← Акыда

Акыда · id 7547

الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بتوحيد الربوبية

آمال بنت عبد العزيز العمرو

Полный текст (497 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ال مقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن الله قد امتن علينا، فأنطقنا بلغة القرآن، أفضل لغات الأمم، وأعظمها بياناً في اختصار، فقد خاطبنا فيه بلسان عربي مبين، وفصل لنا الرسول الكريم ﷺ ما أجمل في القرآن، وبين للناس ما تشابه عليهم فيه، حيث جاءت الشريعة بأحكام عقيدة لم تكن معهودة في الجاهلية، ووردت ألفاظ تحمل دلالة خاصة عما هو معروف في أصل اللغة، وهي الدلالة الشرعية، والدلالة العرفية، والتي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمعنى اللفظ في اللغة، وقد بين رسول الله للأمة دينها، ثم حمل هذا الدين من كل خلف عدوله، ينفون عن كتاب الله وسنة رسوله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، فقد افترقت أمة محمد ﷺ إلى فرق شتى، كل طائفة تزعم أنها على الحق، لكن الحق ما وافق كتاب الله وسنة رسوله، وكان أسعد الناس بهذه الموافقة أهل السنة والجماعة. وقد تواضع كثير من هذه الطوائف على معان خاصة لألفاظ العقيدة الواردة في الكتاب والسنة، مغايرة لمعناها الشرعي، كما استحدث كثير منهم مصطلحات ضمنوها معاني تابعة لمنهجهم في الاعتقاد، لذا كان لزاما على كل طالب علم أن يعلم المعاني الشرعية، وأن يطلع على مصطلحات المخالفين، ويعرف مرادهم بها ليتمكن من رد باطلهم، وإيضاح الحق لهم. بل قد قال شيخ الإسلام ﵀: " وهذه الحدود معرفتها من الدين في كل لفظ هو في كتاب الله - تعالى -، وسنة رسوله ﷺ ، ثم قد تكون معرفتها فرض عين، وقد تكون فرض كفاية، ولهذا ذم الله - تعالى - من لم يعرف هذه الحدود بقوله - تعالى -: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة - ٩٧] .. وبالجملة فالحاجة إلى معرفة هذه الحدود ماسة لكل أمة، وفي كل

стр. 2

لغة، فإن معرفتها من ضرورة التخاطب، الذي هو النطق الذي لا بد منه لبني آدم"١. وعليه فإن دراسة ألفاظ العقيدة، ومصطلحاتها، وتحديد معانيها على مذهب أهل السنة والجماعة، وبيان مراد الطوائف بها، كل ذلك ضرورته ماسة، وأهميته لا تخفى، فمن جوانب تلك الأهمية ما يلي: ١ - أن الألفاظ هي جهة التخاطب، واللغة التي بها يتفاهم الناس بشتى طبقاتهم وأصنافهم؛ بدءاً بالعلماء وطلاب العلم، وانتهاءً بعامة الناس، فكلهم يستخدمون الألفاظ في تعاملهم اليومي. وهذه الألفاظ تختصر وراءها جملة من المعارف والمعلومات والمفاهيم، فهي مفتاح لكثير من المباحث، التي من أهمها مباحث العقيدة. فكان لابد من العناية ببحث تحديد معاني هذه الألفاظ العقدية، على وجهها الصحيح، عند أهل السنة والجماعة، إذ من خلالها تفهم العقيدة الصحيحة. ٢ - "أن مَن تصور حقيقة أي شيء على ما هي عليه في الخارج، وعرف ماهيته بأوصافها الخاصة، عرف ضرورة ما يناقضه ويضاده، وإنما يقع الخفاء بلبس إحدى الحقيقتين، أو بجهل كلا الماهيتين، ومع انتفاء ذلك وحصول التصور التام لهما، لا يخفى ولا يلتبس أحدهما بالآخر، وكم هلك بسبب قصور العلم، وعدم معرفة الحدود، والحقائق من أمة، وكم وقع بذلك من غلط وريب وغمة"٢. ٣ - أن كثيرا من ألفاظ العقيدة حرفت عن معناها الصحيح الذي جاء به الشرع، فكل فرقة وطائفة تفهم من اللفظ معنى يناسب عقيدتها، ومنهجها في التوحيد وسائر الاعتقاد، وتعرض هذا المعنى على أنه الحق، إضافة إلى إحداث ألفاظ في العقيدة لم يرد بها نص شرعي، وقد وقع فيها نزاع نفياً وإثباتاً، ومن هذه الألفاظ ما هو مجمل يحتاج إلى بيان، لذلك لزم دراسة هذه الألفاظ وبيان موقف أهل السنة منها، وما يصح فيها من معنى، وما تحويه من باطل، لإحقاق الحق وبيانه، وإبطال الباطل وإزهاقه.

стр. 3

٤ - أن اشتراك الألفاظ وتداخل مفاهيمها سبب كبير للاختلاف بين العلماء، وفي ذلك من فساد العقل والدين مالا يعلمه إلا الله. ٥ - أننا نجد معاجم لأهل كل فن تبين مرادهم باصطلاحاتهم والألفاظ التي يتداولونها؛ فأهل الطب، وأهل اللغة، وغيرها من العلوم لهم معاجم لاصطلاحاتهم، وفي علم العقيدة نجد أن أهل الفلسفة، والتصوف، والكلام، لهم معاجم خاصة بهم، وهناك معاجم أخرى عامة لألفاظ العقيدة وغيرها، ولكنها لا تفي ببيان معنى اللفظ عند أهل السنة والجماعة، إضافة إلى أنها لم تجمع ألفاظ العقيدة وتفصلها عن غيرها. فيبقى القصور واضحاً في الحاجة للكتابة حول معنى الألفاظ العقدية عند أهل السنة؛ سيما وأنه قد اشتهر بين الناس في كثير من البلاد الإسلامية أن مذهب الأشاعرة هو مذهب أهل السنة، فكان لابد من بيان مفهوم أهل السنة الصحيح لألفاظ العقيدة، وموقفهم من تعريف الطوائف لتلك الألفاظ والمصطلحات. وهناك دراسات معاصرة لبعض المصطلحات الكلامية، وبيان موقف أهل السنة منها؛ ودراسات أخرى لألفاظ العقيدة عند أهل السنة، ومن هذه الدراسات: ١ - أطروحة ماجستير، أجازتها جامعة أم القرى عام ١٤١٤هـ، بعنوان "المصطلحات الكلامية في أفعال الله - تعالى - عرض ونقد"، للباحث أحمد محمد طاهر. ٢ - أطروحة ماجستير، أجازتها جامعة أم القرى عام ١٤١٥هـ، بعنوان "المصطلحات الكلامية في إثبات وجود الله - تعالى - وأسمائه وصفاته"، للباحث محمد سعيد إبراهيم سيد أحمد. ويلاحظ أن هاتين الدراستين قد اعتنيتا ببعض المصطلحات الكلامية فقط. ٣ - أطروحة ماجستير، أجازتها الجامعة الإسلامية عام ١٤٢١هـ، بعنوان "المصطلحات المستعملة في توحيد الألوهية عند السلف" للباحث محمد عبد الله علي عبد القادر. ٤ - كتاب التعريفات الاعتقادية، للشيخ سعد بن محمد آل عبد اللطيف، وطبعته الأولى عام ١٤٢٢هـ. ٥ - معجم ألفاظ العقيدة، لأبي عبد الله عامر عبد الله فالح، وطبعته الأولى عام ١٤١٧هـ.

