Полный текст (401 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على سوابغ النعم وله الشكر على جلائل القسم ربنا الذي علم بالقلم علّم الإنسان ما لم يعلم فأنطقه بالحروف المجمة التي هي صيغ الكلم منثورةً ومنظومةً وخصه من بين الحيوان باللغى التي ينطق بها مسرودةً مفهومةً وميزه بالبيان الذي فصل به العالم كما قال عز ذكره ولقد كرمنا بني آدم ورث البيان أجداده والآباء إذ علم ربه آدم الاسماء حتى أعرب عن ضمائره بما علم من الأسامي والكلمات وأورث أولاده فنون اللغات فنطقوا بما علم أبوهم وتلقن منهم ما تفوهوا به بنوهم من اللغات التي تكلمت بها الأمم وتحاورت بها العرب والعجم فارتفعوا بها عن درجة البهيمية ولم يكونوا كالانعام التي لها رغاء وثغاء وكالبهائم التي لها نباح وعواء وفضل من بينها اللغة العربية إذ خصها بخصائص ليست لغيرها من اللغة وجعل فضلها في أقصى الغايات حين أنزل القرآن العظيم وبعث الرسول اللذين جعلهما عربيين فشرفت بهما اللغة العربية وثبتت لها الفضيلة والزية هو الآله القادر الجبار يخلق ما يشآء ويختار له الحمد عليا كبيرا وصلواته على المبعوث بشيرا ونذيرا محمد وآله واصحابه وسلم تسليما كثيراً.
أما بعد فان الشعر أبقى كلام وأحلى نظام وأبعده مرقىً في درجة البلاغة وأحسنه ذكرا عند الرواية والخطابة وأعلقه بالحفظ مسموعا وأدله على الفضيلة العريزية منصوعا وحقا لو كان الشعر من الجواهر لكان عقيانا أو من النبات لكان ريحاناً ولو أمسى نجوما لما خمد ضيآءُها أو عيونا لما غار مآءها فهو ألطف من در الطل في أعيه الزهر إذا تفتحت عيون الرياض غب المطر وأرق من أدمع المستهام ومن الراح ترقرق بماء الغمام وهذا وصف أشعار المحدثين الذين تأخروا عن عصر الجاهلية وعن نأنأة الإسلام إلى ايام ظهور الدولة العباسية فأنهم الذين أصبح بهم بحر الشعر عذبا فراتا بعد ما كان ملحا أجاجاً وأبدعوا في المعاني غرائب أوضحوا بها لمن بعدهم طرقا فجاجا حتى أضحت روضة الشعر متفتحة الأنوار يانعة الثمار متفتقة الأزهار متسلسلة الانهار فثمرات العقول منها تجتني وذخائر الكتابة عن غرائبها تقتني وكواكب الآداب منها تطلع ومسك العلم من جوانبها يسطع وإليها تميل الطباع وعليها تقف الخواطر والاسماع ولها ينشط الكسلان وعند سماعها يطرب الثكلان لما لها من المزائن والتدبيج وسطوع روائح المسك الأريج أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي أخبرنا أبو سهل أحمد بن محمد بن زياد حدثنا اسحاق بن خالويه حدثنا عن بن يحيى القطان حدثنا هشام عن معمر عن الزهدي عن أبي بكر عن عبد الرحمن عن مروان بن الحكم عن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث عن أُبيّ بن كعب أن النبي ﷺ قال أن من الشعر لحمةً أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد الفارسي أخبرنا محمد بن عبد الله بن الفضل التاجر أخبرنا أحمد بن الحسن الحافظ حدثنا محمد بن يحيى أخبرنا أحمد بن شبيب بن سعيد حدثنا أُبيّ عن يونس قال قال ابن شهاب عن عروة عن عائشة ﵂ أنها كانت تقول الشعر كلام فمنه حسن ومنه قبيح فخذ الحسن ودع القبيح ولقد روت أشعار منها القصيدة أربعون ودون ذلك وأن الناس منذ عصر قديم قد ولوا جميع الاشعار صفحة الإعراض مقتصرين منها على شعر أبي الطيب المتنبي نائين عما يروى لسواه وان فاته وجاز في الاحسان مداه وليس ذلك إلا لبختٍ اتفق له فعلا فبلغ المدى وقد قال هو.
هو الجدُّ حتى تفضل العين أُختها ... وحتى يكون اليوم لليوم سيدا
على أنه كان صاحب معان مخترعة بديعة ولطائف إبكارٍ منها لم يسبق إليها دقيقة ولقد صدق من قال:
ما رأى الناس ثاني المتنبي ... أي ثان يرى لبكر الزمان
هو في شعره نبي ولكن ... ظهرت معجزاته في المعاني
стр. 2
ولهذا خفيت معانيه على أكثر من روى شعره من أكابر الفضلاء والأئمة العلماء حتى الفحول منهم والنجباء كالقاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني صاحب كتاب الوساطة وأبي الفتح عثمان بن جنى النحوي وأبي العلاء المعري وأبي علي بن فورجة البروجردي رحمهم الله تعالى وهؤلاء كانوا من فحول العلماء وتكلموا في معاني شعره مما اخترعه وانفرد بالإغراب فيه وأبدعه وأصابوا في كثير من ذلك وخفى عليهم بعضه فلم يكن لهم غرضه المقصود لبعد مرماه وامتداد مداه أما القاضي أبو الحسن فإنه ادعى التوسط بين صاغية المتنبي ومحبيه وبين المناصبين له ممن يعاديه فذكر أن قوماً مالوا إليه حتى فضلوه في الشعر على جميع أهل زمانه وقضوا له بالتبريز على أقرانه وقوما لم يعدوه من الشعراء وأزروا بشعره غاية الازراء حتى قالوا أنه لا ينطق إلا البهراء ولا يتكلم إلا بالكلمة العوراء ومعانيه كلها مسروقة أو عور والفاظه ظلمات وديجور فتوسط بين الخصمين وذكر الحق بين القولين وأما ابن جنى فإنه من الكبار في صنعة الإعراب والتصريف والمحسنين في كل واحد منهما والتصنيف غير أنه إذا تكلم في المعاني تبلد حماره ولج به عثاره ولقد استهدف في كتاب السفر غرضا للمطاعن ونهزة للعامز والطاعن إذ حشاه بالشواهد والكثيرة التي لا حاجة له إليها في ذلك الكتاب والمسائل الدقيقة المستغنى عنها في صنعة الإعراب ومن حق المنصف أن يكون كلامه مقصورا على المقصود بكتابه وما يتعلق به من أسبابه غير عادل إلى ما لا يحتاج إليه ولا يعرج عليه ثم إذا انتهى به الكلام إلى بيان المعاني عاد طويل لاكمه قصيرا وأتى بالمحال هراءً وتقصيراً وأما ابن فورجة فإنه كتب مجلدين لطيفين على شرح معاني هذا الديوان سمى أحدهما التجني على ابن جنى والآخر الفتح على أبي الفتح أفاد بالكثير منهما عائصا على الدرر وفائزاً بالغرر ثم لم يخل من ضعف البنية البشرية والسهو الذي قل ما يخلو عنه أحد من البرية ولقد تصفحت كتابيه وأعلمت على مواضع الزلل ومع شغف الناس واجماع اكثر أهل البلدان على تعمل هذا الديوان لم يقع له شرح شافٍ يفتح الغلق ويسيغ الشرق ولا بيان عن معانيه كاشف الأستار حتى يوضعها للأسماع والأبصار فتصديت بما رزقني الله تعالى من العلم ويسره لي من الفهم لإفادة من قصد تعلم هذا الديوان وأراد الوقوف على مودعه من المعاني بتصنيف كتاب يسلم من التوصيل وذكر ما يستغنى عنه من الكثير بالقليل مشتمل على البيان والايضاح مبتسم عن الغرر والاوضاح يخرج من تأمله عن ظلم التخمين إلى نور اليقين ويقف به على المغزى المقصود والمرمى المطلوب حتى يغنيه عن هموسات المؤدبين ووساوس المبطلين وانتحال المتشبعين وكذب المدعين الذين تفضحهم شواهد الاختبار عند التحقيق والاعتبار وقدما سعيت في علم هذا الشعر سعى المجد سالكا للجدد وسبقت فيه غيري سبق الجواد إذا استولى على الأمد حتى سهلت لي حزونه وسمحت فنونه وذلت لي أبكاره وعونه وزال العمى فانهتك لي غطاء حقائقه وانشرح ما استبهم على غيري من دقائقه فنطقت فيه مبينا على إصابة ولم أجمجم القول موريا في إرابة والله تعالى المسؤول حسن التوفيق في إتمامه وإسباغ ما بدانا به من فضله وانعامه.
ولد أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي بالكوفة في كندة في سنة ثلاث وثلثمائة ونشأ بالشم والبادية وقال الشعر صبياً فمن أول قوله في الصبا
أبلى الهوى أسفا يوم النوى بدني ... وفرق الهجر بين الجفن والوسنِ
يقال بَلِيَ الثوب يبلى بِلًى وبلاءً وأبلاه غيره يبليه ابلاءً والاسف شدة الحزن يقال أسف يأسف أسفاً فهو آسف وأسف ومعنى ابلاءً يشتد عند الفراق والهوى عذب مع الوصال سمّ مع الفراق كما قال السريّ الرفاء، وارى الصبابةَ أريةً ما لم يشب، يوماً حلاوتها الفراقُ بصبابه، وانتصب أسفا على المصدر ودل على فعل ما تقدمه لأن ابلاءً الهوى بدنه يدل على أسفه كأنه قال أسفت أسفا ومثله كثير في التنزيل كقوله تعالى صنع الله الذي أتقن كل شيءٍ ويوم النوى ظرف للابلاء ويجوز أن يكون معمول المصدر الذي هو أسفا والمعنى يقول أدى الهوى بدني إلى الأسف والهزال يوم الفراق وعبد هجر الحبيب بين جفني والنوم أي لم أجد بعده نوماً.
روح تردد في مثل الخلال إذا ... أطارت الريح عنه الثوب لم يبنِ
стр. 3
يقول لي روح تذهب وتجيء في بدن مثل الخلال في النحول والرقة إذا طيرت الريح عنه الثوب الذي عليه لم يظهر ذلك البدن لرقته أي إنما يرى لما عليه من الثوب فإذا ذهب عنه الثوب لم يظهر ويجوز أ، يكون معنى لم يبن لم يفارق أي أن الريح تذهب بالبدن مع الثوب لخفته ومثل الخلال صفة لموصوف محذوف تقديره في بدنٍ مثل الخلال وأقرأني أبو الفضل العروضي في مثل الخيال قال أقرأني أبو بكر الشعراني خادم المتنبي الخيال قال لم أسمع الخلال إلا بالري فما دونه يدل على صحة هذا إن الوأواء الدمشقيّ سمع هذا البيت فأخذه فقال، وما أبقى الهوى والشوق منّي، سوى روح تردد في الخيال، خفيت على النوائب أن تراني، كأن الروح مني في محال،
كفى بجسمي نحولاً أنني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني
يقول كفى بجسمي نحولا أنني رجلا لو لم أتكلم لم يقع على البصر أي إنما يستدل عليّ بصوتي كما قال أبو بكر الصنوبري، ذبت حتى ما يستدل على أني حيٌّ إلا ببعض كلامي، واصل هذا المعنى قولا الأول، ضفادع في ظلماء ليلٍ تجاوبت، فدل عليها صوتها حية البحر، والباء في بجسمي زائدة وهي تزاد في الكفاية في الفاعل كثيرا كقوله سبحانه وكفى بالله شهيداً كفى بالله وكيلاً وقد تراد في المفعول أيضا كقول بعض الأنصار، وكفى بناء فضلاً على من غيرنا، حب النبي محمدٍ إيانا، معناه كفانا فضلا فزاد الباء وقد قال أبو الطيب، كفى بك داءً أن ترى الموت شافياً، فزاد في المفعول وقوله بجسمي معناه جسمي كما ذكرنا وانتصب نحولا على التمييز لأن المعنى كفى جسمي من النحول.
وقال أيضا في صباه ارتجالاً
بأبي من وددته فافترقنا ... وقضى الله بعد ذاك اجتماعاً
هذه الباء تسمى باء التفدية يقول فداء بأبي من وددته أي جعل فداءص ل وتقول بنفسي أنت وبروحي أنت وهو كثير في كلامهم.
فافترقنا حولاً فلما التقينا ... كان تسليمه عليّ وداعاً
يقول كان تسليمه عليّ عند الالتقاء توديعا لفراق ثان والوداع اسم بمعنى التوديع يقال ودعته توديعا ووداعا وهذا المعنى من قول الآخر، بأبي وأمي زائرٌ متقنع، لم يخف ضوء البدرِ تحت قناعه، لم أستتم عناقه للقائه، حتى ابتدأت عناقه لوداعه.
