← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7548

الإمام أبو الحسن الدارقطني وآثاره العلمية

عبد الله الرحيلي

Полный текст (634 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

منشأ تضعيف "الحسن بن عِمارة" والقول الفصْل فيه""١"!! وجاء فيه بكلام لا يستحق إصدار البيان. وقال في نهايته: ""وقد تعسّف الدَّارَقُطْنِيّ في قوله: إنه متروك، نقول: وكيف يروي عنه السفيانان، وابن القطان لو كان متروكاً؟!!، والله يقول الحق، ويهدي السبيل"""٢". قلت: ولم يتعرّض لمناقشة الدَّارَقُطْنِيّ بأكثر من هذه الكلمات، ومثل هذا قول أحدهم مُعَلِّقاً على كلام للكوثري: ""قال الرَّاقم: وكأن الأستاذ الكوثري يعرّض إلى كثير من الحفاظ الشافعية ولا سيما حامل لوائهم في المتأخرين، الحافظ ابن حجر، فإنه بِضد الحافظ الزيلعي، يبخس الحنفية حقهم في أمثال هذه المواضع، ويتكلم فيما لا يكون للكلام فيه مجال، ومن دَأبه في كتبه -ولا سيما فتح الباري- أنه يغادر حديثاً في بابه يكون مؤيداً للحنفية، مع علمه، ثم يذكره في غير مظانه، لئلا ينتفع به الحنفية"""٣". قلت: سامح الله هذا الراقمَ، فقد رقم ما لا يحل له رقمه، وما معنى هذا الكلام؟!!. ويقول هو أيضاً: ""بخلاف الحافظ ابن حجر، فيتطلب دائماً مواقع العلل، ويتوخّى مواضع الوهن من الحنفية، ولا يأتي في أبحاثه بما يفيد الحنفية، ويقول شيئاً وهو يعلم خلافه، ... """٤". قلت: سبحان الله، سبحان الله!! ليس أمير المؤمنين في الحديث بعالم سوء. وليس مرادي الطعن على أحد، لكن أردتُ أن أبيّن أن هذا الأسلوب لا

стр. 142

يجوز، وأن هذا الكلام في الإمام الدَّارَقُطْنِيّ ونحوه مردود بمقتضى قواعد الجرح والتعديل. كما أنه مردود بالمبدأ الذي ادعوا به الطعن فيه، وذلك: ١- لأن قول المخالف في المذهب لا يُقبل فيمن يخالفه إذا عارضه قول غيره من الأئمة. وقول هؤلاء في الدَّارَقُطْنِيّ يخالف قول الجمهور من الأئمة فيه. ٢- وكذا لا يقبل قول المتأخر في المتقدم إذا لم يؤيده كلام المعاصر. كما هو حال المتكلمين في الدَّارَقُطْنِيّ، لِما علمتَ أنه لم يوجد فيه كلام لأحد من الأئمة المتقدمين. ٣- وكذا لا يقبل قول صاحب المذهب المتعصب ضد غيره فيمن يخالفه. كما هو حال المتكلمين في الدَّارَقُطْنِيّ أيضاً. وما ذكروه من ادعاء تشدّد الدَّارَقُطْنِيّ في الجرح يردّه ما قاله الإمام الذهبي في الردّ على ابن الجوزي عندما قال في حديث أعلّه الدَّارَقُطْنِيّ: ""إنه لا يقبل حتى يبين سببه"""١". فقال الذهبي مُعلِّقاً على ذلك: ""هذا يدل على هوى ابن الجوزي، وقلة علمه بالدَّارَقُطْنِيّ، فإنه لا يُضعِّف إلا من لا طِبَّ فيه"""٢". وهذا حكم عامّ من الذهبي ﵀، ولو كان يرى أن الدَّارَقُطْنِيّ متشدد في الحنفية لخصصه. والله أعلم. وسيأتي في "الفصل الثالث" من "الباب الرابع" دراسة مقارنة لأقواله في الجرح والتعديل لبيان هل هو متشدد في الجرح والتعديل أو متساهل؟.

стр. 143

الفصل الثاني: مكانته في الحديث وعلومه * ... تظهر مكانة الإمام الدَّارَقُطْنِيّ، في الحديث وعلومه، في: حفظه للحديث وبراعته فيه، وفي رسوخه في معرفة العلل، وفي إمامته في الجرح والتعديل، وفي استدراكاته على الأئمة، وفي مصنفاته. وفيما يلي الحديث عن مكانته في الحديث وعلومه، من خلال الحديث عن هذه الأمور كلها:

стр. 144

المبحث الأول حفظه للحديث، وبراعته فيه كان الإمام الدَّارَقُطْنِيّ رحمه الله تعالى آية في حفظ حديث رسول الله ﷺ ، ودقائق علومه. وقد اجتمع له مع الحفظ النادر، الدراية التامة، وقد سبق الحديث عن حفظه أقوال الأئمة في ذلك. وهذا الحفظ الفريد، والخبرة والدراية العجيبتان، التي توافرت في أبي الحسن الدَّارَقُطْنِيّ يمكن أن يتبينها الإنسان من الأمور الآتية: ١- من أقوال الأئمة فيه. ٢- من خلال كتبه، وموضوعاتها وإبداعه فيها. ٣- من خلال نماذج من الأسئلة التي وجهت إليه، فأجاب عنها بما يدهش المرء، في باب الحفظ والدراية. وإليك الحديث عن هذه الجوانب الثلاثة فيما يلي: ١- أما أقوال الأئمة فيه، فقد مضى بعضها، لا سيما في موضوع: إمامته

