Полный текст (401 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
يقول هن يرين هذه الأشياء والخصال مني ضراتهن لأنها تمنعني الخلوة بهن ويروي وترى المروة بالرفع وكذلك ما عطف عليها وكل بالنصب على اسناد الفعل إلى المروة وقد فسر هذا البيت بما قال:
هن الثلاث المانعاني لذتي ... في خلوتي لا الخوف من تبعاتها
يقول هذه الأشياء تمنعني اللذة بهن في الخلوة لا ما يتخوف من تبعات اللذة.
ومطالبٍ فيها الهلاك اتيتها ... ثبت الجنان كأنني لم آتها
ثبت الجنان ثابت القلب قال العجاج، ثبت ما صيح بالقوم وقره، يقول قلبي وأنا قد أتيتها كهو وأنا لم آتها يصف قوة قلبه وأنه لا يفزع من شيء.
ومقانبٍ بمقانب غادرتها ... أقوات وحشٍ كن من أقواتها
المقانب جمع المقنب وهو الجماعة من الخيل يقول رب جيش قد تركتهم بجيش آخر أقوات وحوشٍ كانت تلك الوحوش من أقواتها أي كانوا يصيدون الوحوش فيتقوتونها فلما قتلتهم صاروا قوتا للوحوش وهذا على مذهب العرب في أكلهم كل ما دب ودرج لأنه لا يتقوت في الشرع من الوحوش ما يتقوت الناس.
أقبلتها غرر الجياد كأنما ... أيدي بني عمران في جبهاتها
اقبلتها ألهاء للمقانب التي اهلكها ويقال اقبلته الشيء أي وجهته إليه وجعلته قبالته مما يليه وعني بالأيدي النعم وجرت العادة في جمع يد النعمة بالأيادي وفي يد العضو بالأيدي واستعمل أبو الطيب هذه في مكان تلك في الموضعين جميعا أحدهما هذا البيت والثاني قوله فتل الأيادي وبياض يد النعمة مجاز والشاعر يورد المجاز موارد الحقيقة.
الثابتين فروسةً كجلودها ... في ظهرها والطعن في لباتها
إذا رفعت الطعن فالواو للحال ومعناه ان الطعن ينزف الخيل وهم يثبتون في تلك الحال فإذا خفضت فمعناه يثبتون في ظهورها ثبات الطعن في صدورها.
العارفين بها كما عرفتهم ... والراكبين جدودهم أماتها
كان الوجه أن يقول والراكب جدودهم لأنه في معنى الذين ركب جدودهم كما يقال مررت بقالوم القائم أخوهم أي الذين قام أخوهم إلا أن هذا على قول من يقول ذهبوا اخوتك، وقاما أخواك والذي يذكره الناس في معنى هذا البيت أن هذه الخيل تعرفهم وهم يعرفونهم لأنها من نتائجهم تناسلت عندهم فجدود الممدوحين كانت تركب أمات هذه الخيل وسياق الأبيات قبله يدل على أنه يصف خيل نفسه لا خيل الممدوحين وهو قوله أقبلتها غرر الجياد وإذا كان كذلك لم يستقم هذا المعنى إلا أن يدعى مدعٍ أنه قاتل على خيل الممدوحين وأنهم يقودون الخيل إلى الشعراء قال ابن فورجة والذي عندي أنه يصف معرفتهم بالخيل ولا يعرفها إلا من طال مراسه لها والخيل تعرفهم أيضا لأنهم فرسان هذا كلامه ولم يوضح أيضا ما وقع به الإشكال وإنما يزول الإشكال بأن يقال الجياد أسم الجنس ففي قوله غرر الجياد أراد جياد نفسه وفيما بعده أراد خيل الممدوحين والجياد تعم الخيلين جميعا وقوله والراكبين جدودهم أماتها يريد أن جدودهم كانوا من ركاب الخيل أي أنهم عريفون في الفروسية طالما ركبوا الخيل فهذه الخيل مما ركب جدودهم أماتها ويشبه هذا في المعنى قول أبي العلاء المعري، يا ابن الأولى غير زجر الخيل ما عرفوا، إذ تعرف العرب زجر الشاء والعكر، ويقال الأمات فيما لا يعقل والأمهات يطلق على من يعقل هذا هو الغالب في الاستعمال ويجوزعلى العكس من هذا.
فكأنها نتجت قياما تحتهم ... وكأنهم ولدوا على صهواتها
الصهوة مقعدة الفارس يقول لشدة إلفهم الفروسية وطول مراسهم ركوب الخيل كأنها ولدت تحتهم وكأنهم ولدوا عليها.
إن الكرام بلا كرامٍ منهم ... مثل القلوب بلا سويداواتها
يعني أنهم خلص الكرام فهم بمنزلة السويداء من القلب.
تلك النفوس الغالبات على العلا ... والمجد يغلبها على شهواتها
أي يغلبون الناس على العلا ويغلبهم المجد فيحول بينهم وبين شهواتهم التي جعلت في بنى آدم مما يغر ويشين.
سقيت منابتها التي سقت الورى ... بيدي أبي أيوب خير نباتها
стр. 142
جعل اجوادهم وآباءهم منابت لنفوسهم لما أراد أن يدعو لها بالسقي إذ كانت المنابت محتاجة إلى السقي ولما جعلهم منابت جعل أبا أيوب أكرم نبات تلك المنابت يقول سقى الله منابت هذه النفوس بيدي أبي أيوب الذي هو خير نباتها أي نفسه اشرف هذه النفوس المذكورة وجعل النبات يسقى المنابت إغرابا في الصنعة قال ابن جنى أي لا أزال الله ظله وعرفه عن أهله وذويه قال ابن فورجة ليس الغرض أن يدعو لقوم أبي ايوب بأفضاله عليهم ولكن الغرض تعظيم شأن عطائه كأنه لو دعا بأن يسقيهم الغيث كان دون سقيا ندى أبي أيوب
ليس التعجب من مواهب مالهِ ... بل من سلامتها إلى أوقاتها
يقول لسنا نتعجب من كثرة مواهبه وعطاياه وإنما نتعجب كيف سلمت من بذله وتفريقه إلى أن وهبها لأنه ليس من عادته الإمساك ومعنى إلى أوقاتها إلى أوقات بذلها.
عجباً له حفظ العنان بأنملٍ ... ما حفظها الأشياء من عاداتها
لو مر يركض في سطور كتابةٍ ... أحصى بحافر مهره ميماتها
يصفه بالفروسية فإن فرسه يطاوعه على ما كلفه وخص الميم لأنه اشبه بالحافر من جميع حروف المعجم.
يضع السنان بحيث شاء مجاولا ... حتى من الآذان في أخراتها
مجاولا مفاعلا من الجولان وبالحاء من المحاولة يعني الطلب يصفه بالحذق والثقافة في الطعان يقول يقدر أن يضع سنانه في ثقب الأذنين.
تكبو وراءك يا ابن أحمد قرح ... ليست قوائمهن من آلاتها
القرح جمع قارح من الخيل وهو الذي أتى عليه خمس سنين واستكمل قوته أي قوائمهن لا تصلح لاتباعك في طريقك والهاء من آلاتها تعود إلى وراء وهي مؤنثة وتصغيرها ورية بالتاء ويجوز أن تعود ألى القرح أي أنها إذا اتبعتك لم تعنها قوائمها فليست من آلاتها وهذا مثل يريد أن الكبار والفحول إذا راموا لحاقك في مدى الكرم كبوا ولم يلحقوك والمعنى أن سبيلك في العلى تخفى وعورته على من تبعك فيعثر وأن كان قوياً كالقارح من الخيل.
رعد القوارس منك في أبدانها ... أجرى من العسلان في قنواتها
الرعد جمع رعدة وعسلان الرمح اضطرابه يقول الارتعاد في ابدان الفوارس من خوفك اظهر وأجرى من الاهتزاز في رماحهم.
لا خلق أسمح منك إلا عارف ... بك رآء نفسك لم يقل لك هاتها
راء مقلوب من رأى كما قالوا نآء ونأي يقول لا أحد اسمح منك إلا إنسان رآك فعرفك فلم يسألك أن تهب له نفسك وهذا من قول الآخر، ولو لم يكن في كفه غير روحه، لجاد بها فليتق الله سائله،
غلت الذي حسب العشور بآيةٍ ... ترتيلك السوراتِ من آياتها
الغلت مثل الغلط والعشور اعشار القرآن والترتيل التبيين في القراءة يقول الذي يحسب العشور يعني القرآن والقرآن كله عشور وهي معجزة واحدة وترتيلك في حسن قراءتك وبيانك معجزة أيضا فمن سمع ترتيلك فلم يعده آيةً فهو غالط بآية لأن ترتيلك في الإعجاز مثلها فوجب الحاقه بها حتى يقال القرآن معجزة وترتيلك معجزة فهما معجزتان.
كرم تبين في كلامك ماثلاً ... ويبين عتق الخيل في أصواتها
الماثل الظاهر إذا سمع إنسان كلامك عرف كرمك كما أن الفرس الكريم إذا صهل عرف عتقه بصهيله والمعنى أن كلامك أمر بالعطاء ووعد بالإحسان وما أشبه ذلك مما يدل على كرمك.
أعيا زوالك عن محلٍّ نلتهُ ... لا تخرج الأقمار عن هالاتها
شبهه في علو محله بالقمر لذلك ضرب له المثل في أنه لا يزول عن شرف محله كالقمر الذي لا يخرج من هالته وهي الدائرة حوله.
لا نعذل المرض الذي بك شائق ... أنت الرجال وشائق علاتها
يقال شاقه إذا حمله على الشوق يقول المرض الذي أصابك غير ملومٍ في إصبته إياك لأنك تشوق كل شيء إلى زيارتك لما يسمع من اعاجيب اخبارك فتشوق الرجال إلى قصدك وتشوق علات الرجال أيضا ومن علاتها مرض الشوق إلى الممدوح يقول فأنت تشوقها وتنتقل إليك عنهم.
فإذا نوت سفراً إليك سبقتها ... فأضفت قبل مضافها حالاتها
стр. 143
لمضاف ههنا مصدر بمعنى الإضافة يقول إذا أرادت الرجال السفر إليك سبقتها بإضافة أحوالها قبل إضافتك أياها وإنما يريد إقامة العذر للمرض الذي به وجميع الناس رووا سبقتها بالتاء قال ابن فورجة والصواب عندي سبقنها بالنون لن المعنى إذا نوت الرجال السفر إليك سبقت العلات الرجال فجاءتك قبلها ويصح سبقتها بالتاء على تمحل وهو إن يقال سبقت إضافتها أي إضافة حالاتها فيكون من باب حذف المضاف ويريد بالحالات حالات المرض الذي ذكر
ومنازل الحمى الجسوم فقل لنا ... ما عذرها في تركها خيراتها
يقول لا عذر للحمى في تركها جسمك إذا كان أفضل الجسوم ويقال حمى وحمة قال الشاعر، لعمري لقد بر الضباب بنوئه، وبعض البنين حمةٌ وسعال،
أعجبتها شرفاً فطال وقوفها ... لتأمل الأعضاء لا لآذاتها
يقول أعجبت الحمى بما رأت فيك من خصال الكرم والشرف فاقامت في بدنك لتتأمل اعضاءك المشتملة على تلك الخصال لا لتؤذيك والأذاة مصدر أذى يأذي أذى وأذاةً.
وبذلت ما عشقته نفسك كله ... حتى بذلت لهذه صحاتها
يقول كل ما احبته نفسك قد بذلته حتى بذلت لهذه العلة صحتك يريد أنه بذول يبذل كل شيء يحبه.
حق الكواكب أن تزورك من علو ... وتعودك الآساد من غاباتها
من علو من فوق يقول حقها أن تأتيك عائدةً لك لأنها شريكتك في العلو وكذلك الآساد لأنها تشبهك في الشجاعة.
والجن من ستراتها والوحش من ... فلواتها والطير من وكناتها
يريد أن جميع الأجناس من الحيوان تتألم لعلتك لعموم نفعك فلو قدرت على عيادتك لأتتك والوكنة اسم لكل وكر وعش وهي مواقع الطير.
ذكر الأنام لنا فكان قصيدةً ... كنت البديع الفرد من أبياتها
في الناس أمثلة تدور حيوتها ... كمماتها ومماتها كحيوتها
أمثلة جمع مثال يعني أنهم أشباه الناس وليسوا بناس ولا فصل بين حيوتهم وموتهم لأنه لا خير فيهم وتدور صفة الأمثلة ومعناه تنتقل من حالٍ إلى حالٍ.
هبت النكاح حذار نسلٍ مثلها ... حتى وفرت على النساء بناتها
خفت إن تزوجت أن يكون لي ولد مثل هؤلاء فتركت البنات موفورةً على الأمهات لم أتزوج واحدة منهنّ.
فاليوم صرت إلى الذي لو أنه ... ملك البرية لأستقل هباتها
أي لو كانوا مملوكين له ثم وهبهم لاستقل ذلك ومن روى وهب كان المعنى أنه لو عم البرايا بالعطاء لاستقلها.
مسترخصٌ نظرٌ إليه بما به ... نظرت وعثرة رجله بدياتها
يقول لو اشترت البرية نظرا إليها باعينها لكان رخيصا ولو فديت عثرة رجله بديات البرية لكان الفداء رخيصا أيضا يعني أن دية عثرته أكثر من ديات البرية ويروى وعثير رجله يعني أن غبار رجله لو اشترى بديات الورى لكان رخيصا.
وقال يمدح عليّ بن أحمد بن عامر الأنطاكي.
أطاعن خيلاً من فوارسها الدهر ... وحيدا وما قولي كذا ومعي الصبر
أراد بالخيل الحوادث يقول أقاتل عسكرا الدهر أحد فوارسه والمعنى أني أقاتل الدهر واحداثه وحيدا لا ناصر لي ثم رجع عن هذا وقال لم أقول أني وحيد والصبر معي يريد مقاساته شدائد الدهر ونوائبه وصبره على ذلك.
وأشجع مني كل يومٍ سلامتي ... وما ثبتت إلا وفي نفسها أمرُ
يقول سلامتي في بقائها معي في هذه المطاعته أشجع مني وهذا مجاز والمعنى أني أسلم من هذه الحوادث فلا تصيب بدني ولا مهجتي بضرب ثم قال وما بقيت سلامتي معي إلا لأمم عظيم يظهر علي بدني.
تمرست بالآفات حتى تركتها ... تقول أمات الموت أم ذعر الذعرُ
يقول تحككت بالآفات من الأسفار والحروب حتى قالت الآفات أمات الموت حيث لا يصيب هذا المتمرس بي أم ذعر الذعر فلا يذعره وهذا مجاز والمعنى أن الآفات لو قدرت على النطق لقلت هذا القول لكثرة ما تراني أمارسها من غير خوفٍ يلحقني ولا هلاكٍ يصيبني.
وأقدمت أقدام الأتي كأن لي ... سوى مهجتي أو كان لي عندها وترُ
يقول أقدمت على الشدائد والأهوال إقدام السيل الذي لا يرده شيء كأن لي سوى مهجتي مهجة أخرى أن فاتتني مهجتي كانت لي بدلا أو كأن لي حقدا عند مهدتي فأنا أريد إهلاكها.
ذر النفس تأخذ وسعها قبل بينها ... فمفترق جارانِ دارهما العمر
стр. 144
جعل الجسم والروح جارين والعمر دارهما وصحبتهما تكون مدة العمر فإذا فنى العمر افترقا يقول دع نفسك تأخذ ما تطيق مما تريد من لذةٍ أو مال أو حرب فإنها غير باقيةٍ مع الجسم.
ولا تحسبن أن كمال الشرف أن تشتغل بشرب الخمر سماع القيان فليس المجد إلا ضرب السيف وقتل الأعداء اغتيالا والبكر من كل شيء الذي لم يكن له مثل سبقه ويعني بالفتكة البكر التي لم يفتك مثلها.
وتضريب أعناق الرجال وأن ترى ... لك الهبوات السود والعسكر المجر
الهبوات الغبرات والمجر الجيش العظيم.
وتركك في الدنيا دويًّا كأنما ... تداول سمع المرء أنملهُ العشرُ
الدوي الصوت العظيم يسمع من الريح وحفيف الشجر يقول وأن تترك في الدنيا جلبة وصياحا عظيما كأن المرء سدّ مسامعه بأنامله على وجه التداول إذا انأى واحدةً أدنى أخرى وذلك أن الإنسان إذا سد أذنه سمع ضجيجا وجلبة ونقل بعضهم هذا المعنى وجعل ذلك خرير دموعه فقال، فأحش صماخيك بسبابتي، كفيك تسمع لدموعي خرير، ويجوز أن يريد أنه لا يسمع إلا الضجة حتى كأنه سد مسامعه عن غيرها.
إذا الفضل لم يرفعك عن شكر ناقصٍ ... على هبةٍ فالفضل فيمن له الشكر
يقول إذا لم يرفعك فضلك عن الأنبساط إلى اللئيم فقد الزمك الأخذ منه شكره وإذا صار مشكوراً فإن الفضل له وقال ابن جنى أي إذا اضطرتك الحال إلى الشكر اصاغر النار على ما تتبلغ به فالفضل فيك ولك لا للممدوح المشكور وقال أبو الفضل العروضي يقول أبو الطيب بالفضل فيمن له الشكر ويقول أبو الفتح بالفضل فيك ولك فيغير اللفظ ويفسد المعنى والذي أراد أبو الطيب أن الفضل والأدب إذا لم يرفعاك عن شكر الناقص على هبته فتمدحه طمعا وتشكره على هبته فالناقص هو الفاضل لا أنت يشير إلى الترفع عن هبة الناقص والتنزه عن الأخذ منه حتى لا يحتاج هو الفاضل لا أنت يشير إلى الترفع عن هبة الناقص والتنزه عن الأخذ منه حتى لا يحتاج إلى شكره وقال ابن فورجة الذي أراد أبو الطيب أنه إذا كان فضلك لا يرفعك عن شكر ناقصٍ على إحسانٍ منه إليك فإن الفضل لمن شكرته لا لك لأنك محتاج إليه يعني أن الغنى خير من الأدب إذا كان الأدب محتاجا إلى الغنى هذا كلامه وليس في البيت ذكر الغنى ولا الحاجة وجملته أنه يحث على ترك الإنبساط إلى اللئيم الناقص حتى لا تحتاج إلى أن تشكره فيكون له الفضل بشكر الفاضل إياه والأخذ منه كما قال العروضي والذي أدخل الشبهة على أبي الفتح حتى قال فالفضل فيك ولك أنه تاول في قوله فالفضل فيمن له الشكر أنه يريد الشاكر والشاكر له الشكر من حيث أنه يشكر إلى هذا ذهب فأفسد المعنى وإنما أراد أبو الطيب بقوله له الشكر المشكور الذي يشكر على إحسانه.
ومن ينفق الساعات في جمع مالهِ ... مخافة فقرٍ فالذي فعل الفقر
يقول من جمع المال خوف الفقر كان ذلك هو الفقر لأنه إذا جمع منع والمنع فقر وهذا كما قيل قديما الناس في الفقر مخافة الفقر.
عليّ لأهل الجور كل طمرةٍ ... عليها غلامٌ مل حيزومهِ غمرُ
الطمرة الفرس الوثابة نشاطا والحيزوم الصدر والغمر الحقد يقول أنا كفيل لهم بخيل فرسانها هؤلاء.
يدير بأطراف الرماح عليهم ... كؤوس المنايا حيث لا تشتهي الخمر
وكم من جبالٍ جبت تشهد أنني ال ... جبال وبحرٍ شاهدٍ أنني البحر
يريد أن الجبال تشهد لي بالوقار والحلم والبحار بالجود وسعة القلب.
وخرقٍ مكان العيس منه مكاننا ... من العيس فيه واسط الكورِ والظهرُ
قال ابن جنى معنى البيت أن الإبل كأنها واقفةٌ في هذا الخرق وليست تذهب فيه ولا تجيء وذلك لسعته فكأنها ليست تبرح منه أي فكما أنا نحن في ظهور هذه الإبل لا نبرح منها في أواسط اكوارها فكذلك هنّ كأن لها من أرض هذا الخرق كوار وظهرا فقد أقامت به لا تبرحه هذا كلامه وقد خلط فيما ذكر إنما يصف مفازةً قد توسطها وهو على ظهر البعير في جوزه فمكانه من ظهر الناقة مكانها من الخرق والمعنى أنا في وسط ظهور الأبل والإبل في وسط ظهر الخرق ولم يتعرض في هذا البيت لوقوفها ولا لبراحها ثم ذكر سيرها في البيت الثاني فقال:
يخدن بنا في جوزه وكأننا ... على كرةٍ أو أرضه معنا سفرُ
стр. 145
كيف يتجه قول أبي الفتح مع قوله يخدن بنا وهذا يحتمل معنيين أحدهما أنا وإن كنا نسير فكأننا لا نسير لطول المفازة وأنه ليس لها طرف والكرة لا يكون لها طرف والكرة لا يكون لها طرف ينتهي إليه السير لذلك قال كأننا على كرة أو كان أرض الخرق تسير معنا حيث كانت لا تنقطع كما قال السريّ، وخرقٍ طال فيه السير حتى، حسبناه يسير مع الركابِ، والثاني أنه يصف شدة سيرهم والكرة توصف بكثرة الحركة والتنزي كما قال بشار، كان فؤاده كرة تنزى، حذار البين لو نفع الحذار، والإنسان إذا اسرع في السير أو في الركض رأى الأرض كأنها تسير معه من الجانبين لذلك قال أو أرضه معنا سفر.
ويوم وصلناه بليلٍ كأنما ... على أفقه من برقهِ حلل حمرُ
يصف إدآبهم للسير ووصلهم فيه اليوم بالليل والضمير في أفقه يعود إلى الليل ولا يكون لليل أفق إنما أراد أفق السماء في ذلك الليل
وليل وصلناه بيوم كأنما ... على متنه من دجنه حلل خضر
أي كأن على متن ذلك اليوم من ظلمة السحاب حللا سودا والسواد يسمى خضرة ومنه، في ظل أخضر يدعو هامه البوم، أو يريد أنه سافر في أيام الربيع
وغيث ظننا تحته أن عامرا ... علا لم يمت أو في السحاب له قبر
عامر جد الممدوح يقول كأنه في السحاب قد ارتفع إليه ولم يمت فهو يصب المطر علينا صبا أو قبره في السحاب فقد اعداه بجوده
أو ابن ابنه الباقي علي بن أحمد ... يجود به لم أجز ويدي صفر
يقال صفرت اليد تصفر صفرا فهي صفر ولا يقال صفرة يقول لو لم اجز هذا الغيث ويدي خالية لقلت أن الممدوح كان في السحاب ولما جزت ويدي صفر علمت أنه جود لاجود
وأن سحابا جوده مثل جوده ... سحاب على كل السحاب له فخر
يعني أن تشبيه جود ذلك السحاب بجود مدح للسحاب وفخر له
فتى لا يضم القلب همات قلبه ... ولو ضمها قلب لما ضمه صدر
يقولما تجمع في قلبه من الهمم لا يجمعه قلب غيره ولو ضمها قلب لكان عظيما مثلها ولو كان كذلك لما وسعه الصدر لعظم القلب وهذا مما أجرى فيه المجاز مجرى الحقيقة لأن عظم الهمة ليس من كثرة الأجزاء حتى يكون محلها واسعا لسعتها ألا ترى أن قلب الممدوح قد وسعها وصدره قد وسع قلبه وليس بأعظم من صدر غيره وقد قال ابن الرومي، كضمير الفؤاد يلتهم الدنيا ويحويه دفتا حيزوم، فبين أن الفؤاد يستغرق الدنيا بالعلم والفهم ثم يحويه جانيا الصدر
ولا ينفع الإمكان لولا سخاؤه ... وهل نافع لولا الأكف القنا السمر
يقول لولا سخاؤه لما انتفع الناس بإمكانه وغناه لأنه قد يكون الإمكان مع الشح فلا ينفع والمعنى أن الوجود لا ينفع بلا جود كالرماح لا تعمل ولاتنفع بلا راح
قران تلاقي الصلت فيه وعامر ... كما يتلاقى الهنداوي والنصر
القران اسم لمقارنة الكوكبين جعل اجتماع جديه من الطرفين في المصاهرة ونسب الممدوح كقران الكواكب تعظميا له ثم شبه إجتماعهما بإجتماع السيف الهندي مع النصر فإذا إجتمعا حسن أثرهما وعلا أمرهما ثم ذكر تمام المعنى فيما بعد فقال:
فجاءا به صلت الجبين معظما ... ترى الناس قلا حوله وهم كثر
صلت الجبين واضح الجبين وقد مر تفسيره يقول ترى الناس حوله وهم كثيرون بالعدد قليلون بالإضافة إليه والقياس به والقل والكثر الكثرة والتقدير ذو قل أي في المعنى وهم ذو كثر في العدد ثم حذف المضاف
مفدى بآبآء الرجال سميدعا ... هو الكرم المد الذي ما له جزر
أي يقول له الرجال فديناك بآبائنا والسميدع السيد الكريم وجمعه سمادع والمد زيادة الماء والجزر نقصانه وجعله كرما لكثرة وجوده منه يقول هو كرم زائد لا نقصان له.
وما زلت حتى قادني الشوق نحوه ... يسايرني في كل ركبٍ له ذكر
أي ما زلت يسايرني في كل ركب ذكره حتى قادني الشوق إليه أي قبل أن أتيته كنت أسمع ذكره وما صاحبت أحدا إلا وهو يذكره بمدح وثناء.
