وقد ذكر بعض شراح الحديث أن اليومين هما النيروز والمهرجان١. والنيروز والمهرجان هما عيدان من أعياد المجوس، كما تقدم بيانه٢. فلعل العرب أخذوا ذلك عنهم.
ومن أعياد العرب أيضاً: "يوم السبع" وهو عيد من أعياد قبائل العرب يشتغلون فيه باللهو واللعب٣.
ومنها: احتفالهم بيوم السباسب، وهو يعرف بالشعانين، وهو أحد أعياد النصارى٤.
وقد جاء ذكر ذلك في بيت للنابغة٥:
رقاق النعال طيب حجزاتهم
يحيون بالريحان يوم السباسب٦
ومنها احتفالهم بعيد الفصح، حيث كانوا يوقدون المشاعل ويعمرون القناديل ويضيئون الكنائس ويقصدونها للاحتفال وإقامة العيد فيها٧.
стр. 72
كما كان بعض العرب في الجاهلية يعمدون أولادهم ويأخذونهم إلى الكنائس على نحو ما يفعله سائر النصارى ويحتفلون بذلك١.
وقد ذكر القزويني ٢ أن اليوم الأول من محرم معظم عند ملوك العرب يقعدون فيه للهناء، كما أن اليوم الأول من سنة الفرس كان عندهم معظماً، وهو يوم النيروز٣.
قلت: وهذا اليوم يماثل عيد رأس السنة عند اليهود أيضاً. فمما تقدم يتضح أن العرب، قد أخذوا بعض العادات في الأفراح والاحتفالات من أهل الديانات الأخرى؛ وذلك لانتساب بعض القبائل إلى ملة من هذه الملل، أو بسبب المجاورة والانتقال إلى البلدان الأخرى.
ولم يقتصر العرب على ذلك، بل كانت لهم مواسم معينة يحتفلون بها ويجتمعون فيها وتتجلى هذه المواسم في الأسواق التي كانوا يقيمونها خلال شهور السنة، وينتقلون من بعضها إلى بعض يحضرها سائر العرب، بما عندهم من المآثر والمفآخر يأمنون فيها على دمائهم وأموالهم.
وقد كان للعرب أسواق كثيرة٤:
стр. 73
منها دومة الجندل ١: وكانوا ينزلونها أول يوم من ربيع الأول يجتمعون في أسواقها للبيع والشراء، والأخذ والعطاء والتبادل.
وكان أكيدر صاحب دومة الجندل يرعى الناس ويقوم بأمرهم أول يوم فيه ويستمر سوقهم إلى نصف الشهر، وربما غلب على السوق بنو كلب فيتولى أمرهم يومئذٍ بعض رؤساء بني كلب، فتقوم سوقهم إلى آخر الشهر٢.
ومنها المشقر٣: ويرتحلون إليه من دومة الجندل، ويقوم سوقها أول يوم من جمادي الآخرة إلى آخر الشهر، ويرد إلى هذا السوق تجار فارس ببضائعهم يقطعون البحر ليتاجروا مع من يقصد هذا السوق من العرب، وكان من أنواع بيعهم في هذا السوق الملامسة٤ والإيماء٥ والهمهمة٦ ويقوم بهذا السوق رؤساء بني تميم من بني عبد الله بن زيد رهط المنذر بن ساوي، وكانوا يتلقبون بألقاب الملك، ويسيرون في معاملتهم في السوق، سيرة الملوك بدومة جندل، حيث يأخذون العشر٧.
стр. 74
قلت: وهذا الفعل في البيع من عادات الفرس والمجوس ولعل العرب تأثروا بسبب تلك المخالطة.
ومنها سوق السحر١: وتقوم في النصف من شعبان ويقصدها التجار من البر والبحر، ولم تكن فيها عشور؛ لأنها ليست بأرض مملكة٢.
ومنها عكاظ٣: وهي أشهر أسواق العرب في الجاهلية وأعرقها، ولم تكن مقتصرة على البيع والشراء بل كانت سوق تجارة وسوق سياسة وأدب فيها يخطب كل خطيب مصقع، وفيها علقت القصائد السبع المشهورة افتخاراً بفصاحتها على من يحضر المواسم من شعراء القبائل.
وكان يأتيها قريش وهوازن وسليم وعقيل والمصطلق وطوائف من العرب، فمن كان له أسير سعى في فدائه، ومن له حكومة أرتفع إلى من له الحكومة، وكان الذي يقوم بأمر الحكومة فيها من بني تميم، وكان آخر من قام بها الأقرع ابن حابس، وكانت تقام فيها أشياء لم تكن في أسواق العرب الأخرى، وهي تقام للنصف من ذي القعدة إلى آخر الشهر٤.
стр. 75
وقد كان موضع عكاظ في الأصل مكاناً مقدساً، كما جاء ذلك عن أهل الأخبار فقد ذكروا أن العرب كانت تطوف بصخور هناك ويحجون إليها وينحرون إلى تلك الأصنام والأنصاب حتى تلطخت تلك الأصنام والأرض التي تحيط بها بدماء البدن ١. من هنا يتضح أن سبب تعظيم هذا الموضع لما له من مكانة دينية في نفوس العرب لوجود هذه الأصنام فيه.
وبالتتبع لأماكن إقامة هذه الأسواق نجد أنها في الأصل مواضع مقدسة لوجود أصنام فيها تعبدها القبائل، وتأتي إلى التقرب إليها في مواسم معينة، وهي مواسم حج تلك الأصنام فتتحول تلك المواسم إلى أسواق للبيع والشراء والتبادل والتفاخر، فهي بهذا تصبح أيام عبادة وتجارة وأيام فرح وسرور.
فمثلاً: نجد أن بني كلب كانوا يفدون إلى دومة الجندل للتقرب إلى صنم "ود" ومع ذلك يقام سوق في دومة الجندل.
