← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7548

الإمام أبو الحسن الدارقطني وآثاره العلمية

عبد الله الرحيلي

Полный текст (634 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة ... من أقواله ﵀: ١- قال: "يا أهل بغداد: لا تَظنّوا أن أحداً يَقْدِرُ أَن يَكْذِب على رسولِ الله ﷺ وأنا حيٌّ "١". ٢- وقال: "من قدّم عليّاً على عثمان فقد أَزْرَى بالمهاجرين والأنصارِ"٢.

стр. 2

مقدمة الطبعة الأولى الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن والاه. أما بعد: فهذه هي الطبعة الأولى من بحث "الإمام الدارقطني، وآثاره العلمية"، وهو دراسة لحياته، ومكانته العلمية، ومؤلفاته، لا سيما كتاب "السنن". وهو موضوع كتبتُهُ أطروحةً علميةً لنيل درجة الدكتوراه، وكان عنوانه: "الإمام الدارقطني، وكتابه: السنن"، وقد رأيت تغيير هذا العنوان نظراً لطبيعة المادة التي اشتملت عليها الرسالة، وكذلك أخذاً باقتراح بعض الإخوة الفضلاء الذين اطّلعوا عليها. وعلى الرغم من أن مناقشة الرسالة كانت في عام ١٤٠٣هـ، إلا أنني أرجأت نشرها، لأسباب متعددة، منها ما رأيته من تَوَزُّع موضوعات البحث، وتعدّدها، وقد أُخذ عددٌ منها موضوعاتٍ لرسائل علمية؛ فبدا لي بأن هذا مما يُضْعف جدوى نشرها. لكن بعد مضيّ هذا الوقت الطويل، وبعد مراجعتي للرسالة رأيت، وتذكرت ما بُذل فيها من جهدٍ مضنٍ، واتضح لي أنها قد أَعطت فكرةً واضحةً عن الإمام الدارقطني ومؤلفاته، لا سيما كتابه: "السنن عن رسول الله ﷺ "، وعلى الرغم من عدم رضاي عن إقدامي على دراسة كتاب السنن قبل تحقيقه، إلا أنني قد وقفتُ، من خلال هذه الدراسة، على الحقيقة التي ينبغي توضيحها للناس، وهي أن كتاب الإمام الدارقطني هذا، وإن كان اسمه "السنن عن رسول الله ﷺ "، إلا

стр. 3

مقصود مؤلفه، ﵀: جَمْعَ الأحاديث المعلولة رواياتها، ولم يَذْكر فيه الأحاديث المحتج بها إلا لأسبابٍ عارضةٍ؛ كأن يورِد حديثاً صحيحاً في مقابل غير الصحيح، أو صحيحاً يُصحِّح به خطأً في حديثٍ معلول، وهكذا ... وهذه الحقيقة يعارضها واقعُ كثيرٍ من الناس، الذين لم يُدركوا هذا الأمر؛ فأخذوا يتعاملون مع سنن الدارقطنيّ كما لو كان مثل بقية كتب السنن التي جمعتِ الأحاديث على أبواب الفقه للاحتجاج بها!. وكان الوقت الذي كتبتُ فيه الرسالة لم تُنشر كثيرٌ من كتب الحديث والتراجم، إذْ كانت مخطوطةً، وكانت كثيرٌ من المراجعات والإحالات إنما هي على تلك الكتب المخطوطة. فلمّا راجعت الرسالة لطباعتها في هذا الوقت، هممت بإعادة البحث من جديد، لتعديل تلك الإحالات على المخطوطات؛ لتصبح إحالاتٍ على المطبوعات من تلك الكتب، وبعد تأمّل تراجعتُ عن هذا الهمّ بسبب قلةِ الجدوى بالنظر للجهد الذي يتطلبه تنفيذ هذا الأمر، ومما حَمَلَني على إبقاء تلك الإحالات كما هي = ما هو معلومٌ من طبيعة من كتب التراجم، وسهولة ترتيبها، ولا سيما أن غالبها جاء مصنَّفاً على حروف الهجاء؛ فمن السهولة بمكانٍ الوقوف على الترجمة فيها؛ فهي، ذاتها، قد جاءت في صورة فهارس، كما أن بعضها قد وضع المحققون له فهارس أيضاً. وربما كان لي ملاحظات على فهرس المصادر وعدم استكماله أحياناً لمعلومات النشر، ولكن أبقيته على ما هو عليه؛ لبُعْدِ تلك الطبعات، أو نُسَخ المخطوطات، عنّي الآن.

стр. 4

وقد ظهر لي شيءٌ مِن التقصير في استخدام علامات الترقيم، لكن تركت مراجعةَ هذا مراجعةً جادّةً؛ لوضوح الأمر في مثل هذا غالباً عند القاريء. وقد أعدتُ النظر في تنسيق وتبويب موضوعات البحث، مع المحافظة على المادة كما هي. وراجعت بعض التراجم والأسماء المنقولة مِن سنن الدارقطنيّ؛ فصححتُ بعض التصحيف والتحريف فيها، واستفدتُ في هذا مِن القائمة بالأخطاء المطبعية الواقعة في سنن الدارقطنيّ، الملحقة في آخر كتاب: "تراجم رجال الدارقطنيّ في سننه الذين لم يُترجم لهم في التقريب ولا في رجال الحاكم"، لمقبل ابن هادي الوادعي"١". وإن كان هو الآخَر قد وقع فيه بعض الأخطاء، لكنني استفدت منه؛ إذ كان سبباً لمراجعتي لبعض تلك التراجم، وأثبتُّ الصواب فيها، وقد كان بعض تلك التراجم حصل فيها بعض التحريف، ولم أُحِل على الكتاب إحالاتٍ تفصيلية في داخل البحث. كما جدّدتُ النظر في تاريخ طبع مؤلفات الدارقطني، وذلك في ضوء ما استجدّ مِن النشر وما اطّلعتُ عليه مِن ذلك، وكذلك في ضوء ما جاء في "دليل مؤلفات الحديث الشريف المطبوعة، القديمة والحديثة"، محيي الدين عطية، ومَن معه"٢"؛ فعدّلت كثيراً مِن المعلومات عن مؤلفات الدارقطني المتعلقة بالطباعة

