الصفات، والمثبتة منهم يثبتون بعض الصفات لا كلها، فهو واحد لا قسيم له ولا شبيه له ولا شريك له - كما يقولون -، ولا يذكرون التوحيد العملي وهو توحيد الألوهية، فهم وإن ذكروا الألوهية أو الإله في تعريفاتهم، فإنما يريدون به القادر على الاختراع١. ويعرف الرازي لفظ الجلالة - الله - فيقول: "الله معناه أنه الذي يستحق العبادة، واستحقاق العبادة لا يكون إلا لمن يكون مستقلاً بالإيجاد والإبداع، وذلك لا يحصل إلا لمن كان موصوفاً بالقدرة التامة والحكمة التامة"٢.
وهم لا يريدون باستحقاق العبادة أن يكون معنى الله أو الإله هو المعبود، بل هذا المعنى معترض عليه عندهم ومردود. قال الرازي بعد أن ذكر جملة من الإشكالات التي اعترضوا بها على من جعل لفظ الإله مشتق من التأله وهو التعبد: "هذه الإشكالات إنما تلزم لقولنا الإله هو المعبود، أما إذا قلنا الإله هو الموصوف بصفات لأجلها يستحق أن يكون معبوداً للخلق، زالت الإشكالات..إذا عرفت هذا فنقول: إنه –تعالى - إنما استحق أن يكون معبوداً للخلق لأنه خالقهم ومالكهم، وللمالك أن يأمر وينهى"٣.
أما وحدانية الله التي يستدلون لها، ويثبتونها في مؤلفاتهم فهي الوحدانية في الفعل، والتي تعني أنه لا شريك له في أفعاله –سبحانه -، وأشهر أدلتهم في ذلك دليل التمانع٤.
стр. 37
وقد رد أئمة أهل السنة على المتكلمين، وبينوا ما في قولهم في التوحيد من باطل واشتباه وتلبيس، وما فيه من مخالفة للغة التي يزعمون أنهم يوافقونها، وما فيه من مخالفة للعقل والشرع.
يقول شيخ الإسلام ﵀: "إن ما فسر به هؤلاء اسم الواحد من هذه التفاسير التي لا أصل لها في الكتاب، والسنة، وكلام السلف والأئمة، باطل بلا ريب شرعاً وعقلاً ولغة. أما في اللغة فإن أهل اللغة مطبقون على أن معنى الواحد في اللغة ليس هو الذي لا يتميز جانب منه عن جانب، ولا يرى منه شيء دون شيء، إذ القرآن ونحوه من الكلام العربي متطابق على ما هو معلوم بالاضطرار في لغة العرب وسائر اللغات، أنهم يصفون كثيراً من المخلوقات بأنه واحد ويكون ذلك جسماً..وإذا كان أهل اللغة متفقين على تسمية الجسم الواحد واحداً، امتنع أن يكون في اللغة معنى الواحد: الذي لا ينقسم إذا أريد بذلك أنه ليس بجسم وأنه لا يشار إلى شيء منه دون شيء..بل لا يوجد في اللغة اسم واحد إلا على ذي صفة ومقدار"١.
وقد سبق أن بينت معنى الواحد في اللغة وأن مداره على الانفراد وانقطاع النظير، وأنه لم يأت في اللغة ما يدل على أن الواحد هو الذي لا ينقسم ولا يتجزأ، أما ما دخل بعض كتب اللغة من هذه المعاني الباطلة فما ذلك إلا لتأثر أصحابها بهذه المذاهب الكلامية.
"والأحد بمعنى الواحد"٢، وقد ورد إطلاقه على ما هو جسم منقسم قال - تعالى -: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ [التوبة - ٦] وقال - تعالى -: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف - ٤٩] ،وقال - تعالى -: ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً﴾ [يوسف - ٣٦] . وعلى هذا يمتنع أن يكون معنى الواحد: الذي لا ينقسم.
وأما مخالفة قولهم للعقل، فإن الواحد الذي وصفوه أمر لا يعقل، ولا له وجود في الخارج؛ وإنما هو أمر مقدر في الذهن ليس في الخارج شيء موجود لا يكون له صفات، ولا
стр. 38
قدر، ولا يتميز منه شيء عن شيء؛ بحيث يمكن أن لا يرى ولا يدرك ولا يحاط به، وإن سماه المسمي جسما١.
وأما مخالفة قولهم للشرع فإن معنى الواحد الذي يقولون، ليس هو المعنى الشرعي في كتاب الله، ولا في سنة رسوله ﷺ ، ويدل على ذلك أن تفسير الصحابة لآيات التوحيدلم يرد فيها هذا المعنى الذي يشيرون إليه، ويشرحونه في كتبهم. يقول شيخ الإسلام ﵀: "ومن المعلوم بالاضطرار أن اسم الواحد في كلام الله لم يقصد به سلب الصفات وسلب إدراكه بالحواس، ولا نفي الحد والقدر ونحو ذلك من المعاني التي ابتدع نفيها الجهمية وأتباعهم، ولا يوجد نفيها في كتاب ولا سنة، ولاعن صاحب ولا أئمة المسلمين"٢.
كما خالفوا لغة العرب في تفسيرهم للفظ الإله، حيث نجد في لغة العرب أله إلاهة وألوهية: عبد عبادة، ومنه لفظ الجلالة، وإلاه فعال بمعنى مفعول لأنه مألوه أي: معبود، والتأله التنسك والتعبد، والإلاهة والألُوهة والألوهيّة: العبادة. وقيل: مأخوذ من ألِهَ يأله إلى كذا أي لجأ إليه، لأنه - سبحانه - المفزع الذي يلجأ إليه في كل أمر٣. وهذا هو المعنى الشرعي الذي أراده الله - تعالى - في كتابه٤، يقول شيخ الإسلام ﵀: "وليس المراد بالإله هو القادر على الاختراع، كما ظنه من ظنه من أئمة المتكلمين، حيث ظن أن الإلهية هي القدرة على الاختراع، وأن من أقر بأن الله هو القادر على الاختراع دون غيره، فقد شهد أن لا إله إلا هو، فإن المشركين كانوا يقرون بهذا وهم مشركون..بل الإله الحق هو الذي يستحق أن
стр. 39
يعبد فهو إله بمعنى مألوه، لا إله بمعنى آلِه، والتوحيد أن يعبد الله وحده لا شريك له، والإشراك أن يجعل مع الله إلها آخر"١.
وقد ستروا تحت قولهم في التوحيد باطلاً كثيراً، أما قولهم: إن الله واحد في ذاته لا قسيم له؛ فليس مرادهم بأنه لا ينقسم ولا يتبعض أنه لا ينفصل بعضه عن بعض، وأنه لا يكون إلهين اثنين ونحو هذا، فإن هذا حق لا ريب فيه، وإنما مرادهم بذلك أنه لا يشهد، ولا يرى منه شيء دون شيء، ولا يدرك منه شيء دون شيء، ولا يعلم منه شيء دون شيء، ولا يمكن أن يشار منه إلى شيء دون شيء، بحيث أنه ليس له في نفسه حقيقة عندهم قائمة بنفسها، يمكنه هو أن يشير منها إلى شيء دون شيء، فهذا ونحوه هو المراد عندهم بكونه لا ينقسم، ويسمون ذلك نفي التجسيم٢.