وقال أيضا في صباه يمدح محمد بن عبيد الله العلوي
أهلاً بدارٍ سباك أغيدها ... أبعد ما بان عنك خردها
الاغيد الناعم البدن وجمعه غيدٌ وأراد ههنا جارية وذكر اللفظ لأنه عنى الشخص والخرد جمع الخريدة وهي البكر التي لم تمسس ويقال أيضا خرد بالتخفيف وفي قوله أبعد أوجهٌ وروايات والذي عليه أكثر الناس الاستفهام وفيه ضربان من الفساد أحدهما في اللفظ وهو أن تمام الكلام يكون في البيت الذي بعده وذلك عيب عند الرواة ويسمونه المبتور والمضمن والمقاطل ومثله لا يصلح بيني فاعلموه ولا، بينكم ما حملت عاتقي، سيفي وما أن مريض وما، قرقر قمر الواد بالشاهق، والثاني في المعنى وهو أنه إذا قال أبعد فراقهم تهيم وتحزن كان محالا من الكلام والرواية الصحيحة أبعد ما يقول أبعد شيءْ فارقك جواري هذه الدار وروى قوم أبعد على أنه حالٌ من الاغيد والعامل في الحال سباك يقول سباك أبعد ما كان منك وهذا من العجب أن السابي يسبي وهو بعيد والمعنى أنه أسرك بحبه وهو على البعد منك وانتصب أهلاً بمضمر تقديره جعل الله أهلا بتلك الدار فتكون مأهولة وإنما تكون مأهولة إذا سقيت الغيث فانبتت الكلأ فيعود إليها أهلها وهو في الحقيقة دعاء لها.
ظلت بها تنطوي على كبدٍ ... نضيجةٍ فوق خلبها يدها
стр. 4
يريد ظللت فحذف احدى اللامين تخفيفا كقوله تعالى فظلتم تفكهون يقول ظللت بتلك الدار تنثني على كبدك واضعا يدك فوق خلبها والمحزون يفعل ذلك كثيرا لما يجد في كبده من حرارة الوجد يخاف على كبده أن ينشقّ كما قال الآخر، عشية أثنى البرد ثم ألوثه، على كبدي من خشيةٍ أن تقطعا، وقال الصمة القشري، وأذكر أيام الحمى ثم أنثني على كبدي من خشيةٍ أن تصدعا، وقال الآخر، لما رأوهم لم يحسوا مدركا وضعوا أناملهم على الأكباد، وكرر أبو الطيب فقال، فيه أيديكما على الظفر الحلو وأيدي قومٍ على الاكباد، والانطواء كالانثناء والنضج لليد ولكن جرى نعتا للكدب لإضافة اليد إليها كقوله تعالى من هذه القرية الظالم أهلها والظلم للاهل وجرى صفة للقرية والمعنى التي ظلم أهلها وهذا كما تقول مررت بامرأةٍ كريمةٍ جاريتها تصفها بكرم الجارية وجعل اليد نضيجةً لأنه أدام وضعها على الكبد فانضجتها بما فيها من الحرارة ولهذا جاز إضافتها إلى الكبد والعرب تسمى الشيء بأسم غيره إذا طالت صحبته إياه كقولهم لفناء الدار العذرة ولذي البطن الغائط وإذا جاز تسمية شيءٍ بأسم ما يصحبه كانت الإضافة أهون ولطول وضع يده على الكبد أضافها إليها كأنها للكبد لما لم تزل عليها والخلب غشاءٌ للكبد رقيق لازب بها وارتفع يدها بنضيجة وهو اسم فاعل يعمل عمل الفعل كما تقول مررت بامرأةٍ كريمةٍ جاريتها ويجوز أن تكون النضيجة من صفة الكبد فيتم الكلام ثم ذكر وضع اليد على الكبد والأول أجود.
يا حاديى عيسها وأحسبني ... أوجد ميتا قبيل أفقدها
دعا الحاديين ثم ترك ما دعاهما له حتى ذكره في البيت الذي بعده وأخذ في كلام آخر وتسمى الرواة هذا الإلتفات كأنه التفت إلى كلام آخر من شأنه وقصته فإن كان كلاما أجنبيا فسد ولم يصلح ومثله، وقد أدركتني والحوادث جمةٌ، أسنة قومٍ لاضعاف ولا عزلِ، فصل بين الفعل والفاعل بما يسمى التفاتا وهو من قصته لان أدراك الاسنة من جملة الحوادث كذلك قوله واحسبني أوجد ميتا ليس باجنبي عما هو فيه من القصة واراد قبيل أن أفقدها فلما حذف أن عاد الفعل إلى الرفع كبيت الكتاب ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى فيمن رفع
قفا قليلاً بها عليَّ فلا ... أقل من نظرةٍ أزودها
يقول للحاديين اللذين يحدوان عيسها احبساها على زمانا قليلا لأنظر إليها واتزود منها نظرةً فلا أقل منها ومن رفع أقل جعل لا بمنزلة ليس كما قال، من صد عن نيرانها، فأنا ابن قيس لا براح أي ليس عند براح والكناية في بها يجوز أن تعود إلى العيس وإلى المرأة وقريب من هذا في المعنى قول ذي الرمة، وإن لم يكن الا تعلل ساعةٍ، قليلاً فإني نافعٌ لي قليلها، ثم ذكر سبب مسألة الوقوف فقال:
ففي فؤاد المحب نار هوى ... أحر نار الجحيم أبردها
عنى بالمحب نفسه والجحيم النار الشديدة التوقد العظيمة يقول أحر النار العظيمة المتوقدة أبرد نار الهوى يعني أن نار الهوى أشد حرارةً.
شابّ من الهجر فرق لمتهِ ... فصار مثل الدمقسِ أسودها
الفرق حيث يفرق الشعر من الرأس واللمة من الشعر ما ألم بالمنكب والجمع لمم ولمام والدمقس الابريسم الأبيض خاصة يقول لعظم ما أصابه من هجر الحبيب أبيض شعره حتى صار ما كان أسود من لمته أبيض كالدمقس.
بانوا بخرعوبةٍ لها كفلٌ ... يكاد عند القيام يقعدها
يقال امرأة خرعوبة وخرعبة وهي اللينة الشابة الطرية ومنه قول امرءِ القيس، كخرعوبةِ البانةِ المنفطر، والكفل الردف والمرأة توصف بثقل العجيزة وكثرة لحمها يقول ذهبوا بامرأة ناعمة إذا قامت يكاد ردفها يقعدها لكثرة ما عليه من اللحم وكاد وضع لمقاربة الفعل واثباته نفيٌ في المعنى كأنه قال قرب من ذلك ولم يفعل وهذا المعنى كثير في الشعر كقول عمر بن أبي ربيعة، تنوء بأخراها فلكيا قيامها، وتمشي الهوينا عن قريبٍ فتبهرُ، ومثله لابي العتاية، بدت بينحورٍ قصار الخطى، تجاهد بالمشي أكفالها، وبيت المتنبي من قول أبي دلامة، وقد حاولت نحو القيام لحاجةٍ، فأثقلها عن ذلك الكفل النهدُ،
ربحلةٍ اسمٍ مقبلها ... سجلةٍ أبيضٍ مجردها
стр. 5
الربحلة والسجلة من نعوت النساء وهي الجسيمة الطويلة العظيمة قالت امرأة من العرب تصف بنتها، ربحلةٌ سجلةٌ، تنمى نماءَ النخله، والمقبل موضع التقبيل وهو الشفة وتحمد فيها السمرة ولذلك قال غيلان ولقبه ذو الرمة، ليماءُ في شفتيها حوةٌ لعسٌ، وفي اللثات وفي أنيابها شنب، والمجرد حيث تجرد من بدنها أي تعرى من الثوب وصفها بسمرة الشفة وبياض اللون وخص المجرد وهو الأطراف لأنه إذا أبيض المجرد وهو الذي يصيبه الريح والشمس ويظهر للرأيين كان سائر بدنها أشد بياضاً.
يا عاذل العاشقين دع فئةً ... أضلها الله كيف ترشدها
الفئة الجماعة من الناس ويريد العشاق يقول لمن يعذلهم في العشق دع من عذلك قوما أضلهم الله في الهوى حتى تعالكوا فيه واستولى عليهم حتى غلب عقولهم كيف ترشدهم بعد أن اضلّهم الله أي أنهم لا يصغون إلى عذلك لما بهم من ضلال العشق ثم ذكر قلة نفع لومه فقال:
ليس يحيك الملام في هممٍ ... أقربها منك عنك أبعدها
يقال أحاك فيه الشيء إذا اثر وقد يقال أيضا حاك يقول لا يؤثر لومك في هممٍ أقربها منك في تقديرك أبعدها عنك في الحقيقة أي الذي تظنه ينجع فيه لومك هو الأبعد عما تظن
بيئسَ الليالي سهرتُ من طربي ... شوقاً إلى من يبيت يرقُدُها
يذم الليالي التي لم ينم فيها لما أخذه من القلق وخفة الشوق إلى الحبيب الذي كان يرقد تلك الليالي يعني أنه كان ساليا لا يجد من أسباب امتناع الرقاد ما كنت أجده.
أحييتها والدموعُ تنجدني ... شؤونها والظلام ينجدها
أحياء الليل ترك النوم فيه يقال فلان يحيى الليل أي يسهر فيه وفلان يميت الليل أي ينام فيه وذلك أن النوم أخو الموت واليقظة أخت الحياة والانجاد الإعانتة والشؤون قبائل الرأس وهي مجاري الدموع يقول كان للدموع من الشؤون إمدادٌ ولليالي من الظلامٍ انجازٌ والمعنى أن تلك الليالي طالت وطال البكاء فيها ويجوز أن تعود الكناية في ينجدها إلى الشؤون وذلك أن من شأن الظلام أن يجمع الهموم على العاشق وفي اجتماعها عون للشؤون على تكثير وادرار البكاء يبين هذا قول الشاعر، يضم على الليل أطباق حبها، كما ضم أزرار القميصِ البنائقُ،
لا ناقتي تقبل الرديف ولا ... بالسوط يوم الرهانِ أجهدها
يقول ناقتي لا تقبل الرديف وهو الذي يرتدف خلف الراكب وإذا راهنت عليها لم أجدها بالسوط يقال جهدت الدابة وأجهدتها إذا طلبت أقصى ما عندها من السير واراد بالناقة نعله كما قال في موضع آخر، وحبيت من خوصِ الركاب بأسودٍ، من دارشٍ فغدوت أمشي راكبا، فجعل خفه كالمركوب وهذا المعنى من قول أبي نواس، إليك أبا العباس من بين من مشى، عليها أمتطينا الحضرمي الملسنا، قلائص لم تعرف حنينا على طلاً، ولم تدر ما قرعُ الفنيقِ ولا الهنا، ومثله قول الاخر، رواحلنا ستٌّ ونحن ثلاثةٌ، نجنبهن الماءَ في كل منهلِ لانه لا يخاض الماء بالنعل ومثل هذا ما قيل في بيت عنترة، فيكون مركبك القعود ورحلهُ، وابن النعامة يوم ذلك مركبي، وقيل ابن النعامة عروق في باطن القدم ومعناه أنه راكب أخمصه.
شراكها كورها ومشفرها ... زمامها والشسوع مقودها
شراكها بمنزلة الكور للناقة وأراد بالمشفر ما يقع على ظهر الرجل في مقدم الشراك فجعل ذلك بمنزلة الزمام للناقة والشسوع السيور التي تكون بين خلال الأصابع جلها بمنزلة المقود للناقة وهو الحبل الذي يقاد به سوى الزمام والزمام يكون في الانف
أشدُّ عصفِ الرياحِ يسبقهُ ... تحتيّ مِنْ خطوبها تأيدها
عصف الرياح شدة هبوبها ومن روى بضم العين فهو جمع عصوف يقال ريح عاصف وعصوف ومعنى تأيدها تأنيها وتلبثها ويقول أهون سير ناقتي يسبق أشد سير الريح وهذا في الحقيقة وصف لشدة عدو المتنبي منتعلاً والتأيد تفعل من الأيد وهو التقوى وليس المعنى على هذا وإنما أراد التفعل من الانئاد بمعنى الرفق والليل فلم يحسن بناء التفعل منه وحقه توؤدها.
في مثل ظهر المجنِ متصلٍ ... بمثلِ بطن المجن قرددها
القردد أرض فيها نجاد ووهاد وظهر المجن ناتىء وبطنه لاطيء فهو كالصعود والحدور وأراد يسبقه تأيدها في مفازةٍ مثل ظهر المجن متصلٍ قرددها بمثل بطن المجن أي أرضها الصلبة متصلةٌ بمفازةٍ أُخرى مثل بطن المجنّ.
стр. 6
مرتمياتٍ بنا إلى ابن عبيد ... الله غيطانها وفدفدها
مرتميات صفة لمحذوفٍ في البيت الذي تقدم على تقدير في مفازة مثل بطن المجنّ مرتميات بنا وجمع لفظ المرتميات حملاً على لفظ الغيطان كما قال، أيا ليلةً خرس الدجاج طويلةً، ببغداد ما كادت عن الصبح تنجلي، والوجه أن يقال خرساء الدجاج ولكنه حمل الخرس على لفظ الدجاج حين كانت جمع دجاجة ويجوز أن يقدر المحذوف على لفظ الجمع فيصبح مرتميات كأنه قال في مغاوزٍ مثل ظهر المجن مرتميات بنا أي هذه المفاوز ترمينا إلى الممدوح بقطعنا أياها بالسير فكأنها تلقينا إليها وارتفع الغيطان والفدفد بالمرتميات كما قلنا في نضيجة فوق خلبها يدها والفدفد الأرض البعيدة الغليظة المرتفعة.