وحقيقة هذه الأسواق والمواسم أنها جمعت بين الأعياد المكانية والأعياد الزمانية، فهي أعياد زمانية من ناحية تحديد قيام السوق والموسم، ومكانية من ناحية الموضع الذي يقام فيه السوق، وما يشتمل عليه من أصنام وأوثان وما يفعل حوله من التقرب بالذبح والنذر وغير ذلك من أمور الوثنية.
وقد جاء الإسلام وأبطل ذلك كله كما قال تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ ٢. وعوض عنها الأعياد المشروعة المكانية والزمانية المتضمنة لا خلاص العبادة لله وحده لا شريك له، والتي سيأتي بيانها إن شاء الله تعالى.
стр. 76
الباب الثاني: مشروعية مخالفة الكفار
الفصل الأول: النهي عن مشابهة الكفار
المبحث الأول: تعريف التشبه في اللغة والاصطلاح
...
المبحث الأول: تعريف التشبه في اللغة والاصطلاح
التشبه في اللغة:
من شبه "الشين والباء والهاء" أصل واحد يدل على تشابه الشيء وتشاكله لوناً ووصفاً١.
يقال شبه وشبه بالكسر والتحريك وشبيه كأمير وتشبه بفلان بكذا وتشبه بغيره ماثله في العمل والتشبيه أي التمثيل٢.
وفي المثل: من يشبه أبه فما ظلم.
وفي التنزيل: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ ٣.
المتشابهات في الآية من الاشتباه وهو الالتباس كما ذكر صاحب المصباح المنير، فليست شاهداً على التشابه والشبه!!.
قيل معناه: يشبه بعضه بعضاً٤.
فالمشابهة المشاركة في معنى من المعاني والاشتباه الالتباس٥.
أما في الاصطلاح:
فهو: عبارة عن محاولة الإنسان أن يكون شبه المتشبه به أو على هيئته وحليته ونعته وصفته، أو هو: عبارة عن تكلف ذلك وتقصده وتعلمه.
стр. 77
وقد يعبر عن التشبه بالتشكل والتمثل والتزيى والتحلي والتخلق، أو يختص هذا الأخير بتكلف الأخلاق والطبائع والصفات اللازمة١.
وقال المناوي٢ شارحاً معنى (من تشبه بقوم فهو منهم) ٣. أي تزيا في ظاهره بزيهم وفي تعرفه بفعلهم وفي تخلقه بخلقهم، وسار بسيرتهم وهديهم في ملبسهم وبعض أفعالهم أي وكان التشبه بحق قد طابق فيه الظاهر والباطن.
وقال بعضهم قد يقع التشبه في أمور قلبية من الاعتقادات والإرادات، وأمور خارجية من أقوال وأفعال، قد تكون عبادات، وقد تكون عادات في نحو طعام ولباس ومسكن ونكاح واجتماع وافتراق وإقامة وركوب وغيرها٤.
قلت: يفهم من هذا أن التشبه يتضمن الاعتقادات والعبادات، والأخلاق والعادات الظاهرة.
ولكن أكثر ما يقع التشبه في الأخلاق والمظاهر البارزة والعادات، وهذه الأشياء هي التي تدل على اعتقاد الإنسان وأفكاره وما انطوت عليه نفسه، ومدى تأثره بالمجتمع الذي يعيش فيه والاتجاه الذي يسلكه.
ولقد حرص الإسلام كل الحرص في تكوين شخصية مستقلة للفرد المسلم وللمجتمع الإسلامي مستوحاة من الكتاب والسنة لإبراز ذاتيته، بحيث لا يكون المسلم أمعة يقلد بدون وعي، أو إدراك، لذا جاء النهي عن مشابهة
стр. 78
الكفار ومشاكلتهم لما في ذلك من تأثير على العقيدة؛ لأن التشبه بالكفار في الظاهر يورث المودة والمحبة، ويكون تابعاً لهم، وهذا ينافي الإيمان، والله يريد العزة والكرامة للمسلم. قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ١. وهذا ما سيأتي توضيحه في المباحث التالية.
стр. 79
المبحث الثاني: أدلة تحريم التشبه بالكفار
لقد دل الكتاب والسنة على مخالفة الكفار والنهي عن مشابهتهم وأن ذلك من مقاصد الشريعة.
ـ أولاً: من الكتاب:
١ ـ قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ ١.
فالله يأمر في هذه الآية أن نطلب الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو الإسلام الصحيح الخالي من الزيادة والنقصان النقي من كل بدعة وخرافة.
هذا الصراط الذي هو أقرب الطرق إلى ما يحب الله ويرضى وطبق ما أمر، وبلغ رسول الله ﷺ ، وهو الصراط الذي قال عنه: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
ومعنى قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ أي غير صراط المغضوب عليهم، وهم الذين فسدت إراداتهم فعلموا الحق وعدلوا عنه، وغير صراط الضالين، وهم الذين فقدوا العلم هائمين في الضلالة لا
стр. 80
يهتدون إلى الحق، وأكد الكلام بـ "لا" ليدل أن ثم مسلكين فاسدين وهما طريق اليهود المغضوب عليهم وطريق النصارى الضالين ١.
٢ ـ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرائيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ٢.
أخبرنا : أنه أنعم على بني إسرائيل بنعم الدنيا وأنهم اختلفوا بعد مجيء العلم بغياً من بعضهم على بعض، ثم جعل محمداً ﷺ على شريعة شرعها له، وأمره باتباعها، ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون، وقد دخل في الذين لا يعلمون كل من خالف شريعته.