وأما قولهم واحد في صفاته لا شبيه له: فهذه الكلمة –كما يقول شيخ الإسلام - أقرب إلى الإسلام، لكن أجملوها فجعلوا نفي الصفات أو بعضها داخلا في نفي التشبيه٣.
وأما قولهم واحد في أفعاله لا شريك له: فهذا معنى صحيح، وهو حق، وهو أجود ما اعتصموا به من الإسلام في أصولهم، حيث اعترفوا فيه بأن الله خالق كل شيء، ومربيه ومدبره –مع خلاف المعتزلة٤ في خلق أفعال العباد - ٥، ولكنهم جعلوا هذا النوع هو الغاية وأطالوا في تقريره وشرحه، مع أن المشركين كانوا يقرون به وهم مع ذلك مشركون، ومن
стр. 40
هنا يتضح أن الحق الذي لديهم في التوحيد ليس هو الغاية التي جاء بها الرسول، بل التوحيد الذي أمَرَ به أمْرٌ يتضمن الحق الذي في كلامهم، وزيادة أخرى، فكلامهم فيه لبس الحق بالباطل وكتم للحق١.
وبذلك نتبين حقيقة التوحيد عند المتكلمين، والمعاني الباطلة التي اشتمل عليها تفسيرهم للتوحيد.
стр. 41
٥ - تعريف التوحيد عند الصوفية ١:
التوحيد عند الصوفية هو مشاهدة الوحدانية بطريق الكشف بواسطة نور الحق، وأعلى من ذلك أن لا يرى في الوجود إلا واحداً فلا يرى نفسه٢. وقالوا أيضا في تعريف التوحيد: "المراد بالتوحيد ظهور صفة الوحدانية للعبد حتى ينمحق كله فيها؛ ولا يبقى له أثر إلا مجرد التصديق القلبي بأن ذلك حق"٣.
وفي معجم ألفاظ الصوفية: "التوحيد عند الصوفية هو شهادة المؤمن يقيناً، أن الله - تعالى - هو الأول في كل شيء، وأقرب من كل شيء، وهو المعطي المانع لا معطي ولا مانع ولا ضار ولا نافع إلا هو"٤.
وقالوا أيضا في تعريف التوحيد أنه: "الفناء عن رسوم الصفات في الحضرة الواحدية، وشهود الحق بأسمائه وصفاته لا غير. وفي الحقائق: الفناء في الذات مع بقاء رسم الخفي المستور بنور الحق المشعر بالإثنينية المثبت للخلة"٥.
ومن خلال التعريفات السابقة يتبين لنا أن غاية توحيد الصوفية هو شهود توحيد الربوبية والفناء فيه، ومن المعلوم أن الإقرار بتوحيد الربوبية لم يخرج مشركي العرب عن شركهم، قال - تعالى -: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَات وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان - ٢٥] وذلك لأنهم لم يقوموا بلازمه وهو توحيد الألوهية وإفراد الله بالعبادة. يقول شيخ الإسلام ﵀: "فكذلك طوائف من أهل التصوف المنتسبين إلى
стр. 42
المعرفة والتحقيق والتوحيد غاية ما عندهم من التوحيد هو شهود هذا التوحيد، وهو أن يشهد أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، لاسيما إذا غاب العارف بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، وبمعروفه عن معرفته، ودخل في فناء توحيد الربوبية. فهذا عندهم هو الغاية التي لا غاية وراءها، ومعلوم أن هذا هو تحقيق ما أقر به المشركون من التوحيد، ولا يصير الرجل بمجرد هذا التوحيد مسلماً، فضلاً عن أن يكون ولياً لله أو من سادات الأولياء"١.
فالصوفية إذاً غايتهم في التوحيد هو إثبات الربوبية، والاستغراق في ذلك، وليس هذا ما بعث لأجله الرسل، وخلق لأجله الخلق.
وبمقارنة معنى التوحيد عند أهل السنة المعتمد على كلام الله، وكلام رسوله ﷺ ، بتعريف الطوائف الأخرى من فلاسفة ومتكلمين واتحادية وصوفية، يتبين لنا بعد هذه الطوائف عن ما جاء في القرآن والسنة في معنى التوحيد، بل مخالفتهم له.
стр. 43
٢ - تعريف الألفاظ وبيان أنواعها.
أولاً: تعريف اللفظ في اللغة:
اللفظ في اللغة يأتي بمعنى الكلام، والرمي، قال الخليل: "اللّفْظُ: الكلام، ما يلُفَظُ بشيء إلا حفظ عليه، واللفظ أن ترمي بشيء كان في فيك، والفعل لَفَظ يلفِظ لفظاً، والأرض تلفظ الميت أي ترمي به، والبحر يلفظ الشيء يرمي به إلى الساحل، والدنيا لافظة ترمي بمن فيها إلى الآخرة"١.
ولَفَظَ بالشيء يَلفِظ لفظاً: تكلم. وفي التنزيل العزيز: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق –١٨] ، ولفظت بالكلام وتلفظت به أي تكلمت به٢.
ولَفَظَ فلان: مات٣. واللفظ: واحد الألفاظ، وهو في الأصل مصدر٤.
وجاء وقد لَفَظَ لجامه أي جاء وهو مجهود من العطش والإعياء٥.
فاللفظ في اللغة يأتي بمعنى رمي الشيء، كما يأتي بمعنى الكلام، وهو الذي يخص هذا المبحث.
стр. 44
ثانياً: تعريف اللفظ في الاصطلاح:
اللفظ المراد هنا هو الذي معناه في اللغة الكلام، وهو ينقسم من حيث الإفراد والتركيب إلى لفظ مفرد ولفظ مركب، وسأتحدث هنا عن اللفظ المفرد، أما اللفظ المركب فهو معتمد على اللفظ المفرد وسيأتي بيانه عند ذكر أنواع اللفظ١.
وأما تعريف اللفظ المفرد عند أهل المنطق والأصول، فيعرف ابن سينا اللفظ فيقول: "اللفظ المفرد هو الذي يدل على معنى، ولا جزء من أجزائه يدل بالذات على جزء من أجزاء ذلك المعنى"٢.
ويقول الغزالي عن اللفظ المفرد: "هو الذي لا يراد بالجزء منه دلالة على شيء أصلا، حين هو جزؤه"٣.
ويعرفه الآمدي٤ بقوله: "ما دل بالوضع على معنى، ولا جزء له يدل على شيءأصلا"٥.
ويعرفه التفتازاني فيقول: "اللفظ ما يتألف من المقاطع"٦.
وقال الطوفي٧ في تعريف اللفظ: "اللفظ صوت معتمد على بعض مخارج الحروف"٨.
стр. 45
ويلاحظ تقارب التعريفات الثلاثة الأولى، ويختلف عنها تعريف التفتازاني والطوفي حيث يدخل في تعريفهما ما دل على معنى، وما لا يدل على معنى من الألفاظ. وتابعهما على ذلك جماعة من المتأخرين١، وهؤلاء قد بنوا ذلك على أن في اللغة ألفاظاً مهملة وألفاظاً مستعملة، والذي يترجح أن اللفظ هو ما دل على معنى، أما ما لا يدل على معنى فهو ليس من اللغة المخاطب بها، بل ذكره العرب في الأبنية المهملة٢.