стр. 4

وهذه المؤلفات خطوة في هذا المجال، وهذا البحث مكمل لها، فهي وإن كانت مفيدة ونافعة، إلا أنها لم تشمل جميع مصطلحات العقيدة، كما ينقصها الدراسة التفصيلية لكل مصطلح، من حيث معناه في اللغة، وموقف أهل السنة من المعاني التي تذكرها الطوائف الأخرى. هذا وقد سجل معي في قسم العقيدة رسائل أخرى مكملة لهذا الموضوع ومنها: ١ - أطروحة دكتوراه بعنوان "الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بتوحيد الأسماء والصفات جمع ودراسة"، للمحاضرة أسماء بنت عبد العزيز السلمان. ٢ - أطروحة دكتوراه بعنوان "الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بالنبوات جمع ودراسة"، للباحثة منيرة بنت فراج العقلا. ٦ - أن الكتابة في موضوع ألفاظ العقيدة ودراستها مفيد للمتخصص في العقيدة وغير المتخصص، إذ الاطلاع على معاني الألفاظ العقدية، ومعرفة المعنى المراد بها، علم ضروري لكل مسلم مكلف، فإذا درست مجردة عن بحث طويل تكون مضمنة فيه؛ نكون قد سهلنا على الجميع معرفة معاني هذه الألفاظ والاستفادة منها. ولهذه الأهمية المذكورة، ولمشورة بعض أهل العلم - وفقهم الله - قدمت بحثي للدكتوراه عن الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بتوحيد الربوبية، وكان عنوان البحث: الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بتوحيد الربوبية، جمع ودراسة. وقد اشتملت خطة البحث على مقدمة وتمهيد وبابين وخاتمة. أما المقدمة: فقد بينت فيها أهمية الموضوع، وأسباب اختياره، وخطة البحث، ومنهجي فيه. ثم التمهيد: ويشتمل على: ١ - تعريف التوحيد وبيان أنواعه. ٢ - تعريف الألفاظ وبيان أنواعها. ٣ - تعريف المصطلحات وبيان أنواعها. ٤ - الموسوعات العلمية أهميتها، وبيان أنواعها.

стр. 5

أما الباب الأول فهو عن المصادر، والقواعد، في ألفاظ العقيدة، ومصطلحاتها، عند أهل السنة ومخالفيهم، وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: مصادر أهل السنة وقواعدهم في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها، وفيه مبحثان: المبحث الأول: مصادر أهل السنة في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها: المصدر الأول: القرآن الكريم. المصدر الثاني: السنة النبوية. المصدر الثالث: لغة العرب. المصدر الرابع: آثار السلف. المبحث الثاني: قواعد أهل السنة في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها: القاعدة الأولى: التزام ألفاظ الشرع. القاعدة الثانية: التزام معاني اللغة ودلالاتها. القاعدة الثالثة: تجنب الألفاظ البدعية. القاعدة الرابعة: تجنب الألفاظ المجملة. القاعدة الخامسة: تجنب التشبه بغير المسلمين في الألفاظ والمصطلحات. الفصل الثاني: مصادر المخالفين وقواعدهم في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها، وفيه مبحثان: المبحث الأول: مصادر المخالفين في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها: المصدر الأول: العقل. المصدر الثاني: الفلسفة اليونانية والمنطق الأرسطي. المصدر الثالث: الملل والديانات الأخرى. المصدر الرابع: الكشف. المبحث الثاني: قواعد المخالفين في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها: القاعدة الأولى: عدم التزام ألفاظ الشرع، وإعمال المجاز والتأويل فيها. القاعدة الثانية: عدم التزام معاني اللغة ودلالاتها. القاعدة الثالثة: استعمال الألفاظ البدعية.

стр. 6

القاعدة الرابعة: استعمال الألفاظ المجملة. القاعدة الخامسة: التشبه بغير المسلمين في الألفاظ والمصطلحات. الفصل الثالث: معنى الحد عند المنطقيين، ونقده عند أهل السنة. الفصل الرابع: أشهر المؤلفات في مصطلحات العقيدة؛ عرض وتقويم: ١ - كتاب المبين في شرح معاني ألفاظ الحكماء والمتكلمين للآمدي. ٢ - كتاب التعريفات للجرجاني. ٣ - كتاب التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي. وأما الباب الثاني: فهو دراسة تطبيقية على ألفاظ توحيد الربوبية ومصطلحاته، وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بخصائص الربوبية. الربوبية - الإحياء - الإماتة - الأمر - الملك - الرزق - الخلق - الإبداع - التأثير - الإيجاد - الوجود - الموجود - الوجود المطلق - الماهية - القدم - الأبدية - الأزلية - الواحد بالعين - الواحد بالنوع - الوحدة في الأفعال. الفصل الثاني: ألفاظ أدلة توحيد الربوبية ومصطلحاتها. الدليل - العلم الضروري - العلم النظري - الشك - المعرفة - النظر - التسلسل - الدور - الجسم - الجوهر - العرض - المعدوم - الممتنع - المستحيل - الممكن - واجب الوجود - العالم - العالم حادث - الأفول - التغير - إمكان الذوات - إمكان الصفات - حدوث الذوات - حدوث الصفات - الإحكام والإتقان - دليل التمانع - الفطرة. الفصل الثالث: الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بالشرك في الربوبية. الشرك في الربوبية - التعطيل - الزندقة - الإلحاد: الشيوعية - الداروينية - الوجودية - المذهب العقلي - العلمانية. العلة: العلة التامة - العلة الناقصة - العلة الصورية - العلة الغائية - العلة الفاعلية - العلة المادية - علة الماهية - علة الوجود - العلة الأولى - المعلول. العقل - النفس -

стр. 7

الصدور والفيض - التولد - الموجب بالذات - قدم العالم - الهيولى - الدهر - الصدفة - الطبيعة - الاتحاد - الحلول - التثليث - الثنوية - السحر - التولة - التنجيم - الاستسقاء بالأنواء - الطلسم - الكهانة - الطيرة - العرافة - العيافة. الفصل الرابع: المصطلحات البدعية في توحيد الربوبية. الأبدال - الأوتاد - القطب - الغوث - النجباء - النقباء - العارف - رجال الغيب - الفناء: الجمع - المحو - الاصطلام - السكر - الصعق - المشاهدة - الكشف. أما الخاتمة: فقد ذكرت فيها أهم نتائج البحث. وقد ذيلت البحث بفهارس تفصيلية وهي على النحو التالي: أولاً: فهرس الآيات القرآنية. ثانياً: فهرس الأحاديث. ثالثاً: فهرس الأعلام المترجم لهم. رابعاً: فهرس الفرق والطوائف. خامساً: فهرس المصطلحات. سادساً: فهرس المراجع والمصادر. سابعاً: فهرس الموضوعات. منهجي في البحث: ١ - عند دراسة كل لفظ أورد معناه اللغوي، ثم معناه الشرعي - إن كان له معنى شرعي - مراعية التدرج التاريخي عند عرضي لتعريفات أهل السنة، فأبدأ بالمتقدمين زمنياً، ثم من بعدهم وهكذا، وقد أبدأ بمتأخر لأهمية كلامه، مرجحة بين تعريفاتهم إن اختلفت، مبينة الأقوى منها، وما لم أجد له تعريفا اجتهدت وسعي في وضع تعريف مناسب له، ملتزمة طريقة العلماء في ذلك، متقيدة بما لا يتنافى مع قواعد أهل السنة والجماعة. ثم أعرض المعاني الأخرى للفظ عند الفرق التي تحدثت عنه، مراعية التدرج التاريخي أيضاً، ثم أدرس تلك الأقوال، موضحة أحقية مفهوم أهل السنة بالاتباع ومطابقته لما جاء عن الله ورسوله ولغة العرب.