وأستكبر الأخبار قبل لقائه ... فلما التقينا صغر الخبر الخبر
يعني بالأخبار ما يسمعه من حديثه الشائع في الناس والخبر الخبرة والاختبار يقول كانت استعظم ما اسمعه من حديثه قبل أن لقيته فلما لقيته صغر خبره خبره أي وجدته خيرا مما كنت اسمع
إليك طعنا في مدى كل صفصفٍ ... بكل وآةٍ كل مما لقيت نحرُ
стр. 146
الوأاة الناقة القوية والصفصف الفلاة المستوية جعل سيرها في الفلاة طعنا وجعل ما يقطعه من الأرض نحرا أي كل ما مرت به كأنه صدر طعنا بها فيه يقول أينما قصدت من الأرض قطعته وجازته بمنزلة الطعنة إذا صادفت نحرا فإنها تؤثر الأثر الأكبر وشرح ابن فورجة هذا فقال جعل سيرها طعنا وما تسير فيه من الفلاة نحرا يقول مرت نافذةً كما ينفذ الطعن في النحر وكأنها رمح وطان الصفصف ومداه نحر ولو أمكنه لقال كل ما لقيت من المفاوز فيظهر المعنى مثل قوله، فزل يا بعد عن أيدي ركابٍ، لها وقع الأسنة في حشاكا، ويجوز أن يكون المعنى كل ما لقيته هذه الناقة من مشاق الطريق نحر لها أي يعمل بها عمل النحر فكأنها تنحر في كل ساعة.
إذا ورمت من لسعةٍ مرحت لها ... كأن نوالا صر في جلدها النبر
النبر دويبة تلسع الإبل فيرم موضع لسعتها يقول إذا لسعها النبر مرحت لشدة اللسعة أي قلقت للوجع فكأنها فرحت فرحا لنه صر في جلدها نوالا وشبه موضع اللسعة بالصرة ويجوز أن يكون المرح ههنا حقيقةً ولم يرد القلق يقول لا يفل الشدائد حد مرحها.
فجئناك دون الشمس والبدر في النوى ... ودونك في أحوالك الشمس والبدر
يقول أنت دونها في البعد أي أقرب إلينا منهما وهما دونك في جميع احوالك فأنت أعم نفعا منهما وأشهر ذكرا وأعلى منزلةً وقدرا.
كأنك برد الماء لا عيش دونه ... ولو كنت برد الماء لم يكن العشر
العشر أبعد أظماء الإبل يقول لو كنت الماء لوسعت بطبع الجود كل حيوان في كل مكان وفي ذلك ارتفاع الإظماء ويجوز أن يقال لو كنت برد الماء لما عاودت غلة اطفأتها وقال ابن جنى أي كانت تجاوز المدة في وردها العشر لغنائها بعذوبتك وبردك.
دعاني إليك العلم والحلم والحجي ... وهذا الكلام النظم والنائل النثر
يقول دعاني إليك ما فيك من هذه الفضائل وما تنظمه من كلامك في شعرك وما تنثره من نائلك.
وما قلت من شعرٍ تكاد بيوته ... إذا كتبت يبيض من نورها الحبر
يريد بيوت الشعر ويقال إن هذا الممدوح كان حسن الشعر مليحه.
كأن المعاني في فصاحة لفظها ... نجوم الثريا أو خلائقك الزهر
شبه شعره في صحة معناه وحسن لفظه بالثريا اشتهارا في الناس وأن كل أحد يعرفه وكذلك أخلاقه الزاهرة المضية مشهورة في الناس واشعاره كذلك.
وجنبني قرب السلاطين مقتها ... وما يقتضيني من جماجمها النسر
يقول بغضي السلاطين نهاني عن قربهم وأني قاتل لهم فإن النسر كأنه ينتظر أكل لحومهم فهو يطالبني بجماجمهم.
فإني رأيت الضر أحسن منظرا ... وأهون من مرأي صغيرٍ به كبر
يقول مقاساة الضر والفقر احسن عندي من أن أرى صغيرا متكبرا ويروى من لقيا ويروي من مرء صغيرٍ.
لساني وعيني والفؤاد وهمتي ... أود اللواتي ذا اسمها منك والشطر
يقال رجل ود وودٌ وودٌ وجمعه أود قال ابن جنى يقول لساني وعيني وفؤادي وهمتي تود لسانك وعينك وفؤادك وهمتك والشطر النصف أي هن شطرها كأنها شقت منها فصارتا شطرين ولشدة محبتي لك كأنك شقيقي سمعت العروضي يقول قد أكثر الناس في هذا البيت والذي حكاه أبو الفتح أجود ما قالوه على أني أقول قوله أنك مثلي وشقيق ليس في هذا كثير المدح ولعل الممدوح لا يرضى بهذا ولكن معناه عندي أن الشريف من الإنسان هذه الأعضاء التي عدها فقال هذه الأعضاء التي طار اسمها وذكرها في الناس بك تأدبت ومنك أخذت وقوله والشطر أي أن الله خالقها وأنت اعطيتني وادبتني فمنك رزقها وأدبها والخلق لله تعالى قال وروايتي على هذا التفسير أودى بالإضافة وبه أقرأنا أبو بكر الخوارزمي والمعنى أني وددت هذه الأشياء لأن اسمها منك أي بك علت ومنك استفادت الأسم وعلى هذا يصير ذا حشوا كما يقال انصرفت من ذي عنده ومن ذا الذي يفعل كذا وقال ابن فورجة ذا إشارة إلى اسمٍ وكان يجب لو يمكن أن يقول هذه اسماؤها لكن الوزن اضطره والشطر عطف على الأود والغرض في هذا البيت التعمية فقط وإلا فما الفائدة في هذا البيت مع ما فيه من الأضطراب.
وما أنا وحدي قلت ذا الشعر كله ... ولكن لشعري فيك من نفسه شعر
стр. 147
يقول ما انفردت أنا بإنشاء هذا الشعر ولكن اعانني شعري على مدحك لأنه أراد مدحك كما أردته والمعنى من قول أبي تمام، تغاير الشعر فيه غذ سهرت له، حتى ظننت قوافيه ستقتتل،
وماذا الذي فيه من الحسن رونقاً ... ولكن بدا في وجهه نحوك البشر
يقول ليس ما يرى في شعري من الحسن كله رونق الألفاظ والمعاني ولكن لفرح شعري بك كأنه ضحك لما رآك فصار له رونقٌ.
وإني ولو نلت السماء لعالمٌ ... بأنك ما نلت الذي يوجب القدر
أزالت بك الأيام عتبي كأنما ... بنوها لها ذنب وأنت لها عذر
المصراع الأول من قول الطاءي، نوالك رد حسادي فلولا، وأصلح بين أيامي وبيني، والثاني من قوله، كثرت خطايا الدهر في وقد يرى، بنداك وهو إليَّ منها تائب، ومثله لأبي هفان، أصبح الدهر مسيئا كله، ما له إلا ابن يحيى حسنه.
وقال يمدح عليّ بن محمد بن سيار بن مكرم التميمي
ضروب الناس عشاقٌ ضروبا ... فأعذرهم أشفهم حببا
يقول أنواع الناس على اختلافهم يحبون أنواع المحبوبات على اختلافها فأحقهم بالعذر في العشق والمحبة من كان محبوبه أفضل وأشف معناه أفضل والشف الفضل.
وما سكنى سوى قتل الأعادي ... فهل من زورةٍ تشفى القلوبا
يقول فالذي أحبه أنا وأسكن إليه قتل الأعداء فهل من زيارةٍ لهذا الحبيب أي هو أمكن من ذلك فيشفى قلبي كما يشفي قلب المحب زيارته الحبيب
تظل الطير منها في حديثٍ ... ترد به الصراصر والنعيبا
الصرصرة صوت البازي والنسر جعل صياح الطيور المجتمعة على القتلى كالحديث الذي يجري بين قومس يقول هل من سبيل إلى وقعةٍ تكثر فيها القتلى فيجتمع عليها الطير فينعب الغراب ويضرصر النسر
وقد لبست دماءهم عليهم ... حداداً لم تشق لها جيوبا
الرواية الصحيحة دماءهم بالنصب والمعنى لبست هذه الطير دماء الفتلى التي عليهم أي تلطخت بها وجفت عليها فاسودت وصارت كالحداد وهي الثياب السود تلبس عند المصيبة إلا أن هذه الطير لم تشق على هؤلاء القتلى جيوبا للحداد لأنها ليست حزينة أي هنّ عليها كالحداد غير أنه حدادٌ غير مشقوق الجيب ويجوز أن يكون المعنى في شقّ الجيب أنه ليس بمخيط يشق جيبه للبس فالطير كأنها لبست حداداً غير مخيط أي لم يجعل له جيب ومن روى دماءهم رفعا أراد أن الدماء اسودت على القتلى فكأنها لبست ثوبا غير ما كانت تلبس من الحمرة.
أدمنا طعنهم والقتل حتى ... خلطنا في عظامهم الكعوبا
ادمنا خلطنا وجمعنا من قولهم ادمت الخبز بالإدام يقال للمتزوجين أدام الله بينهما والمعنى جعلنا القتل مقرونا الطعن إلى أن جعلنا كعوب القنا في عظامهم ويجوز أن يكون من أدامة الشيء يعني إننا لم نزل نطعنهم حتى كسرنا كعوب الرماح فيهم فاختلطت في ابدانهم بعظامهم.
كأن خيولنا كانت قديما ... تسقى في قحوفهم الحليبا
العرب تسقي اللبن كرام خيولهم يقول خيلنا كأنها تسقى اللبن المحلوب في اقحاف رؤس اعدائنا لإلفها بها وهو قوله:
فمرت غير نافرةٍ عليهم ... تدوس بنا الجماجم والتريبا
أي وطئت رؤوسهم وصدورهم فنحن عليها ولم تنفر عنهم
يقدمها وقد خضبت شواها ... فتًى ترمي الحروب به الحروبا
يقول يقدم هذه الخيل إلى الحروب وقد تلطخت قوائمها بالدماء فتى قد تعود الحروب لا تزال حربا تقذفه إلى حرب أخرى ومن روى خضبت بفتح الخاء كان الفعل للخيل.
شديد الخنزوانة لا يبالي ... أصاب إذا تنمر أم أصيبا
الخنزوانة في الأصل ذبابة تطير في أنف البعير فيشمخ لها بأنفه واستعيرت للكبر فقيل بفلان خنزوانة ومعنى تنمر صار كالنمر في الغضب والمعنى إذا غضب على اعدائه وقاتلهم لم يبال أقتلهم أم قتلوه.
أعزمي طال هذا الليل فانظر ... أمنك الصبح يفرق أن يؤوبا
قال ابن فورجة أراد لعظم ما عزمت عليه ولشدة الأمر الذي هممت به كان الصبح يفرق من عزمي ويخشى أن يصيبه بمكروه فهو يتأخر ولا يؤوب وقال العروضي يخاطب عزمه يقول أنظر يا عزمي هل علم الصبح بما أعزم عليه من الاقتحام فخشى أن يكون من جملة اعداءي
كأن الفجر حب مستزار ... يراعى من دجنته رقيبا
стр. 148
شبه الفجر بحبيبٍ قد طلب أن يزور وهو يراعي من ظلمة الليل رقيبا وتتأخر زيارته من خوف الرقيب يريد طول الليل وأن الفجر ليس يطلع فكأنه حبيب يخاف رقيبا.
كان نجومه حليٌّ عليه ... وقد حذيت قوائمه الجبوبا
شبه النجوم الثاقبة بحليّ على الليل وجعل وجه الأرض كالحذاء لليل يقول كان الأرض جعلت نعلا له فهو لا يقدر على المشي لثقل الأرض على قوائمه يقول كان لليل من النجوم حليا ومن الأرض قيدا
كأن الجو قاسى ما أقاسي ... فصار سواده فيه شحوبا
يقول كأن الهواء قد كابد ما أكابده من طول الوجد فاسود لونه وصار سواده كالشحوب وهو تغير اللون أي كأن الليل اسود لأنه دفع إلى ما دفعت إليه فصار السواد له بمنزلة الشحوب.
كأن دجاه يجذبها سهادي ... فليس تغيب إلا أن يغيبا
الدجى جمع دجية يريد طول ظلمة الليل وطول سهاده فكأن السهاد يجذب الدجى فليس تغيب الدجى إلا أن يغيب السهر والسهر ليس يغيب فكذلك ظلمة الليل.
أقلب فيه أجفاني كأني ... أعد بها على الدهر الدنوبا
أي لكثرة تقليبي إياها كأني أعد على الدهر ذنوبه أي كما أن ذنوب الدهر كثيرة لا تفنيى كذلك تقليبني لأجفاني كثير لا يفنى فلا نوم هناك.
وما ليل بأطول من نهار ... يظل بلحظ حسادي مشوبا
يقول ليلى وإن طال فليس بأطول من نهار أنظر فيه إلى حسادي واعداءي
وما موت بأبغض من حيوةٍ ... أرى لهم معي فيها نصيبا
يقول إذا شاركني أعدائي في الحياة وعاشوا كما أعيش ولم أقتلهم فالموت ليس بأبغض إليّ من تلك الحياة التي تخل من مشاركة الأعداء فيها
عرفت نوائب الحدثان حتى ... لو انتسبت لكنت لها نقيبا
أي لكثرة ما أصابتني النوائب صرت عارفا بها حتى لو كانت لها أنسابٌ لكنت نقيبها والنقيب للقوم هو الذي يعرف انسابهم ويقال انتسب الرجل إلى فلان إذا نسب نفسه إليه
ولما قلت الإبل امتطينا ... إلى ابنِ أبي سليمان الخطوبا
أي لما اعوزتنا الإبل وفقدناها لقلة ذات اليد أدتني المحن والشدائد إلى الممدوح فكأنها كانت مطايا لنا
مطايا لا تذل لمن عليها ... ولا يبغي لها أحد ركوبا
وترتع دون نبت الأرض فينا ... فما فارقتها إلا جديبا
يقول هذه المطايا يعني الحوادث لا ترعى نبات الأرض إنما ترعانا وتصيب منا فلم افارقها إلا مجدبا كالمكان الذي أكل نباته فصار جديبا والمعنى أنها رعتني فلم تترك مني ناميا
إلى ذي شيمةٍ شغفت فؤادي ... فلولاه لقلت بها النسيبا
شغفت فؤادي أي غلبت على عقله والوجه لولا هو كقوله تعالى فلولا أنتم ويجوز لولاه ولولاك يقول لولا أن خلق الممدوح احسن من خلقه لقلت النسيب بخلقه ويجوز أن يريد لولا أني احتشمه لقلت الغزل بشيمته.
تنازعني هواها كل نفسٍ ... وإن لم تشبه الرشأ الربيبا
يقول كل احد ينازعني عشق شيمته أي يعشقها عشقي لها وإن كانت لا تشبه الرشأ إنما هي خلق وطبع لا شخص لها.
عجيب في الزمان وما عجيب ... أتى من آل سيارٍ عجيبا
يقول هو عجيب في الزمان وليس بمنكر أن تأتي من آل سيار العجائب لأنهم النهاية في النجابة والكرم
وشيخ في الشباب وليس شيخاً ... سمي كل من بلغ المشيبا
يقول هو مع أنه شاب في حنكة الشيخ ورب إنسانٍ غيره بلغ المشيب ولم يستحق إن سمي شيخا لنقصه وتخلفه
قسا فالأسد تفزع من قواه ... ورق فنحن نفزغ أن يذوبا
يقول قسا قلبا بالأسود تخافه ورق طبعا وكرما فنحن نخاف أني يذوب يقال فلان يذوب طرفا إذا لأن جانبه وحسن خلقه والقوى جمع القوى وروى من يديه.
أشد من الرياح الهوج بطشاً ... وأسرع في الندى منها هبوبا
الهوج جمع الهوجاء وهي التي لا تستوي في هبوبها والبطش الأخذ بقوة يقول هو أشد عند البطش من الريح الشديدة العاصف وأسرع منها في العطاء
وقالوا ذاك أرمي من رأينا ... فقلت رأيتهم الغرض القريبا
أي قال الناس للممدوح أنه أرمى من رأيناه يرمي السهم فقلت رأيتموه وهو يرمي الغرض القريب منه يعني فكيف لو رأيتموه يرمي غرضنا بعيدا والغرض الهدف.
وهل يخطى بأسهمه الرمايا ... وما يخطى بما ظن الغيوبا
стр. 149
الرمايا جمع الرمية وهو كل ما يرمى من غرض أو صيد يعني أن أصاب رميته بسهمه فلا عجب فإنه لا يخطى بسهم ظنه الغائب عنه أي أنه صائب الفكرة.
إذا نكبت كنانته استبنا ... بأنصلها لأنصلها ندوبا
روى ابن جنى نكتت أي قلبت على رأسها يقال للفارس إذا رمى عن فرسه فوقع على رأسه نكت فهو منكوت وقال ابن فورجة هذا صحيح في الفارس والمعهود في الكنانة نكبتها قال ابن دريد نكبت الإناء انكبه نكبا إذا صببت ما فيه ولا يكون للشيء السائل إنما يكون للشيء اليابس واستبنا تبينا ورأينا والندوب الآثار يقول إذا صبت كنانته رأينا لنصوله آثارا في نصوله لأنه يرميها على طريقة واحدة فيصيب النصول بعضها بعضا.
يصيب ببعضها أفواق بعضٍ ... فلولا الكسر لاتصلت قضيبا
يصيب ببعض سهامه أو نصوله أفواق السهام التي رماها فلولا أنه يكسرها لاتصلت السهام حتى تيصير قضيبا مستويا.
بكل مقوم بدل من قوله ببعضها وعني بالمقوم سهما مستويا لا يعصيه فيما يأمره به من الإصابة حتى ظنناه عاقلا لطاعته له.
يريك النزع بين القوس منه ... وبين رميه الهدف اللهيبا
يريد بالنزع جذب الوتر وقوله منه أي من المقوم والرميّ المرميّ وهو الهدف يقول إذا جذب الوتر ورمى السهم رأيت بين قوسه وهدفه نارا والعرب إذا وصفت شيئا بالسرعة شبهته بالنار ومنه قول العجاج، كأنما يستضرمان العرجفا، وذلك أن حفيف السهم في سرعة مروره يشبه حفيف النار في التهابها ويروي وبين رميه بالهاء والهدف خفض على البدل منه.
ألست ابن الأولى سعدوا وسادوا ... ولم يلدوا امرأ إلا نجيبا
يقول ألست ابن الذين كانوا سعداء بما طلبوا فكانوا سادةً منجبين لم يلدوا إلا نجيبا وهذا استفهام معناه التقرير كقول جرير، ألستم خير من ركب المطايا، وأندى العالمين بطون راحِ، أي أنتم كذلك.
ونالوا ما اشتهوا بالحزم هوناً ... وصاد الوحش نملهم دبيبا
أي ادركوا ما تمنوا بحزمهم على رفق وتؤدة وادركوا المراد الصعب البعيد بأهون سعي جعل الوحش مثلا للمطلوب البعيد ودبيب النمل مثلا لسعيهم هونا وإنما ذلك لحزمهم ولطف تأنيهم
وما ريح الرياض لها ولكن ... كساها دفنهم في الترب طيبا
يقول إن الذي يشم من روائح الرياض ليس لها في الحقيقة ولكنه شيء اكتسبته واستفادته من دفن ابائه في التراب
أيا من عاد روح المجد فيه ... وصار زمانه البالي فتشيبا
قال ابن جنى معناه أن روح المجد انتقل إليه فصار هو المجد على المبالغة وقال غيره معناه يا من عاد به روح المجد في المجد يعني أن المجد كان ميتا فعاد به حيا وعاد الزمان الذي كان باليا جديدا به
تيممني وكيلك مادحاً لي ... وأنشدني من الشعر الغريبا
سمعت الشيخ أبا المجد كريم بن الفضل ﵀ قال سمعت والدي أبا بشر قاضي القضاة قال انشدني أبو الحسين الشامي الملقب بالمشوق قال كنت عند المتنبي فجاءه هذا الوكيل فانشده هذه الأبيات، فؤاددي قد انصدع، وضرسي قد انقلع، وعقللي لليللي، قد انهوى وما رجع، يا حب ظبي غنجج، كالبدر لما أن طلع، رأيته في بيته، من كوةٍ قد اطلع، فقلت تِهْ تِهْ وتِهْ، فقال لي مر يا لكع، هاتِ قطع ثم قطع، ثم قطع ثم قطع، وضع بكفي ففي، حتى أدعك بضعضعْ، فهذا الذي عناه المتنبي بقوله وأنشدني من الشعر الغريبا.
فآجرك الإله على عليلٍ ... بعثت إلى المسيح به طبيبا
يقال أجره أجرا وآجره يؤاجره مؤاجرة وإجارا جعل نفسه كالمسيح وهذا الوكيل كالعليل ولا حاجة بالمسيح إلى الطبيب سيما إذا كان عليلا فإنه كان يحيى الموتى ويداوي الأكمه والأبرص.
ولست بمنكرٍ منك الهدايا ... ولكن زدتني فيها أديبا
فلا زالت ديارك مشرقاتٍ ... ولا دانيت يا شمس الغروبا
يقول لا زالت ديارك مشرقة بنورك فإنك فيها شمس ولا كان لك غروبا وكني بالغروب عن موته لما جعله شمسا
لأصبح آمنا فيك الرزايا ... كما أنا آمن فيك العيوبا
أي كما أنا آمن ان لا يصيبك عيب آمن أن لا أصاب فيك بمصيبة.
وقال يمدحه أيضاً
أقل فعالي بله أكثره مجد ... وذا الجد فيه نلت أو لم أنل جد
стр. 150
بله اسم سمي به الفعل ومعناه دع كما قالوا صه بمعنى أسكت ومه بمعنى لا تفعل وبله اكثر أي دع أكثره ويجوز الجر به على أ، يجعل بله مصدرا مضافا إلى أكثره كما قال الله تعالى فضرب الرقاب ومعناه فاضربوا الرقاب والنصب أقوى لأن بله لو كان مصدرا لوجد فعله وليس يعرف له تصرف وهو بمنزلة صه ومه وإيه على أنه قد وجد مصا٦ر لا أفعال لها نحو ويل وويس وويح والأنى بمعنى الإعياء والإد للعجب ولا فعل له وأجاز قطرب فيما بعد بله الرفع على أنه بمعنى كيف والمسموع فيما بعد بله في غالب الأمر النصب ومعنى المصراع الأول من هذا البيت أني لا أفعل إلا ومغزاي المجد وإياه أنحو ولو صرح بالأقل لقال نومي وأكلي وشربي للمجد ولو صرح بالأكثر لقال تغريري بنفسي وركوبي المهالك وشهودي الحرب كله مجد أي لأجل المجد وتحصيله يقول إذا عرفت كون الأقل مجدا أغناك ذلك عن أن تعرف الأكثر وقوله وذا الجد فيه نلت معناه أن الجد في الأمور فيصير عادة الجد كعادة الجد قال ابن جنى أي فلو لم يكن عندي غير هذا الجد في أمري وترك التواني لقد كان جدا لي.
سأطلب حقي بالقنا ومشائخٍ ... كأنهم من طول ما التثموا مرد
أراد أنه يطلب حقه بنفسه وبغيره فكنى بالقنا عن نفسه وبالمشائخ عن اصحابه وأراد أنهم محنكون مجربون ولذلك جعلهم مشائخ وقوله كأنهم من طول ما التثموا مرد أي أنهم لا يفارقون الحرب فلا يفارقهم اللثام فكأنهم مرد حيث لم تر لحاهم كما لا يرى للمرد لحى.
ثقالٍ إذا لاقوا خفافٍ إذا دعوا ... كثيرٍ إذا شدوا قليلٍ إذا عدوا
يقول ثقال لشدة وطأتهم على الأعداء ويجوز أن يريد ثباتهم عند الملاقاة وكنى بالخفة عن سرعة الإجابة وكنى بالكثرة عن سد الواحد مسد الألف يقول هم على قلتهم يكفون كفاية الدهم.
وطعن كأن الطعن لا طعن عنده ... وضربٍ كأن النار من حره برد
يقول كان طعن الناس عند ذلك الطعن غير طعن لشدته وقصور طعن الناس عنه فكل طعن بالإضافة إليه غير طعن ويجوز أن يريد سرعته فيكون كقوله، ليس لها من وحائها ألم، وضرب حار كان النار بالإضافة إليه برد أي متجسمة من برد فهو مبالغة ويجوز أن يريد ذات برد فحذف المضاف.
إذا شئت حفت بي على كل سابحٍ ... رجال كأن الموت في فمها شهد
يريد أنه مطاع في قومه فمتى ما شاء احاطت به رجال يستعذبون طعم الموت كما يستحلى الشهد يعني إذا دعوتهم أجابوني محيطين بي على فرس سابح ويريد كان طعم الموت في فمها شهد واوقع الواحد موقع الجماعة لأنه يريد في أفواهها وهو كما قال، بها جيف الحسرى فأما عظامها، فبيض وأما جلدها فصليب،
أذم إلى هذا الزمان أهيله ... فأعلمهم فدمٌ وأحزمهم وغدُ
صغر الأهل تحقيرا لهم والفدم العيُّ من الرجال والوغد اللئيم الضعيف وإذا كان الإعلام فدما كيف الجاهل وكان من حقه أن يقول فانطقهم فدم لأن الفدامة لا تنافي العلم لكنه أراد أن الإعلام منهم لا يقدر على النطق وهو عيب شديد في الرجال فكأنه قال اعلمهم ناقص.
وأكرمهم كلب وأبصرهم عمٍ ... وأسهدهم فهد وأشجعهم قرد
أي أكرمهم في خسة الكلب وأبصرهم أي أعلمهم من البصيرى أعمى القلب وأكثرهم سهادا ينام نوم الفهد وبه يضرب المثل في كثرة النوم ويضرب المثل بالقرد في الجبن ويقال أن القرد لا ينام إلا وفي كفه حجر لشدة الجبن ولا تنام القرود بالليل حتى يجتمع منها الكثير.