أما النحاة وبعض أهل اللغة فيستعملون "الكلمة" بدل اللفظ، ويعبرون بهما عن بعض، وكلامهم يدور على الكلم والكلام، وانقسامه إلى حرف واسم وفعل، وهذا أحد التقسيمات التي ذكرها أهل الأصول والمنطق عند تقسيمهم للألفاظ.
ويفهم من تعريفهم للاسم والحرف والفعل؛ وهي أقسام الكلمة، أن الكلم عند النحاة هو ما دل على معنى وضع له، إما أن يستقل بالدلالة بنفسه أو بغيره٣.
فمن تعريفهم للكلمة قولهم: "الكلمة لفظ وضع لمعنى مفرد"٤. وقال بعض أهل اللغة: "الكلام حروف دالة على معنى"٥.
وقد رد ابن تيمية على النحاة ومن وافقهم في إطلاقهم الكلمة على المفرد، وبين بالأدلة الصحيحة أنها لم تأت في لغة العرب إلاّ مطلقة على جملة؛ اسميةً كانت أم فعلية٦.
стр. 46
ثالثاً: أنواع الألفاظ:
اهتم أهل اللغة وأهل الأصول والمنطق بدراسة اللفظ وبيان أنواعه ودلالاته تفصيلاً؛ وذلك لأن اللفظ تتركب منه لغة التخاطب، ولا يتم فهم المراد إلاّ بعد معرفة اللفظ ونوعه وما قد يحتمله من معان، وأصل علم اللغة والمنطق والأصول قائم على الألفاظ؛ لذا كانت عنايتهم بها كبيرة، كما اهتم أهل سائر العلوم بمعرفة أنواع الألفاظ، ودلالاتها، لما يترتب على الجهل بذلك من حصول الاشتباه والغموض، وعدم معرفة مراد المتكلم بكلامه.
وقد قسم أهل اللغة والأصول والمنطق الألفاظ عدة تقسيمات، ومنها:
١ - تقسيم الألفاظ من حيث دلالتها على المعاني:
الألفاظ تدل على المعاني من ثلاثة أوجه متباينة:
الوجه الأول: الدلالة من حيث المطابقة، كالاسم الموضوع بإزاء الشيء؛ وذلك كدلالة لفظ "الحائط" على "الحائط".
الوجه الثاني: أن تكون بطريق التضمن، وذلك كدلالة لفظ "البيت" على "الحائط".
الوجه الثالث: الدلالة بطريق الالتزام، والاستتباع، كدلالة لفظ "السقف"، على "الحائط"، فإنه مستتبع له، استتباع الرفيق اللازم الخارج عن ذاته١.
والمعتبر في التعريفات دلالة "المطابقة" و"التضمن"٢.
٢ - تقسيم الألفاظ بالنظر إلى عموم المعنى وخصوصه:
ينقسم اللفظ بالنظر إلى عموم المعنى وخصوصه إلى جزئي وكلي.
الجزئي: هو ما يمنع نفس تصور معناه، عن وقوع الشركة في مفهومه كقولك: "زيد" و"هذه الشجرة" و"هذا الفرس"٣.
стр. 47
الكلي: هو الذي لا يمنع مفهومه أن يشترك في معناه كثيرون، كقولك "الإنسان" و"الفرس" ١.
٣ - تقسيم الألفاظ بالنظر إلى نسبتها إلى المعاني:
أقسام الألفاظ بالنظر إلى نسبتها إلى المعاني هي: متباينة، ومشتركة، ومترادفة، ومشككة، ومتواطئة، ومتشابهة٢.
- الألفاظ المتباينة: ألفاظ مختلفة تدل على معان مختلفة بالحد والحقيقة، كالفرس والذهب٣.
- اللفظ المشترك: هو اللفظ الواحد الذي يطلق على موجودات مختلفة بالحد والحقيقة؛ إطلاقاً متساوياً، كالعين: تطلق على العين الباصرة وينبوع الماء وقرص الشمس٤.
- الألفاظ المترادفة: هي الألفاظ المختلفة في الصيغة، المتواردة على مسمى واحد، كالليث والأسد٥.
- اللفظ المشكك: هو الكلي الذي لم يتساو صدقه على أفراده، بل كان حصوله في بعضها أولى، أو أقدم، أو أشد من البعض الآخر، كالوجود فإنه في الواجب أولى وأقدم مما في الممكن٦.
- اللفظ المتواطىء: هو الكلي الذي يكون حصول معناه وصدقه على أفراده الذهنية والخارجية على السوية، كالإنسان على زيد وعمرو٧.
стр. 48
- الألفاظ المتشابهة: اللفظ يطلق على شيئين معناهما ليس واحداً، ولكن بينهما مشابهة في المعنى؛ كالإنسان على صورة متشكلة من الطين بصورة إنسان وعلى الإنسان الحقيقي١.
٤ - تقسيم اللفظ من حيث إفراده وتركيبه:
ينقسم اللفظ إلى مفرد ومركب، والمركب ينقسم إلى مركب تام ومركب ناقص.
- اللفظ المفرد: هو الذي لا يراد بالجزء منه دلالة على شيء أصلاً، حين هو جزؤه، كقولك "عيسى" فإن جزأي "عيسى" وهما "عي" و"سى" لا يراد بشيء منهما الدلالة على شيء أصلاً حين هو جزؤه٢.
- المركب التام: هو الذي كل لفظة منه تدل على معنى، والمجموع يدل دلالة تامة بحيث يصح السكوت عليه، كقولك: زيد يمشي٣.
- المركب الناقص: هو الذي كل لفظة منه تدل على معنى، والمجموع لا يدل دلالة تامة، فلا يصح السكوت عليه، كقولك: في الدار٤.
٥ - تقسيم اللفظ بالنظر إلى معانيه:
ينقسم اللفظ الذي له معان متعددة إلى ثلاثة أقسام:
لفظ مستعار، ولفظ منقول، ولفظ مشترك٥.
- اللفظ المستعار: هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له للمشابهة٦.
وقيل: هو أن يكون الاسم دالاً على ذات الشيء بالوضع، ولكن يلقب به في بعض الأحوال
стр. 49
– لا على الدوام - شيء آخر، لمناسبته للأول على وجه من وجوه المناسبات من غير أن يجعل
ذاتياً للثاني وثابتاً عليه١، مثاله لفظ الأم فإنه موضوع للوالدة ويستعار للأرض يقال: إنها أم البشر٢.
- اللفظ المنقول: هو أن ينقل الاسم عن موضوعه، إلى معنى آخر، ويجعل اسماً له، ثابتاً دائماً، ويستعمل أيضاً في الأول فيصير مشتركاً بينهما كاسم الصلاة والحج٣.
٦ - تقسيم اللفظ المفرد في نفسه:
اللفظ إما اسم أو فعل أو حرف.
- الاسم: لفظ مفرد يدل على معنى من غير أن يدل على زمان وجود ذلك المعنى. ثم منه ماهو محصل كـ "زيد"، ومنه ماهو غير محصل، كما إذا اقترن به حرف سلب، فقيل "لا إنسان"٤.
- الفعل: لفظ مفرد يدل على معنى وعلى الزمان الذي ذلك المعنى موجود فيه لموضوع ما، غير معين كقولنا "قام" ٥.
- وأما الحرف: وهو الأداة، فهو ما لا يدل على معنى إلا باقترانه بغيره، مثل "من" و"على"٦.