стр. 8

٢ - ذكرت من الألفاظ الفلسفية، والكلامية، والصوفية، ونحوها، ما يتعلق بتوحيد الربوبية، مما ذكره أهل السنة وناقشوهم فيه، أو تعرضوا لذكره مجردا، وما اشتهر عنهم في هذا الباب من ألفاظ. أما الألفاظ التي لم يذكرها عنهم أهل السنة أو لم تكن مشهورة عنهم فلم أتعرض لها. ٣ - ذكرت اسم السورة ورقم الآية بعدكل آية قرآنية. ٤ - إذا كان الحديث في الصحيحين، أو أحدهما، اكتفيت بتخريجه منهما. أما إذا كان في غير الصحيحين فقد أتوسع في تخريجه، ثم أورد كلام أهل العلم - قديماً أو حديثاً - في الحكم عليه، وهذا في الغالب. ٥ - عزو الحديث أو الأثر يكون بذكر الكتاب، والباب، والجزء، والصفحة، ورقم الحديث، وذلك في الكتب التي التزمت ذكر هذه المعلومات، وإلا ذكرت ما وقفت عليه. ٦ - ترجمت لغير المشهورين من الأعلام، والشهرة مسألة نسبية. ٧ - شرحت ما قد يحتاج إلى شرح من المصطلحات والألفاظ الغريبة. وفي الختام أحمد الله - تعالى - حمداً كثيراً على أن أعانني على إتمام هذا البحث، مع وجود العوائق الكثيرة، وفي صدارتها البعد عن الوطن، وعن المراجع. كما أتوجه بالشكر والعرفان للدكتور محمد بن إبراهيم العجلان، المشرف على هذا البحث، فقد كان لتوجيهاته أثر كبير في إنجاز هذا البحث، فجزاه الله عني خير الجزاء. كما أدعو الله أن يغفر للشيخ سالم الدخيل ﵀، وأن يرفع درجاته في جنات النعيم، فقد ساعدني بتوجيهاته خلال إشرافه علي في السنة الأولى من هذا البحث، أسأل الله - تعالى - أن يجعل ذلك في ميزان حسناته. كما أشكر عضوي مناقشة هذه الرسلة: فضيلة الشيخ الدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل، وفضيلة الشيخ الدكتور محمد بن خليفة التميمي، فقد استفدت من توجيهاتهم القيمة، وملحوظاتهم المفيدة. كما أشكر كل من أعانني في هذا البحث بمشورة، أو فائدة، أو إعارة كتاب. وأخيراً فما كان في هذا البحث من صواب فمن الله، وما كان فيه من خطأ فمني وأستغفر الله، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 9

ال تمهيد: ١ - تعريف التوحيد وبيان أنواعه. ٢ - تعريف الألفاظ وبيان أنواعها. ٣ - تعريف المصطلحات وبيان أنواعها. ٤ - الموسوعات العلمية: أهميتها، وبيان أنواعها.

стр. 10

١ - تعريف التوحيد وبيان أنواعه: أولاً: تعريف التوحيد في اللغة. ثانياً: تعريف التوحيد في الاصطلاح: ١ - تعريف التوحيد عند أهل السنة وبيان أنواعه. ٢ - تعريف التوحيد عند الفلاسفة. ٣ - تعريف التوحيد عند أهل الوحدة. ٤ - تعريف التوحيد عند المتكلمين. ٥ - تعريف التوحيد عند الصوفية.

стр. 11

أولاً: تعريف التوحيد في اللغة. كلمة التوحيد في اللغة ترجع إلى لفظة "وحد"، وفروع هذه الكلمة تدور على معنى الانفراد وانقطاع المثل والنظير، ففي معنى الانفراد يقول الخليل بن أحمد١: "الوَحَد المنفرد، رج

стр. 12

والواحد أول العدد، يقول الخليل بن أحمد: "والواحد أول عدد من الحساب، والوُحدان جماعة الواحد"١. والرجل الوَحِد والوَحَد والوَحْد: الذي لا يعرف له أصل٢. ووحده توحيداً: جعله واحداً٣. وجاء في كلام العرب: الجلوس والقعود واحدٌ، وأصحابي وأصحابك واحد٤. ومن المعاني الباطلة التي أضيفت للفظ الواحد قولهم:"الواحد هو الذي لا يتجزأ ولا يثنى ولا يقبل الانقسام"٥. وجاء هذا المعنى في المفردات للراغب حيث يقول: "الواحد في الحقيقة هو الشيء الذي لا جزء له ألبتة، ثم يطلق على كل موجود حتى إنه ما من عدد إلا ويصح أن يوصف به، فيقال عشرة واحدة، ومائة واحدة، وألف واحد، فالواحد لفظ مشترك يستعمل على ستة أوجه: الأول: ما كان واحداً في الجنس، أو في النوع كقولنا: الإنسان والفرس واحد في الجنس، وزيد وعمرو واحد في النوع. الثاني: ما كان واحداً بالاتصال؛ إما من حيث الخلقة كقولك: شخص واحد؛ وإما من حيث الصناعة؛ كقولك: حرفة واحدة. الثالث: ما كان واحداً لعدم نظيره؛ إما في الخلقة كقولك الشمس واحدة؛ وإما في دعوى الفضيلة كقولك: فلان واحد دهره، وكقولك: نسيج وحده. الرابع: ما كان واحداً لامتناع التجزي فيه؛ إما لصغره كالهباء؛ وإما لصلابته كالألماس.

стр. 13

الخامس: للمبدأ؛ إما لمبدأ العدد كقولك: واحد، اثنان؛ وإما لمبدأ الخط كقولك: النقطة الواحدة. والوحدة في كلها عارضة، وإذا وصف الله - تعالى - بالواحد فمعناه هو الذي لا يصح عليه التجزي ولا التكثر"١. وتعريف الواحد بأنه الشيء الذي لا يتجزأ ولا يقبل الانقسام ليس له أصل في لغة العرب، ولم يأت في كلام الله ولا رسوله ﷺ ، ولم يذكره المتقدمون من أهل اللغة؛ كالخليل بن أحمد، والأزهري٢، وابن دريد٣، وغيرهم، ثم المثال الذي ذكره الراغب٤ على أنه لا يقبل الانقسام هو مما يقبل الانقسام، مما يدل على بطلان هذا المعنى. وقد تأثر بعض أهل اللغة بشيء من علم الكلام فدخل كتبهم من ذلك ما ليس له أصل في لغة العرب٥. وباستعراض المعاني السابقة للفظ الواحد نجد أكثرها يدل على معنى الانفراد وانقطاع المثيل والنظير.

