بالقرابين، ويكثر عددهم بنوع خاص في الأعياد العظيمة، حيث يصطفون بالترتيب حول مذبح المحرقة ويردون الترنمات والمزامير الخاصة بذلك١.
وبالتأمل في أعياد اليهود نجدها أعياداً متنوعة منها ما يتصل بالأحداث التاريخية: كعيد المظال وعيد الحنكة وعيد الفوريم وعيد الفطير.
ومنها: ما يتصل بمواسم الزراعة والحصاد كعيد الأسابيع وعيد سنة العطلة وعيد اليوبيل.
ومنها: ما يتصل بالهلال أو التوبة والتكفير عن الذنوب: كعيد رأس السنة ويوم الكفارة وعيد صوماريا.
ويتضح من عاداتهم فيها أنها ضعيفة الصلة بشريعة موسى ﵇، حيث كانت بعيدة عن إخلاص العبادة لله تعالى لعدم التزامهم بالأوامر والنواهي التي جاءت في هذه الأعياد، وما حكاه الله في يوم السبت عنهم دليل على ذلك.
كما أنه قوامها اللهو والفرح والشرب فضلاً عن الأساليب الوحشية التي يستخدمونها في بعض الأعياد، والتي بلغت الذروة في الإجرام وهتك الحقوق الإنسانية ولا سيما في عيد الفصح الذي أصبح شعار الاحتفال به تناول الفطير الممزوج بالدماء البشرية، ولا تتم الفرحة إلا بذلك. فأي إله هذا الذي يرضى بإراقة الدماء البريئة قربة له في أيام الأعياد وأوقات الشكر، إن هذا لا يتصور
١ تاريخ الإسرائيليين لشاهين بك مكاريوس (١٢٣-١٢٥) .
стр. 37
الفصل الثاني: أعياد النصارى وعاداتهم فيها
وكما تميزت اليهودية بأعيادها كذلك نجد أن للنصرانية ما يميزها من الاحتفالات والأفراح.
وأعياد النصارى كثيرة جداً، وهي تربو على (١٤٠) عيداً١. ولست في مجال حصرها وعدها، وإنما سأقتصر على المشهور منها، وهي أربعة عشر عيداً سبعة كبار وأخرى صغار بالإضافة إلى عيد الأسبوع عندهم، وهي على النحو التالي:
عيد الأسبوع:
يوم الأحد: وهو من أعظم الأعياد عندهم ولم أجد في الكتاب المقدس أو العهد الجديد ما يشير إلى تعظيمه، وإنما كانت الإشارة والنص إلى تعظيم يوم السبت فقط، كما ورد ذلك في الوصايا العشر٢.
ولكن الكنيسة صرفت النصوص الواردة في السبت إلى يوم الأحد؛ وذلك بحجة أن لشريعة السبت ناحيتين: طبيعية وطقسية.
стр. 38
وفي ذلك يقول الأنبا يوحنا نوير: "والكنيسة لم تنقض الناموس، حينما أبدلت السبت بالأحد؛ لأن لشريعة السبت ناحيتين واحدة طبيعية والأخرى طقسية.
وقد حافظت الكنيسة على الناحية الطبيعية، أما الطقسية فكان من حقها أن تلغيها كما ألغت شرائع طقسية أخرى منها الختان والحمل الفصحى"١.
وقال: "إننا نؤمن بالتقليد كمصدر للوحي، فهناك أشياء صنعها الرسل ولم تكتب في الكتب، وضمن هذه الأشياء إبدال السبت بالأحد"٢.
وقد جاء النص على تقديسه في وثائق المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني بقرار رقم (١٠٦) ، حيث جاء فيها "ومن ثم كان يوم الرب في المرتبة الأولى من أيام الأعياد، واليوم الذي يجب أن يدعى المؤمنون إلى إحيائه وإرساخه في تقواهم، بحيث يصبح أيضاً يوم بهجة وانقطاع عن العمل، أما الاحتفالات الأخرى فلا يجوز أن تتقدم عليه إلا إذا كانت فائقة الأهمية؛ وذلك لأن يوم الأحد هو أساس السنة الطقسية كلها ونواتها٣.
قلت: وفي تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ ٤.
стр. 39
ما يشير إلى أن النصارى كانوا يحتفلون بيوم الأحد، حيث قيل إن المائدة نزلت عليهم يوم الأحد غدوة وعشية؛ فلذلك اتخذوه عيداً١.
وكما جاء في الحديث الصحيح أيضاً عن حذيفة قال: قال ﷺ : "أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد" ٢.
فدل على أن النصارى يعظمون يوم الأحد، وهو بمنزلة الجمعة عند المسلمين، والسبت عند اليهود.
ومن عاداتهم فيه أن يجتمع في مكان واحد سكانٌ القرى والمدن وتقرأ شروحات الرسل وكتب الأنبياء بقدر ما يسمح به الوقت٣.
أما الأعياد الكبار فهي على النحو التالي:
١ ـ عيد البشارة ويسمى السبار:
ويعنون به بشارة غبريال، وهو جبريل ﵇ في زعمهم لمريم ﵍ بميلاد عيسى صلوات الله عليه، ويكون في اليوم التاسع والعشرين من برمهات٤ من شهور القبط، وهو من أعظم الأعياد عندهم٥.
стр. 40
٢ ـ عيد الزيتونة وهو عيد الشعانين:
وتفسيره بالعربية التسبيح ويعملونه في سابع أحد من صومهم، وسنتهم فيه أن يخرجوا بسعف النخيل من الكنيسة، وهو يوم ركوب المسيح لليعفور "وهو الحمار" في القدس ودخوله صهيون١ وهو راكب والناس يسبحون بين يديه وهو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر٢. ومن عاداتهم فيه تزيين الكنائس٣.
٣ ـ عيد الفصح:
وهو العيد الكبير عندهم، ويعملونه في يوم الفطر من صومهم الأكبر ويزعمون أن المسيح ﵇ قام فيه بعد الصلب٤ بثلاثة أيام
стр. 41
وخلص آدم من الجحيم وأقام في الأرض أربعين يوماً آخرها الخميس ثم صعد إلى السماء١.
وكان يوافق فصح اليهود قبل زمان قسطنطين٢، ولما تنصر قسطنطين واجتمع الاساقفة حينئذٍ على وضع الأمانة وهي العقيدة التي يدين بها جميع فرق النصارى، اتفقوا أيضاً على مخالفة اليهود في الفصح فأخروه عنه وجعلوه يوم الأحد٣.