٧ - تقسيم اللفظ من حيث مصدره:
وتقسيم اللفظ هنا خاص بألفاظ العقيدة حيث يقسم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ألفاظ العقيدة إلى نوعين:
стр. 50
- نوع جاء به الكتاب والسنة فيجب على كل مؤمن أن يقر بموجب ذلك، فيثبت ما أثبته الله ورسوله، وينفي ما نفاه الله ورسوله١.
- النوع الثاني هي الألفاظ التي ليست في الكتاب والسنة، ولا اتفق السلف على نفيها أو إثباتها، فهذه ليس على أحد أن يوافق من نفاها أو أثبتها حتى يستفسر عن مراده، فإن أراد بها معنى يوافق خبر الرسول أقر به، وإن أراد بها معنى يخالف خبر الرسول أنكره. ثم التعبير عن تلك المعاني إن كان في ألفاظه اشتباه أو إجمال عبر بغيرها، أو بين مراده بها؛ بحيث يحصل تعريف الحق بالوجه الشرعي٢.
هذا هو مجمل التقسيمات للألفاظ التي ذكرها العلماء في مؤلفاتهم، والإلمام بها بين الأهمية لفهم مراد المتحدث.
стр. 51
٣ - تعريف المصطلحات وبيان أنواعها.
أولاً: تعريف المصطلح:
أورد الزبيدي١لفظ "اصطلاح" في مادة صلح من كتابه تاج العروس وبيّن أن معناه: "اتفاق طائفة مخصوصة على أمر مخصوص"٢.
ومن الاشتقاق: صالحه مصالحةً وصِلاحاً واصطَلَحا واصّالَحا٣. فالاصطلاح من اصطلح وترجع إلى معنى الاتفاق والمصالحة على أمر معين.
وقد تحدثت كتب التعريفات عن المصطلح والاصطلاح ومما جاء في بيان معناه:
يقول الجرجاني: "الاصطلاح: إخراج اللفظ من معنى لغوي إلى آخر لمناسبة بينهما"٤.
وقال أيضاً: "الاصطلاح عبارة عن اتفاق قام على تسمية الشيء باسم ما ينقل عن موضعه الأول"٥.وقيل: "الاصطلاح إخراج الشيء عن معنى لغوي إلى معنى آخر لبيان المراد"٦.
وهذه التعريفات متقاربة. وقيل: "الاصطلاح اتفاق طائفة على وضع اللفظ بإزاء المعنى"٧.
وقيل: "الاصطلاح لفظ معين بين قوم معينين"٨.
وقيل: "الاصطلاح اتفاق طائفة مخصوصة على أمر مخصوص"٩.
стр. 52
ويلاحظ أن التعريفات الثلاثة الأولى تجعل المصطلح ما أخرج من معناه اللغوي إلى معنى آخر. أما التعريفات الأخيرة فلا تذكر ذلك بل تجعل المصطلح اتفاق طائفة على وضع لفظ معين لمعنى، وهذا أعم من التعريفات الأولى، وهو أولى؛ لأن المصطلح ليس بالضرورة أن يكون مخرجاً من معنى لآخر، بل ربما يكون موضوعاً لهذا المعنى فقط، كما أن من خصائص المصطلح هو اتفاق جماعة من المختصين عليه، وهو ما أكدته التعريفات السابقة، وعلى هذا جاءت بعض تعريفات المعاصرين للمصطلح، ومنها قول أحد الباحثين المعاصرين:
"المصطلح كلمة - مفردة أو مركبة –تدل على معان كثيرة، متجانسة ومتكاملة فيما بينها، إذا أطلقت دلت تلقائياً على مكوناتها المعرفية، أو الفنية، بحسب حقول العلم والأدب والفكر التي تنتسب إليها. ومن خصائص هذا الاطلاق: الاتفاق بين كل أو جل المختصين في حقل المصطلح المعني، فالمصطلح ذو طبيعة جماعية"١.
ومما جاء في المعاجم المتأخرة أن "الاصطلاح لفظ، أو شيء، اتفقت طائفة مخصوصة على وضعه"٢.
ويعرف الدكتور بكر أبو زيد الاصطلاح بأنه: "اللفظ المختار للدلالة على شيء معلوم ليتميز به عما سواه"٣.
وينقص هذا التعريف الإشارة إلى اتفاق جماعة على اختيار ذلك اللفظ للمعنى. هذا بالنسبة للاصطلاحات اللفظية، أما المصطلح عموما فيمكن أن يقال في تعريفه: أنه لفظ أو رمز اختاره طائفة مخصوصة للدلالة على شيء معلوم ليتميز به عما سواه.
وينبغي الإشارة إلى أن هذه الألفاظ الاصطلاحية منها" ما لا تثبت دلالته على وتيرة واحدة، بل يعتريها الاستبدال والسعة والضيق، بحيث تتسع مدلولاتها أو تضيق وتختص بمعنى ما، لكن هذا التغير في نطاق مقاييس اللغة والشرع، وهذا التطور أيضا في الألفاظ المتلقاة
стр. 53
بنص من الشارع غير وارد، ولهذا حصل التفريق في ألقابها فيقال فيما ورد به نص "حقيقته الشرعية" ولا يقال "حقيقته الاصطلاحية" والله أعلم١.
ثانياً: الفرق بين المصطلح واللفظ:
بعد تعريف المصطلح واللفظ يتضح الفرق بينهما، فإن بينهما عموم وخصوص، فكل مصطلح لفظي هو لفظ، وليس كل لفظ هو مصطلح، فاللفظ أعم والمصطلح أخص.
стр. 54
ثالثاً: بيان أنواع المصطلحات:
تتنوع المصطلحات بتنوع الفن الذي تندرج فيه تلك المصطلحات، فنجد أن هناك مصطلحات فقهية، ومصطلحات حديثية، ومصطلحات في التاريخ، ومصطلحات في الأدب، ومصطلحات في علم البلاغة، ومصطلحات فلسفية، ومصطلحات في الطب، ومصطلحات في الهندسة، ومصطلحات حربية، ومصطلحات في الكيمياء، والفيزياء، والقانون، وعلم الحيوان، وعلم النبات، وعلم الرياضيات، وهناك مصطلحات سياسية، ومصطلحات اقتصادية، وجغرافية، وجيولوجية، وغيرها من العلوم فلكل فن مصطلحات تعارف عليها أصحاب ذلك الفن.
كما تتنوع المصطلحات بتنوع المذهب العقدي الذي تنتمي إليه تلك المصطلحات فهناك مصطلحات كلامية، ومصطلحات صوفية، ومصطلحات للشيعة الإمامية، ومصطلحات فلسفية.
وهناك من قسم المصطلحات إلى:
"أولاً: مصطلح الرمز بالحرف، كما هو لدى المحدثين في ألفاظ التصحيح والتضعيف، والعزو والتخريج، ومن قبلهم لدى علماء الجبر والكيمياء والهندسة ونحوها.
ثانياً: مصطلح الأرقام لدى من ذكر في النوع قبله ولدى المؤرخين والأخباريين في حروف أبي جاد.
ثالثاً: المواضعات اللفظية صناعة: مفردة كلفظ الصلاة والزكاة ونحوهما، أو مركبة مثل بسم الله الرحمن الرحيم، لا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم"١.
ويضاف قسم رابع: وهو الرمز بالشكل والرسم كما هو لدى علماء الرياضيات.