وأهواؤهم: هو ما يهوونه وما عليه المشركون من هديهم الظاهر، الذي هو من موجبات دينهم الباطل، وتوابع ذلك، فهم يهوونه وموافقتهم فيه
стр. 81
اتباع لما يهوونه؛ ولهذا يفرح الكافرون بموافقة المسلمين في بعض أمورهم، ويسرون به، ويودون أن لو بذلوا عظيماً ليحصل ذلك.
ولو فرض أن ليس الفعل من اتباع أهوائهم فلا ريب أن مخالفتهم في ذلك أحسم لمادة متابعتهم وأعون على حصول مرضاة الله في تركها، وأن موافقتهم في ذلك قد تكون ذريعة إلى موافقتهم في غيرها، فإن من حام حول الحمى أوشك أن يواقعه وأي الأمرين كان، حصل المقصود في الجملة، وإن كان الأولى أظهر١.
٣ ـ قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ ٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه الآية: فانظر كيف قال في الخبر "ملتهم" وقال في النهي "أهواءهم" لأن القوم لا يرضون إلا باتباع الملة مطلقاً، والزجر وقع عن اتباع أهوائهم في قليل أو كثير، ومن المعلوم أن متابعتهم في بعض ما هم عليه من الدين، نوع متابعة لهم في بعض ما يهوونه، أو مظنة لمتابعتهم فيما يهوونه٣.
стр. 82
وقال ابن كثير: وفيه تهديد ووعيد شديد للأمة على اتباع طرائق اليهود والنصارى بعد ما علموا من القرآن والسنة ـ عياذاً بالله من ذلك ـ فإن الخطاب للرسول والأمر لأمته١.
٤ ـ قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٢.
وهم اليهود والنصارى٣ الذين افترقوا على أكثر من سبعين فرقة؛ ولهذا نهى النبي ﷺ عن متابعتهم في نفس والاختلاف مع أنه ﷺ أخبر أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كما جاء في الحديث "افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة" ٤.
فالنهي عن المماثلة قد يعم بطريق اللفظ والمعنى، كقولك: "لا تكن مثل فلان"وإن لم يعم دل على أن جنس مخالفتهم، وترك مشابهتهم أمر مشروع ودل على أنه كلما بعد الرجل عن مشابهتهم فيما لم يشرع لنا كان أبعد عن الوقوع في نفس المشابهة المنهي عنها، وهذه مصلحة جليلة٥.
стр. 83
٥ ـ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ١.
فالذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً هم الكفار، كما في قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٢.
ويدخل في هذه الآية: كل من فارق دين الله وكان مخالفاً له، كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات، وقد برأ الله تعالى الرسول ﷺ مما هم فيه. فقوله: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ يقتضي تبرؤه منهم في جميع الأشياء٣.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك: ومن تابع غيره في بعض أموره، فهو منه في ذلك الأمر؛ لأن قول القائل: أنا من هذا، وهذا مني. أي أنا من نوعه وهو من نوعي؛ لأن الشخصين لا يتحدان بالنوع، كما في قوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ ٤. وقوله ﵊: "أنت مني وأنا منك" ٥.
فقول القائل: لست من هذا في شيء، أي لست مشاركاً له في شيء، بل أنا متبرئ من جميع أموره.
стр. 84
وإذا كان الله قد برأ رسوله ﷺ من جميع أمورهم، فمن كان متبعاً للرسول ﷺ حقيقة كان متبرئاً كتبرئه، ومن كان موافقاً لهم كان مخالفاً للرسول بقدر موافقته لهم، فإن الشخصين المختلفين من كل وجه في دينهما، كلما شابهت أحدهما خالفت الآخر ١.
٦ ـ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ٢.
قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: "ولهذا نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بهم في شيء من الأمور الأصلية والفرعية"٣.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: فقوله: ﴿وَلا تَكُونُوا﴾ نهي مطلق عن مشابهتهم، وهو خاص أيضاً في النهي عن مشابهتهم في قسوة القلوب، وقسوة القلوب من ثمرات المعاصي ٤.
٧ ـ قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٥.
стр. 85
أي لا تسلك طريق الذين يفسدون في الأرض بمعصيتهم ربهم، ومعونتهم أهل المعاصي على عصيانهم، ولكن اسلك سبيل المطيعين١.
ففي هذه الآيات المتقدمة دلالة على النهي عن التشبه بالكفار في أي حال وأي موضع، وان كل ذلك يدل على أن جنس مخالفتهم وترك مشابهتهم أمر واجب.
ثانياً: من السنة:
١ ـ عن ابن عمر ﵄ قال: قال ﷺ : "من تشبه بقوم فهو منهم" ٢. وهذا الحديث يعتبر أصلاً من أصول هذه المسألة. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية فيه: إسناده جيد.
وأقل أحواله: أنه يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان في ظاهره يقتضي كفر المتشبه به، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُم﴾ ٣٤.
وقال ابن رجب٥: هذا يدل على أمرين:
стр. 86
أحدهما: التشبه بأهل الشر. مثل: أهل الكفر والفسوق والعصيان، وقد وبخ الله من تشبه بهم في شيء من قبائحهم. فقال تعالى: ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ ١.
والثاني: التشبه بأهل الخير والتقوى والإيمان والطاعة، فهذا حسن مندوب إليه، ولهذا يشرع الاقتداء بالنبي ﷺ في أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته وآدابه وأخلاقه.
وذلك مقتضى المحبة الصحيحة، فإن المرء مع من أحب، ولابد من مشاركته في أصل عمله وإن قصر في المحبة عن درجته ٢.
٢ ـ وعن ابن عمر أيضاً قال: قال ﷺ : "خالفوا المشركين احفوا الشوارب ووافوا اللحى"٣.