стр. 14

ثانياً: تعريف التوحيد في الاصطلاح. ١ - تعريف التوحيد عند أهل السنة: لقد تبين فيما تقدم أن كلمة التوحيد في اللغة تدل على الانفراد، وانقطاع النظير والمثيل، بل قد جاء في كتب أهل اللغة المتقدمين أن التوحيد يعني الإيمان بالله وحده لا شريك له، وهذا هو التوحيد الشرعي الذي جاء في كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، وعليه بنى أهل السنة تعريفهم للتوحيد، وبيانهم لأنواعه. أولاً - التوحيد في القرآن: لم تأت كلمة التوحيد بهذه اللفظة في كتاب الله، وإنما جاء فروع هذه الكلمة مثل: "واحد"، و"أحد"، و"وحده"، وهي تعني توحيد الله، الذي عليه مدار كتاب الله . وإذا تأملت الآيات عن الله في توحيده –سبحانه - تجدها تشمل إفراده بالعبادة، وإثبات الأسماء والصفات له، وإفراده بالربوبية والخلق والتصرف. ففي إفراده بالعبادة قال - تعالى -: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة –١٣٣] وقال - تعالى -: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة - ٧٣] وقال - تعالى -: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [النحل –٥١] . يقول الإمام الطبري١ ﵀: "إلهاً واحداً أي نخلص له العبادة، ونوحد له الربوبية، فلا نشرك به شيئاً، ولا نتخذ دونه رباً"٢.

стр. 15

وفي إثبات الأسماء والصفات لله - تعالى -؛ يقول–سبحانه -: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة–١٦٣] وقوله–تعالى -: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص –١ - ٤] . وفي إفراده بالخلق والربوبية والنفع والضر يقول - تعالى -: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلْ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد - ١٦] وقال - تعالى -: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ [الصافات - ٤ - ٥] . وعلى هذه المعانيالثلاثة كانت آيات التوحيد في كتاب الله –تعالى -.

стр. 16

ثانياً - التوحيد في كلام الرسول ﷺ : لقد كان مدلول كلمة التوحيد وفروعها في كلام الرسول ﷺ ، وصحابته، هو شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وتعني أيضا عبادة الله وحده. ومن الشواهد على ذلك قوله ﷺ لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: "إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله - تعالى -" ١، ثم جاء تفسير التوحيد في روايات أخرى تعددت ألفاظها، ومنها قوله: "أدعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله" ٢، وفي رواية: "فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله " ٣.وعنه ﷺ أنه قال: "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله" ٤، وفي رواية: "من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله.." ٥، وفي حديث ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "بني الإسلام على خمسة. على أن يوحد الله.." ٦، وجاء في رواية أخرى: "على أن يعبد الله ويكفر بما دونه.." ٧،وفي رواية: "على خمس شهادة أن لا إله إلا الله.." ٨، فهذه الروايات يفسر بعضها بعضاً، وهي تدل على أن التوحيد يعني شهادة أن لاإله إلا الله، ويعني عبادة الله وحده.

стр. 17

وهذا المعنى فهمه جابر ﵁، وعبر به عن رسول الله ﷺ في حديث صفة حج النبي ﷺ ، حيث قال: "فأهل بالتوحيد، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك" ١. وقال ﷺ في حديث وفد عبد القيس: "آمركم بالإيمان بالله، وهل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة.." ٢، وعن عطاء ﵀ في قوله –تعالى -: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ﴾ [المائدة - ٥] قال: "الإيمان التوحيد"٣. وقال ابن عباس ﵁ في معنى قوله –تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ [البقرة - ٢١] قال "وحدوا"٤، وقال ﵁: "كل عبادة في القرآن فهو التوحيد"٥، وفسر ﵁ قوله - تعالى -: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال–٣٩] بقوله: "يخلص له التوحيد"٦، فالدين عنده هو التوحيد. ونخلص من هذا إلى أن معنى التوحيد في كلام الرسول ﷺ وصحابته هو شهادة أن لا إله إلا الله، وإفراد الله بالعبادة، والإيمان به وحده دون شريك في العبادة أو الربوبية أو الأسماء والصفات.

стр. 18

وقد بنى أهل السنة تعريفهم للتوحيد على المعاني السابقة، يقول الإمام أبو حنيفة ﵀ في بيان معنى أن الله واحد بأنه "لا شريك له"١. ويقول الإمام الدارمي٢ ﵀: "وتفسير التوحيد عند الأمة، وصوابه، قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له"٣. وإمام الشافعية أبو العباس بن سريج٤ يقول: "توحيد أهل العلم وجماعة المسلمين أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله"٥. ويقول الإمام الطبري ﵀ في تفسير قوله–تعالى -: ﴿إِلَهاً وَاحِداً﴾ [البقرة - ١٣٣] : "أي نخلص له العبادة، ونوحد له الربوبية، فلا نشرك به شيئاً، ولا نتخذ دونه رباً"٦. ويقول الإمام الطحاوي٧ ﵀ في بيان التوحيد: "نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له ولا شيء مثله ولاشيء يعجزه"٨.

стр. 19

كما يبين الإمام الآجري١ ﵀ أن التوحيد هو قول لا إله إلا الله محمداً رسول الله موقناً من قلبه٢. وعلى هذا المعنى كان كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن التوحيد، فقال عن التوحيد إنه: "شهادة أن لا إله إلا الله، وهو عبادة الله وحده لا شريك له"٣. ويقول عن توحيد الرسل إنه "يتضمن إثبات الإلهية لله وحده، بأن يشهد أن لا إله إلا هو، ولا يعبد إلا إياه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يوالي إلا له، ولا يعادي إلا فيه، ولا يعمل إلا لأجله، وذلك يتضمن إثبات ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات"٤. ويقول ﵀: "حقيقة التوحيد أن نعبد الله وحده، فلا يدعى إلا هو ولا يخشى إلا هو، ولا يتقى إلا هو ولا يتوكل إلا عليه، ولا يكون الدين إلا له، لا لأحد من الخلق"٥. ويعرف الإمام ابن القيم ﵀ التوحيد بقوله: "توحيد الرسل إثبات صفات الكمال لله على وجه التفصيل، وعبادته وحده لا شريك له، فلا يجعل له نداً في قصد ولا حب ولا خوف ولا رجاء ولا لفظ ولا حلف ولا نذر، بل يرفع العبد الأنداد له من قلبه وقصده ولسانه وعبادته"٦. ويلاحظ أن التعريفات السابقة تدور على محور واحد، هو تعريف التوحيد بأنه شهادة أن لا إله إلا الله، وإفراده - سبحانه - بالعبادة، وبعض التعريفات فيها تفصيل إثبات أسماء الله

стр. 20

وصفاته وربوبيته. وقد كان التركيز على توحيد الله بالعبادة والألوهية؛ لأنه يتضمن إثبات أسماء الله وصفاته وإثبات ربوبيته. ولأن العبادة هي الغاية من خلق الإنس والجن، فمن وحد الله بأسمائه وصفاته وربوبيته ولم يعبده لم يكن موحداً، ومن عبده ولكن ألحد في أسمائه وصفاته لم يكن موحداً. وعليه فيمكن تعريف التوحيد بأنه إفراد الله بالربوبية وماله من الأسماء والصفات، والإخلاص له في الألوهية والعبادة. وهذا التعريف يشمل التعريفات السابقة، ويتضمن أنواع التوحيد، وهو ما سنتحدث عنه في الصفحات التالية.