стр. 145

وحفظه، وفيه كفاية؛ فلا حاجة إلى زيادة النقل، أو إعادته هنا. ٢- وأما مصنفاته: ففيها الدلالة الظاهرة على حفظه للحديث، سواء إِن نظرنا إلى استيعابه للمسائل والروايات التي يتعرض لها في كتبه أو إلى الموضوعات التي يقصدها بالتأليف: فهو قد ألَّف في "علل الحديث" وفي "الأفراد والغرائب" من الحديث، وفي "التصحيف" وفي "الاستدراكات" على الأئمة ونقدهم، وفي "الجرح والتعديل" وفي "المؤتلف والمختلف من أسماء الرجال". وكل هذه الموضوعات -كما ترى- لا يتأهّل للكلام فيها -فضلاً عن التأليف فيها- إلا الأئمة الأفذاذ من أئمة هذا الشأن، وقد ألّف فيها الدَّارَقُطْنِيّ وأجاد وأتى في كل موضوع بما دعا الأئمة الحفاظ إلى التسليم له بالتقدم، والرجوع إليه في ذلك، وانظر ما قلته في كل مصنف من مصنفاته في هذه الفنون. ٣- وأما إحاطته بالروايات والمسائل التي يوردها في كتابه، فسأضرب أمثلة عليها بما يأتي: المثال الأول: حديث "الأذنان من الرأس" وما جمع فيه من الروايات والطرق. فقد قال الدَّارَقُطْنِيّ: "باب ما روي من قول النبي ﷺ "الأذنان من الرأس". حدثنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد، ثنا الجراح بن مخلد، نا يحيى ابن العريان الهروي، نا حاتم بن إسماعيل، عن أسامة بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "الأذنان من الرأس". كذا قال،

стр. 146

وهو وَهَمٌ، والصواب عن أسامة بن زيد، عن هلال بن أسامة الفهري، عن ابن عمر موقوفاً، هذا وهم لا يصح وما بعده، وقد بينت عللها""١". ثم أخذ يسرد الروايات فذكر سبعة وأربعين طريقاً في معنى هذا الحديث!!. وتكلم على كل طريق بالتضعيف، بالوقف أو الإرسال أو الانقطاع أو ضعف أحد الرواة بما يريح القارئ في بيان الحكم من غير تطويل وبما يدهش المرء كذلك إذا نظر إلى جانب الاستيعاب والإحاطة في الحكم. وقد بدأ الحديث عن هذه الروايات من ١/٩٧ إلى ١٠٧. المثال الثاني: حديث الحج عن "شبرمة"، وما جمعه من طرقه. ذكره الدَّارَقُطْنِيّ في "السنن" ٢/٢٦٧-٢٧١ فسرد له ثلاثة وعشرين طريقاً- وإن سكت عنها في الجملة. المثال الثالث: أحاديث القهقهة في الصلاة، إذ جمع الطرق التي وردت فيها من ص١٦١ إلى ١٧٥ في ٦٨ طريقاً، وبيّن عللها. المثال الرابع: حديث القلتين -أول حديث ذكره في سننه ١/١٣-٢٥ في كتاب الطهارة- وما جمعه فيه من الطرق واختلاف الروايات فيه في شيخ "الوليد بن كثير" ففي بعض الروايات: "عن أبي أسامة، عن الوليد ابن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير". وفي بعضها: "عنه عن محمد بن عباد بن جعفر". فجمع الدَّارَقُطْنِيّ بين الروايات في ذلك بطريقة تدل على حفظه وبراعته في الفهم فقال:

стр. 147

""فلما اختلف على أبي أسامة أحببنا أن نعلم من أتى بالصواب، فنظرنا في ذلك فوجدنا شعيب بن أيوب، قد رواه عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير على الوجهين جميعاً، عن محمد بن جعفر بن الزبير، ثم اتبعه عن محمد بن عباد بن جعفر، فصح القولان جميعا عن أبي أسامة وصح أن الوليد بن كثير رواه عن محمد بن جعفر بن الزبير، وعن محمد بن عباد بن جعفر جميعاً ... """١". وذكر ٢٨ طريقاً للحديث.

стр. 148

المبحث الثاني رسوخه في معرفة العلل الإمام الدَّارَقُطْنِيّ واسع المعرفة بعلل الحديث، انتهت إليه فيها الإمامة في عصره، وكتابه في العلل لعله أجود الكتب السابقة واللاحقة في العلل. وقد أثنى عليه الأئمة بذلك، كما أثنوا على كتابه، وقد تميز الدَّارَقُطْنِيّ بمعرفة العلل حفظاً وفهما، ويظهر هذا بوضوح لمن تأمّل كتابه "العلل" وعلم أنه أجود وأجمع كتب العلل، وأنه أملاه من حفظه، فقال الذهبي عن ذلك: ""قلت: إن كان كتاب العلل الموجود قد أملاه الدَّارَقُطْنِيّ من حفظه -كما دل عليه هذه الحكاية- فهذا أمر عظيم، يُقْضى به للدارقطني أنه

стр. 149

أحفظ أهل الدنيا، وإن كان أملى بعضه من حفظه فهذا ممكن ... """١". قلت: الذي تدل عليه الحكاية أنه أملى جميع كتاب العلل الموجود، كما هو الظاهر، وراويها إمام من الأئمة الثقات، وتلميذ من تلاميذ الدَّارَقُطْنِيّ، وهو أبو بكر البَرْقانِيّ"٢". قال القاضي أبو الطيب الطبري: ""وسألت البَرْقانِيّ: قلت له: كان أبو الحسن الدَّارَقُطْنِيّ يملي عليك العلل من حفظه؟ فقال: نعم ... """٣". والإمام الذهبي على هذا الرأي، إلا أنه قال هذا لِبيان عِظَم الأمر، ولذلك علّق على القصة في "تاريخ الإسلام" بقوله: ""قلت: وهذا شيء مدهش، كونه يملي العلل من حفظه، فمن أراد أن يعرف قدر ذلك فليطالع كتاب "العلل" للدارقطني ليعرف [كيف] "٤" كان الحفاظ"""٥". والحديث عن كتاب الدَّارَقُطْنِيّ في العلل جزء من الحديث عن رسوخ الدَّارَقُطْنِيّ في معرفة العلل، وقد تحدثت عنه في مبحث مؤلفاته بما يَفِي بالغرض المطلوب هنا. وفيما يلي بعض النقول، من كتاب "العلل" للدارقطني رحمه الله تعالى،

стр. 150

نماذج لتأكيد المعنى المتقدم. جاء في كتاب "العلل" ما يلي: ١- "وسئل عن حديث قتادة، عن أنس، أن النبي ﷺ قَطَع في محجن. فقال: يرويه ابن أبي عَروبة، وشعبة، وأبو هلال الراسبي، وأبان العطار، عن قتادة، واختلف فيه عنهم: فرواه عبيد بن الأسود، وسعيد بن عامر، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، أن النبي ﷺ قطع في محجن. وغيرهما عن شعبة أن أبا بكر قطع ... ورواه يحيى بن أبي بُكير، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس مرفوعاً أيضاً، وكذلك روي عن عمرو بن مرزوق، عن شعبة، والمحفوظ: عنه موقوفاً. وروي عن عبد الله بن الصباح العطار، عن أبي علي الحنفي، عن هشام، ورفعه أبو هلال، عن قتادة. والصواب: عن قتادة، عن أنس أن أبا بكر قطع ... -غير مرفوع-""١". فانظر كيف جمع الطرق، وبيّن أن الراجح فيها الوقف لا الرفع، فأعلّ الحديث بذلك. ٢- "وسئل عن حديث يروى عن مجاهد، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ في الوليمة: "من دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله". فقال: يرويه أبو عون، واختلف عنه: فرواه أبو صالح الفراء عن ابن الميول، عن ابن عون، عن مجاهد، عن ابن