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوا له ما من صداقته بدُّ
النكد قلة الخير يقول ممن قلة خيرها إن الحر يحتاج فيها إلى اظهار صداقة عدوه ليأمن شره وهو يعلم أنه له عدو ثم لا يجد بدا من أن يرى الصداقة من نفسه دفعا لغائلته وأراد ما من مداجاته بد ولكنه سمي المداجاة صداقة لما كانت في صورة الصداقة ولما كان الناس يحسبونه صداقة ويجوز أن يريد ما من اظهار صداقته فحذف المضاف.
فيا نكد الدنيا متى أنت مقصر ... عن الحر حتى لا يكون له ضد
يروح ويغدو كارها لوصاله ... وتضطره الأيام والزمن النكد
بقلبي وإن لم أرو منها ملالةٌ ... وبي عن غوانيها وإن وصلت صدُّ
стр. 151
قال ابن جنى أي أنا احب الحياة في الدنيا ولما رأى من سوء افعال أهلها ما قد ذكرت زهدت فيها قال ابن فورجة ليس في لفظ البيت ما يدل على أنه يحب الحياة في الدنيا بل فيه تصريح أنه قد ملها فدعواه أنه يحبها محال وإنما ملالته لها لما يشاهد من فيح صنيعها من ابدال النعمى بالبؤسى واسترجاع ما تهب والإساءة إلى أهل الفضل وقعودها بهم عما يستحقونه وقد اجاد أبو العلاء المعري حيث يقول، وقد غرضت من الدنيا فهل زمني، معطى حياتي لغرٍّ بعد ما غرضا، انتهى كلامه يقول أبو الطيب قد مللتها وإن لم استوف حظي منها وبي إعراض عن نسائها وإن واصلتني.
خليلاي دون الناس حزن وعبرةٌ ... على فقد من أحببت ما لهما فقد
جعل الحزن والعبرة خليلين له لأنهما يلازمانه ولا يفارقانه وكأنهما خليلان له ألا تراه يقول ما لهما فقد أي فقدت من كنت احبه وصاحبني لفقده حزن وعبرة لست افقدهما.
تلج دموعي بالجفون كأنما ... جفوني لعيني كلِّ باكيةٍ خدُّ
أي لا تخلوا جفوني من الدموع فكان جفوني خد كل باكية في الدنيا يريد أن ما يسيل من جفونه مثل الذي يسيل على خد كل باكية ويجوز أن يريد أن جفونه لا تنفك في حال من الدمع كما لا تنفك حال من بكاء باكية ما في العالم وبهذا قال ابن جنى لأنه قال أي فلست اخلو من بكاء ودموعٍ كما لا تخلو الدنيا من باكية تجري دموعها.
وأني لتفهيني من الماء بقية ... وأصبر عنه ما تصبر الربد
النغبة الجرعة من الماء وجمعها نغب والربد النعام يقال ظليم أربد ونعامة ربداء وذلك لما في لونها من السواد يصف نفسه بقلة شرب الماء وذلك دليلٌ على أنه زهيد الأكل صابر على العطش كالنعام فإنها لا ترد الماء.
وأمضى كما يمضي السنان لطيتي ... وأطوي كما تطوى المجلحة العقد
الطية المكان الذي تطوى إليه المراحل ومنه قول الشنفري، وشدت لطياتٍ مطايا وأرحل، وأطوى اجوع معناه اطوى بطني عن الزاد والمجلحة الذئاب المصممة والتجليح التصميم والعقد جمع الأعقد وهو الذي في ذنبه عقدة وقيل الذي انعقد لحمه ضمرا وهزالا والذئاب اصبر السباع على الجوع والعرب تمدح بقلة الطعم والصبر على الجوع كما قال الأعشى، تكفيه حزة فلذٍ إن ألم بها،
وأكبر نفسي عن جزاء بغيبةٍ ... وكل اغتيابٍ جهد من ما له جهد
الجهد المشقة والجهد الطاقة يقول لا اجازي عدوي بالاغتياب لان ذلك طاقة من لاطاقة له بمواجهة عدوه ومحاربته وهذا كقول الآخر، ونشتم بالأفعال لا بالتكلم،
وأرحم أقواما من العيِّ والغبي ... وأعذر في بغضي لأنهم ضدُّ
الغبي مثل الغباوة يقول إذا نظرت إلى أقوام من أهل العي والغباوة رحمتهم وإذا ابغضوني عذرتهم لأنهم اضدادي والضد يبغض ضده
ويمنعني ممن سوى ابن محمدٍ ... أياد له عندي يضيق بها عندُ
عند اسم مبهم لا يستعمل إلا ظرفا فجعله اسما خاصا للمكان كأنه قال يضيق بها المكان هذا كقول الطاءي، وما زلت منشوراً عليَّ نواله، وعندي حتى قد بقيت بلا عند،
توالي بلا وعدٍ لكن قبلها ... شمائله من غير وعدٍ بها وعدُ
أي إذا رأيت شمائله وهي أخلاقه علمت أنه سيعطيك فقامت لك مقام الوعد
سرى السيف مما تطبع الهند صاحبي ... إلى السيف مما يطبع الله لا الهندُ
يقول سرى صاحبي الذي هو السيف يريد سريت ومعي السيف إلى إنسانٍ كأنه سيف لكن الله طابعه.
فلما رآني مقبلاً هز نفسهُ ... إلى حسام كل صفحٍ له حدُّ
هز نفسه حرك نفسه للقيام إلى حسام كل وجهٍ من وجهيه حد ينفذ في اعدائه وجعله هو الحسام فرفعه وهو امدح من أن ينصبه على الحال فيقول حساما لأن الحال غير لازمةٍ ونفس الشيء أشد مصاحبة له من حاله
فلم أر قبلي من مشي البحر نحوه ... ولا رجلاً قامت تعانقه الأسد
جعله في الحقيقة بحراً وأسداً يقول لم أر قبلي رجلا مشى نحوه البحر أو عانقته الأسود وتحقيق معنى الكلام من مشى نحوه رجل كالبحر أي في الجود وعانقه رجل كالأسد في الشجاعة
كان القسيَّ العاصيات تطيعه ... هوى أو بها في غير أنمله زهدُ
عنى بالعاصيات القسي الشديدة الممتنعة من النزع يقول كأنها تطيعه حبا له أو زهدا في غير أنامله.
يكاد يصيب الشيء من قبل رميه ... ويمكنه في سهمه المرسل الردُّ
стр. 152
الإصابة لمساعفتها أياه يكاد يسبق رميه وكاد السهم لانقياده له يرجع من طريقه إليه وهذا مبالغة في وصف اقتدراه على الرمي ويمكنه عطف على يصيب لا علي يكاد كأنه قال ويكاد يمكنه.
وينفذه في العقد وهو مضيق ... من الشعرة السوداء والليل مسود
بنفسي الذي لا يزدهي بخديعة ... وإن كثرت فيه الذرائع والقصد
لا يزدهي لا يحرك ولا يستخف أي لا ينفذ فيه الخدائع وإن أحكمت بالوسائل قال ابن جنى كأنه قال بنفسي غيرك أيها الممدوح لأنني ازدهيك الخديعة وأسخر منك بهذا القول لأن هذا مما لا يجوز مثله قال وهذا مذهبه في أكثر شعره لأنه يطوي المدح على هجاء حذقا منه بصفة الشعر وتداهيا كما كان يقول في كافور من أبيات ظاهرها مدح وباطنها هجاء قال ابن فورجة إنام فعل أبو الطيب ذلك في مدائح كافور استهزاء به لأنه كان عبدا أسود لم يكن يفهم ما ينشده وإما عليّ بن محمد بن سيار بن مكرم الذي يمدحه بهذه القصيدة فمن صميم بني تميم عربيٌّّ لم يزل يمدح وينتابه الشعراء لا يبعد من فهمٍ وليس في هذا البيت ما يدل على أنه يعني به غيره بل يعنيه به يقول بنفسي أنت ووصفه واتبع ذلك بأوصاف كثيرة على نسق واحد لو كان كلها وصفا لغيره كانت هذه القصيدة خاليةً من مدحه وليس انفاذ الرمي في عقدة من شعر في ليل مظلمٍ أول محالٍ أدعى للممدوح وما هذا غير هوسٍ عرض له فقذفه.
ومن بعده فقر ومن قربه غنيً ... ومن عرضه حر ومن ماله عبد
ويصطنع المعروف مبتدئا به ... ويمنعه من كل من ذمه حمدُ
يصفه بالتيقظ ومعرفة ما يأتي وما يدع يقول يمنع معروفه من كل ساقط إذا ذم أحدا فقد مدحه لأنه ينبىء عن بعد ما بينهما يعني أنه يعطى المستحقين وذوي القدر قبل أن يسألوه
ويمقر المساء عن ذكره لهم ... كأنهم في الخلق ما خلقوا بعد
يقول يحقر الحساد عن أن يذكرهم وإذا لم يذكرهم كأنهم معدومون لم يخلقوا لأن من لم يذكره يسقط عن ذكر الناس وذل قدره وهذا كقول الأعور الشني، إذا صحبتني من أناسٍ ثعالبٌ، لأدفع ما قالوا منحتهم حقرا، والحقر الحقارة.
وتأمنه الأعداء من غير ذلةٍ ... ولكن على قدر الذي يذنب الحقد
يقول اعداؤه يأمنون جانبه لا لضعف وذلة ولكن حقده على قدر المذنب فإن كان حقيرا لم يحقد عليه وإذا لم يحقد عليه أمن المذنب والمعنى أنه يستحقر أعداءه ولا يعبأ بهم
فإن يك سيار بن مكرمٍ أنقضى ... فإنك ماء الورد أن ذهبَ الوردُ
يقول إن مات جدك وفنى عمره فإن فضائله ومحاسنه صارت فيك فلم يفقد إلا شخصه كماء الورد يبقى بعد الورد فيكون أفضل منه ومثل هذا من تفضيل الفرع على الأصل قوله أيضا، فإن تكن تغلب الغلباء عنصرها، فإن في الخمر معنى ليس في العنب، وكذا قوله، فإن المسك بعض دم الغزال، وأخذ السريّ هذا المعنى فقال، يحيى بحسن فعالهِ، أفعال والده الحلاحل، كالورد زال وماءه، عبق الروائح غير زائل،
مضى وبنوه وانفردت بفضلهم ... وألف إذا ما جمعت واحداً فرد
عطف بنوه على الضمير في مضى من غير أن يظهره وهوعيب وكان من حقه أن يقول مضى هو وبنوه كما قال الله تعالى فاذهب انت وربك واسكن أنت وزوجك الجنة والمعنى أنت واحد صورة جماعةٌ معنى كالألف فأنث الألف في قوله جمعت إرادة الجماعة ومعناه إذا ركبت من الأحاد الألف فالألف واحد فرد وكذلك أنت واحد وقد اجتمع فيك ما كان في جماعة فكأنك جماعة.
لهم أوجه غر وأيدٍ كريمةٌ ... ومعرفة عدٌّ وألسنةٌ لدُّ
غر جمع أغر والعرب تتمدح ببياض الوجه كما قال، وأوجههم بيض المسافر غرانُ، وإنما يريدون بذلك النقاء والطهارة ما يعاب كما أنهم يكنون عن العيب والفضيحة بسواد الوجه وقوله وأيد كريمة أي بالعطاء ومعرفة عد قديمة كثيرة لا تنقطع مادتها كالماء العد واللدّ جمع الالدّ وهو الشديد الخصومة.
وأردية خضر وملك مطاعةٌ ... ومركوزةٌ سمرٌ ومقربةٌ جردٌ
خضرة الرداء يكنى بها عن السيادة وذلك إن الخضرة عندهم أفضل الألوان لأن خضرة النبات تدل على الخصب وسعة العيش وذهب بالملك إلى المملكة والمقربة الخيل المدناة من البيوت إما لفرط الحاجة إليها وإما للضن بها ولا ترسل للرعي والجرد القصار الشعور.
وما عشت ما ماتوا ولا أبواهم ... تميم بن مر وابن طابخةٍ أدُّ
стр. 153
يقول ما كنت حيا فلم يغب عنا أحد من هؤلاء لأن جميع محاسنهم موجودة فيك ويروي ما ماتا ولا أبواهما يعني سياراً ومكرما وتميم بن مر وأد بن طابخة قبيلتان مشهورتان من العرب إليهما ينتسب الممدوح وكان الوجه إن يقول فما ماتوا كما تقول ما دمت حيا فما احزن ولكنه حذف الفاء ضرورة كقوله، من يفعل الحسنات الله يشكرها، تقديره فالله يشكرها.
فبعض الذي يبدو الذي أنا ذاكر ... وبعض الذي يخفى عليّ الذي يبدو
يقول الذي أنا ذاكر من فضائله بعض الذي يبدو بعض الذي يخفى عليّ أي إنما أذكر بعض ما يظهر من فضائله والذي يظهر بعض الذي يخفى يريد أن فضائله كثيرة يظهر له بعضها فيذكر منه بعضه ولا يظهر له كلها.
الوم به من لامني في وداده ... وحق لخير الخلق من خيره الودُّ
يقول من لامني في وده لمته بما وصفت من فضله فيتبين أن من أحبه لا يستحق اللوم وأنه أهل لأن يحبه وحق له مني الود لأنه خير الأمراء وأنا خير الشعراء وحقيق على أهل الخيران يود بعضهم بعضا.
كذا فتنحوا عن عليٍّ وطرقه ... بنى اللؤم حتى يعبر الملك الجعد
يقول كذا هو أي كما وصفت فلا تنازعوه وبتاعدوا عنه حتى يمضي في طريقه إلى المعالي من غير أن تنازعوه ويجوز أن تكون الإشارة في كذا إلى التنحي الذي أمرهم به يقول قد تنحيتم وبلغتم في البعد عن غايته الغاية وكذا يجب أن يكون والقول هو الأول.
فما في سجاياكم منازعة العلي ... ولا في طباع التربة المسك والندُّ
يقول أنتم منه كالتراب من المسك ولا يكون بينهما منازعة كذلك ليس في طباعكم أن تنازعوه العلى.
ودع صديقا له فقال ارتجالا
أما الفراق فإنه ما أعهد ... هو توأمي لو أن بينا يولد
يقول أما الفراق فإنه شيء اعهده وأراه دائما وهو توءمي ولد معي ن كان البيت مولودا أي لا أنفك من فراق حبيبٍ فلو كان الفراق مولودا لقضيت عليه بأنه توأمي ويجوز أن يكون المعنى حقيقة الفراق ما أعهده من فراقك يعني أن وجد فراق هذا الحبيب فوق وجد فراق كل أحد حتى كان الفراق فراق لا فراق غيره.
ولقد علمنا أننا سنطيعه ... لما علمنا أننا لا نخلد
أل لما كنا نموت ونفني علمنا أننا ننقاد للفراق بمفارقة كلٍّ من الخليلين صاحبه والمعنى أن الفرقة على كل حالٍ محتومة علينا لأنه لا يخلد أحد فنحن في طاعة الفراق أما عاجلا وإما آجلا.
وإذا الجياد أبا البهيٍّ نقلننا ... عنكم فأردأ ما ركبت الأجود
يقول إذا نقلتنا عنكم الخيل وباعدت بيننا صار الأجود الاردأ لأنه إذا كان اسرع كان اعجل إبعاداً.
من خص بالذم الفراق فإنني ... من لا يرى في الدهر شيئا يحمدُ
وقال يمدح أبا بكر عليّ بن صالحٍ الروذباري الكاتب.
كفرندي فرند سيفي الجرازِ ... لذة العين عدةٌ للبرازِ
الفرند جوهر السيف وهو معرب دخيلٌ وفعل أكثر في كلام العرب من فعل والجراز السيف القاطع أي سيفي يحكيني في المضاء وهو حسن في مرأة العين عدة للمبارزة.
تحسب الماء خط في لهب النا ... رِ أدق الخطوط في الأحرازِ
شبه بريق سيفه بالنار وآثار الفرند فيه ودقته بخطوط من الماء دقيقةٍ كأدق الخطوط في الأحراز جمع حرز وهو العوذة وجرت العادة بتدقيق خط الأحراز.
كلما رمت لونه منع النا ... ظر موجٌ كأنه منك هازي
أي كلما أردت أن تعرف لونه وانعمت النظر منع ناظرك من الوقوف ماؤه وبياضه الذي يتردد فيه كالموج فإنه يهزء بك لأنه لا يستقر لينفذ فيه شعاع عينيك.
ودقيق قذى الهباء أنيق ... متوالٍ في مستوٍ هزهازِ
ودقيق بقذى كما تقولن حسن وجها لكنه أضافه إلى الهباء إشارةً إلى أن الفرند في دقته يشبه الهباء شبه آثار الفرند في دقتها بقذى الهباء وجعله أنيقا لنه معجب للناظر متوال يتبع بعضه بعضا في متن مستوٍ هزهاز متحرك مضطرب يجيء ويذهب يقال سيف هزهاز وهزاهز كان ماؤه يذهب عليه ويجيء وروى ابن جنى قدي الهباء يعني مقدار الهباء من قولهم قدي رمحٍ وقاد رمح وقيد رمح.
ورد الماء فالجوانب قدرا ... شربت والتي تليها جوازي
стр. 154
الجوازي التي لم تشرب الماء من قولهم جزأت الوحشية بالرطب عن الماء تجزأ فهي جازئة وهن جوازي يقول شرب جوانبه من الماء بقدر وما يليها من العير والمتن لم يشرب لأنه لا يسقي جميع السيف بل يسقي شفرتاه ويترك المتن ليكون اثبت عند الضرب فلا ينحطم.
حملته حمائل الدهر حتى ... وهي محتاجةٌ إلى خرازِ
يقول قد تداولته أيدي الدهر يعني أنه قديم الصنعة قد طالت عليه السنون ولما ذكر قدمه جعل الدهر حاملا له والسيف يحمل بالحمائل والحائل إذا أتت عليها الأيام اخلقت واحتاجت إلى الخراز وأضاف الحمائل إلى الدهر لأنه جعل الدهر حاملا له يقال حمالة وحمائل والمعنى اخلق الدهر حمائله بكثرة حمله إياه ولما كثر حمله أضاف الحمائل إليه كأنها له لما كان تحمله بها كثيراً.
فهو لا تلحق الدماء غراري ... هـ ولا عرض منتضيه المخازي
أي لسرعة قطعة يعبر الدم قبل أن يشعر فلا يلصق به ولا يتلطخ بالدم ولا تلحق المخازي عرض منتضيه يعني نفسه لحسن بلائه عند الحرب والمخازي جمع مخزاة وهو ما يخزى به الإنسان.
يا مزيل الظلام عني وروضي ... يوم شربي ومعقلي في البراز
يقول لسيفه أنت تزيل عني الظلام بصفائك ورونقك وأنت روضي يوم شربي يريد خضرته والسيف يوصف بالخضرة كما قال أبو جعفر الحمامي في مقصورة له، مهندٌ كأنما طباعه، أشربه بالهند ماء الهندبا، ومثله للبحتري، حملت حمائله القديمة بقلةً، من عهد عادٍ غضة لم تذبل، والبراز الصحراء.
واليماني الذي لو أسطعت كانت ... مقلتي غمده من الإعزازِ
أي من شدة صيانتي لو قدرت جعلت مقلتي غمده
إن برقي إذا برقت فعالي ... وصليل إذا صللت ارتجازي
يقول إن بإزاء برقك فعالي وبإزاء صليلك ارتجازي يقارب بين سيفه ونفسه يعني أن كان برقك ففعلي وشعري أبرق منه وإذا ارتفع صليلك أي صوتك في الضريبة فإن ارتجازي صليلي أصل به كما صللت وارتجازي انشادي الاراجيز من شعري فبها أصل لا بالطنين الذي يسمع من السيوف
ولم أحملك معلماًهكذا إلا ... لضرب الرقاب والأجواز
المعلم الذي قد شهر نفسه في الحرب بشيء يعرف به وذلك فعل الأبطال والأجواز الأوساط
ولقطعي بك الحديد عليها ... فكلانا لجنسه اليوم غازي
عليها على الرقاب والاجواز يعني الدروع والمغافر فأنا اغزو الناس وأنت تغزو الحديد.
سله الركض بعد وهنٍ بنجدٍ ... فتصدى للغيث أهل الحجاز
يقول ركضنا الخيل اخرجه من الغمد وكنا بنجد بعد أن مضى صدر من الليل فظن أهل الحجاز لمعانه ضوء برق فتعرضوا للغيث وقد نقل هذا من قول أبي الجهم، إذا أوقدت نارها بالحجاز، أضاء العراق سنا نارها،
فتمنيت مثله فكأني ... طالب لابن صالح من يوازي
أي هما فريدان لا نظير لسيفي ولا لهذا الممدوح
ليس كل السراةِ بالروذبار ... ي ولا كل ما يطير ببازي
فارسيٌ له من المجد تاجٌ ... كان من جوهرٍ على أبروازِ
يعني أنه من أولاد ملوك فارس وتاجه من المجد وتاج أبرويز كان من الجوهر وأبرويز أحد ملوك العجم وغير اسمه لأن العرب إذا تكلمت بالعجمية تصرفت فيها كما أرادت.
نفسه فوق كل أصلٍ شريفٍ ... ولو أني له إلى الشمس عازي
أي هو بنفسه أجل من كل أب وإن كان شريفا حتى لو نسبته إلى الشمس كان اشرف منها ويقال عوزته إذا نسبته إلى أبيه.
شغلت قلبه حسان المعالي ... عن حسان الوجوه والأعجاز
الإعجاز جمع العجز وعني بحسان الوجوه والأعجاز النساء يريد أن شغله بالمعالي لا بالنساء.
وكأن الفريد والدر واليا ... قوت من لفظه وسام الركاز
السام عروق الذهب والركاز ما يوجد في المعدن من الذهب يعني أن هذه الأشياء كأنها أخذت من لفظه لحسنه وانتظامه.
تقضم الجمر والحديد الأعادي ... دونه قضم سكر الأهواز
أي لحنقهم عليه وشدة غيظهم بقصورها دونه يقضمون الحديد والجمر كما يقضم السكر.
بلغته البلاغة الجهد بالعف ... وونال الإسهاب بالإيجاز
يقول بلاغته تبلغه بالسهولة واليسر ما يبلغه غيره بالجهد وينال بايجازه في القول ما نال غيره بالإكثار.
حامل الحرب والديات عن القو ... م وثقل الديون والأعوازِ
كيف لا يشتكي وكيف تشكوا ... وبه لا بمن شكاها المرازي
стр. 155
أي العجب منه كيف لا يشتكي ثقل ما يحمل والعجب ممن يشكو رزيةً كيف يشكوها وهو حاملها عنه.
أيها الواسع الفناء وما في ... هـ مبيتٌ لمالكَ المجتازِ
يقول مالك مجتاز بك وغير مقيم عندك وليس له عندك مكان يبيت فيه وإن كان فناءك واسعا.
بك أضحى شبا السنة عندي ... كشبا أسوق الجراد النوازي
شبا الأسنة حدها يقول لما أعتصمت بك لم تعمل فيّ شبا الأسنة وصارت عندي كسوق الجراد من قلة مبالاتي بها والنوازي من قولك نزا الجراد ينزو إذا وثب.
وأنثنى عني الرديني حتى ... دار دور الحروف في هوازِ
يقول انعطف عني الرمح والتوى على نفسه التواء الحروف المدورة في هواز كالهاء والواو والزاي والألف زائدة ولو امكنه أن يقول هوز كان احسن والعرب تنطق بهذه الكلمات على غير ما وضعت كما قال أبو حنش في البرامكة، أبو جادهم بذل الندى يلهمونه، ومعجمهم بالسوط ضرب الفوراس، وقال آخر، تعلمت باجاداً وآل مرامرٍ، وإنما هو ابجد والجيد في تعطف الرماح قول أبي العلا المعريّ، وتعطفت لعب الصلال رماحهم، فالزج عند اللهذم الرعافِ،
وبآباءك الكرام التأسي ... والتسلي عمن مضى والتعازي
أي إنما يتعزى ويتأسى عمن مضى منا بذكر آبائك الكرام فإذا ذكرنا فقدهم هان علينا فقد من بعدهم.
تركوا الأرض بعدما ذللوها ... ومشت تحتهم بلا مهماز
يقول ماتوا بعد أن ملكوا الأرض واطاعتهم طاعة الدابة الذلول التي تمشي بغير مهمازٍ وهي حديدةٌ تكون مع النخاسين تنخس بها الدواب لتسرع في العدو.
واطاعتهم الجيوش وهيبوا ... فكلام الورى لهم كالنحازِ
أي كانوا مطاعين في جيوشهم ومهيبين والنحاز شبه السعال يأخذ في الصدور قال ابن جنى أي لم يعبأوا بكلام أحد لما صاروا إلى هذه الحالة وأجود من هذا أن يقال السعال يرقق الصوت والمعنى لهيبتهم كانوا لا يرفعون الصوت بين أيديهم.
وهجان على هجان تأيي ... ك عديد الحبوب في الأقوازِ
رواه ابن جنى تأتتك وقال تأتتك قصدتك وأنشد الأعشى، إذا ما تأتي يريد القيام، تهادى كما قد رأيت البهيرا، قال ابن فورجة تأتي تفعل من الإتيان والأتى وهو يتضمن معنى القصد إلا أنه مقصور على قولهم تأتيك لهذا الأمر إذا احسنت الصنع فيه وهو من التلطف في الفعل يقال فلان لا يتاتى لهذا الأمر أي لا يطوع لفعله فإما معدي إلى مفعول بمعنى صريح القصد فلا أراه سمع والذي في بيت الأعشى ليس بمتعد والذي في شعر أبي الطيب روى عنه عل كل لسان تأييك وهذه لفظة تستعمل للقصد الصريح ومنه قوله، الحصن أدنى لو تأييته، قال ابن دريد تأياه بالسلام تعمده به قال الشاعر، فتأيا بطرير مرهفٍ، جفرة الجنبين منه فشعل، فإذا لم تعد فقلت تأييت فمعناه تحبست يقال تأيا فلا بالمكان تقية إذا اقام ولي في هذا الأمر تاية أي نظر ومعنى البيت رب رجال خالصي النسب على نوق كريمة قصدوك في كثرة عدد حبوب الرمل يعني من جيشه واوليائه والقوز من الرمل المستدير شبه الرابية.