стр. 5

وعدمها؛ إذ أصبح كثير منها مطبوعاً؛ فنقلتها مِن قائمة المؤلفات المخطوطة إلى قائمة المطبوعة، والحمد لله رب العالمين، ولا أنسى هنا أن أشكر مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، فقد أمدّني بقائمةٍ مِن مؤلفات الدارقطنيّ، المطبوعة والمخطوطة، كما أشكر الأخ الكريم د. عبد الرحمن المزيني، مدير مكتبة الملك عبد العزيز بالمدينة المنورة، الذي كان سبباً في حصولي على القائمة المذكورة. وختاماً أحمد الله تعالى، وأشكره على الوجه الذي يرضاه سبحانه، على ما أولاه مِن التوفيق لإنجاز هذا العمل، وتيسيره، ولولا الله ما كان. وأشكر كلَّ أخٍ ساعدني على إنجاز هذا البحث، وأسأله أن يجزيه خير الجزاء. وأذكر هنا بالشكر والتقدير، أيضاً، ذلك الجهد المتواصل الذي بذله معي الأخ الكريم الأستاذ: عبد الله بن عواد المحمدي؛ فلقد قضى معي وقتاً طويلاً في مقابلة وتصحيح تجربة الطبع، حيث استمرت المقابلة والتصحيح أكثر مِن سنةٍ، على فتراتٍ متقطّعة؛ فأدعو الله تعالى أن يتقبّل منّا هذا الجهد، وأن يجزي عنّي أخي خير الجزاء وأوفاه. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك. عبد الله بن ضيف الله الرحيلي المدينة المنورة ٢٩/١٠/١٤٢٠هـ

стр. 6

المقدِّمة الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه، والشكر له على نعمه وأفضاله، والصلاة والسلام على رسوله وحبيبه محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: فقد أكرمني الله تعالى بالعيش زمناً مع الإمام الحافظ أبي الحسن علي بن عمر بن أحمد الدَّارَقُطْنِيّ -أمير المؤمنين في الحديث، المتوفى سنة ٣٨٥هـ- بالبحث والاطلاع على سيرته، وأخباره، وعلمه ومعارفه. وقد اخترت البحث في ترجمة الدَّارَقُطْنِيّ، وفي كتابه "السنن" من غير سابق اطلاع تفصيلي على ملامح حياته ومنهج كتابه. فلم أكن أعلم ما معتقده؟ وما مذهبه الفقهي؟ وكيف كانت سيرته تفصيلاً، وإنما كنت أعلم أنه إمام من أئمة الحديث، كبير الشأن في الحفظ والدراية، وأنه يضرب به المثل فيقال: "فلان دارقطنّي عصره"، وبعد البحث وجدتُ ما يلي: ١- أنه ﵀ كما قيل عنه- كبير القدر في حفظه للحديث، ومعرفته ودرايته به، وتمسكه به، وأنه وَقَفَ حياته لخدمة الحديث النبوي. ٢- وتكشف لي -بعد البحث أيضاً- أنه اتُّهم وتُكلِّم فيه: في عقيدته، وفي منهجه بالنسبة للكلام على الأحاديث والرواة، وذلك شأن كل من يسير على المنهج الحق، فإنه لا يسلم من كلام الناس، لأنه لم يسلم من الكلام أحد كما قال الإمام الذهبي ﵀: "فمن يسلم من الكلام بعد أحمد؟ ""١".

стр. 7

وقد كان موقفي من هذا الأمر أن جعلت من المحتمل أن يكون الإمام الدَّارَقُطْنِيّ مخطئاً، كما يحتمل أن يكون مصيباً، لأني أرى أن المنهج العلمي يقتضي مني هذا الموقف، لأن البشر جميعاً -حاشا الرسل والأنبياء- ليسوا بمعصومين. ولم يكن لي مصلحة تتطلب إثبات خطأ الدَّارَقُطْنِيّ في موقفٍ ما أو صوابه، فليس ثمة حكم إلا لما دلّ عليه الدليل، والإنصاف واجب، وهذا هو ما أدين الله تعالى به، وأسأله أن يوفقني إليه. وقد أثبتّ ما توصلت إليه في هذه المسألة بعد الدراسة، ورأيي يحتمل الخطأ والصواب. ولكن حسبي في هذا أنني راعيت بكل دقة ما قاله ابن الوزير ﵀ في معرض حديثه عن الأخذ بالدليل، وترك التعصّب والتقليد الأعمى بقوله: "فإن نشأة الإنسان على ما عليه أهل شارعه، وبلده، وجيرانه، وأترابه، صنيع أسقط الناس همةً، وأدناهم مرتبة، فلم يعجز عن ذلك صبيان النصارى واليهود ولا ربّات القدود والنهود المستغرقات في تمهيد المهود ... ""١". ٣- وجدت -أيضاً- أن كتابه "السنن" من الصعوبة بمكان القطع الجازم بمنهجه فيه في كثير من الأمور قبل تحقيق الكتاب، ومع ذلك فقد أوردتّ الاحتمالات في هذه القضية، وقمت بمقارنات وإحصائيات نحوها، ثم أثبتُّ نتيجة الدراسة، وهي في حاجة إلى استكمالِ وسائل البحث في هذا الموضوع بشكل عام، ومن أهمها -في نظري- تحقيق الكتاب أولاً.