إلى فتًى يصدر الرماح وقد ... أنهلها في القلوب موردها
إلى فتى بدلٌ من قوله إلى ابن عبيد الله وهو الممدوح يقول يصدر رماحه عن الحرب أي يرجعها ويردها وقد سقاها موضع ورودها في قلوب الأعداء دماءهم ويجوز أن يكون المورد بمعنى المصدر فيكون المعنى سقاها في القلوب ورودها أي أنها وردت قلوب الأعداء ومن روى بضم الميم أراد الممدوح أي هو الذي يوردها وهذا هو الأجود ليشاكل لفظ الاصدار.
له أيادٍ إليّ سابقةٌ ... أُعدُّ منها ولا أعددها
يقول له احسان عليّ ونعم سابقة متقدّمة ماضية ويروى سالفةٌ وإلى من صلة معنى الأيادي لا من صلة لفظها لأنه يقال لك عندي يدٌ ولا يقال لك إيّ يدٌ ولكن لما كان معنى الايادي الإحسان وصلها بإلى ويجوز أن يكون من صلة السبق أو السلوف قُدّم عليه وقوله أعد منها قال أبو الفتح أي أنا أحدها قال الجماز، لا تنتفني بعد أن رشتني، فإنني بعض أياديكا، ثم قال يريد أنه قد وهب له نفسه وهذا فاسدٌ لأنه ليس في البيت ما يدل على أنه خلصه من ورطة وأنقذه من بلية أو أعفاه عن قصاصٍ وجب عليه ولكنه يقول أنا غذيّ نعمته وربيب إحسانه فنفسي من جملة نعمه فإنا أعدّ منها ومن روى أعدّ منها كان المعنى أنه يعد بعض أياديه ولا يأتي على جميعها بالعد لكثرتها وهو قوله ولا أعددها وكان هذا من قوله تعالى وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها أي لا تعدوا جميعها من قوله تعالى وأحصى كل شيءٍ عددا
يُعطى فلا مطلهُ يكدرها ... به ولا منه ينكدها
تقدير معنى البيت يعطى فلا مطله بالايادي يكدرها أي أنه لا يمطل إذا وعد الاحسان ولا يمن بما يعطى وينكده أي ينغصه ويقلل خيره وكان يقال المنة تهدم الصنيعة ولهذا مدح الله سبحانه قوما فقال تعالى ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى وقال الشاعر، أفسدتَ المنِّ ما قدمت من حسنٍ، ليس الكريم إذا أعطى بمنانِ،
خير قريشٍ أبا وأمجدها ... أكثرها نائلاً وأجودها
يعني أن أباه أفضل قريش فهو خيرهم أبا لأنه ليس فيهم أحدٌ أبوه أفضل من أبي الممدوح وقريش اسم للقبيلة ولذلك كنى عنها بالتأنيث والنائل العطاء وأجودها يجوز أن يكون مبالغةً من الجود والجود الذي هو المطر والجودة أيضا.
أطعنها بالقناةِ أضربها ... بالسيف جحجاحها مسودها
ذكر القناة والسيف تأكيدا للكلام مع الطعن والضرب كما يقال مشيت برجلي وكلمته بفمي أو لأن الطعن والضرب يستعملان فيما لا يكون بالسيف والرمح كقولهم طعن في السن وضرب في الأرض والجحجاح السيد والمسود الذي قد سوده قومه
أفرسها فارساً وأطولها ... باعاً ومغوارها وسيدها
أي هو افرسها إذا ركب فرسه وكان فارسا وأكد الكلام بذكر الحال لأن أفرس يكون من الفرس والفراسة وطول الباع مما يمدح به الكرام ويقال فلانٌ طويلُ الباع إذا امتدت يده بالكرم ويقال للئيم ضيق الباع والمغوار الكثير الغارة.
تاج لويِّ بنِ غالبٍ وبه ... سما لها فرعها ومحتدها
لوي بن غالب أبو قريش هو لهم بمنزلة التاج به يتشرفون ويتزينون وبه علا فروعهم وأصولهم أي الأولاد والأباء والمحتد الأصل.
شمسُ ضحاها هلالُ ليلتها ... درُّ تقاصيرها زبرجدها
أي هو فيما بينهم كالشمس في النهار والهلال في الليل والدر والزبرجد في القلادة أي هو أفضلهم وأشهرهم وبه زينتهم وفخرهم والتقاصير جمع تقاصر وقال ابن جنى هو القلادة القصيرة وليس هذا من القصر إنما هو من القصرة وهي أصل العنق والتقصار ما يعلق على القصرة.
стр. 7
يا ليتَ بي ضربةً أُتيح لها ... كما أُتيحت له محمدها
كان هذا العلويّ قد أصابته ضربة على الوجه في بعض الحروب فقال ليت الضربة التي قدر لها محمدها يعني الممدوح كما قدرت الضربة له كانت بي أي ليتني فديته من تلك الضربة فوقعت بي دونه ويجوز أن يكون الممدوح أتاح وجهه للضربة حيث أقبل إلى الحرب وثبت حتى جرح فتمنى المتنبي رتبته في الشجاعة كأنه قال ليتني في رتبتك من الشجاعة والاناحة التقدير يقال اتاح الله له كذا أي قدر وأضاف محمدا إلى الضربة شارةً إلى أنها كسبته الحمدَ فأكثرت حتى صار هو محمد بها.
أثر فيها وفي الحديد وما ... أثرَ في وجههِ مهندها
قصد السيف والضربة إزهاق روحه وإهلاكه وقد ردهما عن قصدهما فهو تأثيره فيهما فقوله وما أثر في وجهه مهندها أي ما شأنه فلا أثر تأثيرا قبيحا لأن الضربة على الوجه شعارُ المقدام والعرب يفتخرون بالضربة في الوجه ألا ترى إلى قول الحصين، ولسنا على الأعقاب تدمي كلومنا، ولكن على أقدامنا تقطر الدما، والطعن والضرب في الظهر عندهم مسبة وفضيحة ولذلك قال جابر بن رالان، ولكنما يخزى أمرءٌ يكلم أسته، فتا قومِهِ إذا الرماحُ هوينا، والتهنيد شحذ الحديد سيف مهند أي مشحوذ.
فاغتبطت إذ رأت تزينها ... بمثلهِ والجراح تحسدها
يقول اغتبطت الضربة لما رأت تزينها بالممدوح حين حصلت على وجهه وحسدتها الجراح لأنها لم تصادف شرف محلّها والاغتباط يكون لازما ومتعديا ومعنى بمثله به والمثل صلةٌ تقول مثلي لا يفعل هذا أي أنا لا أفعله قال الشاعر، يا عاذلي دعني من عذلكما، مثلي لا يقبل من مثلكما، معناه أنا لا أقبل منك ومن هذا قوله تعالى ليس كمثله شيء
وأيقن الناسُ أنَّ زارعها ... بالمكر في قلبه سيحصدها
يشير إلى أن هذه الضربة أتته مماكرةً لا مجاهرةً ومعنى زارعها أن الضارب أودع قلبه من الغم بذرا وحصده إياها أخذه جزاءَ ذلك يقول علم الناس يقينا أن الذي ماكره بهذه الضربة زارعٌ سيحصد ما زرع أي يجازيه الممدوح جزاءَ ما فعل ويجوز أن تعود الكناية في قلبه على الزارع والمعنى سيحصد ما فعل في قلبه وتقديره إن زارعها في قلبه بالمكر أي أنه يجازيه بما فعل ضربةً في قلبه بقتله بها والضربة في القلب لا تخطىء القتل وفي على هذا من صلة الحصد ويجوز أن يكون من صلة المكر والمعنى أن زارعها بالمكر الذي أضمره في قلب نفسه.
أصبح حسادهُ وانفسهمْ ... يحدرها خوفه ويصعدها
الواو في وأنفسهم واو الحال يقول أصبح حساده وحال أنفسهم أن خوفه يهبطهم ويصعدهم أي أقلقهم خوفه حتى أقامهم وأقعدهم وحدرهم وأصعدهم فلا يستقرون خوفا منه وهذا كما قال: أبدى العداةُ بك السرور كأنهم، فرحوا وعندهم المقيم المقعدُ، ويقال حدرت الشيء ضد أصعدته وأحدرته لغةٌ.
تبكى على الأنصل الغمودُ إذا ... أنذرها أنه يجردها
يقول إذا أنذر العمود بتجريد السيوف بكت عليها لما ذكر فيما بعده وهو قول:
لعلمها أنها تصير دماً ... وأنه في الرقاب يغمدها
أي لعلم الغمود أنه يغمد السيوف في دماء الأعداء حتى تتلطخ بها وتصير كأنها دم لخفاء لونها بلون الدم وأنه يتخذ لها أغماداً من رقاب الأعداء أي أنها لا تعود إلى الغمود فلذلك تبكي عليها وهذا المعنى منقول من قول عنترة، وما يدري جرية أن نبلي، يكون جفيرها البطل النجيد، ومثل هذا في قول حسان، ونحن إذا ما عصتنا السيوف، جعلنا الجماجم أغمادها، وقول الجماني، منابرهن بطون الأكف، وأغمادهن رؤوس الملوك، ويقول ابن الرومي، كفى من العزِّ أن هزوا مناصلهم، فلم يكن غير هام الصيد أجفانا،
أطلقها فالعدو من جزعٍ ... يذمها والصديق يحمدها
اطلق الأنصل من الغمود فذمها العدو خوفا وجزعا منها وحمدها الصديق لحسن بلائها على العدو.
تنقد النارُ من مضاربها ... وصب ماءِ الرقاب يخمدها
أي أنها تصير إلى الأرض لشدة الضرب فتوري النار ويخمدها ما ينصب من الدماء عليها
إذا أضلَّ الهمامُ مهجته ... يوماً فأطرافهن منشدُها
стр. 8
معنى اضلال الهمام المهجة أن يقتل ولا يدري قاتله أي إنما تطلب مهجته من أطراف سيوفه لانها قواتل الملوك والمنشد موضع الطلب ويروي تنشدها أي أنها تطلب ثأر الملوك ويروى تنشدها والانشاد تعريف الضالة أي أن أطرافهن تعرفها وتقول عندي مهجةٌ فمن صاحبها ويروي فأطرافهن بالنصب وينشدها بالياء يعني الهمام يطلب مهجته في أطرافهن ونصب أطرافهن ينشد مؤخراً كما تقول زيدا ضربته
قد أجمعت هذه الخليقة لي ... أنك يا ابن النبي أوحدها
يقول اجمعت هذه الخليقة موافقةً لي أنك أوحدهم ويجوز أن يكون على التقديم والتأخير أي أوحدها لي أي أوحدها إحساناً إليّ وإفضالا عليّ ولا يكون في هذا كثير مدح ويجوز أن يكون المعنى أجمعت فقالت لي والقول يضمر كثيرا في الكلام والاول أوجه
وأنك بالأمس كنتَ محتلما ... شيخ معدٍّ وأنتَ أمردها
يريد أنك بالتشديد فخفف مع المضمر ضرورةً كما قال آخر، فلو أنك في يوم الرخاء سألتني، فراقك لم أبخل وأنتِ صديق، وإنما يحسن التخفيف مع المظهر كقول الشاعر، وصدرٍ مشرقِ النحرِ، كأن ثدييه حقانِ، لان الإضمار يرد الأشياء إلى أصولها ويروى وأنت بالأمس على استئناف الكلام يقول بالأمس كنت في حال احتلامك ومرودتك شيخ معدّ فكيف بك اليوم مع علو السن وهذا في ضمن الكلام وفحوى الخطاب والواو في وأنت أمردها عطف على الحال يقول كنت شيخ معدّ محتلما.
وكم وكم نعمةٍ مجللةٍ ... ربيتها كان منك مولدها
الوجه أنه أراد بكم الخبر عن كثرة ما له من النعم عنده وإن أراد الاستفهام لم يجز في نعمة إلا النصب والمجللة المعظمة ومعنى ربيتها حافزت عليها بأن قرنتها بأمثالها وكان منك ابتداءها أي أنت ابتدأتني بالصنيعة ثم ربيتها ولم تكن واحدةً تنسَى على طول العهد.
وكم وكم حاجةٍ سمحت لها ... أقرب منيّ إليّ موعدها
سمحت بها أي بقضائها فحذف المضاف والمعنى قضيتها لي وكذلك قوله موعدها أي موعد قضائها وهذا اخبارٌ عن قصر الوعد وقربه من الإنجاز ولا شيءَ أقربُ إليك منك وإذا قرب موعد الانجاز صارت الحاجةُ مقضيةً عن قريب.
ومكرماتٍ مشت على قدمِ ال ... بر إلي منزلي ترددها
المكرمة ما يكرم به الإنسان من برّ ولطف واراد بها ههنا ثياباً أنفذها إليها لقوله أقر جلدي بها ومعنى على قدم البرّ أن حاملها إليه كان من جملة الهدية والبر ويجوز أن يريد مكرمات على أثر بر سابق ومعنى ترددها أي تعيدها إليّ وتكرّرها عليّ ويروي تردُّدها على المصدر
أقرَّ جلدي بها عليّ فلا ... أقدرُ حتّى المماتِ أمجدُها
اقرار الجلد بظهور ما عليه من الخلع واللباس للناظرين فكأنه باكتسائه بها ناطق مقرّ كما قال الناشىء الأكبر، ولو لم يبح بالشكرِ لفظي لخبرت، يميني بما أوليتني وشماليا،
فعد بها لا عدمتها أبداً ... خيرُ صِلاتِ الكريم أعودها
يقول أعد هذه المكرمات فإن خير ما وصل به الكريم أكثره عودا وقيل له وهو في المكتب ما أحسن هذه الوفرة فقال:
لا تحسن الوفرةُ حتى ترى ... منشورةَ الضفرين يومَ القتال
الناس يروون الشعرة والصحيح رواية من روى لا تحسن الوفرة هي الشعر التام على الرأس والضفر معناه الشدّ ويسمَى ما يشدّ على الرأس من الذوائب الضفائر ومن سماها الضفر فقد سمى بالمصدر يقول إنما يحسن الشعر يوم القتال إذا نشرت ذوائبه ويعني بهذا أنه شجاع صاحب حروب يستحسن شعره إذا انتشر على ظهره يوم القتال وكانوا يفعلون ذلك تهويلا للعدو.