صفها السير في العراء فكانت ... فوق مثل الملاء مثل الطرازِ
العراء الأرض الواسعة شبه استواء الإبل على سعة الفضاء بطراز على ملأة ولا سيما إن كان هناك سراب كان التشبيه أوقع لبياضه وهكذا سير الإبل إذا وقعت في نشاطٍ وكانت كلها كراما استقامت في السير فلم تتقدم واحدة على أخرى كما قال أبو نواس، تذر المطيَّ وراءها فكأنها، صف تقدمهن وهي إمام، والطراز فارسيّ معرب.
وحكى في اللحوم فعلك في الوف ... ر فأودى بالعنتريس الكناز
الوفر المال الكثير والعنتريس الناقة الشديدة والكناز الكتنزة اللحم يقول حكى السير في اذهاب لحوم هذه الإبل جودك في اهلاك المال حين أهلك الناقة الشديدة.
كلما جادت الظنون بوعدٍ ... عنك جادت يداك بالإنجاز
أي كلما ظن انسان أنك تعطيه شيئا فوعدته ظنونه عنك وعدا انجزت أنت ذلك الوعد.
ملك منشد القريض لديه ... وأضع الثوب في يدي بزازِ
ويروى وضع الثوب والمعنى أنه عارف بالشعر معرفة البزاز بالثوب
ولنا القول وهو أدرى بفح ... واه وأهدى فيه إلى الإعجاز
أي ينسب القول إلينا وهو أعلم بمعناه وأولى منا أن يأتي في القول بالمعجز
ومن الناس من يجوز عليه ... شعراء كأنها الخازباز
стр. 156
الخازباز حكاية صوت الذباب ثم يسمى الذباب أيضا بهذا الأسم ومنه قول ابن احمر، وجن الخازباز به جنونا، يقول من الناس من لا يعرف الشعر فيجوز عليه شعراء كأنهم الذباب في هذيانهم.
ويرى أنه البصير بهذا ... وهو في العمى ضائع العكازِ
أي يظن أنه بصير بالشعر وهو كالأعمى الذي ضاع عصاه فهو لا يهتدي للطريق يقول هو في جملة العميان ضائع العكاز.
كل شعرٍ نظير قائله في ... ك وعقل المجيز مثل المجازِ
لا شك أن كل شعر نظير قائله فإن العالم بالشعر شعره يكون على حسب علمه وكذلك من دونه ويروي قائله منك والخطاب للشاعر يقول إذا مدحت أحدا فقبل شعرك فهو نظيره يعني أن العالم بالشعر لا يقبل إلا الجيد والجاهل به يقبل الردى وعقل الممدوح المجيز مثل عقل المادح المجاز وتقدير الكلام مثل عقل المجاز فحذف المضاف والمجيز الممدوح الذي يعطى الجائزة والمجاز الشاعر.
وقال يهجو قوماً
أماتكم من قبل موتكم الجهل ... وجركم من خفةٍ بكم النمل
يقول أماتكم الجهل قبل أن تموتوا أي أنتم موتي من جهلكم وإن كنتم احياء ولا وزن لكم ولا قدر فلخفة وزنكم تقدر النمل على جركم والسفيه الخفيف العقل يوصف بخفة الوزن كما أن الحكيم الرزين يوصف بثقل الوزن.
وليد أبي الطيب الكلب ما لكم ... فطنتم إلى الدعوى وليس لكم عقلُ
وليد ها هنا تصغير ولد وهو بمعنى الجماعة والكلب صفة أبي الطيب والدعوى الإدعاء وهو الانتساب يقول لا عقل لكم تعقلون به شيئا فكيف عقلتم الإدعاء في نسب لستم في ذلك النسب.
ولو ضربتكم منجنيقي وأصلكم ... قويٌّ لهدتكم فكيف ولا أصل
المنجنيق مؤنث يريد بها هجاءه يقول لو ضربتكم بهجاءي وأصلكم قويّ لكسركم وأبادكم فكيف ولا أصل لكم يعرف.
ولو كنتم ممن يدبر أمره ... لما كنتم نسل الذي ما له نسلُ
أي لو كنتم عقلاء لما انتسبتم إلى من يعرف أنه لا نسل له ولا عقب أي قد ظهرت دعواكم بهذا الإنتساب.
وقال يمدح الحسين بن عليّ الهمداني
لقد حازني وجد بمن حازه بعد ... فيا ليتني بعدٌ ويا ليته وجدُ
يقول لقد ضمني واشتمل عليّ وجدٌ بمن ضمه البعد وقاربه ثم قال لي ليتني بعد لأحوزه فأكون معه ويا ليته وجد ليحوزني ويتصل بي.
أسر بتجديد الهوى ذكر ما مضى ... وإن كان لا يبقى له الحجر الصلدُ
يقول أسر بأن يجدد لي الوى ذكر شيء قد مضى من أيام وصل الأحبة ولذة التواصل وإن كان الحجر الشديد لا يبقى له تأسفا عليه وحنينا إليه.
سهادٌ أتانا منك في العين عندنا ... رقاد وقلام رعى سربكم وردُ
السرب المال الراعي والسرب القطيع يقول السهاد إذا كان لأجلكم رقاد في الطيب والقلام على خبث ريحه إذا رعته أبلكم وردٌ.
ممثلةٌ حتى كأن لم تفارقي ... وحتى كأن اليأس من وصلك الوعدُ
أي أنت مصورة في خاطري وفكري حتى كأنك حاضرة عندي لم تفارقيني وحتى كان يأسي من وصلك وعد بالوصال.
وحتى تكادي تمسحين مدامعي ... ويعبق في ثوبي من ريحك الندُّ
يقول يكاد قرب صورتك يمسح مدامعي الجارية على خدي ويلزم ثوبي رائحتك الطيبة يريد أن قوة فكره تجعلها موجودة في ناظره وخاطره فتشمه رائحتها وتلزمها ثوبه ومن نصب يعبق كان عظفا على تكادي ومن رفع كان عطفا علي تمسحين.
إذا غدرت حسناء أوفت بعهدها ... ومن عهدها أن لا يدوم لها عهدُ
المرأة الحسناء إذا غدرت وخانت في المودة فقد وفت بالعهد لأن عهدها أنها لا تبقى على العهد فإذن وفاءها غدرٌ.
وإن عشقت كانت أشد صبابةً ... وإن فركت فأذهب فما فركها قصد
يقول إذا عشقت المرأة كان عشقها أشد من عشق الرجال لأنهن أرق طبعا وأقل صبرا وإذا ابغضت جاوزت الحد أيضا في البغض ولم يكن ذلك قصدا وقوله فاذهب حشو أتى به لإتمام الوزن ومعناه لا تطمع ف يحبها إذا فركت واذهب لشأنك وإن شئت قلت فإذهب في تلافي ذلك الفرك والأول الظاهر.
وإن حقدت لم يبق في قلبها رضًى ... وإن رضيت لم يبق في قلبها حقد
أي هي مبالغة في كلتى حالتيها في الحقد والرضى.
كذلك أخلاق النساء وربما ... يضل بها الهادي ويخفى بها الرشد
стр. 157
يريد اخلاقهن كما ذكرته والذي يهدي غيره ربما يضل بهن ويخفى عليه بها الرشد حتى يبتلي بهن والكناية في بها تعود إلى الأخلاق لان ضلال الهادي بأخلاقهن إذا اغتر بشدة صبابتهن ويخفى عليه الرشد أيضا بأخلاقهن.
ولكن حبا خامر القلب في الصبي ... يزيد على مر الزمانِ ويشتدُّ
هذا كالأعتذار من حبهن بعد ما ذكر من غدرهن وماسوي اخلاقهن واستدرك على نفسه بأنه لا يقدر على مفارقة هوى نشأ عليه طفلا فهو يزداد على مرور الزمان شدةً.
سقى ابن عليٍّ كل مزنٍ سقتكم ... مكافأة يغدو إليها كما تغدو
المزن جمع مزنة يقول سقى الممدوح كل سحاب سقاكم مكافأة له على ما فعل من سقيكم فهو يغدو إليها بالسقيا كما كانت تغدو إليكم جعل الممدوح يسقي السحاب لأنه أكثر ندى.
لتروي كما تروى بلاداً سكنتها ... وينبت فيها فوقك الفخر والمجدُ
أي لتروي السحاب كما ترويكم وينبت فوقك الفخر والمجد لأن عطاياه تورث المجد والشرف فيشرب السحاب بما ينال من جدواه فيكون الفخر والمجد نابتين فيها لما شربت من سقياه
بمن تشخص الأبصار يوم ركوبه ... ويخرق من زحمٍ على الرجل البردُ
الباء متعلقة بتروي يقول لتروى سحابكم بهذا الممدوح وإن شئت قلت ينبت به الفخر والتقدير بجوده أو بسببه ومعنى البيت أن الناس يزدحمون يوم ركوبه للنظر إليه لجلالة قدره والتعجب من حسنه.
وتلقى وما تدري البنان سلاحها ... لكثرة إيماء إليه إذا يبدو
أي لشغلهم بالنظر إليه والإيماء نحوه يلقون ما في ايديهم ولا يشعرون به وكأن هذا مقتبس من قوله تعالى فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن.
ضروب لهام الضاربي الهام في الوغى ... خفيف إذا ما أثقل الفرس اللبدُ
يقول هو خفيف لحذقه بالفروسية أو خفيف مسرعٌ إلى الحرب إذا بلغ الفرس من الجهد ما يثقل عليه لبده.
بصير بأخذ الحمد في كل موضعٍ ... ولو خبأته بين أنيابها الأسدُ
يقول يتوصل إلى احراز الحمد باحسانه وإن كان يتعذر الوصول إليه والمعنى لو لاح له الحمد في فك الأسد لتوصل إليه.
بتأميله يغني الفتى قبل نيلهِ ... وبالذعر من قبل المهند ينقدَّ
يقول إذا أمله الفتى صار غنيا قبل أن يأخذ عطاياه ومعنى غناه أنه ينفق ما يملكه ثقة بالخلف من عنده إذ كان يأمل عطاءه فيعيش عيش الأغنياء وإذا خافه تقطع خوفا منه قبل ان يقتله بسيفه.
وسيفي لأنت السيف لا ما تسله ... لضربٍ ومما السيف منه لك الغمدُ
اقسم بسيفه تعظيما له على أن السيف في الحقيقة الممدوح لا ما يسله ليضرب به لأنه أمضى منه في الأمور ولأن مضاء السيف بفعله ثم قال وغمدك من الحديد الذي منه السيف يعني درعه والمعنى إذا لبست الدرع كنت فيه كالسيف وكان لك كالغمد.
ورمحي لأنت الرمح لا ما تبله ... نجيعا ولولا القدح لم يثقب الزندُ
أي لولا أنت لم يمض الرمح كما أنه لولا القدح لم يضيء الزند لأن النار إنما تستخرج بالقدح والعرب قد تقسم بالسيف والرمح كما روي عن هجرس بن كليب أنه قال أما وسيفي وغراريه ورمحي وزجيه وفرسي وأذنيه لا يترك الرجل قاتل أبيه ينظر إليه ثم حمل إليه فقتله ورواء الأستاذ أبو بكر يثقب أي يضيء يقال ثقبت النار تثقب ثقوبا إذا اضاءت وغيره يرويه لم يثقب الزند وهو أجود لأن الثقوب لازم والإثقاب متعدٍ والثقوب فعل النار والاثقاب فعل الزند.
من القاسمين الشكر بيني وبينهم ... لأنهم يسدى إليهم بأن يسدوا
يقول هو من الآباء القاسمين ومن قال من الرجال القاسمين أثبت للممدوح أمثالا يفعلون فعله والمعنى أنهم يشكرونني على الأخذ والقبول كما اشكرهم على الانعام لانهم يبرون بأن يبروا فيوخذ برهم ويقال أسدى إليه إذا أنعم عليه يقول ينعم عليهم بإنعامهم كما قال زهير، كأنك تعطيه الذي أنت سائله،
فشكري لهم شكران شكرٌ على الندى ... وشكر على الشكر الذي وهبوا بعدُ
جعل الشكر الذي شكروه على أخذ نوالهم هبةً ثانية منهم له ولفظ الهبة في الشكر ههنا متسحسن وزيادة في المعنى والصنعة ومثله الخريمي، كان عليه الشكر في كل نعمةٍ، يقلدنيها باديا ويعيدها، ومثله لأبي الطيب، إذا سألوا شكرتهم عليه،
صيام بأبواب القباب جيادهم ... وأشخاصها في قلب خائفهم تعدوا
стр. 158
صيام واقفة من قولهم صام الفرس إذا وقف يقول خيلهم قائمة عندهم وهي كأنها تعدو في قلوب اعدائهم لشدة خوفهم والمعنى أنهم مخوفون وإن لم يقصدوا أحدا
وأنفسهم مبذولة لوفودهم ... وأموالهم في دار من لم يفد وفدُ
أي أنهم غير مجوبين عمن يقصدهم من الوفود واموالهم ترد على من لم يأتهم لأنهم يبعثونها إليهم.
كأن عطيات الحسين عساكر ... ففيها العبدي والمطهمة الجردُ
العبدي مما يجمع عليه العبد يقول أن فيما يعطيه عبيدا وخيلا حسانا فكان عطاءه عساكر
أرى القمر ابن الشمس قد لبس العلي ... رويدك حتى يلبس الشعر الخد
جعله قمرا وأباه شمسا يريد رفعتهما وشهرتهما يقول قد لبس العلي ثوبا ثم قال له تلبث وتمهل حتى تبلغ الرجولية.
وغال فضول الدرع من جنباتها ... على بدنٍ قد القناة له قدُّ
غالها أي ذهب بها أي رفعها من الأرض يقول قد استوفى بقده طول الدرع من جميع جوانبها وفيه اشارة إلى أنه طويل القامة وليس بأقعس ولا أحدب لأنهما لا يرفعانها من جميع الجوانب.
وباشر ابكار المكارم أمرداً ... وكان ندا آباؤه وهم مرد
يقول استعمل المكارم وتخلق بها في حال مرودته وكذلك آباؤه كانوا يفعلون ذلك قبل التحائهم.
مدحت أباه قبله فشفى يدي ... من العدم من تشفى به الأعين الرمدُ
جعل العدم كالداء الذي يطلب منه الشفاء وجعلال الممدوح يشفي الأعين الرمد بحسنه وجماله كما قال ابن الرومي، يا رمد العين قم قبالته، فداو باللحظ نحوه رمدك،
حباني بأثمان السوابق دونها ... مخافة سيري أنها للنوى جندُ
أي اعطاني الدراهم والدنانير التي تكون اثمان الخيل السوابق ولم يعطني الخيل مخافة أن أسير عليها فافارقه لأن الخيل بجريها تعين الرجل على السفر والبعد فهي من اسباب الفراق وأعوانه.
وشهوة عود إن جود يمينه ... ثناء ثناءٌ والجواد بها فردُ
شهوة معطوفة على مخافة أي وشهوة معاودةٍ منه للبر أي إشتهى أن يعود لي في العطاء لن جوده مثنى وإن كان هو فرداً لا نظير له والضمير في بهاء للأثمان أو لقوله ثناء ثناءٌ لأنها جملة.
فلا زلت ألقي الحاسدين بمثلها ... وفي يدهم غيظ وفي يدي الرفدُ
بمثلها بمثل عطاياه وهي مذكورة في قوله ثناء ثناءٌ واوقع الواحد موقع الجمع في قوله وفي يدهم غيظ.
وعندي قباطي الهمام وماله ... وعندهم مما ظفرت به الجحدُ
القباطي ثياب بيض تحمل من مصر واحدها قبطية ومنه قول زهير، كما دنس القبطية الودك، قوله وعندهم مما ظفرت به الجحد قال ابن جنى هذا دعاء عليهم بأن لا يزرقوا شيئا حتى إذا قيل لهم هل عندكم خير أو بر من هذا الممدوح قالوا لا فذلك هو الجحد وليس كما قال بل هذا تمحل والمعنى أنهم يجحدون وينكرون ما أعطانيه يقولون لم يعطه ولم ينل جميع ما يدعى أي فلا زال الأمر على هذا آخذ وهم يقولون لم يأخذ.
يرومون شأوى في الكلام وإنما ... يحاكي الفتى في ما خلا المنطق القردُ
يقول هؤلاء المتشاعرون يتكلفون أن يبلغوا غايتي في الشعر فلا يقدرون كالقرد الذي يحكي ابن آدم في أفعاله ما خلا المنطق فإنه لا يقدر أن يحكيه في ذلك كذلك هؤلاء هم قرود لا يمكنهم أن يتكلموا بمثل كلامي.
فهم في جموع لا يراها ابن دأيةٍ ... وهم في ضجيجٍ لا يحس به الخلد
ابن دأية هو الغراب يقع على دأية البعير الدبر فينقرها ومنه قول الشاعر، إن ابن دأيةَ بالفراق لمولعٌ، وبما كرهت لدائمُ التنعاب، والعرب تصفه بحدة النظر والخلد جنس من الفار أعمى موصوف بحدة السمع يقول جموعهم قليلة لا يبصرها الغراب مع حدة بصره ولا يسمعها الفار مع حدة سمعه يعني أنهم لقلتهم وحقارتهم كلا شيءٍ.
ومني استفاد الناس كل غريبةٍ ... فجازوا بترك الذم إن لم يكن حمدُ
стр. 159
قال ابن جنى قوله فجاوزاو كما تقول هذا الدرهم يجوز على خبث نقده أي يتسمح به أي فغايتهم أن لايذموا فأما أن يحمدوا فلا قال أبو الفضل العروضي قضيت العجب ممن يخفى عليه هذا ثم يدعي أنه أحكم سماع تفسير شعره منه وإنما يقول الناس مني استفادوا كل شعرٍ غريبٍ وكلامٍ بارعٍ ثم رجع إلى الخطاب فقال فجازوني على فوائدي بترك الذم إن لم تحمدوني عليها قال ابن فورجة كذا يتحمل للمحال من كل محفاره عن انباط الصحيح وما يصنع بهذا البيت على حسنه وكونه مثلا سائرا إذا كان تفسيره ما قد زعم ولقد تعجبت من مثل فضله أن سقط به على مثل هذه الرذيلة وإنما قوله فجازوا أمر من المجازاة يقول مني استفدتم كل غريبة فإن لم تحمدوني عليها فجازوني بترك المذمة.
وجدت عليا وابنه خير قومهِ ... وهم خير قومٍ واستوى الحر والعبدُ
عليٌّ أبو الممدوح وابنه الحسين يقول هما خير قوم عليّ الذي ينتسب إليهم وهم خير قوم من الناس ثم بعد هؤلاء يستوي الأحرار والعبيد فلا يكون لأحد على غيره فضل وهذا كقول أبي تمام، متواطئو عقبيك في طلب العلا، والمجد ثمت تستوي الأقدام، وكقول البحتري، جزت العلي سبقا وصلى ثانيا، ثم استوت من بعده الأقدام، وكرر أبو الطيب هذا المعنى فقال، حتى يشار إليك ذا مولاهم، البيت.
وأصبح شعري منهما في مكانهِ ... وفي عنق الحسناء يستحسن العقدُ
أي في المكان الذي ينبغي أن يكون فيه لأنهما أهل أن يمدحا به فزاد حسنه كما أن العقد إذا حصل في عنق الحسناء ازاداد حسنه وهذا كقوله أيضا، وقد أطال ثناءي طول لابسه، إن الثناء على التنبال تنبالُ.
وقال يمدح أبا محمد الحسن بن عبد الله بن طغج.
أنا لائمي إن كنتُ وقت اللوائمِ ... علمت بما بي بين تلك المعالمِ
يعني بالمعالم ديار الاحبة وهي حيث ظهرت علامات النازلين به من آثار النار والدواب والخيام وحين وقف عليها اصابه من الدهش والوجد لفرقتهم ما اذهب عقله حتى لم يشعر بما يجري عليه من الجزع والبكاء يقول إن كنت حين تلومني اللوائم على فرط جزعي علمت ما بي وما الذي دهاني هناك فأنا لائمي أي قد لمت نفسي في قصور محبتي لأن ثبات علمي وعقلي معي في ديارهم بعد ارتحالهم دليل على أن هواي قاصر ويجوز أن يكون المعنى أنا لائمي في الخسر والنقصان أو في السلوان إن علمت ما يجري عليّ وهذا اختيار ابن جنى لأنه قال هذا كقولك أنا مثلكإن فعلت كذا قال ونظيره قوله، عيون رواحلي إن حرتُ عيني، وكل بغام رازحةٍ بغامي.
ولكنني مما شدهت متيمٌ ... كسالٍ وقلبي بائح مثل كاتمِ
شده الرجل فهو مشدوه إذا تحير والمعنى ولكنني متيم كسالٍ مما ذهلت أي افرط ذهولي حتى كأني ذهلت عن الهوى فصرت كالسالي وقلبي بائح يبوح بما فيه من الوجد وهو مع ذلك كالكاتم لأنه لم يقصد البوح.
وقفنا كأنا كل وجد قلوبنا ... تمكن من أذوادنا في القوائم
أي أطلنا الوقوف هناك فكان ما في قلوبنا من الحيرة والوجد كان في قوائم إبلنا لأنها وقفت فلم تبرح.
ودسنا بأخفاف المطي ترابها ... فلا زلت استشفي بلثم المناسمِ
المنسم للخف بمنزلة السنبك للحافر يقول الثم مناسم أبلى اطلب بذلك شفاء ما بي لأنها وطئت تراب منازلهم.
ديار اللواتي دارهن عزيزةٌ ... بطول القنا يحفظن لا بالتمائمِ
أي ديارهن منيعةٌ لا يتوصل إليها وهن يحفظن بالرماح لا بالتعاويذ.
حسان التثني ينقش الوشى مثله ... إذا مسن في اجسامهن النواعمِ
أي لنعمة جلودهن يؤثر الوشي فيها مثل نقوشه إذا مشين متبختراتٍ كما قال السريّ، رقت عن الوشي نعمة فإذا، صافح منها الجسوم وشاها،
ويبسمن عن جر تقلدن مثله ... كأن التراقي وشحت بالمباسمِ
يريد أن ثغورهن في الصفاء وحسن النظم كالدر الذي تقلدنه فكان تراقيهن حليت بثورهن.
فما لي وللدنيا طلابي نجومها ... ومسعاي منها في شدوق الأراقم
стр. 160
لم يقل أحد في تفسير هذا البيت ما يعتمج أو يساوي الحكاية لأن جميع ما قيل في هذا البيت من المعنى لا يوافقه اللفظ والذي عندي فيه أنه يشكو الدنيا يقول ما لي ولها اطلب معاليها وأنا مرتبك في نوائبها وخطوبها يعني أن الدنيا عكست عليه الأمر هو يطلب المعالي بنجوم الدنيا عما فيها من الشرف والذكر وبشدوق الأراقم عن الخطوب المهلكة والنوائب المفظعة وهذا ظاهر صحيح بحمد الله تعالى.
من الحلم أن تستعمل الجهل دونهُ ... إذا اتسعت في الحلم طرق المظالمِ
أي إذا كان حلمك داعيا إلى ظلمك فإن من الحلم أن تجهل والمظالم جمع المظلمة وهي الظلم.
وأن ترد الماء الذي شطره دمٌ ... فتسقي إذا لم يسق من لم يزاحمِ
أي الماء الذي كثر القتل عليه حتى امتزج بدم المقتولين عليه والمعنى أن تزاحم على الأمر المتنافس فيه
ومن عرف الأيام معرفتي بها ... وبالناس روى رمحه غير راحمِ
فليس بمرحومٍ إذا ظفروا به ... ولا في الردى الجاري عليهم بآثمِ
إذا صلتُ لم أترك مصالا لفاتكٍ ... وإن قلت لم أترك مقالا لعالمِ
يريد أنه في غاية الشجاعة والعمل وإذا صال كفى غيره الصول وإن قال كفى غيره القول.
وإلا فخانتني القوافي وعاقني ... عن ابن عبيد الله ضعف العزائمِ
أي أن كنت كاذبا فيما قلت فلا وفت لي القوافي حتى أعجز عن نظمها وضعفت عزيمتي في قصد الممدوح حتى يعوقني عنه ضعف عزمي يعني أنه إذا قعد عنه ولم يأته لم يصل إلى المطلوب.
عن المقتني بذل التلاد تلاده ... ومجتنب البخل اجتناب المحارمِ
أي عن الذي يدخر البذل مالا فيقوم بذل ماله مقام ما يقتنيه يعني أنه يلازم البذل ملازمة المال المقتنى.
تمنى أعاديه محل عفاته ... وتحسد كفيه ثقال الغمائمِ
يعني أن عفاته يغيرون على أمواله وهذا اقصى ما يتمناه اعاديه ويجوز أن يريد أن عفاته في أمان من نوائب الزمان وتمنى العداة هذا والغمام الثقيل بالماء يحسد كفه لأنها اندى منه.
ولا يتلقى الحرب إلا بمهجةٍ ... معظمةٍ مذخورةٍ للعظائمِ
أي لا يستقبل الحرب إلا بمجة مرفوعة عن الدنايا لا تسف لأمرٍ دني وهي مدخرةٌ لكفاية الأمور العظيمة التي لا تكفي إلا بمثله ومهجته نفسه لأن نفسه لا تقوم دونها.
