، وفي توهمه للحلم.
لما قال: ليت النوم حدث عن نداك رجع وقال: لا أرضى أن يرى في النوم ما أنا عليه من الشرف؛ لأنه إذا انتبه من نومه توهمه كذباً، وعده من أضغاث الأحلام والأماني الباطلة.
ولا إلاّ بأن يصغي وأحكي ... فليتك لا يتيّمه هواكا
أي لا أرضى بأن يرى ذلك في النوم، وإنما أرضى بأن أحكى له وهو يسمع، فليته لا يصير متيما بحبك فينصرف عني ولم يعشقك من وصفي مكارمك وإحسانك.
وكم طرب المسامع ليس يدري ... أيعجب من ثنائي أم علاكا؟!
يقول: كم من سامع يطربه ثنائي عليك، فلا يدري: أمدحي لك أحسن، أم علاك؟ إذ كل واحد منهما يطرب.
وذاك النّشر عرضك كان مسكاً ... وذاك الشّعر فهرى والمداكا
النشر: الرائحة الطيبة، والفهر: الحجر قدر ملء الكف. والمداك: حجر مبسوط يسحق عليه الطيب.
стр. 469
ويجوز أن يريد بالنشر: نشر مكارمه بالشعر.
يقول: الذي أنشره من إحسانك وفضلك، إنما هو فعلك، فهو بمنزلة ريح المسك يفوح، ولكن عرضك كان المسك، وكان شعري الذي يتضمن ثناءك بمنزلة الفهر، والمداك يسيره وينشره، وليس يزيد فيه شيئاً، كما أن الفهر والمداك يشيعان نشر المسك ويظهران جوهره، ولا يزيدان فيه شيئاً، كذلك شعري يشيع معاليك من غير أن يزيد فيها شيئاً.
فلا تحمدهما واحمد هماماً ... إذا لم يسم حامده عناكا
أي: لا تحمد فهري ومداكي على ما يظهران من طيب عرضك. أي: لا تحمدني على شعري وحمدي لك، ولكن احمد هماماً. أي: نفسك التي أسدت الثناء وقوله: إذا لم يسم حامده عناكا أي: إذا قلت مدحاً ولم أسم فيه أحداً، فإنما عنيتك به وهذا مثل قول أبي نواس:
إذا نحن أثنينا عليك بصالح ... فأنت كما نثني وفوق الّذي نثني
وإن جرت الألفاظ يوماً بمدحه ... لغيرك إنساناً فأنت الّذي نعني
أغرّ له شمائل من أبيه ... غداً يلقي بنوك بها أباكا
أغر: صفة للهمام، والشمائل: الأخلاق. والهاء في بها للشمائل.
يقول: أحمد هماماً أغر، فيه شمائل من أبيه: أي مشابهة وأخلاق. وقوله: غداً يلقي بنوك بها أباكا أي بتلك الشمائل. يعني: أنهم إذا كبروا أشبهوا شمائل أبيك كما أشبهته أنت. أي كلكم يشبه فعله فعل أبيه، وينزع إلى كرم أصله.
وفي الأحباب مختصٌّ بوجدٍ ... وآخر يدّعي معه اشتراكا
يعني: في الناس من هو محب على الحقيقة، مختص بالوجد على فراق أحبته، وفيهم من يدعي الاشتراك معه في الوجد وهو كاذب في دعواه.
وقيل: أراد بالمختص نفسه لأجل فراقه، ومن تداني مختص بود ذلك الوجد، وذلك الوجد لفراقك، وليس عند غيري شعري، إلا مجرد الدعوى.
وقيل: أراد بالمختص بالوجد نفسه لأجل فراقه، ومن يدعي الاشتراك: زوجته، تدعى مشاركة والدته في الحزن لأجله.
إذا اشتبهت دموعٌ في خدودٍ ... تبيّن من بكى ممّن تباكا
يعني: أن الذي يبكي بوجد وحرقة قلب، يظهر ممن يتكلف البكاء رياءً، وإن اشتبهت دموعهما في جريانها على الخدود.
أذمّت مكرمات أبي شجاعٍ ... لعيني من نواي على أولاكا
أي: مكرمات أبي شجاع قد دخلت عيني في ذمتها ومنعتها من أن تكون من أولئك. أي: ممن يخادع ويظهر من الود خلاف ما يبطن.
يعني: مكارمك وإحسانك منعتني من دعوى المحبة بحضرتك وإظهار خلافها في غيبتك، فإن الإنسان مطبوع على حب من أحسن إليه، فإذا أبعدت أضمرت من مودتك مثل ما أظهر الآن بحضرتك.