٣ ـ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إن اليهود والنصارى لا يصبغون، فخالفوهم" ٤.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أمر بمخالفتهم، وذاك يقتضي أن يكون جنس مخالفتهم أمراً مقصوداً للشارع؛ لأنه إن كان الأمر بجنس المخالفة حصل المقصود، وإن كان الأمر المخالفة في تغيير الشعر فقط هو لأجل ما فيه من
стр. 87
المخالفة، فالمخالفة أما علة مفردة، أو علة أخرى، أو بعض علة، وعلى التقديرات تكون مأموراً بها مطلوبة من الشارع١.
٤ ـ وعنه أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : "غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود" ٢. هذا اللفظ دل على الأمر بمخالفتهم والنهي عن مشابهتهم، فإنه إذا نهى عن التشبه بهم في بقاء بياض الشيب، الذي ليس من فعلنا؛ فلأن ينهى عن إحداث التشبه بهم أولى٣.
٥ ـ نهيه ﷺ عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، وعلل بأنه "حينئذٍ يسجد لها الكفار" ٤.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومعلوم أن المؤمن لا يقصد السجود إلا لله تعالى، وأكثر الناس قد لا يعلمون أن طلوعها وغروبها بين قرني شيطان، ولا أن الكفار يسجدون لها، ثم أنه ﷺ نهى عن الصلاة في هذا الوقت حسماً لمادة المشابهة بكل طريق"٥.
فهذه النصوص وغيرها تهدف إلى سد الذرائع؛ لأن المشابهة في الظاهر ذريعة إلى الموافقة في القصد والعمل٦.
стр. 88
ومما تقدم يتضح: أن الشريعة قطعت المشابهة في الجهات والأوقات والهيئات وغيرها من الأمور التي يكون فعلها مشابهة للكفار، والأحاديث في ذلك كثيرة ومستفيضة، فالنهى عن المشابهة لا ينحصر في باب واحد من أبواب الشريعة، بل نصوص السنة شاملة لجميع الأبواب من عبادات وآداب واجتماعات وعادات وغير ذلك، وما وأوردته فهو أمثلة للنهي عن المشابهة فقط وليس المراد الحصر.
стр. 89
المبحث الثالث: أخباره ﷺ بوقوع المشابهة في أمته
ومع ورود الأدلة في النهى عن مشابهة الكفار ومشاكلتهم، فقد أخبر ﷺ أن أمته ستتبع من كان قبلهم من اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم، والأحاديث في ذلك كثيرة، منها:
١ ـ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ "لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبراً بشير وذراعاً بذراع فقيل يا رسول الله كفارس والروم؟ فقال: ومن الناس إلا أولئك" ١.
٢ ـ وعن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضبٍ تبعتموهم. قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ " ٢.
والسنن بفتح السين والنون هو الطريق، ويجوز في السين الضم والكسر٣.
قال النووي والمراد بالشبر والذراع وجحر الضب: التمثيل بشدة الموافقة لهم في المعاصي والمخالفات ٤.
стр. 90
قال القاضي عياض ١: "الشبر والذراع والطريق ودخول الجحر تمثيل للاقتداء بهم في كل شيء مما نهى الشرع عنه وذمه".
وقال ابن بطال٢: "علم ﷺ أن أمته ستتبع المحدثات من الأمور والبدع والأهواء كما وقع للأمم قبلهم"٣.
وما ورد عنه ﷺ من استنان هذه الأمة بمن قبلها من الأمم خرج مخرج الخبر عن وقوع ذلك، والذم لمن يفعله، كما كان يخبر عما يفعله الناس بين يدي الساعة من الاشراط والأمور المحرمات.
فعلم أن مشابهتها لليهود والنصارى وفارس والروم مما ذمه الله ورسوله ﷺ وهو المطلوب٤.
وقد صدق ﷺ حيث وقع ما أخبر به من ذلك الاتباع ولا سيما في هذا العصر الذي أصبح فيه التقليد والمشابهة سمة لأهله ولم يبق شيء مما فعله أعداء الإسلام إلا ويفعل مثله في كثير من أقطار المسلمين ولم ينج من ذلك إلا من رحم الله وهم القليل.
стр. 91
وكما أخبر ﷺ عن اتباع سنن من كان قبلنا واقتفاء أثرهم فقد أخبر أنه لا تزال طائفة من أمته على الحق منصورة متبعين سنته مقتفين أثر الصحابة والسلف الصالح إلى أن تقوم الساعة.
وقد دلت الأحاديث على ذلك، فمنها:
١ ـ عن المغيرة بن شعبة قال: قال ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون" ١.
٢ ـ قوله ﷺ : "لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من كذبهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك" ٢.
٣ ـ قوله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق وظاهرين إلى يوم القيامة" ٣.
وغير ذلك من الأحاديث التي جاء فيها التزام طائفة من أمته ﷺ بالحق ولا يضرها من خالفها.
وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "فعلم بخبره الصدق أنه في أمته قوم مستمسكون بهديه، الذي هو دين الإسلام محضاً وقوم منحرفون إلى شعبة من
стр. 92
شعب اليهود، أو إلى شعبة من شعب النصارى، وإن كان الرجل لا يكفر بكل انحراف، بل وقد لا يفسق أيضاً، بل قد يكون الانحراف كفراً، وقد يكون فسقاً، وقد يكون معصية، وقد يكون خطأ.
وهذا الانحراف أمر تتقاضاه الطباع ويزينه الشيطان؛ فلذلك أمر العبد بدوام دعاء الله سبحانه بالهداية إلى الاستقامة التي لا يهودية فيها ولا نصرانية أصلاً"١.
قلت: فإخباره ﷺ كما تقدم جاء في معرض النهي والتحذير واتخاذ أسباب الوقاية؛ وذلك بالتمسك بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ واقتفاء أثر السلف الصالح والحذر من الابتداع في الدين، واتقاء أسباب الضلالة والغواية.