стр. 151

عمر، عن النبي ﷺ . وغيره يرويه عن ابن عون، عن مجاهد، عن ابن عمر: "من دعي فأجاب ... " ولم يرفعه. والصحيح من الإسناد الموقوف"""١". وهنا وَازَنَ بين طرق الحديث، فوجد بعضها ينتهي إلى رفعه، وبعضها إلى وقفه، فبين أن الصواب الوقف، فالحديث معلّ به. ٣- "وسئل عن حديث عروة، عن عائشة: سمى رسولُ الله ﷺ الغرابَ فاسقاً. فقال: يرويه هشام بن عروة، واختلف عنه: فرواه أبو أويس، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة. وخالفه شريك: رواه عن هشام، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ . وكلاهما وَهَمٌ، والصحيح ما رواه ليث بن سعد، وحماد بن سلمة، وأبو معاوية، والمحاربي، رووه عن هشام، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسلاً""٢". فانظر كيف استوعب الطرق، وأبان أوجه الاختلاف بينها، ورجح رواية الأوثق، والأكثر عددا، وبيّن أن ما عداه وَهَم، فالحديث عنده معلّ بالإرسال. ٤- "وسئل عن حديث القاسم، عن عائشة، عن النبي ﷺ : "أَعلِنوا النكاح واضربوا عليه بالغربال".

стр. 152

فقال: حدّث به ربيعة بن أبي عبد الرحمن، فروى حديثه عيسى بن يونس، واختلف عنه فيه: فرواه جماعة من الحفاظ عنه، منهم: نصر بن علي، وعلي بن خَشْرم، وأبو همام، والحسين بن حريث أبو عمار المروزي، ومخلد بن مالك. رووه عن يونس، عن خالد بن إلياس، عن ربيعة. وخالفهم أبو خيثمة مصعب بن سعيد، فرواه عن عيسى، عن حسين المعلم، عن ربيعة، ووهم في ذلك، وإنما هو: خالد بن إلياس. وكذلك رواه المعافى بن عمران الموصلي، عن خالد بن إلْياس، عن ربيعة، وهو الصواب""١". وهنا -أيضا بعد جمع الطرق- رجّح رواية العدد الكثير من الثقات، وعلى هذا الرأي جمهور المحدثين. ٥- "وسئل عن حديث قتادة، عن أنس، قال رسول الله ﷺ : "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له". فقال: تفرد به أبو هلال الراسبي عنه. وغيره يرويه عن قتادة، عن الحسن مرسلا، والمرسل أصح""٢". وهنا أعلّ الحديث بالإرسال. ٦- "وسئل عن حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أم سلمة: "كان رسول

стр. 153

الله ﷺ يقول: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك". فقال: يرويه شعبة، واختلف عنه: فرواه أحمد بن الصباح بن أبي سريج، عن شبابة، عن شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن أم سلمة. وعن شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى مرسلا، وكذلك قال أصحاب شعبة عن شعبة، وهو الصواب""١". أيضاً أعلّه بالإرسال. وينبغي أن يُعلم هنا، أن الإمام الدَّارَقُطْنِيّ، قد أعلّ الأحاديث في الأمثلة السابقة بالوقف أو بالإرسال، وللعلماء في ذلك خلاف معلوم، لكن الراجح من أقوالهم: أن زيادة الثقة مقبولة إذا لم يخالِف من هو أوثق منه. ولذلك اختلفوا هل إسناد المرسل أو الموقوف يكون هو الراجح أو العكس؟. والصواب أنه لا يعتبر إسناد المرسل أو الموقوف زيادة ثقة مقبولة إلا إذا لم يخالِف من هو أوثق منه. قال ابن رجب: "" ... وكذلك قال الدَّارَقُطْنِيّ: المرسل لا تقوم به حجة"""٢". وقال أيضاً: ""وهكذا الدَّارَقُطْنِيّ يذكر في بعض المواضع أن الزيادة من الثقة مقبولة، ثم يردّ في أكثر المواضع زيادات كثيرة من الثقات، ويرجّح الإرسال على الإسناد، فدّل على أن مرادهم زيادة الثقة في تلك المواضع الخاصة، وهي إذا كان الثقة مبرّزا في الحفظ.

стр. 154

وقال الدَّارَقُطْنِيّ في حديث زاد في إسناده رجلان ثقتان رجلا، وخالفهما الثوري فلم يذكره، قال: لولا أن الثوري خالف لكان القول قولَ من زاد فيه، لأن زيادة الثقة مقبولة. وهذا تصريح بأنه إنما تقبل زيادة الثقة إلى لم يخالِف من هو أحفظ منه""١". قلت: وهذا التفصيل ينزّل على الأمثلة السابقة، وبناء عليه يؤخذ بالمسند أو المرسل والموقوف. ومن خلال هذه النصوص -المتقدمة القليلة- عن الإمام الدَّارَقُطْنِيّ، في تعليل الأحاديث من حفظه، يظهر للناظر مدى تمكّن هذا الإمام من معرفة العلل، وتبصره بالأحاديث، وأن الأئمة النقاد لم يبالغوا حين قالوا عنه: ""انتهى إليه الحفظ ومعرفة علل الحديث ورجاله ... """٢". ""وحيد عصره، وبه خُتم معرفة العلل ... """٣". ""انتهى الحفظ إلى أبي الحسن الدَّارَقُطْنِيّ ... """٤". وقال الحاكم: ""وسألته عن العلل والشيوخ، ودوّنت أجوبته في سؤالاتي، وقد سمعها مني أصحابي"""٥". إلى آخر ما قاله عنه الأئمة في هذا الشأن.

