Полный текст (401 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
يقول كيف ترحم المرأة التي ترى كل جفن من أجفان الناس غير راقٍ للبكاء من هجرها غير جفنها وغير الأولى منصوبة على الاستثناء والثانية على الحال ومعنى راقٍ منقطع الدمع من قولهم رقا الدم والدمع يرقأ رقؤا إذا انقطع
أنت منا فتنت نفسك لكن ... ك عوفيت من ضني واشتياق
يقول أنت أيضا من معشر عشاقك أي أنت عاشقة لنفسك حين منعتها منا إلا أنك عوفيت مما نحن فيه من الضني والاشتياق لأنك واصلت محبوبك وهو نفسك ومعنى قتنت نفسك أي بالحب فأنت مفتونة بعشق نفسك بقال فتنته وأفتنته وأبي الأصمعي افتتنه
حلت دون المزار فاليوم لو زر ... ت لحال النحول دون العناقِ
يقال حال دونه حائل كما يقال عاق دونه عائق والمزار الزيارة ههنا يقول منعتني عن زيارتك حتى حلت شوقا إليك فلو زرتني اليوم لم تقدري على معانقتي لشدة النحول ودقة الجسم.
إن لحظا أدمته وأدمنا ... كان عمداً لنا وحتف اتفاقِ
أي أن ظرا منك إلينا ومنا إليك أكثرناه كان عن تعمد منا فاتفق لنا فيه الحتف من غير قصدٍ منا له.
لو عدا عنك غير هجرك بعد ... لأرار الرسيم مخ المناقي
عدا عنك صرف عنك ومنع من لقائك ومنه قول عنترة، إني عداني أن أزورك فاعلمي البيت وازار بمعنى أذاب يقال مخ رير رار ورير أي ذائب والرسيم ضرب من سير الإبل يقال بعير راسم وابل رواسم والمناقي جمع المنقية وهي الناقة التي لها نقي أي مخ وذلك من السمن يقول لو كان المانع من الوصلك فراقا وبعدا غير الهجران لحملنا الإبل على السير حتى يذوب نقيها للهزال أي لأتعبناها في طلب البعد بيننا كما قال أيضا، نأي المليحة البخل، في البعد ما لا تكلف الإبل، وأراد بعد غير هجرك فلما قدم وصف النكرة نصبه على حال
ولسرنا ولو وصلنا عليها ... مثل أنفاسنا على الأمارق
قال ابن جنى أي لو وصلنا إليك وهي تحملنا على استكراه ومشقة كما نحمل ارماقنا أنفاسنا وهذا الذي قاله محال كيف يحمل الرمق النفس وكيف تكون الأنفاس على الأرماق بالمعنى الذي ذكره وإنما يعني إنا نحاف مهازيل لم يبق منها إلا القليل كما قال الآخر، أنضاء شوق على أنضاء أسفارٍ، وكما قال هو أيضا، برتني السرى بريَ المدى فرددنني، أخف على المركوب من نفسي جرمي، والمعنى أبلنا كالأرماق ونحن كالأنفاس والهاء في عليها للمناقي
ما بنا من هوى العيون اللواتي ... لون أشفارهن لون الحداق
هذا استفهام معناه التعجب يقول أي شيء أصابنا من هوى العيون السود الأشفار والاحداق والاشفار منابت الأهداب يصفها بالكحل
قصرت مدة الليالي المواضي ... فأطالت بها الليالي البواقي
يقول قصرتها بالوصال وطولتها بالهجر وأيام الوصال توصف بالقصر وأيام الفراق توصف بالطول وعني بالمواضي ليالي الوصل وبالبواقي ليالي الفراق وإنما طالت بالليالي المواضي أي يذكرها ويتحسر عليها
كاثرث نائل الأمير من الما ... لِ بما نولت من الإبراق
الإيراق مصدر قولهم أورق الصائد إذا لم يصد شيئا وأورق الغازي إذا لم يغنم والناس يحملونه في هذا البيت على الأفعال من الأرق وكان الخوارزمي يقول في تفسير هذا البيت هي تطلب باسهادها الغاية طلب الأمير بأنالته النهاية فكأنها تكاثره نوالا لكن نوالها الأرق ونواله الورق فإن كان أبو الطيب أراد بالإيراق هذا فقد أخطأ لأنه لا يبني الأفعال من الأرق إنما يقال أرق يأرق أرقا وأرقه تأريقا والأولى أن يحمل الأيراق على منع الوصل والتجنيب منه يقول هي في منعها وصلها في النهاية كما ان الأمير في بذله نائله قد بلغ الغابة فكأنها تكاثر عطاه بمنعها.
ليس إلا أبا العشائر خلق ... ساد هذا الأنام باستحقاق
طاعن الطعنة التي تطعن الفي ... لق بالذعر والدم المهراق
يقول طعنته لسعتها وبعد غورها تطعن الجيش كلهم لأنهم يرون ما يخرج منها من الدم فيخافون لذلك خوفا شديدا فكان تلك الطعنة طعنتهم وكأنه طعنهم جميعا بهذه الطعنة الواحدة
ذات فرعٍ كأنها في حشى المخ ... بر عنها من شدة الإطراق
стр. 177
الفرع مخرج الماء من بين العراقي ويقال أطرق راسه إذا خفضه يقول لها فرغ يخرج منه الدم كفرع الدلو ومن سمع بها أطرق من خوفها حتى كأنها في جوفه استعظاما لها وذات مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف على تقدير طعنته ذات فرع ومن نصب فهي حال من الطعنة بمعنى واسعة كأنه قال تطعن الفيلق طعنة واسعة.
ضارب الهام في الغبا روما ير ... هب أن يشرب الذي هو ساقي
يعني أنه يسقي الأقران كؤوس الموت ولا يبالي بها لو شرب ذلك هو
فوق شقاء للأشق مجال ... بين أرساغها وبين الصفاق
يقال فرس أشق إذا كان رحب الفروج طويل القوائم يقول فوق أنثى طويلةٍ يجول بين قوائمها الذكر الطويل من الخيل والصفاق جلة البطن
ما رآها مكذب الرسل إلا ... صدق القول في صفات البراقِ
يقول من نظر إليها في سرعتها صدق ما يروى في الأخبار من صفات البراق فإنه سار ليلةً من الأرض إلى السماء
همه في ذوي الأسنة لا في ... ها وأطرافها لها كالنطاق
أي إذا أحاطت به الأسنة حتى صارت كالنطاق حوله فحينئذ همته في الأبطال لا في اسنتهم ليتحرز منها يشير إلى قلة فكره في الأسنة المحيطة به وإنها لا تثنيه عنهم
ثاقب العقل ثابت الحلم لا يق ... در مرء له على إقلاقِ
لا يقلقه امرؤ لثبات حلمه
يا بني الحارث بن لقمان لا تع ... دمكم في الوغى متون العتاق
دعا لهم بأن لا يفارقوا ظهور الخيل ولا تعدمهم الخيل فرسانا في الحرب وقوله في الوغى حشو لكن فيه نكتة وهي أنهم ملوك إنما يركبون الخيل لحرب أو للدفع ملم لذلك خص حالة الحرب
بعثوا الرعب في قلوب الأعادي ... فكأن القتال قبل التلاقي
يقول هيجوا الخوف في قلوب الأعداء فكأنهم قاتلوهم قبل أن لقوهم لشدة خوفهم قبل اللقاء
وتكاد الظبي لما عودوها ... تنتضي نفسها إلى الأعناق
أي أنها عودت أن تغمد في الأعناق فتكاد تخرج من أغمادها إلى الأعناق قبل الاستلال
وإذا أشفق الفوارس من وق ... ع القنا أشفقوا من الإشفاق
الإشفاق الخوف والحذر يقول إذا خاف الفرسان من وقع الرماح خافوهم من الخوف ومن أن ينسبوا إلى الجبن والجزع فتجلدوا وصبروا
كل ذمرٍ يزيد في الموتِ حسنا ... كبدورٍ تمامها في المحاقِ
الذمر الرجل الشجاع وجمعه أذمار قال ابن جنى أي هو من قوم أحسن احوالهم عندهم إن يقتلوا في طلب المجد والشرف فلما كانوا كذلك شبههم ببدور تمامها في محاقها فشبه ما يجوز أن يكون بما لا يجوز أن يكون اتساعا وتصرفا وقال ابن فورجة أراد أن البدور يفضي أمرها إلى المحاق فهو غايتها التي تجري إليها ومصيرها الذي تصير إليه هؤلاء القوم أيضا تمام أمورهم القتل وليس التمام في هذا البيت الذي يعني به استكمال الضوء والدليل على ذلك أنه قال كبدور والبدور لا تكون بدورا إلا بعد استكمال ضوءها ولو أراد استكمال الضوء لقال كأهلة هذا كلامه وعلى ما ذكره لا مدح في هذا البيت فإن كل حي على ما ذكره يفضي أمره إلى الموت وآخره الهلاك وإنما شبههم ببدور تمامها في المحاق بزيادتهم حسنا بالموت لا بانتهاء آخر أمرهم إلى الموت والمعنى أنهم إذا قتلوا في طلب المجد والذكر أزاداد شرفهم فزاد حسن ذكرهم بموتهم كالبدور فإنها تستفيد الكمال بالمحاق وما لم يصر إلى المحاق لم يتم لأنه من المحاق يرتفع إلى درجة الكمال فمحاقها سبب كمالها كذلك هؤلاء بأن يقتلوا يتكسبون ذكرا وشرفا والذي ذكره أبو الفتح وجه آخر وهو أنه شبههم ببدور تمامها في محاقها إن وجد ذلك وجاز وجوده والذي ذكرنا هو الوجه
جاعلٍ درعه منيته إن ... لم يكن دونها من العار واقي
قال ابن جنى أي ينغمس في منيته كما ينغمس في درعه مخافة العار وهذا تفسير غير كافٍ ولا مقنع وليس للإنغماس ههنا معنى إنما يريد أنه يتقي العار ولو بموته فإن لم يجد واقيا من العار غير منيته جعلها درعا له فاتقى بها العار وإنما جعل منيته درعه لأنه اتقى بها العار كما يتقي الموت والهلاك بالدروع.
كرم خشن الجوانب منهم ... فهو كالماء في الشفار الرقاقِ
стр. 178
أي له كرم خشن جوانبه للاعداء لأنه لا ينفاد لهم بل يأتي عليهم بما فيه من الكرم ثم شبه ذلك الكرم بالماء وهو لين عذب وإذا صار في شفار السيف شحذها ونفذها وجعلها قاطعة ذات غربٍ وحدة كذلك كرمه فيه ليس لأوليائه وخشونة على أعدائه وهو كما قال ابن جنى أي أنه رقيق الطبع في المنظر فإذا سيم خسفا خشن جانبه واشتد إباؤه
ومعالٍ إذا ادعاها سواهم ... لزمته جناية السراق
يا ابن من كلما بدوت بدا لي ... غائب الشخص حاضر الأخلاق
أي أنت شديد الشبه بأبيك فإذا ظهرت لي شاهدت فيك أخلاقه وإن غاب شخصه
لو تنكرت في المكر لقومٍ ... حلفوا أنك انبه بالطلاق
التنكر إن يغير الزي حتى لا يعرف يقول لو غيرت زيك في الحرب حتى لا يعرفك أهلها لعرفوك بشبه أبيك حتى يحلفوا بالطلاق أنك ابنه
كيف يقوى بكفك الزند والآف ... اق فيها كالكف في الآفاق
يقول كيف يطيق زندك حكمل كفك وقد اشتملت على نواحي الأرض أي اقتدرت على الدنيا كلها فصغرت في قبضتك حتى صارت بمنزلة كف الإنسان في سعة الآفاق
قل نفع الحديد فيك فما يل ... قاك إلا من سيفه من نفاق
يقول اعداؤك لا يقدرون عليك بالحديد لامتناعك عن اسلحتهم ببأسك وشجاعتك وشدة شوكتك فلا يلقاك إلا من يخدعك بنفاقه فيجعل النفاق سيفا له والمعنى إن اعداءك يحيدون عن مجاهرتك بالحرب إلى موارتك بالنفاق
إلف هذا الهواء أوقع في الأن ... فس أن الحمام مر المذاق
يقول الأنفس ألفت الهواء فظنت أن الموت كريه الذوق لإلفها الهواء الرقيق الطيب وذلك أوقع في أنفسهم أن الموت مر الطعم وفي هذا بيان عذر أعدائه حين جنبوا عنه ولم يجاهروه بالحرب لأن حب الحياة زين لهم الجبن وأراهم طعم الحمام مرا وهو نفس منقطع وربما كان راحة المريض والمغموم ويجوز أن يكون هذا ابتداء كلامس لا يتصل بما قبله
والأسى قبل فرقة الروح عجز ... والأسى لا يكون بعد الفراق
قال أبو الفضل العروضي يقول لا يجب أن ياسى الإنسان للموت بعد يقينه بوقوعه فإنه قبل الوقوع لا ينفع الحذر وينغص العيش فإذا وقع فلا أسى عليك ولا علم لك به وقد نسب في هذا إلى الإلحاد وقال ابن فورجة يقول إن خوف الموت من اكاذيب النفس ومن إلفنا هذا الهواء وإلا فقد علم أن الحزن على فراق الروح قبل فراقه من العجز وعلم ايضا أن الحزن على المفارقة لا يكون بعد الموت فلماذا يجبن الإنسان هذا كلامه وهذا البيت والذي قبله حث على الشجاعة وتحذير عن الجبن وتهوين للموت لئلا يخافه الإنسان فيترك الإقدام هذا مراد أبي الطيب ولم يقصد الالحاد وإنما قال هذا من حيث الظاهر
كم ثراء فرجت بالرمح عنه ... كان من بخل أهله في وثاق
يقول كم مالٍ كان البخل قد أوثقه ومنعه عن طلابه قتلت أربابه فاطلقت عنه الوثاق وأبحته لطلابه
والغنى في يد اللئيم قبيح ... قدر قبح الكريم في الإملاق
يقول يقبح المال في يد اللئيم لأنه يبخل به عن حقوقه كما يقبح الكريم في الإملاق والعسرة وأراد أن يقول كما يقبح الفقر في يد الكريم فقلب للضرورة والقافية ومثل المصراع الأول قول أبي تمام، كم نعمة لله كانت عنده، فكأنها في غربة وإسار، وقول العطوى، نعمة الله لا تعاب ولكن، ربما استقبحت على أقوام، لا يليق الغنى بوجه أبي يعلى ولا نور بهجة الإسلام، وسخ الثوب والقلانس والبرذون والوجه والقفا والغلام،
ليس قولي في شمس فعلك كالشم ... س ولكن في الشمس كالإشراق
استعار لفعله شمسا لشهرته يقول لا يبلغ قولي محل فعلك ولكنه يدل عليه ويحسنه كالإشراق في الشمس
شاعر المجد خدنه شاعر اللف ... ظ كلانا رب المعاني الدقاق
أي أنت شاعر المجد أي العالم به وبدقائقه وأنا شاعر اللفظ وكل واحد منا صاحب المعاني الدقيقة ومثله للطاءي، غربت خلائقه وأغرب شاعر، فيه فأبدع مغرب في مغرب، وعني بالخدن نفسه جعل نفسه خدنا للممدوح تكبرا وفخرا
لم تزل تسمع المديح ولك ... ن صهيل الجياد غير النهاقِ
يقول لم تزل تمدح وتسمع الأشعار في مديحك ولكن شعري يفضل ما سمعته كما يفضل صهيل الجياد نهيق الحمير
ليت لي مثل جد ذا الدهر ... في الأدهر أو رزقه من الأرزاق
стр. 179
يقول دهرك مجدود مرزوق بك فليت لي مثل ما له من الجد والرزق ثم بين ذلك فقال
أنت فيه وكان كل زمان ... يشتهي بعض ذا على الخلاق
مثله قول مسلم، فالدهر يغبط أولاه أواخره، إذ لم يكن هو في أعصاره الأول.
ودخل عليه يوما وهو على الشراب وبيده بطيخة من ندّ معنبر في غشاء من خيزران على رأسها عنبر قد أدير حولها قلادة من در فحياه بها وقال بماذا تشبه هذه فقال
وبنيةٍ من خيزرانٍ ضمنت ... بطيخة نبتت بنارٍ في يد
البنية المبنية يعني ما اتخذ من الخيرزان وعاء لهذه البطيخة ولما قال بطيخة قال نبتت لأنها من النوابت إلا أنه جعل نباتها بنارٍ في يد صانعها وذلك أنها أديرت باليد على النار حتى تمت واستوت
نظم الأمير لها قلادة لؤلؤ ... كفعاله وكلامه في المشهد
شبه القلادة المنظومة في حسنها بفعله وكلامه الذي يتكلم به في مشهد من الناس
كالكاس باشرها بالمزاج فأبرزت ... زبداً يدور على شرابٍ أسود
جعل الشراب أسود لسواد الكاس ثم جعله ممزوجا ليعلوه الزبد فيشبه القلادة التي عليها.
وقال فيها أيضا
وسوداء منظوم عليها لآلىء ... لها صورة البطيخ وهي من الند
كأن بقايا عنبرٍ فوق رأسها ... طلوع رواعى الشيب في الشعر الجعد
قد ذكرنا تفسير رواعي الشيب عند قوله راعتك راعية البياض ويمكن أن تكون الرواعي جمع راعية التي قلبت من رائعة على ما ذكرنا وروة الخوارزمي دواعي الشيب بالدال يعني أوائله التي تدعو سائر الشعر إلى البياض وقال ابن جنى قال الجعد لأن السواد أبدا مع الجعودة قال ابن فورجة ليس كذلك لأن الزنج يشيبون ولا تزول جعودة شعرهم وإنما أتى بالجعد للقافية فقط.
وقال أ] ضا فيها
ما أنا والخمر وبطيخة ... سوداء في قشرٍ من الخيزران
من رفع الخمر عطفها على أنا ومن نصب جعل الواو بمعنى مع وجعل غلافها قشرا لها
يشغلني عنها وعن غيرها ... توطئتي النفس ليوم الطعان
وكل نجلاء لها صائك ... يخضب ما بين يدي والسنانِ
يعني طعنة واسعة لها دم لاصق يلصق بالمطعون ويخضب الرمح.
وقال أيضا يمدح أبا العشائر الحسين بن عليّ بن حمدان
مبيتي من دمشقَ على فراش ... حشاه لي بحرِّ حشاي حاشى
يقول أبيت على فراش حار حشى بحرارة قلبي من الهوى يعني حرارة الهوى وإن فراشه صار حارا
لقي ليلٍ كعين الظبي لونا ... وهمٍّ كالحميا في المشاش
اللقى الشيء الملقى يعني أن الليل القاه على فراشه والحميا الخمر والمشاش رؤس العظام الرخوة والمصراع الأول من قول الطاءي، إليك تجرعنا دجى كحداقنا، والثاني من قول الأبيرد، عساكر تغشى النفس حتى كأنني، أخو سكرةٍ دارت بها مني الخمر، والمعنى إن الحزن ملأ حشاه وتمشي فيه تمشي الخمر في العظام.
وشوقٍ كالتوقد في فؤادٍ ... كجمرٍ في جوانح كالمحاش
المحاش والمحاش لغتان فيما احرقته النار يقال محشته النار أي احرقته وسودته شبه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء في بيت واحد شبه شوقه بتوقد النار وقلبه بجمر نار وجوانحه وهي اضلاعه بشوى احرقته النار.
سقى الدم كل نصلٍ غير نابٍ ... وروى كل رمحٍ غير راشِ
دعا بالسقيا لكل نصل لا ينبو عن الضريبة وكل رمح غير ضعيف يقال رمح راش أي خوار ضعيف وجمل راش الظهر ضعيفه ورجل راش وهو مثل قولهم كبش صاف ورجل مال أي ذو مالٍ
فإن الفارس المنعوت خفت ... لمنصله الفوارس كالرياش
المنعوت الموصوف الذي سارت صفته بالشجاعة فيما بين الناس فعرفوه بنعته كذا رواه الخوارزمي وروى ابن جنى المبغوت وهو الذي بغته الشيء أي فاجأه يعني ما كان عرض لأبي العشائر من الجيش الذي كبسه بانطاطية وكان أبلى ذلك اليوم بلاء حسنا ومعنى خفت لمنصله تطايرت عن سيفه تطاير الريش
فقد أضحى أبا الغمرات يكنى ... كأن أبا العشائر غير فاش
يقول صار يكنى أبا الغمرات وهي الشدائد لالتباسه بها ودخوله فيها فكأن كنيته المعروفة غير فاشية وذكر الكنية لأنه ذهب إلى الأسم والكنية أسم على الحقيقة أو ذهب إلى الأب وكان المراد به الكنية
وقد نسي الحسين بما يسمى ... ردي الأبطال أو غيث العطاش
стр. 180
أي نسي اسمه العلم بما سموه به من ردى الأبطال أي هلاك الشجعان أو غيث العطاش يعني أ، هذين غلبا على اسمه المشهور حتى ترك ذلك فلا يسمى إلا بأحد هذين.
لقوه حاسراً في درع ضربٍ ... دقيق النسج ملتهب الحواشي
الحاسر الذي لا درع عليه وأراد أنه من ضربه الأعداء في درع لأن ضربه بالسيف يحميه ولما جعل ذلك درعا له جعله دقيق النسج وإن لم يكن هناك نسج أو شبه الآثار الدقيقة على سيفه بالنسج الدقيق ولهذا قال ملتهب الحواشي لأنه أراد به السيف الذي كأنه نار تلتهب وذكر الدرع على اللفظ
كأن على الجماجم منه نار ... وأيدي القوم أجنحةُ الفراش
أي كأنه يحرق الجماجم لشدة ضربه إياها ولن سيفه يلمع كالنار عليها وكأن أيدي القوم أجنحة الفراش لأنها تطير بضربه إياها فشبه أيدي القوم المقطعة حوله بالفراش حول النار
كأن جواري المهجات ماء ... يعاودها المهند من عطاش
المهجة دم القلب والعطاش شدة العطش وهي من الفعال الذي للأدواء كالصداع والزكام يعاود الماء يقول سيفه لا يزال يعاود دماء أعدائه بماء وجعل سيفه يعاوده مرة بعد مرة كالعطشان يعاود الماء يقول سيفه لا يزال يعاود دماء أعدائه فكأنه عطشان يعاود شرب الماء
فولوا بين ذي روحٍ مفاتٍ ... وذي رمقٍ وذي عقلٍ مطاش
أي إنهزموا عنه وهم من بين مقتول قد أفات عليه روحه فروحه مفات وآخر به رمق وآخر قد طاش عقله وتحير يقال طاش عقله أي ذهب واطاشه الله
ومنعفر لنصل السيف فيه ... توارى الضب خاف من احتراش
المنعفر المتلطخ بالتراب والاحتراش صيد الضب يقول قد غاب السيف في هذا المنعفر كما يغيب الضب في جحره إذا خاف احتراشا.
يدمى بعض أيدي الخيل بعضاً ... وما بعجايةٍ أثر ارتهاشِ
العجاية عصبة في اليد فوق الحافر والارتهاش اصطكاك اليدين حتى تنعفر الرواهش وهي عصب الذراع يقول ازدحمت الخيل عادية بين يديه في سوق انطاكية فدمت أيدي بعضها أيدي بعض ولم يكن ثم ارتهاش ويجوز أن تكون التدمية من دماء القتلى
ورائعها وحيد لم يرعه ... تباعد جيشه والمستجاش
يعني بالرائع الممدوح الذي راعهم أي افزعنم أي لم يفزعه انفراده من جيش وبعده من سيف الولة وهو المستجاش يعني المطلوب منه الجيش
كأن تلوى النشاب فيه ... تلوى الخوص في سعفٍ العشاش
الخوص ورق النخل والسعف اغصانها والعشاش جمع عشة وهي الدقيقة من النخل وكان قد رمى بسهم فتلوت فيه كتلوى الخوص في أغصان النخل
ونهب نفوس أهل النهب أولى ... بأهل المجد من نهب القماش
النهب الغارة وأهل النهب الجيش والقماش متاع البيت يقول الاغارة على نفوس أهل الغارة أحق بالأشراف من الإغارة على الأقمشة وهو من قول أبي تمام، أن الأسود أسود الغاب، البيت
تشارك في الندام إذا نزلنا ... بطان لا تشارك في الجحاش
الندام المنادمة والبطان جمع بطين وهو الكبير البطن الرغيب والجحاش المجاحشة وهي المدافعة في القتال يقول يشاركنا في شرب الخمر إذا نزلنا عن الخيل رجال يكثرون الأكل ولا يشاركون في القتال
ومن قبل النطاح وقبل يأنى ... يبين لك النعاج من الكباش
النطاح مناطحة ذوات القرون ثم يستعمل في الحرب وقبل رواه الخوارزمي نصبا على الظرف ورواه غيره خفضا بالعطف على ما قبله ويأنى يحين من قولهمأني الشيء يأنى أنى يقول قبل المناطحة وقبل أوانها يتبين من يناطح ممن لا يناطح ومن يقاتل ممن لا يقاتل وذلك إن الكباش تتلاعب بقرونها وإن لم ترد الطعن بها وكذلك يتلاعب الناس بالأسلحة في غير الحرب فيعرف من يحسن استعمالها ممن لا يحسن.