стр. 93
المبحث الرابع: أثر مشابهة الكفار
من المعلوم أن النبي ﷺ قد بين لأمته ووضح، فما من خير إلا ودل عليه وما من شر إلا حذر منه، ومن ذلك تحذيره ﷺ من مشابهة الكفار والأمر بمخالفتهم لما في المشابهة من الآثار السيئة.
وذلك أن الله تعالى جعل بني آدم، بل سائر المخلوقات على التفاعل بين الشيئين المتشابهين، وكلما كانت المشابهة أكثر كان التفاعل في الأخلاق والصفات أتم، حتى يؤول الأمر إلى أن لا يتميز أحدهما عن الآخر إلا بالعين فقط.
والمشاركة بين بني الإنسان أشد تفاعلاً فلأجل هذا الأصل وقع التأثر والتأثير في بني آدم فاكتسب بعضهم أخلاق بعض بالمعاشرة والمشاكلة.
فالمشابهة والمشاكلة في الأمور الظاهرة، توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنة على وجه المسارقة والتدريج الخفي.
فمثلاً نجد أن اليهود والنصارى الذين عاشروا المسلمين، هم أقل كفراً من غيرهم، كما أن المسلمين الذين أكثروا من معاشرة اليهود والنصارى هم أقل إيماناً من غيرهم ممن جرد الإسلام.
ثم أن المشاركة في الهدي الظاهر توجب مناسبة وائتلافاً وان بعد المكان والزمان، وهو أمر محسوس بل إنها تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن،
стр. 94
كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر، وهو أمر يشهد به الحس والتجربة، حتى أن الرجلين إذا كانا من بلد واحد، ثم اجتمعا في دار غربة، كان بينهما من المودة، والائتلاف أمر عظيم، وإن كانا في مصرهما لم يكونا متعارفين، أو كانا متهاجرين؛ وذلك لأن الاشتراك في البلد وصف اختصا به في بلد الغربة، بل لو اجتمع رجلان في سفر، أو بلد غريب وكانت بينهما مشابهة في العمامة أو الثياب أو الشعر ونحو ذلك لكان بينهما من الائتلاف أكثر من غيرهما.
وهذا كله موجب الطباع ومقتضاه إلا أن يمنع من ذلك دين أو غرض خاص، فإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية، تورث المحبة والموالاة، فكيف بالمشابهة في أمور دينية؟ نعم إن إفضاءها إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد، والمحبة والموالاة لهم تنافي الإيمان. قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ ١.
فأخبر أنه لا يوجد مؤمن يواد كافراً، فمن واد الكفار فليس بمؤمن٢. والمشابهة الظاهرة مظنة الموادة فتكون محرمة٣.
ومن هنا يتضح أن أمر الشارع الحكيم بمخالفة الكفار في الهدي الظاهر، كان لحكم جليلة منها:
стр. 95
١ ـ أن المشاركة في الهدى الظاهر تورث تناسباً وتشاكلاً بين المتشابهين يقود إلى موافقة ما في الأخلاق والأعمال. وهذا أمر محسوس فإن اللابس لثياب العلماء يجد من نفسه نوع الانضمام إليهم، واللابس لثياب الجند المقاتلة مثلاً يجد من نفسه نوع تخلق بأخلاقهم ويصير طبعه مقتضياً لذلك إلا أن يمنعه مانع.
٢ ـ أن المخالفة في الهدى الظاهر توجب مباينة ومفارقة توجب الانقطاع عن موجبات الغضب، وأسباب الضلال، والانعطاف على أهل الهدى والرضوان، وتحقق ما قطع الله من الموالاة بين جنده المفلحين وأعدائه الخاسرين. وكلما كان القلب أتم حياة، وأعرف بالإسلام الحق، كان إحساسه بمفارقة اليهود والنصارى باطناً وظاهراً أتم، وبعده عن أخلاقهم الموجودة في بعض المسلمين أشد.
٣ ـ أن مشاركتهم في الهدى الظاهر، توجب الاختلاط الظاهر، حتى يرتفع التميز ظاهراً، بين المهديين المرضيين، وبين المغضوب عليهم والضالين إلى غير ذلك من الأسباب الحكمية.
هذا إذا لم يكن ذلك الهدى الظاهر إلا مباحاً محضاً لو تجرد عن مشابهتهم، فأما إن كان من موجبات كفرهم كان شعبة من شعب الكفر، فموافقتهم فيه موافقة في نوع من أنواع معاصيهم، وهذا أصل ينبغي أن يتفطن إليه١.
стр. 96
الفصل الثاني: مشابهة الكفار في أعيادهم
المبحث الأول: الأدلة على تحريم مشابهة الكفار في أعيادهم
...
المبحث الأول: الأدلة على تحريم مشابهة الكفار في أعيادهم
يتضح مما تقدم أن تحريم مشابهة الكفار عموماً في جميع أمورهم صغيرها وكبيرها من مطالب الشريعة، كما نصت على ذلك الأدلة وسنذكر في هذا الفصل بمزيد من البيان والتفصيل ما يتعلق بمشابهتهم في أعيادهم، لا سيما وان الشرع قد خص المسألة بأدلة خاصة فضلاً على ما تقدم من الأدلة العامة.
ومما ورد من الأدلة في تحريم مشابهة الكفار في أعيادهم ما يلي:
أولاً: من الكتاب:
١ ـ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ ١.
جاء عن بعض التابعين أن المراد بالزور في هذه الآية أعياد المشركين٢. وفي رواية عن ابن سيرين٣ أن المراد به "يوم الشعانين"٤.
стр. 97
وقال عكرمة١: "لعب كان في الجاهلية يسمى بالزور"٢، وقيل: "أن الزور هو الشرك وعبادة الأصنام، وقيل: الكذب والفسق والكفر واللغو والباطل"٣.