стр. 155

المبحث الثالث إمامته في الجرح والتعديل أولاً: قبول قوله فيه: الإمام الدَّارَقُطْنِيّ رحمه الله تعالى، كان اهتمامه بالجرح والتعديل وتاريخ الرواة ومعرفة أسمائهم، ونحو ذلك، أكثرَ من اهتمامه بغيره، سوى الحديث. ولهذا أَلّف في علوم الحديث كثيرا، وحكم على الرواة، جرحاً وتعديلاًً، بكثرة بالغة. وقد اعتمد حكمه في الرواة أئمة الحديث من لدن عصره إلى اليوم في الجملة، وإن ردوه أحيانا حين يظهر خطؤه. وإن المتأمل في الأقوال المنقولة في الرواة المعاصرين للدارقطني يجد العلماء أكثر ما ينقلون من الأقوال فيهم -جرحاً وتعديلا- قول الدَّارَقُطْنِيّ نفسه، أو قول تلميذه الإمام الحاكم أبي عبد الله، وتلميذه الإمام البَرْقانِيّ. وقد تأمّلت كتاب "العِبَر ... " للحافظ الذهبي فوجدته لا ينقل الجرح والتعديل -غالباً- في الرواة المعاصرين للدارقطني إلا عنه أو عن الحاكم أو عن البَرْقانِيّ، ومثله في ذلك الخطيب في "تاريخ بغداد". وللحافظ الذهبي كتاب ذَكَر فيه من يعتمد قوله في الجرح والتعديل، وقال في مقدمته: ""ونشرع الآن بتسمية من كان إذا تكلم في الرجال قبل قوله، ورجع إلى نقده، ونسوق من يسّر الله تعالى منهم على الطبقات

стр. 156

والأزمنة، والله المسئول الموفق للسداد بمنه"""١". وذكر الدَّارَقُطْنِيّ فيهم فقال: ""أبو الحسن علي بن عمر الدَّارَقُطْنِيّ وحيد عصره، وبه ختم معرفة العلل"""٢". وقال الذهبي -أيضاً- في ترجمة "محمد بن الفضل عَارِم السدوسي" بعد نقله قول الدَّارَقُطْنِيّ فيه: ""قلت فهذا قول حافظ العصر الذي لم يأت بعد النسائي مثله، فأين هذا القول من قول ابن حبان الخَسّاف المُتهور في عارم، فقال: اختلط في آخر عمره، وتغير حتى كان لا يدري ما يحدِّث به، فوقع في حديثه المناكير الكثيرة ... """٣". وكذا عوّل أئمة الحديث على أقواله في الجرح والتعديل، ولم أعلم أحدا ردّ قوله في الجرح والتعديل في الجملة أو في قاعدة معينة، اللهم إلا أقواله في انتقاده لبعض رجال الصحيحين فإنه قد ردّ عليه عدد من الحفاظ كما هو معلوم. إلا أنه ربما تكلم فيه من هذه الناحية من ليس بإمام، ولا معتبر قوله فيه، وما سَلِم من الكلام أحد كما قال الإمام الذهبي: ""فمن يسلم من الكلام بعد أحمد؟! """٤".

стр. 157

ومما يدل دلالة قوية -عندي- على اعتماد قوله في هذا الشأن لدى الأئمة سؤالات الأئمة له، وتدوينها، وتدوين أجوبته عليها، فلولا اعتمادهم لأجوبته لَمَا وجَّه الإمام الحاكم النيسابوري أسئلة إليه، ولَمَا دوّن أجوبته، وكذا الإمام البَرْقانِيّ، وكذا السهْمي، وكذا السُّلَمِيّ، ولما تناقلها الرواة"١".

стр. 158

ثانياً: اعتداله فيه: وكان الدَّارَقُطْنِيّ -رحمه الله تعالى- معتدلا في الجرح والتعديل، فليس هو بالمتشدد ولا بالمتساهل في ذلك. ولم أعلم له قاعدة في الجرح والتعديل أو في التصحيح والتضعيف معلومة الفساد، لأنه كان بصيراً بالأمور الجارحة والمعدّلة للراوي، فكان يميز بين الجرح المطلق والجرح المقيد في كلامه في الرواة دائماً، فلم يقع فيما وقع فيه بعض المحدِّثين. ولهذا كان قوله معتبرا في هذا الشأن عند الأئمة، وعدّوه في جملة أئمة الجرح والتعديل المعتدلين. وأَستدلّ على أن الأئمة قد اعتبروا الدَّارَقُطْنِيّ معتدلا في الجرح والتعديل بثلاثة أمور هي:

стр. 159

الأمر الأول: اعتمادهم لأقواله في الرواة، ونقلهم لها، وعدم استدراكهم عليه بإنكار تشدّد أو تعصّب أو نحو ذلك. ولم أر أحدا منهم حكم عليه بالتشدد أو التساهل في ذلك، سوى أقوال متأخرة ذكرت فيه من غير دليل، قيلت فيه لأسباب تسقط حكم قائليها في هذا الإمام الجليل، وقد ذكرتها، وناقشتها في مبحث: "أقوال الأئمة فيه". الأمر الثاني: ذكر بعضهم له في المعتدلين، وممن عدّ الدَّارَقُطْنِيّ في المعتدلين في الجرح والتعديل الإمام الذهبي، إذ قسّم المتكلمين في الجرح والتعديل إلى ثلاثة أقسام: ١- قسم متعنت في الجرح متثبت في التعديل، يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث ... ٢- وقسم منهم متسمّح كالترمذي والحاكم ... ٣- وقسم معتدل كأحمد والدَّارَقُطْنِيّ وابن عدي ... ""١". الأمر الثالث: نتيجة موازنة أقواله في الرواة بأقوال غيره، وقد جعلتها في فصل مستقل"٢". ويُلمح اعتداله في الجرح والتعديل في الثلاثة الأمور الآتية: ١- في مسلكه في الجرح والتعديل مع من يخالفه في المعتقد، أو ضُعّف بسبب المعتقد: إذ أنه أنصف في هذا الجانب أيما إنصاف، وإليك الأمثلة على ذلك، من