هذه أنواع المصطلحات بإيجاز، وأهمية الإلمام بها ظاهرة، لكي لا نحمل المصطلح على غير مراد واضعيه.
стр. 55
٤ - الموسوعات العلمية: أهميتها وبيان أنواعها.
أولاً: أهمية الموسوعات العلمية:
تطلق الموسوعة، أو دائرة المعارف، أو المَعْلَمة، على المؤلف الشامل لجميع معلومات علم أو أكثر، معروضة من خلال عناوين متعارف عليها، بترتيب معين، لا يحتاج معه إلى خبرة وممارسة، مكتوبة بأسلوب مبسط١.
وتتبين لنا أهمية الموسوعة العلمية من وجوه عدة منها:
أولاً: أنها تحوي أطراف الفن الواحد المنثورة في مئات الكتب بين دفتي كتاب واحد، وإن تعددت أجزاؤه.
ثانياً: تسهل الموسوعة على المختصين وغيرهم الرجوع لمعرفة ما يريدون من مصطلحات وألفاظ في أقل وقت.
ثالثاً: الموسوعات تعتبر مفاتيح العلوم لأنها تحوي المصطلحات المهمة في كل فن.
رابعاً: العمل الموسوعي مرآة فكر الأمة وهو "مرحلة لاحقة لنضج فكرها، واتساع معارفها، واكتمال لغتها"٢.
стр. 56
ثانياً: أنواع الموسوعات:
تنقسم الموسوعات العلمية إلى قسمين١:
"١" موسوعات عامة تجمع المصطلحات المستخدمة في كافة العلوم أو في أكثر هذه العلوم دون تمييز.
"٢" موسوعات خاصة يفرد كل منها لمصطلحات علم واحد، أو مجموعة قليلة من علوم متقاربة. وتتنوع هذه الموسوعات بتنوع العلم الذي تفرد فيه.
١ - الموسوعات العامة:
من أمثلة الموسوعات العامة في المصطلح العلمي ما يلي:
١ - مفاتيح العلوم: لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن يوسف الكاتب الخوارزمي المتوفى عام ٣٨٧هـ٢، وقد جمع فيه مصطلحات الفقه وأصوله، والكلام، والنحو، والكتابة، والإدارة، والشعر، والعروض، والأخبار، والفلسفة، والمنطق، والطب، والعدد، والهندسة، والنجوم، والموسيقى، والحيل والكيمياء.
٢ - التعريفات، لأبي الحسن علي بن محمد بن علي الحسيني الجرجاني الحنفي المتوفى عام ٨١٦هـ٣، وهو كتاب شامل للمصطلحات الكلامية والفلسفية واللغوية والفقهية والأصولية، ومصطلحات علم الحديث ومصطلحات الصوفية مع التعريف ببعض الفرق والمذاهب، وهو مرتب على حروف الهجاء دون رد الكلمات إلى أصولها اللغوية.
٣ - التوقيف على مهمات التعاريف، لعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بنزين العابدين، الحدادي، المناوي، القاهري، الشافعي، المتوفى عام ١٠٣١هـ٤. وهو كتاب شامل لمصطلحات أصول الدين والتصوف والمنطق وعلوم اللغة وعلوم القرآن والحديث والطب وغيرها، وهو مرتب على حروف الهجاء دون رد الكلمات إلى أصولها اللغوية.
стр. 57
ومثل هذه الكتب كتاب الكليات، لأبي البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوي الحنفي، المتوفى عام ١٠٩٤ هـ١، وكشاف اصطلاحات العلوم والفنون لمحمد بن علي بن القاضي محمد حامد بن محمد صابر الفاروقي الحنفي الهندي التهانوي المتوفى عام ١١٩١هـ٢، وجامع العلوم في اصطلاحات الفنون الملقب "دستور العلماء" للقاضي عبد النبي بن عبد الرسول بن أبي محمد الكجراتي الأحمد نكري الهندي المتوفى عام ١١٣٠هـ٣.
٢ - الموسوعات الخاصة:
وهي التي تكون متخصصة في فن واحد ومن أمثلتها:
- الحدود والرسوم لابن سينا.
- المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني.
- اصطلاحات الصوفية لكمال الدين عبد الرزاق القاشاني.
- المبين في شرح معاني ألفاظ الحكماء والمتكلمين للآمدي.
- تعريفات ابن عرفة المالكي في الفقه وأصوله.
- الموسوعة الفقهية التي اعتنت بها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في الكويت.
- موسوعة المصطلحات الاقتصادية.
- معجم العلوم الطبية تأليف محمد شرف٤.
ومن الموسوعات التي صدرت حديثا على سبيل المثال؛ موسوعة مصطلحات الفلسفة عند العرب للدكتور جيرار جهامي، وموسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي، وموسوعة مصطلحات الإمام فخر الدين الرازي وكلاهما للدكتور سميح دغيم.
стр. 58
الباب الأول: المصادر والقواعد في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها عند أهل السنة ومخالفيهم
الفصل الأول: مصادر أهل السنة وقواعدهم في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها
المبحث الأول: مصادر أهل السنة في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها
المصدر الأول: القرآن الكريم
...
الباب الأول: المصادر والقواعد في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها عند أهل السنة ومخالفيهم:
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: مصادر أهل السنة وقواعدهم في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها.
الفصل الثاني: مصادر المخالفين وقواعدهم في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها.
الفصل الثالث: معنى الحد عند المنطقيين، ونقده عند أهل السنة.
الفصل الرابع: أشهر المؤلفات في مصطلحات العقيدة؛ عرض وتقويم.
стр. 59
الفصل الأول: مصادر أهل السنة وقواعدهم في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها:
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: مصادر أهل السنة في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها.
المبحث الثاني: قواعد أهل السنة في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها.
стр. 60
المبحث الأول: مصادر أهل السنة في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها:
المصدر الأول: القرآن الكريم.
المصدر الثاني: السنة النبوية.
المصدر الثالث: لغة العرب.
المصدر الرابع: آثار السلف.
стр. 61
المصدر الأول: القرآن الكريم.
لقد أنزل الله على نبي هذه الأمة محمد ﷺ القرآن الكريم، الذي نسخ به الكتب السابقة، وجعله تبياناً لكل شيء، فكان المصدر الأول للمسلمين في عقائدهم وشرائعهم، وكان الصحابة - رضوان الله عليهم - يأخذون العقيدة من القرآن بألفاظها، سيما وأنهم مخاطبون في القرآن بلغتهم العربية.
وهكذا كان سلف الأمة ومن بعدهم من أهل السنة والجماعة، يعتمدون القرآن الكريم مصدراً أولاً لألفاظ العقيدة، وبيان معانيها، وينصون على ذلك في كتبهم.