فيا بحر البحور ولا أورى ... ويا بدر البدور ولا أحاشي
أكثر الرواية ويا ملك الملوك والتورية الاخفاء والستر يقول لا استر قولي بل أجهر به ولا أحاشي أي لا أدع أحدا ولا استثنى انسانا كما قال النابغة، وما أحاشي من الأقوام من أحد،
كانك ناظر في كل قلب ... ولا يخفى عليك محل غاش
стр. 181
يقول لفطنتك وذكاء قلبك كأنك ناظر في قلوب الناس ترى ما فيها فليس يخفى عليك محل قاصد يأتيك ويزورك وغاش يغشاك وغاشية الرجل الذين يأتونه ويزورونه ومنه قول ذي الرمة يصف سفوادا، وذي شعب شتى كسوت فروجه، لغاشية يوما مقطعة حمرا، وقال حسان، يغشون حتى ما تهر كلابهم، لا يسألون عن السواد المقبل، ومثل هذا في المعنى قوله، ويمتحن الناس الأمير برائه، ويقضي على علمٍ بكل ممخرق،
أأصبر عنك لم تبخل بشيء ... ولم تقبل عليّ كلام واشِ
وكيف وأنت في الرؤساء عندي ... عتيق الطير ما بين الخشاش
وكيف أصبر عنك وأنت في جملة الرؤساء كالكريم من الطير بين صغارها
فما خاشيك للتكذيب راجٍ ... ولا راجيك للتخييب خاشى
قال ابن جنى أي ليس يرجو من يخشاك أن يلقي من يكذبه ويخطئه في خوفك لأن الناس مجمعون على خوفك وخشيتك ومعنى راج خائف وقال ابن فورجة أي أن خاشيك حال به بأسك وواقع به سخطك وانتقامك فما يرجو تكذيبا لما خافه لشدة خوفه ولا راجيك يخشى أن تخيبه لفيض عرفك انتهى كلامه والصحيح في هذا البيت رواية من روى فما خاشيك للتثريب راج أي من خشيك لم يخف أن يثرب ويعثر بخشيتك وراج خائف ومن روى للتكذيب لم يكن فيه مدح لأن المدح في العفو لا في تحقيق الخشية وإنما يمدح بتحقيق الأمل وتكذيب الخوف كما قال السري، إذا وعد السراء أنجز وعده، وإن وعد الضراء فالعفو مانعه،
تطاعن كل خيل سرت فيها ... ولو كانوا النبيط على الجحاش
أي إذا كنت في قوم شجعوا بمكانك وإن كانوا أنباطا على حمر
أرى الناس الظلام وأنت نور ... وإني فيهم لإليك عاش
يقول عشوت إلى النار أعشو عشوا فإنا عاش إذا اتيتها ليلا يقول أنت فيما بين الناس كالنور في الظلام وأني قاصد إليك اطلب من عندك الخير كما تؤتى النار في ظلمة الليل
بليت بهم بلاء الورد يلقى ... أنوفا هن أولى بالخشاش
أي تأذيت بلقاء غيرك ولم يليقوا بي كما لا يليق الورد بأنوف الإبل قاله ابن جنى ويجوز أن يريد بقوله أنوفا هن أولى بالخشاش أنوف اللئام من الناس الذين أنوفهم أولى بالخشاش من أن تشم الورد
عليك إذا هزلت مع الليالي ... وحولك حين تسمن في هراش
أي هم عليك مع الدهر أعوانا له إذا كنت مهزولا أي إذا افترقت فصرت كالمهزول الذي لا لحم عليه وإذا كثر مالك فصرت كالرجل السمين كانوا حولك يتهارشون والمعنى أ، هم عيال في الحرب وإذا رجعت من القتال بالغنيمة خيموا لديك وتهارشوا حولك
أتى خبر الأمير فقيل كروا ... فقلت نعم ولو لحقوا بشاش
يقول ورد خبر الأمير وإنه مع جيشه كروا على العدو فقلت لهم نعم تصديقا لهذا الخبر يكر ولو لحق عدوه بالشاش فهو قول البحتري، يضحى مطلا على الأعداء لو وقعوا، بالصين في بعدها ما استبعد الصينا، ويجوز أن يكون المعنى لما أتى خبره بالإنصراف بالظفر قال هؤلاء الذين حوله حين يسمن كروا أي قال بعضهم لبعض كروا إليه ومن يروى بفتح الكاف أي قيل أنهم قد كروا فقلت نعم وإن بعدوا عنه يكرون ويرجعون إليه وقال ابن جنى كان أبو العشائر استطرد للخيل وولى بين أيديها هاربا ثم جاء خبره أنه كر عليهم راجعا فلو لحق بشاش لوثقت بعودته هذا كلامه وعلى هذا إنما قال كروا ولحقوا والمذكور في أول البيت الأمير لأنه أراده ومن معه من أصحابه وقال ابن فورجة الرواية بضم الكاف والمعنى أي خبر الأمير بظفره بالعدو فقيل لنا معشر المستميحين كروا فقلت نعم يكرون ولو لحقوا بشاب أي ولو كان على البعد منهم قال ولم يرو يفتح الكاف إلا ابن جنى
يقودهم إلى الهيجا لجوج ... يسن قتاله والكر ناش
عنى باللجوج أنه لا ينثني عن أعدائه ولا يزال يغزوهم ومعنى قوله يسن قتاله يطول وقت قتاله حتى يصير كالمسن الذي طال عمره وكره ناش شاب في آخر القتال كما كان في أوله
وأسرجت الكميت فناقلت بي ... على إعقاقها وعلى غشاشي
يقال للذكر والأثنى كميت كما قال، كميت غير محلفة ولكن، كلون الصرف علَّ به الأديم، والمناقلة أن تحسن نقل يديها ورجليها بين الحجارة ومنه قول جرير، مناقل الأجرال يقال أعقت الدابة إذا انفتق بطنها للحمل وهي عقوق والغشاش العجلة أي أنها اسرعت بي على ثقلها وعلى عجلتي
من المتمردات تذب عنها ... برمحي كل طائرةٍ الرشاشِ
стр. 182
التمرد تفعل من المارد والمريد وهو الذي قد أعيى خبثا والمتمردة الممتنعة يصف فرسه بالخبث وترك الإنقياد لمن لا يحسن ركوبها والمعنى أني أصونها برمحي عن كل طعنة يترشش دمها.
ولو عقرت لبلغني إليه ... حديث عنه يحمل كل ماشي
يقول لو عقرت فرسي فلم تحملني إليه لبلغني إليه حديث عنه أي عن الممدوح يحمل كل ماش إليه حتى لا يحتاج إلى الدابة أي يشوقه إلى قصده ما يسمع من الثناء عليه ويجوز أن يكون معنى حمل حديثه الماشي إليه أنه إذا ذكرت اخباره وما يحدث عنه لم يجد مس النصب والإعياء لاستطابته ذلك الحديث فكأن الحديث حمله ويقول المصطحبان في السفر أحدهما للآخر احملني أي حدثني حتى اشتغل به فيقطع الطريق بالحديث هذا على رواية من روى كل بالنصب ومن روى بالرفع رد الضمير في عنه إلى الحديث يعني أن كل ماش في الأرض يحمل عن حديثه لشيوع اخباره
إذا ذكرت مواقفه لحافٍ ... وشيك فما ينكس لانتقاش
شيك أي دخلت الشوكة رجله والانتقاش أخراج الشوكة من الرجل قال ابن جنى إذا ذكرت مواقف أبي العشائر في السخاء والعطاء لأنسان حاف ودخل الشوكة في رجله لم ينكس رأسه ليستخرج الشوكة من رجله بل يمضي مسرعا إليه قال ابن فورجة المواقف قل ما يستعمل إلا في الحرب وإنما يريد أن الشجاع إذا وصفت له مواقفه تاق إليه ورغب في صحبته فاسرع إليه والذي يدل على صحة قول ابن فورجة رواية من روى وقائعه وهي لا تستعمل إلا في الحرب
يزيل مخافة المصبور عنه ... ويلهي ذا الفياش عن الفياش
المصبور المحبوس على القتل يقال قتل فلان صبرا والفياش المفايشة المفاخرة يقول أنه يستنقذه من القتل فيزيل خوفه ويشغل المفاخر عن المفاخرة لأنه يتواضع له ويقر بفضله ومن روى تزيل وتلهى بالتاء فقد خاطب
وما وجد اشتياق كاشتياقي ... ولا عرف انكماشٌ كانكماشي
أي لم يشتق أحد اشتياقي إليك ولم يعجل أحد إليك عجلتي والإنكماش الجد في الأمر
فسرت إليك في طلب المعالي ... وسار سواي في طلب المعاش
هذا من قول أبي تمام، ومن خدم الأقوام يرجو نوالهم، فإني لم أخدمك إلا لأخدما، ومثله كثر وأرسل بازيا إلى حجلة فأخذها فقال أبو الطيب
وطائرة تتبعها المنايا ... على آثارها زجل الجناح
يعني بالطائرة الحجلة ويقال تبعه واتبعه وتتبعه بمعنى والزجل الصوت والنعت منه زجل واراد بالزجل الجناح البازي لانه يصوت بجناحه إذا طار يقول المنايا تتبع هذه القبجة وعلى آثارها باز زجل الجناح ويجوز أن ينتصب الزجل على الحال إذا أردت بالمنايا البازي لأنه سبب منايا الطير فتريد يتبعها البازي زجل الجناح
كأن الريش منه في سهام ... على جسد تجسم من رياح
منه أي من هذا الزجل جعل قصب ريشه سهاما إما لصحتها واستوائها وإما لسرعة مرورها وإما لأنها سبب قتل الطائر وجعل جسده جسما من رياح لسرعة انكداره على الصيد
كأن رؤس أقلام غلاظ ... مسحن بريش جؤجؤه الصحاح
الجؤجؤ الصدر شبه سواد صدره بآثار مسح رؤس أقلام غلاظ وروى ابن جنى غلاظا نصبا على النعت للرؤس وذلك اجود لأن القلم قد يغلظ ورأسه دقيق وقد يدق ورأسه غليظ والصحاح جمع الصحيح وهو نعت للريش اريد به جمع ريشة يريد استوآءها وبعدها عن التشعب والانتشار ويروى الصحاح وهو بمعنى الصحيح صفة للريش على لفظة أو للجؤجؤ
فأقعصها بحجن تحت صفر ... لها فعل الأسنة والرماح
أقعصها قتلها قتلا وحيا والحجن مخالبه المعوجة والصفر أصابعه
فقلت لكل حي يوم موت ... وإن حرص النفوس على الفلاح
وقال له أبو العشائر في هذه السرعة قلت هذا فقال
أتنكر ما نطقت به يديها ... وليس بمنكر سبق الجواد
أراكض معوصات القول قسراً ... فأقتلها وغيري في الطراد
المعوصات الصعاب يقال أعوص الأمر إذا اشتد والمراكضة المطاردة ومعنى قسرا كرها يقال قسره على الأمر إذا اكرهه عليه يقول أكره عويص الشعر حتى يلين لي فأذلله وغيري من الشعراء بعد في المطاردة ولم يتمكنوا من أخذ الصيد يصف قوة فكره وسرعة خاطره وجعل الشعر كالصيد النافر يصاد كرها فاستعمل ألفاظ الطرد ودخل عليه وعنده إنسان ينشده شعرا وصف بركة له ولم يذكره في ذلك الشعر فقال أبو الطيب
стр. 183
لئن كان أحسن في وصفها ... لقد ترك الحسن في الوصف لك
يقول إن أحسن في وصف البركة فقد ترك الحسن في وصفه إياك لأنه لم يصفك ولم يمدحك ثم ذكر أنه إنما عابه بترك الحسن في وصفه لقوله
لأنك بحر وإن البحار ... لتأنف من حال هذي البرك
يقول كان وصفه لك أولى من وصف البركة لأنك بحر والبحار تأنف من البرك لاستصغارها إياها والذي سنعته في معنى البيتين إن ذلك الشاعر كان شبه البركة بأبي العشائر فقال أبو الطيب أنه قد ترك الحسن في وصفك حيث شبهها بك وأنت بحر والبحر فوق البركة بكثير وهذا هو القول والأول ذكره ابن دوست
كأنك سيفك لا ما ملك ... ت يبقى لديك ولا ما ملكت
يقول أنت كسيفك لأنك تفني ما تملكه فلا يبقى لديك وسيفك أيضا يفني ما يظفر به فلا يدع أحدا حيا وجعل السيف مالكا مجازا ويقال ملكتهم السيوف إذا لم يمتنعوا منها
فأكثر من جريها ما وهبت ... وأكثر من مائها ما سفك
من جريها أي من جري ماء البركة يقول ما جرى من هباتك أكثر مما جرى من ماء البركة وما سفك سيفك من الدماء أكثر من ماء البركة
أسأت وأحسنت عن قدرة ... ودرت على الناس دور الفلك
يقول أسأت على أعدائك وأحسنت إلى أوليائك عن قدرة عليهما وعممت الناس بالخير والشر عموم الفلك إياهم بالسعد والنحس وقال أيضا يمدح أبو العشائر الحسين بن علي الحمدان
لا تحسبوا ربعكم ولا طلله ... أول حي فراقكم قتله
جعل كون الاحبة في الربع حياة له وإرتحالهم عنه قتلا له وذلك إن الأمكنة إنما تحيى بالعمارة والسكان ولهذا يسمى البائر المهمل مواتا ويقال في ضد ذلك أحيا أرضا إذا عمرها فلما كان هذا مستعملا في الأمكنة جعل المتنبي خراب الربع وخلاءه عن السكان قتلا ولم يجعله أول مقتول بفراقهم لما ذكر بعده من قوله
قد تلفت قبله النفوس بكم ... وأكثرت في هواكم العذله
يقول قد تلفت نفوس العشاق قبل الربع بسببكم أو بهواكم أو بفراقكم وأكثر العاذلون عذلهم في هواكم لما رأوا من تهالكهم فيكم
خلا وفيه أهل وأوحشنا ... وفيه صرم مروح إبله
الصرم الجماعة من البيوت بمن فيها وجمعه اصرام والمروح الذي يروح إبله من المرعى يعنى أنه موحش خال وإن كان فيه ناس ونعم لارتحال أحبابنا عنه يقول هو وأنه كان قد حله أهل بعدهم كالخالي في حقي وموحش لي وإن كان فيه صرم من الناس فكأنه قفر لا أحد فيه ثم ذكر أنه لا بدل عن الحبيب الذي سار عنه فقال
لو سار ذاك الحبيب عن فلكٍ ... ما رضى الشمس برجه بدله
أحبه والهوى وأدؤره ... وكل حب صبابة ووله
يجوز أن يكون والهوى عطفا على الضمير المنصوب في قوله احبه فيكون كقوله أيضا، وإني لأعشق من عشقكم، نحولي وكل فتى ناحلِ، ويجوز أن يكون في موضع خفض بالقسم كقول البحتري، أما وهواك حلقة ذي اجتهادٍ، ثم ذكر ماهية الحب فقال صبابة وهي رقة الشوق وله وهو ذهاب العقل
ينصرها الغيث وهي ظامئة ... إلى سواه وسحبها هطله
أي يسقيها السحاب وعطشها إلى غير المطر وهو الحبيب الذي كان ينزلها
وا حربا منك يا جدايتها ... مقيمةً فاعلمي ومرتحله
الحرب الهلاك يقول الواقع في الهلكة وا حربا والمعنى أنها تهجره عند الإقامة وتفارقه عند النأي
لو خلط المسك والعبير بها ... ولست فيها لخلتها تفله
العبير أخلاط تجمع من طيب والتفلة المنتنة الريح والضمير في بها للادؤر يقول إنما كانت تطيب لي رياها بك فإذا خلت عنك كانت عندي تفلة كقوله وكيف التذاذي بالأصائل والضحى، إذا لم يعد ذاك النسيم الذي هبا،
أنا ابن من بعضه يفوق ابا ال ... باحث والنجل بعض من نجله
يقول أنا فوق أب الذي يبحث عن نسبي ثم بين في المصراع الثاني أنه أراد ببعضه الولد والنجل الولد
وإنما يذكر الجدود لهم ... من نفروه وأنفدوا حيله
يقال نافرت فلانا فنفرته أي فاخرته ففخرته يقول إنما يذكر الأجداد للقوم الباحثين والمفاخرين من فضلوه وغلبوه بالفخر ولم يجد حيلة فافتخر بالآباء والمعنى إنما يحتاج إلى الفخر بجدوده من لا فضيلة له في نفسه
فخرا لعضب أروح مشتمله ... وسمهري أروح معتقله
стр. 184
أي إنهما يفتخران بي لا أنا بهما والاشتمال أن يتقلد السيف فتكون حمائله على منكبه كالثوب الذي يشتمل به وكان حقه أن يقول مشتملا به ولكنه حذف الجار نحو امرتك الخير
وليفخر الفخر إذ غدوت به ... مرتديا خيره ومنتعله
يقول لبست الفخر فصار رداء على منكبي ونعلا تحت قدمي فينبغي له أن يفخر بي ويروي حبره أي زينته
أنا الذي بين الإله به الأقد ... ار والمرء حيثما جعله
يقول بي بين الله مقادير الناس في الفضل فأنا أصف كل أحد بما فيه ويجوز ان يكون المعنى في بيان الأقدار به أن من أحسن إليه وأكرمه دل ذلك على مروته وميله إلى ذوي الفضل ومن استخفه ولم يبال به دل ذلك على خسة قدره ولوم خلقه كما قال البحتري، وإن مقامي حيث خيمت محنة، تدل على فهم الكرام الأجاود، ويدل على صحة هذا المعنى ما بعد هذا البيت وقوله والمرء حيث ما جعله أي حيثما جعل نفسه فمن صان نفسه ورفع قدرها رفع الناس أيضا قدره ومن تعرض للهوان أهين كما قال، إذا ما أهان امرء نفسه، فلا أكرم الله من يكرمه، ويجوز أن يكون المعنى والمرء حيثما جعله الله أي لا يقدر أحد أن يتقدم منزلته التي وضعه الله بها
جوهرة تفرح الشراف بها ... وغضة لا تسيغها السفله
إن الكذاب الذي أكاد به ... أهون عندي من الذي نقله
الكذاب الكذب يعرض بقومٍ وشوا به إلى أبي العشائر ومعنى أكاد به أقصد به على وجه الكيد بي يقول ذلك الكذب أهون عندي من راويه وناقله أي لا أبالي به ولا بمن رواه
فلا مبالٍ ولا مداجٍ ولا ... وإن ولا عاجز ولا تكله
نفى عن نفسه هذه الصفات يقول لست مباليا بالكاذب وكذبه ولست مساترا عدواته ولست وانيا مقصرا في أمري وفيما يجب عليّ حفظه ولا عاجزا عن مكافاة المسيء ولا تكلةً وهو بمعنى الوكلة هو الذي يكل أمره إلى غيره ومثله التخمة والتؤدة
ودارع سفته فخر لقا ... في الملتقى والعجاج والعجله
سفته ضربته بالسيف يقال ساف يسيفه فهو سائف والعجلة يجوز أن يريد بها الاستعجال الذي يكون من الضارب والطاعن في الضرب والطعن ويجوز أن يكون بمعنى الثكل من قولهم ناقة عجول إذا فقدت ولدها ومنه قول الشاعر، إذا ما دعي الداعي عليا وجدتني، أراع كما راع العجول مهيب، ويجوز أن يكون بمعنى الطين قاله قطرب وثعلب من قوله وخلق الإنسان عجولا من عجلٍ
وسامعٍ رعته بقافية ... يحار فيها المنقح القوله
المنقح الذي يهذب القول ويختاره والقولة الجيد القول الكثير وإنما أراد أنه يأتي بالقافية الجيدة بديها يرتاع لها السامع ويتحير فيها الشاعر المجيد
وربما أشهد الطعام معي ... من لا يساوي الخبز الذي أكله
أراد ومعي وهي واو الحال وقد تحذف كما تقول مررت به على يده باز وهذه رواية ابن جنى والخوارزمي وروى غيرهما يشهد وأشهد وهذا اليق بما يروى في القصة أنه كان قد وصل رجلا يعرف بالمسعودي باصحاب أبي العشائر ورقاه منادمته ثم تناوله المسعودي عند أبي العشائر
ويظهر الجهل بي وأعرفه ... والدر در برغم من جهله
مستحييا من أبي العشائر أن ... أسحب في غير أرضه حلله
أي أفعل ما ذكرت مستحييا يريد أنه إنما أقام هناك لأنه يستحي من أبي العشائر أن يلبس حلله في غير بلده
أسحبها عنده لدى ملكٍ ... ثيابه من جليسه وجله
أي ثيابه لا تحب أن تفارقه لتشرفها به فهي تخاف أن يخلعها على جليسه
وبيض غلمانه كنائله ... أول محمول سيبه الحمله
يقول غلمانه البيض كنائله في أنه وهبهم ألا تراه يقول أول محمول سيبه الحملة أي أول ما حمله إليك من العطاء اولائك الذين يحملون ذلك العطاء
ما لي لا أمدح الحسين ولا ... أبذل مثل الود الذي بذله
هذا كالمعاتبة مع نفسه والأقرار بالتقصير في مدحه ومعارضته بمثل الود الذي يبذله
أأخفت العين عنده خبراً ... أم بلغ الكيذبان ما أمله
يقول أكذبتني عيني فيما أدت إليّ من محاسنه أم وجد الكاذب فرصة فغير ما بيننا ويجوز أن يريد بالعين الرقيب وأنث جريا على اللفظ يقول هل أخفى الرقيب عنده خبرا من اخباري في حبي إياه وميلي إليه وهذا استفهام انكار أي ليس الأمر على هذا يدل عليه قوله
أم ليس ضراب كل جمجمةٍ ... منخوةٍ ساعة الوغى زعله
стр. 185
منخوة متكبرة يقال نخى الرجل فهو منخو والرأي يوصف بالكبر يقال في رأسه نخوة والزعلة النشيطة
وصاحب الجود ما يفارقه ... لو كان للجود منطق عذله
أي عذله على اسرافه وكثرة عطاياه
وراكب الهول لا يفتره ... لو كان للهول محزم هزله
أي لا يفتره الهول وإن كثر ركوبه
وفارس الأحمر المكلل في ... طيىء المشرع القنا قبله
يريد بالأحمر فرسه الذي ركبه يوم وقعته بانطاكية والمكلل الحاد الماضي في الأمر يقال حمل فكلل أي مضى قدما ومن روى بفتح اللام أراد المتوج ويجوز في المشرع النصب على نعت الفارس والخفض على نعت الأحمر يعني الذي أشرع الاعداء نحوه رماحهم
لما رأت وجهه خيولهم ... أقسم بالله لا رأت كفله
فأكبروا فعله وأصغره ... أكبر من فعله الذي فعله
يقال أكبرت الشيء إذا استكبرته قال الله تعالى فلما رأينه أكبرنه قال ابن جنى أي استكبروا فعله واستصغره هو وتم الكلام هاهنا ثم استأنف فقال اكبر من فعله الإنسان الذي فعله أي هو أكبر من فعله قال العروضي فيما أملاه عليّ هذا التفسير لا يكون مدحا لأن من المعلوم أن كل فاعل أكبر من فعله وأن الخالق تعالى ذكره فوق المخلوقين وقالوا أن خيرا من الخير فاعله وإن شرا من الشر فاعله ومعنى البيت أن البيت أن الناس استكبروا فعله واستصغره هو فكان استصغار لما فعل أحسن من فعله كما يقال أعطاني فلان كذا وكذا واستقله فكان استقلاله ذلك أحسن من عطائه ثم العجب أنه غلط في صناعةٍ هو إمامها المقدم فيها وذلك أن الذي يصلح أن يكون بمعنى من وبمعنى ما كما تقول رأيت الذي دخل ورأيت الذي فعلت وكان يجب أن يذهب في هذا إلى ما فذهب إلى من ففسد المعنى وروى الخوارزمي وأصغره بضم الراء أي وأصغر فعله أكبر مما استعظموه
القاتل الواصل الكميل فلا ... بعض جميل عن بعضه شغله
الكميل بمعنى الكامل يقال كمل يكمل وهو كامل وكمل يكمل وهو كميل وأنشد سيبويه، على أنني بعد ما قد مضى، ثلاثون للهجر حولا كميلا، وقد فسر البيت فيما بعد فقال
فواهب والرماح تشجره ... وطاعن والهبات متصله
تشجره تنفذ فيه وتخالفه ومنه قول سريجٍ بن أبي وفى، يذكرني حاميم والرمح شاجر، فلاه تلا حاميم قبل التقدم، يقول لا يمنعه الحرب عن الجود ولا الجود عن الشجاعة والمطاعنة
وكلما آمن البلاد سرى ... وكلما خيف منزل نزله
وكلما جاهر العدو ضحى ... أمكن حتى كأنه ختله
يقول كلما حارب أعداءه جهارا تمكن منهم وظفر بهم حتى كأنه خادعهم وأتاهم بغتة
يحتقر البيض واللدان إذا ... سن عليه الدلاص أو نثله
اللدان الرماح اللينى جمع لدن ويقال سن عليه درعه وشن إذا صب الدرع على نفسه بأن لبسها ومثله نثل أيضا ولو قال نشله وهو بمعنى نزعه كان امدح ويكون المعنى أ، هـ يحتقر السيوف والرماح دارعا كان أو حاسرا
قد هذبت فهمه الفقهة لي ... وهذبت شعري الفصاحة له
يقول فقاهة الممدوح فهمه في فهو يفهم شعري وفصاحتي هذبت شعري له فأنا آتيه به فصيحا
فصرت كالسيف حامداً يده ... لا يحمد السيف كل من حمله
أي أنا أحمده حمد السيف إياه والسيف لا يحمد كل حامل.
وكان معه ليلا على الشراب فكلما أراد النهوض وهب له شيئا حتى وهب له ثيابا وجارية ومهرا فقال
أعن إذني تهب الريح رهوا ... ويسري كلما شئت الغمامُ
هذا استفهام معناهالإنكار يقول الريح لا تهب ساكنة سهلة بأذني وكذا الغمام لا يمشي على مشيتي ويريد بالريح والمغمام الممدوح في سرعته في العطاء وجوده يعني أن الذي يفعله ليس يفعله بإذني ومشيتي إنما يفعله طبعا طبع عليه وهو قوله
ولكن الغمام له طباع ... والدهر لفظ وأنت معناه
يقول الناس سواء أمثال وأشباه بعضهم لبعضٍ فإذا رأوك اختلفوا بك لأنك لا نظير لك فيهم وهذا كقوله، بعض البرية فوق بعضٍ خاليا، فإذا حضرت فكل فوقٍ دون، وأنت معنى الدهر لأنه بك يحسن ويسيء.