وذي لجبٍ لا ذو الجناح أمامه ... بناجٍ ولا الوحش المثار بسالمِ
يعني وبجيش ذي لجب قال ابن جنى يقول الجيش يصيد الوحش والعقبان فوقه تسايره فتخطف الطير أمامه قال ابن فورجة صيد الطير بالنبل والسهام مستمرٌّ معتادٌ فلم ينسبه إلى العقبان ولا مدح في ذلك من فعلها فإنها تصيد الطير وإن لم تصحب جيش الممدوح قال والمعنى عندي أن هذا الجيش جيش الملوك تصحبه الفهود والبزاة والكلاب فلا الطائر يسلم منه ولا الوحش قال ونكت بقوله المثار فإن الجيش الكثير يثير ما كمن من الوحوش لأجل ذلك قال مالك بن الريث، بجيشٍ لهامٍ يشغل الأرض جمعه، على الطير حتى ما يجدن منازلا،
تمر عليه الشمس وهي ضعيفةٌ ... تطالعه من بين ريش القشاعمِ
ضعيفة بالعقبان أو بالغبار أو بضوء الأسلحة ولا يقع ضوءها عليه إلا من خلال رئيس النسور وهو قوله
إذا ضوءها لاقى من الطير فرجةً ... تدور فوق البيضِ مثل الدراهمِ
شبه ما يتساقط من الضوء في فرج أجنحة الطير بالدراهم وشبهه في موضعٍ آخر بالدنانير وهو قوله، وألقى الشرق منها في ثيابي، دنانيرا تفر من البنانِ،
ويخفى عليك الرعد والبرق فوقه ... من اللمع في حافاتهِ والهماهمِ
أي لكثرة ما في ذلك الجيش من بريق الأسلحة ولمعانها يخفى عليك البرق فلا تعرفه فكذلك الرعد لكثرة ما فيه من الأصوات.
أرى دون ما بين الفرات وبرقةٍ ... ضربا يمشي الخيل فوق الجماجمِ
يقول أرى في هذا الموضع مضاربةً بالسيف يكثر فيها قطع الرؤوس حتى تطأها الخيل فتمشي فوق الجماجم
وطعن غطاريفٍ كأن أكفهم ... عرفن الردينيات قبل المعاصمِ
الغطريف السيد الكريم يقول أنهم لحذقهم بالطعان كأنهم عرفوا الرماح قبل ما تشد على سواعدهم في طفولتهم.
حمته على الأعداء من كل جانبٍ ... سيوف بني طغج بن جفِّ القماقمِ
стр. 161
أي جعلت سيوفهم هذا المكاان حمًى على الأعداء فلا يحومون حوله وترك صرف طغج وجف وذلك يجوز عند الكوفيين وعند البصريين إذا سمي باعجميٍّ ثلاثيٍّ انصرف نحو هودٍ ولوط ونوح والأجود أن يكسرهما جميعا ويحذف التنوين منهما لالتقاء الساكنين كما يقال حاتم الطاءي وهاب المئي وهو كثير في الشعر والكلام ومنه قراءةً من قرأ عزير بن الله بغير تنوين وهذا احسن من تلك الصرف فيهما وهو طغج بضم الغين ولكنه غير لأن العرب إذا نطقت بالأعجمية اجترأت على تغييرها كيف شاءت.
هم المحسنون الكر في حومة الوغى ... وأحسن منه كرهم في المكارم
يريد أنهم يكرون في الحرب على اعدائهم كذلك يعودون في المكارم فيضعفونها ولا يقصرون في الأمرين على مرة واحدة.
وهم يحسنون العفو عن كل مذنبٍ ... ويحتملون الغرم عن كل غارمِ
حييون إلا أنهم في نزالهم ... أقل حياء من شفار الصوارمِ
يعني أنهم لا حياء عندهم في الحرب فهم فيها صفاق الوجوه لا يلينون لأقرانهم.
ولولا احتقار الأسد شبهتها بهم ... ولكنها معدودةٌ في البهائم
سرى النوم عني في سراي إلى الذي ... صنائعه تسري إلى كل نائم
إلى مطلق الأسرى ومختوم العدي ... ومشكى ذوي الشكوى ورغم المراغم
يعني أنه يمكن على الاسرى فيطلقهم من الإسار ويختطف الأعداء في الحرب بسيوفه واسنته ويزيل شكوى ذويها بالإحسان إليهم.
كريم نفضت الناس لما بلغته ... كأنهم ما جف من زاد قادمِ
يقول نفضت الناس لما بلغته نفض القادم حثالة زاده لاستغنائه عنها بعد القدوم وكذلك انا استغنيت به عن غيره.
وكاد سروري لا يفي بندامتي ... على تركهِ في عمري المتقادمِ
وفارقت شر الأرض أهلا وتربةً ... بها علويٌّ جده غير هاشمِ
بلى الله حساد الأمير بحلمه ... وأجلسه منهم مكان العمائمِ
يقول ابتلاهم الله بحلمه حتى لا يقتلهم ورفعه فوقهم حتى يكون منهم مكان عمائمهم ثم ذكر تمام المعنى فقال:
فإن لهم في سرعة الموت راحةً ... وإن لهم في العيش حز الغلاصمِ
كأنك ما جاودت من بان جوده ... عليك ولا قاتلت من لم تقاومِ
هذا تعريض بالذين يبارون الممدوح في الجود والشجاعة من حساده يقول أيها الإنسان الذي تباريه في الجود ويظهر عليك جوده كأنك ما جاودته لأن الفضل والغلبة له عليك وكأنك لم تقاتل من لم تقاومه في الحرب لأن من غلبك في الحرب لم ينفعك محاربتك إياه والمعنى أن مفاخرتهم إياه لا تنفعهم إذا كانت الغلبة له.
وسأله أبو محمد الشرب فامتنع فقال له بحقي عليك
سقاني الخمر قولك لي بحقي ... وود لم تشبه لي بمذق
يميناً لو حلفت وأنت تأتي ... على قتلي بها لضربت عنقي
وروى ابن جنى وأنت ناء أي وإن كنت بعيداً وحلفت حلفا تريد به قتلي لفعلت ذلك ثم أخذ الكاس وقال
حييت من قسمٍ وأفدى المقسما ... أمسى الأنام له مجلا معظما
وإذا طلبت رضا الأمير بشربها ... وأخذتها فلقد تركت الأحرما
يقول شربها حرام وعصيانك حرام وأنا تركت عصيانك فإنه احرم من شرب الخمر وغنى مغنٍّ فقال يخاطب أبا محمد
ماذا يقول الذي يغني ... يا خير من تحت ذي السماء
شغلت قلبي بلحظ عيني ... إليك عن حسن ذا الغناءِ
وعرض عليه سيفا فاشار به إلى بعض من حضر فقال
أرى مرهفا مدهش الصيقلين ... وبابة كلِّ غلامٍ عتا
يريد سيفا رققت شفرتاه يدهش الصيقل لجوهره وهو آلة كل طاغٍ عاتٍ
أتأذن لي ولك السابقاتُ ... أجربه لك في ذا الفتى
يريد ولك الأيادي السابقة وأراد الأنصراف فقال
يقاتلني عليك الليل جدا ... ومنصرفي له أمضى السلاحِ
الليل يقول انصرف وهو يميل إلى الأمير وإلى مجلسه ويعصيه فقد حصل التنازع فجعل ذلك قتالا ثم قال وإذا انصرفت فقد اعنته على نفسي ويجوز أن يكون المعنى إن الليل برده ندماءه وتفريقه جلساءه يتوسل إلى الخلو به فانصرافي امضى سلاح له واعون على مراده
لأني كلما فارقت طرفي ... بعيد بين جفني والصباح
стр. 162
هذا البيت تعليل لقوله ومنصرفي له أمضى السلاح لاني كلما لم أرك طال ليلى فيعد ما بين جفني والصباح لسهري شوقا إلى لقائك ولو قال بين عيني والصباح كان اظهر لأن الصبح إنما يرى بالعين لا بالجفن واخرج بين عن الظرفية ورفعه بفعله وهو معنى بعيد ومثله قول الآخر، كان رماحهم أشطان بئرٍ، بعيدٌ بين جانبها جرورِ.
وسايره وهو لا يدري أين يريد به فلما دخل كفرديس قال
وزيارةٍ عن غير موعد ... كالغمض في الجفن المسهد
أي اتفقت لنا زيارة هذه القرية بغتةً فكانت لطيبها كالنوم في الجفن الساهد
معجت بنا فيها الجيا ... د مع الأمير أبي محمد
المعج ضرب من السير لين سهل يقال معجت الإبل والريح إذا هبت هبوبا لينا ومنه قول الشاعر، يصل الشد بشدٍ فإذا، ونت الخيل من الشد معج،
حتى دخلنا جنةً ... لو أن ساكنها مخلد
خضراء حمراء الترا ... ب كأنها في خد أغيد
شبه خضرة نباتها على حمرة ترابها بخضرة الشارب على الخد والمورد والغيد لا ينبيءُ عن الحمرة لكنه أراد أغيد مورد الخد حين شبه الخضرة على الحمرة بما في خده كما قال، كأن أيديهن بالموماة، أيدي جوار بتن ناعمات، يريد أن أيدي الإبل قد انخضبت من الدم كما أن أيدي الجواري الناعمات حمر بالخضاب وليست النعمة من الخضاب في شيء.
أحببت تشبيها لها ... فوجدته ما ليس يوجد
أي أردت أن أشبهها بشيء فوجدت تشبيها معدوما ويجوز أن يريد بالتشبيه المفعول وهو المشبه به يقول اردت مشبها لها فكان مستحيل الوجود فإن قيل هذا يناقض ما قبله لأنه ذكر التشبيه قلنا ذلك تشبيه جزءي لأنه ذكر خضرة النبات على حمرة التراب في التشبيه وأراد في هذا البيت تشبيه الجملة فلم يتعارضا
وإذا رجعت إلى الحقا ... ئق فهي واحدة لأوحد
أي هي واحدة في الحسن لأوحد في المجد.
وقال فيه أيضاً
ووقتٍ وفى بالدهر لي عند واحدٍ ... وفي لي بأهليه وزاد كثيرا
يريد أن وقتي عند يفي بجميع الزمان كما أن الممدوح يفي بكل إنسان.
شربت على استحسان ضوء جبينهِ ... وزهر ترى للماء فيه خريرا
غدا الناس مثليهم به لا عدمته ... وأصبح دهري في ذراه دهورا
أي هو عالم مثل الناس كلهم فالناس به عالمون ودهره عظيم القدر به فقد صار به الدهر دهورا.
وقال يصف مجلسين له متقابلين على مثال ربربين قد شدا بقلس
المجلسان على التمييز بينهما ... مقابلان ولكن أحسنا الأدبا
يقول هما وإن ميز بينهما مقابلان وكل واحد منهما قد احسن الأدب ثم ذكر ذلك الأدب فقال.
إذا صعدت إلى ذا مال ذا رهباً ... وإن صعدت إلى ذا مال ذا رهبا
يقول إذا صعدت إلى احدهما فجلست فيه مال الآخر هيبةً لك حين هجرته.
فلم يهابك ما لا حس يردعه ... أني لأبصر من فعليهما عجبا
واقبل الليل وهما في بستان فقال:
زال النهار ونور منك يوهمنا ... أن لم يزل ولجنح الليل إجنانُ
أي إذا ابصرنا نور وهجك ظننا أن النهار باقٍ لم يزل مع أن الليل قد اظلم.
وإن يكن طلب البستان يمسكنا ... فرح فكل مكانٍ مكن بستانُ
يقول إن كان يسمكنا في هذا البستان طلب البستان لتكون فيه فسر منه فكل مكان كنت فيه فهو بستان.
وكره الشرب فلما كثر البخور وارتفعت رائحة الند بمجلسه قال:
أنشر الكباء ووجه الأمير ... وحسن الغناء وصافي الخمورِ
النشر الرائحة الطيبة والكباء العود الذي يتبخر به وخبر المبتداء محذوف للعلم به كأنه قال اتجتمع هذه الاشياء لأحد كما اجتمعت لي.
فداو خماري بشربي لها ... فإني سكرت بشربِ السرورِ
أي أنا سكران بالسرور حين اجتمع لي ما ذكرته فداوِ خماري بشرب الخمر أي إنما أريد شرب الخمر لأنفى الخمار لا للسكر فإني سكران من السرور.
ولما انصرف ن البستان نظر الى السحاب فقال:
تعرض لي السحاب وقد قفلنا ... فقلت إليك إن معي السحابا
فشم في القبة الملك المرجى ... فأمسك بعد ما عزم انسكابا
وأشار إليه طاهر العلويّ بمسك وأبو محمد حاضر فقال
الطيب مما غنيت عنه ... كفى بقرب الأمير طيبا
يبني به ربنا المعالي ... كما بكم يغفر الذنوبا
وجعل أبو محمد يضرب البخر بكمه ويسوقه إليه فقال
стр. 163
يا أكرم الناس في الفعال ... وأفصح الناس في المقالِ
إن قلت في ذا البخور سوقا ... فهكذا قلت في النوالِ
قلت ههنا بمعنى اشرت قال بكمه أي اشار وقال برأسه نعم أي أشار والمعنى إن اشرت في البخور تسوقه إليّ سوقا فهكذا قلت وفعلت في العطاء وحدث أبو محمد عن مسيرهم بالليل لكبس بادية وإن المطر قد اصابهم فقال
غير مستنكرٍ لك الإقدامُ ... فلمن ذا الحديث والإعلامُ
قد علمنا من قبل أنك من لا ... يمنع الليل همه والغمامُ
وقال أيضا وهو عند طاهر العلويّ
قد بلغت الذي أردت من الب ... ر ومن حق ذا الشريف عليكا
وإذا لم تسر إلى الدار في وقت ... ك ذا خفت أن تسير إليكا
وهمّ بالنهوض فأقعده فقال
يا من رأيت الحليم وغدا ... به وحر الملوك عبدا
مال على الشراب جدا ... وأنت للمكرمات أهدا
فإن تفضلت بانصرافي ... عددته من لديك رفدا
أي المتنبي لا ينصرف ما لم يصرف فتفضله بالصرف في تفضل بالإنصراف وذكر أبومحمد أن أباه استخفى مرى فعرفه يهودي فقال
لا تلومن اليهوديَّ على ... أن يرى الشمس فلا ينكرها
إنما اللوم على حاسبها ... ظلمة من بعد ما يبصرها
وسئل عما اترجل من الشعر فاعاده فتعجبوا من حفظه فقال
إنما أحفظ المديح بعيني ... لا بلقبي لما أرى في الأميرِ
يقول لا احتاج إلى حفظه بالقلب لأني اشاهد بالعين ما امدحه به وهو قوله
من خصالٍ إذا نظرت إليها ... نظمت لي غرائب المنثورِ
يقول عيني تنظم فضائلك لإدراكها إياها عينا لا قلبي.
قال وقد حدث جليس له لأبي محمد بن عبيد الله عن قتلى هاله أمرهم ومنظرهم
أباعث كل مكرمةٍ طموحِ ... وفارس كل سلهبةٍ سبوحِ
يريد أنه يحيى كل مكرمةٍ ممتنعة على غيره وإنه لا يركب إلا كل فرسٍ طويلة تسبح في جريها
وطاعن كل نجلاء غموسٍ ... وعاصى كل عذالٍ نصيحِ
يريد وطاعن كل طعنةٍ واسعة تغمس صاحبها المطعون في الدم وعاصي كل من يعذلك في الجود والشجاعة
سقاني الله قبل الموت يوما ... دم الأعداء من جوف الجروحِ
وأطلق الباشق على سماناةٍ فأخذها فقال
أمن كل شيء بلغت المرادا ... وفي كل شأوٍ شأوت العبادا
فماذا تركت لمن لم يسد ... وماذا تركت لمن كان سادا
أي لم يبق شيئا من أسباب السيادة إلا وقد جمعتها فلم تترك منها شيئا يختص به من لم يسد أو ساد من قبل
كأن السماني إذا ما رأتك ... تصيدها تشتهي أن تصادا
أي لتفخر بقربك والسماني يكون واحدا وجمعا كالحبارى.
واجتاز أبو محمد ببعض الجبال فأثار الغلمان خشفا فالتقفته الكلاب فقال أبو الطيب
وشامخ من الجبال أقود ... فرد كيافوخ البعير الأصيد
الشامخ العالي والأقود المنقاد طولا يريد أن هذا الجبل يمتد في الهواء وفيه إعوجاج فشبهه بيافوخ البعير الاصيد لعلوه واعوجاجه والاصيد البعير الذي في عنقه اعوجاج من دائه
يسار من مضيقه والجلمد ... في مثله متن المسد المعقد
أي يسار من هذا الجبل في طريق ضيق يلتوي عليه كأنه ما بين قوى المسد في التوائه واعوجاجه
زرناه للأمر الذي لم يعهد ... للصيد والنزهة والتمرد
قال ابن جنى إنما قال لم يعهد لان الأمير مشغول بالجد والتشمير عن اللهو واللعب قال ابن فورجة يريد انه لم يعهد لهوه وروايتي بفتح الياء يعني ان الشامخ لم يعهد الصيد فيه لعلوه وارتفاعه ولم يقدر على وحشه إلا هذا الأمير ألا ترى انه وصفه بالارتفاع ووعورة الطريق هذا كلامه ويجوز على رواية من ضم الياء ان الصيد لم يعهد بهذا الجبل فيكون المعنى كما ذكر ابن فورجة والتمرد طغيان النشاط
بكل مسقى الدماء أسودِ ... معاودٍ مقودٍ مقلد
أي بكل كلب يسقى دم ما يصيده أسود في لونه معاودٍ يعاود الصيد ويتكرر عليه مقودٍ جعل له مقود يقاد به إلى الصيد مقلد من القلادة
بكل ناب ذرب محدد ... على حفافي حنكك كالمبرد
أي معاود للصيد بكل ناب ذرب أي حاد والحفافان الجاذبان وشبه حنكه بالمبرد للطرائق التي فيه
كطالب الثار وإن لم يحقد ... يقتل ما يقتله ولا يدى
أي كأنه يطلب نارا من الصيد وان لم يكن له عليه حقد
стр. 164
ينشد من ذا الخشف ما لم يفقد ... فثار من أخضر ممطور ندى
كأنه بدؤ عذار الأمردِ
قال ابن جنى يطلب من هذه الخشف ما لم يفقده فوضع الخشف مكان الخشفين وهذا باطل ومن لبيان الموصول وانبعث الخشف من مكان اخضر وشبهه في خضرته بشعر أول ما بدأ في خد امرد
فلم يكد إلا لحتفٍ يهتدي ... ولم يقع إلا على بطن يدِ
أي كأنه محير لا يهتدي إلا لحتفه وكأنه يطلب حتفه لسرعته إليه ولم يقع إلا على بطن يد الكلب فحصل فيه ويجوز أن يكون المعنى أنه لما يئس من الفوت مد يديه لاطئا بالأرض
ولم يدع للشاعر المجودِ ... وصفاً له عند الأمير الأمجدِ
أي لم يدع الكلب وصفا له يصفه به الشاعر لأنه لو اجتهد في وصفه لم يمكنه أن يأتي بشيء أكثر مما فعله الكلب من سرعة العدو والتفافه الصيد والضمير في له للشاعر وابن جنى يحمل هذا على الخشف ولا معنى لذلك.
الملك القرم أبي محمدِ ... القانص الأبطال بالمهندِ
ذي النعم الغر البوادي العودِ ... إذا أردت عدها لم أعدد
أي النعم التي تظهر فتبدوا ثم تعود ولا تكون مرة واحدة
وإن ذكرت فضله لم ينفد
واستحسن عين بازٍ في مجلسه فقال
أيا ما أحيسنها مقلةً ... ولولا الملاحة لم أعجبِ
صغر فعل التعجب لإلحاقه بالأسماء إذ عدم تصرفه ومعنى التحقير ههنا المبالغة في استحسانها
خلوقية في خلوقيها ... سويداء من عنب الثعلبِ
يجوز الرفع في خلوقية على تقدير هذه المقلة خلوقية في لونها الخلوقي حبة سوداء من عنب الثعلب يريد لون مقلتها وما فيها من السواد
إذا نظر الباز في عطفه ... كسته شعاعا على المنكب
أي لبريق عينه إذا نظر إلى جانبه كسته حدقته شعاعا على منكبه.
وعاتبه على تركه مدحه فقال
ترك مديحك كالهجاء لنفسي ... وقليل لكل المديح الكثيرُ
غير أني تركت مقتضب الشع ... رِ لأمرٍ مثلي به معذور
المقتضب ههنا مصدر بمعنى الاقتضاب وهو الاقتطاع ويستعمل ذلك فيما يقال بديها يقال اقتضب كلاما وشعرا إذا أتى به على البديهة كانه اقتطع غصنا من أغصان الشجر ولم يبين ذلك العذر الذي اعتذر به في ترك الشعر كأنه كان عذرا واضحا قد عرفه الممدوح فأهمل ذكره
وسجاياك مادحاتك لا لف ... ظي وجودٌ على كلامي يغير
يقول إنما يمدحك ما فيك من الأخلاق الحميدة وجود أكثر من شعري فهو لا يترك لي قولا إلا استغرقه
فسقى الله من أحب بكفي ... ك وأسقاك أيهذا الأمير
يقول سقى الله احبابي بكفيك فإنها سقيا نافعة كثيرة وتولى الله سقيك وجعل سقى وأسقى بمعنى واحد وقال يودعه
ماذا الوداع وداع المواق الكمد ... هذا الوداع وداع الروح للجسد
إذا السحاب زفته الريح مرتفعا ... فلا عدا الرملة البيضاء من بلدِ
زفته حركته وساقته يقال زفاه يزفيه زفيا ولا عدا لا تجاوز والرملة اسم بلد الممدوح
ويا فراق الأمير الرحب منزله ... إن أنت فارقتنا يوما فلا تعدِ
وقال يمدح أنا القاسم طاهر ابن الحسين بن طاهر العلوي
أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب ... وردوا رقادي فهو لحظ الحبائب
قال ابن جنى معناه ردوا الكواعب والحبائب ليرجع صباحي فأبصر أمري ويرجع نومي إذا نظرت اليهن وقال ابن فورجة أي دهري ليلٌ كله ولا صباح لي إلا وجوههن وليلى سهر كله ولا رقاد لي حتى أراهن
فإن نهاري ليلةٌ مدلهمةٌ ... على مقلةٍ من فقدكم في غياهب
مدلهمة شديدة السواد والغياهب جمع غيهب وهو شدة الظلمة وإنما جعل النهار ليلا اشارةً إلى أنه لا يهتدي إلى شيء من مصالحه وقد عمى لحيرته أو إلى أن جفونا فتحت على وجوههن محتومة لا تفتح على غيرها وإذا انطبقت الجفون فالنهار ليل كقوله، فلو أني استطعت ختمت طرفي، فلم أبصر به حتى أراكا، قال ابن جنى أي لما غبتم لم أبصر بعدكم شيئا أي بكيت حتى عميت
بعيدة ما بين الجفون كأنما ... عقدتم أعالي كل هدبٍ بحاجبِ
стр. 165
أن حملنا قوله كل هذب على العموم فالحاجب ههنا بمعنى المانع لأنا لو حملنا الحاجب على المعهود كان مغمضا لأن هدب الجفن الأسفل إذا عقد بالحادب حصل التغميص فإذا جعلنا الحاجب بمعنى المانع صح الكلام وإن جعلنا الحاجب المعهود حملنا قوله كل هدب على التخصيص وإن كان اللفظ عاما فنقول أراد هدب الجفن الأعلى وهذا مثل قول الطرمي في رطاناته، ورأسي مرفوع إلى النجمِ كأنما، قفاي إلى صلبي بخيطٍ مخيط، وهذا من قول بشار، جفت عيني عن التغميض حتى، كأن جفونها عنها قصار،
وأحسب أني لو هويت فراقكم ... لفارقته والدهر أخبث صاحب
يريد أن الدهر يخالفه في كل ما أراد حتى لو أحب فراقهم لواصلوه وكان من حقه أن يقول لفارقني لأن قوله لفارقته فعل نفسه وهو يشكو الدهر ولا يشكو فعل نفسه ولكنه قلبه لأن من فارقك فقد فارقته فهذا من باب القلب وإنما قال اخبث صاحب وكان من حقه إن يقول اخبث الأصحاب لأنه أراد أخبث من يصحب وما كان اسم فاعلٍ في مثل هذا يجوز فيه الإفراد والجمع قال الله تعالى ولا تكونوا أول من يكفر به وأنشد الفراء، وإذا هم طعموا فألام طاعمٍ، وإذا هم جاعوا فشر جياعِ، فأتى بالأمرين جميعا وأشار أبو الطيب إلى أن من أهواه ينأى عني ومن أبغضه يقرب مني لسوء صحبة الدهر أياي كما قال لطف الله بن المعافى، أرى ما أشتهيه يفر مني، وما لا أشتهيه إليّ يأتي، ومن أهواه يبغضني عنادا، ومن أشناه يشبث في لهاتي، كأن الدهر يطلبني بثارٍ، فليس يسره إلا وفاتي،
فيا ليت ما بيني وبين أحبتي ... من البعد ما بيني وبين المصائب
ليتهم وأصلوني مواصلة المصائب وليتها بعدت عني بعدهم كما قال أيضا، ليت الحبيب الهاجري هجر الكرى، من غير جرمٍ واصلي صلة الضنا،
أراك ظننت السلك جسمي فعقتهِ ... عليك بدرٍ عن لقاء الترائب
أراد بالسلك الخيط الذي ينظم فيه الدر وفي البيت تقديم وتأخير لأن المعنى فعقته بدر عليك يقول لعلك حسبت السلك في دقته جسمي فمنعته عن مباشرة ترائبك بأن سلكته في الدر يشكو مخالفتها إياه وزهدها في وصاله والمعنى ميلك إلى مشاقتي حملك على منافرة شكلي حتى عقت السلك عن مس ترائبك بالدر لمشابهته أياي في الدقة
ولو قلم القيت في شقِّ رأسهِ ... من السقمِ ما غيرتُ في خط كاتبِ
تخوفني دون الذي أمرتْ به ... ولم تدر أن العار شر العواقبِ
الذي أمرت به ملازمة البيت وثرك السفروالذي خوفته به الهلاك وتقدير اللفظ تخوفني بشيء دون الذي أمرت به أي تخوفني بالهلاك وهو دون ما تأمر به من ملازمة البيت لأن فيها عارا والعار شر من البوار.