стр. 160

خلال النصوص الثابتة عن الدَّارَقُطْنِيّ رحمه الله تعالى: أ - قال السُّلَمِيّ: ""وسألته عن أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي. فقال: "ثقة""١". فمن إنصافه واعتداله -وهو سلفي كما تقدم في ترجمته- أن يقول هذا الحكم في أحمد الصوفيّ. ب- وقال السُّلَمِيّ -أيضاً-: ""وسألته عن إبراهيم بن أَدْهم. فقال: ""إذا حدّث عنه ثقة فهو صحيح الحديث"""٢". ومعلوم ما يقوله بعض المتعنتين في إبراهيم بن أدهم ممن هو على مذهب الدَّارَقُطْنِيّ رحمه الله تعالى. جـ- وقال السُّلَمِيّ: ""وسألته عن عدي بن ثابت: فقال: "ثقة إلا أنه كان رافضيا غالياً فيه"""٣"!!. ومعلوم ما يقوله كثير من المحدثين في من هذا حاله من الرواة، رحم الله الإمام الدَّارَقُطْنِيّ لقد كان معتدلاً منصفاً في الجرح والتعديل. د- وقال: ""وسألته عن إبراهيم بن طَهْمان. فقال: ثقة، وإنما تُكُلِّم فيه بسبب الإرجاء"""٤"!!. هـ- وقال السُّلَمِيّ أيضاً: ""وسألته عن ابن عقدة. فقال: حافظ، محدث، لم يكن في الدين بالقويّ، ولا أَزِيدُ على هذا"""٥".

стр. 161

فاعترف له بما له من فضيلة رغم ما جرحه به!. و وقال السُّلَمِيّ: ""وسمعته يقول: منع أحمد بن حنبل عبد الله ابنه أن يحدث عن علي بن الجعد، فسألته: ما سبب ذلك؟ فقال: لأنه وقف في حديث القرآن. وعلي بن الجعد ثقة، قد أخرج عنه البخاري. قال: وسئل علي ابن المديني: أيهما أحب إليك في شعبة: علي بن الجعد أو شَبابه؟ فقال: خَرَّب الله بيت علي إن كان في شعبة مثل شَبابة. سمعت أبا طالب الحافظ يقول: سمعت عثمان بن خرزاذ يقول: سألت يحيى بن معين عمن أكتب حديث شعبة؟. فقال: عن علي بن الجعد، وضرب على جنبه. قلت: وإن كان الدَّارَقُطْنِيّ يطريه، وثبت عن يحيى هذا. فقد جعل"١" علي بن المديني في طبقات أصحاب شعبة علي بن الجعد في آخرهم، وجعله في الطبقة السابعة. ولا يقبل من يحيى هذا، ويدع أصحاب شعبة مثل: يحيى بن سعيد، وغُنْدَر، وابن أبي عدي، وأمثالهم"""٢". فانظر كيف وقف الدَّارَقُطْنِيّ من علي بن الجعد هذا الموقف العدل، فلم يتركه لما صار منه في تلك المسألة -وإن خالفه فيها- إنما وثّقه -أداء للأمانة- لما عُلِمَ من عدالته وضبطه للحديث، حتى اشتهر بروايته للحديث بنصه بالحرف. والدَّارَقُطْنِيّ ﵀ أنصف -أيضاً، إلى جانب هذا- في الجرح والتعديل

стр. 162

في حق من يخالفه في المذهب الفقهي، كما يظهر من التمثيل الذي سبق"١" على ذلك بقوله، في أبي حماد الحنفي، ومحمد بن الحسن، وأبي يوسف القاضي. ٢- في مسلكه فيمن هو ضعيف بسبب غير الاعتقاد، كسوء الحفظ ونحوه، فإنه لا يردّه دائماً، بل يردّه حين لا يأمن منه عاقبة سوء الحفظ، ويقبله حين يأمن عاقبته، كما لو وافقه على حديثه عدد من الحفاظ الثقات. وهذا هو المعمول به عند المحدثين. فالدَّارَقُطْنِيّ يفرّق بين الضعف الشديد، والضعف غير الشديد، في تضعيفه للراوي، فهو يقول أحياناً: ضعيف لا يعتبر به. وأحيانا يقول: ضعيف يعتبر به. وعلماء المصطلح يستشهدون بمسلكه هذا، للتدليل على التفريق بين ضَعْف وضَعْف. ومن ذلك قول ابن الصلاح فيمن يصلح للمتابعات والشواهد من الضعفاء. "وليس كل ضعيف يصلح لذلك، ولهذا يقول الدَّارَقُطْنِيّ وغيره في الضعفاء: فلان يعتبر به، وفلان لا يعتبر به""٢". ويقول أحياناً: فلان ضعيف لا يستحق الترك، أو ليس بمتروك، أو مقبول حيث يتابع، أو يكتب حديثه، أو لا يكتب حديثه، ونحو ذلك من العبارات الدالة على تضعيف الراوي مع عدم طرحه بِمَرَّة أو تضعيفه بِمَرة.

стр. 163

وإليك الأمثلة على هذا: أ - قال البَرْقانِيّ في أسئلته: ""سألته عن قابوس بن أبي ظبيان. فقال: ضعيف، ولكن لا يترك"""١". ب- وقال: ""وسألته عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار. فقال: أخرج عنه البخاري، وهو عند غيره ضعيف، فيعتبر به"""٢". جـ- وسأله البَرْقانِيّ عن شخص. فقال: ""ضعيف يعتبر به"""٣". د- وقال الدَّارَقُطْنِيّ في راو: ""صويلح، يعتبر به"""٤". هـ- وقال السُّلَمِيّ: ""وسألته عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار فقال: خالف محمد بن إسماعيل البخاري الناس فيه، وليس هو بمتروك"""٥". ولهذا المسلك فإن الدَّارَقُطْنِيّ ضعّف "محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى" في حفظه فقال فيه: ""ضعيف الحديث، سييء الحفظ ... """٦". وقال فيه في موضع آخر: ""ثقة في حفظه شيء"""٧". وضَعّف الحجاج بن أرطاة -أيضاً- في مواضع كثيرة من سننه، ومع