والجود عين وفيك ناظرها ... والناس باع وفيك يمناه
أنت من الجود بمنزلة الناظر من العين ومن الناس بمنزلة اليمين من الباع وهو من قول عليّ بن جبلة، ولو جزأ الله العلي فتجزأت، لكان لك العينان والأذنان،
أفدي الذي كل مازقٍ حرجٍ ... أغبر فرسانه تحاماه
стр. 186
المازق المضيق في الحرب والحرج الضيق وأغبر صفة مازق وهو الكثير الغبار وفرسانه ابتداء والخبر تحاماه أي تتحاماه والمضير يعود إلى الذي.
أعلى قناة الحسين أوسطها ... فيه وأعلى الكمي رجلاه
فيه في ذلك المازق يعني أنه يحمله برمحه فيناطر الرمح للينه حتى يصير أوسطه أعلاه ويكون الفارس الكمي منكسا كما قال امرء القيس، أرجلهم كالخشب الشائل،
تنشد اثوابنا مدائحه ... بالسن ما لهن أفواه
قال ابن جنى أي تتقعقع لجدتها وقال العروضي هذا كلام من لم ينظر في معاني الشعر ولم يرو الكثير منه وكنت أربا بابي الفتح عن مثل هذا القول ألم يسمع قول نصيب، فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله، ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب، ولم يكن للحقائب قعقعة إنما أراد أنهم يرونها ممتلئة كذلك أبو الطيب أراد أنا نلبس خلعه وأثوابه فيراها الناس علينا فيعلمون أنها من هداياه فكأنها فكأنها قد أثنت عليه وأنشدت مدائحه بألسنٍ لا تتحرك في أفواهٍ لأنها لا تنطق في الحقيقة إنما يستدل بها على جوده فكأنها أخبرت ونطقت
إذا مررنا على الأصم بها ... أغنته عن مسمعيه عيناه
هذا تأكيد للبيت الذي قبله وذلك أن الأصم وغيره سواء من نطق الثوب فإن الأصم يراه كما يرى غيره فإذا راى استغنى عن أن يسمع أنه أعطى كالسامع
سبحان من خار للكواكب بال ... بعد ولو نلن كن جدواه
خار الله له بكذا إذا اختار له ذلك يقول سبحان الله الذي اختار للكواكب البعد ولو نيلت ووجدت لوهبها فدخلت في عطاياه ونلن وزنه فعلن مثل بعن يستوي فيه فعلن وفعلن ويقال نلن بين الضم والكسر مثل قيل لئلا يلتبس فعلن بفعلن
لو كان ضوء الشموس في يده ... لضاعه جوده وأفناه
ضاعه فرقه يقال ضعته فانضاع أي فرقته فتفرق وجمع الشمس على تقدير أن لكل يوم شمسا
يا راحلا كل من يودعه ... مودع دينه ودنياه
يريد أنه لا دين إلا به لانه يحفظه على الناس ولا دنيا إلا معه لأنه ملك فمن ودعه فقد ودعهما
إن كان فيما نراه من كرم ... فيك مزيد فزادك الله
وقيل لأبي العشائر لا تعرف إلا بكنيتك وما كناك أبو الطيب
قالوا ألم تكنه فقلت لهم ... ذلك عيٌّ إذا وصفناه
الإستفهام إذا دخل على النفي رده إلى التقدير كقوله تعالى أليس في جهنم مثوىً للكافرين أي فيها مثوى لهم كقول جرير، ألستم خير من ركب المطايا، أي أنتم كذلك فعلى هذا قوله ألم تكنه معناه كنيته والقوم لم يريدوا هذا وإنما أرادوا نفي الكنية فكان من حقه أن يقول قالوا ولم تكنه ولا يأتي بحرف الاستفهام وابن فورجة يقول في هذا أنه استفهام صريح ليس فيه تقرير كأن واحدا من القوم سأل أبا الطيب فقال ألم تكنه أي هل كنيته هذا قوله والاستفهام الصريح لا يكون بالنفي لأنك إذا استفهمت أحدا هل فعل شيئا قلت هل فعلت كذا ولم تقل ألم تفعله وقوله ذلك عيّ أي أنه يعرف بصفاته لا بكنيته فإذا ذكرنا كنيته مع الاستغناء عنها بخصائص صفاته كان ذلك عيا
لا يتوفى أبو العشائر من ... ليس معاني الورى كمعناه
يقول لا يستوفي هذه الكنية وهذا اللفظ رجلا يزيد معناه على معاني جميع الورى كلهم لأن فيه من معاني الكرم والمدح ما ليس فيهم والعشائر الجماعات وهو بمعنى جميع الورى وزيادة عليهم وأقرأنا العروضي، لا يتوقى أبو العشائر من، ليس معاني الورى بمعناه، يقول لا يحذر أن يلتبس صفاته ومعاني مدحه بصفات غيره ومعانيه لأنه منفرد من الناس بخصائص لا يشاركه فيها فإذا لا يحتاج في مدحه إلى ذكر كنيته
أفرس من تسبح الجياد به ... وليس إلا الحديد أمواه
افرس من الفروسية ولما ذكر سبح الجياد جعل الحديد أمواها والمعنى أنها تسير في بحر من حديد لكثرة الأسلحة والسيوف وكل شيء كثير مجاوز الحد يشبه بالبحر وإن اضمرت خبر ليس ونصبت الحديد على أنه استثناء مقدم على تقدير وليس في الأرض أمواه إلا الحديد كان جائزا وإن لم تضمر ونصبت الحديد على أنه خبر ليس جعلت أسم ليس نكرةً وخبره معرفة وذلك جائز في الضرورة وأخرج إليه أبو العشائر جوشنا حسناً فقال ارتجالا
به وبمثله شق الصفوف ... وزلت عن مباشرها الحتوف
يريد أن لابسه يشق صفوف الأعداء يوم القتال آمنا على نفسه لحصانته ولا تعمل الحتوف فيمن لبسه
стр. 187
فدعه لقى فإنك من كرام ... جواشنها الأسنة والسيوف
يقول ألقه ولا تلبسه فإنك تدفع عن نفسك بالرماح والسيوف ولا تحتاج إلى الجواشن.
وضرب لأبي العشائر مضرب بميافارقين على الطريق وكثر سائله وغاشيه فقال ارتجالا فيه
لام أناس أبا العشائر في ... جود يديه بالعين والورق
وإنما قيل لم خلقت كذا ... وخالق الخلق خالق الخلق
يقول الذي يلومه في جوده كأنه يقول له لمَ خلقت جوادا أي أنه طبع على الجود ولا ينفع اللوم فيما طبع عليه الإنسان لأن المطبوع على الشيء لا يقدر أن يتركه ويتغير عنه إلى غيره كما لا يقدر أن يغير خلقه.
قالوا ألم تكفه سماحته ... حتى بنى بيته على الطرقِ
كان أبو العشائر بميافارقين فضرب بيتا على الطريق لينتابه الناس فلا يرون دونه حجاجا فكذر أبو الطيب ذلك وقد قال الناس أما كفته سماحته في البلد حتى أبرز بيته إلى الطريق.
فقلت إن الفتى شجاعته ... تريه في الشح صورة الفرق
يريد أن الشجاع لا يكون بخيلا بل يتجنب البخل كما يتجنب الخوف وذلك أن الشخ خوف الفقر والشجاع لا يفرق كما قال البخل والجبن غريزتان يجمعهما سوء الظن بالله
الشمس قد حلت السماء وما ... يحجبها بعدها عن الحدقِ
بضرب هام الكماة تم له ... كسب الذي يكسبون بالملقِ
يريد أن كل أحد يحبه لشجاعته كما يحب من يتملق إلى الناس ويلين لهم ويتودد إليهم فتم له بضرب الهام ما يكسبه المتملق كما قال، ومن شرف الإقدام أنك فيهم، على القتل موموق كأنك شاكد، وجعل الذي جمعا أما على حذف النون وإما على لغة من جعل الذي جمع لذ.
كن لجة أيها السماح فقد ... آمنه سيفه من الغرق
يقول هو لا يغرق في بحر السماح وإن كان بحرا لأن سيفه آمنه من كل محذور حتى من الغرق يعني أنهن وإن كان سمحا فهو شجاع لا يخاق مهلكا حتى لو صار السماح مهلكا ما خافه لشجاعته.
قال وقد انتسب إلى أبي العشائر بعض من هم بقتله ليلا على باب سيف الدولة وذكر أنه عن أمره رماه
ومنتسب عندي إلى من أحبه ... وللنبل حولي من يديه حفيف
فهيج من شوقي وما من مذله ... حننت ولكن الكريم ألوف
أي حرك شوقي لما ذكره ولم أحن في تلك الحال مهانةً ولكن لكرم الطبع
فكل وداجٍ لا يدوم على الأذى ... دوام ودادي للحسين ضعيف
أنتصب دوام على المصدر أي الود الذي لا يدوم على مقاساة الأذى كما دام ودادي للحسين فهو ود ضعيف
فإن يكن الفعل الذي ساء واحداً ... فأفعاله اللائي سررن ألوف
يريد أن إحسانه أكثر من اساءته والقليل لا يعفى الكثير ولا يغلبه والمعنى أن ساءني بفعل واحد فقد سرني بأفعال كثيرة
ونفسي له نفسي الفداء لنفسه ... ولكن بعض المالكين عنيف
أي أنا مملوك له فله نفسي ثم قال أفديه بنفسي لكنه مالك عنيف لا يرفق بي بعد أن ملكني كما قال، أريد حياته ويريد قتلي.
وقال يمدح سيف الدولة أبا الحسن عليّ بن عبد الله بن حمدان عند نزوله انطاكية ومنصرفه من الظفر بحصن برزويه في جمادي الآخرة سنة سبع وثلاثين وثلثمائة.
وفاءكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه
стр. 188
أشجاه أشده شجوا من قولك شجاني هذا الأمر أي أحزنني والطاسم الطامس والدارس يخاطب خليليه اللذين عاهداه بأن يسعداه على البكاء عند ربع الأحبة يقول لهما وفاءكما بإسعادي مشبه بالربع ثم فسر وبين وجه الشبه فقال أشجى الربع طاسمه يعني أنه كلما تقادم عهده كان أشجى لزائره وأشد لحزنه لأنه لا يتسلى به المحب وأشفى الدمع للحزن أيضا ساجمة وهو الهاطل الجاري والمعنى أبكيا بدمعٍ ساجمٍ فإنه أشفى للغليل كما أن الربع أشجى لملحب إذا درس ووفاءهما بالاسعاد وهو الاعانة على البكاء والموافقة فيه هو البكاء فلذلك قال والجمع أشفاه ساجمه والمعنى أبكيا بدمع في غاية السجوم فهو أشفى للوجد فإن الربع في غاية الطسوم وهو أشجى للمحب وأراد بالوفاء ههنا البكاء لأنهما عاهداه على الإسعاد ووفاؤهما بذلك العهد أن يبكيا معه ومما يذكر في هذا البيت أنه شبه الوفاء بالربع وتم الكلام لأن قوله وفاؤكما كالربع مبتدأ وخبر وخبر المبتدأ يؤذن بتمام الكلام ولا يجوز أن يتعلق بالمبتدأ بعد الإخبار عنه شيء وقد قال بأن تسعدا ولا يجوز أن يتعلق بالوفاء ولكنه يتعلق بقولٍ يدل عليه قوله وفاؤكما فكأنه قال وفيتما بأن تسعدا وقال ابن جنى في معنى هذا البيت كنت أبكى الربع وحده فصرت أبكى وفاءكما معه ولذلك قال وفاءكما أي كلما ازددت بالربع ووفائكما وجدا ازددت بكاء هذا كلامه وعلى ما ذكر شبه وفاءهما بالربع لأنه يحتاج إلى البكاء على وفائهما وعلى الربع بدمع ساجم وذلك قوله والدمع اشفاه ساجمه والذي ذكرنا أولا أقرب من هذا الذي ذكره أبو الفتح وهو جائز يحتمله البيت ويروي والدمع بالكسر عطفا على الربع وعلى هذا التشبيه وقع بهما في حالتين يقول وفاؤكما كالربع الدارس في الأدواء إذا لم نجريا عليه الدمع الساجم وفي الشفاء إذا أجريتما عليه.
وما أنا إلا عاشق كل عاشقٍ ... أعق خليليه الصفيين لائمه
أخبر عن نفسه بالعشق بلفظ مؤكد لهذا الوصف ولو قال أنا عاشق جاز ولكن هذا أبلغ وأتم ثم ابتدأ فقال كل عاشق له خليلان صفيان فاعقهما في الخلة من لامه في هواه وفي هذا تعريض بالنهي عن اللوم يعني أن من لامني منكما على البكاء والجزع اعتقدت فيه العقوق فكان لائمكما اعقكما ومعنى الاعق ههنا العاق كقول الفرزدق، أن الذي سمك السماء بنى لنا، بيتاً دعائمه أعز وأطول، وكما قال جبان بن قرط، خالي بنو أوسٍ وخال سراتهم، أوس فأيهما أدق وألأم، أي فأيهما الدقيق واللئيم وليس يريد أن الدقة واللوم اشتملا عليهما معا ثم زاد أحدهما على صاحبه وقد يطلق هذا اللفظ وليس يراد به الاشتراك كقوله تعالى أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا ولا خير في مستقر أهل النار ولا حسن كذلك جاز أن يقول أعق خليليه وإن لم يكن للممسك عن اللوم صفة عقوقٍ والرفع في كل عاشق رواية ابن جنى وقال ابن فورجة كل نصب على أنه المفعول من عاشق يريد أني أعشق كل عاشقٍ مصفٍ يعد خليله العاق من لامه في هواه
وقد يتزيا بالهوى غير أهله ... ويستصحب الإنسان من لا يلائمه
التزيي تكلف الزي وهو اللباس والهيئة وفي هذا البيت تعريض بصاحبيه أنهما ليسا من أهل الهوى وان تكلفاه واتسما به يقول قد يتكلف الإنسان الهوى وليس من أهله وتعريض أيضا فيه باتهما ليسا من أهل الصحبة حيث قال قد يسأل الإنسان الصحبة من لا يكون موافقا له في احواله وهذا يدل على أن صاحبيه لم يفيا بما عاهدا من الإسعاد.
بليت بلى الأطلال إن لم أقف بها ... وقوف شحيحٍ ضاع في الترب خاتمه
стр. 189
يدعو على نفسه بأن يبلى كما بلى الأطلال أن لم يطل وقوفه بها طول وقوف البخيل الذي ضاع خاتمه في التراب وأورد ابن جنى على هذا سؤالا فقال ليس في وقوف الشحيح على طلب الخاتم مبالغة يضرب بها المثل واجاب عن هذا بأن قال العرب كما تبالغ في وصف الشيء وتجوز الحد فقد تقتصر أيضا وتستعمل المقاربة قال وهذا بعينه قد جاء في الشعر الفصيح فضربت العرب المثل به في الحيرة وهو قول الراجز، فهن حيرى كمضلات الخدم، هذا كلامه وقال أبو الفضل العروضي لم يلتزم هذا السؤال بل نقول لم يرد أبو الطيب قدر وقوف الشحيح بل أراد صورة وقوفه فشبه هيئة وقوف نفسه بهيئة وقوف الشحيح وذلك أن الشحيح إذا طلب الخاتم احتاج إلى الأنحناء ليقع بصره على الخاتم ولو كان بدل الخاتم شيئا أعظم منه كالخلخال والسوار لكان يطلبه عن قيامٍ فلا يحتاج إلى الإنحناء ولو كان صغيرا كالشذرة والدرة لكان يطلبه قاعدا فهو يقول أن لم أقف بها منحنيا لوضع اليد على الكبد والإنطواء عليها كوقوف الشحيح الطالب الخاتم ويشهد بصحة هذا المعنى قول ابن هرمة يذم بخيلا، نكس لما أتيت سائله، وأعتل تنكيس ناظم الخرز، فشبه حالته وهيئته بهيئة من ينظم الخرز في الاطراق وتنكيس الرأس على أنا نقول أن التزمنا هذا السؤال قد يبلغ من قيمى الخاتم ما يحق للشحيح أن يطول وقوفه على طلبه فقد يكون حلقا يحبس به ويطلق ويقتل وربما كان خاتما لخزائن الأموال كثير معان سوى هذا انتهى كلامه ونقول أيضا في جواب هذا السؤال أن وقوف الشحيح وان كان لايطول كل الطول فقد يكون أطول من وقوف غيره فجاز ضرب المثل به كقول الشاعر، رب ليل أمد من نفس العاشق طولا قطعته بانتحاب، وقد علمنا أن اقصر ليل اطول من نفس العاشق ولكن لما كان نفس العاشق أمد من نفس غيره جاز ضرب المثل به وأن لم يبلغ النهاية في الطول وكذلك قول الآخر، وليل كظل الرمح قصر طوله، دم الزق عنا واصطفاق المزاهر، لما كان ظل الرمح أطول من ظل غيره جعله الغاية في الطول وذكر ابن فورجة ان بعضهم روى وقوف شجيج صاع في الترب خاتمه قال والشجيج الوتد الذي شج رأسه وصاع بمعنى تفرق أي صارت له عروق في الثرى وعلق وقد تورق الأوتاد وعمد الخيام وخاتمه بمعنى ثابته ومقيمه وهذا تكلف ولا يكون صاع بمعنى تفرق.
كئيباً توقاني العواذل في الهوى ... كما يتوقى ريض الخيل حازمه
الكئيب الحزين وهو حال من قوله أقف بها وتوقاني معناه تباعدني وتجتنبني والريض الصعب الذي لم يرض والحازم الذي يشده بالحزام يقول العواذل اللاتي يعذلنني في الهوى يحذرن جانبي وابائي عليهن كما يحذر حازم الريض من الخيل جماحه أن يصيبه بعض أو رمح
قفى تغرم الأولى من اللحظ مهجتي ... بثانيةٍ والمتلف الشيء غارمه
يقول للحبيبة قفي ساعةً تغرم اللحظة الأولى مهجتي باللحظة الثانية والمعنى أني نظرت إليك نظرة أتلفتني فقفي لتغرم تلك النظرة مهجتي التي أتلفتها بنظرة ثانية تحييني وترد مهجتي يعني أنه أن نظر إليها ثانيا عاش وعادت حياته ثم قال ومن أتلف شيئا لزمه الغرم وتغرم في موضع الجزم جوابا للأمر بالوقوف والأولى في موضع الرفع لأنها هي الفاعلة وأخذ بعضهم هذا المعنى فقال، يا مسقما جسمي بأول نظرةٍ، في النظرة الأخرى إليك شفاءي، وروى الخوارزمي تغرمي بالياء وأصله تغرمين على مخاطبة الحبيبة والمهجة كناية عن الحبيبة يقول قفي يا مهجتي تغرمي النظرة الأولى التي حرمتنيها بنظرةٍ ثانيةٍ إليك فالأولى على هذه الرواية في موضع النصب بتغرمي ثم قال ومن أتلف شيئا غرمه أي أنت أتلفت عليّ النظرة التي رمتها منك أولا فاغرميها بنظر ثان والقول هو الأول
سقاك وحيانا بك الله إنما ... على العيس نور والخدور كمائمه
جعل هؤلاء النسوة نورا في حسنهن وصفاء لونهن وطيب رائحتهن وجعل الخدور لهن بمنزلة الكمائم للنور ولما جعلهن نورا بنى على هذا اللفظ السقى والتحية فإن النور نضرته بالماء وجرت العادة بان يحيى بعض الناس بعضا بالأنوار والرياحين فيناوله شيئا منها ومعنى حيانا بك الله كفانا بكل الله تعالى وحيانا بك وقد كشف السريّ الموصلي عن هذا المعنى بقوله، حيى به الله عاشقيه فقد، أصبح ريحانةً لمن عشقا،
وما حاجة الأظعان حولك في الدجى ... إلى قمرٍ ما واجد لك عادمه
стр. 190
يقول أي حاجة لهؤلاء النسوة اللاتي معك في السفر إلى القمر بالليل فإن من وجدك لم يعدم القمر والمعنى أنها في الدجى تقوم مقام القمر وهو من قول البحتري، أضرت بضوء البدر والبدر طالع، وقامت مقام البدر لما تغيبا، وقول الآخر، إن بيتاً أنت ساكنه، غير محتاجٍ إلى السرج،
إذا ظفرت منك العيون بنظرةٍ ... أثاب بها معيى المطي ورازمه
الرازم والرازح الذي قد قام من الإعياء فلا يبرح والمعنى أن الإبل الرازحة التي كلت وعجزت عن المشي إذا نظرت إليك عاشت أنفسها وعادت قوتها فكيف بنا وهذا تأكيد للمعنى الأول في قوله تغرم الأولى البيت ويقال أثاب فلان إذا ثاب إليه جسمه وصلح بدنه ومعنى قوله العيون كل عين يقول إذا ظهرت للناظرين صلحت حال المطايا وهي لا تعقل بالنظر إليك فما الظن بنا وحياتنا برؤيتك وهذا كله معنى قول ابن جنى أن الإبل الرازحة إذا نظرت إليك عاشت أنفسها فكيف بنا وقال ابن فورجة إنما يعني بالمطي أصحابها والإبل لا فائدة لها في النظرإلى هذه المحبوبة وإن فاقت حسنا وجمالا وإنما ركابها يرون بذلك والقول ما قاله أبو الفتح لأن الإبل التي لا عقل لها يتاثر فيها النظر على مقتضى المبالغة والتعمق في المعنى لا على الحقيقة كعادة الشعراء في المبالغة وذكر المطي على اللفظ كتذكير النخل والسحاب وما اشبههما من الجمع
حبيب كأن الحسن كان يحبهُ ... فآثره أو جار في الحسن قاسمه
يقول هذا الحبيب منفرد بالحسن لا حظ لغيره فيه فكان الحسن أحبه فاستخلصه لنفسه دون غيره أو من قسم الحسن بين الناس جار فأعطاه جميع الحسن وحرمه غيره من الناس
تحول رماح الخط دون سبائه ... وتسبي له من كل حيٍّ كرائمه
ذكر أنه منيع عزيز يحفظ بالرماح فلا يقع عليه سباء لأن رماح قومه تمنع دون ذاك كما قال، بصم القنا يحفظن لا بالتمائم، وكرائم كل حيٍّ تسبى له وتجبى إليه ليخدمنه ويروى تجول بالجيم والحاء أشبه بالمعنى.
ويضحى غبار الخيل أدنى ستوره ... وآخرها نشر الكباء الملازمه
الكباء العود الذي يتبخر به ونشره رائحته يقو لأدنى ستر إليك أيها الطالب الوصول إليه غبار الخيل وأبعد ستر عنك نشر الكباء الذي يلزمه يريد أن دخان العود الذي يتبخر به كثر عنده حتى قد صار كالحجاب بينه وبين من يطلبه ويروي أولها نشر الكباء يعني أول ستر دونها مما يليها ويمكن أن يقلب هذا فيقال أدنى سترٍ إليها من الستور دونها غبار الخيل وأبعد سترٍ عنها نشر الكباء يعني أن غبار الخيل كثر حتى وصل إليها فصار أدنى ستر منها دونها وكذلك أرتفع دخان العود حتى تباعد منها الدخان فصار آخر ستر دونها وهذا اشبه بطريقة المتنبي في أيثاره المبالغة.
وما استغربت عيني فراقاً رأيته ... ولا علمتني غير ما القلب عالمه
يذكر كثرة ما لقي من صروف الدهر وما مني به من فراق الأحبة حتى لا يستغرب فراقا رآه ولا تريه عينه شيئا لم يعلمه قلبه والمصراع الأول من قول طفيل، وما أنا بالمستنكر البين إنني، بذي لطف الجيران قدما مفجع، والثاني من قول عديّ بن الرقاع، وعرفت حتى لست أسأل عالما، عن حرف واحدةٍ لكي أزدادها، ومثله لأبي الطيب، عرفت الليالي قبل ما صنعت بنا، فلما دهتني لم تزدني بها علما، ومثله للأعور الشني، لقد أصبحت ما أحتاج فيما، بلوت من الأمور إلى السؤال،
فلا يتهمني الكاشحون فإنني ... رعيت الردى حتى حلت لي علاقمه
يقول لا يتهمني الأعداء بالخوف من الردى والجزع من الفراق فإني قد ذقت المرارات حتى أعتدت ذوقها فلا استمرها والعلقم أشد الأشياء مرارةً وهو لا يحلو لأحد ولكن من اعتاد ذوقه لم يصعب عليه مرارته فكأنه قد حلا له ومعنى رعيت الردى رعيت أسباب الردى من المخاوف والمهالك وكنى بالعلاقم عن المرارات ولهذا قال رعيت لأن العلقم مما يرعى والمعنى أني لا أجزع من الفراق وأن عظم أمره واشتدت مرارته لاعتيادي ذلك كقول الآخر، وفارقت حتى ما أبالي من النوى، وإن بان جيران عليّ كرامُ، وقول المؤرخ، روعت بالبين حتى لا أراع له، وبالمصائب في أهلي وجيران، وهذا المعنى ظاهر في قول الخريمي، لقد وقرتني الحادثات فما أرى لنازلةٍ من ريبها أتوجع،
مشب الذي يبكي الشباب مشيبه ... فكيف توقيه وبانيه هادمه
стр. 191
يقول الذي يجزع على فقد الشباب إنما أشابه من اشبه والشيب حصل من عند من حصل منه الشباب فلا سبيل إلى التوقي من المشيب لأن امره بيد غيره
وتكلمة العيش الصبي وعقيبه ... وغائب لون العارضين وقادمه
يقول تمام العيش هو الصبي اولا ثم ما يتعقبه من بلوغ الأشد حتى يكون يافعا ومترعرعا إلى أن يختلف إلى عارضيه لونا بياضٍ وسوادٍ وغائب لون العارضين هو البياض والقادم هو السواد السابق إلى العارض ويجوز أن يريد بالقادم الشيب من قدم يقدم إذا ورد وبالغائب السواد ال١ي غاب بقدوم البياض ويجوز أ، يكون غائب لون العارضين لون البشرة حين يغيب عنها سواد الشعر وبياضه والقادم هو لون الشعر من سوادٍ الشعر النابت وهذا هو الأولى لأنه يجعل تمام العيش أن يكون الإنسان صبيا ثم مترعرعا ثم يافعا ثم نبت شعره فيكون شابا ولم يجعل الشيب من تكملة العيش لأن، من شاب في الناس مات حيا، يمشي على الأرض مشى هالك، لو كان عمر الفتى حسابا، لكان في شيبه فذلك، وبيت المتنبي من قول ابن الرومي، سلبت سواد العارضين وقبله، بياضهما المحمود إذا أنا أمرد،
وما خضب الناس البياض لأنه ... قبيح ولكن أحسن الشعر فاحمه
يقول البياض في الشعر حسن ولم يخضب البياض لأنه مستقبح ولكن السواد أحسن منه فالخاضب إنما يطلب الأحسن من لوني الشعر.