فزل يا بعد عن أيدي ركابٍ ... لها وقع الأسنّة في حشاكا
يخاطب البعد يقول: يا بعد زل عن أيدي إبلي، فإنها تنفذ فيك وتفعل في حشاك فعل الأسنة. يشير إلى سرعة سيره وعوده.
وقيل: أراد بذلك أنها تطوي البعد وتنفذه، فكأنها أثرت فيه هذا التأثير.
وأيّا شئت يا طرقي فكوني ... أذاةً أو نجاةً أو هلاكا
يعني: إذا سرت وعضد الدولة راض عني، فلا أبالي أي شيء كان في طريقي: هلاكاً أو نجاة، فإن سعادة جده تدفع ما أحذره.
فلو سرنا وفي تشرين خمسٌ ... رأوني قبل أن يروا السّماكا
السماك: كوكب يطلع على أهل الكوفة لخمس خلون من تشرين الأول.
يقول: لو سرت إلى أهلي من شيراز في اليوم الذي يطلع في عشيته عليهم السماك، لوصلت إليهم قبل طلوع السماك. أي: كانت سعادته وإقباله يطويان لي البعد ويسهلان علي الطريق.
وقيل: لم يكن بين قول هذا وبين تشرين الأول دون عشرة أيام، وكان بشيراز، وبين شيراز وبغداد مئتا فرسخ.
يشرّد يمن فنّاخسر عنّي ... قنا الأعداء والطّعن الدّراكا
يشرد: يطرد ويبعد. والطعن الدراك: المتتابع.
يقول: إن يمن عضد الدولة إذا سرت وهو عني راض يبعد كل مكروه وينفي كل محذور. غير أنه لم ينفعه يمن فناخسر.
وألبس من رضاه في طريقي ... سلاحاً يذعر الأبطال شاكا
يقال: رجل شاكي السلاح، وأصله شائك، فحذف عين الفعل منه فصار شاكا. وقيل: شاكي السلاح وهذا مقلوب من شائك، وشاكا صفة للسلاح.
يقول: إذا سرت وهو عني راض قام رضاه لي مقام السلاح التام في دفع الأعداء وتخويف الأبطال. وهذا مثل قوله:
ومن يصحب اسم ابن العميد محمّدٍ ... يسر بين أنياب الأساود والأسد
стр. 470
ومن أعتاض منك إذا افترقنا ... وكلّ النّاس زورٌ ما خلاكا
يقول: إذا فارقتك لم أجد منك عوضاً يقوم مقامك، فجميع الناس غيرك قول بلا فعل، ووعد بلا إنجاز، ودعوى بلا معنى. ومثله قول عمران بن حطان، في مرثية مرداس:
أنكرت بعدك من قد كنت أعرفه ... ما النّاس بعدك يا مرداس بالنّاس
وما أنا غير سهمٍ في هواءٍ ... يعود ولم يجد فيه امتساكا
يقول: إني وإن رحلت عنك، فإني لا ألبث حتى أعود راجعاً إليك كالسهم إذا رمي في الهواء لا يقف، بل ينعكس فيعود منخفضاً وهذا معنى حسن في سرعة السير والعود، والأصل فيه قول الآخر:
رماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريئاً ومن قعر الطّوىّ رماني
حييّاً من إلهي أن يراني ... وقد فارقت دارك واصطفاكا
حيياً نصب على الحال. أي: أرجع وأنا أستحي من إلهي أن يراني فارقت دارك، وأنت صفوته. أي: إذا كان الله تعالى قد اصطفاك من بين خلقه استحييت منه أن أفارقك وأوثر عليك غيرك، وهو قد اختارك واصطفاك. أي: وهو فعل ماض.
وروى ابن جني ﵀ اصطفاكا بكسر الطاء وهو مصدر اصطفى وأصله المد، غير أنه قصر ضرورة. والأول أولى وأحسن في المعنى. ويجوز حيي بالرفع. أي أنا حيي من الله تعالى أن أفارقك، وقد اصطفاك ووكل إليك أمر العباد وأحوال البلاد.
هذا آخر ما سار من شعر أبي الطيب المتنبي رحمه الله تعالى.
وخرج من عند عضد الدولة، حتى إذا قرب من بغداد وخرج من دير العاقول خرج عليه فرسان ورجال من أسد وشيبان فقتل بين الصافية ودير العاقول وذلك يوم الاثنين لست ليال بقين من شهر رمضان سنة أربع وخمسين وثلاث مئة وقتل معه عبده وقتل ابنه بعده.