стр. 8

وقد توصّلت في هذا الموضوع إلى أن "سنن الدَّارَقُطْنِيّ" لا يجوز اعتماده مصدراً من مصادر الحديث المحتجّ بها بمجرّد ذكره فيها؛ لأنه ذكر أحاديث مردودة كثيرة فيه وسكت عنها. وهذه النتيجة -في رأيي- لها أهمية كبيرة جداً ينبغي مراعاتها من قبل الباحثين والمختصين في الحديث والمختصين في الفقه الذين دائماً يروون الحديث محتجين به ولا يعزونه إلا إلى سنن الدَّارَقُطْنِيّ، ظانين أنه يجوز الاعتماد عليه بمجرد وجوده فيه دون البحث والتمحيص في سنده ومتنه. وقد جعلت البحث في أربعة أبواب وخاتمة، وهي على الوجه الآتي: الباب الأول: الدَّارَقُطْنِيّ: حياته، وصفاته، ومكانته العلمية، لاسيما في الحديث وعلومه: وفيه فصلان: الفصل الأول: حياته، وصفاته، ومكانته العلمية: وبحثت فيه في اسمه ونسبه، ومولده ونسبته، وعائلته، ومذهبه في الأصول، وورعه وصراحته في الحق،، وحليته وتواضعه، وعصره، وطلبه للعلم، ورحلاته، وحفظه وإمامته، وشيوخه، وتلاميذه، ووفاته، وأقوال الأئمة فيه. وقد فصّلت في تلك المباحث حسب الحاجة وحسب ما يقتضيه المقام، فأطلت في بعض المباحث أكثر من البعض الآخر. وقد بيّنت في هذا الفصل أن الدَّارَقُطْنِيّ ﵀ قد عاش في عصر كان فيه سوءٌ من الناحية السياسية -حيث انعدام الأمن في كثير من الأحيان، ووجود الخلافات السياسية، وظهور الفتن والاضطرابات، وجور بعض الخلفاء والسلاطين، وضعف شوكة المسلمين.

стр. 9

وسوءٌ من الناحية الاجتماعية، المترتبة على تلك الأوضاع، والمجاعة، ... إلخ، وعدم الاستقرار في حياة الناس. وأن عصره من الناحية العلمية كان زاهراً، فقد نشط الطلاب في طلب العلم، وأكثر العلماء من المؤلفات، وعنوا بتوجيه الطلاب وتدريسهم، وازداد عدد العلماء في ذلك العصر. وقد خَرَجتُ بنتيجة مما سبق هي: أن ظروف تلك الحِقْبة من التاريخ لم تؤثر في الدَّارَقُطْنِيّ تأثيراً سلبيّاً في طلبه للعلم، وهذا شأن غالب طلاب العلم في عصره. وفي مبحث "طلبه للعلم" أو ضحت كيف ومتى بدأ الدَّارَقُطْنِيّ في طلب العلم، وأنه بدأ في كتابة الحديث وهو صغير جداً لا يتجاوز السنة الثامنة من عمره، وأنه كان نبيهاً فَطِناً، فملأ العيون والأسماع وهو لا يزال في فترة الطلب، وأنه كان أشياخه يقدرونه ويقدمونه على التلاميذ. وفي مبحث "رحلاته" أثبتّ أنه كان في نشأته ببغداد، يَقْدَم إليه طلاب العلم والعلماء من كل مكان، فأفاد من ذلك، ثم ارتحل إلى أقطار شتى طالباً ومعلّماً، حتى إذا قضى وطره من البلدان التي توجّه إليها رجع إلى بغداد، فأقام بها وتفرّغ للتدريس حتى مات ﵀. وفي مبحث "حفظه وإمامته"، ذكرت أنه كان من أحفظ أهل الدنيا، وأنه لمع في علوم كثيرة سوى الحديث وعلومه، وقد نقلت بعض أقوال العلماء في ذلك. وفي مبحث "شيوخه"، بيّنت أن شيوخه الذين أخذ عنهم الحديث وغير الحديث كثيرون جداً، وكثير منهم من الأئمة الحفاظ، وقد تتبعت كتابه "السنن" وحصرت شيوخه في السنن، وفهرست أسماءهم على حروف.

стр. 10

المعجم، وأثبتهم في هذا المبحث، فبلغوا واحداً وتسعين ومائتي شخص. وترجمت لأربعة من أشهرهم وأبرزهم. وفي مبحث: "تلاميذه" ذكرت اثنين وثلاثين منهم، وترجمت لأربعة أشخاص من أبرزهم. وفي مبحث "أقوال الأئمة فيه" ذكرت فيه أقوال المعاصرين له، ثم أقوال من جاء بعده، في الثناء عليه، والاعتراف بإمامته وحفظه. ثم ذكرت ما قيل فيه من المثالب، وبحثت في هذه الأقوال لمعرفة ثبوتها أو عدمه، فتبين لي عدم ثبوت شيء منها، وأنها تعارض أقوال الأئمة المعتبرين الثابتة السابقة في الثناء عليه. وقد أطلت النَفَس في رد المثالب التي قيلت فيه. أما الفصل الثاني من الباب الأول: فقد عَقدته لبيان "مكانته في الحديث وعلومه" وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: حفظه للحديث، وبراعته فيه. ذكرت فيه أقوال الأئمة في ذلك، وضربت أمثلة عليه من مؤلفات الدَّارَقُطْنِيّ ﵀. المبحث الثاني: رسوخه في معرفة العلل. ذكرت فيه أقوال الأئمة، وضربت أمثلة عليه من بعض كتبه لا سيما "العلل". المبحث الثالث: إمامته في الجرح والتعديل، واعتداله فيه. وتوصّلت فيه إلى أنه معتدل في الجرح والتعديل من خلال أقوال الأئمة وموقفهم إزاء ما يصدر عنه من جرح وتعديل، وأنه إمام في الجرح والتعديل وذلك من خلال الآتي:

стр. 11

١- حفظه وخبرته بالرجال وأسمائهم وأنسابهم وأحوالهم. ٢- إحاطته بأحوال من سبقه وبأهل عصره وشيوخه. ٣- استقلاله في الجرح والتعديل. وضربت أمثلة على الأمور السابقة من مؤلفاته. المبحث الرابع: استدراكاته على الأئمة. بينت أنه استدرك على الأئمة، وذكرت أنواع استدراكاته عليهم، وضربت أمثلة عليها. المبحث الخامس: موقفه من الصحيحين. ذكرت فيه أن له موقفين من الصحيحين هما: ١- موقف المؤيِّد، المعترف بمكانة الصحيحين وصحة منهجهما. ٢- موقف الناقد لبعض أحاديث الصحيحين. وأوضحت أنه لا تعارض بين هذين الموقفين. وتحدثت عن كل منهما إجمالا، ومثلت لما احتاج إلى التمثيل. الباب الثاني: مصنفاته، والكلام عليها. ويشتمل على تمهيد وأربعة فصول: تمهيد: مكانته في التصنيف. الفصل الأول: مؤلفاته الموجودة: وفيه مبحثان: المبحث الأول: المطبوع منها. وبلغ المطبوع منها-كل الكتاب أو بعضه- نحو ثمانية وعشرين مصنَّفاً. المبحث الثاني: المخطوط منها. وبلغ نحو إحدى عشر مصنّفاً. الفصل الثاني: مؤلفاته المفقودة. وبلغت نحو ستةٍ وعشرين مصنَّفاً.