وأحسن من ماء الشبيبة كله ... حيا بارقٍ في فازة أنا شائمه
أراد بماء الشبيبة نضارتها وحسنها والبارق السحاب ذو البرق والفازة شراع ديباج نصب لسيف الدولة والشائم الناظر إلى البرق يرجو المطر يقول أحسن من الشباب مطر سحاب بارق أنا أنظر إليه يعني سيف الدولة جعله مطر سحاب لجوده وعموم نفعه وكنى بالشيم عن تعليق رجائه به بنتظار جوده وجمع له في هذا البيت بين ضروب من المدح الحسن والجود واستحقاق التأميل.
عليها رياض لم تحكها سحابة ... وأغصان دوح لم تغن حمائمة
وفوق حواشي كل ثوبٍ موجهٍ ... من الدر سمط لم يثقبه ناظمه
يصف تلك الفازة بأنها مصورة بصورة رياضٍ وأشجارٍ غير أنها ليست مما انبتته السحاب وحاكته وأغصان تلك الأشجار لا تتغنى حمائمها لأنها صور غير ذات روح
وفوق حواشي كل ثوبٍ موجهٍ ... من الدر سمط لم يثقبه ناظمه
الموجه من كل شيء ذو الوجهين وأراد بسمط الدر الدوائر البيض على حاشية تلك الأثواب التي اتخذت منها الفازة شبهها بالدر لبياضها غير أن من نظمه لم يثقبه لأنه ليس بدرٍ حقيقي
ترى حيوان البر مصطلحا بها ... يحارب ضد ضده ويسالمه
هذه الفازة كانت مصورة باجناس الحيوان يقول تراها مصطلحة بهذه الفازة وعادتها التفارس والتهارش وهي مصالحة لأنها نقوش وأراد بالمحاربة أنها نقشت في صورة المحارب ومعنى المسالمة أنها جماد لا روح فيها فتقاتل.
إذا ضربته الريح ماج كأنه ... تجول مذاكيه وتدأى ضراغمهْ
المذاكي المسنة من الخيل وتدأى معناه تختل يقال دأوت له ودأيت أدأى أي ختلته وروى بالذال ومعناه تطرده يقال ذأي الإبل ذأوا إذا طردها يقول إذا طربت الريح هذا الثوب تحرك كأنه يموج وكأن الخيل التي صورت عليه جائلة وكأن أسوده تختل الظباء لتصيدها وتطردها لتدركها
تقبل أفواه الملوك بساطه ... ويكبر عنها كمه وبراجمه
يقول الملوك يخدمونه بتقبيل بساطه ولا يبلغون أن يقبلوا كمه أو يده لأنه اعظم شأنا من ذلك.
قياما لمن يشفى من الداء كيه ... ومن بين أذني كل قرمٍ مواسمه
قياما مصدر لم يذكر فعله كأنه قال قاموا قياما يريد أنهم قاموا بين يديه وكنى بالكي عن ضربه وطعنه ولذعة حربه وبالداء عن غوائل الاعداء ومعنى البيت أنه يرد بالطعن والضرب من عصاه إلا طاعته كما يرد من به داء إلى الصحة بالكي والمواسم جمع الميسم وهو ما يوسم به ويقال أيضا المباسم بالباء على لفظ المبسم وهذا مثل يضرب به يريد أن كل ملك عظيم قد ذلك له وبان عليه أثر قهره إياه
قبائعها تحت المرافق هيبة ... وأنفذ مما في الجفون عزائمه
القبائع جمع القبيعة وهي حديدة فوق مقبض السيف ولم يجر لها ذكر يقول قاموا عنده متكئين على قبائع سيوفهم هيبةً له وتعظيما ثم قال عزائمه أنفذ من نصال السيوف وهي ما في الجفون.
له عسكرا خيلٍ وطيرٍ إذا رمى ... بها عسكرا لم يبق إلا جماجمه
стр. 192
يقول له عسكران خيله والطير التي تطير معها للوقوع على القتلى فإذا رمى عسكرا بعسكره لم يبق إلا عظام الجماجم لأن عسكر الخيل يقتلهم وعسكر الطير يأكلهم والطير في بها يعود إلى الخيل والطير جميعا
أجلتها من كل طاغٍ ثيابه ... وموطئها من كل باغٍ ملاغمه
الملاغم ما حول الفم وهي موضع اللغام يقول أجلة خيلة ثياب كل طاغٍ من ملوك الروم ومواطىء حوافرها وجه كل باغ منهم.
فقد مل ضوء الصبح مما تغيره ... ومل سوادُ الليلِ مما تزاحمهْ
أراد ما تغير فيه فحذف الجار ووصل الهاء كقول الراجز، في ساعةٍ تحبها الطعاما، أي تحب فيها الطعام وكانوا يغيرون وقت الصبح ليتغفلوا القوم ولذلك كانوا يقولون عند الغارة وا صباحاه يقول لكثرة غاراتك في وقت الصبح قد مل الصبح منها ومل الليل من مزاحمتك أياه وهو أن يبلغ كل موضع يبلغه الليل هذا هو المعنى المعروف لهذا البيت والتاء في تغيره وتزاحمه يجوز أن تكون للخطاب ويجوز أن تكون للخيل وقيل في معنى هذا البيت تغيره تحمله على الغيرة مما يزيد على بياضه بريق اسلحتك وتزاحم الليل فتذهب ظلمته بضوء أسلحتك.
ومل القنا مما تدق صدوره ... ومل حديد الهند ما تلاطمه
يقول ملت رماح الأعداء من دقك أعاليها وملت سيوفهم من ملاطمتك إياها وأراد بالملاطمة مقابلتها بالترسة والمجان فذلك ملاطمة بينهما ويجوز أن يريد رماح خيله وسيوفها على ان ترفع الصدور يقول ملت رماحك من كثرة ما تدق صدورها اعداءك وملت سيوفك من الشيء الذي تلاطمه لكثرة وقعها عليه.
سحاب من العقبان يزحف تحتها ... سحاب إذا استسقت سقتها صوارمه
جعل العقبان التي تطير فوق خيله سحابا وجعل خيله أيضا سحابا لما فيها من بريق الأسلحة وصب الدماء وصوت الأبطال وجعل الأسفل يسقي الأعلى أغرابا في الصنعة وهذا المعنى وهو صحبة الطير للجيش كثير في الشعر قال الأفوه الأودى، وترى الطير على آثارنا، رأى عين ثقة أن ستمار، معناه تعطى الميرة بما تجد من لحوم القتلى ومثله قول النابغة، إذا ما غزوا بالجيش حلّق فوقهم، عصائب طير تهتدى بعصائب، وقال أبو نواس، تتأيّا الطير غدوته، ثقة بالشبع من جزره، وبيت المتنبي من قول أبي تمام، وقد ظللت عقبان أعلامه ضحى، بعقبان طير في الدماء نواهل، أقامت من الريات حتى كأنها، من الجيش إلا أنها لم تقاتل،
سلكت صروف الدهر حتى لقيته ... على ظهر عزم مؤيدات قوائمه
أي خضت حوادث الدهر حتى لقيت سيف الدولة يصف كثرة ما عانى من الحوادث حتى بلغه وجعل عزمه مركوبه لأنه بعزمه يسافر واستعار له ظهرا لما كان محمول عزمه ولما استعار له الظهر استعار له القوائم وجعلها مؤيدات مقويات من آيده إذا قواه
مهالك لم تصحب بها الذئب نفسه ... ولا حملت فيها الغراب قوادمه
نصب مهالك كأنه أبدلها من الصروف وليس إنتصابها على البدل لأنها لا تكون من صروف الدهر في شيء ولكنها منتصبة بفعل دل عليه معنى الكلام كأنه قال قطعت مهالك لو سلكها الذئب لم تصحبه روحه لأنه يموت فيها جرعا وكذلك الغراب لا يقطعها وخص هذين لأنهما يألفان القفار والمواضع البعيدة من الناس ولهذا يقال لهما الأصرمان وإذا لم يقطعاها فغيرهما أعجز
فأبصرت بدرا لا يرى البدر مثله ... وخاطبت بحراً لا يرى العبر عائمه
يقول أبصرت من سيف الدولة بدرا في الصباحة والطلاقة لا يرى بدر السماء مثله مع اطلاعه على الدنيا كلها وخاطبت منه بحرا لا يرى السابح فيه ساحله
غضبت له لما رأيت صفاته ... بلا واصف والشعر تهذي طماطمه
الطماطم جمع الطمطم وهو الذي لا يفصح يقول لما رأيت صفاته لا واصف لها مع كثرة طماطم الشعر يعني الشعراء الذين يمدحونه فغضبت لأجله وسبب غضبه قصور شعرائه عن بلوغ وصفه
وكنت إذا يممت أرضا بعيدة ... سريت فكنت السر والليل كاتمه
يقول كنت إذا قصدت أرضا بعيدة سريت بالليل مشتملا بالظلام كأني سر والليل يكتم ذلك السر وهذا منقول من قول البحتري، وطيك سر لو تكلف طيه، دجى الليل عنا لم تسعه ضمائره، وأخذ الصاحب هذا المعنى فقال، تجشمته والليل وحف جناحه، كأني سر والظلام ضمير،
لقد سل سيف الدولة المجد معلما ... فلا المجد مخفيه ولا الضرب ثالمه
стр. 193
يقول هو سيف سله المجد يعني أن الشرف ومعالي الأمور تستعمله وتحمله على قتال الأعداء فلا يغمده المجد بعد أن سله ولا يثلمه الضرب لأنه ليس سيفا من حديد يتثلم بالضرب
على عاتق الملك الأعز نجاده ... وفي يد جبار السموات قائمه
عنى بالملك الأعز الخليفة يقول هو سيف يتقلده الخليفة ويمضيه الله تعالى في أعداء دينه فهو زين الخليفة ناصر لدين الله تعالى ومثله لأبي تمام، لقد حان من يهدي سويداء قلبه، لحدّ سنان في يد الله عامله، ومثله لأبي الطيب، فأنت حسام الملك والله ضارب، وأنت لواء الدين والله عاقد،
تحاربه الأعداء وهي عبيده ... وتدخر الأموال وهي غنائمه
يقول أعداءه يحاربونه وهم عبيده لأنه يسبيهم فيسترقهم ويملك رقابهم وما يدخرونه من الأموال غنائمه لأنه يحتويها بالإغارة عليها
ويستكبرون الدهر والدهر دونه ... ويستعظمون الموت والموت خادمه
يقول هم يعدون الدهر كبير الأمر عظيم الشأن لاتيانه بحوادث الخير والشر والدهر دونه لأنه طوع له ويستعظمون الموت لأنه أعظم حادث والموت خادمه لأنه يطيعه في أعدائه
وإن الذي سمى عليا لمنصف ... وإن الذي سماه سيفا لظالمه
يقول أن الذي سماه عليا فقد سماه بما يستحقه من الوصف بالعلو وقد أنصفه والذي سماه سيفا فقد ظلمه لأن السيف وإن عظم أثره فهو جماد ولأن السيف لا يقطع ما يقطعه
وما كل سيف يقطع الهام حده ... وتقطع لزبات الزمان مكارمه
ذكر فضله في هذا البيت على السيف يقول قد ينبو حد السيف عن قطع الهام ومكارم الممدوح تذهب شدائد الزمان وتقطعها عن البرية فمن أين يشبه فعله فعل السيف حتى يطلق عليه اسمه قال يمدح سيف الدولة وقد عزم على الرحيل عن انطاكية
أين أزمعت أيهذا الهمام ... نحن نبت الربى وأنت الغمام
الازماع العزم على الأمر يقول أين أزمعت أن تسير أيها الملك ونحن الذين لا عيش لنا إلا بك وإذا فارقتنا لم نعش كنبات الربى لا يبقى إلا بالغمام لأنه لا شرب له إلا من مائه وغير نبات الربى يمكن أن يجري إليه الماء وهذا من قول الآخر، نحن زهر الربى وجودك غيث، هل بغير الغيوث يورق زهر،
نحن من ضايق الزمان له في ... ك وخانته قربك الأيام
يقول نحن الذين تضايقهم الأيام في قربك فتبخل عليهم بك فتحرمهم لقاءك وتاعد بينهم وبينك وتخونهم في القرب منك والإشارة في هذا إلى أن الزمان يحبه ويعشقه فيغار على قربه ويريد أن ينفرد به دون الناس وهذا معنى معروف قد ذكرته الشعراء كما قال محمد بن وهيب، وحاربني فيه ريب الزمان، كأن الزمان له عاشق، وقوله ضايق الزمان له فيك قال أبن جنى اللام في له زائدة للتأكيد كقوله تعالى ردف لكم وللرؤيا تعبرون قال ابن فورجة يريد نحن من ضايقه الزمان فحذف الراجع إلى الموصول والهاء في قوله له راجعة إلى الزمان يقول نحن الذين ضايقهم الزمان لنفسه ولأجله فيك أي لتكون له دونهم كما تقول هم الذين رضيهم عمر له أي لنفسه وإلحاق اللام بالمفعول قبيح جدا وذلك من لفظ البغداديين
في سبي العلى قتالك والسل ... م وهذا المقام والإجذام
الاجذام الإسراع ومنه قول طرقه، أحلت عليها بالقطيع فأجذمت، يقول أفعالك كلها مقصورة على العلى قاتلت أو سالمت أقمت أم سرت فقصدك في جميع ذلك طلب العلى
ليت أنا إذا ارتحلت لك الخي ... ل وأنا إذا نزلت الخيام
أي ليتنا معك نتحمل عنك المشقة في مسيرك ونزولك في سفرك هذا معنى البيت ولكنه أساء حيث تمنى أن يكون بهيمة أو جمادا ولا يحسن بالشاعر أن يمدح غيره بما هو وضع منه فلا يحسن أن تقول ليتني امرأتك فاخدمك
كل يوم لك ارتحال جديد ... ومسير للمجد فيه مقام
يقول يحث لك في كل يوم سفر جديد وذلك دليل على بعد الهمة كما قال تأبط شراً، كثير الهوى شتى النوى والمسالك، وكل يوم لك سير يقيم المجد عندك في ذلك السير لأن ذلك السير لطلب المجد أو لأن المجد مقيم معك حيثما كنت كما قال الطائي، كلما زرته وجدت لديه، نشبا ظاعنا ومجدا مقيما، وكما قال الأزدي، المجد صاحبك الذي حالفته، أبدا فروضته المريع مرتعك، فإذا رحلت سريت تحت ظلاله، وإذا ربعت ففي ذراه مربعك،
وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام
стр. 194
أي إذا عظمت الهمة وكبرت النفس تعب الجسم في تحصيل مرادها وذلك أن الهمة العالية تعني الجسم في طلب معالي الأمور ولا ترضى بالمنزلة الدنية فتطلب الرتبة الشريفة كما قال، وإن عليات الأمور مشوبة، بمستودعات في بطون الأساود، وأخذ هذا المعنى أبو القاسم بن الحريش في قوله، فيا من يكد النفس في طلب العلى، إذا كبرت نفس الفتى طال شغله،
وكذا تطلع البدور علينا ... وكذا تقلق البحور العظام
يقول هكذا عادة البدر يغرب تارة ويطلع تارة وكذا البحر يموج ويضطرب ويتحرك وكذلك أنت تقلق في الأسفار وتتحرك فيها والمعنى أنك بدر وبحر فعادتك عادتها
ولنا عادة الجميل من الصب ... ر لو أنا سوى نواك نسام
يقول لو كلفنا غير فراقك لصبرنا صبرا جميلا كعادتنا منه غير إنا لا صبر لنا في بعدك ولا طاقة لنا بإحتمال نواك قال أبو تمام، والصبر يحسن في المواطن كلها، إلا عليك فإنه مذموم،
كل عيش ما لم تطبه حمام ... كل شمس ما لم تكنها ظلام
أي كل عيش لم تطبه بقربك فهو موت وكل شمس ظلمة إذا لم تكن تلك الشمس والمراد بهذا تنغص عيشه بعده وإظلام ايامه بفراقه
أزل الوحشة التي عندنا يا ... من به يأنس الخميس اللهام
يقول أقم عندنا لتزيل الوحشة عنا يا من يأنس الجيش العظيم لقوتهم بمكانه فهم وإن كثروا يأنسون بك ثقة بشجاعتك واللهام الجيش سموا به لالتهامهم كل شيء
والذي يشهد الوغى ساكن القل ... ب كأن القتال فيها ذمام
أي أنت تحضر الحرب رابط القلب غير مضطرب الجأش كأن القتال عاهده على أن لا يقتل فهو يسكن إلى القتال سكونه إلى الذمام وهذا من قول الطائي، متسرعين إلى الحتوف كأنما، بين الحتوف وبينهم أرحام،
والذي يضرب الكتائب حتى ... تتلاقى الفهاق والأقدام
الفهاق جمع الفهقة وهي مركب الراس في العنق يقول الذي يضرب الجيوش بسيفه ويقطع أعناقهم حتى تتلاقى مع الأقدام
وإذا حل ساعة بمكان ... فأذاه على الزمان حرام
أي وإذا نزل ساعة بمكان صار ذلك المكان في ذمته فلا تنزل به الحوادث ولا يصيبه الزمان بأذى من جدب وقحط
والذي تنبت البلاد سرور ... والذي يمطر السحاب مدام
أي الذي تنبته بلاد ذلك المكان الذي حللت به سرور أي يقيم السرور والطرب بذلك المكان إذا حللت به
كلما قيل قد تناهى أرانا ... كرما ما اهتدت إليه الكرام
أي كلما قال الناس قد بلغ النهاية في الكرم ابدع كرما لم يهتد إليه من قبله من الكرام كما قال البحتري، طلوب لأقصى غاية بعد غاية، إذا قيل يوما قد تناهى تزيدا،
وكفاحا تكع عنه الأعادي ... وارتياحا تحار فيه الأنام
أي وأرانا قتالا يجبن عنه العداء واهتزازا للجود يتحير في الخلق
إنما هيبته المؤل سيف ال ... دولة الملك في القلوب حسام
يقول هيبته في القلوب تقوم مقام السيف فلا يحتاج إلى استعمال السيف لأنه مهيب تهابه الأعداء فلا يقدمون عليه فيحتاج إلى دفعهم عن نفسه بالسيف
فكثير من الشجاع التوقي ... وكثير من البليغ السلام
أي إن توقاه الشجاع وحفظ نفسه منه فذلك منه كثير والبليغ إن أمكنه أن يسلم عليه فذلك غاية بلاغته وقال عند مسير سيف الدولة من انطاكية وقد كثر المطر
رويدك ايها الملك الجليل ... تأن وعده مما تنيل
تأن تمكث ويروى تأني ومعناه تحبس يقول أمهل سيرك وأخره وأجعل ذلك من جملة ما تعطيه يعني أنا نعده عطاء منك لو أقمت ساعة وهو قوله بعده
وجودك بالمقام ولو قليلا ... فما فيما تجود به قليل
يقول جد جودك بالمقام أي بالإقامة ولو فعلته قليلا ويجوز ولو جودا قليلا فيكون نعت مصدر محذوف فليس فيما تعطيه قليل يعني أن ما كان من جهتك فهو كثير وإن قل كما قال ابن الطثرية، أليس قليلا نظرة إن نظرتها، إليك وكلا ليس منك قليل، وكما قال اسحاق الموصلي، أن ما قل منك يكثر عندي، وكثير ممن تحب القليل، وكقول أشجع السلمى، وقوفا بالمطى ولو قليلا، وهل فيما تجود به قليل، عسى يطفي الوداع عليك شوقي، وهل مع الشوق الغليل،
لأكبت حاسدا وأرى عدوا ... كأنهما وداعك والرحيل
يقول جد بالمقام لا كبت من يحسدني قربك وأوجع رئة عدوي ثم شبه الحاسد والعدو بوداعه وارتحاله لأنهما ينكيان في قلبه ويوجعانه
стр. 195
ويهدأ ذا السحاب فقد شككنا ... أتغلب أم حياه لكم قبيل
أي يسكن ذا السحاب من المطر فقد شككنا أتغلب قبيلتكم أم حيا هذا السحاب أي لكثرة قبيلتكم قد تشابها وهو لم يشك وإنما أتى بهذا مبالغة في وصف تغلب والمطر بالكثرة
وكنت أعيب عذلا في سماح ... فها أنا في السماح له عذول
يقول كنت فيما مضى أعيب الملامة في الجود وقد صرت الآن عذولا له لافراطه في السماح والمعنى من قول الطائي، عطاء لو اسطاع الذي يستميحه، لأصبح من بين الورى وهو عاذل، وشبيه به قول البحتري، إلى مسرف في الجود لو أن حاتما، لديه لأضحى حاتم وهو عاذله،
وما أخشى نبوك عن طريق ... وسيف الدولة الماضي الصقيل
يقول لا أخشى أن تعجز عن قطع طريق لأنك سيف دولة الإسلام وسيف الدولة لا يكون إلا ماضيا صقيلا ويجوز أن يكون قد رجع من الخطاب إلى الخبر كأنه قال وأنت الماضي الصقيل
وكل شواه غطريف تمنى ... لسيرك أن مفرقها السبيل
يقول كل جلدة رأس سيد شريف تمنى أنها سبيل لسيرك يعني لشرفك لا يستنكف السيد من وطئك رأسه بل تمنى ذلك تشرفا بك
ومثل العمق مملوؤا دماء ... مشت بك في مجاريه الخيول
العمق موضع عميق يقول رب مكان مثل المكان العميق قد امتلأ دما مشت بك الخيل في مجاري ذلك المكان يعني مجاري الدم إليه يريد المعركة وحيث تكثر القتلى حتى يجتمع الدم ويمتلئ به المكان
إذا اعتاد الفتى خوض المنايا ... فأهون ما يمر به الوحول
يقول إذ تعود الإنسان خوض المهالك التي هي أسباب المنايا لم يبال بالوحول وفي هذا إشارة إلى أن الوحل لا يمنعه عن السفر لأنه يخوض ما هو أشد من الوحل
ومن أمر الحصون فما عصته ... أطاعته الحزونة والسهول
يقول من كان حصون الأعداء تنفتح له مطيعة لم يعصه مكان من الحزن والسهل أي لم يمتنع عليه ولم يصعب عليه سلوكه
أتخفر كل من رمت الليالي ... وتنشر كل من دفن الخمول
هذا إستفهام تعجب يقول كل من نكبته الليالي وأصابته بالمحن تخفره وتجيره منها فتضمه إلى إحسانك ومن ستره الخمول نشرته من رمس الخمول فشهرته بإحسانك وإنعامك عليه
وندعوك الحسام وهل حسام ... يعيش به من الموت القتيل
يقول تسميك الحسام وعادة الحسام قطع الآجال وأنت حسام يعيش به القتيل يعني من قتله الفقر وأذله الزمان حتى أماته موت الفقر أعشته بجودك فعاش بك وقد فسر هذا فيما بعده فقال
وما للسيف إلا القطع فعل ... وأنت القاطع البر الوصول
يقول فعل السيف القطع فقط وقد اجتمع فيك الوصل والقطع لأنك تقطع الأعداء وتصل الأولياء
وأنت الفارس القوال صبراً ... وقد فنى التكلم والصهيل
يقول أنت الذي يصبر الجيش فتقول لهم اصبروا صبرا على عض الحرب وقد عظم الخطب واشتد القتال فلا يقدر الرجل على الكلام ولا الفرس على الصهيل
يحيد الرمح عنك وفيه قصد ... ويقصر أن ينال وفيه طول
يقول بلغت من مهابتك وشرفك أن الجماد يعرفك فالرمح يميل عنك مع أن فيه قصدا إذا طعن به غيرك ويقصر أن ينالك مع طوله هيبة منك وهذا كقوله، طوال قنا تطاعنها قصار،
ولو قدر السنان على لسان ... لقال لك السنان كما أقول
قد صرح في هذا البيت أن السنان لو قدر على الكلام لقال أنا أقصر عنك وأميل عنك لهيبتك وشرفك
ولو جاز الخلود خلدت فردا ... ولكن ليس للدنيا خليل
يقول لو جاز أن يخلد انسان لخلدت وحدك ولكن الدنيا لا تخلد أحدا وعادتها جرت بإفناء خلانها وفي هذا ذم للدنيا وأنها لا تبقي على أحد أي فلو علقت الدنيا لخلدتك وقال يرثي والدة سيف الدولة ويعزيه عنها في سنة سبع وثلثين وثلثمائة
نعد المشرفية والعوالي ... وتقتلنا المنون بلا قتال
المنون الدهر يذكر ويؤنث ويكون واحدا وجمعا يقول نعد السيوف والرماح ولا غناء لها مع الدهر لأنه يقتل من يقتله من غير قتال فإذن لا حاجة إليها
ونرتبط البسوابق مقربات ... وما ينجين من خبب الليالي
المقربات الخيل المدناة من البيوت إما لفرط الحاجة إليها وإما للضن بها لا ترسل إلى الرعي يقول نرتبط الخيل ثم لا تنجينا من سعي الليالي فإنها تقتلنا وتدركنا
ومن لم يعشق الدنيا قديما ... ولا كن لا سبيل إلى الوصال
стр. 196
يقول من الذي لم يعشق الدنيا فيما قدم من الزمان أي كل من الناس يهواها ولكن لا سبيل إلى دوام وصالها وهذا من باب حذف المضاف وكثير من عشاقها وأصلها وواصلته ولكنها لا تدوم على الوصال ورواه الخوارزمي إلى وصال
نصيبك في حياتك من حبيب ... نصيبك في منامك من خيال
يقول الحبيب الذي تراه في اليقظة وتستمتع به كأنك تراه في الحلم لأن ذلك الوصال ينقطع عن قريب بالموت كما ينقطع الاستمتاع بخيال الحبيبة عند الانتباه جعل العمر كالمنام والموت كالانتباه من المنام كما قال الطائي، ثم انقضت تلك السنون وأهلها، فكأنها وكأنهم أحلام،
رماني الدهر بالأرزاء حتى ... فؤادي في غشاء من نبال
يقول كثرت مصيبات الدهر علي واصابته قلبي بسهامه حتى صار في غلاف من السهام لتواليها عليه
فصرت إذا أصابتني سهام ... تكسرت النصال على النصال
أي وقد صرت الآن إذا رماني الدهر بسهامه لم تصل إلى قلبي لأنها لا تجد لها موضعا للإصابة بل تتكسر نصالها على النصال التي قبلها لأنها تصك بعضها بعضا وهذا تمثيل معناه أن الأرزاء توالت علي حتى هانت عندي والشيء إذا كثر اعتاده الإنسان وقد صرح بهذا فقال
وهان فماابالي بالرزايا ... لأني ما انتفعت بأن أبالي
يقول هان الدهر علي فلا احفل بمصائبه علما بأنه لا ينفع الحذر ولا المبالاة كما قال الخريمي، صبرت فكان الصبر خير مغبة، وهل جزع أجدى علي فأجزع، ويروي وها أنا ما أبالي
وهذا أول الناعين طرا ... لأول ميتة في ذا الجلال
يقول هذا الناعي أول الناعين جميعا لأول امرأة كانت في هذا الجلال يعني لم تمت امرأة قبلها أجل منها وروى ابن جنى لأول ميتة بفتح الميم يريد ميتة فخففت قال ابن فورجة الميتة كثر استعمالها بمعنى الجيفة كقوله تعالى حُرمت عليكم الميتة ولا يخاطب أبو الطيب سيف الدولة بمثل هذا في أمه والرواية بكسر الميم يعني الحال التي ماتت عليها وهذا الذي ذكره ابن فورجة غير ظاهر لأنه أراد أول الأموات ولم يرد أول الأحوال
كأن الموت لم يفجع بنفس ... ولم يخطر لمخلوق ببال
يستعظم موت هذه المرأة حتى كأن الناس لم يروا موتا ولم يخطر على قلب أحد وموت الكبراء يعظم عند الناس مع فشوّ الموت وعمومه
صلوة الله خالقنا حنوط ... على الوجه المكفن بالجمال
صلوة الله مغفرته ورحمته يدعو لها بأن تكون رحمة الله لها بمنزلة الحنوط للميت وجعل وجهها مكفنا بالجمال كأن الجمال كفن لوجهها وكأنه رحم الله وجهها الجميل
على المدفون قبل الترب صونا ... وقبل اللحد في كرم الخلال
أي على الشخص الذي كان مدفونا لصيانته قبل أن دفن في التراب وقبل أن غيب في اللحد كان مدفونا في كرم الخلال وهي الخصال الكريمة يريد أنها كانت مستورة قبل أن سترت بالتراب وكان كرم خلالها يعفها ويمنعها مما يقبح ذكره قبل أن حملت إلى اللحد
فإن له ببطن الأرض شخصا ... جديدا ذكرناه وهو بالي
بطن الأرض داخلها يقول شخصه في القبر بال وذكرنا له جديد يريد أنه يبلى في الأرض ولا يبلى ذكره
وما أحد يخلد في البرايا ... بل الدنيا تؤول إلى زوال
أطاب النفس أنك مت ... موتا تمنته البواقي والخوالي
أي مت في العز والعفاف فموتك كان موتا يتمنى مثله من بقي من النساء ومن مضت منهن كانت تتمنى مثله فهذا يسلينا عنك لأنك فزت بخير الدنيا والآخرة
وزلت ولم ترى يوما كريها ... تسر الروح فيه بالزوال
أي فارقتنا من غير لقاء كراهة تحبب الموت إليك وتنغص عيشك حتى تسر الروح بفراق البدن في مثل تلك الكراهة
رواق العز فوقك مسبطر ... وملك علي ابنك في كمال
يقول كنت في عز طويل وكمال ملك من ملك ابنك قال الصاحب ذكره الاسبطرار في مرثية النساء من الخذلان المبين قال ابن فورجة ولا خذلان فيما صح واستعمل كثيرا يريد أن الاسبطرار بمعنى الامتداد يستعمل كثيرا قال عمر ابن معدي كرب، جداول زرع خليت واسبطرت، سمعت أبا الفضل العروضي يقول سمعت أبا بكر الشعراني خادم المتنبي ورد علينا فقرأنا عليه شعره فانكر هذه اللفظة وقال قرأنا على أبي الطيب، رواق العز فوقك مستظل، قال العروضي وإنما غيره عليه الصاحب ثم عابه به وعلى هذا فقد سقط ثقل اللفظ وكراهة المعنى
стр. 197
سقى مثواك غادٍ في الغوادي ... نظير نوال كفك في النوالِ
مثواها حفرتها التي أقامت بها والغادي السحاب يغدو بالمطر سأل لها سقيا يشبه عطاءها من سحابٍ يشبه كفها.