على فتًى معتقلٍ صعدةً ... يعلها من كل وافي السبال
يقال اعتقل الرمح وتنكب القوس وتقلد السيف إذا حمد كلا منها حمل مثلها والصعدة الرمح القصير ومعنى يعلها يسقيها الدم مرةً بعد أخرى من كل رجل تام السبلة وهي ما استرسل من مقدم اللحية يقول إنما يحسن شعري إذا كنت على هذه الحالة.
وقال في صباه وقد مر برجلين قد قتلا جرذا وابرزاه يعجبان الناس من كبره
لقد أصبح الجرذُ المستغيرُ ... أسير المنايا صريع العطب
المستغير الذي يطلب الغارة على ما في البيوت من المطعوم يقول أسرته المنايا وصرعه العطب والهلاك والجرذ جنس من الفأر.
رماهُ الكنانيُّ والعامريُّ ... وتلاهُ للوجه فعل العربْ
стр. 9
يقول رمى الجرذ حتى صاده هذان الرجلان اللذان احدهما من بني كنانة والآخر من بني عامر وصرعاه لوجهه كما تفعل العرب بالقتيل.
كلا الرجلينِ أتلى قتلهُ ... فأيكما غل حر السلب
يقول كلاهما تولى قتله أي اشتركتما في قتله فإيكما انفرج بسلبه وهو ما يسلب من ثياب المقتول وسلاحه وحرّة جيدة وغل أي خان وكل هذا استهزاءٌ بهما وكذلك قوله:
وأيكما كان من خلفِهِ ... فإنّ به عضةً في الذنبْ
وقال أيضا في صباه يهجو القاضي الذهبي
لما نسبت فكنت ابناً لغير أبِ ... ثمَّ اختبرت فلم ترجع إلى أدبِ
سميت بالذهبي اليوم تسميةً ... مشتقةً من ذهاب العقل لا الذهب
هذا البيت جواب لما في البيت الأول يقول لما لم يعرف لك أبٌ ولم يكن لك أدبٌ تعرف به سميت اليوم بالذهبي أي أن هذه النسبة مستحدثةٌ لك ليست بمورثةٍ واشتقاقها من ذهاب العقل لا من الذهب أي إنما قيل لك الذهبي لذهاب عقلك لا لأنك منسوبِ إلى الذهب.
ملقبٌ بك ما لقبتَ ويك به ... يا أيها اللقبُ الملقى على اللقب
يقول ما لقبت به ملقبٌ بك أي أنت شين لقبك وأنت بنفسك عارٌ له فلقبك ملقًى على لقبٍ أي على عارٍ وخزيٍ ويقال ويلك وويبك ثم يخفف فيقال ويك ومثل هذا الكلام لا يستحسن ولا يستحق التفسير ولا يساوي الشرح ولو طرح أبو الطيب المتنبي شعر صباه من ديوانه كان أولى به وأكثر الناس لم يرو هاتين القطعتين.
وقال أيضا يمدح إنسانا وأراد أن يستكشفه عن مذهبه
كُفّي أراني ويكِ لومكِ ألوما ... هم أقام على فوادٍ أنجما
يقول للعاذلة كفّي واتركي عذلي فقد أراني لومك ابلغ تأثيرا وأشد على هم مقيم على فواد راحل ذاهب مع الحبيب وذلك أن المحزون لا يطيق استماع الملام فهو يقول لومك اوجع في هذه الحالة فكفى ودعي اللوم وقال ابن جنى يقول أراني هذا الهم لومك أياي أحق بأن يلام منى وعلى ما قال الوم مبنى من الملوم وأفعل لا يبني من المفعول إلا شاذا وقال قوم الوم مع المليم وهو الذي استحق اللوم يقول لها اللهم أراني لومك ابلغ في الالامة واستحقاق اللوم وهذا في الشذوذ كما ذكره ابن جنى ويقال انجمت السماء إذا اقلعت عن المطر وانجم المطر أي أمسك ولا يقال أنجم الفواد ولا فواد مندم ولكنّه استعمله في مقابلة أقام على الصد ومعنى أراني عرفني واعلمني.
وخيال جسمٍ لم يخل له الهوى ... لحماً فيخله السقام ولا دما
نكر لجسمه الخيال ليدل به على دقته ونحوله فإن الخيال اسم لما يتخيل لك لا عن حقيقة وهو عطف على الهم في البيت الأول يقول لم يترك الهوى بجسمي محلا للسقم من لحم ودم فيعمل فيه.
وخفوق قلبٍ لو رأيت لهيبه ... يا جنتي لظننت فيه جهنما
الخفوق والخفقان اضطراب القلب واللهيب ما التهب من النار ويريد بلهيب قلبه ما فيه من حرارة الشوق والوجد وعنى بالجنة الحبيبة يقول لها لو رأيت ما في قلبي من حر الشوق والوجد لظننت أن جهنم في قلبي وانتقل من خطاب العاذلة إلى خطاب الحبيبة والقصة واحدة وإن أراد بالعاذلة الحبيبة لم يكن انتقالا ولكن الحبيبة لا تعذل على الهوى ألا ترى إلى قول البحتري، عذلتنا في عشقها أم عمرو، هل سمعتم بالعاذل المعشوقِ،
وإذا سحابة صد حبٍ أبرقت ... تركت حلاوة كل حبٍ علقما
استعار للصدود سحابا يقول إذا ظهرت مخائل الصدود زالت حلاوة الحب فصارت علقما وهو شجر مر يقال هو شجر الحنظل وأبرقت السحابة أظهرت برقها.
يا وجه داهية الذي لولاك ما ... أكل الضنا جسدي ورض الأعظما
قال ابن جنى داهية اسم التي شبب بها وقال ابن فورجة ليست باسم علمٍ لها ولكن كنى بها عن اسمها على سبيل التضجر لعظيم ما حل به من بلائها أي انها لم تكن إلا داهيةً على والوجه قول ابن جنى لتركك صرفها في البيت ولو لم تكن علما لكان الوجه صرفها يقول لوجه الحبيبة لولاك ما تسلط الهزال على جسدي وما دق عظمي والرض الدق والكسر ورضاض كل شيءٍ دقاقه والمعنى ما ضعفت حتى كأني كسرتْ عظامي
إن كان أغناها السلو فإنني ... أمسيتُ من كبدي ومنها معدما
стр. 10
يقول أن كان السلو أغناها عني فليست تحتاج إلى وصلي فإني قد عدمتها وعدمت كبدي لأن هواها أحرقها فأنا معدم منها ومن الكبد أي أنها سالية عني وأنا فقير إليها وروي ابن جنى مصرما قال وهو كالمعسر والعرب تقول كلا ينجع منه كبد المصرم يقول إذا رآه المصرم وهو الذي لا مال له حزن أن لا يكون له مال فيرعاه فاوجعته كبده.
غصنٌ على نقوى فلاةٍ نابتٌ ... شمسُ النهارِ تقل ليلا مظلما
يصف الحبيبة يقول هي غصن يعني قامتها نابت على رملي فلاة يعني ردفيها والنقا الرمل يثني على نقوين ووجهها شمس النهار تحمل من شعرها ليلا مظلما والاقلال حمل الشيء يقال أقل الشيء إذا حمله.
لم تجمع الأضدادُ في متشابهٍ ... إلا لتجعلني لغرمي مغنما
يعني بالاضداد ما ذكر من دقة قامتها وثقل ردفيها وبياض وجهها وسواد شعرها وهي على تضادها مجموعة متشابهة الحسن يقول لم تجمع هذه الاوصاف المتضادة في شخصٍ تماثل حسنه إلا لتجعلني هذه الاضداد غنما لغرمي أي لما لزمني من عشقها وهواها والمعنى إلا لتستعبدني وترتهن قلبي ويروى لم تجمع الاضداد على اسناد الفعل إلى الحبيبة.
كصفاتِ أوحدنا أبي الفضل التي ... بهرت فانطق واصفيهِ فافحما
شبه الاضداد بصفات الممدوح من كونه مُرًّا على الاعداء حلوا للاولياء وطلقا عند الندى جهما عند اللقاء وما اشبه هذه وبهرت وغلبت بظهورها كالشمس تبهر النجوم يعني أنها غلبت الواصفين فلم يقدروا على وصفها فانطق واصفيه لأنهم راموا وصفه ووصف محاسنه ثم أفحمهم بعجزهم عن ادراكه والمفحم الذي لا يقول الشعر والإفحام ضد الإنطاق ويجوز أن يكون التشبيه في الصفات للجمع أي لجمع صفات الممدوح.
يعطيك مبتدئا فإن أعجلته ... أعطاك معتذرا كمن قد أجرما
التعظم أظهار العظمة وضده التواضع وهو أن يظهر الضعة من نفسه ووضع أبو الطيب التواضع موضع الضعة والخساسة كما وضع التعظم موضع العظمة يقول يرى شرفه وارتفاع رتبته في تواضعه واتضاعها في تكبره والمعنى يرى العظمة في أن يتواضع ويرى الضعة في أن يتعظم أي فليس يتعظم.
نصر الفعال على المطال كأنما ... خال السؤال على النوال محرما
الفعال بفتح الفاء يستعمل في الفعل الجميل والمطال المماطلة وهي المجافعة ولو روى المقال كان أحسن ليكون في مقابلة الفعال يقول نصر فعله على القول وعطاءه على المطل أي يعطى ولا يعد ولا يماطل كأنه ظن أن السؤال حرام على النوال ولا يحوج إلى السؤال بل يسبق بنواله السؤال وهذا مجازٌ وتوسع لن النوال لا يوصف بأنه يحرم عليه شيءٌ ولكنه أراد أن يذكر تباعده عن الانجاء إلى السؤال.
يا ايها الملك المصفى جوهراً ... من ذات ذي الملكوت أسمى من سما
يريد بالجوهر الاصل والنفس وذت ذي الملكوت هو الله تعالى يقول أيها الملك الذي خلص جهوراً أي اصلا ونفسا من عند الله أي الله تعالى تولى تصفية جوهره لا غيره فهو جوهر مصفى من عند الله تعالى وهذا مدح يوجب الوهم والفاظٌ مستكرهة في مدح البشر وذلك أنه أراد أن يستكشف الممدوح عن مذهبه حتى إذا رضى بهذا فقد علم أنه ردي المذهب وإن أنكر علم أنه حسن الاعتقاد وأسمى من سما من صفات ذي الملكوت وابن جنى يجعله للممدوح لأنه قال هو منادي كأنه قال يا أعلى من علا قال ويجوز أن يكون موضعه رفعا كأنه قال أنت أعلى من علا.
نور تظاهر فيك لاهوتيه ... فتكاد تعلم علم ما لم يعلما
تظاهر وظهر بمعنى ويجوز أن يكون بمعنى تعاون أي أعلن بعضه بعضا ولاهوتيه الهيه وهذه لغة عبرانية يقولون لله تعالى لاهوت وللأنسان ناسوت يقول قد ظهر فيك نور الهي تكاد تعلم به الغيب الذي لايعلمه أحد إلا الله وقال ابن جنى نصب لاهوتية على المصدر ويجوز أن يكون حالا من الضمير الذي في تظاهر وهذا خطا في الرواية واللفظ لأن النور فظ مذكر ولا تؤنث صفته.
ويهم فيك إذا نطقت فصاحةً ... من كل عضوٍ منك أن يتكلما
أي ويهم ذلك النور الآلهي لظهوره أن يتكلم وينطق من كل عضو من أعضائك بخلاف سائر الناس الذين لا ينطقون إلا من أفواههم جعل ظهوره في كل عضو منه نطقا والمعنى لفصاحتك يفعل النور ذلك فيك.
أنا مبصر وأظن أني نائم ... من كان يحلم بالآله فأحلما
стр. 11
يقول أنا أبصرك وأظن أني أراك في النوم وإنما قال هذا استعظاما لرؤيته كما قال، أحلما نرى أم زمانا جديداً، وذلك أن الإنسان إذا رأى شيئاً يعجبه وأنكر رؤيته يقول أرى هذا حلما أي أن مثل هذا لا يرى في اليقظة وهذا كما قال الآخر، أبطحاء مكة هذا الذي، أراه عيانا وهذا أنا، استفهم متعجبا مما رأى ثم حقق أنه يراه يقظان لا نائما بباقي البيت والمعنى لايحلم أحد برؤية الله تعالى ولا يراه في النوم أحدق حتى أرى أنا أي كما لا يرى الله تعالى في النوم كذلك لا ترى أنت وهذه مبالغة مذمومة وافراط وتجاوز حد ثم هو غلط في انكار رؤية الله تعالى في النوم فإن الاخبار قد تواتر بذلك ونكر المعبرون حكم تلك الرؤيا في كتبهم وروى أن ملكامن الملوك رأى في نومه أن الله تعالى قد مات وقص رؤياه على المعبرين فلم ينطقوا فيها بشيء استعظاما لما رأى حتى قال من كان أعلمهم تأويل رؤياك أن الحق قد مات في بلدك لظلمك وجورك وذلك أن الله تعالى هو الحق فعلم الملك أنه كما قال فرجع عن ظلمه وتاب.