ولابد من يومٍ أغر محجلٍ ... يطول استماعي بعده للنوادبِ
أي يوم مشهور يتيمز بشهرته عن سائر الأيام أكثر فيه قتل أعادي فاسمع بعده صياح النوادب عليهم.
يهون على مثلي إذا رام حاجةً ... وقوع العوالي دونها والقواضب
يقول مثلي إذا طلب حاجةً لم يبالِ أن يكون جون الوصول إليها رماح وسيوف يعني يتوصل إليها وإن كان دونها حروب وأهوال وأراد بالوقوع ههنا الحلول كما يقال هذا يقع موقعه أي يحل محله
كثير حياة المرء مثل قليلها ... يزول وباقي عيشه مثال ذاهب
هذا حث على الشجاعة ونهي عن الجبن أي إذا كانت الحيوة لا تبقى وإن كانت طويلة فأي معنى للجبن
إليك فإني لست ممن إذا أتقى ... عضاض الأفاعي نام فوق العقاربِ
إليك كلمة تبعيد وتحذير يقول تباعدي عني فإني لست ممن إذا اتقى الهلاك صبر على الذل والهوان فجعل عض الأفاعي مثلا للهلاك لكونه قاتلا وجعل لسع العقارب مثلا للعار لأنه لا يقتل وقال ابن فورجة من بات فوق العقارب أدته كثرة لساعها إلى الهلاك كما لو نهشته الأفعى أي العار أيضا يؤدي الإنسان ذا المجد إلى الهلاك لتعيير الناس إياه بل هو اشد فإنه عذاب يتكرر والهلاك دقعةً واحدةً فجعل عض الأفاعي مثلا للهلاك ولسع العقارب مثلا للعار
أتاني وعيد الأدعياء وأنهم ... أعدوا لي السودان في كفر عاقبِ
يريد قوما يدعون نسب عليّ رضى الله تعالى عنه أرادوا به سوء وكفر عاقب اسم قرية بالشام
ولو صدقوا في جدهم لحذرتهم ... فهل في وحدي قولهم غير كاذبِ
стр. 166
يقول لو صدقوا في الإنتساب إلى النبي ﷺ لجوزت صدقهم في وعيدي فكنت احذرهم لاحتمال صدقهم لكنهم كاذبون في نسبهم فقلت أنهم لا يصدقون في وعيدي خاصة وقال ابن فورجة يقول هل يجوز أن يكون قولهم في وحدي صادقا وقد علم أنهم كاذبون
إليَّ لعمري قصدُ كل عجيبةٍ ... كأني عجيب في عيون العجائبِ
بأي بلادٍ لم أجر ذوائبي ... وأي مكانٍ لم تطأه ركائبي
قال ابن جنى أي لم أدع موضعا من الأرض إلا جولت فيه إما متغزلا وإما غازيا قال ابن فورجة ليس في البيت ما يدل على أنه وطئه غازيا فكيف قصره على الغزو ووجوه السفر كثيرة
كأن رحيلي كان من كف طاهرٍ ... فأثبت كورى في ظهور المواهبِ
أي كما أن مواهبه لم تدع موضعا إلا أتته كذلك أنا لم أدع مكانا إلا اتيته فكأني كنت امتطيت مواهبه
فلم يبق خلق لم يردن فناءه ... وهن له شرب ورود المشاربِ
أي لم يبق أحد لم ترد مواهبه فناءه ورود الناس المشارب والمواهب شرب للخلق أراد أنها شرب يرد الشارب فهو بخلاف العادة ومعنى وهن له شرب أي وهن ينفعنه كما ينفع الماء وارده
فتى علمته نفسه وجدوده ... قراع الأعادي وابتذال الرغائبِ
الابتذال مثل البذل والرغائب جمع الرغيبة وهي كل ما يرغب فيه أي أن شجاعته وجوده غريزتان موروثتان.
فقد غيب الشهاد عن كل موطنٍ ... ورد إلى أوطانه كل غائب
الشهاد جمع شاهد وهو الحاضر أي استحضرهم بنداه وردهم إلى أوطانهم بالغنى فاغناهم عن السفر
كذا الفاطميون الندى في بنانهم ... أعز امحاء من خطوط الرواجبِ
أي لا يذهب الجود عن بنانهم كما لا تنمحى خطوط رواجبهم وهي ظهور السلاميات والمعنى أن الجود مخلوق فيها خلق خطوط رواجبهم قال أبو عبيدة سمعت أنها قصب الأصابع
أناس إذا لاقوا عدى فكأنما ... سلاح الذي لاقوا غبار السلاهب
يقول سلاح أعدائهم عندهم كغابرالخيل لا يعبأون به ولا يتلفتون إليه وخص السلاهب لأنها اسرع وغبارها أدق وألطف ويجوز أن يريد بالسلاهب خيل الممدوحين يقول كأن سلاح الاعداء غبار الخيل الطوال التي ركبوها لقلة احتفالهم به ويجوز أن يريد إن سلاح من يلقونه بالحرب الهرب فيثير الغبار في هربه فكأنه يتقيهم بالغبار
رموا بنواصيها القسيَّ فجئنها ... دوامي الهوادي سالمات الجوانبِ
هذا يدل على أنه أراد بالسلاهب خيل الممدوحين لأنه كنى عنها يقول استقبلوا بوجوه خيلهم الرماةَ من العدي وأبدع في هذا لآن القسيّ هي التي يرمي عنها فجعلها يرمي إليها والهوادي الأعناق وهي داميةُ الأعناق لأنها لا تنحرف ولا تعرف إلا التصميم قدما ولهذا كانت سالمة الجوابن من الأعطاف والأعجاز كما قال الآخر، شكرت جيادك منك برد مقيلها، في الحر بين براقعٍ وجلالِ، فجزتك صبرا في الوغى حتى انثنت، جرحى الصدور سوالمَ الأكفالِ،
أولائك أحلى من حيوةٍ معادةً ... وأكثر ذكرا من دهور الشبائب
يقول هم في القلوب احلى موقعا من الحياة في النفوس إذا أعيدت فردت على صاحبها وذكرهم أكثر على الألسنة من ذكر أيام الشباب.
نصرت غليا يا ابنة ببواترٍ ... من الفعل لا فل لها في المضارب
أي فعلت من الكرم ما دل على كرم أبيك فكان ذلك بمنزلة النصر له وكنى بالبواتر عن الأفعال الحسنة
وأبهر آيات التهاميِّ أنه ... أبوك وأجدى ما لكم من مناقب
стр. 167
قال ابن جنى قد أكثر الناس القول في هذا البيت وهو في الجملة شنيع الظاهر وقد كان يتعسف في الاحتجاج له والاعتذار منه بما لست أراه مقنعا مع هذا فليست الآراء والاعتقادات في الدين ما يقدح في جودة الشعر قال أبو الفضل العروضي فيما أملاه عليّ ذا بيت حسن المعنى مستقيم اللفظ حتى لو قلت أنه أمدح بيت في شعره لم ابعد عن الصواب ولا ذنب له إذا جهل الناس غرضه واشتبه عليهم أما معناه أن قريشا واعداء النبي ﷺ كانوا يقولون أن محمدا صنبور أي منفرد ابتر لا عقب له فإذا مات استرحنا منه فانزل الله تعالى أنا أعطيناك الكوثر أي العدد الكثير ولست بالابتر الذي قالوه أن شانئك هو الابتر فقال المتنبي أنتم من معجزات النبي ﷺ وآيات لتصديقه وتحقيق قول الله تعالى وذلك اجدى ما لكم من مناقب بالجيم فإن قيل الأنساب تنعقد بالأبناء والآباء لا بالبنات والامهات كما قال الشاعر، بنونا بنو أبنائنا وبناتنا، بنوهن أبناء الرجال الأباعد، قلنا هذا خلاف حكم الله تعالى وقوله تعالى في القرآن الحكيم ومن ذريته داءود وسليمان إلى قوله تعالى ويحيى وعيسى فجعل عيسى من أولاد إبراهيم وذريته ولا خلاف أنه لم يكن لعيسى أبٌ وأما ذكر التهامي فإن الله تعالى كان قد أنزل في التوارة أنه باعثٌ نبيا من تهامة من أولاد إسماعيل في آخر الزمان وأمر موسى أمته أن يومنوا به إذا بعث ودل عليه بعلامات أخر فأنكر اليهود نبوته فقال النبي ﷺ أنا النبي التهاميّ الأبطحي الأميّ فلا أدري كيف نقموا على المتنبي لفظةً افتخر بها النبي ﷺ ولما رووا وإحدى بالحاء اضطرب عليهم المعنى واقرأنا أبو الحسن الرخجي أولا والشعراني ثانيا والخوارزمي ثالثا وأجدى ما لكم بالجيم واستقام المعنى واللفظ وتشنيع أبي الفتح وغيره عليه باطل انتهى كلامه وليس يفسد المعنى وإن روى واحدي بالحاء فإنه يقول كون النبي التهامي أبا لكم أحدى مناقبكم أي لكم مناقب كثيرة أحداها انتسابكم إليه وقال ابن فورجة وروى بعضهم وأكبر آيات التهامي أنه أبوك قال يعني به عليذ ابن أبي طالب ﵁ وكان آية من آيات رسول الله ﷺ .
إذا لم تكن نفس النسيب كأصله ... فماذا الذي كرام المناصبِ
النسيب ذو النسب الشريف والمنصب الأصل يعني أن كرم الأصل لا ينفع مع لؤم النفس يشير إلى من ذكرهم من الادعياء يعني أنهم وإن صدقوا في نسبهم لم يكن لهم به فخر حتى يفعلوا ما فعل آباؤهم كما قال أبو يعقوب الخريمي، إذا أنت لم تحم القديم بحادثٍ، من المجدِ لم ينفعك ما كان من قبلُ، وقال البحتري، ولست أعتد للفتى حسباً، حتى يرى في فعاله حسبه،
وما قربت أشباه قومٍ أباعدٍ ... وما بعدت أشباه قومٍ أقاربِ
لم أجد في هذا البيت بيانا شافيا وتفسيرا مقنعا وكل تفسير لا يوافقه لفظ البيت لم يكن تفسيرا للبيت والذي يصح في تفسيره أنه يقول الأشباه من الأباعد لا يقرب بعضهم من بعضٍ لأن الشبه لا يحصل القرب في النسب والاشباه من الأقارب لا يبعد بعضهم من بعض لأن الشبه يؤكد قرب النسب هذا إذا جعل الأشباه الذين يشبه بعضهم بعضا كقوله الناس ما لم يروك أشباه فإن جعلنا الأشباه جمع الشبه من قولهم بينهما شبه فمعنى البيت لم يقرب شبه قومٍ أباعد أي لا يتقاربون في الشبه ولا يشبه بعضهم بعضا ولا يبعد شبه قوم أقارب أي أنهم إذا تقاربوا في النسب تقاربوا في الشبه.
إذا علويٌ لم يكن مثل طاهرٍ ... فما هو إلا حجة للنواصبِ
يعني بالنواصب الخوارج الذين نصبوا العداوة لعلي بن أبي طالب ﵁ يقول إذا لم يكن العلوي تقيا ورعا مثل طاهر كان حجةً لاعداء عليّ بن أبي طالب ﵁ لأنهم يستدلون بنقصه على نقص أبيه
يقولون تأثير الكواكب في الورى ... فما باله تأثيره في الكواكب
стр. 168
تأثير الكواكب مبتدأ محذوف الخبر وتقديره تأثير الكواكب حق أو صدق أو كائن يعني أن الناس يقولون ذلك وعني بتأثيرها السعادة والنحوسة وأما تأثيره في الكواكب فقال ابن جنى أي أنه يبلغ من الأمور ما أراد فكأن الكواكب تبع له وليس تبعا لها هذا كلامه ويحتاج إلى شرح وهو إن الممدوح يجعل المنحوس بحكم المنجم صاحب صعادةٍ بأن يعينه أو ويرفعه أو يطلقه ويزيل عنه حكم النحوسة ويقدر على الضد من هذا فيمن طالعه سعدٌ فهذا تأثيره في الكواكب وكونها تبعا له قال ابن فورجة تأثيره في الكواكب إثارته الغبار حتى لا تظهر وحتى يزول ضوء الشمس وحتى تظهر الكواكب بالنهار قال وهذا اظهر مما قاله ابن جنى.
علا كتد الدنيا إلى كل غاية ... تسير به سير الذلول براكب
يريد أن الدنيا قد أطاعته وانقادت له انقياد الدابة الذلول براكبها تسير به إلى كل غايةٍ قصدها وأرادها.
وحق له أن يسبق الناس جالسا ... ويدرك ما لم يدركوا غير طالبِ
أي حقيق له أن يتقدم الناس بما له من الفضائل من غير مشقة ويدرك ما يريد من غير طلب ما لم يدركوه يريد تميزه عن الناس وبيان فضله عليهم.
ويجذى عرانين الملوك وإنها ... لمن قدميه في أجل المراتبِ
أي وأن يحذى أي يجعل عرانين الملوك نعلا له ثم تكون تلك العرانين في أجل المراتب إذا كانت حذاء لقدميه والمعنى أنه لو وطئها كانت من أجل المراتب من قدميه.
يد للزمان الجمع بيني وبينه ... لتفريقه بيني وبين النوائب
هو ابن رسول الله وابن وصيهِ ... وشبههما شبهت بعد التجاربِ
يرى أن ما ما بان منك لضاربٍ ... بأقتل مما بان منك لعائبِ
ما الأولى نفيٌ والثانية بمعنى الذي واسم أن محذوف والتقدير يرى أنه ما الذي بان منك لضارب باقتل من الذي بان منك لعائب أي لا يرى القتل أشد من العيب وهذا قول الطاءي، فتًى لا يرى أن الفريصة مقتل، ولكن يرى أن العيوب المقاتل،
ألا أيها المال الذي قد أباده ... تعز فهذا فعله في الكتائبِ
يقول لماله لست وحدك مهلكا على يده بل يفعل بالجيوش ما فعله بك
لعلك في وقتٍ شغلت فؤاده ... عن الجود أو كثرت جيش محاربِ
حملت إليه من لساني حديقة ... سقاها الحجي سقى الرياض السحائب
جعل القصيدة كالحديقة وهي الروضة التي احدق بها حاجز وجعل ساقيا لها لأن المعالي التي فيها إنما تحسن بالعقل ففصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول كما قال، فزججتها متمكنا، زج القلوص أبي مزاده،
فحييت خير ابن لخير أبٍ بها ... لأشرف بيتٍ في لؤي بن غالبِ
يقول حييت بالحديقة وهي القصيدة يا خير ابنٍ لخير أب لاشرف بيتٍ في قريشٍ عني بخير ابن الممدوح وخير أبٍ النبي ﷺ وبأشرف بيتٍ هاشما.
وقال أبو الطيب يصف فرسا له ويذكر تأخر الكلاء عنه
ما للمروج الخضر والحدائق ... يشكو خلاها كثرة العوائق
المرج موضع تمرج فيه الدواب أي ترسل لترعى والخلا الكلاء الرطب والمعنى أن نبتها يشكو كثرة الموانع من الطلوع وأراد بالموانع البرد والثلوج التي تمنع النبات من الظهور
أقام فيها الثلج كالمرافق ... يعقد فوق السن ريق الباصقِ
يريد أن ريق الباصق وهو الذي يبصق أي يجمد في فمه لشدة البرد
ثم مضى لا عاد من مفارق ... بقائدس من ذوبه وسائقِ
جعل أوائل الذوب قائدا والأواخر سائقا والمعنى أن الثلج قد انحسر بذوبه فكان الذوب قاده وساقه حتى ذهب ويروى من دونه أي من قدامه وذالك أن قائد الشيء يكون أمامه وسائقه يكون خلفه.
كأنما الطخرور باغي ابقِ ... يأكل من نبتٍ قصيرٍ لاصقِ
الطخرور اسم فرسه يريد أنه لاعواز المرعي لا يثبت في مكانٍ واحد فهو يطلبه ههنا وهنا كأنه يطلب آبقا لتردده في طلب المرعى وقوله لاصق أي بالأرض لم يرتفع عنها
كقشرك الحبر من المهارق ... أروده منه بكالشوذانق
стр. 169
المهارق جمع المهرق وهو الصحيفة يكتب فيها وهو مغرب مره كرده وذلك أنهم كانوا يأخذون الخرق ويطلونها بشيء ثم يصقلونها ويكتبون عليها شبه رعى فرسه نبتا لاصقا بالأرض بقشر الحبر عن الصحيفة والشوذابق الذي يقال له الشاهين وهو معرب من سه ذانك أي نصف درهم ويراد أنه كنصف البازي يقول اطلب الكلاء والنبت من هذا الفرس بفرس كالشوذانق في خفته.
بمطلق اليمنى طويل الفائق ... عبل الشوى مقارب المرافقِ
مطلق اليمنى أن يكون لونها مخالفا للون الثلاث بأن يكون التحجيل فيها والفائق مغرز الرأس في العنق وإذا طال الفائق طال العنق فهو محمود وعبل الشوى غليظ القوائم وإذا تدانت مرافقه كان امدح له
رحب اللبان نائه الطرائق ... ذي منخرٍ رحبٍ واطل لاحقِ
رحب اللبان واسع الصدر ويستحب من الفرس أن يكون جلد صدره واسعا يجيء ويذهب ليكون خطوه ابعد فإنه إنما يقدر على توسيع الخطو بسعة جلد صدره وقوله نائه الطرائق قال ابن جنى ناه الشيء ينوه إذا علا ونهت به ونوهته إذا اشدت به والطرائق جمع طريقة يعني الخلق أي هو مرتفع الأخلاق شريفها لعتقه وكرمه وقال ابن فورجة الرواية نابه من النبيه يقال امرؤ نابه إذا كان عظيما جليلا وقد أتى بالنابه البحتري فقال، وينحو نحوها النابه الغمر، وأراد بالطرائق طرائق اللحم يعني أن طرائق اللحم على كفله ومتنه عالية ويسحب سعة المنخر لئلا يحبس نفسه والإطل الخاصرة ولحوقه ضمره.
محجلٍ نهدٍ كميتٍ زاهقِ ... شادخة غرته كالشارق
التحجيل بياض القوائم والنهد العالي المشرف والزاهق الذي بين السمين والمهزول والغرة الشادخة التي ملأت الوجه والشارق الشمس شبه بياض وجهه بالشمس
كأنها من لونه في بارق ... باقٍ على البوغاء والشقائق
البارق السحاب ذو البرق جعل الغرة برقا وباقي الجسد سحابا يقول كأنها برق في سحاب والبوغاء التراب والشقائق جمع الشقيقة وهي أرض يكون فيها رمل وحصى أي هو باق على السير في السهل والحزن.
والأبردين والهجير الماحق
الأبردان الغداة والعشى والهجير شدة الحر والماحق الذي يمحق كل شيء بحرارته كما قال، في ماحقٍ من نهار الصيف محتدمِ، يريد أنه باق على الحر والبرد.
للفارس الراكض منه الواثق ... خوف الجبان في فؤاد العاشق
للفارس الواثق بغروسيته خوف منه لنشاطه وشدة قوته أي إذا ركبه كان ذاهل القلب من الخوف
كأنه في ريد طود شاهق
في معنى على كقوله تعالى ولأصلبنكم في جذوع النخل يعني كان فارسه على جبلٍ عالٍ لعظم هذا الفرس والريد حرف كم حروف الجبل
يشأى إلى المسمع صوت الناطق
أي يسبق الصوت إلى الأذن فيصل إليها قبل وصول الصوت
لو سابق الشمس من المشارق ... جاء إلى الغرب مجيء السابق
يترك في حجارة الأبارق ... آثار قلع الحلي في المناطق
الأبارق جمع الأبرق وهي الآكام التي فيها طين وحجارة يريد أنه لقوة وطئه إذا وطىء الأبرق بحوافره ترك فيه آثارا كآثار الحلى إذا قلع من المنطقة
مشياً وإن يعد فكالخنادق
يعني هذا التأثير الذي ذكرنا إنما يكون إذا مشى فإن عدا أثر فيها كالخنادق
لو أوردت غب سحابٍ صادقِ ... لأحسبت خوامس الأيانق
لو أوردت تلك الآثار التي هي كالخنادق بعد اقلاع سحاب صادق المطر لكفت نوقا عطاشا ترد الخمس
إذا اللجام جاءه لطارق ... شحا له شحو الغراب الناعق
يقول إذا ألجم لأمر طارق بالليل فتح فاه كما يفتح الغراب فاه للنعيق يريد أنه ليس بممتنع من اللجام ويريد أيضا أنه واسع الفم.
كأنما الجلد لعرى الناهق ... منحدر عن سيتي جلاهقِ
الناهقان عظمان في مجرى جمع الفرس ويستحب عريه عن اللحم شبه رقة جلده وصلابته على ناهقه بمتن قوس البندق.
بذ المذاكي وهو في العقائق ... وزاد في الساق على النقانق
المذاكي جمع مذاك وهو الذي أتى عليه سنة بعد قروحه والعقائق جمع العقيقة وهو الشعر الذي يولد المولود وهو عليه يقول سبق الخيل المسنة وهو مهر عليه شعره الأول وزاد في طول الساق وشدته على النعام كما قال أمرء القيس، له أيطلا ظبيٍ وساقا نعامةٍ،
وزاد في الوقع على الصواعق ... وزاد في الأذن على الخرانق
стр. 170
يعني أن صوت وقع حوافره أشد من صوت الصواعق ويجوز أن يريد أن نار وطىء حوافره يزيد على صواعق السحاب والخرانق جمع الخرنق وهو ولد الأرنب شبه أذنه بأذنها في الدقة والانتصاب.
وزاد في الحذر على العقاعق ... يميز الهزل من الحقائق
العقعق ضرب من الغراب يضرب المثل في الحذر بالغراب فيقال أحذر من غراب لشدة تيقظه يحذر حذر الغراب ولهذا قال يميز الهزل من الحقائق أي يعرف أن صاحبه إذا استحضره يطلب حضره هزلا أم حقيقة.
وينذر الركب بكل سارق ... يريك خرقاً وهو عين الحاذق
أي لذكائه وحذقه إذا أحس بسارق بالليل صهل ليعلم يمكانه وكذلك خيل الأعراب والخرق ضد الحذق أي لشدة جريه وتناهيه في العدو تظن به خرقا وهو مع ذلك حاذق وحذقه أنه لا يخرج ما عنده من الجري بمرة واحدة بل يعلم ما يراد منه فيستبقي جريه كما قال، وللقارح اليعبوب خير علالةً، من الجذع المرخى وأبعد منزعاً،
يحك أني شاء حك الباشق ... قوبل من آفقةٍ وآفقِ
يريد لين معاطفه وإنه يحك به كيف شاء وأين شاء كالباشق الذي ينتهي رأسه ومنقاره إلى أي موضع أراد من جسده والآفق من كل شيء فاضله وشريفه ويقال أيضا أفق بالقصر ومنه قول عروة، أرجل جمتي وأجر ذيلي، ويحمل شكتي أفق كميت، فالمعنى أن العتق يكنفه من قبل أبيه وأمه فكرم الأم يقابل فيه كرم الأب كما يقال مقابل في عمه وخاله أي شريف الطرفين وتمام هذا قوله
بين عتاق الخيل والعتائق ... فعنقه يربي على البواسقِ
أي بين كرامها وكرائمها يريد اباءة وامهاته من الخيل الكرام أي هو وسيط في العتق وعنقه يزيد على النخيل الطوال طولا كما قال، وهاديها كأن جذع سحوق،
وحلقه يمكن فتر الخانق ... أعده للطعن في الفيالق
يريد أن أعلى حلقه دقيق حتى لو أراد الخانق أن يجمعه بفتره قدر عليه والفيالق الكتائب من الجيش.
والضرب في الأوجه والمفارق ... والسير في ظل اللواء الخافق
يحملني والنصل ذا السفاسق ... يقطر في كمي إلى البنائق
سفاسق النصل طرائقه التي فيه الواحد سفسقة يقول يحملني والسيف في الحرب وهو قوله يقطر يعني النصل يقطر دما في كمي وروى ابن جنى والنصل ذو السفاسق قال أي يحملني والسيف هذه حاله فلذلك رفعه بالابتداء
لا ألحظ الدنيا بعيني وامق ... ولا أبالي قلة الموافقِ
أي لا أنظر إليها بعيني من يعشقها فيذل لطلبها ولا أبالي أن لا أجد من يوافقني على طلبي معالي الأمور كما قال، إذا عظم المطلوب قل المساعد،
أي كبت كل حاسدٍ منافقِ ... أنت لنا وكلنا للخالق
تقول كبته الله لوجهه أي صرعه قال ابن نجنى يخاطب ممدوحا له وليس في القصيدة شيء من المدح ولم يمدح به أحدا فكيف يخاطب الممدوح وإنما يخاطب الفرس الذي وصفه يقول أنت تكبت حسادي لأنهم يحسدونني لأجلك.