стр. 21

٢ - أنواع التوحيد: ذكرت فيما سبق أن آيات كتاب الله في التوحيد تدور على ثلاثة معان هي: إفراده - سبحانه - بالعبادة، وإفراده بالربوبية والخلق والتصرف، وإثبات صفات الكمال له، وعلى هذا بنى أهل السنة تقسيمهم للتوحيد. فيشير الإمام الطبري إلى هذه المعاني بقوله: "إلهاً واحداً، أي نخلص له العبادة، ونوحد له الربوبية، فلا نشرك به شيئاً، ولا نتخذ دونه رباً"١. وألمح الإمام أبو يوسف٢ ﵀ إلى أنواع التوحيد في قوله: "وإنما دل الله خلقه بخلقه؛ ليعرفوا أن لهم رباً يعبدوه ويطيعوه ويوحدوه، ليعلموا أنه مكونهم لا هم كانوا، ثم تسمى فقال: أنا الرحمن، وأنا الرحيم، وأنا الخالق، وأنا القادر، وأنا المالك، أي هذا الذي كونكم يسمى المالك، القادر، الله، الرحمن، الرحيم، بها يوصف"٣. أولاً: تقسيم التوحيد إلى نوعين: وهذا هو الذي يكثر في كتب أهل السنة، فيقسمون التوحيد إلى نوعين، عبروا عنهما بأكثر من صيغة، فمن ذلك تقسيمه إلى التوحيد القولي العلمي، والتوحيد العملي الإرادي، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "التوحيد الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب هو توحيد الإلهية، وهو أن يعبد الله وحده لا شريك له، وهو متضمن لشيئين: أحدهما: القول العلمي، وهو إثبات صفات الكمال له، وتنزيهه عن النقائص، وتنزيهه عن أن يماثله أحد في شيء من صفاته، فلا يوصف بنقص بحال، ولا يماثله أحد في شيء من الكمال..والتوحيد العملي الإرادي أن لا يعبد إلا إياه، فلا يدعو إلا إياه ولا يتوكل إلا عليه،

стр. 22

ولا يخاف إلا إياه، ولا يرجو إلا إياه، ويكون الدين كله لله. وهذا التوحيد يتضمن أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، لا شريك له في الملك"١. وشيخ الإسلام هنا بيّن أن التوحيد يتضمن أمرين: ١ - التوحيد القولي العلمي. ٢ - التوحيد العملي الإرادي. وهذا التقسيم ذكره الإمام ابن القيم ﵀ حيث قال: "التوحيد نوعان: نوع في العلم والاعتقاد، ونوع في الإرادة والقصد، ويسمى الأول: التوحيد العلمي. والثاني: التوحيد القصدي الإرادي. لتعلق الأول بالأخبار والمعرفة، والثاني بالقصد والإرادة"٢. وعرف هذين النوعين بقوله: "والتوحيد العلمي أساسه إثبات صفات الكمال للرب - تعالى -، ومباينته لخلقه، وتنزيهه عن العيوب والنقائص والتمثيل. والتوحيد العملي أساسه تجريد القصد، بالحب، والخوف، والرجاء، والتوكل، والإنابة، والاستعانة، والعبودية بالقلب، واللسان، والجوارح، لله وحده"٣. والقسم الأول وهو التوحيد القولي العلمي، يعبر عنه أهل السنة أحياناً بتوحيد الصفات، وتوحيد الأسماء والصفات، والقسم الثاني وهو التوحيد في القصد والإرادة والعمل، يعبرون عنه بتوحيد العبادة، وتوحيد الألوهية٤. وتارة يعبرون عن هذين النوعين بتوحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، قال شيخ الإسلام ﵀: "المقصود هنا بيان حال العبد المحض لله الذي يعبده ويستعينه، فيعمل له ويستعينه ويحقق قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة - ٥] توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية،

стр. 23

وإن كانت الإلهية تتضمن الربوبية والربوبية تستلزم الإلهية"١. ويقول الإمام ابن القيم ﵀ عند شرحه لقوله - تعالى -: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة - ٥] :" وقد اشتملت هذه الكلمة على نوعي التوحيد وهما: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية"٢. وتارة يعبرون عنهما بتوحيد الإثبات والمعرفة، وتوحيد القصد والطلب، يقول الإمام ابن القيم ﵀ في بيان أنواع التوحيد: "وهو نوعان: توحيد في المعرفة الإثبات، وتوحيد في المطلب والقصد"٣. فتوحيد الإثبات والمعرفة يتضمن معرفة الله، بإثبات أسماء الله وصفاته، من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل ولا تكييف. وتوحيد القصد والطلب يعني إفراد الله - تعالى - بسائر أنواع العبادة، فلا يقصد ولا يطلب إلا هو - سبحانه -.

стр. 24

ثانياً: تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أنواع: وهذا التقسيم لا يختلف عن التقسيم السابق، وإنما هو اصطلاح آخر، حيث يذكر أهل السنة أنواعاً ثلاثة للتوحيد وهي: توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وهذا الأخير يسمونه أحياناً التوحيد العلمي الاعتقادي. يقول الإمام ابن القيم في كتابه مدارج السالكين: "فصل في اشتمال هذه السورة على أنواع التوحيد الثلاثة، التي اتفق عليها الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم -"١، ثم ذكر تقسيم التوحيد إلى نوعين؛ نوع في العلم والاعتقاد، ونوع في الإرادة والقصد، وبين اشتمال هذين النوعين على أنواع ثلاثة؛ هي: توحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية٢. وقال أيضا في بيان أنواع التوحيد: "الأول توحيد الربوبية، الثاني توحيد الإلهية، الثالث التوحيد العلمي الاعتقادي"٣. ويقول شارح الطحاوية: "التوحيد يتضمن ثلاثة أنواع: أحدها الكلام في الصفات، والثاني توحيد الربوبية، وبيان أن الله وحده خالق كل شيء، والثالث توحيد الإلهية وهو استحقاقه أن يعبد وحده لا شريك له"٤.

стр. 25

١ - تعريف توحيد الألوهية: لما كان الإله هو الذي يؤله ويعبد١، فإن توحيد الألوهية هو إفراد الله بجميع أنواع العبادة، يقول شيخ الإسلام ﵀:" إثبات الإلهية لله وحده بأن يشهد أن لا إله إلا هو، ولا يعبد إلا إياه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يوالي إلا له، ولا يعادي إلا فيه، ولا يعمل إلا لأجله"٢. ويقول الإمام ابن القيم ﵀: "وتوحيد الإلهية المتضمن أنه وحده الإله المعبود المحبوب، الذي لا تصلح العبادة والذل والخضوع والحب إلا له"٣. وقيل في تعريفه أيضاً: "هو إفراده تعالى بالعبادة، والتأله له، والخضوع، والذل، والحب، والافتقار، والتوجه إليه - تعالى -"٤. وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀:"وسمي توحيداً فعلياً لأنه متضمن لأفعال القلوب والجوارح، فهو توحيد الله بأفعال العبيد"٥. ومن الممكن هنا ذكر تعريف التوحيد العملي، أو توحيد القصد والطلب، أو التوحيد الإرادي الطلبي، لأنها تسمية لهذا النوع من أنواع التوحيد، وقد سبق بيانها٦.