زيادات من شعر المتنبي
نعني بالزيادات الأبيات والقطع التي لم تثبت في النسخ التي بين أيدينا لهذا الشرح ولكن اطمأنت نفوسنا من نسبتها إلى المتنبي.
ومما لا ريب فيه أن المتنبي أسقط من ديوانه بعض القطع التي قالها في صباه أو ارتجلها ولم يجدها، أو استحى مما فيها، كما أسقط أبياتاً من قصائده حين إعادة النظر في ديوانه، وكذلك سها النساخ عن قطعة أو بيت، فمن أجل هذا وقع الخلاف بين النسخ في أبيات قليلة، ولسبب من ذلك يجد الباحث في بعض القطع حذفاً وإثباتاً وتقديماً وتأخيراً، أشرنا إليه في دراستنا ونبهنا عليه في موضعه من النص.
وفي النسخة التي اعتمد عليها شارحنا، قطع وأبيات مثبتة في متن الديوان ومشروحة. اعتبرها غيره من الشراح من زيادات الديوان، وذلك مثل قول أبي الطيب:
فديت بماذا يسرّ الرسول ... وأنت الصحيح بذا لا العليل
عواقب هذا تسوء العدو ... وتثبت فيك وهذا يزول
فقد ذكر البيتان في زيادات الديوان الذي حققه الدكتور عبد الوهاب عزام ولم يذكرا في التبيان، وإن ذكرهما الواحدي في صلب الديوان واتفق مع شارحنا في ذلك.
وليرجع الباحث إلى القطعتين رقمي ٢٤١ و٢٤٢ المثبتين في آخر السيفيات، ولينظر هوامشهما ليقف على مدى الخلاف في إثباتهما عند سائر الشراح.
ولقد أحببت أن أتتبع زيادات شعر المتنبي فأثبتها لحقاً لهذا الشرح، ولكن رأيت أن جمع الزيادات كلها يطول، ويدخلنا في نقد طويل، نزيف به بعض القصائد والقطع التي نسبت إلى الشاعر. وقد سبقنا العالم الثبت عبد العزيز الميمني الراجكوتي ونشرها في كتاب على حدة زيادات ديوان شعر المتنبي فكفانا مئونة هذا الجهد وسأكتقي بالزيادات التالية التي اطمأنت نفسي إليها مع ذكر مصادرها: أول شعر نظمه وهو صبي يتغزل:
بأبي من وددته فافترقنا ... وقضى الله بعد ذاك اجتماعا
فاقترفنا جولاً فلمّا التقينا ... كان تسليمه عليّ وداعا
وقال يمدح محمد بن عبيد الله العلوي الكوفي:
يا ديار العباهر الأتراب ... أين أهل الخيام والأطناب؟
قذفت بالبدور عنك ظهور ... البدن قذف القسيّ بالنّشاب
غادة تجعل الخليّ شجيّا ... وتصيب المحبّ بالأوصاب
صدّها، يذهل العقول، بالوص ... ل تردّ العقول بعد ذهاب
يا شبابي ترفّقن بشبابي ... نمت عن ليتي وبتّ لما بي
تالفاً بين ميتة وحياةٍ ... واقفاً بين رحمةً وعذاب
خذ إلهي من الملاح لجسمٍ ... حلن ما بينه وبين الثّياب
стр. 471
سوءةٌ للّتي شكوت فقالت: ... سوءةٌ للممخرق الكذّاب
أعتبت بالصدود بعد عتاب ... ورمت بالنّقاب بالعنّاب
بعناب تسودّت من حشائي ... بسواد ومن دمي بخضاب
وتمشّت من الفؤاد بنعلٍ ... حرّ وجهي له مكان التّراب
آه لم يدر ما العذاب فؤاد ... لم يذق طعم فرقة الأحباب
ابعدي فالسّلوّ أجمل عندي ... من حضور البكا على الغيّاب
ووقار الفتى بغير مشيب ... كصبوّ امرئ بغير شباب
سقّني ريقها وسقّ نديمي ... من سلاف ممزوجة برضاب
واسق أطلالها وإن هجرتنا ... يا إله السماء، نوء السحاب