لساحيه على الأجداث حفش ... كأيدي الخيل أبصرت المخالي
الساحي القاشر يقشر الأرض بشدة انصبابه والأجداث القبور قال أبو زيد يقال حفشت السماء تحفش حفشا إذا جادت بالمطر وقال ابن الأعرابي حفشت الأودية إذا سالت كلها وقد بالغ في وصف المطر حيث جعله في الحاحه على الأرض بالقشر كأيدي الخيل إذ رأت مخالي الشعير فإنها تنشط وتحفر الأرض بقوائمها وليس هذا من مختار الكلام ولا من المستحسن أني سأل السقيا لقبر بمطرٍ يحفره حفر أيدي الخيل قال ابن جنى الغرض في الدعاء للقبور بالغيث الانبات وما يدعو الناس إلى الحلول والإقامة به وهو مذهب العرب ألا ترى إلى قول النابغة، ولا زال قبر بين بصرى وجاسمٍ، عليه من الوسمي سح ووابل، فينبت حوذابا وعوفا منورا، سأتبعه من خير ما قال قائل، وكلما اشتد المطر كان أجم لنباته ومراع له.
أسائل عنك بعدك كل مجد ... وما عهدي بمجد عنك خالي
يقول لم أر مجدا خاليا منك أيام حياتك فأنا بعد وفاتك أسأل عنك كل مجد لأنك كنت صاحبته الملازمة له فأنا أطلبك منه كما يطلب الإنسان ممن طالت صحبته معه.
يمر بقبرك العافي فيبكي ... ويشغله البكاء عن السؤال
يقول إذا مر بقبرك السائل بكى وشغله البكاء عن المسألة وهذا منقول من قول البحتري، فلم يدر رسم الدار كيف يجيبنا، ولا نحن من فرط البكا كيف نسأل،
وما أهداك للجدوى عليه ... لو أنك تقدرين على فعالِ
يعني أن الموت حال بينها وبين العطاء ولولا ذلك لكانت تعطى وإن لم يسأل العافي
بعيشك هل سلوت فإن قلبي ... وإن جانبت أرضك غير سالي
يقسم عليها بحياتها فيقول لها هل سلوت عن حب النوال فإن قلبي وإن بعدت عنك غير سالٍ من نواك.
نزلت على الكراهة في مكانٍ ... بعدت على النعامي والشمالِ
النعامي أسم للجنوب سميت بذلك للينها ونعمتها في الهبوب يقول نزلت على كراهتنا لنزولك في مكان لا يصيبك فيه نسيم الرياح.
تحجب عنك رائحة الخزامى ... وتمنع منك أنداء الطلال
الخزامى نبت طيب والطلال جمع الطل وهو المطر يقول روائح الأزهار محجوبة عنك لا تصيبك وكذلك ندى الأمطار لأن المقبور ممنوع من هذه الأشياء التي ذكرها
بدارٍ كل ساكنها غريب ... طويل الهجر منبت الحبال
يعني بالدار القبر والمقبرة ومن سكنها فقد بعد عن أهله وعشيرته وطال هجره أياهم وانقطع وصاله عنهم.
حصان مثل ماء المزن فيه ... كتوم السر صادقة المقالِ
يقول في ذلك المكان امرأة عفيفة مثل ماء المزن في النقاء والطهارة كاتمة السر صادقة في القول.
يعللها نطاسي الشكايا ... وواحدها نطاسي المعالي
النطاسي الطبيب الحاذق في الأمور ويريد بواحدها ابنها الذي هو واحد الناس يقول يمرضها ويزيل علتها طبيب الأمراض يعني قبل موتها وابنها طبيب المعالي أي العالم بأدواء المعالي فيزيلها عنها حتى تصح معاليه فلا يكون فيها نقصان ولا عيب.
إذا وصفوا له داء بثغرٍ ... سقاه أسنة الأسل الطوال
جعل انتقاض الثغر عليه بمنزلة الداء ولما استعار لذلك اسم الداء استعار لنفي ذلك الداء عنه بالرماح السقي لتجانس الكلام يقول إذا ذكروا له انتقاض ثغر من ثغور المسلمين لغلبة الكفار نفاهم عنه برماحه الطويلة وهذا مأخوذ من قول ليلى الأخيلية، إذا هبط الحجاج أرضاً مريضةً، تتبع أقصى دائها فشفاها، شفاها من الداء العضال الذي بها، غلام إذا هز القناة سقاها، وقد قال أبو تمام، وقد نكس الثغر فأبعث له، صدور القنا في ابتغاء الشفاء،
وليست كالإناث ولا اللواتي ... تعد لها القبور من الحجال
يقول لم تكن هذه المرأة يعد لها القبر سترا عنها أي كانت متسترة قبل أن سترت بالقبر
ولا من في جنازتها تجارٌ ... يكون وداعها نفض النعال
أي ولم تكن من نساء السوقة يتبع جنازتها تجار وباعةٌ ينفضون النعال من التراب إذا انصرفوا عن القبر أي كانت ملكة
مشى الأمراء حوليها حفاةً ... كأن المرو من زف الرئال
стр. 198
الزف ريش النعام والرئال جمع رأل وهو ولد النعام يقول شيعها الأمراء فمشوا حواليها حافين يطؤون الحجارة كأنهم يستلينونها
وأبرزت الخدور مخبآتٍ ... يضعن النقس أمكنة الغوالي
يقول خرجت لموتها جوارٍ كن مخبآتٍ في الخدور يسودن وجوههن بالنقس مكان الغالية أي كن يستعملن الغالية والطيب فصرن يسودن وجوههن حزنا للمصيبة بموتها.
أتتهن المصيبة غافلاتٍ ... فدمع الحزن في دمع الدلال
يقول فجعن بفقدها وهن غافلات بينا هن يبكين دلالا إذ بكين حزنا فاختلط الدمعان
ولو كان النساء كمن فقدنا ... لفضلت النساء على الرجال
يقول لو كانت نساء العالم في الكمال كهذه لفضلن على الرجال يعني أن هذه كانت افضل من الرجال فلو اشبهها غيرها من النساء لكانت مثلها في الفضل.
وما التأنيث لاسم الشمس عيبٌ ... ولا التذكير فجر للهلال
يقول لم تزر بها الأنوثة كما لا يزري بالشمس تأنيث اسمها والذكورة لا تعد فضيلةً في كل أحد كما لا يحصل للقمر فخر بتذكير اسمه.
وأفجع من فقدنا من وجدنا ... قبيل الفقد مفقود المثال
أي أفجع المفقودين من كان مفقود المثل في حال الحياة فإن من وجد له نظير يتسلى عنه بوجود نظيره وبمن يتسلى عمن لا نظير له.
يدفن بعضنا بعضاً ويمشي ... أواخرنا على هامِ الأوالي
يريد الأوائل فقلب وهو كثير في كلامهم أنشد سيبويه، تكاد أواليها تفرى جلودها، ويكتحل التالي بمورٍ وحاصب، يقول ندفن امواتنا ونمشي على رؤسهم بعد الموت يعني لا ننفك من فقد وفن ثم لا نعتبر بمن ندفن بل نمشي عليهم غير معتبرين بهم.
وكم عينٍ مقبلةِ النواحي ... كحيلٍ بالجنادلِ والرمالِ
يقول كم عين كانت تقبل نواحيها إعزازا وإكراما صارت تحت الأرض مكحولةً بالرمل والحجارة
ومغضٍ كان لا يغضى لخطبٍ ... وبالٍ كان يفكر في الهزالِ
أي وكم من إنسانٍ اغضى للموت كان لا يغضى لنزول خطبٍ به وكم من بال لو رأى في نفسه هزالا كان يشتغل قلبه به ويتفكر فيه وهذا من قول البحتري في مرثية غلام له، وأصفح للبلى عن ضوء وجهٍ، غنيت يروعني فيه الشحوبُ،
أسيف الدولة استنجد بصبرٍ ... وكيف بمثلِ صبرك للجبال
يقول استعن فيما فجعت به بصبرٍ لا يوجد مثل ذلك الصبر في الجبال في ركانتها.
وأنت تعلم الناس التعزي ... وخوض الموت في الحرب السجالِ
الحرب السجال أن تكون مرةً على هؤلاء ومرة على هؤلاء يقول لا تحتاج إلى أن تصبر فإنك تعلم الناس التصبر وخوض المهالك في الحرب يريد قد مرت عليك من شدائد الدهر ما مرنتك وعودتك الصبر.
وحالات الزمان عليك شتى ... وحالك واحد في كل حالِ
يقول يتلون الزمان وتختلف حالاته عليك ولا يتحول حالك من الصبر والكرم والحلم والرزانة يعني لا يختلف حالك وإن اختلفت أحوال الزمان كما قال، لا أمسك المال إلا ريث أتلفه، ولا يغيرني حال إلى حالِ،
فلا غيضت بحارك يا جموماً ... على عللِ الغرائب والدخال
يقول على طريق الدعاء لا نقصت بحارك يا بحرا كثير الماء وإن وردت عليه الإبل الغريبة وعلت منه والدخال أن يدخل بغيرٌ قد شرب بين بعيرين لم يشربا ليزداد شربا وهذا مثل يريد لا ينقص عطاؤك وإن كثر العفاة والسائلون كما لا ينقص الحبر الكثير الماء وإن كثر وراده والجموم الذي يزداد ماءه وقتا بعد وقتٍ وروى الأستاذ أبو بكر علي علل الفرائت والدجال قال الفرائت جمع فرات يريد أنهار الفرات المنشعبة منه والدجال جمع دجلة ويريد بعللهما ما يصيبهما من النقصان وهذا تصحيف والرواية الصحيحة ما قدمنا ذكرها.
رأيتك في الذين أرى ملوكا ... كأنك مستقيم في محالِ
يقول أنت بين الملوك كالمستقيم في المحال أي تفضلهم فضل المستقيم على المعوجَ
فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دمِ الغزالِ
стр. 199
يقول إن فضلت الناس وأنت من جملتهم فقد يفضل بعض الشيء جملته كالمسك وهو بعض دم الغزال وقد فضله فضلا كثيرا قال أبو الحسن محمد ابن أحمد المعروف المغربي كان سيف الدولة يسر بمن يحفظ شعر المتنبي وانشدته يوما، رأيتك في الذين أرى ملوكا، وكان أبو الطيب حاضرا فقلت هذا البيت والذي يتلوه لم يسبق إليه فقال سيف الدولة كذا حدثني ثقةٌ أن أبا الفضل محمد ابن الحسين قال كما قلت فأعجب المتنبي واهتز فاردت أن أحركه فقلت إلا أن ي أحدهما عيبا في الصنعة فالتفت المتنبي التفات حنق فقال ما هو فقلت قولك مستقيم في محالٍ والمحال ليس ضدا للاستقامة وإنما ضدها الأعوجاج فقال الأمير هب القصيدة جيميةً فكيف تعمل في تغيير قافية البيت الثاني فقلت عجلا كرده الطرف، فإن تفقِ الأنام وأنت منهم، فإن البيض بعض دم الدجاج، فضحك وضرب بيده وقال حسن مع هذه السرعة إلا أنه يصلح أن يباع في سوق الطير لا أنه مما لا يمدح به امثالنا يا أبا الحسن.
وقال يمدحه ويذكر استنقاذه أبا وائل تغلب بن داود لما اسره الخارجي في كلب وقتل الخارجي في شعبان سنة سبع وثلثين وثلثمائة.
إلى م طماعيةُ العاذلِ ... ولا رأى في الحب للعاقلِ
يقول إلى متى يطمع العاذل في استماع كلامه والحب يقع اضطرارا لا اختيارا والعاقل لا يقع في شركة الحرب برأيه واختياره فلا معنى للوم فيه وإلى م مثل قولهم فيم ومم وعم وعلى م وحتى م والطماعية مصدر مثل الكراهية.
يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقلِ
يقول العاذل يريد من قلبي أن ينساكم ويسلو عنكم وأنا مطبوع على حبكم فكيف انتقل عن شيء طبعت عليه والطبع لا يقبل النقل وإن نقل إلى شيء آخر لم يصبر عليه وهذا كقول العباس ابن الأحنف، لا تحسبني عنكم مقصرا، إني على حبكم مطبوع،
وإني لأعشق من عشقكم ... نحولي وكل فتى ناحلِ
يقول بلغ من عشقكم وحبي إياكم أني أحب نحولي فيكم لأن سببه حبكم وأحب أيضا كل ناحل في الحب.
ولو زلتم ثم لم أبككم ... بكيت على حبي الزائلِ
يقول لو فارقتموني ولم أبك على فراقكم سلوا عنكم بكيت على ما زال من حبي إياكم كأنه يقول أحبكم وأحب حبكم حتى لو ذهب عني الحب لبكيت على فراقه.
أينك خدي دموعي وقد ... جرت منه في مسلكٍ سابلِ
يقول كيف ينكر خدي ما يجري عليه من الدمع وهو مسلك له ودموعي تجري من خدي في طريق مذللٍ قد جرت يه كثيرا على الفراق الأحبة.
وهبت السلو لمن لامني ... وبت من الشوق في شاغلِ
يقول تركت السلو للائم وهو حظه لا حظي ولي من الشوق شغل شاعلٌ عن السلو يشغلني عنه ومن استماع اللوم.
كأن الجفون على مقلتي ... ثياب شققن على ثاكلِ
قال تباعد ما بين أجفاني للسهر فليست تلتقي لنوم فكأنها ثياب ثاكلٍ شقت كأنه يقول فقدتهم وفقدت النوم بعدهم وكان جفوني شقت على فقدهم كما شق الثاكل ثوبه وهذا كقوله، قد علم البيت منا البيت أجفانا، وأخذ أبو محمد المهلبي الوزير هذا المعنى فقال، تصارمت الأجفان لما صرمنني، فما تلتقي إلا على عبرةٍ تجري،
ولو كنت في أسرِ غير الهوى ... ضمنت ضمان أبي وائلِ
يقول لو أسرني شيء غير الحب لخرجت من أسره بحيلة وضمانٍ كما ضمن أبو وائل مالا لآسره حتى انفك من الأسار ثم ذكر تلك القصة فقال:
فدى نفسه بضمان النضارِ ... وأعطى صدور القنا الذابلِ
أي ضمن لهم الذهب ثم أعطى بدل الذهب صدور الرماح وذلك أن سيف الدولة استنقذه من أيديهم بغير فداء
ومناهم الخيل مجنوبةً ... فجئن بكل فتى باسلِ
أي اعطاهم مناهم فوعدهم أن تقاد إليهم الخيل في فدائ فجاءت الخيل بالرجال الشجعان يعني أن أصحاب سيف الدولة أتوا لمحاربة الخارجي.
كأن خلاص أبي وائلٍ ... معاودة القمر الآفلِ
يقول كنا بعد إساره في ظلمة حزنا عليه فلما تخلص وعاد إلينا كان عودة كعودة القمر بعد الأفول.
دعا فسمعت وكم ساكتٍ ... على البعد عندك كالقائلِ
يقول دعاك لاستنقاذه فأجبته ولو سكت لم تقعد عنه ولم تغفل فكم ساكت وهو بعيد عنك لست بغافل عنه حتى كأنه قائل يسألك حاجته.
فلبيته بك في جحفلٍ ... له ضامنٍ وبه كافلِ
стр. 200
يقول جعلت أجابته أن أتيته بنفسك في جيش عظيم ضمنوا له استنقاذه وكفلوا برده إلى مكانه
خرجن من النقع في عارضٍ ... ومن عرق الركض في وابلِ
يقول هذا الجيش كانوا في سحابٍ من الغبار وفي مطر من العرق.
ولما نشفن لقين السياط ... بمثل صفا البلد الماحلِ
لما نشفت الخيل لقيت السياط من أعجازها بمثل الصفا لا نداوة بها فإنها لم تسترح ولم تضعف لما لحقها من التعب أي لما ضربن بالسياط وقعت من مفاصلها على مثل صفا البلد الماحل والصفا الصخر والماحل الذي لا مطر فيه.
شفن بخمسٍ إلى من طلب ... ن قبل الشفون إلى نازلٍ
الشفون النظر في اعتراض يقول نظرن إلى أبي وائل قبل النظر إلى نازل عن ظهورهن يريد أنهم لم ينزلوا عن ظهورها خمس ليال حتى بلغوا أبا وائل في ركضة واحدة.
فدانت مرافقهن البرى ... على ثقةٍ بالدم الغاسلِ
دانت فاعلت من الدنو يقول ساخت قوائمها في التراب إلى مرافقها ثقةً بأن الدم الذي يجريه ركابها سيغسلها ويزيل عنها ذلك التراب.
وما بين كاذتي المستغيرِ ... كما بين كاذتي البائل
الكذاة لحم الفخذ والمستغير الذي يطلب الغارة يعني الذي كان يطلب الغارة على هؤلاء الخوارج يشتد عدوه فيتفحج لشدة عدوه كما يتفحج البائل لئلا يصيبه البول ويجوز أنه يريد أنه يعرق في عدوه حتى يسيل العرق بين رجليه كالبول وذكر في معنى البيت أنه أراد أن المنهزم يبول فرقا وهذا لا يصح لأن المستغير لا يكون منهزما.
فلقين كل ردينيةٍ ... ومصبوحةٍ لبن الشائل
يقول لقيت خيله الرماح وخيلا سقيت لبن النوق والمصبوحة التي سقيت اللبن صبوحا والشائلة النوق التي قل لبنها وخف ومرؤ ونجع في شاربه ولا يسقى ذلك اللبن إلا كرائم خيلهم وحذف الهاء من الشائلة وهو يريدها.
وجيش إمامٍ على ناقةٍ ... صحيح الإمامة في الباطلِ
يعني بالإمام الخارجي قال ابن جنى يقول قد صح أن امامته باطلة لا شك فيه وقال غيره معناه امامته صحيحة في الباطل يعني أن أصحابه سلموا له الإمامة فهو إمام المبطلين وهذا هو القول لا ما قاله ابن جنى.
فأقبلن ينحزن قدامه ... نوافر كالنحل والعاسلِ
الإنحياز كالإنهزام وهو الإنضمام إلى جانبٍ يقول أقبلت خيل الخارجي تنفر وتهرب من جيش سيف الدولة نفور النحل عن العاسلِ
فلما بدوت لأصحابه ... رأت أسدها آكل الآكلِ
أي لما رآك أصحابه رأى شجعانهم منك ما يأكلهم وينفيهم يعني كنت أشجع منهم وإن كانوا شجعانا.
بضربٍ يعمهم جائرٍ ... له فيهم قسمة العادلِ
أي كنت تأكلهم وتفنيهم بضربٍ يأتي عليهم جميعا قال ابن جنى أي هذا الضرب وإن كان لإفراطه جورا فهو في الحقيقة عدل لأن قتل مثلهم عدل وقربةٌ من الله وقال أبو الفضل العروضي عندي أنه يقول إن جار في الضرب وقد عم بالقتل ولم يحاب فعدله إنه لم ينفلت منه أحد إلا أصابه من ذلك الرب قلت واظهر من هذين أنه يقال هذا الضرب وإن أفرط فيه حتى تصور جائرا فله فيهم قسمة العادل في القسم لأنه قطع ما أصاب فجعله نصفين فصار الضرب كأنه يقسم بالسوية والإنصاف.
وطعن يجمع شذانهم ... كما اجتمعت درة الحافلِ
الشذان المتفرقون يقول هذا الضرب لا يتخلص منه شاذ ولا نافر بل يجتمعون فيه اجتماع اللبن في الضرع والحافل الذي حفل ضرعها أي امتلأ لبنا
إذا ما نظرت إلى فارسٍ ... تحير عن مذهب الراجلِ
يقول إذا نظرت إلى فارس من الأعداء لم يقدر أن يهرب عنك بل يضعف خوفا منك وهيبةً حتى لا يقدر أن يذهب ذهاب الراجل يشير إلى تأثير نظره
فظل يخضب منها اللحى ... فتًى لا يعيد على الناصلِ
أي فظل سيف الدولة يخضب من الأعداء لحاهم بدمائهم غير أنه لا يعيد الخضاب على من نصل خضابه فذهب.
ولا يستغيث إلى ناصرٍ ... ولا يتضعضع من خاذلِ
أي يستغني بقوته عن من ينصره فلا يستنصره مستغيثا إليه ولا يجزع من خذلانِ من يخذله ولا يستكين لأحد وإن خذله أصحابه.