وقال قتادة٤: "المراد لا يساعدون أهل الباطل على باطلهم"٥.
قلت: وأعياد الكفار من الباطل ومشاركتهم فيها إعانة لهم على فعل ذلك الباطل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقول هؤلاء التابعين أنه أعياد الكفار، ليس مخالفاً لقول بعضهم: أنه الشرك أو صنم كان في الجاهلية، ولقول بعضهم: أنه مجالس الخنا، وقول بعضهم أنه الغناء؛ لأن عادة السلف في تفسيرهم، هكذا يذكر الرجل نوعاً من أنواع المسمى لحاجة المستمع إليه، أو لينبه به على الجنس.
ووجه تفسير التابعين المذكورين أن الزور: هو المحسن المموه حتى يظهر بخلاف ما هو عليه في الحقيقة.
стр. 98
ومنه قوله ﷺ : "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور" ١ لما كان يظهر مما يعظم به مما ليس عنده. فالشاهد بالزور يظهر كلاماً يخالف الباطن؛ ولهذا فسره السلف تارة بما يظهر حسنه لشبهة، أو لشهوة وهو قبيح الباطن. فالشرك ونحوه: يظهر حسنه للشبهة، والغناء ونحوه يظهر حسنه للشهوة.
وأما أعياد المشركين فجمعت الشبهة والشهوة، وهي باطل إذ لا منفعة فيها للدين، وما فيها من اللذة العاجلة، فعاقبتها إلى الألم، فصارت زوراً وحضورها شهودها.
وإذا كان الله قد مدح ترك شهودها الذي هو مجرد الحضور برؤية أو سماع، فكيف بالموافقة بما يزيد على ذلك من العمل الذي هو عمل الزور لا مجرد شهوده ٢.
وهذا هو ما وقع فيه كثير من المسلمين فلم يقتصر على المشاهدة والتهنئة بل شاركوا في إقامة الأعياد والاحتفال، حتى أصبح لا فرق بين المسلم والكافر في كيفية إقامة مثل هذه الاحتفالات، بل الجامع لهم الفرح والسرور في ذلك.
٢ ـ قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ ٣.
стр. 99
روي عن ابن عباس ﵄ في تفسير ذلك أنه قال: عيداً.
قال قتادة ومجاهد١: موضع قربان يذبحون فيه، وقيل: موضع عبادة، وقيل: مألفاً يألفونه.
والمنسك في كلام العرب: الموضع المعتاد لعمل خير أو شر، ومنه مناسك الحج٢.
قلت: ومعنى العيد مأخوذ من المعاودة سواء أكان زماناً، أو مكاناً. والآية شاملة لذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه الآية: فالأعياد من جملة الشرع والمناهج والمناسك التي نصت عليها الآية وهي: كالقبلة والصلاة والصيام فلا فرق بين مشاركتهم في العيد وبين مشاركتهم في سائر المناهج، بل الأعياد هي أخص ما تتميز به الشرائع، ومن أظهر مالها من الشعائر، فالموافقة فيها موافقة في أخص شرائع الكفر وأظهر شعائره٣وكما في قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ ٤. أوجب ذلك اختصاص كل قوم بوجهتهم وبشرعتهم وذلك أن اللام تورث
стр. 100
الاختصاص، فان كان لليهود عيد، وللنصارى عيد، كانوا مختصين به فلا نشركهم فيه، كما لا نشركهم في قبلتهم وشرعتهم ١.
ثانياً: من السنة:
١ ـ عن أنس بن مالك ﵁ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبان فيهما فقال: "ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نعلب فيهما في الجاهلية، فقال: رسول الله ﷺ : إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما يوم الأضحى ويوم الفطر"٢.
وجه الدلالة:
أن العيدين جاهليين لم يقرهما رسول الله ﷺ ولم يتركهم يلعبون فيهما على العادة، بل قال: "قد أبدلكم بهما يومين آخرين" والإبدال من الشيء يقتضي ترك المبدل إذ لا يجمع بين البدل والمبدل منه.
فقوله ﷺ : "إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما" يقتضي ترك الجمع بينهما لا سيما. وقوله: "خيراً منهما" يقتضي الاعتياض بما شرع لنا، عما كان في الجاهلية ٣.
ومن هنا يتضح النهي عن إحياء مثل هذه الأعياد، أو المشاركة فيها لصريح نهيه ﷺ .
стр. 101
٢ ـ عن ثابت بن الضحاك ﵁. قال نذر رجل على عهد رسول الله ﷺ ، أن ينحر إبلاً في بوانة ١ فأتى رسول الله ﷺ فقال: إني نذرت أن أنحر إبلاً ببوانة فقال النبي ﷺ "هل فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ " قالوا: لا؟ قال: "فهل كان فيها عيد من أعيادهم"قالوا: لا. قال رسول الله ﷺ : "أوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر فيه معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم" ٢.
وجه الدلالة:
إن هذا الحديث يدل على أن الذبح بمكان أعياد أهل الجاهلية ومحل أوثانهم معصية لله سبحانه.
فإذا كان النبي ﷺ قد نهى أن يذبح في مكان كان الكفار يعملون فيه عيداً، وإن كان أولئك الكفار قد اسلموا وتركوا ذلك العيد، والسائل لا يتخذ المكان عيداً، بل يذبح فيه فقط، فقد ظهر أن ذلك سداً للذريعة إلى بقاء شيء من أعيادهم، خشية أن يكون الذبح هناك سبباً لأحياء أمر تلك البقعة، وذريعة إلى اتخاذها عيداً.
وفي هذا نهى شديد عن أن يفعل شيء من أعياد الجاهلية على أي وجه كان، سواءً أكان عيداً مكانياً أو زمانياً٣.