كبر العيان على حتى إنه ... صار اليقين من العيان توهما
هذا البيت تأكيد لما ذكرنا في البيت الأول يقول عظم على ما أعاينه من الممدوح وحاله حتى شككت فيما رأيت إذ لم أر مثله ولم اسمع به حتى صار المعاين كالمتوهم المظنون الذي لايرى والصحيح رواية من روى إنه بكسر الالف لأن ما بعد حتى جملة وهي لا تعمل في الجمل كما تقول خرج القوم حتى إن زيدا خارج ومن روى أنه بفتح الالف كان خطأَ.
يا من لجود يديه في أمواله ... نقم تعود على اليتامى أنعما
يقول جودك يفرق مالك كأنه ينتقم منه كما ينتقم من العدو باهلاكه وتلك النقم في اموالك نعم على الأيتام لان التفريق فيهم ولو روى على البرايا كان أعم وأشمل لان الايتام مقصور على نوع من الناس.
حتى يقول الناس ماذا عاقلاً ... ويقول بيت المال ماذا مسلما
يقول يفرط في جوده حتى ينسبه الناس إلى الجنون ويقول بيت المال ليس هذا مسلما لأنه فرق بيوت أموال المسلمين ولم يدع فيها شيئاً ومثله قول ابي نواس، جدت بالأموال حتى، قيل ما هذا صحيح، وقال ايضا، جاد بالأموال حتى، حسبوه الناس حمقاً، وقول الطائي، ما زال يهذي بالمكارم والندى، حتى ظننا أنه محموم، وهذا معنى باردٌ وقد زاده الطائي فسادا واصل هذا المعنى من قول عبيد بن أيوب العنبري، ما كان يعطي مثلها في مثله، إلا كريم الخيم أو المجنون.
إذكار مثلك ترك إذكاري له ... إذ لا تريد لما أريد مترجما
يقال انكرته كذا بمنزلة ذكرته والمترجم المعبر عن الشيء مثل الترجمان يقول إذا تركت انكاري لك حاجتي فهو انكار مثلك لأنك تعلم ما أريد فلا تحتاج إلى من يترجم لك عما في ضميري والمعنى من قول أبي تمام، وإذا الجود كان عوني على المرء تقاضيته بترك التقاضي وقال أيضا في صباه.
محبي قيام ما لذالكم النصل ... بريا من الجرحى سليماً من القتل
قال ابن جنى معناه يا من يحب مقامي وترك الاسفار كيف اقيم ولم أجرح بنصلي اعدائي والقيام على ما قال الوقوف وترك الحركة من قولهم قامت الدابة إذا وقفت وقام الماء وجمع الكناية في ذلكم لأنه خاطب الجماعة والصحيح أن القيام هنا قيام إلى الشيء أو بالشيء يقول أيها المحبون قيامي إلى الحرب أو بالحرب ما لنصلكم لا يقتل ولايجرح وليس فيه آثار الضرب أي لم لا تعينونني بالسيف إن أحببتم قيامي.
أرى من فرندى قطعةً في فرنده ... وجودة ضرب الهام في جودة الصقل
الفِرند يروى بفتح الراء وكسرها وهو معرب ومعناه ما يستدل به على جودة الحديد كالآثار والنقط يقول أرى من قوتي ونشاطي قطعة في فرند هذا السيف أي له حدةٌ ومضاءٌ كحدتي ومضائي ثم قال وجودة الضرب في جودة الصقل أي إذا لم يكن السيف جيد الصقل لم يجد به الضرب ومن نصب جودة فمعناه أرى جودة الضرب في جودة صقل السيف أي قد أجيد صقله ليجود به الضرب.
وخضرةُ ثوبِ العيش في الخضرةِ التي ... أرتك أحمرار الموت في مدرج النمل
стр. 12
خضرة ثوب العيش استعارة من خضرة النبات والنبات إذا كان أخضر كان رطبا ناعما وقوله في الخضرة يعني خضرة السيف ويحمد من السيف ما كان مشربا خضرةً كما قال الشاعر، مهند كأنما طباعه، أشربه بالهند ماءَ الهندبا، وقال البحتري، حملت حمائله القديمة بقلة، من عهد عادٍ غضةً لم تذبل، وأحمرار الموت شدته يقال موت أحمر أي شديد واصله من القتل وسيلان الدم وقال على رضى الله عنه كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله ﷺ أي إذا اشتد ومنه حمارة القيظ ومدرج النمل مدبه وهو حيث درج فيه بقوائمه فاثر فيه آثارا دقيقة جعل للنصر مدرج النمل لما فيه من آثار الفرند يقول طيب العيش في السيف أي في استعماله والضرب به.
أمط عنك تشبيهي بما وكأنه ... فما أحدٌ فوقي وما أحدٌ مثلي
الإماطة الدفع والتنحية وحكى ابن جنى عن أبي الطيب أنه كان يقول في تفسير بما وكأنه أن ما سبب للتشبيه لأن القائل إذا قال لآخر بم تشبه هذا قال له المجيب كأنه الأسد أو كأنه الأرقم فجاء المتنبي بحرف التشبيه وهو كأن وبلفظ ما التي كانت سؤالا فأجيب عنها بكأن فذكر السبب والمسبب جميعا وسمعت أبا افضل العروضي يقول ما وإن لم يكن للتشبيه فإنه يقال ما هو إلا الأسد فيكون أبلغ من قولهم كأنه الأسدُ يقول المتنبي لا تقل لي ما هو إلا كذا أو كأنه كذا لنه ليس فوقي أحد ولا مثلي أحد فتشبهني به وهذا قول القاضي أبي الحسن عليّ بن عبيد العزيز حكاه من ابي الطيب فيقول ما يأتي لتحقيق التشبيه تقول ما عبد الله إلا الأسد كما قال لبيد، وما المرء إلا كالشهاب وضوئه يعود رماداً بعد إذ هو ساطع، وليس ينكر أن ينسب التشبيه إلى ما إذا كان له هذا الأثر وقال ابن فورجة هذه ما التي تصحب كانما إذا قلت كأنما زيد الاسد ألا تراها صارت بكثرة الاستعمال مع كان كالمتحدة وكان الاستاذ أبو بكر يقول ما ههنا اسم بمعنى الذي ومعناه أن يقال لم يشبه بالبحر كأنه ما هو نصف الدنيا يعنون البحر لأن الدنيا برٌ وبحرٌ ويقولون كأنه ما هو سراج الدنيا يعنون الشمس والقمر كأنه ما أبصر بها وهي العين فلما كانوا يكثرون لفظ ما في المشبه به ذكره المتنبي مع كأن أيضا.
فذرني وإياه وطرفي وذابلي ... نكن واحداً يلقى الورى وأنظرن فعلي
وإياه يعني النصل والطرف الفرس الكريم والذابل ما لان واهتز من الرماح يقول دعني وهذا السيف وفرسي ورمحي حتّى نجتمع فنكون في رأي العين شخصا واحداً يلقى الورى أي نحاربهم فانظر بعد ذلك إلى ما أفعله من قتل الاعداء وإذا قلت يلقى بالياء كان من صفة النكرة ويكون بالرفع وإذا قلت بالنون قلت نلق بالجزم لأنه بدل من نكون قال ابن جنى وقد لاذ في هذا البيت بلفظ ذي الرمّة ومعناه في قوله، وليلٍ كجلبابِ العروسٍ أدرعته، بأربعةٍ والشخص في العين واحدُ، أحمُّ علافيٌّ وأبيضُ صارمٌ، وأعيس مهريٌّ وأروع ماجدُ وقال في صباه أيضا:
إلى أيِّ حينٍ أنتَ في زيِّ مُحرمِ ... وحتى مت في شقوةٍ وإلى كمِ
زي المحرم العري لأنه لا يلبس المخيط يقول إلى متى أنت عريان شقيّ بالفقر وكم معناه الاستفهام عن العدد إلى أي عدد من أعداد الزمان من السنين والشهور والأيام ويجوز أن يريد أن المرحم لا يصيب شيئاً ولا يقتل صيداً فهو يقول حتى متى أنا كالمحرم من قتل الأعداء وهو الوجه.
وإلا تمت تحت السيوف مكرما ... تمت وتقاسي الذل غير مكرمِ
هذا حث منه على الحرب وطلب العز يقول إن لم تقتل في الحرب كريماً مت غير كريم في الذل ولاهوان أي فلأن تصبر على شدة الحرب خيرٌ من أن تهرب ثم لا تنجو من الموت في الذلّ.
وثب واثقاً باللهِ وثبةَ ماجدٍ ... يرى الموت في الهيجا جنى النحلِ في الفمِ
جنى النحل ما يجتني من خلاياها من العسل يقول بادر إلى الحرب بدار شريفٍ يستحلي الموت كما يستحلي العسل.
وقال في صباه في الشامية يمدح سعيد بن عبد الله بن الحسين الكلابي
أحيي وأيسرُ ما قاسيتُ ما قتلا ... والبينُ جارَ على ضعفي وما عَدَلا
أخبر عن نفسه بالحياة مع أن أقل ما يقاسيه من شدائد الهوى قاتلٌ يقول أقل واهون ما قاسيت قاتلٌ وأنا من ذلك أحيا والفراق جار على ضعفي حين فرق بين وبين احبتي وكنت ضعيفا بمقاساة الهوى ولم يعدل حين ابتلاني ببعدهم.
стр. 13
والوجد يقوى كما تقوى النوى أبدا ... والصبر ينحلُ في جسمي كما نحلا
يقول الحزن يزداد قوة كما يزداد البعد كل يوم والصبر يضعف ويقل كما يضعف الجسم.
لولا مفارقة الأحباب ما وجدت ... لها المنايا إلى أرواحنا سبلا
يقول لولا الفراق لما كان للمنية طريق إلى ارواحنا أي إنما توصلت إلينا بطريق الفراق وهذا من قول أبي تمام، لو حار مرتادُ المنيةِ لم يجد، إلا الفراق على النفوس دليلا،
بما بجفنيك من سحرٍ صلى دنفاً ... يهوى الحياة وأما إن صددت فلا
الدنف والدنف المريض المدنف يقول أقسم عليك بما بجفنيك من سحر صلى مريضا يحب الحياة في وصالك فإن هجرت وأعرضت فليس يحب الحياة وعنى بسحر جفنيها أنها بنظرها تصيد القلوب وتغلب عقول الرجال حتى كأنها سحرتهم وقوله يهوى الحياة ويجوز بغير ياء على الجواب للأمر ويجوز بالياء على نعت النكرة والمعنى من قول دعبل، ما أطيبَ العيشَ فأما على، أن لا أرى وجهكِ يوماً فلا، لو أن يوما منكِ أو ساعةً، تباعُ بالدنيا إذن ما غلا،
إلا يشب فلقد شابت له كبدٌ ... شيباً إذا خضبتهُ سلوةٌ نصلا
يقول إن لا يشب هذا الدنف يعني نفسه لأنه شابّ فلقد شابت كبده لشدة ما يقاسي من حرارة الوجد والشوق فإن خضبت السلوة ذلك الشيب ذهب ذلك الخضاب ولم يبق لان سلوته لا تبقى ولا تدوم فإذا زال السلوة زال خضاب كبده وعاد الشيب وهذا من قول أبي تمام، شاب رأسي وما رأيتُ مشيبَ الرأس إلا من فضل شيبِ الفؤادِ، وهذا مما استقبح من استعارته والمتنبي نقل شيب الفؤاد إلى الكبد.
يجن شوقاً فلولا أن رائحة ... تزوره في رياحِ الشرقِ ما عقلا
يقول هذا الدنف يصير مجنونا من شدّة شوقه فلولا أنه يجد رائحة من حبيبة إذا هبت الرياح من ناحية المشرق لما كان له عقل ولكن يخف جنونه إذا وجد رائحة حبيبه.
ها فأنظري أو فظني بي ترى حرقا ... من لم يذق طرفاً منها فقد وألا
ها تنبيه ويجوز أن يكون اشارة يقول ها أنا ذا فانظري إليّ أو فكري في أن لم تنظري فظني بي أي فاستعملي فيّ الرؤية أو الرويّة ترى بي حرقا من حبك من لم يجرب القليل منها فقد نجا من بلاء الحب يقال وأل يئل وألا إذا نجا والنصف الآخر من البيت وصفٌ لما ذكر من الحرق وقد أجمل المتنبي ما فصّله البحتري في بيتين من قوله، أعيدي في نظرة مستثيبٍ، توخي الأجر أو كره الأثاما، ترَى كبداً محرقة وعينا، مؤرقةً وقلبا مستهاما،
علَّ الأمير يرى ذُلَي فيشفع لي ... إلى التي تركتني في الهوى مثلا
علّ بمعنى لعلّ ويشفع بالرفع عطف على يرى وبالنصب على جواب التمني يقول لعل الممدوح يرى ما أنا فيه من ذل الهوى فيكون شفيعا لي إلى الحبيبة التي جعلتني يضرب بي المثل في العشق لتواصلني بشفاعته والمعنى من قول أبي نواس، سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالدٍ، هواها لعل الفضل يجمع بيننا، وهذا احسن من قول المتنبي لأن الجمع بينهما يمكن بأن يعطيه من المال ما يتوصل به إلى محبوبته والشفاعة تكون باللسان وذلك نوع من القيادة على أني سمعت العروضي يقول سمعت الشعراني يقول لم اسمع المتنبي ينشده إلا فيشفعني من قولهم كان وتراً فشفعته بآخر وإلى آخر أي صيرته شفعاً فيكون كما قال أبو نواس.