стр. 12

الفصل الثالث: المؤلفات المنسوبة له خطأً وبلغت نحو ثلاثة مصنَّفات. الفصل الرابع: سرد جميع مؤلفاته، مرتبةً على حروف المعجم. وقد بلغ مجموع هذه الكتب نحو اثنين وستين كتاباً ما بين صغير وكبير. أما الباب الثالث: فهو دراسةٌ مفصَّلةٌ لـ:"كتابه: السنن". وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: تحقيق نسبته للإمام الدَّارَقُطْنِيّ، وفيه حققت نسبته إليه، وأوردت أسانيد من رووه عنه. المبحث الثاني: وصف كتاب السنن. المبحث الثالث: موضوعه، وفيه تحدثت عن: هل هو لجمع الأحاديث الصحيحة أو الضعيفة أو ماذا؟. المبحث الرابع: أهميّته، ومكانته بين كتب "السنن" الأخرى، وتحدثت فيه عن المؤلفات حوله. المبحث الخامس: منهج الإمام الدَّارَقُطْنِيّ فيه: وفيه تحدثت عن درجة أحاديثه، وعن مقاصد الكتاب وتبويبه وترتيبه، وتكريره للأحاديث وتفرّده بأحاديث. المبحث السادس: مقدار الصحيح والضعيف فيه، ودرجة ما سكت عنه فيه. وذكرت فيه إحصائيات من نتائج دراستي في هذا الفصل، بعد أن ذكرت خطواتي في البحث فيه. أما الباب الرابع: ففي: "الدَّارَقُطْنِيّ والجرح والتعديل". وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: اصطلاحاته في الجرح والتعديل.

стр. 13

بحثت فيه جملةً من مصطلحاته، وبينت في كل مصطلح هل هو موافق فيه للجمهور أو مخالف؟. الفصل الثاني: "ذكْر من تكلم فيه الدَّارَقُطْنِيّ بجرح أو تعديل في سننه مرتبين على حروف المعجم". وسردت فيه أسماءهم بعد أن قيدت الأسماء المطلقة، وأشرت إلى مواضع ورود كل شخص في السنن، وذكرتُ عبارات الدَّارَقُطْنِيّ فيه. الفصل الثالث: في أقواله في الرجال جرحاً وتعديلاً. وقمت في هذا الفصل بدراسة مقارنة لأقواله في خمسة وعشرين راويا ووازنت بينها وبين القول الراجح في كل راو لمعرفة هل هو متشدد في الجرح والتعديل أو متساهل أو ماذا؟. وظهر لي بعد الدراسة أنه معتدل في الجرح والتعديل. وبعد: فهذا جهدي، جمعت فيه مضمون كل ما كتب حول الإمام الدَّارَقُطْنِيّ ﵀، وحصرت مؤلفاته، ودرست كتابه "السنن" وأقواله في الجرح والتعديل، ومنهجه في ذلك وبينت ما توصلت إليه في ذلك. فإن أصبت فمن الله تعالى، وإن أخطأت فمِن نفسي ومن الشيطان، وأستغفر الله العظيم أولاً وآخراً، وأسأله التوفيق والسداد، وأن يرزقنا الإخلاص في النية والقول والعمل، ولا حول ولا قوة إلا بالله، عليه توكلت وإلي أُنيب، وهو العليّ العظيم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. كتبه "عبد الله بن ضيف الله الرحيلي"

стр. 14

الباب الأول: الدارقطني: حياته، وصفاته ومكانته العلمية الفصل الأول: حياة الدارقطني وصفاته، ومكانته العلميه اسمه ونسبه ... ١- اسمه ونسبه هو علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن النعمان بن دينار بن عبد الله أبو الحسن الدَّارَقُطْنِيّ البغدادي، الحافظ، أمير المؤمنين في الحديث. ولم تذكر بعض المصادر في نسبه اسم جده الرابع: "النعمان بن دينار".

стр. 15

والصواب أن يذكر اسم: "النعمان" في نسبه، لأن بعض المصادر الموثوقة قد ذكرته، وعدم ذكر بعض المصادر الأخرى"١" اسم "النعمان" الجد الرابع للدارقطني في نسبه ليس دليلا على أنه ليس جده، لأن مثل هذا الاختصار في الأنساب يحصل لدى كثير من المؤرخين وغيرهم. وممن ذكر "النعمان" في نسبه: ١- الحافظ الخطيب البغدادي - ٤٦٣هـ في "تاريخ بغداد" ١٢/٣٤. ٢- ابن تغري بردي الأتابكي-٤٧٤هـ في كتابه "النجوم الزاهرة ... " ٤/١٧٢. ٣- الإمام ابن الصلاح في "طبقت الشافعية" ق٦٧. ٤- الحافظ ابن نقطة في "الاستدراك" ق ٤ أ. ٥- الحافظ الذهبي في "سير أعلام النبلاء" جـ١٠ ق ٥١٩.

стр. 16

٢- مولده ونسبته أ - مولده: اختلف في زمن ولادته، فقيل: ولد سنة ٣٠٥ "خمس وثلاثمائة""٢". وقيل: "كان مولده لخمس خلون من ذي القعدة سنة ستة وثلاثمائة""٣".