وقد عرف الفصح فيما بعد عند النصارى بالعشاء الرباني أو القربان المقدس، وهو من أهم أعمال الطقوس المسيحية.
وأصل مشروعيته عندهم ما ورد في إنجيل متى:
" وفيما هم يأكلون أخذ يسوع الخبز وبارك وكسر وأعطى التلاميذ، وقال خذوا كلوا، هذا هو جسدي وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلاً أشربوا منها كلكم؛ لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد يسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا " ٤.
стр. 42
فيقيمون وليمة تذكارية في هذا العيد قوامها الخبز والخمر اللذان يرمزان إلى جسد ودم المسيح؛ وذلك إحياء لذكرى موته، كما أوصى بذلك حسب رواية بولس " اصنعوا هذا لذكري " ١.
حيث يكون هذا طعاماً روحياً للمسيحيين تطبيقاً لاعتقادهم أن من أكل الخبز وشرب هذه الخمرة استحال الخبز إلى لحم المسيح والخمر إلى دمه، فيحدث الامتزاج بين الأكل وبين المسيح وتعاليمه ٢.
وفي ذلك يقول جورجيا هاركنس:
" والعشاء الرباني هو من أقدس أسرار المسيحية ويشير إلى الخبز والخمر اللذانِ يستعملان في هذا السر إلى جسد المسيح ودمه الذي سفك على الصليب لفداء الإنسان، وهو فريضة مقدسة لامتحان النفس والتوبة أمام الله، وتكريس الحياة من جديد، والشكر لله على نعمته التي يعطيها للناس في المسيح"٣.
٤ ـ عيد خميس الأربعين:
ويسميه الشاميون "السلاق" وهو الثاني والأربعون من الفطر، ويزعمون أن المسيح ﵇ تسلق فيه من تلاميذه إلى السماء بعد القيام ووعدهم بإرسال الفارقليط، وهو روح القدس عندهم٤.
стр. 43
وأصل مشروعيته عندهم ما جاء في إنجيل يوحنا "وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الأب باسمي، فهو يعلمكم كل شيء، ويذكركم بكل ما قلته لكم ..."١.
٥ ـ عيد الخميس:
عيد العنصرة ويحتفلون به بعد خمسين يوماً من القيام، ويقولون أن روح القدس حلت في التلاميذ وتفرقت عليهم ألسنة الناس فتكلموا بجميع الألسنة، وذهب كل واحد منهم إلى بلاد لسانه الذي تكلم به يدعوهم إلى دين المسيح عليه السلام٢.
وقد جاء ما يدل على ذلك في سفر أعمال الرسل:
" ولما حضر يوم الخمسين كان الجميع معاً بنفس واحدة وصار بغتة من السماء صوت، كما من هبوب روح عاصفة وملأ كل البيت، حيث كانوا جالسين وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنّها من نار واستقرت على كل واحد منهم.
وامتلأ الجميع من الروح القدس وابتدأ يتكلمون بألسنة أخرى، كما أعطاهم الروح أن ينطقوا"٣.
وأصل مشروعيته عندهم ما جاء في إنجيل يوحنا "وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الأب باسمي، فهو يعلمكم كل شيء، ويذكركم بكل ما قلته لكم ..."٤.
٥ ـ عيد الخميس:
وهو عيد العنصرة ويحتفلون به بعد خمسين يوماً من القيام، ويقولون أن روح القدس حلت في التلاميذ وتفرقت عليهم ألسنة الناس فتكلموا بجميع الألسنة، وذهب كل واحد منهم إلى بلاد لسانه الذي تكلم به يدعوهم إلى دين المسيح عليه السلام٥.
وقد جاء ما يدل على ذلك في سفر أعمال الرسل:
" ولما حضر يوم الخمسين كان الجميع معاً بنفس واحدة وصار بغتة من السماء صوت، كما من هبوب روح عاصفة وملأ كل البيت، حيث كانوا جالسين وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنّها من نار واستقرت على كل واحد منهم.
وامتلأ الجميع من الروح القدس وابتدأ يتكلمون بألسنة أخرى، كما أعطاهم الروح أن ينطقوا"٦.
стр. 44
٦ ـ عيد الميلاد، والمعروف اليوم بالكرسمس:
وهو اليوم الذي يقولون: إن المسيح ﵇ ولد فيه ببيت لحم١ ويعملونه في التاسع والعشرين من كيهك من شهور القبط ويزعمون أنه ولد يوم الاثنين، فيجعلون عشية الأحد ليلة الميلاد، ويوقد فيها المصابيح بالكنائس ويزينونها٢.
وقد جاء ذكر ولادة عيسى ﵇ في سفر إنجيل متى٣، كما ورد النص أنه ولد ﵇ في بيت لحم "ولما ولد يسوع في بيت لحم اليهودية"٤.
٧ ـ عيد الغطاس أو الظهور الإلهي٥:
والأصل فيه عندهم أن يحيى بن زكريا ﵉ المعروف عندهم بيوحنا المعمد، عمد المسيح أي غسله في بحيرة الأردن وعندما خرج المسيح ﵇ من الماء اتصل به روح القدس، فصار النصارى يغمسون أولادهم
стр. 45
في هذا اليوم، ولا يكون ذلك إلا في شدة البرد، وليسمونه يوم الغطاس، ويكون في اليوم الحادي عشر من شهر طوبة١.
والتعميد من أهم الشعائر والطقوس المسيحية، وقد ورد مشروعيته عندهم، كما في إنجيل مرقس "وفي تلك الأيام جاء يسوع من ناصرة الجليل واعتمد من يوحنا وللوقت وهو صاعد من الماء رأى السموات، قد انشقت والروح مثل حمامة نازلاً عليه٢.
فهذه هي الأعياد الكبار عند النصارى. أما الأعياد الصغار فهي على النحو التالي:
٨ ـ عيد الختان:
ويعملونه في سادس بؤنة من شهور القبط، ويقولون: إن المسيح ﵇ ختن فيه، وهو اليوم الثامن من الميلاد٣. وقد جاء ذكر ذلك في إنجيل لوقا " وفي اليوم الثامن جاءوا ليختنوا الصَّبي " ٤.