ولا يزع الطرف عن مقدمٍ ... ولا يرجع الطرف عن هائلِ
أي لا يكبح فرسه عن اقدامه أو عن مقدم عليه أي لا يخاف شيئا ولا أحدا فيرتد ويرجع ولا يهوله شيء فيرد طرفه عنه.
إذا طلب التبل لم يشأه ... وإن كان دينا على ماطلِ
стр. 201
أي إذا طلب ترةً لم تفته وإن مطل به من يطلب عنده تلك الترة يعني يدرك ثاره وأن طال العهد.
خذوا ما أتاكم به واعذرواد ... فإن الغنيمة في العاجلِ
يستهزيء بهم يقول اعذروه فيما أتاكم به من ضمان أبي وائل وخذوه فإن الغنم فيما عجل لكم وما تاجل وتأخر لعله لا يصل إليكم.
وإن كان أعجبكم عامكم ... فعودوا إلى حمص في قابلِ
فإن الحسام الخضيب الذي ... قتلتم به في يد القاتلِ
أي فإن السيف الذي خضب بدمائكم في يد من قتلكم به
يجود بمثل الذي رمتم ... ولم تدركوه على السائلِ
أي هو يجود على سائله بمثل الذي طلبتموه من الملك والولاية فلم تدركوه لأنكم طلبتموه لا من طريق السؤال.
أمام الكتيبة تزهى بهِ ... مكان السنانِ من العاملِ
يقول هو من جيشه يفتخرون به بمكان السنان من عامل الرمح يعني أنه يتقدمهم كما يتقدم السنان الرمح.
وإني لأعجب من آملٍ ... قتالاً بكم على بازلِ
كان الخارجي قد ركب ناقةً وهو يشير بكمه يحث اصحابه على القتال فقال أني لأعجب ممن يرجو قتالا بكم على ناقة يعني أن القتال لا يتأتى بتحريك الكم وركوب الناقة.
أقال له الله لا تلقهم ... بماضٍ على فرسٍ حائلِ
يقول هل أوحى الله إليه إن لا تلق جيش سيف الدولة بالسيف على الفرس وإنما قال هذا لأن الخارجي كان يدعي النبوة يقول لا آتي إلا ما أمرني الله به يقول فهل أمره الله تعالى بهذا.
إذا ما ضربت به هامةً ... براها وغناك في الكاهلِ
هذا من صفة قوله بماض يقول هل قال الله له لا تلقهم بسيف إذا ضربت به رأسا قطعة وصل إلى عظم الكاهل حتى يسمع صوته من قطعه وجعل ذلك الصوت كالغناء منه كما قال أبو نواس، إذا قام غنته على الساقِ حليةٌ، لها خطوةٌ وسط الغناء قصيرُ، يعني بالحلية القيد فنقل وصف القيد إلى السيف وقد نظر أيضا إلى قول مزرد، من الملس عنديٌّ متى يعلُ حدهُ، ذرى البيض لم تسلم عليه الكواهلُ،
وليس بأول ذي همةٍ ... دعته لما ليس بالنائلِ
يقول ليس الخارجي بأول من دعته همته إلى ما لا يناله يريد أنه طمع في الإمارة والولاية
يشمر للج عن ساقه ... ويغمره الموج في الساحلِ
قال ابن جنى في قوله يشمر للج عن ساقه يريد تمويهه على الأعراب واستغواءه إياهم وأدعاءه فيهم النبوة قال ويعني بالموج عكسر سيف الدولة قال ابن فورجة أي تمويه في أن يشمر هذا الرجل عن ساقه لخوض اللجة والذي أراد المتنبي أنه يدبر في ملاقاة معظم العسكر والتوغل فيه حتى يصل إلى سيف الدولة ويأخذ الأهبة لذلك فهو كالمشمر عن ساقه لخوض ماء وقد غمره الموج في ساحله أي قد غرق في اطراف عسكره وغلب باوائله فذهب تدبيره باطلا وهذا كقوله، لولا الجهالة ما دلفت إلى، قومٍ غرقت وإنما تفلوا، هذا كلامه ولقول ابن جنى وجه حسن لم يقف عليه ابن فورجة يقول أن الخارجي كان قد طمع في بيضة الإسلام حيث ادعى النبوة فجعل اللج مثل لها وجعل سيف الدولة وهو قطعة من عساكرها وواحد من أمرائها كالساحل وقد غرق هو في الساحل فكيف كان يصل إلى اللجة.
أما للخلافة من مشفقٍ ... على سيف دولتها الفاصلِ
يقول أما أحد يشفق على سيف الدولة الخلافة ويبقى عليه ويمنعه من كثرة الحروب والقتال شفقة عليه من أن تصيبه آفة فتبقى الخلافة ولا سيف لها والفاصل هو القاطع وهو من نعت سيف دولتها ثم ذكر ما يوجب الإشفاق عليه وهو قوله:
يقد عداها بلا ضاربٍ ... ويسري إليهم بلا حاملِ
يقول هو سيف يقطع الأعداء من غير أن يضرب به ويسري إليهم غير محمولٍ
تركت جماجمهم في النقا ... وما يتحصلن للناخلِ
يقول دست رؤسهم بحوافر الخيل حتى لو نخل الرمل الذي قتلتهم به لم يحصل من رؤسهم شيء
وأنبت منهم ربيع السباع ... فأثنت بأحسانك الشاملِ
يقول تركتهم جزرا للسباع فأخصبت بكثرة القتلى فكأنك فكأنك أنبت لها ربيعا بما وسعت عليها من لحومهم فاثنت السباع عليك بما شملتها من احسانك والمعنى أنها لو قدرت لأثنت.
وعدت إلى حلبٍ ظافرا ... كعودِ الحلي إلى العاطلِ
أي انصرفت إلى دار ملكك مع الظفر بأعدائك كما يعود الحليُّ إلى من لا حليَّ لها يعني أن زينة حلبٍ بك.
стр. 202
ومثل الذي دسته حافيا ... يؤثر في قدم الناعلِ
يقول ما فعلته وأنت غير متأهب له يعجز عنه المتأهب فجعل الحافي مثلا لمن لم يتأهب والناعل مثلا للمتأهب.
وكم لك من خبرٍ شائعٍ ... له شية الأبلق الجائلِ
يقول كم خبر لك من فتوحك شائع في الناس مشتهرا اشتهارً الأبلق الذي يجول في الخيل فلا يخفى مكانه لشهرته.
ويوم شهاب بنية الردى ... بغيض الحضور إلى الواغل
أي وكم يوم لك اجتمع الناس فيه على القتال ودارت بينهم كأس المنية والواغل الذي يدخل على الشرب من غير أن دعي يبغض حضور ذلك الشراب
تفك العناة وتغنى العفاة ... وتغفر للمذنب الجاهلِ
يقول عملك هذه الأشياء من فك الأساري من اسارهم واغناء السائلين والعفو عن المذنبين
فهنأك النصر معطيكه ... وأرضاه سعيك في الاجلِ
يقول على طريق الدعاء الله الذي أعطاك النصر على الأعداء جعله هنئا لك ورضي عنك في الآخرة بسعيك.
فذي الدار أخون من مومسٍ ... وأخدع من كفة الحابلِ
أي فهذه الدنيا خوانة لأصحابه كالفاجرة تكون كل يوم عند آخر وهي أخدع من حبالة الصياد
تفاني الرجال على حبها ... ولا يحصلون على طائلِ
يقول فنى الناس على حب الدنيا ولم يحصلوا منها على شيء والطائل كل شيء يرغب فيه وهو كل شيء ذو طول أي ذو فضل.
وقال عند مسيره إلى أخيه ناصر الدولة لما قصده معز الدولة سنة سبع وثلاثمائة
أعلى الممالك ما يبني على الأسل ... والطعن عند محبيهن كالقبلِ
يقول أعلى مملكة ما وصل إليه اقتسارا وغلابا لا ما جاء عفوا والأسل الرماح يقول المملكة إذا بنيت على الرماح بأن أخذت بها وحفظت بها فهي أعلاها ومن أحب الممالك كان الطعن عنده كالقبل يعني يستلذ الطعن استلذاذ القبل.
وما تقر سيوف في ممالكها ... حتى تقلقل دهراً قبل في القللٍ
أي السيوف لا تقر في الممالك حتى تتحرك زمانا في رؤوس الأعداء يعني ما لم تقطع رؤوس المعادين لك لم تثبت لك المملكة.
مثل الأمير بغي أمراً فقربه ... طول الرماح وأيدي الخيل والإبلِ
يقول مثلك يطلب أمرا فتقربه الرماح وأيدي الخيل والمطايا يريد أنه لا يتعذر عليه أمرٌ طلبه لأنه يتمكن منه بما له من العدة والاعتزام وهو قوله:
وعزمةٌ بعثتها همةٌ زحلٌ ... من تحتها بمكانِ الترب من زحلِ
على الفرات أعاصير وفي حلبٍ ... توحش لملقى النصر مقتبلِ
يقول على الفرات رياح فيها غبار لمكان جيش أخيك ناصر الدولة وفي حلب وحشة لأنك بعدت عنها ويريد بملقى النصر سيف الدولة لأنه يلقى النصر حيث ما قصد أي يستقبل به واللام فيه لام الأجل يعن لأجله توحش حلبٌ أي لأجل خروجه والمقتبل الحسن الذي تقبله العيون.
تتلو أسنته الكتب التي نفذت ... ويجعل الخيل أبدالاً من الرسلِ
يقول اسنته تتبع كتبه إلى أعدائه أي أنه ينذرهم أولا وأن لم يطيعوه قصدهم بجيشه ويجعل الخيل بدلا من الرسول أي لا يستجلب طاعتهم إلا بالإكراه يعني أن كتبه ليست لاستصلاحٍ ولا لاستعتاب وإنما هي أنه متوجه وذلك أنه لا يحب الظفر مواراةً واغتيالا.
يلقى الملوك فلا يلقى سوى جزرٍ ... وما أعدوا فلا يلقى سوى نفلِ
يقول الملوك كلهم جزر سيوفه وأموالهم نفل وغنيمة لخيله والجزر الشاة التي أعدت للذبح
صان الخليفة بالأبطال مهجته ... صيانة الذكر الهندي بالخلل
يقول أكرمه الخليفة فصانه بما جعل له من الأبطال والرجال كما يصان السيف الهندي بالخلل وهي أغشية الأغماد.
الفاعل الفعل لم يفعل لشدته ... والقائل القول لم يترك ولم يقل
стр. 203
قال ابن جنى أي كل أحد يطلب معاليك إلا أنه لا يدركها هذا كلامه وليس من معنى البيت في شيء ولكنه يقول هو يفعل ما لم يفعله أحد لصعوبته على من طلبه فهو أتى به بكرا ويكون أبا عذرة ذلك الفعل وهذا معنى قول ابن فورجة أراد أنك تفعل افعالا مبتكرةً تجتنب لشدتها وتقول أقوالا لم تعرف فلم تقل فإذا كانت لم تعرف لم تترك لأنه إنما يترك ما يعرف موضعه أو ما يملك هذا كلامه ولم يصب في تفسير المصارع الثاني وليس المعنى ما ذكره والمعنى أنه يقول ما لم يقله أحد في بلاغته وجزالته ولم يترك أيضا لأن كل بليغ يريد أن يأتي بمثله فهو يقصده ويتكلفه ولا يقدر عليه.
والباعث الجيش قد غالت عجاجته ... ضوء النهار فصار الظهر كالطفل
أي يبعث إلى أعدائه الجيش الذي يهلك غباره ضوء النهار ويغلبه حتى يصير الظهر كوقت الطفل لاستتار عين الشمس بغبار جيشه.
الجو أضيق ما لاقاه ساطعها ... ومقلة الشمس فيه أحيرُ المقلِ
يقولا لجو على سعة أرجائه أضيق شيء لقيه ساطع هذه العجاجة وعين الشمس على شدة لمعانها احير المقل في هذه العجاجة وهذا على سبيل المبالغة.
ينال أبعد منها وهي ناظرةٌ ... فما تقابله إلا على وجلِ
يقول ينال سيف الدولة أبعد من الشمس وهي ترى ذلك فما تقابله إلا على خوف من أن ينالها لو قصدها لأنها ترى أنه مظفر يدرك ما يقصده.
قد عرض السيف دون النازلات به ... وظاهر الحزم بين النفس والغيلِ
أي قد جعل السيف عارضا بينه وبين نوائب الدهر يدفعها عن نفسه وجعل حزمه كالدرع بينه وبين الغوائل أي تحصن بحزمه كما يتحصن بالدرع يقال ظاهر بين ثوبين إذا لبس أحدهما فوق الآخر أي جعل حزمه كالدرع الواقية له يريد أنه لبس الحزم فوق الدرع فجعله بين النفس والغيل وهي جمع غيلة اسم من الاغتيال يقال قتل فلان غيلةً أي اغتيالا.
ووكل الظن بالأسرار فانكشفت ... له ضمائر أهل السهل والجبلِ
أي اطلع بظنه على السرار حتى ظهرت له ضمائر الناس كلهم يعني أنه يصيب بظنه.
هو الشجاع يعد البخل من جبنٍ ... وهو الجواد يعد الجبن من بخلِ
قال ابن جنى أي يتجنب البخل كما يتجنب الشجاع الجبن ويتجنب الجبن كما يتجنب الكريم البخل أي قد جمع الشجاعة والكرم قال العروضي فيما أملاه عليّ ليس كما ذهب إليه ولكنه يقول الشجاع يعدّ البخل جبنا لأن البخل معناه خوف الفقر والخوف جبنٌ وحقيقته البخل يقول الشجاع يعد البخل فإذا هو شجاع غير بخيل وجوادٌ غير جبان وهذا مأخوذ من قول أبي تمام، وإذا رأيت أبا يزيدٍ في وغى، وندًى ومبدىً غارةً ومعيداً، يقري مرجيه حشاشة مالهِ، وشبا الأسنة ثغرةٌ ووريدا، أيقنت أن من السماحِ شجاعةً، تدمى وإن من الشجاعة جودا، وقد بين مسلم أن الشجاعة جودٌ بالنفس في قوله، يجود بالنفس إن ضن الجواد بها، والجود بالنفس أقصى غاية الجود،
يعود من كل فتحٍ غير مفتخرٍ ... وقد أغذ إليه غير محتفلِ
يقول كثرت فتوحه فتوالت فهو لا يفتخر بها وإذا سار إلى بلدٍ يفتحه سار غير مبالٍ لثقته بقوته وشجاعته.
ولا يجير عليه الدهر بغيته ... ولا تحصن درع مهجةَ البطلِ
أجار عليه منعه مما يطلبه ومنه قوله تعالى وهو يجير ولا يجار عليه أي لا يمنع مما يريده ويقول الدهر لا يمنعه مطلوبه ولا يجير عليه شيئا طلبه وكذلك الدرع لا تحصن عنه مهجة البطل.
إذا خلعت على عرضٍ له حللاً ... وجدتها منه في أبهى من الحللِ
يقول إذا مدحته تزين مدحي به أكثر مما يتزين هو بمدحي هذا معنى البيت ولكنه جعل لهذا المعنى مثلا فقال إذا البست عرضه حللا وجدت تلك الحلل من عرض الممدوح في شيء أحسن من الحلل أي أن عرضه أحسن من الحلل وهذا من قول أبي تمام، ولم أمدحك تفخيما بشعري، ولكني مدحت بك المديحا، قال ابن جنى ورأيت في نسخة صالحة بدل خلعت جعلت وهو وجيهٌ.
بذي الغباوةِ من إنشادها ضررٌ ... كما تضر رياح الوردِ بالجعلِ
يقول الجاهل يتضرر بشعري إذا أنشد لأنه لا يعرفه ويغيظه ذلك فيظهر عليه من أثر الغيظ والجهل وما يظهر على الجعل إذا أصابه ريح الورد فإنه يغشى عليه إذا جعل تحت الورد شبه شعره بالورد وحاسده بالجعل.
لقد رأت كل عينٍ منك مالئها ... وجربت خير سيفٍ خيرة الدولِ
стр. 204
يقول ملأت كل عين ببهائك وهيبتك وكنت خير سيف لخير دولة يعني دولة الإسلام.
فما تكشفك الأعداء عن مللٍ ... من الحروب ولا الآراء عن زللِ
يقول لا تمل الحروب وإن كانت فالأعداء والأيام لا تقدر على أن تظهر لك مللا وكذلك الآراء لا تبدي لك زللا فلا تزل في رأي ولا تمل من حرب
وكم رجالٍ بلا أرضٍ لكثرتهم ... تركت جمعهم أرضاً بلا رجلِ
أي كم عدد كثير من أعداءك تضيق الأرض عنهم بكثرتهم وقد أفنيتهم وأهلكتهم حتى أخليت أرضهم فبقيت بلا رجل.
ما زال طرفك يجري في دمائهم ... حتى مشى بك مشى الشارب الثملِ
ما زلت تخوض دمائهم بفرسك حتى تعثر بالقتلى فمشى بك مشيّ الثمل السكران متعثرا أي حركه الدم بكثرته وأماله عن سنن جريه وكأن مشيه مشى السكران.
يا من يسير وحكم الناظرين له ... فيما يراه وحكم القلب في الجذلِ
يعني أنه ملك لا يرد عن شيء فما حكم ناظره به فهو له أي ما شاء مما يراه أخذه ولقلبه ما يحكم به من الجذل والحكم ههنا اسم للمفعول لا للفعل فإن الناس مستوون في افعال نواظرهم وإنما يختلفون في المحكوم به يقول ما حكم به ناظرك استحسانا فهو لك لا يعارضك فيه منع وكذلك حكم قلبك فيما يسر به.
إن السعادة فيما أنت فاعلهُ ... وفقت مرتحلاً أو غير مرتحلِ
أي السعادة موافقة لفعلك فإن ارتحلت أو أقمت كان ذلك حكم السعادة.
أجر الجياد على ما كنت مجريها ... وخذ بنفسك في أخلاقك الأولِ
يقول عاود القتال ودع رسم السلم وأجر خيلك على ما كنت تجريها من قصدك الأعداء والسير إليهم وخذ نفسك بما عودتها من أخلاقك الأولى يريد كنت تقاتل الأعداء ولا تهادنهم فكن على ما كنت عليه.
فلا هجمت بها إلا على ظفرٍ ... ولا وصلت بها إلا إلى أملِ
هذا دعاء يقول لا هجمت بخيلك إلا على ظفر بعدوك ولا أوصلتها إلا إلى ما تؤمله من الغنيمة والظفر.
وقال يمدحه وقد سأله المسير معه في هذا الطريق.
سر حلَّ حيث تحلهُ النوارُ ... وأراد فيك مرادك المقدارُ
يقول سقى الله مراحلك فينبت بها النور وجعل نبات النور كناية عن السقى يقول توجه إلى مسيرك ثم دعا له فقال حل النوار حيث تحله ويجوز أن يريد أنك نوار المكان الذي تنزله فحيث ما تنزل النوار والقضاء يريد ما تريد أي كان القضاء موافقا لك فيما تريد.
وإذا ارتحلت فشيعتك سلامةٌ ... حيث اتجهت وديمةٌ مدرارُ
يقول كانت السلامة مشيعةً لك في ارتحالك حيث ما توجهت وكذلك المطر ينبت لك النبت فتخصب بالمطر والنبات.
وأراك دهرك ما تحاول في العدى ... حتى كأن صروفه أنصارُ
أي أراك الزمان ما تطلبه في أعدائك من الظفر بهم حتى كان صروفه اعوانٌ لك على ما تريد.
وصدرت أغنم صادرٍ عن موردٍ ... مرفوعةً لقدومك الأبصارِ
أي كنت أغنم صادر عن مورد عن مكانٍ ورده والأبصار ممدودة إلى قدومك يعني أن من خلفتهم يشتاقون إليك فيتطلعون نحوك.
أنت الذي بجح الزمان بذكرهِ ... وتزينت بحديثه الأسمارُ
أي يسر الزمان إذا ما ذكرت في جملة أهله وابنائه وتحسنُ الأسمار بحديثك.
وإذا تنكر فالفناء عقابهُ ... وإذا عفا فعطاؤه الأعمارُ
إذا غضب وتغير عن الرضا عاقب بالهلاك والفناء وإذا عاد إلى العفو ترك القتل فكانت الأعمار عطاءه.
وله وإن هب الملوك مواهبٌ ... در الملوك لدرها أغبارُ
الأغبار جمع غبر وهي بقية اللبن في الضرع يقول عطاياه بالقياس إلى عطايا الملوك كقياس اللبن الكثير إلى اللبن القليل.
لله قلبك ما يخاف من الردى ... ويخاف أن يدنو إليك العارُ
لله قلبك تعجبٌ من قلبه حين لم يكن قلبٌ على ما هو عليه وإنما صار هذا اللفظ للتعجب في قولهم لله أنت إشارةً إلى أن مثله لا يقدر على خلقه غير الله كما يقال للامر العجب هذا إلهي وإن كانت كل الأمور إلهية ثم قال ما يخاف الهلاك ويخاف العار أي لا تتوقى في المهالك وتوقى إن يدانيك شيء مما فيه عارٌ.
وتحيد عن طبع الخلائق كلهِّ ... ويحيد عنك الجحفل الجرارُ
стр. 205
أي تهرب عن دنس الأخلاق يعني اللوم وما يذم منها ويهرب عنك الجيش الكثير وأنت هاربٌ من وجهٍ مهروبٌ عنه من وجهٍ والجرار الجيش العظيم الذي يجر ذيل الغبار ويجوز أن يكون فعالا من جر إذا جنى كأنه بكثرته وشدةِ وطأته يجني على الأرض بإثارة التراب وعلى السماء بغباره.
يا من يعز على الأعزة جارهُ ... ويذل في سطواته الجبارُ
يقول يا من عز جاره على الأعزة فلا يقدرون أن ينالوه بسوء والمتجبر العظيم في ملكه سير ذليلا في غضبه.
كن حيث شئت فما تحول تنوفةٌ ... دون اللقاء ولا يشط مزارُ
يقول كن حيث شئت من الأرض فما تمنعنا عن لقائك تنوفةٌ وإن بعدت ولا يبعد علينا مزارك.
وبدون ما أنا من ودادك مضمرٌ ... ينضى المطيُّ ويقرب المستارُ
أي بأقل مما أضمره من ودادك تهزل الدابة ويقرب السير يعني أنه لا يبعد عليه منزل حبيبٍ
أن الذي خلفت خلفي ضائعٌ ... ما لي على قلقي غليه خيارُ
أي من خلفته وراءي ضاع بخروجي من عنده ولا اختيار لي إن اخترت أن أصحبك على قلقي واشتياقي إلى من خلفته.
وإذا صحبت فكل ماء مشربٌ ... لولا العيال وكل أرض دارُ
أي إذا سرت في صحبتك عذب لي كل ماء ووافقتني كل أرض حتى كأنها داري لولا من خلفت من العيال.
إذن الأمير بأن أعود إليهم ... صلةٌ تسير بذكرها الأشعارُ
أي أذنك لي بالعود إلى عيالي صلة تشكرها الأشعار وهذا كقول المهلبي، فهل لك في الإذن لي راضيا، فإني أرى الإذن غنما كبيرا.
وقال يرثي ابن سيف الدولة وقد توفي بميافارقين سنة ثمان وثلاثين وثلثمائة.
بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل ... وهذا الذي يضني كذاك الذي يبلي
يقول بنا منك ونحن فوق الأرض الذي بك وأنت فيها يعني أنا أموات حزنا عليك كما أنك ميت في الأرض وتفسير هذا المصراع ما ذكره في المصراع الثاني وهو قوله وهذا الذي يضني أي هذا الحزن الذي يهزل كالموت الذي يبلي الإنسان وهو مأخوذ من قول يعقوب بن الربيع في مرثية جارية له تسمى ملكا، يا ملك إن كنت تحت الأرض باليةً، فإنني فوقها بالٍ من الحزنِ،
كأنك أبصرت الذي بي وخفته ... إذا عشت فاخترت الحمامَ على الثكلِ
يقول كأنك ابصرت ما بي من فقدك والوجد عليك وخفت مثله لو عشت فاخترت الموت على فقد الأعزة.
تركت خدودَ الغانيات وفوقها ... دموعٌ تذيب الحسنَ في الأعين النجلِ
وجه أذابةٍ الدمع الحسن أنه يفسد العين ويزيل حسنها كما قال، أليس يضر العين أن تكثر البكا، ويمنع عنها نومها وهجودها، وإنما قال تذيب ولم يقل تزيل لأن الدمع لما كان يذهب بالحسن شيئا فشيئا كان استعارة الإذابة لفعله حسنا وأيضا لما كان الذوب في معنى السيلان والدمع سائل فكان الحسن سال معه وقيل في هذا قولان آخران أحدهما أن الحزن يحمي الدمع ويسخنه وسخونة الدمع تذيب شحمة المقلة فتذيب حسنها والثاني أن الحسن عرضٌ لا يقبل الإذابة يقول هذه الدموع تذيب ما لا يقبل الإذابة فكيف ما يقبلها.
تبل الثرى سوداً من المسك وحدهُ ... وقد قطرت حمراً على الشعرِ الجثلِ
أي هذه الدموع تصل إلى الأرض فتبلها وهي سود لامتزاجها بالمسك وحده لأن الجواري لا يكتحلن لأجل المصيبة لأن كحل اعينهن يغنيهن عن الكحل فلا يحتجن إليه وقد استعملن المسك قبل المصيبة فبقي في شعورهن والكحل لا يبقى طويلا وهذه الدموع قطرت وهي حمر لامتزاجها بالدم ثم غلب عليها سواد المسك فعادت سواد وإنما قطرت على السعر لأنهن نشرن الشعور وهي جثلة أي كثيرة وفيها مسك فمر الدمع بها فاسود من مسكها وهذا المعنى مأخوذ من قول أبي نواس، وقد غلبتها عبرةٌ فدموعها، على خدها حمر وفي نحرها صفر، فجعلها صفرا على النحر لأنها اختلطت بالطيب الذي فيه الزعفران.