مضلخمّ الرّوقين مثعنجر الود ... ق مسفّ الجهام، داني الرّباب
مسبلا مثل راحة ابن عبيد الله ... معطى الورى بغير حساب
يستقلّ الكثير معتذراً من أخ ... ذه طالباً إلى الطّلاّب
فنفوس الأموال غير رواض ... عنه، والسائلون غير عضاب
إنّ جود الوسمىّ بل زبد البح ... ر ترامى عبابه بحباب
دون جدوى أبي الحسين إذا ما اش ... تغل الشّعر بالعطايا الرّغاب
وقال يمدح ابن كيغلغ وهو في حبسه:
شغلي عن الرّبع أن أسائله ... وأن أطيل البكاء في خلقه
بالسّجن والقيد والحديد وما ... ينقض عند القيام من حلقه
في كل لصٍّ إذا خلوت به ... حدّث عن جحده وعن سرقه
لو خلقت رجله كهامته ... إذاً لباري البزاة في طلقه
بدّلت جيرانه وبليته ... في خطّ كفّ الأمير من ورقه
يا أيها السيد الهمام أبا العبّا ... س والمستعاذ من حنقه
أعنى الأمير الذي لهيبته ... يخفق قلب الرّضيع في خرقه
المظهر العدل في رعيّته ... والمعتدي حلمه على نزقه
لما تأمّلته رأيت له ... مجداً تضلّ الصّفات في طرقه
نظرت من طبعه إلى ملكٍ ... يغضى حماة الشام من خلقه
لو ما ترى سفكه بقدرته ... كان دم العالمين في عنقه
يا من إذا استنكر الإمام به ... مات جميع الأنام من فرقه
في كلّ يوم يسري إلى عملٍ ... في عسكر لا يرى سوى حدقه
تشتعل الأرض من بوارقه ... ناراً وتنبو السيوف عن درقه
قد أثّر القيظ في محاسنه ... وفاح ريح العبير من عرقه
كأنّ الشمس؛ لم تزر بلداً ... في الأرض إلاّ طلعت في أفقه
الله يا ذا الأمير في رجلٍ ... لم تبق من جسمه سوى رمقه
كم ضوء صبح رجاك في غده ... وجنح ليل دعاك في غسقه
ناداك من لجّة لتنقذه ... من بعد ما لا يشكّ في غرقه
وقال يمدح أحمد بن الحسن:
أتظعن يا قلب مع من ظعن ... حبيبين أندب نفسي إذن
ولم لا أصاب وحرب البسو ... س بين جفوني وبين الوسن
وهل أنا بعدكم عائشٌ ... وقد بنت عنّي وبان السّكن؟!
فدى ذلك الوجه بدر الدّجى ... وذاك التّثنّي تثنّى الغصن
فما للفراق وما للجميع؟ ... وما للرّياح وما للدّمن؟
كأن لم يكن بعد أن كان لي ... كما كان لي بعد أن لم يكن
ولم يسقني الرّاح ممزوجةً ... بماء اللّثى لا بماء المزن
لها لون خدّيه في كفّه ... وريحك يا أحمد بن الحسن
ألم يلفك الشّرف اليعربيّ ... وأنت غريبة أهل الزّمن
كأنّ المحاسن غارت عليك ... فسلّت لديك سيوف الفتن
لذكرك أطيب من نشرها ... ومدحك أحلى سماع الأذن
فلم يرك النّاس إلا غنوا ... برؤياك عن قول: هذا ابن من؟
ولو قصد الطّفل من طيّئ ... لشارك قاصده في اللّبن
فما البحر في البرّ إلا نداك ... وما النّاس في الباس إلا اليمن
وقال يعاتب:
إنّي لغير صنيعة لشكور ... كلا وإنّ سواءك المغرور
مالي أراني منك تحت سحابةٍ ... ظمآن أستسقي وأنت مطير
أنت الأمير، وغيرك المأمور ... وعظيم شغلٍ في جداك يسير
وقال يمدح أبا دلف:
ليس العليل الّذي حمّاه في الجسد ... بل العليل الّذي حمّاه في الكمد
أقسمت ما قبّل الحمّى سوى ملكٍ ... قبل الأمير، ولا اشتاقت إلى أحد