стр. 46
٩ـ عيد دخول الهيكل:
كما يسمى بعيد الأربعين وعيد الشمع وهو إتيان مريم هيكل القدس مع عيسى، وقد مضى على ميلاده أربعون يوماً١.
ويقولون: إن سمعان الكاهن دخل بعيسى ﵇ وأمه في الهيكل وبارك عليه، ويعمل في ثامن شهر أمشير من شهور القبط٢.
ويعللون سبب دخول الهيكل أن ذلك لإتمام شريعتي التطهير والفداء التطهير للأم والفداء للابن٣.
وقد جاءت الإشارة إلى دخول الهيكل كما في إنجيل لوقا: "ولما تمت أيام تطهيرها حسب شريعة موسى صعدوا به إلى أورشليم ليقدموه للرب كما هو مكتوب"٤.
стр. 47
١٠ ـ عيد خميس العهد:
ويعملونه قبل الفصح بثلاثة أيام وشأنهم فيه أن يأخذوا إناء ويملأونه ماء ويزمزموا عليه، ثم يغسل البطريرك به أرجل النصارى الحاضرين للتبرك ويزعمون أن المسيح ﵇ فعل هذا بتلاميذه في هذا اليوم يعلمهم التواضع، ثم أخذ عليهم العهد ألا يتفرقوا وأن يتواضع بعضهم لبعض، والعامة من النصارى يسمونه خميس العدس؛ لأنهم يطبخون فيه العدس على ألوان شتى١. كما يعرف هذا العيد بيوم غسل أرجل الحواريين٢.
١١ ـ عيد سبت النور:
وهو قبل الفصح بيوم، ويزعمون أن النور يظهر على مقبرة المسيح في هذا اليوم، فتشتعل منه مصابيح كنيسة القيامة٣ التي ببيت المقدس، ثم يحملون ما يوقد من ذلك الضوء إلى بلادهم متبركين به.
وما ذلك إلا من التخييلات التي يفعلها القسيسون عن طريق الصناعة ليخدعوا بها ذوي العقول الناقصة، ويزعمون أن النار نزلت من السماء فأوقدت القناديل٤.
стр. 48
١٢ ـ عيد حد الحدود، ويسمى بالأحد الجديد:
وهو بعد الفصح بثمانية أيام يعملونه أول أحد بعد الفطر ومن عادتهم فيه تجديد الآلات والأثاث واللباس، ومنه يأخذون في الاستعداد للمعاملات وأمور الدنيا والمعاش١.
١٣ ـ عيد التجلي:
ويكون في الثالث عشر من شهر مسرى من شهور القبط حتى السابع والعشرين منه.
ويزعمون فيه أن المسيح ﵇ تجلى لتلاميذه بعد أن رفع في هذا اليوم، وتمنوا عليه أن يحضر لهم ايليا وموسى ﵉، فأحضرهما لهم بمصلى بيت المقدس ثم صعد وتركهم٢.
والأصل فيه عندهم كما جاء في إنجيل مرقس: "وبعد ستة أيام أخذ يسوع بطرس ويعقوب ويوحنا فأصعدهم إلى جبل عال على انفراد وتجلى قدامهم"٣.
١٤ ـ عيد الصليب:
ويكون في السابع عشر من توت من شهور القبط؛ وذلك أنه لما تنصر قسطنطين خرجت أمه هيلانة إلى الشام فبنت به الكنائس وسارت إلى بيت
стр. 49
المقدس وطلبت الخشبة التي زعمت النصارى أن المسيح ﵇ صلب عليها، فحملت إليها فغلفتها بالذهب وحملتها إلى ابنها، فعمل من المساير لجاما لفرسه وعمل صليباً من ذهب، ووضعه على جبهته واتخذ ذلك اليوم عيداً١.
فهذا هو الأصل في عيد الصليب.
وقد كان اتخاذه بعد المسيح والحواريين بأكثر من ثلاثمائة سنة٢. وبالنظر إلى عقيدة النصارى نجد أن الصليب كان مقدساً لديهم قبل عملية الصلب - على زعمهم - حيث جاء في إنجيل لوقا على لسان عيسى ﵇: "إذا أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني"٣.
وفي معنى الصليب وتقديسه يقول جورجيا هاركنس: "الصليب هو الرمز المركزي للإيمان المسيحي، ولكن لماذا؟ إن موت يسوع بأيدٍ آثمة أساءوا فهمه وأبغضوا، حقيقة تاريخية، ويسمى التعليم المسيحي عن الصليب بعقيدة الكفارة.. ويجد المسيحيون في الصليب، أنموذج الحياة التي يجب أن يحيوها، كما يستمدون القوة منه لحياة أفضل٤.
стр. 50
وعن يوم الصليب وعقيدة الكفارة التي يزعمها النصارى نتج إحداث أعياد بهذه المناسبة كأعياد الكرنفال١ التي تستمر ثلاثة أيام، وفيها تباح كل الأعراض والحرمات، وأيام الإباحية هذه تبدأ رسمياً من الساعة (١١) من اليوم (١١) من الشهر (١١) من كل سنة مع تفاوت بسيط في مواعيدها بين مدينة وأخرى، وفي أثناء هذه المهرجانات بهذه المناسبة تتعرى النساء من كل شيء تقريباً، فيختلطن بالرجال فتحدث الدعارة الجماعية من ودون أن يعرف كل رجل ما اسم التي يرافقها، وكذلك العكس؛ لأن الجميع يحرص على ارتداء الأقنعة الخاصة بذلك.
وللنصارى في هذا الاحتفال فلسفة خبيثة حقيرة، وهي أن من حق البشر أن يخطئوا؛ لأنهم إذا لم يخطئوا فسيرتفعون إلى مستوى الإلهية، وهذا غير معقول، وإن خطاياهم ستغتفر لهم حتماً؛ لأن المسيح قد دفع الثمن وصلب من أجلهم. وهم يرددون هذه الفلسفة في صحفهم ومجالسهم في كل مكان وزمان٢.
فهذا مثال لما يفعله النصارى في أعيادهم، حيث إن الاحتفال بالأعياد الأخرى على هذا النمط كفر والحاد، وانحلال أخلاق وفساد.
وما تقدم هو أشهر أعياد النصارى وإن كان لهم أعياد ومواسم أخرى تتعلق بالتلاميذ والقديسين.