стр. 26

٢ - تعريف توحيد الربوبية: تعريف توحيد الربوبية ينبني على معنى الرب، والرب هو السيد والمصلح والمالك والمربي١، ويعرّف شيخ الإسلام ﵀ توحيد الربوبية بأنه يعني: "أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه "٢. وفي موضع آخر يقول: "توحيد الربوبية وهو الإقرار بأن الله خالق كل شيء وربه"٣. ويقول الإمام ابن القيم ﵀: "توحيد الربوبية المتضمن أنه وحده الرب، الخالق، الفاطر"٤. ويقول الإمام ابن أبي العز ﵀: "وأما الثاني وهو توحيد الربوبية، كالإقرار بأنه خالق كل شيء، وأنه ليس للعالم صانعان متكافئان في الصفات والأفعال" ٥.وفي تعريفات المتأخرين من أهل العلم مزيد تفصيل، ومن ذلك تعريفهم توحيد الربوبية: بأنه الإقرار بأن الله - تعالى - رب كل شيء، ومالكه، وخالقه، ورازقه، وأنه المحيي المميت، النافع الضار، المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، القادر على ما يشاء، ليس له في ذلك شريك، ويدخل في ذلك الإيمان بالقدر٦. ويقول الشيخ ابن عثيمين ﵀ في تعريف توحيد الربوبية: "وهو إفراد الله في أمور ثلاثة؛ في الخلق، والملك، والتدبير"٧، فالخلق يدخل فيه الإبداع والإيجاد والإنشاء وفق تقدير سابق، والملك والتدبير يدخل فيها تصرفه - سبحانه - في خلقه، من إحياء، وإماتة، ورزق، إلى غير ذلك من تدبيره لمخلوقاته، كما يتضمن غناه - سبحانه - عنهم وفقرهم إليه، وهذه صفات الرب.

стр. 27

٣ - تعريف توحيد الأسماء والصفات: يقول شيخ الإسلام ﵀ في تعريف توحيد الصفات: "فأما الأول وهو التوحيد في الصفات فالأصل في هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رسله نفياً وإثباتاً، فيثبت لله ما أثبته لنفسه وينفى عنه ما نفاه عن نفسه، وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل، وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه - مع ما أثبته من الصفات – من غير إلحاد، لا في أسمائه ولا في آياته"١. وبهذا يتبين معنى التوحيد عند أهل السنة، ويتضح عنايتهم بشرحه وتفصيل أنواعه، وذلك لأهميته، إذ لأجله أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، ليعرف خلقه عليه - سبحانه -، ويأمرهم بتوحيده، ويحذرهم من الشرك في عبادته، أو أسمائه وصفاته.

стр. 28

٢ - تعريف التوحيد عند الفلاسفة ١: إن مما يبين معنى التوحيد عند الفلاسفة هو تعريفهم للواحد أو الوحدة، حيث يتضح من خلالها حقيقة التوحيد الذي بنوه على معنى الواحد عندهم. ولننظر في تعريف ابن سينا٢للواحد فهو يقول:"فقد ظهر لنا أن للكل مبدأ واجب الوجود، غير داخل في جنس٣، أو واقع تحت حد٤، أو برهان٥،بريئا عنالكم٦، والكيف٧، والماهية٨، والأين٩،والمتى١٠، والحركة١١، لا ند له، ولا شريك، ولا ضد له، وأنه واحد من

стр. 29

جميع الوجوه، لأنه غير منقسم، لا في الأجزاء بالفرض والوهم، كالمتصل، ولا في العقل بأن تكون ذاته مركبة من معان عقلية متغايرة يتحد بها جملته وأنه واحد من حيث هو غير مشارك ألبته في وجوده الذي له، فهو بهذه الوجوه فرد، وهو واحد لأنه تام الوجود، ما بقي له شيء ينتظر حتى يتم وقد كان هذا أحد وجوه الواحد، وليس الواحد فيه إلا على الوجه السلبي"١. ويقول عن وحدانية الله: "فهو واحد من جهة تمامية وجوده، وواحد من جهة أن حده له، وواحد من جهة أنه لا ينقسم لا بالكم، ولا بالمباديء المقومة له، وواحد من جهة أن لكل شيء وحدة تخصه، وبها كمال حقيقته الذاتية"٢. ويقول ابن رشد٣ عن الواحد: "هو الذي لا يتجزأ إما في الكمية، وإما في الصورة٤ والكيفية"٥.

стр. 30

ويلاحظ على تعريفهم للواحد كثرة المصطلحات الغريبة، فكل كلمة في تعريفهم تحتاج إلى تعريف، ويلاحظ بعد معنى تلك الألفاظ عن ما هو معروف في لغة العرب، بل بعضها ليس من لغة العرب. فهذه العبارات المجملة، المشتبهة، حقيقتها كما يقول ابن القيم ﵀: "هو إنكار ماهية الرب الزائدة على وجوده، وإنكار صفات كماله، وأنه لا سمع له، ولا بصر، ولا قدرة ولا حياة، ولا إرادة ولا كلام ولا وجه، ولا يدين، وليس فيه معنيان متميز أحدهما عن الآخر البتة، قالوا: لأنه لو كان كذلك لكان مركباً، وكان جسماً مؤلفاً، ولم يكن واحداً من كل وجه، فجعلوه من جنس الجوهر الفرد١، الذي لا يحس، ولا يرى، ولا يتميز منه جانب عن جانب، بل الجوهر الفرد يمكن وجوده"٢. فهم يريدون نفي صفات الله، بل تعطيل وجوده، ولذلك نجد أنهم يقولون إن الصفات ترجع إلى الذات، لا إلى معنى غيرها زائد عليها، وأن علمه هو إرادته، وهو بعينه أيضاً رضاه٣. يقول الإمام ابن تيمية ﵀ معلقاً على تعريف ابن سينا لوحدانية الله: "ومقصود هذه العبارات أنه ليس لله صفة ولا له قدرة"٤. ويقول الغزالي٥: "وما ذكروه يشتمل على نفي الصفات، ونفي الكثرة فيها، وذلك مما يخالفون فيه"٦.

стр. 31

ويفصل الإمام ابن تيمية الكلام في موضع آخر فيقول: "فإن كان لفظ الأحد والواحد يمنع تعدد المعاني المفهومة الثبوتية بالكلية - كما يزعم ابن سينا وذويه١من مرتدة العرب المتبعين لمرتدة الصابئة، أنه إذا كان واحداً من كل وجه، فليس فيه تعدد من جهة الصفة، ولا من جهة القدر، ويعبر عن ذلك بأنه ليس فيه أجزاء حد، ولا أجزاء كم، - لزم أن يكون الوجوب والوجود والإبداع معنى واحد، وهو معلوم الفساد بالبديهة، وإن كان هو في نفسه مقسماً بالأحد والواحد، مع ثبوت هذه المعاني المتعددة، علم أن هذا الاسم لا يوجب نفي الصفات؛ بل هو - سبحانه - أحد واحد لا شبيه له ولا شريك، وليس كمثله شيء بوجه من الوجوه، وكذلك هو أيضا ذات، وهو قائم بنفسه باتفاق الخلائق كلهم، وسائر الذوات، وكل ماهو قائم بنفسه، يشاركه في هذا الاسم ومعناه، كما يشاركه في اسم الوجود ومعناه، وهو - سبحانه - يتميز عن سائر الذوات، وسائر ما هو قائم بنفسه، بما هو مختص به؛ من حقيقته التي تميز بها، وانفرد واختص عن غيره، كما تميز بوجوب وجوده، وخصوص تلك الحقيقة ليس هو المعنى العام المفهوم من القيام بالنفس، ومن الذوات، كما إن خصوص وجوب الوجود ليس هو المعنى العام المفهوم من الوجود، فسواء سمى المسمي هذا تعاداً، أو تركيباً، أولم يسمه، هو ثابت في نفس الأمر، لا يمكن دفعه، والحقائق الثابتة، لا تدفع بالعبارات المجملة، المبهمة، وإن شنع بها الجاهلون"٢. كما رد على الفلاسفة الغزالي في كتابه تهافت الفلاسفة، وبين تهافت قولهم وتناقضه، وأن قولهم في معنى الواحد تحكم لا دليل عليه٣.