فلا تلمها رأت شيئاً فأعجبها ... فعاودتك ولو ملّتك لم تعد
стр. 472
أليس من محن الدّنيا أبا دلفٍ ... ألا نزورك والرّوحان في بلد؟
وقال معاتبا:
أتاني عنك قولٌ فازدهاني ... ومثلك يتّقي أبداً ويرجى
ولولا ظنّةٌ خلعت فؤادي ... وجدت إليك طرقاً منك نهجا
فلمّا جئت أشرق منك بدرٌ ... وكان لتمّه الإسعاد برجا
وكتب إليه الضرير الضبي:
قد صحّ شعرك والنّبوّة لم تصح ... والقول بالصدق المبيّن يتّضح
فالزم مقال الشّعر تحظ برتبةٍ ... وعن النّبوّة لا أباً لك فانتزح
تربح دماً قد كنت توجب سفكه ... إنّ التمتّع بالحياة لمن ربح
فأجابه المتنبي:
نار الذراية من لساني تقتدح ... يغدو عليّ من النّهي ما لم يرح
بحرٌ لو اغترفت لطائم موجه ... بالأرض والسّبع الطّباق لما نزح
أمري إليّ، فإن سمحت بمهجةٍ ... كرمت عليّ، فإنّ مثلي من سمح
وقال أيضاً يفتخر بنفسه:
لي منصب العرب البيض المصاليت ... ومنطقٌ صيغ من درٍّ وياقوت
وهمّةٌ هي دون العرش منكبها ... وصار ما تحتها في لجّة الحوت
وقال يهجو حيدرة قاضي طرابلس:
هيناً فقدت من الرّجال بليدا ... من كان عند وجوده مفقودا
غلب التّبسّم يوم مات تفجّعي ... وغدا به رأي الحمام سديدا
يا صاحب الجدث الّذي شمل البري ... ية جوده لو كان لؤمك جودا
قد كنت أنتن منه يوم دخوله ... ريحاً وأكثر في الحياة صديدا
وأذلّ جمجمةً وأعيا منطقاً ... وأقلّ معروفاً وأذوى عودا
أسلمت لحيتك الطويلة للبلى ... وثويت لا أجراً ولا محمودا
وروى الأطبّة أنّ ما بك قاتل ... حمق شفاؤك كان منه بعيدا
وفساد عقلك نال جسمك معدياً ... وليفسدن ضريحه والدّودا
قسمت ستاه بنيه ميراث استه ... من بعده فغدت بغايا سودا
لو وصّلوا ما استدخلوا من فيشة ... في طولهم وصلوا السماء قعودا
أولاد حيدرة الأصاغر أنفساً ... ومناظراً ومخابراً وجدودا
سودٌ ولو بهر النّجوم بياضهم ... قلّ ولو كثروا التّراب عديدا
بليت بما يجدون كلّ بخيلةٍ ... حسناء كيلا تستطيع صدودا
شيءٌ كلا شيءٍ لو أنّك منهم ... في عسكر مجرٍ لكنت وحيدا
أسرف فإنّك صادقٌ في شتمهم ... في كلّ شيءٍ ما خلا التّحديدا
وقال أيضا يهجو آل حيدرة:
يا آل حيدرة المعفّر خدّهم ... عبد المسيح على اسم عبد مناف
تربا الكلاب بأن يكون أباً لها ... ويرين عاراً شدّة الإقراف
لا تجمعوا لغة النّبيط وتيهكم ... وأصولكم وأسامي الأشراف
وكتب إليه الضبي الشاعر الضرير وهو في الحبس:
أطللت يا أيّها الشّقيّ دمك ... لا رحم الله روح من رحمك
أقسمت لو أقسم الأمير على ... قتلك قبل العشاء ما ظلمك
فأجابه المتنبي:
إيهاً أتاك الحمام فاخترمك ... غير سفيهٍ عليك من شتمك
همّك في أمردٍ تقلّب في ... عين دواةٍ لصلبه قلمك
وهمّتي في انتضاء ذي شطبٍ ... أقدّ يوماً بحدّه أدمك
فاخسأ كليباً واقعد على ذنبٍ ... واطل بما بين إليتيك فمك
ومن شعر المتنبي مما ليس في ديوانه بل رواه الشيخ تاج الدين الكندي بسند صحيح متصل به بيتان وهما.