стр. 51
وبالنظر إلى حقيقة هذه الأعياد نجد أن مبناها على الحوادث التي جرت لعيسى ﵇، حيث اتخذوا أيامها أعياداً وأفراحاً، ابتداء من البشارة وانتهاء بالصلب كما في زعمهم، وقوام هذه الاحتفالات الشرب واللهو والفسوق ويتجلى ذلك واضحاً في عيد الفصح والصليب، وهذا هو حال من استحوذ عليه الشيطان.
وإليك نموذجاً فيه الأعياد النصرانية المتقدمة ووقت الاحتفال بها من كل شهر مقرونة بالشهور السريانية والقبطية:
اسم العيد
...
تاريخه بالشهور القبطية
...
بالشهور السريانية
الصليب
...
١٧ توت
...
١٤أيلول
الميلاد
...
٢٩ كهيك
...
١٥ كانون الأول أو ٢٤ تشرين الثاني
الغطاس
...
١١ طوبة
...
٧ كانون الثاني
دخول الهيكل
...
٨ أمشير
...
٢ شباط
الشعانين
...
٢٤ برمهات
...
١٩ آذار
البشارة
...
٢٩ برمهات
...
٢٤ آذار
خميس العهد
...
١٨ برمودة
...
١٢ نيسان
سبت النور
...
٢٠ برمودة
...
١٤ نيسان
الفصح
...
٢١ برمودة
...
١٥ نيسان
الأحد الجديد
...
٢٩ برمودة
...
٢٢ نيسان
خميس الأربعين
...
٨ بشنس
...
٢ آيار
عيد الخميس
...
١٦ بشنس
...
آيار
الختان
...
٦ بؤنة
...
١ حزيران
التجلي
...
١٣ مسري
...
٦ آب
стр. 52
الفصل الثالث أعياد المجوس١ وعاداتهم فيها
للمجوس أعياد كثيرة جداً فلا يخلو شهر من شهورهم إلا ويحتفل فيه بعيد أو أكثر٢.
ومن أهم هذه الأعياد:
١ ـ عيد النيروز٣:
وهو أعظم أعيادهم وعيدهم الأكبر، ويقع في أول يوم من سنتهم٤.
ويقال أن أول من اتخذه جم شاد أحد ملوك الطبقة الثانية من الفرس، وأن الدين كان قد فسد قبله، فلما ملك جدده وأظهره فسمى اليوم الذي ملك فيه نوروز أي اليوم الجديد.
ولهم في أسباب اتخاذه عيداً حكايات طويلة جلها مبني على الخيال، فبعضهم يزعم أن جم شاد ملك الأقاليم السبعة والجن والإنس، فاتخذ له عجلة وركبها، وكان يسير بها في الهواء، حيث شاء، فكان يوم ركوبها في أول يوم
стр. 53
من شهر أفردوين ماه١، وكان مدة ملكه لا يريهم وجهه، فلما ركبها أبرز لهم وجهه وكان له حظ من الجمال فجعلوا رؤيتهم له عيداً وسموه نوروزا.
ومن الفرس من يزعم أنه اليوم الذي خلق الله فيه النور، وأنه كان معظماً قبل جم شاد. وقيل غير ذلك من الحكايات التي يطول ذكرها.
ومدة الاحتفال بهذا العيد عندهم ستة أيام من اليوم الأول من شهر أفرودين ماه إلى اليوم السادس منه، ويسمونه النوروز الكبير؛ وذلك لأن الأكاسرة يقضون في الأيام الخمسة حوائج الناس على اختلاف طبقاتهم، ثم ينتقلون إلى مجالس أنسهم مع طرفاء خواصهم في اليوم السادس.
ومن عادتهم فيه أن يعد نوع من الطعام في طبق خاص بهذه المناسبة، ثم يوضع بين يدي الملك، ثم تدخل عليه الهدايا، ويكون أول من يدخل عليه بها وزيره، ثم صاحب الخراج، ثم صاحب المعونة، ثم الناس على طبقاتهم، ثم بعد ذلك يأكل من ذلك الطعام ويطعم من حضر.
ثم يقول هذا يوم جديد، من شهر جديد، من عام جديد، يحتاج إلى أن يجدد فيه ما أخلق من الزمان، وأحق الناس بالفضل والإحسان الرأس لفضله على سائر الأعضاء، ثم يخلع على وجوه دولته، ويصلهم، ويفرق عليهم ما وصل إليه من الهدايا.
стр. 54
أما بالنسبة لعوام الفرس فكانت عادتهم فيه إيقاد النار في ليلته ورش الماء في صبيحته، ويزعمون أن إيقاد النار فيه لتحليل العفونات التي أبقاها الشتاء في الهواء.
وأن رش الماء إنما هو بمنزلة الشهرة لتطهير الأبدان مما انضاف إليها من دخان النار الموقد في ليلته.
وقيل إنما فعلوا ذلك تنويهاً بذكره وإشهاراً لأمره، وقيل غير ذلك من الحكايات التي لا فائدة من ذكرها ومعرفتها١.
ومن معتقداتهم في هذا اليوم أن من ذاق في صبيحته قبل الكلام السكر وتدهن بالزيت رفع عنه البلاء في عامة سنته، كما أنهم يتفاءلون به أيضاً٢.
٢ ـ عيد المهرجان:
وهو في اليوم السادس عشر من مهرماه من شهور الفرس وبينه وبين النيروز مائة وسبعة وستون يوماً، ويكون في وسط الخريف ومدته ستة أيام، ويسمى السادس منه المهرجان الأكبر٣.
وقد اختلف في سبب تسميته بذلك:
فقيل: لأن اسمه موافق لاسم الشهر وتفسيره محبة الروح.
وقيل: أن مهر اسم الشمس وأنها ظهرت للعالم في هذا اليوم فسمى بها.
стр. 55
ويدل على ذلك أن من عادات الأكاسرة في هذا اليوم التتويج بالتاج الذي على صورة الشمس وعجلتها الدائرة عليها١. وقيل: إنه ظهر في عهد أفريدون الملك ومعنى هذا الاسم إدراك الثأر؛ وذلك أن أفريدون أخذ بثأر جده، جم شاد من الضحاك فقتله وأعاد المجوسية إلى ما كانت عليه فأتخذ الفرس يوم قتله عيداً، وسموه مهرجان، والمهر الوفاء، وجان سلطان، وكان معناه سلطان الوفاء، وقيل غير ذلك٢.