стр. 32

٣ - تعريف التوحيد عند أهل الوحدة ١: التوحيد عند أهل الوحدة - كما يقولون في تعريفه -: هو إسقاط الإضافات؛ أي لا تضيف شيئاً من الأشياء إلى غير الحق –سبحانه -، وقيل: هو تنزيه الله عن الحدث، وقيل: إسقاط الحدث وإثبات القدم. وحاصل مراتب التوحيد عندهم: أن يعلم يقيناً بالدليل القاطع، أن الموجود الحقيقي هو الله - سبحانه -، وكل ما سواه معدوم الأصل، وجوده ظل وجود الحق، فيعتقد أن ليس في الوجود فعل، وصفة، وذات، إلا لله حقيقة، وأن يجد ذلك ويشهده٢. وهم يُعرفون علم التوحيد بأنه: "علم يعرف به أنه لا وجود لغير الله - تعالى -، وليست الأشياء إلا مظاهره تعالى ومجاليه، والموحدون طائفة لا يرون غير الحق عز شأنه وجل برهانه، ولا يعلمون وجودا لغير الحق - تعالى -، وإن حقيقة الوجود هو الله - سبحانه - "٣. وحقيقة توحيدهم أنه ليس هناك وجودان قديم وحادث، وخالق ومخلوق، وواجب وممكن، بل الوجود عندهم واحد بالعين، والذي يقال له الخلق المشبه هو الحق المنزه، بل الكل من عين واحدة، بل هو العين الواحدة، فوجود الكائنات هو عين وجود الله - تعالى -، ليس وجودها غيره ولاشيء سواه ألبتة٤. وتصور مذهب هؤلاء كاف في بيان فساده، ولا يحتاج مع حسن التصور إلى دليل آخر، وإنما تقع الشبهة لأن أكثر الناس لا يفهمون حقيقة قولهم وقصدهم، لما فيه من الألفاظ المجملة والمشتركة٥. وقد رد عليهم شيخ الإسلام ﵀ وبين حقيقة الاشتباه الذي وقعوا فيه، وأنه من أعظم الضلال الذي وقع فيه بنو آدم، قال ﵀: "فمن اشتبه عليهم وجود الخالق

стр. 33

بوجود المخلوقات _حتى ظنوا وجودها وجوده –فهم أعظم الناس ضلالا من جهة الاشتباه، وذلك أن الموجودات تشترك في مسمى "الوجود" فرأوا الوجود واحداً، ولم يفرقوا بين الواحد بالعين، والواحد بالنوع "١وقال ﵀ عنهم: "فإن هؤلاء حقيقة قولهم تعطيل الصانع، وأنه ليس وراء الأفلاك شيء، فلو عدمت السماوات والأرض، لم يكن ثم شيء موجود"٢. فقول أهل الوحدة في التوحيد ظاهر الفساد، بل توحيدهم هو محض الشرك.

стр. 34

٤ - تعريف التوحيد عند المتكلمين ١: يعرف القاضي عبد الجبار٢التوحيد في اصطلاح المتكلمين فيقول: "أما في اصطلاح المتكلمين فهو العلم بأن الله - تعالى - واحد لا يشاركه غيره فيما يستحق من الصفات نفياً وإثباتاً على الحد الذي يستحقه، والإقرار به"٣. ويقول الرازي٤ في تعريف التوحيد: "هو عبارة عن الحكم بأن الشيء واحد، وعن العلم بأن الشيء واحد، يقال: وحدته إذا وصفته بالوحدانية"٥. وفي التعريفات للجرجاني٦: "التوحيد ثلاثة أشياء: معرفة الله - تعالى - بالربوبية، والإقرار له بالوحدانية، ونفي الأنداد عنه جملة"٧.

стр. 35

وفي شرح المقاصد للتفتازاني١: "حقيقة التوحيد اعتقاد عدم الشريك في الألوهية، وخواصها، ولا نزاع لأهل الإسلام في أن تدبير العالم، وخلق الأجسام، واستحقاق العبادة، وقدم ما يقوم بنفسه كلها من الخواص"٢. والواحد والأحد عند المتكلمين صفة سلبية يريدون بها ثلاثة معان: ١ - أن الله واحد في ذاته لا قسيم له. ٢ - واحد في صفاته لا شبيه له. ٣ - واحد في أفعاله لا شريك له. يقول الرازي في المطالب العالية:"اعلم أنه - تعالى - واحد في ذاته، وواحد في صفاته، وواحد في أفعاله، أما أنه واحد في ذاته، فلأن ذاته منزهة عن جهات التركيبات، لا من التركيبات المقدارية الحسية كما في الجسم، ولا من التركيبات العقلية كما في النوع المركب من الجنس والفصل، وأما أنه واحد في صفاته فهو أنه ليس في الوجود موجود آخر يساويه في الوجود بالذات، وفي العلم بكل المعلومات، وفي القدرة على كل الممكنات، وفي الغنى عن كل ما سواه. وأما أنه واحد في أفعاله فهو أنه ليس في الوجود موجود يكون مبدئاً لجميع الممكنات إما بواسطة أو بغير واسطة إلا هو"٣. ويلاحظ من خلال التعريفات السابقة أن توحيد المتكلمين يدور على العلم والإقرار، وأن الوحدانية عندهم صفة سلبية، فهي تنفي عن الله ولكن لا تثبت شيئاً من

стр. 36

الصفات، والمثبتة منهم يثبتون بعض الصفات لا كلها، فهو واحد لا قسيم له ولا شبيه له ولا شريك له - كما يقولون -، ولا يذكرون التوحيد العملي وهو توحيد الألوهية، فهم وإن ذكروا الألوهية أو الإله في تعريفاتهم، فإنما يريدون به القادر على الاختراع١. ويعرف الرازي لفظ الجلالة - الله - فيقول: "الله معناه أنه الذي يستحق العبادة، واستحقاق العبادة لا يكون إلا لمن يكون مستقلاً بالإيجاد والإبداع، وذلك لا يحصل إلا لمن كان موصوفاً بالقدرة التامة والحكمة التامة"٢. وهم لا يريدون باستحقاق العبادة أن يكون معنى الله أو الإله هو المعبود، بل هذا المعنى معترض عليه عندهم ومردود. قال الرازي بعد أن ذكر جملة من الإشكالات التي اعترضوا بها على من جعل لفظ الإله مشتق من التأله وهو التعبد: "هذه الإشكالات إنما تلزم لقولنا الإله هو المعبود، أما إذا قلنا الإله هو الموصوف بصفات لأجلها يستحق أن يكون معبوداً للخلق، زالت الإشكالات..إذا عرفت هذا فنقول: إنه –تعالى - إنما استحق أن يكون معبوداً للخلق لأنه خالقهم ومالكهم، وللمالك أن يأمر وينهى"٣. أما وحدانية الله التي يستدلون لها، ويثبتونها في مؤلفاتهم فهي الوحدانية في الفعل، والتي تعني أنه لا شريك له في أفعاله –سبحانه -، وأشهر أدلتهم في ذلك دليل التمانع٤.