أبعين مفتقر إليك نظرتني ... فأهنتني وقذفتني من حالق
لست الملوم أنا الملوم؛ لأنّني ... أنزلت آمالي بغير الخالق
وله في سيف الدولة، وكان قد أمر بخيمة فصنعت له، فلما فرغ منها نصبها لينظر إليها، وكان على الرحيل إلى العدو، فهبت ريح شديدة فسقطت، فتشاءم بذلك ودخل الدار واحتجب عن الناس، فدخل عليه المتنبي بعد ثلاثة أيام، فأنشده حيث قال:
يا سيف دولة دين الله دم أبدا ... وعش برغم الأعادي عيشةً وغدا
هل أذهل الناس إلا خيمةٌ سقطت ... من المكارم حتى ألقت العمدا
خرّت لوجهك نحو الأرض ساجدةً ... كما يخرّ لوجه الله من سجدا
وقيل للمتنبي: مالك لم تمدح أمير المؤمنين علي بن أبي طالبي ﵁ فقال:
وتركت مدحي للوصيّ تعمّداً ... إذ كان نوراً مستطيلاً شاملا
وإذا استقلّ الشّيء قام بذاته ... وكذا ضياء الشّمس يذهب باطلا
стр. 473
وللمتنبي وليس في ديوانه أيضا: يتغزل:
وحبيب أخفوه منّي نهاراً ... فتخفّي وزارني في اكتئام
زارني في الظّلام يطلب ستراً ... فافتضحنا بنوره في الظّلام
قال عبد الله بن المحسن بن علي بن كوجك: قرأت قصيدة لأبي الطيب يرثي بها أبا بكر بن طغج الإخشيدي ويعزي ابنه أنوجور بمصر وليست في ديوانه أولها:
هو الزّمان مننت بالذي جمعا ... في كلّ يومٍ ترى من صرفه بدعا
إن شئت مت أسفاً أو فابق مضطربا ... قد حلّ ما كنت تخشاه وقد وقعا
لو كان ممتنعٌ تغنيه منعته ... لم يصنع الدّهر بالإخشيد ما صنعا
قال وهي طويلة لم يحضرني منها إلا هذه الأبيات وجاء في بدائع الزهور لابن إياس: وقد رثاه أي رثا محمد بن طفج أبو الطيب المتنبي بهذه الأبيات: وذكر الأبيات الثلاثة السابقة ثم زاد الأبيات التالية:
ذاق الحمام فلم تدفع عساكره ... عنه القضاء، ولا أغناه ما جمعا
لو يعلم اللّحد ما قد ضمّ من كرمٍ ... ومن فخارٍ ومن نعماء لا تسعا
بالحد طل إنّ فيك البحر محتساً ... والليث مهتصراً والجرد مجتمعا
يا يومه لم تخصّ الفجع فيه لقد ... كلّ الودى؛ برزءٍ الإخشيد قد فجعا
ولما خلص إلى العراق هجا كافور بقصائد كثيرة، وكان هجاه من قبل أيضا تلويحاً وتصريحاً منها ما هو مثبت في ديوانه ومنها ما لم يثبت فمن ذلك هذه القصيدة وهي توجد في بعض النسخ دون بعض:
قطعت بسيري كلّ يهماء مفزع ... وجبت بخيلي كلّ صرماء بلقع
وثلّمت سيفي في رءوسٍ وأذرعٍ ... وحطّمت رمحي في نحور وأضلع
وصيّرت رأيي بعد عزمي رائدي ... وخلّفت آراءً توالت بمسمعي
ولم أترك أمراً أخاف اغتياله ... ولا طمعت نفسي إلى غير مطمع
وفارقت مصراً والأسيود عينه ... حذار مسيري تستهلّ بأدمع
ألم تفهم الخنثى مقالي وأنّني ... أفارق من أقلى بقلبٍ مشيّع
ولا أرعوي إلاّ إلى من يودّني ... ولا يطّبيني منزلٌ غير ممرع
أبا النّتن كم قيّدتني بمواعدٍ ... مخافة نظمٍ للفؤاد مروّع
وقدّرت من فرط الجهالة أنّني ... أقيم على كذبٍ رصيفٍ مضيّع
أقيم على عبدٍ خصيٍّ منافق ... لئيم رديء الفعل للجود مدّعي
وأترك سيف الدّولة الملك الرّضي ... كريم المحيّا أروعاً وابن أروع
فتىً بحره عذبٌ، ومقصده غنىً ... ومرتع مرعى جوده خير مرتع
تظلّ إذا ما جئته الدّهر آمناً ... بخير مكانٍ بل بأشرف موضع