стр. 164

ذلك فقد قَبِل حديثه في موضع من سننه، فقال فيه: ""حسن صحيح"""١". وكذا قَبِل حديثه في موضع آخر لموافقة الثقات له. والسبب أنه يقدّر ضعف الحفظ هذا، هل هو شديد بمرة، بحيث لا ينجبر؟ أو أنه ضعف يحتمل ... والأمثلة على هذا كثيرة من كلام الدَّارَقُطْنِيّ وسائر أئمة الحديث المعتدلين في الجرح والتعديل. والله الموفق. ٣- في اقتصاده في ألفاظ الجرح فيقتصر على ما يؤدي الغرض من ذلك: كقوله السابق في شيخه ابن عُقدة: ""حافظ، محدث، لم يكن في الدين بالقوي، ولا أزِيدُ على هذا"""٢". فلا يزيد على العبارة المؤدية للغرض. ولهذا نجده ﵀ لا يجيب -غالباً- في بيان حال الراوي إلا بكلمات مختصرة نحو: متروك، لا يعتبر به، لا يكتب حديثه، ولا يبين حال المجروح بالتفصيل إلا إذا دعت إلى ذلك حاجة. ومن شاء أن يقف على هذا فلينظر سؤالات تلاميذه له وأجوبته لهم، وكذا فهرس أقواله في الرواة المتكلم فيهم في "السنن". وكان إذا سئل عن راو لا يعلم حاله يقول: لا أدري، أولا أعرفه ... ١- ومن ذلك: ما قال السهمي في أسئلته: ""وسألت الدَّارَقُطْنِيّ عن تمّام بن الليث بن إسماعيل الصايغ بالرملة. فقال: ما أعرفه"""٣".

стр. 165

٢- وقال البَرْقانِيّ: ""قلنا له: جعفر بن عمران، يحدث عنه أحمد بن يونس؟ فقال: لا أعرفه"""١". ٣- وقال البَرْقانِيّ -أيضاً-: ""قلت لأبي الحسن: روى حرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير، عن باب بن عمير، عن رجل، عن أبيه، عن أبي هريرة؟ قال: باب لا أدري من هو؟ يحدّث عنه الأوزاعي، ويحيى، يُترك"""٢". إن هذا من اعتداله في الجرح رحمه الله تعالى، عملاً بما قرره علماء الإسلام في باب الجرح، بأنه ضرورة تقدّر بقدرها، حفظا للشريعة، وصيانة لأعراض المسلمين.

стр. 166

ثالثاً: إمامته فيه: مما تقدم يتبين أن الإمام الدَّارَقُطْنِيّ ﵀ إمام في الجرح والتعديل وهذا أمر لا شك فيه، ولا يحتاج إلى تدليل، وإذا أردت ما يُبرز إمامته في هذا الفن فإنه يتعين الإشارة إلى ذلك في النقاط الأربع الآتية: أ - حفظه وخبرته العجيبة بالرجال وأسمائهم وأنسابهم وأحوالهم: فقد بلغ في هذا شأوا بعيداً، وخلف لنا آثارا تدل على تلك الخبرة بالرجال. والحافظة المدهشة، تدل على أنه ألمّ بالرواة أسماء وأنسابا وأحوالا وتاريخاً. وإليك الأمثلة على ذلك: ١- يقول السُّلَمِيّ: ""وسئل عن الماجشون فقال: ""يعقوب بن أبي سلمة، ومن

стр. 167

ولده: يوسف بن يعقوب، وعبد العزيز بن يعقوب. فأما يوسف فروى عن الزهري وصالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عون وصالح بن كيسان وابنه يعقوب. وأما أخوه عبد العزيز بن يعقوب فيروي عن محمد بن المنكدر أحاديث مراسيل، حدث عنه أحمد بن حنبل، ومحمود بن خِدَاش، والحسن الزعفراني، وعبد العزيز هذا يكنى أبا الأصبغ. وعبد الله بن أبي سلمة الماجشون أخو يعقوب، يروي عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج، وهو مولى أبي قتادة، وغيرهم. وابنه عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الفقيه، يروي عن زيد بن أسلم، ومحمد بن المنكدر، والزهري، وغيرهم. وابنه عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون كان فقيها من أصحاب مالك. ويوسف بن عبد العزيز، حدث عنه الزبير بن بكار. فهذا ما حضرني في أولادهم في الوقت، وإنما لُقب الماجشون لحمرة وجهه"""١". ٢- ""وسأله الشيخ أبو سعد ﵀ عن أبي حازم"٢"، فقال: ""الذي يحضرني: أبو حازم الأشجعي اسمه سليمان مولى عزة الأشجعية.

стр. 168

وأبو حازم الأعرج، واسمه سلمة بن دينار المدني. وأبو حازم التمّار، اسمه دينار مولى أبي رُهْم الغفاري. وأبو حازم الأحمسي عبد عوف، له صحبة، وهو أبو قيس بن أبي حازم. وأبو حازم نبيل يحدّث عن ابن عباس. وأبو حازم عبد الرحمن بن حازم، سمع مجاهداً. وأبو حازم صخرة بن العبلة الأحمسي، له صحبة ورواية عن النبي ﷺ . وأبو حازم ميسرة بن حبيب النهدي الكوفي يحدّث عن المنهال بن عمرو. هذا ما حضرني في الوقت وهو مستوفى إن شاء الله"""١". ٣- وقال السُّلَمِيّ: ""سئل أبو الحسن علي بن عمر الحافظ، سأله ابن سعد الإسماعيلي رحمهما الله: كم من المشايخ مَنْ اسمه عياش؟ فقال: ""عياش بن أبي ربيعة بن المغيرة بن مخزوم له صحبة ورواية عن النبي ﷺ . وعياش بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أخو أبي بكر، وأمه أم حسن بنت الزبير بن العوام. وعياش بن عمرو المعافري، كوفي سمع عبد الله بن أبي أوفى، روى عنه الثوري وشريك. وعياش بن مؤنس، عداده في الشاميين، يحدّث عن شداد بن شرحبيل. وعياش بن يزيد الشامي، يحدّث عن عطية. وعياش الكلبي، يحدّث عن أنس، روى عنه شعبة.

стр. 169

وعياش بن عباس القتباني، مصري روى عنه الليث بن سعد، وابنه عبد الله. وعياش بن أبي سنان العَتَكي، سمع أبا نضرة، روى عنه أبو الوليد، يُعد في البصريين. وعياش بن عبد الله، كاتب عثمان، روى عنه قتادة. وعياش بن عبد الله بن عمرو بن سلمة، عداده من الكوفيين. وعياش بن عبد الله بن أبي ثور، روى عنه محمد بن إسحاق حجازي. وعياش بن سعيد بن أبي المعلى الأنصاري. وعياش الدعيني، يروي عن معاوية بن جريج، عِداده في البصريين. وعياش بن الوليد الرقَّام. وعياش بن المغيرة بن عبد الرحمن المدني. وعياش والد أبي بكر بن عياش. هذا ما حضرني في الوقت"""١". فتأمل هذه الأجوبة التي لم يلقها الإمام الدَّارَقُطْنِيّ من كتاب بل من ذاكرته، فيقول في نهاية كل جواب: ""هذا ما يحضرني في الوقت""، إنها الحافظة القوية والعناية التامة بالرجال، والإمامة الفذة في هذا الشأن. ب- إحاطته بأحوال من سبقه وبأهل عصره وشيوخه: وقد أحاط بتاريخ وأحوال الرواة السابقين له، والذين عاصروه. وسبق التمثيل -في الفقرة السابقة- لإدراكه لِتاريخ مَنْ سبقه.