стр. 17

وقد ثبت أن الدَّارَقُطْنِيّ عاش ثمانين سنة"١"، وأنه توفي في الشهر الذي ولد فيه نفسه، وأخبر هو في السنة التي مات فيها أنها تكمل له ثمانين سنة"٢". ومع ذلك فقد روى الحافظ ابن عساكر بسنده إلى الدَّارَقُطْنِيّ أنه قال: "ولدت في هذه السنة"، يعني سنة ست وثلاثمائة"٣"، فيكون عمره -على هذا- تسعا وسبعين سنة، فتعارض مع قوله الآخر أنه عاش ثمانين سنة. والأمر في هذا سهل، والفارق بين القولين زمن يسير. وكان مولده في مدينة بغداد بمحلّة كبيرة تسمى: "دار القطن". ب- نسبته: ونسبته "الدَّارَقُطْنِيّ" هي: "بفتح الدال، وسكون الألف، وفتح الراء، وضم القاف، وسكون الطاء المهملة، وفي آخرها نون". وهي نسبة إلى تلك المحلّة التي ولد فيها "دار القطن"، رُكّب الاسمان"٤"، فصارا اسما واحدا، فنسب إليه بهذه الصيغة"٥".

стр. 18

٣- عائلته لم أعرف شيئا عن أصل عائلته، سوى أنه من أهل بغداد، ولم أر في المصادر تعريفاً لعائلته سوى أن والده رجل من أهل العلم، ويعتبر من شيوخ الدَّارَقُطْنِيّ في القراءات، ومن القراء الذين أخذوا القراءة عن أهلها. فقد ذكره ابن الجزري"١" في شيوخ الدَّارَقُطْنِيّ الذين عرض عليهم القراءات، وذكره أيضاً في "طبقات القراء" في ترجمة مستقلة فقال: "عمر بن أحمد بن مهدي البغدادي، والد الحافظ أبي الحسن الدَّارَقُطْنِيّ، عرض على أحمد بن سهل الأُشْنَاني، وعرض عليه ابنه علي بن عمر""٢". ويبدو أن الدَّارَقُطْنِيّ أخذ عنه الحديث أيضاً، إذْ حدّث عنه في سننه ١/٩٩ فروى عنه حديثا، وكذا في ٢/١٠٣،١٧٨، ووثّقه الخطيب البغدادي في ترجمته التي قال فيها: "حدّث عن جعفر الفِريابي وإبراهيم بن شريك، وعبد الله بن ناجية، وهارون بن يوسف بن زياد، وجعفر بن أحمد بن محمد بن الصباح الجرجرائي، ومحمد بن محمد الباغندي. روى عنه ابنه الحسن، وكان ثقة""٣".

стр. 19

٤- مذهبه في الأصول كان الدَّارَقُطْنِيّ -رحمه الله تعالى- متبعا للسلف الصالح في اعتقاده، فكان صحيح الاعتقاد. ويتبين هذا من خلال كتبه التي ألّفها، وما نقل عنه من أقوال، فكانت

стр. 20

مؤلفاته غالبا في الحديث وعلومه، وسلك فيها منهج السلف، وابتعد عن البدع والفسلفات في أمر العقيدة ﵀، فأخذ العقيدة من مصدرها الصافي الأصيل: كتاب الله تعالى، وسنة نبيه ﷺ . يقول ابن الصلاح: "وروى ابن طاهر أن الدَّارَقُطْنِيّ قال: ما في الدنيا شيء أبغض إليّ من الكلام""١". ويقول الحافظ الذهبي: "وصح عن الدَّارَقُطْنِيّ أنه قال: ما شيء أبغض أليَّ من علم الكلام، قلت "القائل الإمام الذهبي": لم يدخل الرجل أبدا في علم الكلام ولا الجدال، ولا خاض في ذلك بل كان سلفيا، سمع هذا الكلام منه أبو عبد الرحمن السُّلَمِيّ"٢"، وقال الدَّارَقُطْنِيّ: اختلف قوم من أهل بغداد، فقال قوم: عثمان أفضل، وقال قوم: عليّ أفضل، فتحاكموا إليّ فأمسكت، وقلت: الإمساك خير، ثم لم أر لديني السكوت، وقلت للذي استفتاني: ارجع إليهم وقل لهم: أبو الحسن يقول: عثمان أفضل من علي باتفاق جماعة أصحاب رسول الله ﷺ . هذا قول أهل السنة وهو أول عقد يُحلّ في الرفض""٣".

стр. 21

وقال الخطيب البغدادي الحافظ: "انتهى إليه علم الأثر والمعرفة بعلل الحديث، وأسماء الرجال، وأحوال الرواة، مع الصدق والأمانة، والفقه والعدالة، وقبول الشهادة، وصحة الاعتقاد، وسلامة المذهب ... ""١". قلت: وقد ورد في جواباته عن السؤالات التي وجهها إليه تلاميذه ما يؤيد الذي سبق ذكره في أمر عقيدته ومذهبه في الصحابة رحمه الله تعالى وقد ألف مؤلفات في العقيدة عني فيها بجمع النصوص في المسألة التي يتحدث عنها، ومن هذه المؤلفات: كتاب أحاديث الصفات، وكتاب النزول، وكتاب الرؤية، وغيرها.

стр. 22

٥- ورعه، وصراحته في الحق وكان رحمه الله تعالى ورعا صريحا في الحق، وقد تقدم عنه قريباً قصته مع الذين اختلفوا في تفضيل عثمان على عليّ فاستفتوه، فيحكي عن نفسه ويقول: ""فتحاكموا إليّ فأمسكت، وقلت: الإمساك خير، ثم لم أر لديني السكوت، وقلت للذي استفتاني: ارجع إليهم وقل لهم: أبو الحسن يقول

стр. 23

عثمان أفضل باتفاق أصحاب رسول الله r، هذا قول أهل السنة ... "". وقال الحاكم: ""صار الدَّارَقُطْنِيّ أوحد عصره في الحفظ والفهم والورع ... """١"، ومثل هذا قال عنه غيره من العلماء. ولا يضيره ما كان يأخذه من الهدايا من بعض الناس، وإن لمزه من لمزه بسبب ذلك"٢".