стр. 102
٣ ـ ما جاء عن أبي هريرة وحذيفة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : "أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة" ١.
ذكر في هذا الحديث أن الجمعة لنا، كما أن السبت لليهود والأحد للنصارى واللام تقتضي الاختصاص، فأوجب ذلك أن يكون كل واحد مختصاً بما جعل له، ولا يشركه فيه غيره، فإذا نحن شاركناهم في عيدهم يوم السبت، أو عيدهم يوم الأحد خالفنا هذا الحديث، وإذا كان هذا في العيد الأسبوعي، فكذلك في العيد الحولي، إذ لا فرق بل إذا كان هذا في عيد يعرف بالحساب العربي، فكيف بأعياد الكافرين العجمية التي لا تعرف إلا بالحساب الرومي القبطي، أو الفارسي أو العبري ونحو ذلك ٢.
٤ ـ ما روى كريب مولى ابن عباس ﵄ قال: "أرسلني ابن عباس وناس من أصحاب النبي ﷺ إلى أم سلمة ﵂ أسألها أي الأيام كان النبي ﷺ أكثرها صياماً؟ قالت: كان يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر ما يصوم من الأيام ويقول: إنهما يوما عيد للمشركين فأنا أحب أن أخالفهم" ٣.
стр. 103
وجه الدلالة:
إن هذا الحديث نص في شرع مخالفتهم في عيدهم١. فالسبت عيد اليهود والأحد عيد النصارى وهما يوما فرح وسرور عندهم.
ثالثاً: من الآثار:
١ ـ ما جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ "لا تعلموا رطانة الأعاجم، ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم، فإن السخطة تنزل عليهم"٢.
٢ ـ كما جاء عنه أيضاً أنه قال: "اجتنبوا أعداء الله في عيدهم"٣.
٣ ـ وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: "من بنى ببلاد الأعاجم فصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت، وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة"٤.
٤ ـ عن محمد بن سيرين قال: "أتى علي ﵁ بهدية النيروز فقال ما هذه؟ قالوا: يا أمير المؤمنين هذا يوم النيروز قال: فاصنعوا كل يوم فيروزاً، قال أبو أسامة: كره ﵁ أن يقول نيروزاً"٥.
стр. 104
وجه الدلالة:
في هذه الآثار نص صريح على وجوب مخالفة الكفار في أعيادهم وعدم مشاركتهم فيها.
فعمر نهى عن تكلم لسانهم، وعن مجرد دخول الكنيسة عليهم يوم عيدهم، فكيف بفعل بعض أفعالهم، أو فعل ما هو من مقتضيات دينهم أليست الموافقة في العمل أعظم من الموافقة في اللغة؟، أو ليس عمل بعض أعمال أعيادهم أعظم من مجرد الدخول عليهم في عيدهم؟.
وإذا كان السخط ينزل عليهم يوم عيدهم بسبب عملهم، فمن يشركهم في العمل أو بعضه، أليس قد تعرض لعقوبة ذلك؟.
ثم قوله: " اجتنبوا أعداء الله في عيدهم" أليس نهينا عن لقائهم والاجتماع بهم فيه، فكيف بمن عمل عيدهم١.
أما عبد الله بن عمرو فيقتضي كلامه أنه جعله كافراً بمشاركتهم في مجموع هذه الأمور، أو جعل ذلك من الكبائر الموجبة للنار وإن كان الأول ظاهر لفظه.
أما علي ﵁ فكره موافقتهم في اسم العيد الذي ينفردون به فكيف بموافقتهم في العمل٢ وفي هذا يقول البيهقي: الكراهة لتخصيص يوم بذلك لم يجعله الشرع مخصوصاً٣.
فموافقتهم في أعيادهم من أسباب سخط الله تعالى؛ لأنه إما محدث أو منسوخ٤.
стр. 105
رابعاً: الإجماع:
فلقد جاء في شروط عمر ﵁، التي اتفق عليها الصحابة وسائر الفقهاء بعدهم " أن أهل الذمة لا يخرجون صليباً ولا كتاباً في أسواق المسلمين ولا يظهرون أعيادهم، وذكر منها الباعوث والشعانين، ولا يظهرون النيران في أسواق المسلمين ..."١.
ولقد نقل الاتفاق شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: "فإذا كان المسلمون قد اتفقوا على منعهم من إظهارها، فكيف يسوغ للمسلمين فعلها؟ أو ليس فعل المسلم لها أشد من فعل الكافر لها، مظهراً لها؟ ٢.
وإليك بعض أقوال العلماء في النهي عن مشابهة الكفار ومشاركتهم في أعيادهم:
١ ـ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولا نتشبه بهم في الأعياد فلا يعان المسلم المتشبه بهم في ذلك، بل ينهي عن ذلك، فمن صنع دعوة مخالفة للعادة في أعيادهم لم تجب دعوته، ومن أهدى من المسلمين هدية في هذه الأعياد، مخالفة للعادة في سائر الأوقات، غير هذا العيد، لم تقبل هديته، خصوصاً إن كانت الهدية مما يستعان بها على التشبه بهم"٣.
стр. 106
قال ابن الحاج١: وكره ابن القاسم للمسلم أن يهدي إلى النصراني في عيده مكافأة له، ورآه من تعظيم عيده وعوناً له على مصلحة كفره، ألا ترى أنه لا يحل للمسلمين أن يبيعوا للنصارى شيئاً من مصلحة عيدهم ... ولا يعانون على شيء من دينهم، وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك، وهو قول مالك وغيره٢.