وقال يهجو كافوراً:
أفيقا خمار الهمّ نغّصني الخمرا ... وسكري من الأيّام جنّبني السّكرا
تسرّ خليليّ المدامة والّذي ... بقلبي يأبى أن أسرّ كما سرّا
لبست صروف الدّهر أخشن ملبسٍ ... فعرّقنني ناباً ومزّقنني ظفرا
وفي كلّ لحظٍ لي ومسمع نغمةٍ ... يلاحظني شزراً ويوسعني هجرا
سدكت بصرف الدّهر طفلاً ويافعاً ... فأفنيته عزماً ولم يفنني صبرا
أريد من الأيام ما لا يريده ... سواي ولا يجري بخاطره فكرا
وأسألها ما أستحقّ قضاءه ... وما أنا ممّن رام حاجته قسرا
ولي كبدٌ من رأي همّتها النّوى ... فتركبني من عزمها المركب الوعرا
تروق بني الدّنيا عجائبها ولي ... فؤادٌ ببيض الهند لا بيضها مغري
أخو هممٍ رحّالةٍ لا تزال بي ... نوىً تقطع البيداء أو أقطع العمرا
ومن كان عزمي بين جنبيه حثّه ... وخيّل طول الأرض في عينه شبرا
صحبت ملوك الأرض مغتبطاً بهم ... وفارقتهم ملآن من شنفٍ صدرا
ولمّا رأيت العبد للحرّ مالكاً ... أبيت إباء الحرّ مسترزقاً حرّا
ومصر لعمري أهل كلّ عجيبةٍ ... ولا مثل ذا المخصيّ أعجوبةً نكرا
يعدّ إذا عدّ العجائب أوّلاً ... كما يبتدي في العدّ بالإصبع الصّغرى
ومنها يذكر أم كافور:
فيا هرمل الدّنيا ويا عبرة الورى ... ويا أيّها المخصيّ من أمّك البظرا
نوبيّةٌ لم تدر أنّ بنيّها النّوي ... بيّ بعد الله يعبد في مصرا
ويستخدم البيض الكواعب كالدّمى ... وروم العبدّي والغطارفة الغرّا
стр. 474
قضاءٌ من الله العليّ أراده ... ألا ربّما كانت إرادته شرّا
ولله آياتٌ وليست كهذه ... أظنّك يا كافور آيته الكبرى
لعمري ما دهرٌ به أنت طيّبٌ ... أيحسبني ذا الدّهر أحسبه دهرا
وأكفر يا كافور حين تلوح لي ... ففارقت مذ فارقتك الشّرك والكفرا
عثرت بسيري نحو مصر فلالعاً ... بها ولعاً بالسّير عنها ولا عثرا
وفارقت خير النّاس قاصد شرّهم ... وأكرمهم ظرّاً لأنذلهم طرّا
فعاقبني المخصيّ بالغدر جازياً ... لأنّ رحيلي كان عن حلبٍ غدرا
وما كنت إلا فائل الرّأي لم أعن ... بحزم ولا استصحبت في وجهتي حجرا
وقد أرى الخنزير أنّي مدحته ... ولو علموا قد كان يهجي بما يطرا
جسرت على دهياء مصر ففتّها ... ولم يكن الدّهياء إلا من استجرا
سأجلبها أشباه ما حملته من ... أسنّتها جرداً مقسطلةً غبرا
وأطلع بيضاً كالشّموس مطلّةً ... إذا طلعت بيضاً وإن غربت حمرا
فإن بلغت نفسي المنا فبعزمها ... وإلا فقد أبلغت في حرصها عذرا
وقال وقد كثرت الأمطار بآمد:
أآمد هل ألمّ بك النّهار ... قديماً أو أثير بك الغبار
إذا ما الأرض كانت فيك ماءً ... فأين بها لغرقاك القرار
تغضّبت الشّموس بها علينا ... وماجت فوق أرؤسنا البحار
حنين البخت ودّعها حجيجٌ ... كأن خيامنا لهم جمار
فلا حيّا الإله ديار بكرٍ ... ولا روّت مزارعها القطار
بلادٌ لا سمينٌ من رعاها ... ولا حسنٌ بأهليها اليسار
إذا لبس الدّروع ليوم بؤس ... فأحسن ما لبست بها الفرار
قال ابن عساكر: وقرأت في بعض الكتب أنه لما خرج المتنبي بأرض سلمية من عمل حمص في بني عدي الكلبيين، قبض عليها بن علي الهاشمي في ضيعة له يقال لها كوتكين وأمر النجار فجعل في رجله قرمة، وفي عنقه، من خشب الصفصاف.