стр. 37

وقد رد أئمة أهل السنة على المتكلمين، وبينوا ما في قولهم في التوحيد من باطل واشتباه وتلبيس، وما فيه من مخالفة للغة التي يزعمون أنهم يوافقونها، وما فيه من مخالفة للعقل والشرع. يقول شيخ الإسلام ﵀: "إن ما فسر به هؤلاء اسم الواحد من هذه التفاسير التي لا أصل لها في الكتاب، والسنة، وكلام السلف والأئمة، باطل بلا ريب شرعاً وعقلاً ولغة. أما في اللغة فإن أهل اللغة مطبقون على أن معنى الواحد في اللغة ليس هو الذي لا يتميز جانب منه عن جانب، ولا يرى منه شيء دون شيء، إذ القرآن ونحوه من الكلام العربي متطابق على ما هو معلوم بالاضطرار في لغة العرب وسائر اللغات، أنهم يصفون كثيراً من المخلوقات بأنه واحد ويكون ذلك جسماً..وإذا كان أهل اللغة متفقين على تسمية الجسم الواحد واحداً، امتنع أن يكون في اللغة معنى الواحد: الذي لا ينقسم إذا أريد بذلك أنه ليس بجسم وأنه لا يشار إلى شيء منه دون شيء..بل لا يوجد في اللغة اسم واحد إلا على ذي صفة ومقدار"١. وقد سبق أن بينت معنى الواحد في اللغة وأن مداره على الانفراد وانقطاع النظير، وأنه لم يأت في اللغة ما يدل على أن الواحد هو الذي لا ينقسم ولا يتجزأ، أما ما دخل بعض كتب اللغة من هذه المعاني الباطلة فما ذلك إلا لتأثر أصحابها بهذه المذاهب الكلامية. "والأحد بمعنى الواحد"٢، وقد ورد إطلاقه على ما هو جسم منقسم قال - تعالى -: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ [التوبة - ٦] وقال - تعالى -: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف - ٤٩] ،وقال - تعالى -: ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً﴾ [يوسف - ٣٦] . وعلى هذا يمتنع أن يكون معنى الواحد: الذي لا ينقسم. وأما مخالفة قولهم للعقل، فإن الواحد الذي وصفوه أمر لا يعقل، ولا له وجود في الخارج؛ وإنما هو أمر مقدر في الذهن ليس في الخارج شيء موجود لا يكون له صفات، ولا

стр. 38

قدر، ولا يتميز منه شيء عن شيء؛ بحيث يمكن أن لا يرى ولا يدرك ولا يحاط به، وإن سماه المسمي جسما١. وأما مخالفة قولهم للشرع فإن معنى الواحد الذي يقولون، ليس هو المعنى الشرعي في كتاب الله، ولا في سنة رسوله ﷺ ، ويدل على ذلك أن تفسير الصحابة لآيات التوحيدلم يرد فيها هذا المعنى الذي يشيرون إليه، ويشرحونه في كتبهم. يقول شيخ الإسلام ﵀: "ومن المعلوم بالاضطرار أن اسم الواحد في كلام الله لم يقصد به سلب الصفات وسلب إدراكه بالحواس، ولا نفي الحد والقدر ونحو ذلك من المعاني التي ابتدع نفيها الجهمية وأتباعهم، ولا يوجد نفيها في كتاب ولا سنة، ولاعن صاحب ولا أئمة المسلمين"٢. كما خالفوا لغة العرب في تفسيرهم للفظ الإله، حيث نجد في لغة العرب أله إلاهة وألوهية: عبد عبادة، ومنه لفظ الجلالة، وإلاه فعال بمعنى مفعول لأنه مألوه أي: معبود، والتأله التنسك والتعبد، والإلاهة والألُوهة والألوهيّة: العبادة. وقيل: مأخوذ من ألِهَ يأله إلى كذا أي لجأ إليه، لأنه - سبحانه - المفزع الذي يلجأ إليه في كل أمر٣. وهذا هو المعنى الشرعي الذي أراده الله - تعالى - في كتابه٤، يقول شيخ الإسلام ﵀: "وليس المراد بالإله هو القادر على الاختراع، كما ظنه من ظنه من أئمة المتكلمين، حيث ظن أن الإلهية هي القدرة على الاختراع، وأن من أقر بأن الله هو القادر على الاختراع دون غيره، فقد شهد أن لا إله إلا هو، فإن المشركين كانوا يقرون بهذا وهم مشركون..بل الإله الحق هو الذي يستحق أن

стр. 39

يعبد فهو إله بمعنى مألوه، لا إله بمعنى آلِه، والتوحيد أن يعبد الله وحده لا شريك له، والإشراك أن يجعل مع الله إلها آخر"١. وقد ستروا تحت قولهم في التوحيد باطلاً كثيراً، أما قولهم: إن الله واحد في ذاته لا قسيم له؛ فليس مرادهم بأنه لا ينقسم ولا يتبعض أنه لا ينفصل بعضه عن بعض، وأنه لا يكون إلهين اثنين ونحو هذا، فإن هذا حق لا ريب فيه، وإنما مرادهم بذلك أنه لا يشهد، ولا يرى منه شيء دون شيء، ولا يدرك منه شيء دون شيء، ولا يعلم منه شيء دون شيء، ولا يمكن أن يشار منه إلى شيء دون شيء، بحيث أنه ليس له في نفسه حقيقة عندهم قائمة بنفسها، يمكنه هو أن يشير منها إلى شيء دون شيء، فهذا ونحوه هو المراد عندهم بكونه لا ينقسم، ويسمون ذلك نفي التجسيم٢. وأما قولهم واحد في صفاته لا شبيه له: فهذه الكلمة –كما يقول شيخ الإسلام - أقرب إلى الإسلام، لكن أجملوها فجعلوا نفي الصفات أو بعضها داخلا في نفي التشبيه٣. وأما قولهم واحد في أفعاله لا شريك له: فهذا معنى صحيح، وهو حق، وهو أجود ما اعتصموا به من الإسلام في أصولهم، حيث اعترفوا فيه بأن الله خالق كل شيء، ومربيه ومدبره –مع خلاف المعتزلة٤ في خلق أفعال العباد - ٥، ولكنهم جعلوا هذا النوع هو الغاية وأطالوا في تقريره وشرحه، مع أن المشركين كانوا يقرون به وهم مع ذلك مشركون، ومن

стр. 40

هنا يتضح أن الحق الذي لديهم في التوحيد ليس هو الغاية التي جاء بها الرسول، بل التوحيد الذي أمَرَ به أمْرٌ يتضمن الحق الذي في كلامهم، وزيادة أخرى، فكلامهم فيه لبس الحق بالباطل وكتم للحق١. وبذلك نتبين حقيقة التوحيد عند المتكلمين، والمعاني الباطلة التي اشتمل عليها تفسيرهم للتوحيد.
следующие страницы →