ومن عادة الفرس في المهرجان، أن يدهن ملكهم بدهن ألبان تبركاً، وكذلك العوام وأن يلبس القصب والوشي٣ ويتوج عليه صورة الشمس وحجلتها الدائرة عليها، ويكون أول ما يدخل عليه المؤبذان٤ بطبق فيه أترجة وقطعة سكر، ونبق، وسفرجل وعناب وتفاح وعنقود عنب أبيض، وسبع طاقات أس قد زمزم عليها، ثم بعد ذلك يدخل الناس على طبقاتهم بمثل ذلك٥.
ومن عقائدهم أن من أكل في يوم المهرجان شيئاً من الرمان وشم ماء الورد دفع عنه آفات كثيرة٦.
стр. 56
٣ ـ عيد السذق١:
ويسمى عندهم أبان روز، ويكون في ليلة الحادي عشر من شهر بهمن من شهور الفرس وسنتهم فيه إيقاد النيران بسائر الأدهان والولوع بها حتى أنهم يلقون فيها الحيوانات وسائر الحبوب.
ويقال أن سبب اتخاذهم لهذا العيد: أن الأب الأول عندهم كيومرت لما كمل له من الولد مائة زوج الذكور بالإناث وصنع لهم عرساً أكثر فيه من النيران، ووافق ذلك الليلة المذكورة فاستنت ذلك الفرس بعده.
وقيل في سبب اتخاذه غير ذلك٢.
قلت: وما يفعلونه من إيقاد النيران في هذا اليوم ما هو إلا تعبير لما يعتقدونه من تقديس للنار؛ لأنها مصدر النور كما في زعمهم.
٤ ـ عيد الشركان:
ويسمى أيضاً بعيد التيركان، ويكون في الثالث عشر من شهر تيرماه، من شهور الفرس، وهو المبني على الأسطورة التي يزعمون فيها، أنه لما وقعت المصالحة بين منوجهر وقراسياب التركي من المملكة على رمية سهم فأخذ السهم رجل يقال له أيس، وكان مؤيداً في الرمي وجعله في قوسه فرمى به، فأمتد السهم من جبال طبرستان إلى أعالى طخارستان٣.
стр. 57
ويقال إن من موضع الرمية إلى موقع السهم ألف فرسخ فاصطلحا على تلك الرمية، وكانت في هذا اليوم فأتخذه الناس عيداً١.
٥ ـ أيام الفرودجان:
وهي خمسة أيام أولها السادس والعشرون من شهر أبان ماه من شهور الفرس.
ومعناه عندهم: تربية الروح؛ لأنهم كانوا يصنعون في هذه الأيام أطعمة وأشربة لأرواح موتاهم ويزعمون أنها تأتي وتتغذى بها٢.
كما يزعمون أن أرواح الأبرار تلم بالأهل والولد والأقارب وتباشر أمورهم وإن كانوا لا يرونها ومن سنتهم فيها تدخين بيوتهم بالراش٣. لتستلذ أرواح الموتى برائحته٤.
٦ ـ عيد النساء:
ويسمى بالفارسية "مزدكيران" ويكون في اليوم الخامس من شهر أستفندارمذ، وهو عيد خاص بالنساء يجود فيه الرجال عليهن بالهدايا والاحترام٥.
فهذه أشهر أعياد المجوس، وبالنظر إلى سبب الاحتفال بها نجد أنها مرتبطة بانتصار ملك من ملوكهم أو حصول منفعة لهم في هذا اليوم أو دفع ضرر عنهم، كما أنهم يتفاوتون في كيفية الاحتفال بها على حسب طبقاتهم.
стр. 58
ومن عادتهم إقامة الأسواق فيها، وهي تختلف باختلاف البلاد؛ فلذلك لا يمكن ضبطها ولا حصرها، ويكون قوام اجتماعهم فيها على اللهو والشرب.
ومع كثرة أعياد المجوس نجد أيضاً أن لهم في أيام السنة كلها أياماً مختارة، وأياماً منحوسة مكروهة، وأياماً أخرى في كل شهر فيها عيد لطبقة دون طبقة١.
стр. 59
الفصل الرابع: أعياد العرب في الجاهلية وعاداتهم فيها
المبحث الأول: الدين السائد عند العرب في الجاهلية
...
المبحث الأول الدين السائد عند العرب في الجاهلية
لم يكن هناك دين أو معتقد يجتمع عليه العرب في الجاهلية، بل كانوا قبائل وشيعاً متفرقين وفرقاً مختلفين ١. وكانت أديانهم مختلفة بالمجاورة لأهل الملل أو الانتقال إلى البلدان والأمصار٢.
قال ابن قتيبة ٣ عن أديان العرب: إن النصرانية كانت في ربيعة وغسان وبعض قضاعة، وكانت اليهودية في حمير وبني الحارث بن كعب وكنده، وكانت المجوسية في تميم، وكانت الزندقة٤ في قريش٥.
والمقصود أن العرب لم يكونوا متفقي المذهب ولا متحدي المسلك والمشرب، ولا شك أن الأعياد من الديانات، كما جاء في تفسير. قاله تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ ٦.
стр. 60
فالمراد بالمنسك العيد١، فالعرب لم يكونوا يومئذ متفقين في الأعياد، كما لم يتفقوا في الدين والاعتقاد٢.
ولكن كانت عبادة الأصنام هي السائدة بينهم، حيث كانت منتشرة انتشاراً واسعاً في القبائل العربية وبخاصة قبل الإسلام.
فكان أول من غير دين إسماعيل ﵇ عمرو بن لحي بن حارثة بن عمر الأزدي أبو خزاعة، فنصب الأوثان وسيب السائبة٣، ووصل الوصيلة٤، وبحر البحيرة٥، وحمى الحامي٦.
وكما جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "رأيت عمرو بن عامر بن لحي الخزاعي يجر قصبه في النار، وكان أول من سيب السوائب "٧.
стр. 61
وجاء عنه أيضاً قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: لأكثم١ بن الجون الخزاعي: "يا أكثم: رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندق يجر قصبه في النار، فما رأيت رجلاً أشبه برجل منك به، ولا بك منه، فقال أكثم: أتخشى أن يضرني شبهه يا رسول الله؟ قال: لا. انك مؤمن وهو كافر، إنه أول من غير دين إسماعيل فنصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة ووصل الوصيلة، وحمى الحامي" ٢.