стр. 170

أما معرفته بحال من عاصره فلا ينازع فيها أحد. بل العلماء اعتمدوه كثيرا جرحاً وتعديلاً فيمن عاش في عصره. فأئمة الجرح والتعديل ينقلون عنه في ذلك كثيرا، وأكثر ما يظهر هذا في كتب الذهبي. وتناقلوا حكمه في شيوخه توثيقاً وجرحاً. وإليك الأمثلة على ذلك: ١- قال السُّلَمِيّ: ""وسألته عن أبي القاسم بن الثَّلاَّج، فقال: لا تشغل به، فوالله ما رأيته قط في مجلس من مجالس العلم إلا بعد رجوعي من مصر، رأيته أولاً في مجلس أبي حامد الهمْداني المروزي، ولا رأيت له سماعا في كتاب أحد، ثم لا يقتصر على هذا حتى يضع الأحاديث والأسانيد ويركّب، وقد حدّث بأحاديث فأخذها وترك اسمي واسم شيخي، وحدّث عن شيخ شيخي. وسألته عن مكي بن بندار الزنجاني فقال: مثله أو قريباً منه، إلا أن مكيا كتب الحديث"""١". ٢- ومن الأدلة على خبرته بشيوخه قول السُّلَمِيّ: ""وسألته عن ابن منيع"٢"، فقال: ثقة جبل إمام من الأئمة ثبت، أقل المشايخ خطأ، وكان ابن صاعد أكثر حديثاً من ابن منيع، إلا أن كلام ابن منيع في

стр. 171

الحديث أحسن من كلام ابن صاعد"""١". ٣- ""وسئل أبو الحسن الدَّارَقُطْنِيّ عن أبي بكر محمد بن عبد الله الشافعي فقال: أبو بكر جبل ثقة مأمون، ما كان في ذلك الزمان أوثق منه، ما رأيت له إلا أصولا صحيحة متقنة، قد ضبط سماعه فيها أحسن الضبط، والله سبحانه أعلم بالصواب"""٢". جـ- استقلاله في الجرح والتعديل: والإمام الدَّارَقُطْنِيّ رحمه الله تعالى اتصف بالاستقلال في الجرح والتعديل، في كثير من أحكامه التي يصدرها في الرواة. ذلك أن الجرح والتعديل لمن سبق المحدّث ولم يره، ينقسم إلى قسمين: ١- قسم نقليّ، لا مجال للاجتهاد فيه، كوصف حاله الظاهرة ممن عايشه، أو الحكم عليه بحكم يتوقف على معرفة حاله، بالمعاشرة والخِلطة، كأن يقول: فلان عدل، أو صادق، أو نحوه. فهذا النوع لا طريق للاجتهاد فيه لمن يأتي بعد وفاة الراوي إلا بالاعتماد على النقل عمن عاصره. ٢- وقسم: يحتاج إلى نظر المحدّث وحكمه في الراوي، من خلال معاصرته له ومعاشرته إياه، أو من خلال بحثه في أحاديثه ومروياته، أو من خلال النظر في أقوال الأئمة فيه والموازنة بينها.

стр. 172

فيدعوه ذلك إلى أن يُصدر حكما مستقلا، قد يَردّ به بعض أقوال من سبقه بالكلام في الراوي. وهذا القسم الأخير، هو الذي ظهر استقلال الإمام الدَّارَقُطْنِيّ فيه، إذْ أنه: أ - تكلّم كثيرا في الرواة جرحاً وتعديلاً، من غير أن يعتمد على غيره، سواء فيمن سبقه من الرواة، أو فيمن عاصره. ب- اصطلح اصطلاحات خاصة به في الجرح والتعديل. جـ- استدرك على بعض الأئمة في حكمهم على الرواة جرحاً وتعديلاًً. ومن تتبع كتبه وكلامه في الرواة تيقن هذه الأمور السابقة لدى الدَّارَقُطْنِيّ، مما يؤكد استقلال الإمام الدَّارَقُطْنِيّ في الجرح والتعديل، وعلم الرجال. أما الأمثلة على الفقرة الأولى: "فقرة أ"، فمعظم كلام الدَّارَقُطْنِيّ في الرواة شاهد بها، ومن الأمثلة على ذلك ما يأتي: ١- قوله في إبراهيم بن طهمان: ""ثقة، وإنما تكلّم فيه سبب الإرجاء"""١". ٢- وقوله في أبي حمزة السكري: ""ثقة، أخرج عنه في الصحيح"""٢". ٣- وقوله في الزبيري: ""ضعيف، ذكره البخاري في الاحتجاج"""٣". وكذلك كل أمثلة استدراكه على الأئمة في الجرح والتعديل تصلح أن تكون أمثلة لهذا الباب.

стр. 173

وكذلك كل كلامه في شيوخه، وقد نقلت بعضها في فقرة "ب" السابقة"١". وهكذا ترى أن الدَّارَقُطْنِيّ عندما يقول الحكم في الراوي -غالباً- لا يقوله تقليداً لغيره ونقلا، إنما استنتاجا واجتهاداً. بل أنه لا يكتفي بهذا، إنما يستدرك على الأئمة الكبار -أحياناً- فلا يوافقهم في حكمهم. وإذا كان لا يعلم حال الراوي المسئول عنه فإنه يتوقف، إنصافاً، وخوفاً من الله ، يقول السُّلَمِيّ: ""وسألته عن أبي مروان العثماني، فقال: ما أحكم في بشيء"""٢". وقال البَرْقانِيّ: ""وسألته عن عبد الرحمن بن محمد، يروي عن السائب بن يزيد، فقال: هو شيخ مدني، لا أدري من هو، يعتبر به"""٣". وكأنه قال: ""لا أدري من هو"" من باب التثبّت، بدليل أنه قال: ""هو شيخ مدني""، وقال: ""يعتبر به"". أو أنه قال فيه ذلك لأنه مجهول عنده، فحكمه أنه يعتبر به. وأما أمثلة الفقرة الثانية: "فقرة ب": فمثل: اصطلاحه في "آية" و"آية من آيات الله"، واصطلاحه في "ليّن"، وغير ذلك، وقد تحدّثت عن هذا تفصيلاً في "الباب الرابع"، "الفصل الأول". وأما الفقرة الثالثة: "فقرة جـ": فإليك الحديث عنها بالتفصيل في المبحث الآتي:

стр. 174

المبحث الرابع استدراكاته على الأئمة مقدمة: برّز الإمام الدَّارَقُطْنِيّ في الحديث وعلومه، فأسهم في هذا الفن بجهد كبير، توخّى فيه الإنصاف، وقصد الحق والإخلاص، وإصلاح الأخطاء، فكان من الطبيعي أن يستدرك على غيره من الأئمة والعلماء. وهذه الاستدراكات منه ثروة علمية رائعة، أسهمت في إثراء هذا العلم بصورة ظاهرة لأكثر المهتمين بالحديث وعلومه، سواء كانت الاستدراكات هذه مخطئة أو صائبة. وكانت استدراكاته في علوم الحديث خاصة لا سيما علم الرجال.

стр. 175

أولاً: الأئمة الذين استدرك عليهم، وأنواع استدراكه: والأئمة الذين استدرك عليهم كثير، فقد استدرك على البخاري ومسلم، والنسائي، وغيرهم، واستدراكه عليهم أنواع: أ - لأنه إما أن يستدرك على أحدهم بكلمة عابرة، يردّ بها حكم ذلك الإمام المعيّن في الراوي، ومن أمثلته ما يأتي: ١- قال السُّلَمِيّ في أسئلته: ""وسمعته يقول: منع أحمد بن حنبل عبد الله ابنه أن يحدّث عن علي بن الجعد. فسألته: ما سبب ذلك؟

стр. 176

فقال: لأنه وقف في حديث القرآن. وعلي بن الجعد ثقة قد أخرج عنه البخاري ... """١". ٢- قوله في إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق: "ثقة"، استدراكاً على أبي عبد الرحمن النسائي لأنه قال فيه: ""ليس بالقوي"""٢". ٣- ومنها استدراكه على قول النسائي في إسحاق بن محمد الفروي: "ليس بثقة" حيث قال الدَّارَقُطْنِيّ فيه: ""لا يترك"""٣". ٤- ومنها استدراكه على قول النسائي في أحمد بن صالح المصري: "ليس بثقة" حيث قال الدَّارَقُطْنِيّ فيه: ""ثقة"""٤". ب- أو يستدرك على المحدِّثين عموماً على وجه الإجمال فيردّ حكمهم في الراوي. ومن أمثلة ذلك: ١- قوله في زياد بن عبد الله البَكَّائي: قال فيه النسائي: ليس بالقوي، وقال الدَّارَقُطْنِيّ: ""مختلف فيه، وليس عندي به بأس"""٥". ٢- وقوله في "عمرو بن أبي قيس" قال فيه النسائي: ليس بالقوي. وقال الدَّارَقُطْنِيّ: ""ليس به بأس، وقد لينوه، لم يحدّث عنه مالك"""٦".

стр. 177

٣- وقوله في فُلَيْح بن سليمان، قال فيه النسائي: ليس بالقوي. وقال الدَّارَقُطْنِيّ: ""مختلفون فيه، ليس به بأس"""١". ٤- وقوله في ""أصبغ بن زيد الوراق: واسطي، ثقة عندي، يروي عن ثور بن يزيد وقد تكلم فيه"""٢". جـ- استدراكه على البخاري ومسلم: استدرك الدَّارَقُطْنِيّ على البخاري ومسلم في صحيحيهما وفي غيرهما، وتبدو استدراكاته في الصحيحين في صورة تختلف عن الصورتين السابقتين في فقرة "أ"، و"ب"، من استدراكاته. لأنه يتبادر إلى الذهن من استدراكاته على الصحيحين أن ذلك استدرك عليهما في منهجهما في الصحيحين بدليل أنه ألّف كتاب "التتبع لما أخرج في الصحيحين وله علّة"". والصواب أن ذلك ليس من هذا الباب بل هو من نوع الاستدراكات التي ذكرتها في فقرة "أ"، لأنه مؤاخذة لا في المنهج، بل هو مُسَلِّم بسلامة منهج الشيخين في كتابيهما، ويدل على ذلك أمور كثيرة سيأتي تفصيلها في "الباب الثالث" إن شاء الله تعالى.

стр. 178

ثانياً: مَوَاطِن استدراكاته: بعض استدراكاته مفرقة في مؤلفاته في الرجال والعلل وغيرها، وبعضها

стр. 179

مجموع في رسائل، وهي: ١- رسالة في "الإلزامات على الصحيحين" وهي في مثل موضوع المستدرك للحاكم تماما. ٢- رسالة في "التتبع لما أخرج في الصحيحين من الأحاديث وله علّة". ٣- رسالة في ذكر أقوام من رجال الصحيحين ضعفهم النسائي، أو ذكرهم في "الضعفاء والمتروكين" وسئل عنهم الدَّارَقُطْنِيّ فأجاب فيهم، واستدرك في أجوبته على النسائي في أكثرهم، حيث قوَّى ما يقرب من اثنين وعشرين، وليّن تسعة أشخاص تقريباً. وقد طُبع"١".

стр. 180

ثالثاً: ذكر أمثلته من استدراكاته على الإمام النسائي: رسالةُ: "ذكر أقوام أخرج لهم البخاري ومسلم في صحيحيهما وضعفهم النسائي في "كتاب الضعفاء" وسئل عنهم الدَّارَقُطْنِيّ فأجاب بتوثيق أكثرهم" رسالة مهمّة، لأنها تُصوّر حقيقة ذكرته من الاستدراك على النسائي الشيخ المبجّل عند الدَّارَقُطْنِيّ. وفيما يلي سأذكر أمثلة من استدراكاته عليه في هذه الرسالة: ١- "قال أبو عبد الرحمن: إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق: ليس بالقوي. سئل عنه الدَّارَقُطْنِيّ، فقال: ثقة".
следующие страницы →