يقول الأمام أحمد ﵀: "لست أتكلم إلا ما كان في كتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ ، أو عن أصحابه، أو عن التابعين، وأما غير ذلك فالكلام فيه غير محمود"١. وهذا الإمام ابن خزيمة٢يصنف كتاب التوحيد وما فيه إلا آيات وأحاديث عن الرسول ﷺ ، يقول ﵀: "فاحتسبت في تصنيف كتاب يجمع هذين الجنسين من العلم بإثبات القول بالقضاء السابق، والمقادير النافذة قبل حدوث كسب العباد، والإيمان بجميع صفات الرحمن الخالق - جل وعلا -، مما وصف الله به نفسه في محكم تنزيله، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، وبما صح وثبت عن نبينا ﷺ بالأسانيد الثابتة الصحيحة، بنقل أهل العدالة، موصولاً إليه ﷺ "٣. ومثل الإمام ابن خزيمة يوجد أيضاً عدد من أئمة السلف المتقدمين، الذين ألفوا في بيان عقيدة أهل السنة، لا يذكرون في كتبهم إلا آيات
стр. 62
وأحاديث وآثار عن السلف، مزينة بتوضيح يسير منهم، مثل كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للإمام اللالكائي١، وكتاب الشريعة للإمام الآجري، وخلق أفعال العباد للإمام البخاري، وغيرها كثير. وهم يشيرون إلى هذا المنهج في كتبهم التي ألفوها، يقول الإمام ابن عبد البر٢: "ليس في الاعتقاد كله في صفات الله وأسمائه، إلا ما جاء منصوصاً في كتاب الله، أو صح عن رسول الله ﷺ ، أو أجمعت عليه الأمة"٣.
وهذا الإمام الإسماعيلي٤يبين عقيدة أهل السنة والجماعة ويذكر منها: "قبول ما نطق به كتاب الله - تعالى -، وما صحت به الرواية عن رسول الله ﷺ ، لا معدل عما وردا به، ولا سبيل إلى رده، إذ كانوا مأمورين باتباع الكتاب والسنة"٥.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فيأخذ المسلمون جميع دينهم من الاعتقادات والعبادات وغير ذلك من كتاب الله، وسنة رسوله، وما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، وليس ذلك مخالفاً للعقل الصريح، فإن ما خالف العقل الصريح فهو باطل، وليس في الكتاب والسنة والإجماع باطل"٦.
ويقول ﵀ في الرد على من اتهمه بإطلاق لفظ الجهة والتحيز على الله: "بل كلامي فيه ألفاظ القرآن والحديث، وألفاظ سلف الأمة ومن نقل مذاهبهم. أو التعبير
стр. 63
عن ذلك تارة بالمعنى المطابق الذي يعلم المستمع أنه موافق لمعناهم"١، ويقول ﵀ وهو يتحدث عن الصفات ومسائل العقيدة: "وأنا لا أقول إلا ما جاء به الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة"٢.
ويقول الإمام ابن أبي العز ﵀: "بل الواجب أن يجعل ما قاله الله ورسوله هو الأصل، ويتدبر معناه، ويعقله، ويعرف برهانه، ودليله، إما العقلي وإما الخبري السمعي، ويعرف دلالته على هذا وهذا، ويجعل أقوال الناس التي توافقه وتخالفه متشابهة مجملة، فيقال لأصحابها: هذه الألفاظ تحتمل كذا وكذا، فإن أرادوا بها ما يوافق خبر الرسول قبل، وإن أرادوا بها ما يخالفه رد"٣.
وألفاظ كلام الله –تعالى - ورسوله ﷺ لها خاصية ليست لغيرها من الألفاظ، فأهل السنة والجماعة يجزمون بأنه لابد من الإيمان بلفظ نصوص الكتاب والسنة، سواء علم معناها أو لم يعلم، وأنه لا يتوقف الإيمان بالنص وألفاظه إلى حين معرفة معناه، يقول شيخ الإسلام ﵀: "إن الناس عليهم أن يجعلوا كلام الله ورسوله هو الأصل المتبع، والإمام المقتدى به، سواء علموا معناه أو لم يعلموه، فيؤمنون بلفظ النصوص وإن لم يعرفوا حقيقة معناها، وأما ما سوى كلام الله ورسوله فلا يجوز أن يجعل أصلاً بحال، ولا يجب التصديق بلفظ له حتى يفهم معناه، فإن كان معناه موافقاً لما جاء به الرسول كان مقبولاً، وإن كان مخالفاً كان مردوداً، وإن كان مجملاً مشتملاً على حق وباطل لم يجز إثباته أيضاً، ولا يجوز نفي جميع معانيه بل يجب المنع من إطلاق نفيه وإثباته، والتفصيل، والاستفسار"٤.
ويجعل هذا قاعدة من قواعد أهل السنة في باب الأسماء والصفات فيقول: "القاعدة الثانية: أن ما أخبر به الرسول عن ربه فإنه يجب الإيمان به سواء عرفنا معناه أو
стр. 64
لم نعرف، لأنه الصادق المصدوق، فما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن الإيمان به وإن لم يفهم معناه. وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها، مع أن هذا الباب يوجد عامته منصوصاً في الكتاب والسنة، متفقاً عليه بين سلف الأمة، وما تنازع فيه المتأخرون، نفياً وإثباتاً، فليس على أحد بل ولا له أن يوافق أحداً على إثبات لفظ أونفيه، حتى يعرف مراده، فإن أراد حقاً قبل وإن أراد باطلاً رُدّ، وإن اشتمل كلامه على حق وباطل لم يقبل مطلقاً ولم يرد جميع معناه، بل يوقف اللفظ ويفسر المعنى"١.
فأهل السنة يراعون المعنى الصحيح كما يراعون الألفاظ الشرعية، ويحاولون أن يكون التعبير عن المعنى الصحيح بلفظ شرعي، يقول شيخ الإسلام ﵀: "فطريقة السلف والأئمة أنهم يراعون المعاني الصحيحة المعلومة بالشرع والعقل، ويراعون أيضاً الألفاظ الشرعية فيعبرون بها ما وجدوا إلى ذلك سبيلا، ومن تكلم بما فيه معنى باطل يخالف الكتاب والسنة ردوا عليه، ومن تكلم بلفظ مبتدع يحتمل حقاً وباطلاً نسبوه إلى البدعة أيضاً، وقالوا إنما قابل بدعة ببدعة، ورد باطلاً بباطل"٢.
فهذا هو منهج أهل السنة في استمداد ألفاظ العقيدة، مصدرهم الأول لها كتاب الله - تعالى -.
стр. 65
المصدر الثاني: السنة النبوية .
تعتبر السنة النبوية المصدر الثاني من مصادر ألفاظ العقيدة عند أهل السنة والجماعة، وفي الصفحات السابقة ذكرت نصوص أهل السنة في اعتمادهم القرآن الكريم مصدراً للعقيدة وألفاظها، وكان فيها ذكر السنة واعتمادها مع القرآن الكريم في ذلك.
وهنا سأذكر مزيداً من النصوص عن أهل السنة تبين مكانة السنة عندهم، واستقاءهم ألفاظ العقيدة منها، فهذا الإمام الدارمي ﵀ يقول: "وقد علمتم - إن شاء الله -، أنه لا يستدرك سنن رسول الله ﷺ وأصحابه، وأحكامهم، وقضاياهم، إلا هذه الآثار والأسانيد على ما فيها من الاختلاف، وهي السبب إلى ذلك، والنهج الذي درج عليه المسلمون، وكانت إمامهم في دينهم بعد كتاب الله – ، منها يقتبسون العلم، وبها يقضون، وبها يفتون، وعليها يعتمدون، وبها يتزينون، يورثها الأول منهم الآخر، ويبلغها الشاهد منهم الغائب احتجاجاً بها، واحتساباً في أدائها إلى من لم يسمعها، يسمونها السنن والآثار، والفقه والعلم، ويضربون في طلبها شرق الأرض وغربها، يحلون بها حلال الله، ويحرمون بها حرامه، ويميزون بها بين الحق والباطل، والسنن والبدع، ويستدلون بها على تفسير القرآن ومعانيه وأحكامه، ويعرفون بها ضلالة من ضل عن الهدى"١. وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "سيأتي أناس يجادلونكم بشبهات القرآن، فجادلوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله"٢.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ومن الوجوه الصحيحة أن معرفة الله بأسمائه وصفاته على وجه التفصيل لا تعلم إلا من جهة الرسول ﵊، إما
стр. 66
بخبره، وإما بخبره وتنبيهه ودلالته على الأدلة العقلية، ولهذا يقولون: لا نصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ "١.