وذلك أن الحارث هو الذي كان يلي أمر الكعبة، فلما بلغ عمرو بن لحى نازعه في الولاية وقاتل جرها ببني إسماعيل، فظفر بهم وأجلاهم عن الكعبة ونفاهم من بلاد مكة، وتولى حجابة البيت.
ثم انه مرض مرضاً شديداً فقيل له: إن بالبلقاء من الشام حمة٣ إن أتيتها برأت، فأتاها فاستحم بها، فبرأ ووجد أهلها يعبدون الأصنام. فقال: ما هذه؟ فقالوا: نستسقى بها المطر ونستنصر بها على العدو، فسألهم أن يعطوه منها، فقدم بها مكة ونصبها حول الكعبة٤.
وبذلك انتشرت عبادة الأصنام في القبائل العربية حتى عمت الجميع.
стр. 62
وذكر ابن الكلبي١ أنه كان لأهل كل دار من مكة صنم في دارهم يعبدونه فإذا أراد أحدهم السفر، كان آخر ما يصنع في منزله أن يتمسح به، وإذا قدم من سفر كان أول ما يصنع إذا دخل أن يتمسح به أيضاً٢.
وكان من ضمن هذه الأصنام ما حكاه الله تعالى عن قوم نوح وعبادتهم للأصنام كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَاراً وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالاً﴾ ٣. فكانت هذه الأصنام موجودة لدى العرب.
فكان ود: لكلب بن دبره من قضاعة واتخذه بدومة الجندل.
وكان سواع: لهذيل، وكان موضعه برهاط٤ من أرض ينبع.
وكان يغوث: لأنعم من طي، وكان بأكمة يقال لها مذحج٥. تعبده مذحج ومن والاها.
وكان يعوق: لهمدان وخولان ومن والاها من قبائل، وكان في موضع خيوان٦.
стр. 63
وكان نسر: لذوي الكلاع من حمير، اتخذوه في موضع بلخع من أرض سبأ.
فلم تزل هذه الأصنام تعبد حتى بعث الله النبي ﷺ فأمر بهدمها١.
وكما جاء عن ابن عباس ﵄، في تفسير الآية. قال: "صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما ود: فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع: فكانت لهذيل، وأما يغوث: فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجوف من سبأ، وأما يعوق: فكانت لهمدان، وأما نسر: فكانت لحمير، لآل ذي الكلاع. أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت"٢.
فكانوا يعظمون تلك الأصنام فينحرون ويذبحون عندها ويتقربون إليها وهم على ذلك عارفون بفضل الكعبة عليها ويحجونها ويعتمرون إليها، وكانوا يطوفون على تلك الأصنام، ويسمى طوافهم "بالدوار" كما كانت تسمى تلك الذبائح والقرابين بالعتائر٣٤.
فنظراً لاختلاف العرب وتفرقهم كان الاتصال بينهم صعباً فصارت أعيادهم كثيرة غير متفقة في زمان أو مكان ذات صفة محلية، وهي مرتبطة عادة بالأصنام في الغالب وبالمواسم التجارية التي تتجلى في انعقاد الأسواق٥.
стр. 64
والأعياد من جملة مظاهر الأديان وشعائرها، وقد كانت للجاهلية أعياد لها صلة بأديانهم، ولكن لا توجد أعياد عامة لجميع الجاهليين عبدة الأصنام.
لأن الأعياد العامة تستدعي وجود ديانة واحدة، أو أعياد إله واحد، أو آلهة مشتركة يعبدها جميع القوم، وإذا كانت العرب لا تعبد إلهاً واحداً، أو آلهة مشتركة يقدسها أهل الوبر وأهل المدر جميعاً، فلا يمكن أن يتصور وجود أعياد عامة لجميع العرب في عهود ما قبل الإسلام١.
ولعدم وجود دين واحد لهم يجمع شملهم، والدين من أهمّ العوامل المساعدة لظهور الأعياد وجمع أصحابها للاحتفال بها؛ لذلك فأعياد الجاهليين أعياد موضعية كل قبيلة أو مدينة أو مملكة عيد، ولا تفعل ذلك القبائل الأخرى لوجود عيد آخر عندهم أو لعدم معرفتهم بذلك.
بخلاف أعياد الأمم الأخرى كاليهود والنصارى فأمرها أمر آخر؛ لأن اليهودية والنصرانية قد حددتا تاريخاً ثابتاً للأعياد فيها، فصارت معروفة عند اتباع الديانتين يحتفلون بها في الأجل الموقت٢.
بناءً على ما تقدم فلعباد الأصنام من العرب في الجاهلية أعياد كثيرة منها مكانية ومنها زمانية.
стр. 65
المبحث الثاني: الأعياد المكانية عند العرب في الجاهلية
أعياد العرب المكانية في الجاهلية كثيرة جداً، وهي تكمن في مواضع أصنامهم وأوثانهم وأمكنة طواغيتهم وسأقتصر على ما كان مشهوراً بالتعظيم كمثال للأعياد المكانية.
فكانت الطواغيت الكبار التي تشد إليها الرحال وتتخذ عيداً ثلاثة " اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى " وقد ذكرها في كتابه. فقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ ١.
وكل واحدة من هذه الثلاثة لمصر من أمصار العرب، والأمصار التي كانت من ناحية الحرم ومواقيت الحج ثلاثة: مكة والمدينة والطائف.
فكانت اللات لأهل الطائف: ذكروا أنه كان في الأصل رجلاً صالحاً يلت السويق للحجيج، فلما مات عكفوا على قبره مدة، ثم اتخذوا تمثاله، ثم بنوا عليه بنية سموها بنية الربة٢.
وقيل كانت اللات: صخرة منقوشة، وهي أحدث من مناة، وكان سدنتها من ثقيف بنو عتاب بن مالك، وكانوا قد بنوا عليها بناءً، وكانت
стр. 66
قريش وجميع العرب تعظمها، وبها كانت العرب تسمى زيد اللات وتيم اللات، وفيها يقول الشاعر:
فإني وتركي وصل كأس كالذي ... تبرأ من لات، وكان يدينها
فلم تزل كذلك حتى أسلمت ثقيف، فبعث رسول الله ﷺ المغيرة ابن شعبة فهدمها وحرقها ١، وكان ذلك سنة تسع من الهجرة لما افتتحت الطائف٢.