فإن تكن في قبرٍ فإنك في الحشا ... وإن تك طفلا فالأسى ليس بالطفلِ
يقول ليس البكاء عليك على قدر سنك لأنك صغير لم تبلغ المبالغ فتوجب فرط البكاء عليك ولكنك تبكى على قدر اصلك إذ أنت من أصل كبير على قدر الفراسة فيك إذ كنا نتفرس فيك الملك فلهذا يكثر البكاء عليك ثم بين عظم أصله ونسبه فقال.
ألست من القوم الذي من رماحهم ... نداهم ومن قتلاهم مهجة البخل
стр. 206
أي لست من القوم الذين يجودهم أفنوا البخل فاستعار لجودهم رماحا وللبخل مهجة لما حصل افناء البخل بجودهم والمعنى مأخوذ من قول أبي تمام، فإن أزمات الدهر حلت بمعشرٍ، أريقت دماء المحلِ فيها فطلت،
بمولودهم صمت اللسان كغيره ... ولكن في أعطافه منطقَ الفضلِ
يقول صبيهم لا ينطق كما لا ينطق سائر الصبيان الصغار ولكن الفضل المتفرس فيه كأنه ناطق لظهوره فيه والأعطاف جمع العطف وهو الجانب أي من نظر في جوانبه تفرس فيه الفضل.
تسليهم علياؤهم عن مصابهم ... ويشغلهم كسب الثناء عن الشغلِ
يقول معاليهم تذهب عنهم حزن المصيبة وذلك أن الجزع من أخلاق اللئيم ومن نبل قدره وعلت همته لم يجزع لما أصابه ويشتغلون بكسب الثناء عن كل شغل لأن ذلك شغلهم الذي يشغلهم عن غيره.
أقل بلاء بالرزايا من القنا ... وأقدم بين الجحفلينِ من النبلِ
البلاء فعال من المبالاة يقول لا يبالون بما يصيبهم من الرزايا كما لا يبالي بها من لا يعرفها وهو قوله من القنا وهي جماد لا يوصف بالمبالاة وهم أشد تقدما عند الحرب من النبل والنبلُ يأبى إلا التقدم وقوله أقدم من قدم يقدم إذا تقدم ويجوز أن يكون معناه أشد أقداما فاستعمل افعل منه على حذف الزوائد كما قال ذو الرمة، بأضيع من عينيك للدمع كلما، توهمت ربعاً أو تذكرت منزلا،
عزاءك سيف الدولة المقتدى به ... فإنك نصلٌ والشدائدُ للنصلِ
يقول الزم عزاءك الذي يقتدي به الناس فيتعلمون منه التعزي والتصبر فإنك قد تعودت الشدائد لأنك نصل والنصل مستعمل مبتذل في الحرب تمر به الشدائد من مقارعة الحديد.
مقيمٌ من الهيجاء في كل منزلٍ ... كأنك من كل الصوارمِ في أهلِ
يقول أنت مقيم من الحرب في منزلك لأنك لا تنفك منها فكأنك إذا كنت بين السيوف كنت في أهلك وهذا من قول الطائي، حن إلى الموت حتى ظن جاهله، بأنه حن مشتاقا إلى الوطن، ومثله قوله أيضا، لتعلم أن الغر من آل مصعبٍ، غداة الوغى آل الوغى وأقاربه،
ولم أرى أعصى منك للحزن عبرةً ... وأثبت عقلا والقلوب بلا عقلِ
يقول لم أر أحدا لا يطيع دمعة الحزن ولا أثبت عقلا منك حين تخلوا القلوب من العقول يعني عند شدة الفزع.
تخون المنايا عهده في سليله ... وتنصره بين الفوارس والرجل
يقول تخونك المنايا فلا تحفظ عهدك في ولدك ثم تنصرك في المعارك إذا كنت بين الرجالة والفرسان.
ويبقى على مر الحوادث صبرهُ ... ويبدو كما يبدو الفرند على الصقلٍ
يقول صبرك باقٍ على مرور الحوادث بك ظاهرة آثاره ظهور الفرند إذا صقل جعل مرور الحوادث به كالصقل للسيف والسيف إذا صقل فزال ما عليه من الطبع ظهر فرنده كذلك هو إذا امتحن بالحوادث والشدائد ظهر صبره والبيت من قول الطائي، بالقتل أظهر صقل سيفٍ أثره، فبدا وهذبت القلوبَ همومها،
ومن كان ذا نفسٍ كنفسك حرةٍ ... ففيه لها مغنٍ له مسلى
يقول من كانت نفسه حرةً كنفسك أغنته عن تعزية غيره واسلته عن مصيبته لأنه يعرف أن الإنسان لا يخلو في دهره من الحوادث ومن عرف هذا وطن نفسه على فقد الأحبة.
وما الموت إلا سارقٌ دق شخصهُ ... يصول بلا كف ويسعى بلا رجلِ
يقول مثل الموت وإبطاله الأرواح كالسارق الذي لا يمكن الاحتراس منه لدقة شخصه كذلك الموت لا يدري كيف يأتي وكيف يبطل الأرواح ويسرقها من الأجساد.
يرد أبو الشبل الخميس عن ابنه ... ويسلمه عند الولادة للنملِ
يقول الأسد يقاتل الجيش الكثير عن ولده فيدفعهم عنه ولا يقدر على دفع النمل عن ولده مع ضعف النمل فيسلمه لها وهذا مثل يقل لو غير الموت قصد ابنك لدفعته وإن كان عظيما ولكن لا مدفع للموت.
بنفسي وليدٌ عاد من بعد حملهِ ... إلى بطنِ أمٍ لا تطرق بالحملِ
стр. 207
يقول أفدي بنفسي مولودا صار بعد حمل الأم إياه إلى بطن أم وهي الأرض لا تطرق بالحمل أي لا يعسر عليها خروج من ضمته في بطنها من قولهم طرقت المرأة إذا عسرت عيها الولادة وإنما قال لا تطرق إما لأنها جماد لا توصف بالتطريق وإن كانت تسمى أما وتكون الأموات في بطنها وإما لأن الله تعالى قادر على اخراجهم من بطنها بسرعة وسهولة كما قال عز من قائل فإنما هي زجرة واحدة فغذا هم بالساهرة وفسر قوم هذا البيت على الصد وقالوا معنى لا تطرق بالحمل لا تخرج الولد من بطنها والتطريق أظهار الطريق من قولهم طرق طرق أي خل الطريق يقول فالأرض أم للموتى لا يخرجون منها ثم قالوا إن المتنبي كان لا يقول بالبعث والبيت على ما فسرنا وتطريق الأم لا يفسر بما ذكروا والمشهور المعروف من قولهم طرقت الناقة إذا عسر عليها خروج الولد من بطنها وطرقت القطاة ببيضها.
بدا وله وعد السحابة بالروى ... وصد وفينا غلة البلد المحل
الروى بفتح الراء يجوز أن يكون مصدر روى من الماء ريا وروى ويجوز أن يكون مقصور الرواه من قولهم ماء رواء إذا كان مرويا ومن كسر الراء فلأنه يقال رواء ممدود مفتوح وروى مكسور مقصور يقال ظهر هذا الولد وشمائله واعدة بالخير وعد السحاب بالري ثم غاب عنا بموته قبل أن يروينا فبقي فينا عطش المكان اليابس
وقد مدت الخيل العتاق عيونها ... إلى وقت تبديل الركاب من النعل
يقول أكرم الخيل كانت تنتظر ركوبه إياها حين يبدل نعله بالركاب فيبلغ أن يركب الخيل
وريع له جيش العدو وما مشى ... وجاشت له الحرب الضروس وما تغلى
يقول أن الأعداء خافوه وهو صبي لم يمش فكان الحرب الضروس قامت عليهم وقوله وما تغلى تنبيه على أن الحرب قامت معنىلا صورة وذلك المعنى هو الخوف ومن روى يغلي بالياء أراد جاشت الحرب ولم يغل الطفل حنقا عليهم ومن روى يفلى بالفاء فهو من فليت رأسه بالسيف أي ضربته والمعنى قبل أن يضرب بالسيف ويروى يقلى بالقاف أي لم يبلغ حد القلي والبغض لأعدائه ومعنى البيت أن الأعداء ارتاعوا له وهو صبي في المهد واشتد عليهم الخوف حتى كأن الحرب قامت عليهم
أيفطمه التوراب قبل فطامه ... ويأكله قبل البلوغ إلى الأكل
هذا استفهام إنكار وتوبيخ يقول أيفصله عن أمه قبل فطام الأم ويأكله التراب قبل أن يبلغ الصبي الأكل
وقبل يرى من جوده ما رأيته ... ويسمع فيه ما سمعت من العذل
أي قبل أن يرى من جوده ما رأيته أنت من حمد السائلين وبلوغ الأمور العالية وقبل أن يعذل في الجود فيسمع ما سمعته
ويلقى كما تلقى من السلم والوغى ... ويسمى كما تسمى مليكا بلا مثل
أي وقبل أن يبلغ المسالمة والمحاربة فيلقى منهما ما لقيته أنت من بعد الصيت والهيبة في الأعداء وقبل أن يصير ملكا لا نظير له
توليه أوساط البلاد رماحه ... وتمنعه أطرافهن من العزل
أي وقبل أن يتملك البلاد فيغتصبها الولاة برماحه وتمنعه رماحه من العزل يعني أنه يتولاها قسرا لا تولية من جهة غيره فيؤمر ثم يعزل
نبكي لموتانا على غير رغبة ... تفوت من الدنيا ولا موهب جزل
يقبح أمر البكاء على الميت ويذكر قلة غنائه من الباكي يقول نبكي الأموات من غير أن يفوتهم من الدنيا لموتهم شيء يرغب فيه ولا عطاء جزل يعني أن من فارق الدنيا لم يفته بفواتها شيء له خطر
إذا ما تأملت الزمان وصرفه ... تيقنت أن الموت ضرب من القتل
يقول إذا تأملت تصاريف الزمان علمت أن الموت نوع من القتل وذلك أن من لم يقتل بالسيف وما بتقلب الزمان عليه كان كمن قتل لأن كليهما فوات الروح وهذا كما قال الآخر، إذا بل من داء به خال أنه، نجا وبه الداء الذي هو قاتله، يعني الموت لأنه محتوم على كل أحد فجعل الموت قاتلا وقد قال البحتري، رأى بعضهم بعضا على الحب أسوة، فماتوا وموت الحب ضرب من القتل، يعني أن قتل الحب إياهم كقتل السيف
هل الولد المحبوب إلا تعلة ... وهل خلوة الحسناء إلا أذى البعل
стр. 208
التعلة التعليل يقال فلان يعلل نفسه بكذا تعليلا وتعلة إذا كان يطيب به نفسه يقول الولد الذي تحبه إنما هو تعليل للنفس والحزن بسببه أكثر من السرور به وقوله وهل خلوة الحسناء إلا أذى البعل قال ابن جنى إذا خلت الحسناء مع بعلها أدت تلك الخلوة إلى تأذيه بها إما لشغل قلبه عما سواها أو غير ذلك من المضار التي تلحق مواصل الغواني وقال ابن فورجة معنى البيت نهى الرجل عن الخلوة بامرأته لئلا تلد يقول خلوتك بها أذى لك في الحقيقة لأنها تجلب لك ولدا تغتم من أجله وتتأذى بتربيته ولعل العاقبة إلى الثكل
وقد ذقت حلواء النين على الصبا ... فلا تحسبني قلت ما قلت عن جهل
يعني جربت حلاوة البنين وقت شبابي فوجدت الأمر على ما قلته ووصفته ولم أقل ما قلته عن جهل وغفلة يعني قوله هل الولد المحبوب إلا تعلة ويجوز أن يكون قوله على الصبا على صبي البنين أي في حال صباهم والحلواء الحلاوة ومنه قول زهير، تبدلت من حلوائها طعم علقم، وقال ابن جنى في هذا البيت أي لست اسليك إلا عما قد فجعت به فرأيت الصبر عليه احزم من الأسى عليه وهذا بعيد لأنه لم يتقدم هذا البيت ما يدل على ما قاله وإنما تقدم ما ذكرنا
وما تسع الأزمان علمي بأمرها ... وما تحسن الأيام تكتب ما أملي
يقول علمي بأمر الزمان أوسع منه فلا يسع علمي وما أمليه من الحكم والكلمات النادرة لا تحسن الأيام أن تكتبها يريد أنه يعلم ما تعجز الأيام عن مثله والعرب تنسب الحوادث إلى الزمان وتجعله يأتي بالحوادث فهو يقول الأيام مع أنها تأتي بهذه العجائب لا تحسن أن تكتب ما أمليه فتى تعلمه
وما الدهر أهل أن تؤمل عنده ... حيوة وأن يشتاق فيه إلى النسل
يقول الدهر خوان ليس بأهل أن ترجى عنده الحياة لأنه لا يفي بالرجاء ولا يحقق الأمل في الحياة وليس بأهل أن يشتاق فيه إلى الولد لأن الولد إذا عاش بعدك لقى من مكاره الدهر ما ينغص عيشه ويسأم معه الحياة ولأنه أيضا لا يبقي الولد بل يفجع به الوالد وقال أيضا ارتجالا وقد سأله عن وصف فرس ينفذه إليه
موقع الخيل من نداك طفيفُ ... ولو أن الجياد فيها ألوفُ
طفيف قليل حقير من قولهم طف له الشيء واطف واستطف إذا أمكن فالطفيف الممكن غير المتعذر يقول كثرة عطاياك تحقر وتصغر ما سقت من الخيل واهديته حتى كيون موقعها نزرا قليلا وإن كثرت الخيل فتكون الألوف من الجياد في الخيل التي تهبها ويروي ولو أن الجياد منها أي من الخيل.
ومن اللفظ لفظةٌ تجمع الوص ... ف وذاك المطهم المعروف
يعني من الألفاظ التي توصف بها الخيل لفظة واحدة تجمع أوصافها وذلك اللفظ هو المطهم وهو التام الجمال الذي يسحن كل شيء منه على حدته والمعنى أنك أمرتني أن أختار وصف فرس تهبه لي والذي اختاره هو المطهم وهو المعروف عند أهله وأشار بقوله وذاك إلى الوصف لأن المطهم وصف.
ما لنا في الندى عليك اختيار ... كل ما يمنح الشريف شريفُ
يريد أنك استدعيت الوصف فذكرت وصفا واحدا طاعة لأمرك فإما الذي عندي فهو أنه لا اختيار لنا عليك فيما تعطي لأن ما منحته فهو جليل شريف.
وقال وقد خيره بين فرسين دهماء وكميت
اخترت دهماء تين يا مطر ... ومن له في الفضائل الخير
أراد دهماء أي الدهماء منهما كما تقول اخترت فاضل هذين أي الفاضل منهما تين بمعنى هاتين وتا بمعنى هذه وتثنيتها تان وسماه مطرا لكثرة الجود وقوله ومن له أي يا من له الإختيار في الفضائل يعني تأخذ مختار الفضائل ونجيبتها فتختار منها ما تريد ويروى الخبر يعني له الاشتهار في الفضائل والخبر في الناس.
وربما قالت العيون وقد ... يصدق فيها ويكذب النظر
يقول أنا اخترت الدهماء والعيون قد تخطىء فتستحسن ما غيره احسن منه فان النظر قد يصدق فيريك الشيء على ما هو به وقد يكذب فلا يريك حقيقة الشيء.
أنت الذي لو يعاب في ملإ ... ما عيب إلا بأنه بشرُ
يقول ليس لك عيب تعاب به فلو عبت بشيء ما عبت إلا بكونك بشرا أي أنت أجل قدرا من أن تكون بشرا أدميا لأن ما فيك من الفضائل لا تكن في بشر.
وأن إعطاءه الصوارم والخي ... ل وسمر الرماح والعكرُ
стр. 209
المراد بالإعطاء ههنا الأسم لا المصدر يريد به العطاء قال ابن جنى يقول قدرك أن يكون عطاؤك فوق هذا فإذا فعلت هذا فكأنك معيب به لقلته بالإضافة إلى محلك قال ابن فورجة أن كان التفسير على ما ذكر فهو هجو وكيف يهجي الكبار بأكثر من أن يقال ما وهبت يسير بجنب قدرك فيجيب أن تهب أكثر من ذلك والذي أراد المتنبي أنهم لو عابوك ما عابوك إلا بسخائك وإسرافك فيه وليس السخاء ما يعاب به فيكون كقول النابغة، ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم، بهن فلول من قراعِ الكتائب، وقول ابن الرقيات، ما نقموا من بني أمية غلا أنهم يحلمون أن غضبوا، والمعنى أنهم لا يقدرون من عيبك إلا على ما لايعاب به هذا كلامه والذي ذكره ابن جنى صحيح فقد يمدح الإنسان الكثير العطاء بأن قدره يقتضي أكثر مما أعطى كما قال أبو الطيب، يا من إذا وهب الدنيا فقد بخلا،
فاضح أعدائه كأنهم ... له يقلون كلما كثروا
أي يفضح أعداءه بظهور فضله عليهم وتأخرهم عن مكانه ومحله وانتقاص عددهم من مكاثرته حتى كأ، هم يقلون بكثرتهم وينقصون بزيادتهم إذا قيسوا وأضيفوا إليه.
أعاذك الله من سهامهم ... ومخطىء من رميه القمرُ
دعا له أن يحفظه الله من سهام الأعداء ويجوز أن يكون هذا خبرا لقوله ومخطىء من رميه القمر أي أنهم لا يصيبونك برميهم كما لا يصيب من رمى القمر لأنه محلا من أن يبلغه سهم راميه كذلك أنت.
وأمر سيف الدولة بانفاذ خلع إلى أبي الطيب فقال:
فعلت بنا فعل السماء بأرضه ... خلع الأمير وحقه لم نقضهِ
يقول أحيتنا خلع الأمير وزانتنا والبستنا الوشى لأن هذه المعاني موجودة في فعل السماء بالأرض والهاء في أرضه يجز أن تكون كناية عن الممدوح أضاف الأرض كلها إليه تفخيما لشأنه ويجوز أن تكون كنايةً عن السماء وذكره على ارادة السقف أو لأنه جمع سماوة وكل جمع بينه وبين واحده الهاء جاز تذكيره وأراد بالسماء المطر يقول لم نقض حق الأمير كما يستحقه من المدح وقد أتانا بخلعٍ لها فينا تأثير السماء في الأرض.
فكأن صحة نسجها من لفظه ... وكأن حسن نقائها من عرضه
يقول صفات نسجها تشبه ألفاظ الأمير في جودتها وسلامتها من السخافة وكأن نقاءها من نقاء عرضه حيث سلم مما يعاب به.
وإذا وكلت إلى كريمٍ رأيه ... في الجود بأن مذيقه من محضهِ
المذيق الممذوق وهو الممزوج والمحض الخالص يقول إذا فوضت الأمر في الجود إلى الكريم ولم تقترح عليه شيئا بأن معيب الرأي من صحيحه لأن المعيب لا يعطي شيئا على كثرة السؤال والإلحاح عليه والخالص الرأي لا يحوج إلى السؤال بل يعطى على طبيعة جوده وكرمه.
وقال أيضا يمدحه
لا الحلم جاد به ولا بمثاله ... لولا ادكار وداعه وزياله
الزيال والمزايلة والمفارقة يصف شدة هجر الحبيب وأنه لايأتيه في النوم أيضا وهم إذا وصفوا الخيال بالامتناع من الزيارة في النوم أرادوا به شدة هجر الحبيب كما قال، صدت وعلمت الصدود خيالها، ولا يتصور تعليم الخيال الصدود ولكنهم لما يصفون الحبيب بشدة الهجر يجعلون هجر الخيال نوعا من صدوده يقول لم يجد الحلم بالحبيب أي لم أره في النوم ولا رأيت خياله لولا أني تذكرت وداعه ومفارقته وواصلت الفكر فيه ليلا ونهارا لما جاءني خياله والمعنى تذكري في اليقظة الوداع والفراق أراني في النوم خياله ولو غفلت عن ذكره لم أره في النوم يعني أن موجب رؤية الخيال استدامته ذكر الوداع والفراق وجود الحلم بالحبيب جوده بمثاله وجعل أبو الطيب ذلك شيئين ظنا منه أنه يرى الحبيب في النوم ويرى خياله ورؤية الحبيب في النوم رؤية خياله لا رؤية شخصه بعينه.
إن المعيد لنا المنام خيالهُ ... كانت إعادته خيال خيالهِ
стр. 210
يقول إن الذي اعاد المنام لنا خياله فأراناه في النوم كان ذلك الذي أرانا خيال الخيال يعني أنا كنا نصور لأنفسنا في اليقظة خياله فالذي رأيناه في النوم كان خيال ذلك الذي كان يتصور لنا فهو خيال الخيال وهذا البيت تأكيد لما قبله من أنه يدوم على ذكر الحبيب وذكر حال الوداع والفراق قال ابن جنى يقول إنما رأينا الآن في النوم شيئا كنا رأيناه في النوم قبل فصار ما رؤى ثانيا خيال ما رؤى أولا هو خياله فصار الثاني خيال الخيال هذا كلامه وهو باطل لأنه إن رآه ثالثا رآى خيال خياله وكذلك في الرابع يرى خيال الخيال الثالث وهذا لا ينقطع وقوله إن المعيد لنا المنام خياله يجوز أن يريد به الابتداء فسماه اعادة وإن لم يحلم به قبل والعود قد يطلق على الابتداء كقول الشاعر، وماء كلون الزيت قد عاد آجنا، يريد قد صار آجنا وهو كثير ويجوز أن يريد الإعادة على حقيقتها وقوله كانت إعادته أي وقعت وحصلت ولا يختاج في الكون إذا كان بمعنى الوقوع إلى الخبر وخيال خياله منصوبٌ بالإعادة لا بخبر كانت ويجوز أن تكون الإعادة بمعنى المعادة سمى المفعول بالمصدر فيكون نصب خيال خياله بخبر كانت وهذا قول ابن جنى.
بتنا يناولنا المدام بكفه ... من ليس يخطر أن نراه بباله
يحكي في هذا البيت حال رؤيته خيال الخيال في المنام يقول رأيناه يعاطينا الشراب بكفه وما كان يجري على قلبه أن نراه للمسافة البعيدة بيننا والشاعر يجعل ما يراه في النوم كأنه يراه في اليقظة ومن قول البحتري، أراد دونك يقظانا ويأذن لي، عليك سكر الكرا إن جئت وسنانا، وقال قيس ابن الخطيم، ما تمنعي يقظي فقد تؤتينه، في النوم غير مصرد محسوب،
نجني الكواكب من قلائد جيدة ... وننال عين الشمس من خلخاله
جعل فرائد قلادته مثل الكواكب وجعل خلخاله كالشمس في التشبيه وجعل مدة يده على تلك الفرائد جنيا للكواكب وإلى الخلخال نيلا لعين الشمس ويجوز أن يكون التشبيه في البعد لا في الصورة أي ما كنا نظن أن نراه فلما رأيناه صرنا كأنا نرى بقلائده الكواكب وبخلخاله الشمس
بنتم عن العين القريحة فيكم ... وسكنتم ظن الفؤاد الواله
هذا البيت تأكيد لما ذكر فيما قبل يقول ارتحلتم عن مرأى العين التي قرحت بالبكاء في سببكم ونزلتم في ظني وفكري أي في قلبي فليس يخلو القلب من ذكراكم ويروى طي الفؤاد كما يقال ضمن الفؤاد وهذا من قول الآخر، لئن بعدت عني لقد سكنت قلبي، ومثله لابن المعتز، إنا على البعاد والتفرق، لنلتقي بالذكر إن لم نلتق،
فدنوتم ودنوكم من عنده ... وسمحتم وسماحكم من ماله
يقول قربتم مني برؤيتي إياكم في النوم وهذا القرب من عند العاشق أو من عند الفؤاد لأنه إنما أراكم بتفكره وتعلق قلبه بكم ولو خلا القلب منكم لم يحصل هذا الدنو فإذن لا منة لكم في هذا الوصل وكأنكم سمحتم عليه بشيء من ماله وهذا كله معنى قول ابن جنى القلب استدناكم بتفكره فالدنو من قبل القلب لا من قبلكم وسمحتم بالزيارة لكثرة فكره فيكم وكأن السماح إنما هو على التحصيل منه لا منكم ولما ذكر السماح ذكر المال لتجانس الصنعة
إني لأبغض طيف من أحببته ... إذ كان يهجرنا زمان وصاله
أي أبغض طيف الحبيب لأن رؤيتي الطيف عنوان الهجر إذ لا أراه إلا في حال فراق الحبيب وكان من حقه أن يقول إذ كان يواصلني زمان الهجران لأن هجران الطيف زمان الوصال لا يوجب بغضا له إذ لا حاجة به إلى الطيف زمان الوصال ولكنه قلب الكلام على معنى أن هجرانه زمان الوصال يوجب وصاله زمان الهجران
مثل الصبابة والكآبة والأسى ... فارقته فحدثن من ترحاله
يقول يهجرنا الطيف زمان الوصال هجر هذه الأشياء أو بغضه مثل بغض هذه الأشياء التي حدثت من ترحال الحبيب
وقد استقدت من الهوى وأذقته ... من عفتي ما ذقت من بلباله
استقدت طلبت القود وهو القصاص وهذا مثل يريد به كان الهوى يؤذيني والحبيب غائب فلما حضر عصياني داعية الهوى وتعففي عما يجرني إليه جزاء له والبلبال الحزن
ولقد ذخرت لكل أرض ساعة ... تستجفل الضرغام عن أشباله
стр. 211
لكل ارض معناه لأفتتاح كل أرض فحذف المضاف وتستجفل تستدعي سرعته في الهرب من قولهم جفل الظليم وأجفل إذا أسرع وكنى بالساعة عن قصر المدة التي يستولي عليها وسرعة تمكنه منها يقول ادخرت لفتح كل أرض ساعة شديدة تحمل الأسد على الفرار عن أشباله لشدتها وهولها
تلقى الوجوه بها الوجوه وبينها ... ضرب يجول الموت في أجواله
أجواله نواحيه واحدها جول وجال يقول يتلاقى بتلك الساعة الفريقان وبنهما ضرب يدورالموت في نواحي ذلك الضرب
ولقد خبأت من الكلام سلافه ... وسقيت من نادمت من جرياله
السلاف أجود الخمر وهو الذي انعصر من العنب من غير وطأ والجريال ما كان منه أحمر وهو دون السلاف والمعروف في الجريال أنه لون الخمر يقول الذي رأى الناس وسمعوه من كلامي يمنزله الجريال من السلافة أي لم أخرج لهم مختار شعري وجيد كلامي
وإذا تعثرت الجياد بسهلهِ ... برزت غير معثرٍ بجبالهِ
يقول الفصحاء والشعراء إذا تعثروا بالكلام السهل سبقتهم غير متعثر بحزه يعني إذا لم يقدروا على السهل المستعمل كنت قادرا على الغريب المهمل فجعل الجياد مثلا للبلغاء والسهل والجبال مثلا لسهل الكلام وصعبه الممتنعِ.