أيقنتُ أنَّ سعيداً طالبٌ بدمي ... لما بصرتُ به بالرمحِ معتقلا
يقول علمت يقينا أنا الممدوح يطلب بدمي إن سفكته الحبيبة ويأخذ منها ثأري لما رأيته قد حمل رمحه معتقلا عند توجهه إلى قتال الاعداء يعني أنه يدرك ثأر أوليائه ولا يضيعه والاعتقال أن يحمل الرمح بين ساقه وركابه وهذا من قول المؤمل بن أميل، لما رمت مهجتي قالت لجارتها، لقد قتلتُ قتيلا ما له خطر، قتلتُ شاعر هذا الحي من مضرٍ، واللهِ واللهِ ما ترضى به مضر،
وأنني غير محصٍ فضل والدهِ ... ونائلٌ دون نيلي وصفهُ زحلا
ويروي فضل نائله وهو العطاء يقول علمت يقينا أني لا أقدر على عدّ عطائه لكثرته وإني أنال وادرك زحل قيل أن اقدر على وصف عطائه أو وصف فضل والده وإنما خص زحل من النجوم لأنه أبعد الكواكب السيارة من الأرض فيما يقال ولذلك سُمّي زحل لأنه زحل أي بعُد وتنحّى وهو معدول عن زاحل مثل عُمَرَ من عامر.
قيلٌ بمنبجَ مثواهُ ونائلهُ ... في الأفق يسأل عمن غيره سألا
стр. 14
القيل الملك بلغة حمير ومنبج بلدة بالشام والمثوى المنزل والمقام يقول هو مقيم بهذا البلد وعطاؤه يطوف في الآفاق يسأل عمن يسأل غيره من الناس والمعنى أن عطاءه يأتي من لم يسأله ويسأل غيره وهذا من قول أبي العتاهية، وإن نحن لم نبغ معروفهُ، فمعروفه أبداً يبتغينا، وقال الطائي، فأضحت عطاياه نوازع شرداً، تسائلُ في الآفاق عن كل سائلِ، وقوله ايضا، وفدت إلى الآفاق من معروفِهِ، نعمٌ تسائلُ عن ذوي الإقتارِ، وقوله أيضا، فإن لم يفد يوما اليهن طالبٌ، وفدن إلى كل أمرءِ غير وافدٍ، وأخذ السريّ هذا المعنى فقال، بعثَ الندى في الخافقين مسائلاً عن كل سائلْ،
يلوح بدرُ الدُجى في صحن غرتِهِ ... ويحمل الموتُ في الهيجاء إن حملا
يقول وجهه يضيء كالبدر في ظلام الليل إذا صال على أعدائه ليقاتلهم فإن الموت يصول معه عليهم فيقتلهم.
ترابهُ في كلابٍ كحلُ أعينها ... وسيفهُ في جنابٍ يسبقُ العذلا
أي أن كلابا وهم قبيلة الممدوح لحبهم إياه يكتحلون بترابه الذي مشى عليه وسيفه في جناب وهم قبيلة عدوه يسبق العذل أي ملامة من يلومه في قتلهم وهذا مثلٌ يقال سبق السيفُ العذل قاله رجل قتل في الحرم فعذل على ذلك فقال سبق سيفي عذلكم أياي أي لا ينفع اللوم بعد القتل وروى ههنا بيت منحول وليس في الروايات وهو.
مهذّ! بُ الجدِّ يستسقي الغمام به ... حلوٌ كأن على أخلاقِهِ عسلا
يقول هو طيب الأصل لأن جدّه كان مبرأ من العيوب وهو مباركٌ يستنزل به القطر من الغمام فيسقي الله به وهو عذب الاخلاق يستحلي خلقه كأنه معسولٌ ممزوجق بالعسل.
لنورهِ في سماءِ الفخرِ مخترقٌ ... لو صاعدَ الفكر فيه الدهر ما نزلا
الفكر بالفتح مصدر وبالكسر اسم واستعار للفخر سماءً لعلوّ الفخر وارتفاعه يقول له نورٌ يصعد في سماء الفخر لو صعد فكر واصفه في ذلك السماء طول الدهر ما نزلا لأنه يبقى يرقى على أثر ذلك النور فلا يلحقه والمخترق موضع الاختراق ويريد به المصعد في الهواء كأنه يشقّ الهواء شقا ويريد بالنور ما اشتهر وسار في الناس من ذكره وصيتهِ أي أنه عالٍ علوا لا يدرك بالوهم والفكر.
هو الأميرُ الذي بادت تميم به ... قدما وساق إليها حينها الأجلا
بادت هلكت وفنيت ولم يصرف تميما لأنه ذهب به إلى أسم القبيلة فاجتماع فيه التعريف والتأنيث يقول هو الذي كان سبب هلاكهم وعلى يده كان ذلك وساق إليه حينها آجالهم هذا وجه الكلام لأن الأجل يسوق الحين ولكنه قلب فجعل الحين يسوق الأجل وهو جائزٌ لقرب أحدهم من الآخر لأن الأجل إذا تم وانقضى حصل الحين فكان كل واحد منهما سائق للآخر وقدما معناه قديما وهو نصبٌ لأنه نعت ظرف محذوف على تقدير بادت به زمانا قديما.
لما رأته وخيل النصر مقبلةٌ ... والحربُ غير عوانِ أسلموا الحللا
الحرب العوان التي قوتل فيها المرة بعد المرة والحلل جمع الحلة وهي المنازل التي حلوها يقول لما رأت تميم الممدوح وخيله المنصورة قد أقبلت عليهم ولم يقاتلوا بعدُ تركوا منازلهم وهربوا في أول الأمر.
وضاقت الأرضُ حتى كان هاربهم ... إذا رأى غير شيءٍ ظنه رجلا
стр. 15
يقول لشدة ما لحقهم من الخوف ضاقت عليهم الأرض فلم يجدوا مهربا كقوله تعالى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وهاربهم إذا رأى غير شيءٍ يعبأُ به أو يفكر في مثله ظنه إنسانا يطلبه وكذا عادة الهارب الخائف كقول جرير، ما زلت تحسبُ كل شيءٍ بعدهمْ، خيلاً تكثر عليهم ورجالاً، قال أبو عبيدة لما أنشد الأخطل قول جرير فيه هذا قال سرقه والله من كتاب الله تعالى يحسبون كل صيحةٍ عليهم الآية ويجوز حذف الصفة وترك الموصوف دالا عليها كما روى في الحديث لا صلوة لجارِ المسجد إلا في المسجد أجمعوا على أن المعنى لا صلاة فاضلةٌ كاملةٌ ويقولون هذا ليس بشيءٍ معناه ليس بشيءٍ جيدٍ أو ليس بشيءٍ يعبأُ به وقال بعض المتكلمين إن الله خلق الأشياء من لا شيءِ فقيل هذا خطأ لأن لا شيئا لا يخلق منه شيءٌ ومن قال أن الله تعالى يخلق من لا شيءٍ جعل لا شيءَ شيئاً يخلقُ منه والصحيح أن يقال يخلق لا من شيء لأنه إذا قال لا من شيءٍ نفى أن يكون قبل خلقه شيءٌ يخلق منه الأشياء وكان الأستاذ أبو بكر يقول رأى في هذا البيت من رأى القلب لا من رأى العين يريد به التوهم وغير الشيء يجوز أن يتوهم ولا يجوز أن يرى ومثل هذا في المعنى قول العوام بن عبد بن عمرو، ولو أنها عصفورةٌ لحسبتها، مسومةً تدعو عبيداً وأزنما،
فبعده وإلى ذا اليوم لو ركضت ... بالخيل في لهواتِ الطفلِ ما سعلا
أي بعد الأمير أو بعد اليوم الذي بادت فيه أو بعد اسلامهم الحلل إلى اليوم الذي نحن فيه لو ركضت بنو تميم خيلهم في لهوات صبيّ صغير لما شعر بهم حتى يسعل لقلتهم وذلتهم وقد بالغ رحمه الله تعالى حتى احال.
فقد تركتَ الأولى لاقيتهم جزراً ... وقد قتلتَ الأولى لم تلقهم وجلاً
الأولى بمعنى الذين والجزر ما ألقى للسباع ومنه قول عنترة، فتركته جزر السباعِ ينشنه، ويقال ما كانوا إلا جزرا لسيوفنا أي الذين نقتلهم نلقيهم للسباع يقول الذين قاتلتهم القيتم للسباع والذين لم تقاتلهم قتلتهم بالخوف منك.
كم مهمةٍ قذفٍ قلب الدليلِ به ... قلبُ المحب قضاني بعد ما مطلا
المهمة ما اتسع من الأرض والقذف البعيد جعل قلبَ من يدلهم على الطريق في هذا المهمة قلب العاشق لاضطرابه وخوفه من الهلاك وقوله قضاني بعد ما مطلا أي قطعته بعد ما طال فيه السير وهذا استعارةٌ لأن المهمة كالمطلوب منه انقطاعه بالمسير فيه وهو بطوله وتأخر انقطاعه كالماطل بما يقتضي منه.
عقدت بالنجم طرفي في مفاوزه ... وحر وجهي بحرِ الشمس إذا أفلا
يقول كنت أنظر إلى النجوم متصلا مخافة الضلال يعني بالليل وإلى الشمس أي بالنهار إذا أفل النجم ولدوام نظره إلى النجم جعل ذلك عقدا للطرف به حتى لا يصرف عنه بصره وحرّ الوجه الوجنة واشرف موضع في الوجه وإنما يهتدي في الفلاة إلى الطريق ليلاً بالنجم ونهاراً بالشمس.
أنكحتُ صمَّ حصاها خف يعملةٍ ... تغشمرت بي إليك السهلَ والجبلا
الصم الصلاب الشداد من كل شيء واليعملة الناقة القوية لأنها تعمل السير وتغشمرت تعسفت وركصت على غير قصدٍ يقول اوطأت خف ناقتي حجارةَ المفاوز حتى وطئتها وسارت بي إليك في السهل والجبل على غير الطريق.
لو كنتَ حشوَ قميصي فوقَ نمرقها ... سمعتَ للجن في غيطانها زجلا
حشو الشيء ما في باطنه والنمرق وسادة يعتمد عليها الراكب والغيطان جمع الغائط وهو المطمئن من الأرض والزجل الصياح والجلبة يقول لو كنت بدلي في قميصي فوق نمرق ناقتي سمعت أصوات الجن من منخفضات هذه المفاوز أي أنها مساكن الجن لبعدها من الإنس والعرب إذا وصفت المكان بالبعد جعلته مساكن الجن كما قال الأخطل، ملاعبُ جنانٍ كأن ترابها، إذا أطردت فيها الرياح مغربلُ، وبيت المتنبي من قول ذي الرمّة، للجنب بالليل في حافاتها زجلٌ، كما تجاوب يوم الريح عيشوم،
حتى وصلتُ بنفسٍ مات أكثرها ... وليتني عشت منها بالذي فضلا
مات أكثرها ذهب أكثر لحمها وقوتها لما قاست من هول الطريق وشدته ثم تمنى أنه يعيش بما بقي من نفسه ليقضي حق خدمة الممدوح.
أرجوا نداك ولا أخشى المطالَ به ... يا من إذا وهبَ الدنيا فقد بخلا
стр. 16
يقول لو وهبت الدنيا بأسرها كنت بخيلا لأن همتك في الجود توجب فوق ذلك والدنيا كلها لو كانت هبةً لك كانت حقيرةً بالإضافة إلى همتك وهذا كقول حسان، يعطى الجزيل ولا يراه عنده، إلا كبعض عطيةِ المذمومِ.
وقال أيضا في صباه
كم قتيلِ كما قتلتُ شهيدِ ... ببياض الطلا ووردِ الخدودِ
يقول كم قتيل مثلي شهيد ببياض الاعناق وحمرة الخدود أي كان سبب قتله حب الاعناق البيض والخدود الحمر وجعل قتيل الحب شهيداً لما روى في الحديث أن من عشق فعفّ وكفّ وكتم فمات مات شهيداً ويروي لبياض الطلا على معنى كم قتيل له.
وعيون المها ولا كعيونٍ ... فتكت بالمتيم المعمودِ
المها جمع مهاة وهي بقرة الوحش وتشبه عيون النساء بعيونها في حسنها وسعتها وفتكت قتلت بغتةً والمتيم الذي قد استبعده الحب والمعمود الذي قد هدّه الحب وكسره يقال عمده الحب يعمده يقول كم قتيلٍ قُتل بعيون أحبائه التي هي كعيون المها وليست تلك العيون التي هي قتلته كالعيون التي قتلتني وفتكت بي وعني بالمتيم المعمود نفسه.