فأهل السنة يلتزمون ألفاظ الكتاب والسنة في العقيدة ما أمكنهم ذلك، ويردون ما عارضها ويجعلونها الأصل، وقد سبق بيان ذلك، وفي هذا يقول الإمام ابن القيم ﵀ وهو يتحدث عن الأدب مع رسول الله ﷺ : "ومن الأدب معه أن لا يستشكل قوله، بل تستشكل الآراء لقوله، ولا يعارض نصه بقياس بل تهدر الأقيسة، وتلقى لنصوصه، ولا يحرف كلامه عن حقيقته لخيال يسميه أصحابه معقولاً، نعم هو مجهول وعن الصواب معزول، ولا يوقف قبول ما جاء به رسول الله ﷺ على موافقة أحد. فكل هذا من قلة الأدب معه ﷺ وهو عين الجرأة"٢.
فمصدر أهل السنة الثاني لألفاظ العقيدة هو كلام رسول الله ﷺ .
стр. 67
المصدر الثالث: لغة العرب .
لقد خاطب الله الناس في القرآن الكريم بلغة العرب، وكان محمد ﷺ أفصح الناس لساناً، وقد نشأ بين قريش أفصح العرب جميعاً، فكان لابد لبيان معاني كلام الله –تعالى -، وكلام رسوله ﷺ ، من معرفة بلغة العرب، وفهمٍ لدلالتها على المعاني.
وعلى ضوء فهم لغة العرب وتشعب معانيها يمكن تفسير كلام الله، وكلام رسوله ﷺ . يقول الإمام الشافعي ﵀: "وإنما بدأت بما وصفت من أن القرآن نزل بلسان العرب دون غيره؛ لأنه لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب، وكثرة وجوهه، وجماع معانيه وتفرقها، ومن علمه انتفت عنه الشبه التي دخلت على من جهل لسانها "١. ويقول شيخ الإسلام ﵀: ".. الاستدلال بالقرآن إنما يكون على لغة العرب التي أنزل بها، بل قد نزل بلغة قريش، كما قال –تعالى -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم –٤] وقال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء –١٩٥] ، فليس لأحد أن يحمل ألفاظ القرآن على غير ذلك من عرف عام أو اصطلاح خاص"٢.
وكذلك ألفاظ السنة لا طريق لبيانها إلا بمعرفة لغة العرب ودلالتها على المعاني، يقول شيخ الإسلام ﵀: "والطريق إلى معرفة ما جاء به الرسول أن تعرف ألفاظه الصحيحة، وما فسرها به الذين تلقوا عنه اللفظ والمعنى، ولغتهم التي كانوا يتخاطبون بها، وما حدث من العبارات وتغير من الاصطلاحات"٣.
стр. 68
فأهل السنة والجماعة يعبرون عن عقيدتهم بألفاظ الكتاب والسنة، وهي ألفاظ عربية، كما أنهم يعبرون عن المعنى الصحيح بألفاظ عربية، مطابقة لذلك المعنى. يقول شيخ الإسلام ﵀: "بل كلامي فيه ألفاظ القرآن، والحديث، وألفاظ سلف الأمة، ومن نقل مذاهبهم، أو التعبير عن ذلك تارة بالمعنى المطابق، الذي يعلم المستمع أنه موافق لمعناهم"١.
ويقول ﵀: "ونحن إنما نخاطب الأمم بلغتنا العربية، فإذا نقلوا عن أسلافهم لفظ الهيولى والصورة والمادة والعقل والنفس.. ونحو ذلك، بُيّن ما تحتمل هذه الألفاظ من المعاني"٢.
وأهل السنة يردون على المتكلمين وأمثالهم عندما يستخدمون ألفاظاً لمعان غير واردة في لغة العرب، ثم يفسرون بها كلام الله ورسوله، ويجعلونها من الاعتقاد. وكتب أهل السنة مليئة بالردود على مثل هذا الضلال؛ ومن ذلك كتب الإمام الدارمي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام ابن القيم ﵏.
ومن الأمثلة على ذلك الرد على المتكلمين في زعمهم أن الواحد لا يكون جسماً، يقول شيخ الإسلام ﵀: "ومن المعلوم المتواتر في اللغة الشائع بين الخاص والعام أنهم يقولون: درهم واحد، ودينار واحد، ورجل واحد، وامرأة واحدة، وشجرة واحدة، وقرية واحدة، وثوب واحد، وشهرة هذا عند أهل اللغة شهرة سائر ألفاظ العدد، فيقولون رجل واحد ورجلان اثنان، وثلاثة رجال، وأربعة رجال، وهذا من أظهر اللغة وأشهرها وأعرفها؛ فكيف يجوز أن يقال إن الوحدة لا يوصف بها شيء من الأجسام، وعامة ما يوصف بالوحدة في لغة العرب إنما هو جسم من الأجسام؟! وتحريف هؤلاء للفظ الواحد كتحريفهم للفظ المثل"٣.
стр. 69
وقال ﵀: "أما في اللغة فإن أهل اللغة مطبقون على أن معنى الواحد في اللغة ليس هو الذي لا يتميز جانب منه عن جانب، ولا يرى منه شيء دون شيء، إذ القرآن ونحوه من الكلام العربي متطابق على ما هو معلوم بالاضطرار في لغة العرب، وسائر اللغات، أنهم يصفون كثيراً من المخلوقات بأنه واحد، ويكون ذلك جسماً"١.
ويقول الإمام ابن القيم في الرد على من حرف معنى الاستواء: "هذا الذي قالوه باطل من اثنين وأربعين وجهاً:
أحدها: إن لفظ الاستواء في كلام العرب الذي خاطبنا الله –تعالى - بلغتهم، وأنزل بها كلامه "نوعان" مطلق ومقيد، فالمطلق ما لم يوصل معناه بحرف مثل قوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص - ١٤] وهذا معناه كمل وتم، يقال استوى النبات واستوى الطعام. أما المقيد فثلاثة أضرب:
- أحدها: مقيد بإلى كقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة –٢٩] ...وهذا بمعنى العلو والارتفاع بإجماع السلف.
- الثاني: مقيد بعلى كقوله تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف–١٣] ..وهذا أيضاً معناه العلو والارتفاع والاعتدال بإجماع أهل اللغة.
- الثالث: المقرون بواو "مع" التي تعدي الفعل إلى المفعول معه؛ نحو استوى الماء والخشبة، بمعنى ساواها.
وهذه معاني الاستواء المعقولة في كلامهم، ليس فيها معنى استولى ألبته، ولا نقله أحد من أئمة اللغة الذين يعتمد قولهم، وإنما قاله متأخرو النحاة ممن سلك طريق المعتزلة والجهمية٢.