وحكمت في البلد العراء بناعجٍ ... معتاده مجتابه مغتالهِ
الناعج الأبيض الكريم من الإبل والعراء والأرض الواسعة الخالية يقول حكمت فيها بجملٍ قد اعتاد السفر وقطع الفلوات ومعنى حكت فيه قطعت به على ما قدرت كما أردت لاعتمادي على قوة مطيتي والمغتال المهلك يريد الذي يفنيه بالسير.
يمشي كما عدت المطي وراءه ... ويزيد وقت جمامها وكلالهِ
أي يمشي هذا الناعج مثل مشي يسبق عدو الإبل فهو يمشي والمطي وراءه تعدو ويزيد عليها مشيا إذا كان كالا والمطي جامةٌ.
وتراع غير معقلاتٍ حولهُ ... فيفوتها متجفلا بعقالهِ
أي تراع المطايا وهي غير معقولة ويشتد عدوها وهذا الناعج يسبقها وهو معقول
فغدا النجاع وراح في أخفافهِ ... وغدا المراح وراح في إرقالهِ
يقول بسيره أدرك ما طلب من النجاح فالنجاح في قوائمه وهو نشيط في العدو والنشاط في ارقاله.
وشركت دولة هاشم في سيفها ... وشققت خيس الملك عن ريباله
أي صرت مشاركا لدولة الخليفة في سيف دولته أي هو سيفي كما أنه سيف دولة هاشم وتوصلت إلى أسد الملك بشق الخيس إليه.
عن ذا الذي حرم الليوث كمالهُ ... ينسى الفريسة خوفه بجمالهِ
يقول شققت خيس الملك عن الليث الذي لم يعط الليوث ما أعطى من الكمال ن ذلك أنه ينسى فريسته الخوف بجماله وهو أنه يبهره بحسنه فيشغله عن الخوف والخوف مضاف إلى المفعول لأنه المخوف ومن روى خوفها فالمصدر مضاف إلى الفاعل لأن الفريسة هي الخائفة.
وتواضع الأمراء حول سريره ... ويرى المحبة وهي من آكالهِ
الأمراء يتواضعون له يقبلون الأرض حول سريره ويظهرون له المحبة وهي من أرزاقه واقواته يعني أنه محبوب لكل أحد.
ويميت قبل قتاله ويبش قب ... ل نوالهِ وينيل قبل سؤالهِ
أي يهلك العدو بخوفه وهيبته قبل ان يقاتله ويبش للسائل قبل أن يعطيه ويعطيه قبل أن يسأله.
أن الرياح إاذ عمدن لناخرٍ ... أغناه مقبلها عن استعجالهِ
هذا مثل لعجلته في العطاء وسبقه السائل يقول الرياح إذا عمدت لمنتظرها أغنت عن أن استعجال والرواية الصحيحة مقبلها بفتح الباء أي أقبالها.
أعطى ومن على الملوك بعفوه ... حتى تساوى الناس في إفضالهِ
أي لم يخل أحد من أفضاله عليه فهم بالسوية ومن دون الملوك يعطيهم والملوك تحت منته وعفوه عنهم.
وإذا غنوا بعطائه عن هزهِ ... وإلى فأغنى أن يقولوا والهِ
أي إذا استغنى الناس بما يعطيهم عن أي يحركوه تابع بين العطاء فأغناهم عن أن يسئلوه
وكأنما جدواه من إكثاره ... حسد لسائلهِ على إقلالِه
يقول لاكثاره العطاء كأنه يحسد سائله على الفقر والقلة فيعطى عطاء كثيرا ليصير مثله فقيرا.
غرب النجوم فغرن دون همومهِ ... وطلعن حين طلعن دون منالهِ
стр. 212
يقول النجوم تغور وهمته وراء مغارها لأن همته بلغت أقصى من مغاربها وطلعت النجوم من مشارقها والنجوم دون ما نال بهمته وبلغته همته والمعنى مغرب النجوم ومطلعها أقرب من مبلغ همته وإرادته ويجوز أن يكون المعنى أن منال الممدوح أبعد من مطلع النجوم أي لا تصيبه أعداؤه ولا يبلغون مناله.
والله يسعد كل يومٍ جدهُ ... ويزيد من أعدائه في إلهِ
أي الله تعالى يجدد كل يوم سعادةً بجده ويزيد من اعدائه في أوليائه لأنه يجيبهم إليه فيوالونه ويحبونه.
لو لم تكن تجري على أسيافه ... مهجاتهم لجرت على إقباله
أي لو لم يقتل اعداءه بسيفه ماتوا من قوة جده وإقباله فكان سيف إقباله يقتلهم.
لم يتركوا أثراً عليه من الوغا ... إلا دماءهم على سربالهِ
أي لما قاتل الأعداء لم يؤثروا فيه أثرا غير تلطيخ فميصه بدمائهم.
فلمثله جمع العرمرم نفسه ... وبمثلهِ انفصمت عرى اقتالهِ
يريد بمثله نفسه لا غيره يقول اجتماع الجيش له أي منه ويجوز أن يكون المعنى أنهم إنما يجتمعون له لأنه يسبيهم ويسلبهم ويغنمهم فهم كأنهم إنما جمعوا أنفسهم له وبمثله انكسرت قوى اعدائه وانفصام العرى يريد به الإنكسار والانفلال والتفرق والاقتال الاعداء واحدها قتل.
يا أيها القمر المباهي وجهه ... لا تكذبن فلست من أشكالهِ
يقول للقمر لا تسمعن الكذب ولا يقالن لك الكذب فإنك لست من امثاله في الحسن والنور يعني أن من قال لك أنك مثله فقد كذبت وجعل القمر مباهيا وجهه لأنه بحسنه وزيادته كل ليلة كأنه يباهي وجهه.
وإذا طما البحر المحيط فقل له ... دع ذا فإنك عاجز عن حالهِ
أي إذا امتلأ البحر ماء فقل له دع ذا الامتلاء فإنك لا تبلغ حاله في الجود.
وهب الذي ورث الجدود وما رأى ... أفعالهم لأبن بلا أفعالهِ
يقول وهب ما ورثهم من المال والمآثر كلها فوهب المال للعفاة وترك مفاخر ابائه لقومه غير مفتخر بها لأنه يرى الافتخار بفعل نفسه ولا يرى أفعال الجدود شرفا دون أن يبنى عليها وأخذ الرضى هذا المعنى فقال، فخرت بنفسي لا بقومي موفرا، على ناقصي قومي مآثر أسرتي، وقريب من هذا المعنى قول كشاجم، وإذا افتخرت بأعظمٍ مقبورةٍ، فالناس بين مكذبٍ ومصدقِ، فأقم لنفسك في انتسابك شاهداً، بحديث مجدٍ للقديم محققِ، وأول هذا المعنى للمتوكل الليثي، لسنا وإن أحسابنا كرمت، يوماً على الأحساب نتكلُ، نبني كما كانت أوائلنا، تبني ونفعل مثل ما فعلوا،
حتى إذا فنى التراث سوى العلى ... قصد العداة من القنا بطوالهِ
قوله فنى التراث سوى العلى لأن المال يفنى بالهبة والعلي لا تفنى وإن ترك هو الافتخار بها يقول لنا لم يبق من المال الموروث شيء قصد الأعداء بالرماح الطوال.
وبأرعن لبس العجاج إليهم ... فوق الحديد وجر من أذياله
الأرعن الجيش العظيم شبه برعن الجبل وهو الشخص منه يقول قصد العدو بجيش عظيم وقد لبس ذلك الجيش فوق الحديد العجاج وجز ذيل العجاج والجيش كلما كان أكثر كان العجاج أكثر.
فكأنما قذى النهار بنقعه ... أو غض عنه الطرف من إجلالهِ
أي اظلم النهار حتى كأ، ما وقع في ضوئه قذى من الغبار يعني أن الغبار غطى ضوء النهار فصار كالقذى في عينه أو كان النهار غض طرفه اجلالا له وطرف النهار وهو الشمس فالمعنى أن هذا الغبار نقص من ضوء الشمس وسترها بتكاثفه.
الجيش جيشك غير أنك جيشهُ ... في قلبه ويمينهِ وشمالهِ
يقول الجيش في الحقيقة جيشك فكل جيش سوى جيشك فليس بجيش لكنك جيش جيشك لأنهم بك يتقوون والقلب والجناحان بك قوتهم وهذا من قول الطاءي، لو لم يقد جحفلا يوم الوغا لغدا، من نفسه وحدها في جحفلٍ لجب،
ترد الطعان المر عن فرسانه ... وتنازل الأبطال عن أبطالهِ
هذا تفسير لقوله أنك جيشه يقول تقاتل عن فرسان جيشك فيقع عليك الطعان المر دونهم وتقاتل ابطال اعداءك عن أبطال جيشك فتكفيهم القتال ومقاساة الطعان.
كل يريد رجال لحياته ... يا من يريد حياته لرجالهِ
يقول كل الملوك يريدون رجالهم ليدفعوا عنهم ويحموهم عن اعدائهم ليبقوا ويسلموا وأنت تريد أن تبقى وتسلم لتدافع عن رجالك وتحامى دونهم وهذا غاية الكرم والشجاعة.
стр. 213
دون الحلاوة في الزمان مرارةٌ ... لا تختطي إلا على أهوالهِ
يقول لا يوصل إلى حلاوة الزمان إلا بعد ذوق مرارته ولا تتجاوز تلك المرارة إلا بارتكاب الأهوال كما قال، ولا بد دون الشهد من إبر النحل، وقوله على أهواله علي يتضمن معنى الركوب أي تركب إلى حلاوة أهوال الزمان للوصول إليها كما يقال لا تقطع الفلاة إلا على الإبل
فلذاك جاوزها على وحده ... وسعى بمنصله إلى آمالهِ
أي فلهذا توحد عليّ بوجود المملكة وهي حلاة الزمان لأنه لا يركب الأهوال غيره وسعى بسيفه إلى ما كان يأمله فأدركه حين طلبه بالسيف.
وقال أيضا يمدحه.
أنا منك بين فضائل ومكارمِ ... ومن ارتياحك في غمامٍ دائمِ
يقول أنا منك بين فضائل ذاتيةٍ وهي أوصاف ذاتك ومكارم فعلية هي صفات فعلك ومن اهتزازك للعطاء في غمام يدوم لي مطره.
ومن احتقارك كل من تحبوبه ... فيما ألاحظه بعيني حالم .
يقول أستعظم احتقارك ما تعطيه حتى كأني لا أعاينه في اليقظة وإنما أراه حلما وما في قوله فيما ألاحظه نكرةٌ كأنه قال في شيء ألاحظه وليست بموصولة.
إن الخليفة لم يسمك سيفها ... حتى بلاك فكنت عين الصارمِ
أي لم يسمك الخليفة سيف الدولة إلا بعد أن جربك فكنت صارما حقيقةً.
فإذا تتوج كنت درة تاجهِ ... وإذا تختم كنت فص الخاتمِ
يقول الخليفة يتجمل بك تجمل التاج بالدر والخاتم بالفص.
وإذا انتضاك على العدى في معركٍ ... هلكوا وضاقت كفهُ بالقائمِ
يقول وإذا جردك على عدو هلك ذلك العدو وعجز عن حملك يعني أنك أجل من أن تكون سيفه.
أبدى سخاؤك عجز كل مشمرٍ ... في وصفه وأضاق ذرع الكاتمِ
أي من تشمر لوصف جودك أظهر جودك عن وصفك كما قال، وكل من أبدع في وصفه، أصبح منسوبا إلى العي، ومن كتم وصف جودك ضاق ذرعه لأنه يريد أن يصف جودك ويعلم عجزه فيضيق صدره لذلك.
وقال يمدح سيف الدولة وقد أمر له بفرس دهماء وجارية.
أيدري الربع أي دمٍ أراقا ... واي قلوبِ هذا الركب شاقا
يقول هذا الربع هل يدري ما فعل من إراقة دمي وحمل قلبي على الشوق وهذا استفهام انكار واستعظام لما فعله الربع من قتله بشوقه إلى أحبته وذلك أن الربع هيج له شوقا وجدد له ذكر الأحبة وكان من حق ترتيب الكلام أن يقدم في الإرادة.
لنا ولأهله أبداً قلوبٌ ... تلاقى في جسومٍ ما تلاقي
يقول لنا وللذين كانوا أهل هذا الربع قلوبٌ تتلاقى في جسومٍ ما تتلاقى يعني نحن نذكرهم وهم يذكروننا فكأننا نتلاقى بالقلوب كما قال ابن المعتز، إنا على البعاد والتفرقِ، لنلتقي بالذكر إن لم نلتقِ،
وما عفت الرياح له محلاً ... عفاه من حدا بهم وساقا
يقول لم تعف الرياح لهذا الربع مهنزلا فلا ذنب للريح في دروس منازله إنما عفاه الحادي بسكانه والسائق لأنهم لو لم يخرجوا منه لما درس الربع وهذا قريب من قول أبي الشيص، ما فرق الألف بعد الله إلا الإبل، والناس يلحون غراب البيت لما جهلوا، وما إذا صاح غراب في الديار احتملوا، ولا على ظهرِ غراب البيت تطوي الرحلُ، وما غراب البيت إلا ناقةٌ أو جملُ،
فليت هوى الأحبة كان عدلاً ... فحمل كل قلب ما أطاقا
أي ليت هوى الأحباب كان عادلا في فعله فكان يحمل على كل قلب بقدر طاقته وفي هذا اشارة إلى أنه اعشق العشاق وإن الهوى حمله ما لا يطيقه جورا عليه.
نظرت إليهم والعين شكري ... فصارت كلها للدمع مأقا
أي نظرت إلى الأحبة عند ارتحالهم والعين ممتلئة بالماء فسال الماء من جميع جوانبها لامتلائها بالماء حتى كان جميع الجوانب مآقٍ لسيلان الدمع منها.
وقد أخذ التمام البدر فيهم ... وأعطاني من السقم المحاقا
أي الحبيب الذي هو كالبدر أخذ التمام في الحسن والنور وأنا لسقمي كأنه اعطاني المحاق والمعنى أنه كان في الحسن كالبدر ممتلئا نورا وبهاء وكنت أنا في الدقة كالقمر في المحاق ومن هذا أخذ قوله من قال، يا من يحاكي البدر عند تمامهِ، أرحم فتًى يحكيه عند محاقه،
وبين الفرع والقدمين نور ... يقود بلا أزمتها النياقا
стр. 214
لما جعله بدرا والبدر لا يخص النور بعضه وصفه بأنه من فرقه إلى قدمه نور ون نياق الركب تهتدي بنوره فكأنه يقودها بلا أزمتها ويجوز أن يريد بالنور وجهه وذلك أنه أراد أن يذكر تفصيل المحاسن التي بين شعره وقديمه فذكرها واحدا واحدا وبدا بالوجه ثم ثنى بالطرف.
وطرف إن سقى العشاق كأساً ... بها نقص سقانيها دهاقا
وخصر تثبت الأبصار فيه ... كأن عليه من حدق نطاقا
قال ابن حنى أي تؤثر الأبصار في خصره لنعمته وبضاضته يقول تأثر خصره بالنظر إليه فكأن عليه نطاقا من آثار الأحداق قال ابن فورجة كيف تؤثر العين في الخصر وهي لا تصل إليه لأن الخصر لايتجرد من الثياب وأيضا فالخصر لا يوصف بالنعومة والرقة إنما يوصف بها الخدود والوجنات وأراد المتنبي أن الأبصار تثبت في خصره استحسانا له وتكثر عليه من الجوانب حتى تصير كالنطاق عليه وهذا منقول من قول بشار، ومكللاتٍ بالعيون طرقننا ورجعن ملسا، يريد أنهن لحسنهن تعلوا الأبصار إلى وجوههن ورؤسهن حتى كأن لهن أكليلا من العيون هذا كلامه وهو صحيح وقد نقل أبو الطيب العين إلى الخصر والإكليل إلى النطاق والسري الموصليّ كشف عن هذا المعنى في قوله، أحاطت عيون العاشقين بخصرهِ، فهن له ون النطاق نطاق،
سلى عن سيرتي فرسي وسيفي ... ورمحي والهملعة الدفاقا
الهملعة الناقة السريعة والدفاق والدفاق المتدفقة في السير يقول للمرأة سلى عن حال سيري هذه الأشياء يعني أ، هـ كان وحده ولم يصحبه غير ما ذكر فلا يستخبر عن سيره غير الفرس والرمح والسيف والناقة.
تركنا من وراء العيس نجدا ... ونكبنا السماوة والعراقا
السماوة قرية معروفة يقول ملنا عن طريق السماوة وطريق العراق وخلفنا نجدا وراءنا يعني في القصد إلى الممدوح.
فما زالت ترى والليل داجٍ ... لسيف الدولة الملك ائتلاقا
الائتلاق البريق يقال ائتلق البرق وتألق إذا لمع يقول لم تزل العيس ترى نور وجهه سيف الدولة في ظلمة الليل وهذا من قول عبد بن الحسحاس، إذا نحن أدلجنا فأنت أمامنا، كفى لمطايانا بوجهك هاديا، ومثله قول أبي الطمحان القيني، أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم، دى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه،
أدلتها رياح المسك منه ... إذا فتحت مناخرها انتشاقا
يقول أدلة العيس في طريقها إلى سيف الدولة انتشاقها رياح المسك منه إذا فتحت مناخرها وهذا من قول أبي العتاهية، ولو أن ركبا أمموك لقادهم، نسميك حتى يستدل بك الركب،
أباح الوحش يا وحش الأعادي ... فلم تتعرضين له الرفاقا
ويروي أباحك أيها الوحش الأعادي التعرض القصد يقول للوحش قد أباحك أعداءه بأن قتلهم فلم تقصدين الرفاق التي تسير إليه والتقدير فلم تتعرضين له أي رفاق وهي جمع رفقة وهي الجماعة في السفر.
ولو تبعت ما طرحت قناهُ ... لكفك عن رذايانا وعاقا
الرذايا المهازيل من الإبل واحدها رذية وتبع بمعنى اتبع يقول للوحش لو تتبعت ما طرحت رماحه من القتلى لكفك ذلك عن مطايانا ولكان لك فيه كفاية عن التعرض لنا.
ولو سرنا إليه في طريقٍ ... من النيرانِ لم نخف احتراقا
يقول نحن آمنون في طريقنا إليه حتى لو سرنا في النيران ما قدرت على احراقنا يذكر أمن السالكين في طرق لاويته.
إمام للأئمة من قريشٍ ... إلى من يتقون له شقاقا
يقول هو إمام للخلفاء يتقدمهم إلى من يخالفهم كتقدم الإمام للمتقديمن وقوله يتقون له شقاقا يعني عدوا يحذرون خلافه ويتقدمون إليه ليكفيهم ذلك العدو ثم فسر هذه الإمامة فقال
يكون لهم إذا غضبوا حساما ... وللهيجاء حين تقوم ساقا
فلا تستنكرون له ابتساما ... إذا فهق المكر دماً وضاقا
الفهق الإمتلاء والمتفيهق الذي يفهق فمه بالكلام يقول لا تنكر تبسمه في أهوال ساعة الحرب وهو عند ضيق المكر بازدحام الأبطال وامتلائه بالدم ثم ذكر علة ترك الإنكار لتبسمه فقال.
وقد ضمنت له المهج العوالي ... وحمل همه الخيل العتاقا
يقول لا كلفة عليه في الحرب لأن الرماح ضمنت له أرواح الأعداء فإزهاقها في ضمان الأرماح وإذا هم بأمرٍ أدركه على ظهور خيله وهي حاملة همه وقد فسر هذا في قوله
إذا أنعلن في آثار قومٍ ... وإن بعدوا جعلنهم طراقا
стр. 215
الطرق نعل تحت نعل يقول إذا أنعلت خيله لقصد قوم أدركتهم فداستهم بحوافرها حتى تصير جلودهم ولحومهم طراقا لنعالها وإن بعد المطلوبون.
وإن نقع الصريخ إلى مكانٍ ... نصبن له مؤللةً دقاقا
النقع ذهاب الصوت وبعده والصريخ المستغيث ههنا ومعنى نقع الصريخ نقع صوت الصريح فحذف المضاف والمؤللة المحددة يريد آذانها وآذان الخيل توصف بالدقة يقول إذا سمعن صوت الصريخ نصبن آذانها لاستماعه لأنهن تعودن إجابة الصريخ وإن كان يدعو الصريخ غيرهن وهو معنى قوله إلى مكان يعني إلى مكان سوى مكانهن.
فكان الطعن بينهما جوابا ... وكان اللبث بينهما فواقا
الفواق والفواق قدر ما بين الحلبتين ويضرب مثلا في السرعة واللبث القليل والفواق أيضا الشهقة الغالبة للانسان يقول تجيب خيله الصريخ بالطعان من غير لبث في اجابته فتجعل الطعن جوابا وقدر اللبث بين الإجابة وبين دعاء الصريخ قدر فواق ناقة أو فواق إنسان يعني لا لبث بينهما.
ملاقيةً نواصيها المنايا ... معاودةً فوراسها العناقا
أي تقابل نواصي خيله المنايا وتعاود فوارسها معانقةً الأبطال وهي آخر حالة في الحرب وأولها الملاقاة من بعيد ثم المراماة بالسهام ثم المنازلة بالرماح ثم المنازلة إلى الأقران ثم المعانقة وانتصب ملاقية ومعاودة على الحال من الخيل والعامل فيها المصدر في قوله وكان الطعن.
تبيت رماحهُ فوق الهوادي ... وقد ضرب العجاج لها رواقا
يريد بالهوادي اعناق الخيل يقول تبيت رماحه فوق اعناقها أي لا ينزل بالليل أخذا بالحزم وكأنها من العجاج تحت رواق.
تميل كأن في الأبطال خمراً ... عللن به اصطباحا واغتباقا
أي تميل رماحه في الأبطال كأنها علت الخمر صبوحا وغبوقا فهي لسكرها تميل وميلانها إنما هو للينها وهذا من قول البحتري، يتعثرن في النحور وفي الأوجه سكراً لما شربن الدماءا،
تعجبت المدام وقد حساها ... فلم يسكر وجاد فما أفاقا
أي شرب الخمر فلم تغلبه الخمر على عقله حتى تعجبت حين لم تقدر على عقله وذلك لقوته ومتانته ولما جاد بالمال لم يفق من سكر الجود.
أقام الشعر ببابه منتظرا لعطائه فلما فاقت عطاياه الأمطار في الكثرة فاق الشعر الأمطار أيضا يعني كثرت عطاياه وكثرت الأشعار في مدحه.
وزنا قيمة الدهماء منه ... ووفينا القيان به الصداقا
إنما قال هذا لأنه أعطاه فرسا وجارية فقا لوزنا قيمة الفرس من الشعر وبذلنا مهر الجارية منه أي ملكنا الجارية الفرس بالشعر وسمى قيمة الجارية صداقا لأن القيمة للأمة كالصداق للحرة حيث تستحل الأمة بالثمن كما تستحل الحرة بالمهر.
وحاشا لأرتياحك أن يباري ... وللكرم الذي لك أن يباقي
استدرك في هذا البيت ما ذكره في البيت الأول من وزن قيمة الفرس وصداق الجارية من الشعر لأنه جعل شعره في مقابلة عطائه فقال في هذا البيت لا يباري ارتياحك للعطاء بشيء لأنه أكثر من أن يعارضه شيء وكرمك لا يباهي بالبقاء لأنه أبقى من كرم غيرك وحاشا كلمة توضع للاستثناء والتبعيد للشيء ويجوز أن يكون هذا البيت غير متعلق بما قبله يخبر فيه عن ارتياحه الذي هو أكثر من ارتياح غيره وكرمه الذي هو أبقى من كرم غيره.
ولكنا نداعب منك قرما ... تراجعت القروم له حقاقا
هذا البيت يؤكد الوجه الأول في البيت الذي قبله والمداعبة الممازحة والقرم الفحل الذي ترك من العمل للفحلة والحقاق جمع حقة وهي التي دخلت في السنة الثالثة فاستحقت الركوب والحمل يقول قولي وزنا قيمة الدهماء مداعبة ونحن نداعب منك سيدا كل سيد عنده كالحقاق عند القروم
فتى لا تسلب القتلى يداه ... ويسلب عفوه الأسرى الوثاقا
يقول إذا قتل قتيلا لم يأخذ سلبه ترفعا عن ذلك وعفوه يسلب أسراه اغلالهم وقيودهم يعني يعفو عنهم ويطلقهم.
ولم تأت الجميل إلى سهواً ... ولم أظفر به منك استراقا
يقول لم تحسن إلى غفلة منك بل عن علمٍ وتجربةٍ احسنت إليّ ولم أظفر باحسانك من غير استحقاق كمن يسرق شيئا.
فأبلغ حاسدي عليك أني ... كبا برق يحاول بي لحاقا
следующие страницы →