زعم المقيم بكوتكين بأنّه ... من آل هاشم بن عبد مناف
فأجبته: مذ صرت من أبنائهم ... صارت قيودهم من الصّفصاف
ولما أن صار معتقلاً في الحبس كتب إلى الوالي:
بيديّ أيّها الأمير الأريب ... لا لشيءٍ إلاّ لأنّي غريب
أو لأمٍّ لها إذا ذكرتني ... دم قلبٍ بدمع عين سكوب
إن أكن قبل أن رأيتك أخطأ ... ت فإنّي على يديك أتوب
عائبٌ عابني لديك ومنه ... خلقت في ذوي العيوب العيوب
وحكى الصفدي في شرح لامية العجم أن ابن المستكفي اجتمع بالمتنبي في مصر وروى عنه قوله يتغزل:
لا عبت بالخاتم إنسانةً ... كمثل بدر في الدّجى النّاجم
وكلّما حاولت أخذي له ... من البنان المترف النّاعم
ألقته في فيها فقلت انظروا ... قد أخفت الخاتم في الخاتم
وقال أبو بكر الشيباني: حضرت عند أبي الطيب وقد أنشده بعض الحاضرين:
فلو أنّ ذا شوقٍ يطير صبابةً ... إلى حيث يهواه لكنت أنا ذاكا
وسأله إجازته فقال:
من الشّوق والوجد المبّرح أنّني ... يمثّل لي من بعد لقياك لقياكا
سأسلو لذيذ العيش بعدك دائماً ... وأنسى حياة النّفس من قبل أنساكا
وله في عبد العزيز الخزاعي قبل رحيله من مصر:
لئن مرّ بالفسطاط عيشي فقد حلا ... بعبد العزيز الماجد الطّرفين
فتىً زان قيساً بل معدّاً فعاله ... وما كلّ سادات الشّعوب بزين
تناول ودّي من بعيدٍ فناله ... جرى سابقا في المجد ليس برين
وقال بهجو الضبي الشاعر:
أيّ شعري نظرت فيه لضبٍّ ... أوحدٍ ماله على الدّهر عون
كلّ بيتٍ يجيء يبرز فيه ... لك من جوهر الفصاحة لون
يالك الويل ليس يعجز موسى ... رجلٌ حشو جلده فرعون
أنا في عينك الظّلام كما أنّ ... بياض النّهار عندك جون
وله في بستان المنية بمصر قبل رحيله وقد وقعت حيطانه من السيل:
ذي الأرض عمّا أتاها الأمس غانيةً ... وغيرها كان محتاجاً إلى المطر
شقّ النّبات عن البستان ريّقه ... محيّياً جاره الميدان بالشّبحر
كأنّما مطرت فيه صوالجةٌ ... تطرّح السّدر فيه موضع الأكر
وله في معاذ الصيداني:
معاذٌ ملاذٌ لزوّاده ... ولا جار أكرم من جاره
стр. 475
كأنّ الحطيم على بابه ... وزمزم والبيت في داره
وكم من حريق أتى مرّةً ... فلم يعمل الماء في ناره
وله فيه يعاتبه:
أفاعل بي فعال الموكس الزّاري ... ونحن نسأل فيما كان من عار
قل لي بحرمة من ضيّعت حرمته ... أكان قدرك ذا أم كان مقداري؟!
لا عشت إن رضيت نفسي ولا ركبت ... رجلٌ سعيت بها في مثل دينار
وليّك الله لم صيّرتني مثلاً ... كالمستجير من الرّمضاء بالنّار
وكتب إلى علي بن أحمد الماذرائي في حاجة كانت له بالرملة قال:
إنّي سألتك بالّذي ... زان الإمامة بالوصيّ
وأبان في يوم الغدي ... ر لكلّ جبّار عويّ
فضل الإمام عليهمو ... بولاية الرّب العليّ
إلا قصدت لحاجتي ... وأعنت عبدك يا عليّ
وكان من نباهته أن تطلع الشعراء إلى شعره منذ صباه. وقد ادعى بعضهم قصيدته:
جللا كما بي فليك التبريح ... أغذاء ذا الرشأ الأغن الشيح؟
فأخذ أبو الطيب الدواة وكتب لوقته قطعة لم يجز أن تروى عنه وأولها:
لم لا يغاث الشّعر وهو يصيح ... ويرى منار الحقّ وهو يلوح
يا عصبةً مخلوقةً من ظلمةٍ ... ضمّوا جوانبكم فإنّي يوح
قال ابن العديم: ونقلت من هذا المجموع مجموع صالح بن إبراهيم بن رشدين بخطه. ذكر لي أبو العباس بن الحوت الوراق ﵀ أن أبا الطيب المتنبي أنشده لنفسه هذين البيتين:
تضاحك منّا دهرنا لعتابنا ... وعلّمنا التّمويه لو نتعلّم
شريفٌ زغاويٌّ، وزانٍ مذكّرٌ ... وأعمش كحّال، وأعمى منجّم
وقد وجد له مرويات أخر منها ما لا يستحسن إثباته هنا. ومنها ما ليس في ذكره إجداء. على أن الكثير من ذلك ليس من جيد شعره. ولمن طلب المزيد أن يرجع إلى كتاب الأستاذ عبد العزيز الميمني الراجكوتي.
لأن الحي مولع بآثار من ذهب حريص على التنقيب عنها وتخليدها على تراخي الزمن.
اللهم إن أخطأت فالخير أردت، وإن أصبت فلك الحمد.