стр. 24

٦- ذكاؤه كان الإمام الدَّارَقُطْنِيّ ﵀ ذكيّا، اشتهر بقوة الذاكرة، وبجودة الفهم، حتى عرفت عنه أمور لا تؤكد ذكاؤه فحسب، بل تثير العجب والدهشة من ذكائه. ?من ذلك قراءته الكتاب على مسلم بن عبيد الله من غير أن يلحن، رغم حرص الأدباء على الاستدراك عليه وأن يحفظوا عليه لحنة واحدة"٣". ?ومن ذلك قصته في مجلس إسماعيل الصفار التي رواها الخطيب البغدادي في "تاريخه" ١٢/٣٦"٤" التي فيها أنه حفظ ثمانية عشر حديثاً أملاها الصفار بأسانيدها ومتونها مرتبة، مع أنه كان في وقت الإملاء ينسخ من جزء كان معه. ولم أجد سند هذه القصة سوى أن الخطيب رواها عن الأزهري قال:

стр. 25

بلغني أن الدَّارَقُطْنِيّ ... إلخ. ولكن لا يستبعد ذلك من الدَّارَقُطْنِيّ، لا سيما أن الأئمة قد تناقلوها وأقرّوها، كالخطيب، وابن كثير، والعراقي، وابن حجر، والسخاوي. قال السخاوي: ""وقد سمعت شيخنا يحكي عن بعضهم أنه كان يقرنها بما وقع للبخاري حيث قُلبت عليه الأحاديث، ويتعجب شيخنا من ذلك، وهو ظاهر في التعجب"""١". ?ومن ذلك ما رواه الخطيب بقوله: ""حدثني الصُّوريّ، قال: سمعت رجاء ابن محمد الأنصاري يقول: كنا عند الدَّارَقُطْنِيّ يوما والقارئ يقرأ عليه، وهو قائم يصلي نافلة، فمر حديث فيه ذكر نُسير بن ذعلوق، فقال بَشِير ابن ذعلوق، فقال الدَّارَقُطْنِيّ: سبحان الله، فقال القارئ: بُشير بن ذعلوق فقال الدَّارَقُطْنِيّ: سبحان الله، فقال القارئ: يُسُير بن ذعلوق، فقال الدَّارَقُطْنِيّ: ﴿نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ "٢"، فقال القارئ: نسير بن ذعلوق ومرّ في قراءته -أو كما قال-. حدثني حمزة بن محمد بن طاهر قال: كنت عند أبي الحسن الدَّارَقُطْنِيّ وهو قائم يتنفل، فقرأ عليه أبو عبد الله بن الكاتب حديثاً لعمرو بن شعيب، فقال: عمرو بن سعيد، فقال أبو الحسن: سبحان الله، فأعاد الإسناد وقال: عمرو بن سعيد، ووقف، فتلا أبو الحسن: ﴿يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ فقال ابن الكاتب: عمرو بن شعيب.

стр. 26

حدثني الأزهري قال: رأيت محمد بن الفوارس -وقد سأل أبا الحسن الدَّارَقُطْنِيّ- عن علة حديث أو اسم فيه، فأجابه، ثم قال له: يا أبا الفتح ليس بين الشرق والغرب من يعرف هذا غيري""١". ?ومن ذلك إملاؤه كتاب "العلل" من حفظه. وغير ذلك مما يراه من يطالع ترجمة الدَّارَقُطْنِيّ.

стр. 27

٧- تواضعه وحِلْيَته تواضعه: وكان متواضعا تواضع العالم التقي، لا تواضع الجاهل المادي الذي يُذْهب ماء وجهه في سبيل الحصول على حطام الدنيا، ولكنه كان يلين لطلابه حتى يشعرهم أنه واحد منهم. ومن تواضعه ما حكاه عنه أبو عبد الله محمد بن الصُّوري الحافظ بقوله: ""قال لي عبد الغني بن سعيد: ابتدأت بعمل كتاب المؤتلف والمختلف، وقَدِم علينا أبو الحسن الدَّارَقُطْنِيّ، فأخذت عنه أشياء كثيرة، فلما فرغت من تصنيفه سألني أن أقرأه عليه ليسمعه مني، فقلت له: عنك أخذت أكثره، فقال لي: لا تقل هكذا، فإنك أخذته عني مفرقا، وقد أوردته مجموعاً، وفيه أشياء كثيرة أخذتها عن شيوخك، فقرأته عليه. أو كما قال"""٢". الله أكبر. هذا الإمام الحافظ الدَّارَقُطْنِيّ يقول لأحد تلاميذه -مع أنه

стр. 28

لا زال شابا-: اقرأ عليّ ما كتبتَ فإنّي أحب أن أسمعه منك!! أي إني أحب أن أتتلمذ عليك!!. وقال الصُّوري أيضاً: ""وقال أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن أبي يزيد الأزدي: قال لي أبي: ""خرجنا يوما مع أبي الحسن الدَّارَقُطْنِيّ من عند أبي جعفر مسلم الحسيني، فلقينا عبد الغني بن سعيد، فسلم على أبي الحسن، ووقفا ساعة يتحدثان. ثم انصرف عبد الغني، فالتفت إلينا أبو الحسن فقال: يا أصحابنا: ما التقيت من مرة مع شابكم هذا فانصرفت عنه إلا بفائدة. أو كما قال! """١".

стр. 29

حِلْيَته: لم أقف على شيء من صفاته الجسمية سوى ما ذكره ابن الصلاح بقوله: "" ... وإنه كان طُوالا أبيض"""٢".

стр. 30

٨- عصره تمهيد: عاش الإمام الدَّارَقُطْنِيّ رحمه الله تعالى في القرن الرابع الهجري، إذ وُلد في بداية القرن الرابع وتوفي في نهايته تقريباً، فقد توفي سنة ٣٨٥هـ "خمسه وثمانين وثلاثمائة من الهجرة". وقد كانت هذه الفترة من تاريخ المسلمين في كثير من الأحيان فترة محن

стр. 31

وشدائد يقصر عنها الوصف ... وفيما يلي الحديث -بإيجاز- عن هذا العصر من ثلاث نواح: ١- الناحية السياسية. ٢- الناحية الاجتماعية. ٣- الناحية العلمية.