أما العزى: فكانت لأهل مكة قريباً من عرفات، وكانت هناك شجرة يذبحون عندها ويدعون.
وهي أحدث من اللات ومناة، وكانت أعظم الأصنام عند قريش، وقد حمت لها شعباً من وادي حراض٣، يقال له سقام يضاهون به حرم الكعبة.
ولها منحر ينحر فيه هداياها، يقال له الغبغب٤، فكانوا يقسمون لحوم هداياهم فيمن حضرها وكان عندها.
وكان سدنتها بنو شيبان بن جابر بن مرة حتى بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد ﵁ عقب فتح مكة فأزالها، وقسم النبي ﷺ مالها وخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها فيئست العزى أن تعبد٥.
стр. 67
أما مناة: فكانت لأهل المدينة يهلون لها شركاً بالله تعالى، وكانت حذو قديد الجبل الذي بين مكة والمدينة من ناحية الساحل١، وهي أقدم من اللات والعزى، وكانت العرب جميعاً تعظمه وتذبح حوله، ولم يكن أحد أشد إعظاماً له من الأوس والخزرج.
فلم يزل على ذلك حتى بعث رسول الله ﷺ علياً ﵁ عام الفتح فهدمها وأخذ ما كان لها. وقيل: إن الذي هدمها أبو سفيان بن حرب٢.
وكانت للعرب مواسم من السنة مخصوصة للاجتماع في هذه الأماكن الثلاثة، تقصدها من كل فج وتعظمها كتعظيم الكعبة مع اعترافهم بفضل الكعبة عليها لعلمهم أنها بيت إبراهيم الخليل ﵇ ومسجده٣.
ولم تكن قريش بمكة ومن أقام بها من العرب يعظمون شيئاً من الأصنام إعظامهم العزى، ثم اللات، ثم مناة٤.
قال ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ﴾ ٥.
وقد كانت بجزيرة العرب وغيرها طواغيت أخر تعظمها العرب كتعظيم الكعبة غير هذه الثلاثة التي نص عليها في كتابه العزيز، وإنما أفرد هذه بالذكر؛ لأنها أشهر من غيرها٦.
стр. 68
قلت: ومن تلك الأصنام ذو الخلصة، وهو بيت باليمن لخثعم وبجيله فيه نصب يعبدونها ولهم فيه من السنة موسم عيد١
وسدنتها بنو أمامة من باهلة بن أعصر ولما فتح النبي ﷺ مكة بعث إليه جرير بن عبد الله البجلي ﵁ فهدمه٢.
روى ذلك البخاري في صحيحه بسنده عن جرير بن عبد الله قال: "كان في الجاهلية بيت يقال له ذو الخلصة، وكان يقال له الكعبة اليمانية أو الكعبة الشامية، فقال لي رسول الله ﷺ : هل أنت مريحي من ذي الخلصة؟ قال فنفرت إليه في خمس ومائة فرس من أحمس قال: فكسرناه، وقتلنا من وجدنا عنده، فأتيناه فأخبرناه فدعا لنا ولأحمس"٣.
وهذا غير ذي الخلصة الذي نصبه عمرو بن لحي أسفل مكة، والذي كانوا يلبسونه القلائد ويهدون إليه الشعير والحنطة ويجعلون عليه بيض النعام ويذبحون عنده ٤.
وقد أخبر ﷺ أن هذه الأصنام ستعبد من دون الله في آخر الزمان وجعل ذلك من علامات الساعة. فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة" ٥.
стр. 69
وعن عائشة ﵂ قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى" ١.
ولم تكن الأعياد المكانية عند العرب في الجاهلية مقتصرة على الأصنام، بل كان الحج إلى مكة من أهم مواسمهم وأعيادهم، حيث يجتمع فيه الناس من مختلف القبائل ومختلف الأماكن للتقرب إلى الأصنام وللتلاقي في ظروف أمن وسلام لا يحل فيها قتال ولا اعتداء ولا لغو ولا فحش، ويقوم أهل مكة بخدمة الوافدين والضيوف وتمر أيام خالية من غدر واعتداء وقتل وأخذ بثأر، يلبس فيها الناس خير ما عندهم من لباس ويتحلون بأحسن صورة فإذا انتهت الأيام عادوا إلى ديارهم٢ وهم بذلك يدخلون السرور والفرح على أنفسهم وأنفس آلهتهم بحسب اعتقادهم، وتقترن هذه الاحتفالات بذبح القرابين كل يذبح على قدر طاقته ومكانته، فيأكل منها في ذلك اليوم من لم يتمكن من الحصول على اللحم في أثناء السنة لفقره وحاجته فهي أيام يجد فيها الفقراء لذة ومتعة وعبادة٣، فهذه مظاهر الاحتفال بالأعياد المكانية عند العرب.
стр. 70
المبحث الثالث: الأعياد الزمانية عند العرب في الجاهلية
تتمثل أعياد العرب الزمانية في أيام أفراحهم ومسراتهم لظفرهم على عدوهم ونصرتهم على خصومهم ومحاربيهم؛ وذلك إنما يكون بحسب قوم دون قوم ولقبيلة دون قبيلة فيتفق في يوم هو عيد لقوم وسرور ولآخرين حزن وبؤس١.
وبما أن العرب ليس لهم دين واحد يجتمعون عليه، فكذلك نجد أعيادهم مختلفة متباينة، نظراً لاختلاف معتقداتهم، وكما تقدم من أن العرب في الجاهلية كانت تدين بأديان شتى، كانت فيهم اليهودية والنصرانية والمجوسية، كما كانت فيهم الزندقة والوثنية.
وقد تأثرت هذه القبائل بمعتقدات الديانات التي تميل إليها، وكان ذلك واضحاً في بعض معتقداتهم مما جعل البعض يحتفل بأعياد تلك الديانة.
فقد كان لأهل المدينة يومان يلعبون فيهما، فلما قدم النبي ﷺ قال: "ما هذان اليومان" قالوا: كنا نعلب فيهما في الجاهلية فقال رسول الله ﷺ : "إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما يوم الأضحى، ويوم الفطر" ٢.
стр. 71
وقد ذكر بعض شراح الحديث أن اليومين هما النيروز والمهرجان١. والنيروز والمهرجان هما عيدان من أعياد المجوس، كما تقدم بيانه٢. فلعل العرب أخذوا ذلك عنهم.