стр. 70
الوجه الثالث: إن أهل اللغة لما سمعوا ذلك أنكروه غاية الإنكار، ولم يجعلوه من لغة العرب. قال ابن الأعرابي١وقد سئل: هل يصح أن يكون استوى بمعنى استولى؟ فقال: لا تعرف العرب ذلك، وهذا هو من أكابر أئمة اللغة"٢.
وهذه الأمثلة وغيرها كثير يبين منهج أهل السنة في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها، وأنهم يجعلون اللغة العربية معياراً لقبول أو رد ما يطرح من ألفاظ ومعانٍ ترتبط بالعقيدة.
стр. 71
المصدر الرابع: آثار السلف
يعتمد أهل السنة على الآثار المنقولة عن السلف؛ من الصحابة والتابعين، في بيان كلام الله ورسوله ﷺ ، فهم الأعلم بها من غيرهم، وهكذا فألفاظهم في العقيدة مأخوذة من كلام الله ورسوله، أو مبينة لها بعبارات صحيحة، بناءً على لغتهم العربية الفصيحة، وصحة فهمهم للألفاظ الشرعية.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والطريق إلى معرفة ما جاء به الرسول أن تعرف ألفاظه الصحيحة، وما فسرها به الذين تلقوا عنه اللفظ والمعنى، ولغتهم التي كانوا يتخاطبون بها، وما حدث من العبارات وتغير من الاصطلاحات"١.
ويقول أيضاً: "إن المرجع في ثبوت هذه الأسماء عن الشارع، وفي بيان معناها إلى من نقل عنه القرآن والحديث لفظه ومعناه، وهم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، الذين تلقوا الإيمان والقرآن والحديث بعضهم عن بعض حتى يصل إليه، أو أخذ ذلك هو بلغته التي كان يخاطب بها"٢.
وهكذا كان السلف المتقدمون، يأخذون عن سلفهم من الصحابة والتابعين ألفاظهم في العقيدة، يقول الإمام أحمد ﵀: "لست أتكلم إلا ما كان في كتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ أو عن الصحابة أو عن التابعين، وأما غير ذلك فالكلام فيه غير محمود"٣.
ويقول الإمام ابن القيم ﵀: "فإذا كان الصحابة تلقوا عن نبيهم معاني القرآن كما تلقوا عنه ألفاظه، لم يحتاجوا بعد ذلك إلى لغة أحد، فنقل معاني القرآن عنهم كنقل
стр. 72
ألفاظه سواء، ولا يقدح في ذلك تنازع بعضهم في بعض معانيه، كما وقع من تنازعهم في بعض حروفه، وتنازعهم في بعض السنة لخفاء ذلك على بعضهم"١.
ويقول شيخ الإسلام ﵀: "إن ما نطق به الكتاب وبينه، أو ثبت بالسنة الصحيحة، أو اتفق عليه السلف الصالح، فليس لأحد أن يعارضه معقولاً ونظراً أو كلاماً وبرهاناً وقياساً عقلياً أصلاً، بل كل ما يعارض ذلك فقد علم أنه باطل علماً كلياً عاماً"٢.
وهو يقول عن نفسه في التزامه ذلك: "وأنا لا أقول إلا ما جاء به الكتاب والسنة، واتفق عليه سلف الأمة"٣.
والسلف الصالح يعلمون من مراد الله ورسوله مالا يعلمه غيرهم، وهم الذين نقلوا ألفاظ الرسول، ومعاني ألفاظه، فكانوا أحرى بالاتباع. يقول شيخ الإسلام ﵀: "إن أهل العلم والإيمان يعلمون من مراد الله ورسوله بكلامه، أعظم مما يعلمه الأطباء عن كلام جالينوس، والنحاة من كلام سيبويه.. وجماع هذا أن يعلم أن المنقول عن الرسول ﷺ شيئان: ألفاظه وأفعاله، ومعاني ألفاظه ومقاصده بأفعاله، وكلاهما منه ما هو متواتر عند العامة والخاصة، ومنه ما هو متواتر عند الخاصة ومنه ما يختص بعلمه بعض الناس"٤.
فآثار السلف الصالح هي المصدر الرابع لألفاظ العقيدة عند أهل السنة، وانطلاقاً من هذه المصادر بنى أهل السنة قواعدهم في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها، وهي ما سأبينه في المبحث التالي - إن شاء الله -.
стр. 73
المبحث الثاني: قواعد أهل السنة في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها .
- القاعدة الأولى: التزام ألفاظ الشرع .
- القاعدة الثانية: التزام معاني اللغة ودلالاتها.
- القاعدة الثالثة: تجنب الألفاظ البدعية.
- القاعدة الرابعة: تجنب الألفاظ المجملة، والتفصيل فيها.
- القاعدة الخامسة: تجنب التشبه بغير المسلمين في الألفاظ والمصطلحات.
стр. 74
تمهيد:
لما كانت مصادر أهل السنة والجماعة هي الكتاب والسنة ولغة العرب وآثار السلف، فإن المتأمل في كتب أهل السنة والجماعة وأقوالهم يتبين له قواعد عامة لألفاظ العقيدة ومصطلحاتها عندهم، معتمدين في ذلك على طريقة القرآن والسنة في انتقاء الألفاظ ومنهج التعبير عن المعاني وكانت قواعدهم العامة كالآتي:
- القاعدة الأولى: التزام ألفاظ الشرع.
- القاعدة الثانية: التزام معاني اللغة ودلالاتها.
- القاعدة الثالثة: تجنب الألفاظ البدعية.
- القاعدة الرابعة: تجنب الألفاظ المجملة، والتفصيل فيها.
- القاعدة الخامسة: تجنب التشبه بغير المسلمين في الألفاظ والمصطلحات.
стр. 75
القاعدة الأولى: التزام ألفاظ الشرع.
١ - صورة القاعدة:
النصوص الإلهية من الكتاب والسنة فرقان فرق الله به بين الحق والباطل، ولهذا كان سلف الأمة وأئمتها يجعلون كلام الله ورسوله هو الإمام والفرقان الذي يجب اتباعه، فيثبتون ما أثبته الله ورسوله وينفون ما نفاه الله ورسوله١، وأن هذه النصوص حق يجب قبولها وإن لم يفهم معناها٢.
٢ - فقه القاعدة:
لقد سبق وأن ذكرت أن أهل السنة يجعلون مصدرهم لألفاظ العقيدة كتاب الله وسنة رسوله، ثم آثار السلف، ويستعينون بفهمهم للغة العرب، وقد التزموا ذلك وصار قاعدة لهم في ألفاظ العقيدة بشكل عام، فأما باب الأسماء والصفات فهو توقيفي، وأما سائر المسائل العقدية فإن أهل السنة يستعملون الألفاظ الشرعية الواردة في الكتاب والسنة، أو ما ورد عن سلف الأمة، ويفضلونها على ما وافق معناها من ألفاظ أخرى، وقد يعبرون عن بعض المعاني بألفاظ أخرى موافقة للمعنى الشرعي، ولدلالات لغة العرب.
فهذا الإمام الأوزاعي٣ ﵀ عندما سئل عن الجبر قال: "ما أعرف للجبر أصلاً من القرآن ولا السنة فأهاب أن أقول ذلك، ولكن القضاء والقدر، والخلق والجبل، فهذا يعرف