стр. 32

أ- عصره من الناحية السياسية: ما يكاد ينتهي المرء أو يبدأ باستعراض هذه الحِقْبة من التاريخ إلا ويشعر بالأسى والحزن الشديد، ولِما حلّ بالمسلمين خلال هذا القرن من مصائب، وذلك لانعدام الأمن في فترات كثيرة من هذه الحقبة، ولعدم الاستقرار السياسي في العالم الإسلامي، وبخاصة في العراق، وعاصمته مدينة بغداد "مدينة السلام، وقلب العالم الإسلامي، وعاصمته السياسية والعلمية ... "، وذلك بسبب: ١- وجود الخلافات السياسية على الخلافة، سواء فيما بين العباسيين أنفسهم، أو فيما بينهم وبين غيرهم، كالأتراك الذين تمت على أيديهم حوادث عظيمة بشأن التنازع على الخلافة، وقتل وتنصيب الخلفاء العباسيين الذين ليس لهم من أمر الخلافة إلا الاسم فقط في أغلب الأحيان. وقد كانت ولادة الدَّارَقُطْنِيّ في خلافة المقتدر بالله، وكانت فترة ضعف سياسي، وفقر، وقلاقل، ومحن"١". ثم جاء بعده في سنة ٣٢٠ "ثلاثمائة وعشرين من الهجرة" القاهر بالله ثم

стр. 33

الراضي بالله، وهكذا تتابع الخلفاء حتى كان آخرهم الطائع لله أبو بكر من سنة ٣٦٣-٣٩٣هـ. ولم يكن عهد أولئك الخلفاء بأحسن من عهد المقتدر بالله في أغلب الأحيان. ٢- ولظهور الفتن والثورات والاضطرابات الناجمة عن ضعف الخلافة نتيجة للسبب السابق، ونتيجة انصراف الخلفاء عن الاهتمام بشئون الدولة، وتصريف أمورها مباشرة، وتسليم مقاليد الأمور إلى غيرهم من الولاة. ٣- ولظهور القرامطة أيضاً طوال هذه الفترة، ولعبهم بأمن الخلافة وأمن المسلمين في كثير من أقطار العالم الإسلامي، فلم يأمن أهل المدن فيها، ولم يأمن المسافرون في أسفارهم، وتعطّلت فريضة الحج بسببهم سنين. ٤- ولجور بعض الخلفاء والسلاطين، وميلهم أحيانا إلى بعض الفرق والمذاهب المنحرفة، كميل بعضهم إلى الرافضة وغيرهم. ٥- ولضعف شوكة المسلمين -إِثْر هذه الظروف- أَمام الأعداء كالروم والقرامطة، الأمر الذي أغرى أولئك الأعداء بغزو المسلمين والغارات عليهم كلما رأوا فرصة مهيأة لهم. وإذا أضفنا إلى ذلك ما كان يحصل بين المسلمين أنفسهم من خلافات وحروب على الخلافة والسلطة، وما يقع من الخلفاء والسلاطين من جور وانحراف في تلك الفترة أدركنا حقيقة الوضع السياسي والواقع الأَمنيّ في الأقطار الإسلامية لا سيما بغداد موطن الإمام الدَّارَقُطْنِيّ التي كانت مركز الخلفاء ومنبع كثير من تلك الأحداث.

стр. 34

ب- عصره من الناحية الاجتماعية: من الحديث المتقدم عن الوضع السياسي في عصر الدَّارَقُطْنِيّ، يتضح لنا كثير من الجوانب الاجتماعية في عصره، سواء من حيث الوجهة -من خلال التنازع والفوضى- أو من حيث الواقع المرّ الذي يعيشه أغلبية الرعية تحت ضغط تلك الأحداث المؤلمة. هذا بالإضافة إلى ما ينتج عن اختلال الأمن من عدم استقرار في حياة الناس، ومن قلة الموارد الاقتصادية، ووقوع بعض الكوارث الاقتصادية كالغلاء، والمجاعة، واعتداءات اللصوص وقطاع الطرق ... وقد حصل من ذلك شيء ليس بالقليل في بغداد وغيرها على فترات، كان له أثر سييء في حياة الناس ولا شك. فالحاصل أن الناس في تلك الفترة لم ينعموا دائما بالرخاء، ولا بالأمن، بل كانوا يصابون في أحيان كثيرة بالضيق المادي، والخوف، والقتل.

стр. 35

جـ- عصره من الناحية العلمية: من المفروض أن ينصرف الناس عن العلم في مثل الظروف السياسية والاجتماعية السابقة، وأن ينشغلوا بتلك المشاغل عن طلب العلم والانشغال فيه. لكن العصر لا زال حديث عهد بخير القرون، ولا زالت البلدان الإسلامية تزخر بعلماء السلف الصالح، وكانوا يعتقدون أن طريق سعادة المرء هو العلم الشرعي، فكانت سوق العلم والعلماء نافقة في تلك الحقبة من التاريخ، رغم كل ما سبق ذكره، وكان طلاب الحديث النبوي يتسابقون على الشيوخ:

стр. 36

١- فكانت الرحلات العلمية من قطر إلى قطر مميزة واضحة من مميزات ذلك العصر، يظهر ذلك جليا بالنظر في تراجم الأئمة الذين عاشوا في تلك الفترة، وعدد البلدان التي رحلوا إليها، وقد رحل الدَّارَقُطْنِيّ نفسه إلى بلدان متعددة سيأتي ذكرها. ٢- وعدد العلماء الذين أنجبتهم البلدان الإسلامية آنذاك عدد هائل، وعدد الحفاظ والأئمة عظيم جدا. ٣- والمؤلفات التي كتبت في ذلك الزمن في الحديث وغيره كثيرة جدا. ويعدّ العلماء رأس القرن الثالث العصر الذهبي للسّنة النبوية، لِما تمَّ فيه من تدوين وشرح وتحقيق للسّنة وعلومها، وقد امتدت حياة كثير ممن تمَّ على أيدهم ذلك إلى منتصف القرن الرابع أو أكثر، فيعتبر القرن الرابع "عصر الدَّارَقُطْنِيّ" امتداداً للفترة الذهبية في القرن الثالث ومكملاً لها. وليس بنا حاجة للتدليل على كثرة العلماء والمؤلفات في ذلك العصر أن نستعرض العلماء ومؤلفاتهم، لأن ذلك أمر يطول، وليس له نهاية. وحسبك دليلا على ذلك أن تنظر في شيوخ الدَّارَقُطْنِيّ نفسه كم هم؟ وكم فيهم من حافظ وإمام عظيم الشأن؟ "١". فالحاصل: أن تلك الظروف لم تؤثر تأثيراً سلبيّاً في الإمام الدَّارَقُطْنِيّ وطلبه للعلم شأنه شأنُ أمثاله من أهل عصره، بل ربما كانت في بعض الأحيان حافزاً لهم على طلب العلم، والرحلة في طلبه.

стр. 37

حقا، إن هذه معجزة من معجزات الإسلام التي لا يستطيع أن يعرف كنهها أعداء الإسلام، وقد تحققت على أيدي أسلافنا عندما كان اهتمامهم بأمر الآخرة ورفعة شأن هذا الدين ونشر علومه والعناية بها كاهتمامنا اليوم بأمور الدنيا أو أشدّ!!

стр. 38

٩- طلبه للعلم عاش الدَّارَقُطْنِيّ في الفترة التي تقدم الحديث عنها، وطلب العلم من صغره، وظهرت نباهته وأهليته لتحمّل أمانة العلم بشرع الله ، ورشّحه الناس لهذه المكانة من قبل أن يصل إليها وهو لا يزال في أول شبابه وأول طلبه للعلم، كما ينقل ذلك الدَّارَقُطْنِيّ نفسه إذ يقول: ""كنت أنا والكَتَّاني نسمع الحديث، فكانوا يقولون: يخرج الكتاني محدّث البلد، ويخرج الدَّارَقُطْنِيّ مقرئ البلد، فخرجت أنا محدثاً والكتَّانِي مقرئا"""١". ويقصّ الحافظ ابن كثير حادثة عجيبة حصلت للدارقطني في حداثة سنه وهو يطلب الحديث، فيقول: "" ... وكان من صغره موصوفاً بالحفظ الباهر، والفهم الثاقب، والبحر الزاخر، جلس مرة في مجلس إسماعيل الصفار وهو يملي على الناس الأحاديث، والدَّارَقُطْنِيّ ينسخ في جزء حديث، فقال له بعض المحدثين في أثناء المجلس: "إن سماعك لا يصح وأنت تنسخ"، فقال له الدَّارَقُطْنِيّ: فهمي للإملاء أحسن من فهمك وأحْضَرُ، ثم قال له ذلك الرجل: أتحفظ كم أملى حديثاً؟ فقال: إنه أملى

стр. 39

ثمانية عشر حديثاً"١" إلى الآن، والحديث الأول منها: عن فلان عن فلان ... ثم ساقها كلها بأسانيدها وألفاظها لم يخرم منها شيئاً. فتعجب الناس منه" "٢". ويبدو أن الدَّارَقُطْنِيّ قد اشتهر بالفضل والذكاء وهو في وقت الطلب، حتى عرفه أهل الكوفة بذلك، ويقدّر له ذلك شيوخه وأساتذته، كما يدل عليه وعلى غيره القصة الآتية: "قال الخطيب البغدادي: ""أخبرنا البَرْقانِيّ قال: سمعنا أبا الحسن الدَّارَقُطْنِيّ يقول: كتبت ببغداد من أحاديث السوداني"٣" أحاديث تفرد بها، ثم مضيت إلى الكوفة لأسمع منه، فجئت إليه وعنده أبو العباس، ثم رمى بها واستنكرها وأَبَى أن يقرأها، وقال: هؤلاء البغداديون يجيئوننا بما لا نعرفه. قال أبو الحسن: ثم قرأ أبو العباس عليه"٤" فمضى في جملة ما قرأه حديث منها، فقل له: هذا الحديث من جملة الأحاديث"٥"، ثم مضى آخر، فقلت: وهذا أيضاً من

стр. 40

جملتها: ثم مضى ثالث: فقلت: فهذا أيضاً منها، وانصرفت وانقطعت عن العَود إلى المجلس لِحُمَّى نالتني. فبينما أنا في الموضع الذي كنت نزلته إذا أنا بداقّ يدق عليّ الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: ابن سعيد، فخرجت وإذا بأبي العباس، فوقعت في صدره أقبّله، وقلت: يا سيّدي لِمَ تجشمت المجيء؟ فقال: ما عرفناك إلا بعد انصرافك، وجعل يعتذر إليّ، ثم قال: ما الذي أخّرك عن الحضور؟ فذكرت له أني حُمِمْتُ، فقال: تحضر المجلس لتقرأ ما أحببت. فكنت بعدُ إذا حضر أكرمني ورفعني في المجلس. أو كما قال"""١". فسياق هذه القصة يدلّ على أن الدَّارَقُطْنِيّ عندما حصلت له كان لا يزال تلميذاً يحضر مجالس العلماء، لكنهم يقدرونه عندما يعرفون أنه الدَّارَقُطْنِيّ بسبب نبوغه وشهرته. فملأ العيون والأسماع منذ سن مبكرة من حياته. وقد طلب العلم وهو صغير جدا، وكتب الحديث قبل أن يتجاوز الثامنة من عمره، يقول الحافظ الذهبي في "تذكرة الحفاظ": "قال يوسف القواس: كنّا نمرّ إلى البغويّ، والدَّارَقُطْنِيّ صبي يمشي خلفنا بيده رغيف عليه كامخ"""٢". وقال: ""وسمع وهو صبي من أبي القاسم البغوي ... """٣". وفي "تاريخ دمشق" عن القواس: ""كنّا نمرّ إلى ابن منيع والدَّارَقُطْنِيّ صبي
следующие страницы →