وقال ابن كثير عند حديث: "من تشبه بقوم فهو منهم" فليس للمسلم أن يتشبه بهم لا في أعيادهم ولا مواسمهم ولا في عباداتهم؛ لأن الله تعالى شرف هذه الأمة بخاتم الأنبياء الذي شرح له الدين العظيم القويم الشامل الكامل، الذي لو كان موسى بن عمران الذي أنزلت عليه التوراة وعيسى بن مريم الذي أنزل عليه الإنجيل حييّن لم يكن لهما شرع متبع، بل لو كانا موجود ين، بل وكل الأنبياء لما ساغ لواحد منهم أن يكون على غير هذه الشريعة المكرمة المعظمة، فإذا كان الله تعالى قد منّ علينا بأن جعلنا من أتباع محمد ﷺ ، فكيف يليق بنا أن نتشبه بقوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل، فقد بدلوا دينهم وحرفوه وأولوه حتى صار كأنه غير ما شرح لهم أولاً.
стр. 107
ثم هو بعد ذلك كله منسوخ والتمسك بالمنسوخ حرام لا يقبل الله منه قليلاً ولا كثيراً ولا فرق بينه وبين الذي لم يشرع بالكلية والله يهدي من يشاء إلى الصراط المستقيم١.
وقال ابن النحاس ٢: " واعلم أن أقبح البدع وأشنعها موافقة المسلمين للنصارى في أعيادهم بالتشبه بهم في مأكلهم وأفعالهم والهدية إليهم وقبول ما يهدونه من مأكلهم في أعيادهم، وقد عاني هذه البدعة أهل بلاد مصر، وفي ذلك من الوهن في الدين، وتكثير سواد النصارى والتشبه بهم ما لا يخفى.
وقد تكون المهاداة في الأعياد سبباً للتآلف بينهم وبين من يهدون إليه من المسلمين وتربية المودة والمحبة، وقد قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ ٣.
فالواجب على كل قادر أن ينكر على أهل الذمة التظاهر بأعيادهم ومواسمهم، ويمنع من أراد من المسلمين التشبه بهم في شيء من أفعالهم ومأكلهم وملابسهم ومخالطتهم فيها، ومن يضلل الله فلا هادي له، وهو على كل شيء قدير٤.
стр. 108
المبحث الثاني: أمثلة لوقوع المشابهة في أعياد الكفار
مع صراحة الأدلة ووضوحها في تحريم مشابهة الكفار في أعيادهم فضلاً عن مشاركتهم فيها، نجد أن بعض المسلمين خالفوا تلك النصوص فحاكوا الكفار في أعيادهم وشاركوهم أفراحهم، وهذا مصداقاً لقوله ﷺ : "لتتبعنّ سنن من كان قبلكم" ١.
وبالنظر إلى مشاركة بعض المسلمين للكفار في أعيادهم وأفراحهم نجد أنها لم تظهر ولم تعرف إلا بعد مضي القرون المفضلة، وذلك عندما توسعت الفتوحات الإسلامية وشملت كثيراً من بلدان العالم ودخل في الإسلام من أهل الديانات الأخرى من أضمر العداوة والكيد وأظهر الإسلام.
ومعلوم أن لكل ديانة ما يميزها عن الأخرى وخاصة في الاحتفالات التي يرون أن فيها إظهاراً لشعائر الدين، ومتى سنحت الفرصة لهؤلاء أظهروا تلك الشعارات، ولا سيما إذا توصلوا إلى بلاط السلاطين والحكام أو جاءت السلطة تحت أيديهم.
ويتجلى ذلك واضحاً في القرن الرابع الهجري، حيث انتشرت فيه أعياد الكفار والمشركين وأصبحت تقام طوال العام في ظل الدولة الفاطمية٢ الرافضية الحاقدة.
стр. 109
وإن وجدت قبل ذلك بعض البوادر لإقامة بعض الاحتفالات فلم تكن على تلك الصورة التي كانت في زمن الدولة الفاطمية.
فقد ذكر القلقشندي١: " أن أول من رسم هدايا النيروز والمهرجان في الإسلام الحجاج بن يوسف الثقفي، ثم رفع ذلك عمر بن عبد العزيز، واستمر المنع فيه إلى أن فتح باب الهدية فيه أحمد بن يوسف الكاتب٢ فإنه أهدى فيه للمأمون سفط٣ ذهب فيه قطعة عود هندي في طوله وعرضه وكتب معه هذا يوم جرت فيه العادة بإتحاف العبيد السادة "٤.
قلت: ولعل ذلك لوجود بعض الفرس في الوزارة العباسية مما جعلهم يحتفلون بهذه المناسبة ولم يكن الاحتفال بالنيروز والمهرجان في هذا العصر بإظهار
стр. 110
جميع شعارات الفرس التي كانوا يفعلونها في هذين العيدين، بل كان مقتصراً على الإهداء والرسائل.
ولما جاء العصر الفاطمي اتخذوا أعياداً وابتدعوا مواسم كثيرة وأصبحوا يحتفلون بها طوال العام وشابهوا وشاركوا الكفار في أعيادهم.
وقد ذكر المقريزي١ الأعياد والمواسم التي كانوا يحتفلون بها وهي على النحو التالي:
١ ـ رأس السنة
٢ ـ أول العام.
٣ ـ يوم عاشوراء
٤ ـ مولد النبي ﷺ .
٥ ـ مولد علي بن أبي طالب ﵁
٦ ـ مولد الحسن بن علي رضى الله عنه.
٧ ـ مولد الحسين بن علي رضي الله عه.
٨ ـ مولد فاطمة ﵂.
٩ ـ مولد الخليفة الحاضر.
١٠ ـ ليلة أول رجب.
١١ ـ ليلة النصف من رجب.
١٢ ـ ليلة أول شعبان.
١٣ ـ ليلة النصف من شبعان.
١٤ ـ غرة رمضان.
١٥ ـ ليلة الختم في رمضان.
١٦ ـ عيد الفطر.
١٧ ـ عيد الغدير.