ومن أعياد العرب أيضاً: "يوم السبع" وهو عيد من أعياد قبائل العرب يشتغلون فيه باللهو واللعب٣.
ومنها: احتفالهم بيوم السباسب، وهو يعرف بالشعانين، وهو أحد أعياد النصارى٤.
وقد جاء ذكر ذلك في بيت للنابغة٥:
رقاق النعال طيب حجزاتهم
يحيون بالريحان يوم السباسب٦
ومنها احتفالهم بعيد الفصح، حيث كانوا يوقدون المشاعل ويعمرون القناديل ويضيئون الكنائس ويقصدونها للاحتفال وإقامة العيد فيها٧.
стр. 72
كما كان بعض العرب في الجاهلية يعمدون أولادهم ويأخذونهم إلى الكنائس على نحو ما يفعله سائر النصارى ويحتفلون بذلك١.
وقد ذكر القزويني ٢ أن اليوم الأول من محرم معظم عند ملوك العرب يقعدون فيه للهناء، كما أن اليوم الأول من سنة الفرس كان عندهم معظماً، وهو يوم النيروز٣.
قلت: وهذا اليوم يماثل عيد رأس السنة عند اليهود أيضاً. فمما تقدم يتضح أن العرب، قد أخذوا بعض العادات في الأفراح والاحتفالات من أهل الديانات الأخرى؛ وذلك لانتساب بعض القبائل إلى ملة من هذه الملل، أو بسبب المجاورة والانتقال إلى البلدان الأخرى.
ولم يقتصر العرب على ذلك، بل كانت لهم مواسم معينة يحتفلون بها ويجتمعون فيها وتتجلى هذه المواسم في الأسواق التي كانوا يقيمونها خلال شهور السنة، وينتقلون من بعضها إلى بعض يحضرها سائر العرب، بما عندهم من المآثر والمفآخر يأمنون فيها على دمائهم وأموالهم.
وقد كان للعرب أسواق كثيرة٤:
стр. 73
منها دومة الجندل ١: وكانوا ينزلونها أول يوم من ربيع الأول يجتمعون في أسواقها للبيع والشراء، والأخذ والعطاء والتبادل.
وكان أكيدر صاحب دومة الجندل يرعى الناس ويقوم بأمرهم أول يوم فيه ويستمر سوقهم إلى نصف الشهر، وربما غلب على السوق بنو كلب فيتولى أمرهم يومئذٍ بعض رؤساء بني كلب، فتقوم سوقهم إلى آخر الشهر٢.
ومنها المشقر٣: ويرتحلون إليه من دومة الجندل، ويقوم سوقها أول يوم من جمادي الآخرة إلى آخر الشهر، ويرد إلى هذا السوق تجار فارس ببضائعهم يقطعون البحر ليتاجروا مع من يقصد هذا السوق من العرب، وكان من أنواع بيعهم في هذا السوق الملامسة٤ والإيماء٥ والهمهمة٦ ويقوم بهذا السوق رؤساء بني تميم من بني عبد الله بن زيد رهط المنذر بن ساوي، وكانوا يتلقبون بألقاب الملك، ويسيرون في معاملتهم في السوق، سيرة الملوك بدومة جندل، حيث يأخذون العشر٧.
стр. 74
قلت: وهذا الفعل في البيع من عادات الفرس والمجوس ولعل العرب تأثروا بسبب تلك المخالطة.
ومنها سوق السحر١: وتقوم في النصف من شعبان ويقصدها التجار من البر والبحر، ولم تكن فيها عشور؛ لأنها ليست بأرض مملكة٢.
ومنها عكاظ٣: وهي أشهر أسواق العرب في الجاهلية وأعرقها، ولم تكن مقتصرة على البيع والشراء بل كانت سوق تجارة وسوق سياسة وأدب فيها يخطب كل خطيب مصقع، وفيها علقت القصائد السبع المشهورة افتخاراً بفصاحتها على من يحضر المواسم من شعراء القبائل.
وكان يأتيها قريش وهوازن وسليم وعقيل والمصطلق وطوائف من العرب، فمن كان له أسير سعى في فدائه، ومن له حكومة أرتفع إلى من له الحكومة، وكان الذي يقوم بأمر الحكومة فيها من بني تميم، وكان آخر من قام بها الأقرع ابن حابس، وكانت تقام فيها أشياء لم تكن في أسواق العرب الأخرى، وهي تقام للنصف من ذي القعدة إلى آخر الشهر٤.
стр. 75
وقد كان موضع عكاظ في الأصل مكاناً مقدساً، كما جاء ذلك عن أهل الأخبار فقد ذكروا أن العرب كانت تطوف بصخور هناك ويحجون إليها وينحرون إلى تلك الأصنام والأنصاب حتى تلطخت تلك الأصنام والأرض التي تحيط بها بدماء البدن ١. من هنا يتضح أن سبب تعظيم هذا الموضع لما له من مكانة دينية في نفوس العرب لوجود هذه الأصنام فيه.
وبالتتبع لأماكن إقامة هذه الأسواق نجد أنها في الأصل مواضع مقدسة لوجود أصنام فيها تعبدها القبائل، وتأتي إلى التقرب إليها في مواسم معينة، وهي مواسم حج تلك الأصنام فتتحول تلك المواسم إلى أسواق للبيع والشراء والتبادل والتفاخر، فهي بهذا تصبح أيام عبادة وتجارة وأيام فرح وسرور.
فمثلاً: نجد أن بني كلب كانوا يفدون إلى دومة الجندل للتقرب إلى صنم "ود" ومع ذلك يقام سوق في دومة الجندل.
وحقيقة هذه الأسواق والمواسم أنها جمعت بين الأعياد المكانية والأعياد الزمانية، فهي أعياد زمانية من ناحية تحديد قيام السوق والموسم، ومكانية من ناحية الموضع الذي يقام فيه السوق، وما يشتمل عليه من أصنام وأوثان وما يفعل حوله من التقرب بالذبح والنذر وغير ذلك من أمور الوثنية.
وقد جاء الإسلام وأبطل ذلك كله كما قال تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ ٢. وعوض عنها الأعياد المشروعة المكانية والزمانية المتضمنة لا خلاص العبادة لله وحده لا شريك له، والتي سيأتي بيانها إن شاء الله تعالى.