دَرَّ دَرُّ الصبي أَأَيامَ تجري ... رِ ذُيولي بِدارِ الاثلة عودي
يقال لمن دعي له درّ درُّه أي كثر خيره ولا درّ درُّه لمن دُعي والدر اللبن الذي يجعل مثلا للخير لأن خصب العرب وسعة عيشهم فيه وهذا دعاءٌ للصبي وقال ابن جنى در درّه أي اتصل ما يعهد منه وهذا قولٌ فاسدٌ ليس بشيءٍ ثم خاطب أيام فقال أَأَيّام تجرير ذيولي أي يا أيام لهوى وجرُّ الذيول كنايةٌ عن النشاط واللهو لأن النشوان والنشيط يحمرّ ذيوله ولا يرفعها ودار الاثلة موضع بظهر الكوفة وعلى هذه الرواية تحذف الهمزة وتنقل حركتها إلى الساكن قبلها ومن روى بغير الألف واللام فهي كالأولى إلا أنها لم تعرف والأثلة شجرةٌ من جنس الطرفاء بتمنّى عود تلك الأيام.
عمرك اللهَ هل رأيت بدوار ... طلعت في براقعٍ وعقودِ
أي أسأل الله تعالى عمرك أي أن يعمرك يخاطب صاحبه هل رأيت بدورا تلبس البراقع والحلى يعني نساءً جعلهنَ بدورا في الحسن ويروي بدورا قبلها أي قبل تلك الأيام التي كنّا بدار الأثلة.
رامياتٍ بأسهمٍ ريشها الهد ... بُ تَشقُّ القلوبَ قبل الجلود
يريد بالاسهم لحظاتهن ولمّا سمّاها اسهما جعل الاهداب ريشا لأن بالريش تقوى السهام كذلك لحظاتهن إنما تنفذ إلى القلوب بحسن اشفارهن وأهدابهن أي أنّها تصل إلى القلوب قبل أن تصل إلى الجلود وهذا من قول كثير، رمتني بسهمٍ ريشهُ اللحل لم يصب، ظواهر جلدي وهو في القلب جارح، ومثله قول جميل، بأوشك قتلاً منك يوم رميتني، نوافذَ لم يعلمْ لهن خروقُ.
يرتشفن من فمي رشفاتٍ ... هن فيه أحلى من التوحيدِ
ويروى أحلى من التأييد يقال رشفت الريق وترشفته إذا مصصته يقول كن يمصصن ريقي لحبهن أياي كانت تلك الرشفات أحلى في فمي من كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله وهذا افراطٌ وتجاوز حدٍّ.
كال خمصانةٍ أرقُّ من الخم ... رِ بقلبٍ أقسى من الجلمود
الخمصانة الضامرة البطن وعنى برقتها نعومتها وصفاء لونها وقوله بقلب أي مع قلب أصلب من الحجر يقول اجسامهن ناعمة وقلوبهن قاسية.
ذات فرعٍ كأنما ضرِب العن ... برُ فيه ماءِ وردٍ وعودِ
الفرع شعر الرأس يريد أن شعرها طيب الرائحة فكأنه خلط بهذه الأنواع من الطيب ويقال أن العود إنما تفوح رائحته عند الإحتراق ولا تطيب الشعر إذا خلط بالعود قيل أراد ضرب العنبر فيه بماء الورد ودخن بعود وحذف الفعل الثاني كقوله، علفتها تبنا وماءً بارداً، وكقول الآخر، ورأيتُ بعلك في الوغى، متقلداً سيفاً ورمحا، ومثله كثير.
حالكٍ كالغدافِ جثلٍ دجوج ... يٍّ أثيثٍ جعدٍ بلا تجعيدِ
الحالك الشديد السواد والغداف الغراب الأسود والجثل الكثير النبات ويقال جثل بين الجثولة ومثله الأثيث والدجوجي كالحالك وليس من لفظ الدجى لأنه مضاعف يقول هو جعد من غير ان جعد.
تحملُ المِسكُ من غدائرها الري ... حُ وتفتر عن شتيتٍ برودِ
الغدائر جمع غديرة وهي الذؤابة وتفتر تضحك وتكشف بابتسامها عن ثغر شتيت أي متفرق على استواء نبته كما قال الأعشى، وشتيتٍ كالأقحوان جلاه الطلُّ فيه عذوبةٌ واتساقُ، والبرود البارد الريق ومن روى غدائره أراد غدائر الفرع.
стр. 17
جمعتْ بين جِسمِ أحمدَ والسق ... مِ وبين الجفونِ والتسهيد
هذه مهجتي لديك لحيني ... فانقصى من عذابها أو فريدي
سلم لها الأمر وقال لها بيدك روحي وإنما ذلك لهلاكي فإن شئت فانقصي من عذابها بالوصل وأن سئت زيديها عذابا بالهجر والمهجة دم القلب ويوضع موضع الروح لأن النفس لا ترقى دونها.
أهلُ ما بي من الضني بطلٌ صي ... دَ بتصفيفِ طرةٍ وبجيد
أهل ابتداءٌ وبطل خبره والبطل الشجاع الذي يبطل عنده دماء الأقران والطرة شعر الجبهة وتصفيفها تسويتها من الصف وهذا البيت علة لِما ذكره في البيت الذي قبله يقول افعلي بي ما شئت فإن أهل لذلك ومستحقّ له لأن الرجل الشجاع إذا صادته المرأة بتصفيف شعرها وحسن عنقها فهو أهل لما حلَّ به من ذلك ويحتمل أنه إنما قال هذا المتشفي من نفسه بهذا الكلام والعذل لها على العشق يقول أنا أهل لِما بي من الضني لأني بطل صيد بِما ذكر وقال ابن جنى أي أنا أهل ذلك وحقيق بذلك لحسن ما رأيت وأنا بطلٌ صيد بتصفيف طرة وبجيد هذا كلامه وهو على بعده محتمل.
كلُّ شيءٍ من الدمآءِ حرامٌ ... شربهُ ما خلا دمَ العنقودِ
يريد بدم العنقود الخمر لأنها تخلّب منه كما يسيل الدم من المقتول وليس الأمر على ما قال فإن شرب الخمر لا يحل إلا أن يريد بدم العنقود العصير أو ما لا يسكر من المطبوخ.
فاسقنيها فدىً لعينيك نفسي ... من غزالٍ وطارفي وتليدي
أنت الكناية لأنه أراد بالدم الخمر والطارف والمطرفِ والطريف والمستطرف كله ما استحدث من الأموال والتليد والتالد والتلاد والمتلد ما كان دقيما عند صاحبه وقوله من غزال تخصيصٌ له بالفداء من جملة الغزلان ومثله افديك من رجل.
شيبُ رأسي وذلتي ونحولي ... ودموعي على هواك شهودي
أي يومٍ سررتني بوِصالٍ ... لم ترعني ثلاثةً بصدودِ
الصحيح رواية من روى هواك بفتح الكاف لأن الخطاب للمذكر في قوله فاسقنيها يريد في أي يوم نصبه على الظرف يقول لم تصلني يوما إلا واعرضت عني ثلاثةَ أيامٍ
ما مقامي بدارِ نخلة إلا ... كمقامِ المسيحِ بين اليهودِ
نخلة قورية لبني كلب على ثلاثة أميال عن بعلبك من أرض الشام والمقام بمعنى الاقامة يقول ليست اقامتي ببلدهم إلا كإقامة عيسى ﵇ بين اليهود أي أن أهل هذه القرية أعداءٌ لي كما كانت اليهود أعداءً لعيسى وبهذا البيت لقب بالمتنبي لتشبيه نفسه بعيسى ﵇ في هذا البيت وبصالح فيما بعده.
مفرشي صهوةُ الحسانِ ولك ... نَّ قميصي مسرودةٌ من حديدِ
المفرش موضع الفراش والصهوة مقعد الفارس من ظهر الفرس والحصان الفرس الفحل والمسرودة المنسوجة من الحديد وهي الدرع يقول أنا شجاع مكاني ظهر الفرس وملبوسي الدرع وقال ابن جنى أي أنا أبدا بهذه القرية على هذه الحالة تيقظا وتأهبا
لأمةٌ فاضةٌ أضاة دلاصٌ ... أحكمتْ نسجها يدا داؤدِ
لأمةٌ ملتئمة الصنعة فاضة سابقة يقال درع فاضة وفيوض ومفاضة وهي التي تفيض على بدن لابسها فتعمهُ والاضاة التي تشبه بالغدير لبياضها وصفائها والدلاص البراقة.
أين فضلي إذا قنعت من الده ... رِ بعيشٍ معجل التنكيدِ
يقول إذا قنعت بعيش قليل قد عجل لي نكده وأخر عني خيره فإين فضلي أي مكان فضلي قد خفى فليس يرى
ضاق صدري وطال في طلبِ الرِز ... قِ قيامي وقل عنه قعودي
يقول ضقت صدرا لكثرة ما قمت في طلب الرزق وسعيت وتعبت فيه
ابداً أقطع البلادَ ونجمي ... في نحوسٍ وهمتي في سعودِ
يقول اسافر أبداً في طلب الرزق وحظي منحوس وهمتي عالية كما قال الطاءي، همةٌ تنطحُ النجومَ وجدٌّ، الفٌ للحضيضِ فهو حضيضُ، وكما قال بعضهم، ولي همةٌ فوق نجمِ السما، ولكن حالي تحت الثرى، فلو ساعدت همتي حالتي، لكمتَ ترَى غير ما قد ترى،
ولعلي مؤمولٌ بعض ما أب ... لغُ باللطفِ من عزيزٍ حميدِ
стр. 18
يقول لعلي راحٍ بعض ما ابلغه بلطف الله تعالى العزيز الحميد أي الذي أرجوه لعله بعض ما ابلغه بلطف الله تعالى وفيه وجه آخر وهو أن المرجو ما هو محبوبٌ وما كان مكروها لا يكون مرجوا بل يكون محذورا فهو يقول لعلي راجس بعض ما ابلغه وادركه من فضل الله تعالى أي ليس جميع ما ابلغه مكروها بل بعضه مرجو محبوبٌ وقيل أن هذا على القلب تقديره لعلي بالغ بلطف الله تعالى بعض ما اؤمله
بسريٍ لباسُهُ خشنُ القط ... نِ ومرويُّ مروَ لِبسُ القرودِ
السريّ الماجد الشريف يقال سرو يسرو سروا فهو سريّ يقول ابلغه بسريّ يلبس ما ينسج من القطن الخشن ومرويّ مرواي أن الثوب المرويّ الذي نُسج بها لباس اللئام والعرب تتمدح بخشونة الملبس والمطعم وتعيب الترفه والنعمة ويروي لسري باللام اراد به نفسه وهذه الرواية إنما تصح إذا كان البيت الذي قبله على القلب يقول لعلي بالغ بعض ما اؤمله لسري يتقشف في لبسه واللبس مصدرُ لبست الثوب واللبس بكسر اللام ما يلبس.
عش عزيزاً أو مت وأنت كريمٌ ... بين طعنِ القنا وخفقِ البنُدِ
البنود جمع البند وهو العلم الكبير يقول إما أن تعيش عزيزاً ممتنعا من الاعداء أو تموت في الحرب موت الكرام لأن القتل في الحرب يدل على شجاعة الرجل وكرم خلقه وهو خيرٌ من العيش في الذل.
فرؤوس الرماحِ أذهبُ للغي ... ظِ وأشفى لغلِ صدرِ الحقودِ
أراد برؤوس الرماح الأسنة وقوله اذهب للغيظ كان حقه أن يقول اشد اذهابا ولا يبني افعل من الافعال إلا في ضرورة الشعر ولو قال اذهب بالغيظ لم يكن ضرورةً يقول ذهاب الغيظ برؤس الرماح أكبر من ذعابه بالسلم واشفى لغلّ الحقود على اعدائه ومن روى الحسود إراد الكثير الحسد الذي لا يذعب حسده إلا بأن يطعن المحسود فيقتله والحقود احسن في المعنى.
لا كما قد حييت غير حميدٍ ... وإذا متَّ متَّ غيرَ فَقيدِ
يقال حيى يحيى ويقال أيضا حيّ بالادغام في الماضي ولا يقال في المستقبل بالادغام وذلك أن حيى عين الفعل منه ياء مكسورة ولامه أيضا ياءٌ والياء أخت الكسرة فكأنه اجتمع ثلاث كسرات فحذفت كسرة العين وأدغمت في اللام ولم يعرض لي المستقبل شيءٌ من هذا وإنما يخاطب نفسه فيقول عش عزيزا أو مت في الحرب حميداً ولا تكن كما قد عشت إلى هذا الوقت غير محمود فيما بين الناس وإذا متّ على فراشك في هذا الوقت متّ غير مفقود لأن الناس يجدون ملك كثيرا فيستغنون عنك ولا يبالون بموتك فلا يذكرونك بعد موتك.
فأطلب العزَّ في لظى وذر الذلَّ ... ولو كان في جنانِ الخلودِ
لظى من أسماء جهنم يقول اطلب العزّ وإن كان في جهنّم ودع الذلّ وإن كان في الجنّة وهذا مثلٌ ومبالغةٌ في طلب العزّ والتجافي من الذل وإلا فلا عزَّ في جهنم ولا ذلَّ في الجنة.