وقال وقد كبست انطاكية وقتل المهر الحجر فقال
إذا غامرت في شرفٍ مرومٍ ... فلا تقنع بما دون النجوم
يقول إذا طلبت شرفا فلا تقنع بما دون اعلاه والمغامرة الدخول في المهالك والمعنى إذا غامرت في طلب شرف
فطعم الموت في أمرٍ حقيرٍ ... كطعم الموت في أمرٍ عظيمِ
ستبكي شجوها فرسي ومهري ... صفائح دمعها ماء الجسومِ
يقول ستسيل سيوفي دما على فرسي ومهري يشير إلى قتل من قتلهما فتجري سيوفه دما كأنه دمع باك عليهما ولما جعل السيوف باكيةً جعل الدماء التي تقطر منها دمعا لها والمعنى ستبكي فرسي ومهري حزنا عليهما سيوفي وكل هذا مجاز واستعارة ومراده أنه يقول سأقتل من قتلهما
قربن النار ثم نشأن فيها ... كما نشأ العذارى في النعيم
стр. 171
روى ابن جنى قربن من قولهم قربت الإبل الماء تقرب إذا وردت صبيحة ليلها يريد أن السيوف وردت النار وهذا قلب المعهود لأن القرب إنما يستعمل في الورود الماء فجعل النار لهذه السيوف كالماء الذي ترده الشاربة والنار تهلك وتفنى وقد أنمت هذه السيوف وربتها تربية النعيم للعذارى يريد أنها تخلصت من الخبث وحسنت صنعتها بحسن تأثير النار في تخليصها وإنما طبعت وطولت سيوفا بعد أن كانت زبرا بالنار فذلك نشأها نشاء العذارى في النعيم ويروي قرين النار أي جعلت النار قرى لها فنشأن بحسن القرى ويروي قرين النار جعل السيوف بما تؤديه إلى النار من الخبث قاريةً لها وكان حكم النماء أن يكون للمقري لا للقاري فعكس موجب القرى بأن جعل النشاء للقاري
وفارقن الصياقل مخلصاتٍ ... وأيديها كثيرات الكلوم
يريد أن الصياقل لم تقدر أن تحفظ أيديها من هذه السيوف لحدة شفرتيها
يرى الجبناء أن العجز عقل ... وتلك خديعة الطبع اللئيم
لوم طبع الجبان يريه العجز في صورة العقل حتى يظن أن عظه وجريه على حكم الجبن عقل
وكل شجاعةٍ في المرء تغنى ... ولا مثل الشجاعة في الحكيم
يعني أن الشجاعة كيفما كانت وفيمنت كانت مغنية كافية وإذا كانت في الرجل الحكيم العاقل كانت أتم وأحسن لأنضمام العقل إليها والمعنى أن الشجاعة في غير الحكيم ليست مثل الشجاعة في الحكيم
وكم من عائبٍ قولاً صحيحاً ... وآفته من الفهم السقيم
أخذه من قول أبي تمام حين قال له أبو سعيد الضرير لم لا تقول ما يفهم فقال يا ابا سعيد لم لا تفهم ما يقال
ولكن تأخذ الآذان منه ... على قدر القرائح والعلوم
يقول كل أذن تأخذ مما تسمع على قدر طبع صاحبها وعلمه يعني أن الجاهل إذا سمع شيئا لم يفهمه ولم يعلمه وكل احد على قدر علمه وطبعه يعلم ما يسمع وإذا عاب إنسان قولا صحيحا فذلك لأنه لم يفهمه ولم يقف عليه والقريحة أول ما ينبع من الماء وقريحة الرجل طبيعته والمعنى أن أذن كل أحد ترك من الكلام ما ينبهه عليه طبعه وقال يهجو اسحاق بن إبراهيم بن كيغلغ
لهوى القلوب سريرة لا تعلم ... عرضا نظرت وخلت أني أسلمُ
يقول سريرة الهوى لا تعرف ولا يدري من أي تأتي كما قال، إن المحبة أمرها عجب، تلقى عليك وما له سبب، وقوله عرضا أي فجاءة واعتراضا عن غير قصد كقول عنترة، علقتها عرضا وأقتل قومها زعما لعمر أبيك ليس بمزعم، يقول نظرت إليها نظرة عن فجاءة وخلت أني أسلم من هواها
يا أخت معتنق الفوارس في الوغى ... لأخوك ثم أرق منك وأرحم
قال ابن جنى يرميه بأخته وبالأبنة وثم اشارة إلى المكان الذي يخلو فيه للحال المكروهة هذا كلامه وإنما أتى هذا من البيت الثاني وهو قوله
يرنو إليك مع العفاف وعنده ... أن المحبوس تصيب فيما تحكم
стр. 172
قال أبو الفضل العروضي فيما أملاه عليّ شبب بامرأةٍ أخوها مبارز قتال يقول هو على قساوة قلبه وأراقته الدماء ارحم منك وكيف يرميه بالأبنة وبأخته وهو يقول يرنو إليك عند المجوس حكمة لما يرى من حسنها حدثنا أبو الفضل العروضي أملاء قال حدثنا أبو نصر محمد بن ظاهر الويزر قال اخبرنا سعيد بن محمد الذهلي عن العنبري قال بينا بشار في جماعة من نساء يداعبهن قلن له ليتنا بناتك فقال وأنا علء دين كسرى قال واحسب لما كانت القصيدة هجاء سبق وهمه إلى الهجاء قبل افتتاحه وقال ابن فورجة شبب بامرأة ومدح أخاها وزعم أنها من بيت الفوراس الأنجاد كما قال في أخرى، متى تزر قوم من تهوى زيارتها، لا يتحفوك بغير البيض والأسل، وكقوله أيضا، ديار اللواتي دارهن عزيزة، بطول القنا يحفظن لا بالتمائم، وكقوله، تحول رماح الخط دون سبائه، ثم قال لحبيبته أنت قاسية القلب وأخوك على بسالته إذا لقى العدو كان أرحم منك لي وأرق عليه منك عليّ ثم أراد المبالغة في ذكر حسنها فقال أخوك يود لو كان دينه دين المجوس فيتزوج بك والنهاية في الحسن إن يود أخوها وأبوها أنها تحل له ولأجل هذا قال أبو بكر الخوارزمي، تخشى عليها أمها أباها، وقال أبو تمام في مثل هذا، بأبي من إذا رآها أبوها، شغفاً قال ليت أنا مجوس، ومثله لعبد الصمد بن المعذل في جارية كان يسميها بنته، أحب بنينتي حبا اراه، يزيد على محبات البنات، أراني منك أهوى قرص خد، ورشفاً للثنايا واللثاتِ، وإلصاقا ببطن منك بطنا، وضما للقرون الواردات، وشيئا لست أذكره مليحاً، به يحظى الفتى عند الفتاة، أرى حكم المجوس إذا لدينا، يكون أحل من ماء الفرات،
أرعتك رائعة البياض بعارضي ... ولو أنها الولى لراع الأسحم
رائعة البياض الشعرة البيضاء التي تروع الناظر وروى ابن جنى راعية البياض قال والراعية من الشعر أول شعرة تطلع من الشيب وجمعها راعٍ وأنشد، أهلا براعيةٍ للشيب واحدةٍ، تنفي الشباب وتنهانا عن الغزل، قال أحمد ابن يحيى قال ابن الأعرابي براعيةٍ بتقديم العين وقال غيره برائعة وهي التي تروع الناظر قال وهذه أصوب ومعنى البيت أنه يقول راعك شيبي ولو كان أول لون الشعر بياضا ثم يسود لراعك الأسود إذا ظهر فلا تراعي بالبياض لأنه كالسواد
لو كان يمكنني سفرت عن الصبا ... فالشيب من للأوان تلثم
أي لو أمكنني أن أظهر صباي لكشفت عنه فإن حدث السن ولكن الشيب ستر صباي فكأنه تلثم يستر ما تحته من السواد يعني أن على شبابه لثاما من الشيب المستعجل إليه قبل وقته
ولقد رأيت الحادثات فلا أرى ... يققا يميت ولا سواداً يعصم
يقول البياض في الشعر لا يكون موجباً للموت فقد يعيش الشيخ والسواد ولا يحفظ من الموت فقد يموت الشاب.
والهم يخترم الجسيم نحافةً ... ويشيب ناصية الصبي ويهرم
يقول الحزن يذهب جسم الجسيم بالنحافة ويهرم الصبي قبل أوانه كما قال أبو نواس، وما إن شبت من كبرٍ ولكن، لقيت من الحوادث ما أشابا،
ذو العقل يشقى في النعيم بعقلهِ ... وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
يريد أن العاقل يشقى وإن كان في نعمة لتفكره في عاقبة أمره وعلمه بتحول الأحوال والجاهل ينعم في الشقاوة لغفلته وقلة تفكره في العواقب وقد قال البحتري، أرى الحلم بؤسا في المعيشة للفتى، ولا عيش إلا ما حباك به الجهل، وقال أبو نصر بن نباتة، من لي بعيش الأغبياء فإنه، لا عيش إلا عيش من لم يعلم، وسابق هذه الحلبة بن المعتز في قوله، وحلاوة الدنيا لجاهلها، ومرارة الدنيا لمن عقلا، وأحسن ابن ميكال في قوله، العقل عن درك المطالب عقلة، عجبا لأمر العاقل المعقول، وأخو الدراية والنباهة متعب، والعيش عيش الجاهل المجهول، وقد قالت القدماء ثمرة الدنيا السرور وما سر عاقل قد يراد بتفكره في العواقب وتخوفه إياها.
والناس قد نبذوا الحفاظ فمطلق ... ينسى الذي يولى وعافٍ يندم
يريد إنهم لا يحافظون على الحقوق ولا يراعون الاذمة فمطلق من الأشار بنسى ما أزل إليه من الإحسان وعافٍ مجرمٍ ومسيء يندم لأن صنيعته كفرت فلم تشكر
لا يخدعنك من عدوٍّ دمعه ... وأرحم شبابك من عدوٍّ ترحمُ
أي لا تنخدع ببكاء العدو وأرحم نفسك من عدو ترحمه فإنه إن ظفر بك لم يبق عليك
стр. 173
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدمُ
لا يسلم للشريف شرفه من أدى الحساد والمعادين حتى يقتل حساده واعداءه فإذا أراق دماءهم سلم شرفه لأنه يصير مهيبا فلا يتعرض له
يؤذى القليل من اللئام بطبعه ... من لا يقل كما يقل ويلؤم
يقول اللئيم مطبوع على اذى الكريم لعدم المشاكلة بينهما وليس يريد بالقليل القليل وبالعدد إنما يريد الخسيس الحقير
والظلم في خلق النفوس فإن تجد ... ذا عفةٍ فلعلةٍ لا يظلم
يحمى ابن كيغلغ الطريق وعرسهُ ... ما بين رجليها الطريق الأعظم
إنما قال هذا لأنه كان قد أخذ الطريق على المتنبي وسأله إن يمدحه فلم يفعل وهرب منه ومعنى البيت من قول الفرزدق، وأبحت أمك يا جرير كأنها، للناس باركةً طريق يعمل، وقد أبدع عليّ بن عباس الرومي في مثل هذا حيث يقول في امرأة أبي يوسف بن المعلم، وتبيت بين مقابلٍ ومدابرٍ، مثل الطريق لمقبلٍ ولمدبرِ، كما جرى المنشار يعتورانهِ، متنازعيه في فليج صنوبرِ، وتقول للضيف المعلم سراجةً، إن شئت في استي فأتني يعتورانه، متنازعيه في فليج صنوبر، وتقول للضيف الملم سراجةً، إن شئت في استي فأتني أو في حري، أنا كعبة النيك التي خلقت له، فتلق مني حيث شئت وكبر، يا زوجةَ الأعمى المباح حريمهُ، يا عرس ذي القرنين لا الإسكندر، باتت إذا أفردت عدة نيكها، قالت عدمت الفرد عين الأعور، فإذا أضفت إلى الفريد قرينه، قالت عدمت مصليا لم يوترِ، ما زال ديدنها وذلك ديدني، حتى بدا علم الصباح الأزهر، أرمى مشيمتها برأس ململمٍ، ريانَ من ماء الشبيبة أعجر، عبلٍ إذا قللاق النساء بحده، نلن الأمان من الولاد الأعسر،
أقم المسالح فوق شفرِ سكينةٍ ... إن المنى بحلقتيها خضرمُ
المسالح المواضع يعلق عليها السلاح والشفر حرف الفرج ويريد بحلقتيها الفرج والرحم والخضرم البحر الكثير الماء.
وأرفق بنفسك إن خلقك ناقصٌ ... واستر أباك فإن أصلك مظلمُ
معنى وأرفق بنفسك أي لا تتحكك بالشعراء كي لا يذكروا خلقك وأصلك ثم صرح بهذا فقال
وغناك مسألة وطيشك نفخةٌ ... ورضاك فيشلةٌ وربك درهمُ
أي أنت مكدٍ فيكون غناك في المسألة عن الناس وليس وراء طيشك حقيقةٌ وإنما ذلك نفخة نفخت فيك
واحذر مناوأة الرجال فإنما ... تقوى على كمر العبيد وتقدمُ
ومن البلية عذل من لا يرعوي ... عن غيه وخطاب من لا يفهم
يمشى بأربعةٍ على أعقابهِ ... تحت العلوج ومن وراء يلجمُ
يريد أنه يمشي القهقري حبا للاستدخال وكان يجب أن يقول باربع لأنه يريد اليدين والرجلين لكنه ذهب إلى الأعضاء فذكر
وجفونه ما تستقر كأنها ... مطروفةٌ أو فت فيها حصرمُ
يريد أنه أبدا يحرك جفونه يستدعي العلوج فيشير لهم بجفونه يحركها حتى كأنها أصيبت بقذى
وإذا أشار محدثا فكأنه ... قردٌ يقهقه أو عجوز تلطم
يريد قبح وجهه وكثرة تشنجه وجعل حديثه كضحك القرد حيث لم يفهم لعيه ولهذا جعله مشيرا لأنه لا يقدر على الكلام فيشير وجعل اشارته كلطم العجوز
يقلي مفارقةً الأكف قذاله ... حتى يكاد على يدٍ يتعممُ
يريد أنه صفعان تعود أن يصفع فيكاد يتعمم على يده لتصفع يده أيضا
وتراه أصغر ما تراه ناطقاً ... ويكون أكذب ما يكون ويقسم
أحقر ما تراه إذا نطق لعيه لا يكاد يبين وأكذب ما يكون إذا حلق كما قال الآخر، فلا تخلق فإنك غير برٍّ، وأكذب ما تكون إذا حلفتا، أراد وأكذب ما يكون مقسما فوضع المضارع موضع الحال وزاد واوا.
والذل يظهر في الذليل مودةً ... وأود منه لمن يود الأرقم
يعني أن الذليل يظهر من اذله المودة إذ ليس يقدر على مكافة ولاامتناع عنده فيتودد إليه على أن الحية أقرب إلى المصافاة من الذليل إذا أظهر الود ومعنى لمن يود أي لمن يظهر وده وهذا من قول سديف، ذلها أظهر المودة منها، وبها منكم كحز المواسي،
ومن العداوة ما ينالك نفعه ... ومن الصداقة ما يضر ويؤلمُ
يعني أن عداوة الساقط تدل على مباينة طبعه فتنفع وصداقته تدل على مناسبته فتضر وهذا من صالح بن عبد القدوس، عدوك ذو العقل خير من الصديق لك الوامق الأحمق،
أرسلت تسألني المديح سفاهةً ... صفراء أضيق منك ماذا أزعم
стр. 174
صفراء اسم أمه أي هي على سعتها أضيق منك فكيف يتجه لي مدحك
أترى القيادةَ في سواك تكسباً ... يا ابن الأعير وهي فيك تكرمُ
أعير تحقير أعور ويجوز أعيور وكان أبوه إبراهيم الأعور القيادة في غيرك كسب وأنت تتكرم بها تظنها كرما
فلشد ما جاوزت قدرك صاعدا ... ولشد ما قربت عليك الأنجمُ
يقول ما أشد تجاوزك قدرك حين تطلب مني المديح وعني يالأنجم أبيات شعره
وأرغت ما لأبي العشائر خالصا ... إن الثناء لمن يزار فينعم
الأراغة الطلب يقول طلبت من المديح ما هو خالص لأبي العشائر لأنه المنعم على زواره
ولمن أقمت على الهوانِ ببابهِ ... تدنو فيوجأ أخدعاك وتنهم
وجأ الأخدع كناية عن الصفع والنهم الزجر الشديد والبيت من قول جرير، قومٌ إذا حضر الملوك وفودهم، نتفت شواربهم على الأبواب،
ولمن يهين المال وهو مكرم ... ولمن يجر الجيش وهو عرمرم
ولمن إذا التقت الكماة بمازقٍ ... فنصيبه منها الكمى المعلمُ
ولربما أطر القناة بفارسٍ ... وثنى فقومها بآخر منهمُ
يقول إذا أعوجت قناته في مطعون طعن بها آخر فثقفها بذلك
والوجه أزهر والفؤاد مشيع ... والرمح أسمر والحسام مصممُ
المشيع الجري والمصمم الذي لا ينبو عن الضريبة
أفعال من تلد الكرام كريمةٌ ... وفعال من تلدُ الأعاجم أعجمُ
يعني أن الفعل يشابه النسب فمن كرمت مناسبه كرمت أفعاله وعلى الضد من هذا من كان لئيم النسب كان لئيم الفعل والأعاجم عند العرب لئام وهم يسمون من لم يتكلم بلغتهم اعجم من أي جيلٍ كان قال الراجز، سلوم لو أصبحت وسط الأعجم، بالروم أو بالترك أو بالديلم، إذا لزرناك ولم نسلم، وقول حميد، فلم أر مثلي شاقه صوت مثلها، ولا عربياً شاقه صوت أعجما، فإنه عني بالأعجم حمامةً سمع صوتها.
وورد عليه الخبر بأن أبن كيغلغ يهدده فقال
أتاني كلام الجاهل ابن كيغلغِ ... يجوب حزوناً بيننا وسهولا
أي يأتيني وعيده من مسافة بعيدة
ولو لم يكن بين ابن صفراء حائلٌ ... وبيني سوى رمحي لكان طويلا
قال ابن جنى صفراء اسم أمه وقال ابن فورجة صفراء كناية عن الإست والعرب تسب بنسبة الرجل إلى الإست كما قال، بأن بنى إستها نذروا دمي، والقول ما قال ابن جنى ومعنى البيت أنه على بعد يوعدني ولو لم يحل بيني وبينه إلا رمحي لكان ما بيني وبينه طويلا بعيدا لأنه لا يصل إلى لجبنه ولا يقدر على الإقدام عليّ
وإسحاق مأمون على من أهانه ... ولكن تسلى بالبكاء قليلا
أي يأمنه مهينه ولا يأوى في الجزاء إلى غير البكاء فتسلى عن إهانة من أهانه بالبكاء
وليس جميلا عرضه فيصونه ... وليس جميلا أن يكون جميلا
يقول إنما يصان الجميل وعرضه لا يجمل أن يجمل
ويكذب ما أذللته بهجائه ... لقد كان من قبل الهجاء ذليلا
وورد الخبر بأن غلمان ابن كيغلغ قتلوه فقال
قالوا لنا مات إسحاق فقلت لهم ... هذا الدواء الذي يشفى من الحمق
إن مات ماتَ بلا فقدٍ ولا أسفٍ ... أو عاش عاش بلا خلقٍ ولا خلقِ
يقول إن مات مات فلا أسف على موته ولا يتبين بموته خلل فيكون مفقودا كما قال، فإذا مت مت غير فقيدٍ، أو عاش عاش وليس له خلق حسن ولا خلق جميل.
منه تعلم عبد شق هامته ... خون الصديق ودس الغدر في الملق
حلق ألف يمينٍ غير صادقةٍ ... مطرودة ككعوب الرمح في نسقِ
ما زلت أعرفه قردا بلا ذنبٍ ... صفراً من البأس مملوا من النزق
كريشةٍ بمهب الريح ساقطةٍ ... لا تستقر على حالٍ من القلقِ
يعني كريشة بمهب الريح ساقطة من القلق لا تستقر على حال أي هو من القلق كهذه الريشة
تستغرق الكف فوديه ومنكبه ... وتكتسي منه ريح الجورب العرقِ
يريد أنه يصفع فتستغرق أكف الصافعين هذه المواضع من بدنه وهو خبيث الريح فتنتن أكفهم
فسائلوا قاتليه كيف مات لهم ... موتا من الضرب أو موتا من الفرق
وأين موقع حد السيف من شبح ... بغير جسمٍ ولا رأسٍ ولا عنقِ
لولا اللئام وشيء من مشابهه ... لكان ألأم طفلٍ لف في خرقِ
стр. 175
يعني باللئام آباءه يقول لولا ما بينه وبينهم من المشابهة لكان الأم طفل وفي هذا تسويةٌ بينهم وبينه في اللوم
كلام أكثر من تلقى ومنظره ... مما يشق على الآذان والحدق
يجوز أن يريد بالمنظر الوجه ويجوز أن يكون مصدرا مضافا إلى المفعول يريد النظر إليه أي أكثر من تلقى من الناس يشق على الآذان استماع كلامه لأنه لا يقول سديدا وعلى الاحداق النظر إليه لما ينطوي عليه من الغل والخيانة وأبطان غير الجميل.
ونزل على عليّ ابن عسكر ببعلبك فخلع عليه فقال يستأذنه
روينا يا ابن عسكرٍ الهماما ... ولم يترك نداك بنا هياما
وصار أحب ما تهدي إلينا ... لغير قلي وداعك والسلاما
يقول قد استغنينا عن الهدايا وردنا الارتحال فأحب ما تهديه إلينا أن نودعك ونسلم عليك
ولم نملل تفقدك الموالي ... ولم نذمم أياديك الجساما
يقول لسنا نرتحل عنك لملال أو لأنا ذممنا أنعامك علينا
ولكن الغيوث إذا توالت ... بأرض مسافرٍ كرهَ الغماما
هذا يحتمل معنيين احدهما أن المسافر إذا كثر عليه المطر مل مقامه واحتباسه لأجل المطر كذلك نحن عطاياك تأتينا وأنت قيدتنا بإحسانك وإنا مسافر أريد الأرتحال ولولا إني على سفرٍ لم أملل نعمتك والمطر يسأله كل أحد إلا المسافر والآخر إن المسافر إذا كثرت الأمطار بالأرض التي فيها وطنه اشتاق إلى وطنه وكره المقام بأرض السفر كذلك نحن قد أحسنت إلينا كل الإحسان فنحن نشتاق أن نأتي الوطن ونسرع الأرتحال والأول أظهر وهذا الوجه الثاني ذكره ابن دوست وليس بظاهر.
وقال في قصيدة قالها وهو صبي
سيف الصدود على أعلى مقلده
ولم يحفظ المصراع الثاني وتكلف الناس له زيادة مصراع فقال بعضهم، بكف أهيف ذي مطلٍ بموعده، وقال الآخر، يفري طلى وأمقيه في تجرده، وقال الآخر، ومجلس العز منه فوق مقعده، والمعنى أنه يقتل بصدوده فكأنه قد تقلد بسيف من الصدود والمقلد العنق لأنه موضع القلادة.
ما أهتز منه على عضو ليبتره ... إلا اتقاه بترسٍ من تجلدهِ
أي لم يهتز هذا السيف على عضو من أعضاء العاشق ليقطعه إلا استقبله بتجلده وتصبره والمعنى أنه كلما قصده بالصدود عارضه بالصبر.
ذم الزمان إليه من أحبته ... ما ذم من بدره في حمد أحمده
تهوس ابن جنى في هذا البيت وأتى بكلام كثير لافائدة فيه فيه ومعنى البيت إن الزمان ذم إلى المتنبي من أحبة المتنبي لأنهم يحيفونه ما ذم الزمان من بدره القمر في حمد أحمده يعني الممدوح والمعنى أن البدر مذموم بالإضافة إلى هذا الممدوح أي إن البدر على بهائه وحسنه دون أحمد هذا.
شمس إذا الشمس لاقته على فرسٍ ... تردد النور فيها من تردده
أي إذا رأته الشمس وهو يجول في ميدانه على الفرس مترددا تردد نوره في جسم الشمس لأنه أضوء منها فالشمس تستفيد منهالنور وهذا كقوله أيضا، تكسب الشمس منك النور طالعةً، البيت.
إن يقبح الحسن إلا عند طلعته ... فالعبد يقبح إلا عند سيده
أي هو مولى الحسن والحسن في كل أحد قبيح إلا في طلعته كالعبد لا يحسن عند كل أحد حسنه عند مولاه
قالت عن الرفد طب نفسا فقلت لها ... لا يصدر الحر إلا بعد مورده
قالت العاذلة لا تطلب العطاء فإنه غير مبذول فقلت لها إن الحر إذا قصد أمرا لم ينصرف عنه إلا بعد الوصول إليه أي لا بد لي من بلوغ إلى ما اطلبه ومعنى طب نفسا أي دعه ولا تطلبه
لم أعرف الخير إلا مذ عرفت فتى ... لم يولد الجود إلا عند مولده
نفس تصغر نفس الدهر من كبرٍ ... لها نهى كهله في سن أمرده
يقول نفسه في عظمها وكبرها تصغر نفس الدهر التي هي مجمع والشر والضمير في الكهل والأمرد يعود إلى الدهر.
وقال يمدح أبا العشائر الحسين بن علي بن الحسين بن حمدان
أتراها لكثرة العشاقِ ... تحسب الدمع خلقةً في المآقي
يقول لصاحبه اتظنها لكثرة ما ترى الدمع في مآقي عشاقها تتوهم أنه خلقة فيها فلا ترثي لمن يبكي وهو قوله
كيف ترثي التي ترى كل جفن ... راءها غير جفنها غير راقى
стр. 176
يقول كيف ترحم المرأة التي ترى كل جفن من أجفان الناس غير راقٍ للبكاء من هجرها غير جفنها وغير الأولى منصوبة على الاستثناء والثانية على الحال ومعنى راقٍ منقطع الدمع من قولهم رقا الدم والدمع يرقأ رقؤا إذا انقطع
أنت منا فتنت نفسك لكن ... ك عوفيت من ضني واشتياق
يقول أنت أيضا من معشر عشاقك أي أنت عاشقة لنفسك حين منعتها منا إلا أنك عوفيت مما نحن فيه من الضني والاشتياق لأنك واصلت محبوبك وهو نفسك ومعنى قتنت نفسك أي بالحب فأنت مفتونة بعشق نفسك بقال فتنته وأفتنته وأبي الأصمعي افتتنه
حلت دون المزار فاليوم لو زر ... ت لحال النحول دون العناقِ
يقال حال دونه حائل كما يقال عاق دونه عائق والمزار الزيارة ههنا يقول منعتني عن زيارتك حتى حلت شوقا إليك فلو زرتني اليوم لم تقدري على معانقتي لشدة النحول ودقة الجسم.
إن لحظا أدمته وأدمنا ... كان عمداً لنا وحتف اتفاقِ
أي أن ظرا منك إلينا ومنا إليك أكثرناه كان عن تعمد منا فاتفق لنا فيه الحتف من غير قصدٍ منا له.
لو عدا عنك غير هجرك بعد ... لأرار الرسيم مخ المناقي
عدا عنك صرف عنك ومنع من لقائك ومنه قول عنترة، إني عداني أن أزورك فاعلمي البيت وازار بمعنى أذاب يقال مخ رير رار ورير أي ذائب والرسيم ضرب من سير الإبل يقال بعير راسم وابل رواسم والمناقي جمع المنقية وهي الناقة التي لها نقي أي مخ وذلك من السمن يقول لو كان المانع من الوصلك فراقا وبعدا غير الهجران لحملنا الإبل على السير حتى يذوب نقيها للهزال أي لأتعبناها في طلب البعد بيننا كما قال أيضا، نأي المليحة البخل، في البعد ما لا تكلف الإبل، وأراد بعد غير هجرك فلما قدم وصف النكرة نصبه على حال
ولسرنا ولو وصلنا عليها ... مثل أنفاسنا على الأمارق
قال ابن جنى أي لو وصلنا إليك وهي تحملنا على استكراه ومشقة كما نحمل ارماقنا أنفاسنا وهذا الذي قاله محال كيف يحمل الرمق النفس وكيف تكون الأنفاس على الأرماق بالمعنى الذي ذكره وإنما يعني إنا نحاف مهازيل لم يبق منها إلا القليل كما قال الآخر، أنضاء شوق على أنضاء أسفارٍ، وكما قال هو أيضا، برتني السرى بريَ المدى فرددنني، أخف على المركوب من نفسي جرمي، والمعنى أبلنا كالأرماق ونحن كالأنفاس والهاء في عليها للمناقي
ما بنا من هوى العيون اللواتي ... لون أشفارهن لون الحداق
هذا استفهام معناه التعجب يقول أي شيء أصابنا من هوى العيون السود الأشفار والاحداق والاشفار منابت الأهداب يصفها بالكحل
قصرت مدة الليالي المواضي ... فأطالت بها الليالي البواقي
يقول قصرتها بالوصال وطولتها بالهجر وأيام الوصال توصف بالقصر وأيام الفراق توصف بالطول وعني بالمواضي ليالي الوصل وبالبواقي ليالي الفراق وإنما طالت بالليالي المواضي أي يذكرها ويتحسر عليها
كاثرث نائل الأمير من الما ... لِ بما نولت من الإبراق
الإيراق مصدر قولهم أورق الصائد إذا لم يصد شيئا وأورق الغازي إذا لم يغنم والناس يحملونه في هذا البيت على الأفعال من الأرق وكان الخوارزمي يقول في تفسير هذا البيت هي تطلب باسهادها الغاية طلب الأمير بأنالته النهاية فكأنها تكاثره نوالا لكن نوالها الأرق ونواله الورق فإن كان أبو الطيب أراد بالإيراق هذا فقد أخطأ لأنه لا يبني الأفعال من الأرق إنما يقال أرق يأرق أرقا وأرقه تأريقا والأولى أن يحمل الأيراق على منع الوصل والتجنيب منه يقول هي في منعها وصلها في النهاية كما ان الأمير في بذله نائله قد بلغ الغابة فكأنها تكاثر عطاه بمنعها.
ليس إلا أبا العشائر خلق ... ساد هذا الأنام باستحقاق
طاعن الطعنة التي تطعن الفي ... لق بالذعر والدم المهراق
يقول طعنته لسعتها وبعد غورها تطعن الجيش كلهم لأنهم يرون ما يخرج منها من الدم فيخافون لذلك خوفا شديدا فكان تلك الطعنة طعنتهم وكأنه طعنهم جميعا بهذه الطعنة الواحدة
ذات فرعٍ كأنها في حشى المخ ... بر عنها من شدة الإطراق
стр. 177
الفرع مخرج الماء من بين العراقي ويقال أطرق راسه إذا خفضه يقول لها فرغ يخرج منه الدم كفرع الدلو ومن سمع بها أطرق من خوفها حتى كأنها في جوفه استعظاما لها وذات مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف على تقدير طعنته ذات فرع ومن نصب فهي حال من الطعنة بمعنى واسعة كأنه قال تطعن الفيلق طعنة واسعة.
ضارب الهام في الغبا روما ير ... هب أن يشرب الذي هو ساقي
يعني أنه يسقي الأقران كؤوس الموت ولا يبالي بها لو شرب ذلك هو
فوق شقاء للأشق مجال ... بين أرساغها وبين الصفاق
يقال فرس أشق إذا كان رحب الفروج طويل القوائم يقول فوق أنثى طويلةٍ يجول بين قوائمها الذكر الطويل من الخيل والصفاق جلة البطن
ما رآها مكذب الرسل إلا ... صدق القول في صفات البراقِ
يقول من نظر إليها في سرعتها صدق ما يروى في الأخبار من صفات البراق فإنه سار ليلةً من الأرض إلى السماء
همه في ذوي الأسنة لا في ... ها وأطرافها لها كالنطاق
أي إذا أحاطت به الأسنة حتى صارت كالنطاق حوله فحينئذ همته في الأبطال لا في اسنتهم ليتحرز منها يشير إلى قلة فكره في الأسنة المحيطة به وإنها لا تثنيه عنهم
ثاقب العقل ثابت الحلم لا يق ... در مرء له على إقلاقِ
لا يقلقه امرؤ لثبات حلمه
يا بني الحارث بن لقمان لا تع ... دمكم في الوغى متون العتاق
دعا لهم بأن لا يفارقوا ظهور الخيل ولا تعدمهم الخيل فرسانا في الحرب وقوله في الوغى حشو لكن فيه نكتة وهي أنهم ملوك إنما يركبون الخيل لحرب أو للدفع ملم لذلك خص حالة الحرب
بعثوا الرعب في قلوب الأعادي ... فكأن القتال قبل التلاقي
يقول هيجوا الخوف في قلوب الأعداء فكأنهم قاتلوهم قبل أن لقوهم لشدة خوفهم قبل اللقاء
وتكاد الظبي لما عودوها ... تنتضي نفسها إلى الأعناق
أي أنها عودت أن تغمد في الأعناق فتكاد تخرج من أغمادها إلى الأعناق قبل الاستلال
وإذا أشفق الفوارس من وق ... ع القنا أشفقوا من الإشفاق
الإشفاق الخوف والحذر يقول إذا خاف الفرسان من وقع الرماح خافوهم من الخوف ومن أن ينسبوا إلى الجبن والجزع فتجلدوا وصبروا
كل ذمرٍ يزيد في الموتِ حسنا ... كبدورٍ تمامها في المحاقِ
الذمر الرجل الشجاع وجمعه أذمار قال ابن جنى أي هو من قوم أحسن احوالهم عندهم إن يقتلوا في طلب المجد والشرف فلما كانوا كذلك شبههم ببدور تمامها في محاقها فشبه ما يجوز أن يكون بما لا يجوز أن يكون اتساعا وتصرفا وقال ابن فورجة أراد أن البدور يفضي أمرها إلى المحاق فهو غايتها التي تجري إليها ومصيرها الذي تصير إليه هؤلاء القوم أيضا تمام أمورهم القتل وليس التمام في هذا البيت الذي يعني به استكمال الضوء والدليل على ذلك أنه قال كبدور والبدور لا تكون بدورا إلا بعد استكمال ضوءها ولو أراد استكمال الضوء لقال كأهلة هذا كلامه وعلى ما ذكره لا مدح في هذا البيت فإن كل حي على ما ذكره يفضي أمره إلى الموت وآخره الهلاك وإنما شبههم ببدور تمامها في المحاق بزيادتهم حسنا بالموت لا بانتهاء آخر أمرهم إلى الموت والمعنى أنهم إذا قتلوا في طلب المجد والذكر أزاداد شرفهم فزاد حسن ذكرهم بموتهم كالبدور فإنها تستفيد الكمال بالمحاق وما لم يصر إلى المحاق لم يتم لأنه من المحاق يرتفع إلى درجة الكمال فمحاقها سبب كمالها كذلك هؤلاء بأن يقتلوا يتكسبون ذكرا وشرفا والذي ذكره أبو الفتح وجه آخر وهو أنه شبههم ببدور تمامها في محاقها إن وجد ذلك وجاز وجوده والذي ذكرنا هو الوجه
جاعلٍ درعه منيته إن ... لم يكن دونها من العار واقي
قال ابن جنى أي ينغمس في منيته كما ينغمس في درعه مخافة العار وهذا تفسير غير كافٍ ولا مقنع وليس للإنغماس ههنا معنى إنما يريد أنه يتقي العار ولو بموته فإن لم يجد واقيا من العار غير منيته جعلها درعا له فاتقى بها العار وإنما جعل منيته درعه لأنه اتقى بها العار كما يتقي الموت والهلاك بالدروع.
كرم خشن الجوانب منهم ... فهو كالماء في الشفار الرقاقِ
стр. 178
أي له كرم خشن جوانبه للاعداء لأنه لا ينفاد لهم بل يأتي عليهم بما فيه من الكرم ثم شبه ذلك الكرم بالماء وهو لين عذب وإذا صار في شفار السيف شحذها ونفذها وجعلها قاطعة ذات غربٍ وحدة كذلك كرمه فيه ليس لأوليائه وخشونة على أعدائه وهو كما قال ابن جنى أي أنه رقيق الطبع في المنظر فإذا سيم خسفا خشن جانبه واشتد إباؤه
ومعالٍ إذا ادعاها سواهم ... لزمته جناية السراق
يا ابن من كلما بدوت بدا لي ... غائب الشخص حاضر الأخلاق
أي أنت شديد الشبه بأبيك فإذا ظهرت لي شاهدت فيك أخلاقه وإن غاب شخصه
لو تنكرت في المكر لقومٍ ... حلفوا أنك انبه بالطلاق
التنكر إن يغير الزي حتى لا يعرف يقول لو غيرت زيك في الحرب حتى لا يعرفك أهلها لعرفوك بشبه أبيك حتى يحلفوا بالطلاق أنك ابنه
كيف يقوى بكفك الزند والآف ... اق فيها كالكف في الآفاق
يقول كيف يطيق زندك حكمل كفك وقد اشتملت على نواحي الأرض أي اقتدرت على الدنيا كلها فصغرت في قبضتك حتى صارت بمنزلة كف الإنسان في سعة الآفاق
قل نفع الحديد فيك فما يل ... قاك إلا من سيفه من نفاق
يقول اعداؤك لا يقدرون عليك بالحديد لامتناعك عن اسلحتهم ببأسك وشجاعتك وشدة شوكتك فلا يلقاك إلا من يخدعك بنفاقه فيجعل النفاق سيفا له والمعنى إن اعداءك يحيدون عن مجاهرتك بالحرب إلى موارتك بالنفاق
إلف هذا الهواء أوقع في الأن ... فس أن الحمام مر المذاق
يقول الأنفس ألفت الهواء فظنت أن الموت كريه الذوق لإلفها الهواء الرقيق الطيب وذلك أوقع في أنفسهم أن الموت مر الطعم وفي هذا بيان عذر أعدائه حين جنبوا عنه ولم يجاهروه بالحرب لأن حب الحياة زين لهم الجبن وأراهم طعم الحمام مرا وهو نفس منقطع وربما كان راحة المريض والمغموم ويجوز أن يكون هذا ابتداء كلامس لا يتصل بما قبله
والأسى قبل فرقة الروح عجز ... والأسى لا يكون بعد الفراق
قال أبو الفضل العروضي يقول لا يجب أن ياسى الإنسان للموت بعد يقينه بوقوعه فإنه قبل الوقوع لا ينفع الحذر وينغص العيش فإذا وقع فلا أسى عليك ولا علم لك به وقد نسب في هذا إلى الإلحاد وقال ابن فورجة يقول إن خوف الموت من اكاذيب النفس ومن إلفنا هذا الهواء وإلا فقد علم أن الحزن على فراق الروح قبل فراقه من العجز وعلم ايضا أن الحزن على المفارقة لا يكون بعد الموت فلماذا يجبن الإنسان هذا كلامه وهذا البيت والذي قبله حث على الشجاعة وتحذير عن الجبن وتهوين للموت لئلا يخافه الإنسان فيترك الإقدام هذا مراد أبي الطيب ولم يقصد الالحاد وإنما قال هذا من حيث الظاهر
كم ثراء فرجت بالرمح عنه ... كان من بخل أهله في وثاق
يقول كم مالٍ كان البخل قد أوثقه ومنعه عن طلابه قتلت أربابه فاطلقت عنه الوثاق وأبحته لطلابه
والغنى في يد اللئيم قبيح ... قدر قبح الكريم في الإملاق
يقول يقبح المال في يد اللئيم لأنه يبخل به عن حقوقه كما يقبح الكريم في الإملاق والعسرة وأراد أن يقول كما يقبح الفقر في يد الكريم فقلب للضرورة والقافية ومثل المصراع الأول قول أبي تمام، كم نعمة لله كانت عنده، فكأنها في غربة وإسار، وقول العطوى، نعمة الله لا تعاب ولكن، ربما استقبحت على أقوام، لا يليق الغنى بوجه أبي يعلى ولا نور بهجة الإسلام، وسخ الثوب والقلانس والبرذون والوجه والقفا والغلام،
ليس قولي في شمس فعلك كالشم ... س ولكن في الشمس كالإشراق
استعار لفعله شمسا لشهرته يقول لا يبلغ قولي محل فعلك ولكنه يدل عليه ويحسنه كالإشراق في الشمس
شاعر المجد خدنه شاعر اللف ... ظ كلانا رب المعاني الدقاق
أي أنت شاعر المجد أي العالم به وبدقائقه وأنا شاعر اللفظ وكل واحد منا صاحب المعاني الدقيقة ومثله للطاءي، غربت خلائقه وأغرب شاعر، فيه فأبدع مغرب في مغرب، وعني بالخدن نفسه جعل نفسه خدنا للممدوح تكبرا وفخرا
لم تزل تسمع المديح ولك ... ن صهيل الجياد غير النهاقِ
يقول لم تزل تمدح وتسمع الأشعار في مديحك ولكن شعري يفضل ما سمعته كما يفضل صهيل الجياد نهيق الحمير
ليت لي مثل جد ذا الدهر ... في الأدهر أو رزقه من الأرزاق
стр. 179
يقول دهرك مجدود مرزوق بك فليت لي مثل ما له من الجد والرزق ثم بين ذلك فقال
أنت فيه وكان كل زمان ... يشتهي بعض ذا على الخلاق
مثله قول مسلم، فالدهر يغبط أولاه أواخره، إذ لم يكن هو في أعصاره الأول.
ودخل عليه يوما وهو على الشراب وبيده بطيخة من ندّ معنبر في غشاء من خيزران على رأسها عنبر قد أدير حولها قلادة من در فحياه بها وقال بماذا تشبه هذه فقال
وبنيةٍ من خيزرانٍ ضمنت ... بطيخة نبتت بنارٍ في يد
البنية المبنية يعني ما اتخذ من الخيرزان وعاء لهذه البطيخة ولما قال بطيخة قال نبتت لأنها من النوابت إلا أنه جعل نباتها بنارٍ في يد صانعها وذلك أنها أديرت باليد على النار حتى تمت واستوت
نظم الأمير لها قلادة لؤلؤ ... كفعاله وكلامه في المشهد
شبه القلادة المنظومة في حسنها بفعله وكلامه الذي يتكلم به في مشهد من الناس
كالكاس باشرها بالمزاج فأبرزت ... زبداً يدور على شرابٍ أسود
جعل الشراب أسود لسواد الكاس ثم جعله ممزوجا ليعلوه الزبد فيشبه القلادة التي عليها.
وقال فيها أيضا
وسوداء منظوم عليها لآلىء ... لها صورة البطيخ وهي من الند
كأن بقايا عنبرٍ فوق رأسها ... طلوع رواعى الشيب في الشعر الجعد
قد ذكرنا تفسير رواعي الشيب عند قوله راعتك راعية البياض ويمكن أن تكون الرواعي جمع راعية التي قلبت من رائعة على ما ذكرنا وروة الخوارزمي دواعي الشيب بالدال يعني أوائله التي تدعو سائر الشعر إلى البياض وقال ابن جنى قال الجعد لأن السواد أبدا مع الجعودة قال ابن فورجة ليس كذلك لأن الزنج يشيبون ولا تزول جعودة شعرهم وإنما أتى بالجعد للقافية فقط.
وقال أ] ضا فيها
ما أنا والخمر وبطيخة ... سوداء في قشرٍ من الخيزران
من رفع الخمر عطفها على أنا ومن نصب جعل الواو بمعنى مع وجعل غلافها قشرا لها
يشغلني عنها وعن غيرها ... توطئتي النفس ليوم الطعان
وكل نجلاء لها صائك ... يخضب ما بين يدي والسنانِ
يعني طعنة واسعة لها دم لاصق يلصق بالمطعون ويخضب الرمح.
وقال أيضا يمدح أبا العشائر الحسين بن عليّ بن حمدان
مبيتي من دمشقَ على فراش ... حشاه لي بحرِّ حشاي حاشى
يقول أبيت على فراش حار حشى بحرارة قلبي من الهوى يعني حرارة الهوى وإن فراشه صار حارا
لقي ليلٍ كعين الظبي لونا ... وهمٍّ كالحميا في المشاش
اللقى الشيء الملقى يعني أن الليل القاه على فراشه والحميا الخمر والمشاش رؤس العظام الرخوة والمصراع الأول من قول الطاءي، إليك تجرعنا دجى كحداقنا، والثاني من قول الأبيرد، عساكر تغشى النفس حتى كأنني، أخو سكرةٍ دارت بها مني الخمر، والمعنى إن الحزن ملأ حشاه وتمشي فيه تمشي الخمر في العظام.
وشوقٍ كالتوقد في فؤادٍ ... كجمرٍ في جوانح كالمحاش
المحاش والمحاش لغتان فيما احرقته النار يقال محشته النار أي احرقته وسودته شبه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء في بيت واحد شبه شوقه بتوقد النار وقلبه بجمر نار وجوانحه وهي اضلاعه بشوى احرقته النار.
سقى الدم كل نصلٍ غير نابٍ ... وروى كل رمحٍ غير راشِ
دعا بالسقيا لكل نصل لا ينبو عن الضريبة وكل رمح غير ضعيف يقال رمح راش أي خوار ضعيف وجمل راش الظهر ضعيفه ورجل راش وهو مثل قولهم كبش صاف ورجل مال أي ذو مالٍ
فإن الفارس المنعوت خفت ... لمنصله الفوارس كالرياش
المنعوت الموصوف الذي سارت صفته بالشجاعة فيما بين الناس فعرفوه بنعته كذا رواه الخوارزمي وروى ابن جنى المبغوت وهو الذي بغته الشيء أي فاجأه يعني ما كان عرض لأبي العشائر من الجيش الذي كبسه بانطاطية وكان أبلى ذلك اليوم بلاء حسنا ومعنى خفت لمنصله تطايرت عن سيفه تطاير الريش
فقد أضحى أبا الغمرات يكنى ... كأن أبا العشائر غير فاش
يقول صار يكنى أبا الغمرات وهي الشدائد لالتباسه بها ودخوله فيها فكأن كنيته المعروفة غير فاشية وذكر الكنية لأنه ذهب إلى الأسم والكنية أسم على الحقيقة أو ذهب إلى الأب وكان المراد به الكنية
وقد نسي الحسين بما يسمى ... ردي الأبطال أو غيث العطاش
стр. 180
أي نسي اسمه العلم بما سموه به من ردى الأبطال أي هلاك الشجعان أو غيث العطاش يعني أ، هذين غلبا على اسمه المشهور حتى ترك ذلك فلا يسمى إلا بأحد هذين.
لقوه حاسراً في درع ضربٍ ... دقيق النسج ملتهب الحواشي
الحاسر الذي لا درع عليه وأراد أنه من ضربه الأعداء في درع لأن ضربه بالسيف يحميه ولما جعل ذلك درعا له جعله دقيق النسج وإن لم يكن هناك نسج أو شبه الآثار الدقيقة على سيفه بالنسج الدقيق ولهذا قال ملتهب الحواشي لأنه أراد به السيف الذي كأنه نار تلتهب وذكر الدرع على اللفظ
كأن على الجماجم منه نار ... وأيدي القوم أجنحةُ الفراش
أي كأنه يحرق الجماجم لشدة ضربه إياها ولن سيفه يلمع كالنار عليها وكأن أيدي القوم أجنحة الفراش لأنها تطير بضربه إياها فشبه أيدي القوم المقطعة حوله بالفراش حول النار
كأن جواري المهجات ماء ... يعاودها المهند من عطاش
المهجة دم القلب والعطاش شدة العطش وهي من الفعال الذي للأدواء كالصداع والزكام يعاود الماء يقول سيفه لا يزال يعاود دماء أعدائه بماء وجعل سيفه يعاوده مرة بعد مرة كالعطشان يعاود الماء يقول سيفه لا يزال يعاود دماء أعدائه فكأنه عطشان يعاود شرب الماء
فولوا بين ذي روحٍ مفاتٍ ... وذي رمقٍ وذي عقلٍ مطاش
أي إنهزموا عنه وهم من بين مقتول قد أفات عليه روحه فروحه مفات وآخر به رمق وآخر قد طاش عقله وتحير يقال طاش عقله أي ذهب واطاشه الله
ومنعفر لنصل السيف فيه ... توارى الضب خاف من احتراش
المنعفر المتلطخ بالتراب والاحتراش صيد الضب يقول قد غاب السيف في هذا المنعفر كما يغيب الضب في جحره إذا خاف احتراشا.
يدمى بعض أيدي الخيل بعضاً ... وما بعجايةٍ أثر ارتهاشِ
العجاية عصبة في اليد فوق الحافر والارتهاش اصطكاك اليدين حتى تنعفر الرواهش وهي عصب الذراع يقول ازدحمت الخيل عادية بين يديه في سوق انطاكية فدمت أيدي بعضها أيدي بعض ولم يكن ثم ارتهاش ويجوز أن تكون التدمية من دماء القتلى
ورائعها وحيد لم يرعه ... تباعد جيشه والمستجاش
يعني بالرائع الممدوح الذي راعهم أي افزعنم أي لم يفزعه انفراده من جيش وبعده من سيف الولة وهو المستجاش يعني المطلوب منه الجيش
كأن تلوى النشاب فيه ... تلوى الخوص في سعفٍ العشاش
الخوص ورق النخل والسعف اغصانها والعشاش جمع عشة وهي الدقيقة من النخل وكان قد رمى بسهم فتلوت فيه كتلوى الخوص في أغصان النخل
ونهب نفوس أهل النهب أولى ... بأهل المجد من نهب القماش
النهب الغارة وأهل النهب الجيش والقماش متاع البيت يقول الاغارة على نفوس أهل الغارة أحق بالأشراف من الإغارة على الأقمشة وهو من قول أبي تمام، أن الأسود أسود الغاب، البيت
تشارك في الندام إذا نزلنا ... بطان لا تشارك في الجحاش
الندام المنادمة والبطان جمع بطين وهو الكبير البطن الرغيب والجحاش المجاحشة وهي المدافعة في القتال يقول يشاركنا في شرب الخمر إذا نزلنا عن الخيل رجال يكثرون الأكل ولا يشاركون في القتال
ومن قبل النطاح وقبل يأنى ... يبين لك النعاج من الكباش
النطاح مناطحة ذوات القرون ثم يستعمل في الحرب وقبل رواه الخوارزمي نصبا على الظرف ورواه غيره خفضا بالعطف على ما قبله ويأنى يحين من قولهمأني الشيء يأنى أنى يقول قبل المناطحة وقبل أوانها يتبين من يناطح ممن لا يناطح ومن يقاتل ممن لا يقاتل وذلك إن الكباش تتلاعب بقرونها وإن لم ترد الطعن بها وكذلك يتلاعب الناس بالأسلحة في غير الحرب فيعرف من يحسن استعمالها ممن لا يحسن.
فيا بحر البحور ولا أورى ... ويا بدر البدور ولا أحاشي
أكثر الرواية ويا ملك الملوك والتورية الاخفاء والستر يقول لا استر قولي بل أجهر به ولا أحاشي أي لا أدع أحدا ولا استثنى انسانا كما قال النابغة، وما أحاشي من الأقوام من أحد،
كانك ناظر في كل قلب ... ولا يخفى عليك محل غاش
следующие страницы →