يقتلُ العاجزُ الجبانُ وقد يع ... جزُ عن قطعِ بخنقِ المولودِ
البخنق خرقة تقنع بها الامرأة رأسها يقول العاجز الجبان قد يقتل يعني أن العجز والجبن ليسا من أسباب البقاء فلا تعجز ولا تجبن حبذا للبقاء
ويوقى الفتى المخش وقد خ ... وضَ في ماءِ لبة الصنديدِ
يقال وقاه الله السوءَ ووقاه فهو موقَّى والمخشّ الدخّال في الأمور والحروب وخوض أكثر الخوض واللبة أعلى الصدر عند الحلق وماءها الدم والصنديد الشجاع الشديد يقول قد يسلم من يدخل الحروب في أشد الأحوال واكثرها خوفا وهذا حثٌّ على الأقدام
لا بقومي شرفتُ بل شرفوا بي ... وبنفسي فخرت لا بجدودي
هذا كقوله، نفس عصامٍ سودت عصاما، وعلمته الله والإقداما، وصيرته ملكاً هماما، حتى عدا وجاوز الأقواما، ونحوه قول عامر بن الطفيل، فما سودتني عامرٌ عن وراثةٍ، أبى الله أن أسمو بأمٍ ولا أبٍ، ولكنني أحمى حِماها وأتقى، أذاها وأرمى من رماها بمقنبِ، قالت الرواةُ لو اقتصر على هذا البيت كان الم الناس نسبا لكنه قال
وبهم فخرُ كلِّ من نطق الضا ... دَ وعوذُ الجاني وغوتُ الطريدِ
الضاد للعرب خاصةً يقول فخر العرب كلهم وبهم عوذ الجاني يعني أن من جنى جناية وخاف على نفسه عاذ بقويم ليأمن على نفسه وبهم غوث الطريد وهو الذي نفى وطرد أي أنه يستغيث بهم ويلجأ إليه فيعز بمنعتهم
إن أكن معجباً فعجبُ عجيبٍ ... لم يجد فوق نفسهِ من مزيدِ
стр. 19
المعجب الذي يعجب بنفسه والعجيب الذي يعجب غيره وهو بمنعى المعجب أيضا كالبديع بمعنى المبدع يقول أن أعجبت بنفسي فإن عجبي عجبُ معجبٍ لا يرى فوق نفسه مزيداً في الشرف أي ليس عجبي بمكر
أنا تربُ الندى وربُّ القوافي ... وسمامُ العِدَى وغيظُ الحسودِ
يقول أنا أخو الجود ولدنا معا وأنا صاحب القوافي ومنشئها لأني لم أسبق إلى مثلها وإنا قتل اعدائي كما يقتل السم وأنا سبب غيظ الحساد لأنهم يتمنون مكاني فلا يدركونه فيغتاظون
أنا في أمةٍ تداركها الل ... هُ غريبٌ تصالحٍ في ثمودِ
تداركها الله دعاءٌ لها أي ادركها الله ونجاهم من لومهم ويجوز أن يكون دعاءً عليهم أي أدركهم الله بالاهلاك لأنجو منهم قال ابن جنى انه بهذا البيت سمي المتنبي.
وقال في صباه ارتجالا وقد أهدى إليه عبيد الله بين خُراسان هدية فيها سمك من سكر ولوز في عسل.
قد شغل الناس كثرةُ الأملِ ... وأنت بالمكرماتِ في شغلِ
يقول الناس مشغولون بكثرة آمالهم بك واطماعهم فيما يأخذون من اموالك وأنت مشغول بتحقيق آمالهم وبتصديق اطماعهم فذلك شغل بالمكرمات
تمثلوا حاتما ولو عقلوا ... لكنت في الجود غاية المثلِ
أراد تمثلوا بحاتم أي في الجود فحذف الباء ضرورةً وذلك أن المثل في الجود يضرب بحاتم فيقال أجود من حاتم وأسخى من حاتم ولو نظروا بعين العقل لضربوا المثل بك لأنك الغاية في الجود
أهلاً وسهلاً بما بعثت به ... إيها أبا قاسمٍ وبالرسلِ
يقال للشيء يسر لقاؤه أهلا بك وسهلاً ومرحباً وذلك كالتحية والرسل عطف على قوله بما بعثت به أي هلاً بالهدية وبالذين ارسلتهم وقوله أيها أي كفَّ ودع فقد اكثرت من الهدية
هديةٌ ما رأيتُ مهديها ... ألا رأيت العباد في رجلِ
هدية خبر ابتداءٍ محذوفٍ كأنه قال هديتك هديةٌ ما رأيت صاحبها الذي أهداها يعني الممدوح إلا رأيت الناس واللوم وهذا المعنى من قول أبي نواس، وليس لله بمستنكرٍ، أن يجمع العالم في واحدِ، وله أيضاً، متى تحطي إليه الرحال سالمةً، تستجمعي الخلق في تمثالِ إنسانِ، وقد كرر أبو الطيب هذا المعنى فقال، أم الخلقُ في حيّ شخصٍ أعيدا، وقال، ومنزلك الدنيا وأنت الخلائقُ،
أقل ما في أقلها سمكٌ ... يسبحُ في بركةٍ من العسلِ
يقول أقل شيء في هذه الهدية سمك بهذه الصفة ويريد بالبركة الإناء الذي كان فيه العسل يعني أن هذه الهدية كانت عظيمة أقلها ما ذكره
كيف أكافي على أجلِ يدٍ ... من لا يرى أنها يدٌ قبلي
يقول الذي لا يعتقد في أجل نعمةٍ له عندي أنها نعمة استحقارا لها وتصغيرا كيف اكافيه والمكافاة ان يقابل الشيء بمثله وأصلها الهمزة وكتب إليه أيضا على جوانب الجام بالزعفران
أقصر فلست بزائدي ودا ... بلغَ المدى وتجاوز الحدا
يقال أقصر عن الشيء إذا كف عنه وهو قادر عليه وقصر عنه إذا عجز عنه وقصر فيه إذا لم يبالغ يقول كف عن البر وأمسك عنه فانك لا تزيدني بذلك ودا لن ودي إياك قد بلغ الغاية وتجاوز الحدَّ وصار بحيث لا مزيد علهي وهذا من قول ذي الرمة، وما زال يعلوا حبُّ ميةَ عندنا، ويزداد حتى لم نجد ما يزيدها
أرسلتها مملوءةً كرماً ... فرددتُها مملوءَةً حمدا
يقول أرسلت الآنية مملوءة بكرمك الذي انعمت على فصرفتها اليك مملوءة بالحمد والشكر
جاءتك تطفح وهي فارغةٌ ... مثنى بن وتظنها فردا
يقال طفح الاناء إذا متلأ واراد جاءتك طافحةً فصرف الحال إلى لفظ الاستقبال يقول هي فارغة لا شيء فيها وهي مملوءةٌ بالثناءِ وذلك أنه كتب الأبيات على جوانبها وهي مثنى بالحمد أي إثنان وأنت تظنها فردا ليس معها شيءٌ
تأبى خلائقك التي شرفت ... ألا تحن وتذكر العهدا
الخليقة ما خلق عليها الإنسان كالطبيعة وهي ما طُبع علهيا يقول اخلاقك الشريفة تأبى عليك إن لا تحن إلى اوليائك وتذكر عهدهم
لو كنتَ عصراً منبتاً زهراً ... كُنتَ الربيع وكانتِ الوردا
العصر الدهر والزهر واحد الازهار وهو ما ينبته الربيع من الانوار يقول لو كنت زمانا ينبت الزهر كنت زمان الربيع وكانت اخلاقك الورد أي كنت أفضل وقت وكانت أخلاقك أفضل نور وقال في اللجون ارتجالا وقد اصابهم مطر وريح
стр. 20
بقيةُ قومٍ آذنوا ببوارِ ... وأنضاء أسفارٍ كشربِ عُقارِ
الانضاء جمع نضو وهو المهزول الذاهب اللحم من الناس والإبل والشرب جمع شارب والعقار الخمر يقول نحن بقية قومٍ اعلم بعضهم بعضا بالهلاك أي علموا أنهم هالكون ونحن مهازيل اسفار لا حراك بنا من الجهد والتعب كأننا سكارى لا يقدرون على الحركة، يقول تحكمت فينا الرياح بهذا المكان حتى سقت علينا من الحصى والتراب والغبار ما سترتنا به.
نزلنا على حكمِ الرياحِ بمسجدٍ ... علينا لها ثوبا حصاً وغبارِ
خليلي ما هذا مناخنا لمثلنا ... شدا عليها وأرحلا بنهار
يقول ليس هذا المكان منزلا لنا فشدا رحالكما على الإبل وارحلا قبل هجوم الليل وفي قوله فشدا عليها نوعان من الضرورة حذف المفعول والكناية عن غير مذكور
ولا تنكرا عصفَ الرياحِ فإنها ... قرى كلِ ضيفٍ باتَ عندَ سوارِ
يقول لا تنكرا شدة هبوب الرياح فإنها طعامُ من بات ضيفا عند سوار وهو اسم رجل هجا بهذا البيت لأن هبوب الرياح اشتد عليهم لما نزلوا بالمسجد الذي عند داره ولم يقرهم بطعام ويروى قومٍ عند سواري قالوا اراد سواري المسجد يعني الأساطين وهذا لا حقيقة له لان هبوب الرياح لا يختص بالأساطين وقال أيضا في صباه يمدح أبا المنتصر شجاع بن محمد بن أوس بن معن بن الرِضّا الأزدي
أرقٌ على أرقٍ ومثلي يأرقُ ... وجوى يزيدُ وعبرةٌ تترقرقُ
يقول لي سهادٌ بعد سهادس وعلى أثر سهاد ومثلي ممن كان عاشقا يسهد لامتناع النوم عليه وحزن يزيد كلَّ يومٍ عليه ودمع يسيل ويقال رقرقت الماء فترقرق مثل أسلته فسال
جهدُ الصبابة أن تكون كما أرى ... عينٌ مسهدةٌ وقلبٌ يخفقُ
الجهد المشقة والجهد الطاقة والصبابة رقة الشوق يقول غاية الشوق أن تكون كما أرى ثمّ فسره بباقي البيت
ما لاحَ بَرقٌ أو ترنمَ طائرٌ ... إلا انثنيتُ ولي فؤادٌ شيقُ
الشيق يجوز أن يكون بمعنى فاعل من شاق يشوق كالجيد والهين ومعناه أن قلبي يشوقني إلى أحبتي ووزنه فيعل وهو كثيرٌ مثل الصيب والسيد وبابه ويجوز أن يكون على وزن فعيل بمعنى مفعول ولمعان البرق يهيج العاشق ويحرك شوقه إلى أحبته لأنه يتذكر به ارتحالهم للنجعة وفراقهم ولأن البرق ربما لمع من الجانب الذي هم به وكذلك ترنم الطائر وذكرهما بهذا المعنى كثيرٌ في اشعارهم
جربتُ من نارِ الهوى ما تنطفي ... نارُ الغضا وتكلُّ عما تحرقُ
يقول جربت من نار الهوى نارا تكل نار الغضا عما تحرقه تلك النار وتنطفىء عنه ولا تحرقه يريد أن نار الهوى أشدّ إحراقاً من نار الغضا وهو شجرٌ معروفٌ يستوقد به فتكون ناره أبقى ومن روى يحرق بالياء فاللفظ ما
وعذلتُ أهلَ العشقِ حتّى ذُقْتُهُ ... فعجبتُ كيف يموتُ من لا يعشقُ
يذهب هوم في هذا البيت إلى أنه من المقلوب على تقدير كيف لا يموت من يعشق يعني أن العشق يوجب الموت لشدته وإنما يتعجب ممن يعشق ثم لا يموت وإنما يحمل على القلب ما لا يظهر المعنى دونه وهذا ظاهر المعنى من غير قلبٍ وهو أنه يعظم أمر العشق ويجعله غاية في الشدة يقول كيف يكون موت من غير عشق أي من لم يعشق يجب أن لا يموت لأنه لم يقاس ما يوجب الموت وإنما يوجبه العشق وقال بعض من فسر هذا البيت لما كان المتقرر في النفوس أن الموت في اعلا مراتب الشدة قال لما ذقت العشق وعرفت شدته عجبت كيف يكون هذا الأمر المتفق على شدته غير العشق
وعذرتهم وعرفتُ ذنبي أنني ... عيرتهم فلقيتُ فيه ما لقوا
يقول لما ذقت مرارة العشق وما فيه من ضروب البلاء عذرت العشاق في وقوعهم في العشق وفي جزعهم وعرفت أني أذنبت بتعييرهم بالعشق فابتليت بما ابتلوا به ولقيت في العشق من الشدائد ما لقوا
أبنى أبينا نحن أهل منازلٍ ... أبداً غرابُ البينِ فينا ينعقُ
стр. 21
ويروى فيها يريد يا أخوتنا ويجوز أن يكون هذا نداءً لجميع الناس لأن الناس كلهم بنوا آدم ويجوز أن يريد قوما مخصوصا إما رهطه وقبيلته يقول نحن نازلون في منازلٍ يتفرق عنها أهلها بالموت وإنما ذكر عراب البين لن العرب تتشاءم بصياح الغراب يقولون إذا صاح الغراب في دارٍ تفرق أهلها وهو كثيرٌ في اشعارهم وقال ابن جنى يريد بغراب البين داعي الموت وهذا خلفٌ فاسدٌ ليس على مذهب العرب وداعي الموت لا يسمع له صياح والأمر في غراب البين اشهر من أن يفسر بما فسره به وقد انتقل أبو الطيب من النسيب إلى الوعظ وذكر الموت ومثل هذا يستحسن في المراثي لا في المدائح
نبكي على الدنيا وما من معشرٍ ... جمعتهمُ الدنيا فلم يتفرقوا
يقول نبكي على فراق الدنيا ولا بد لنا منه لأنه لم يجتمع قوم في الدنيا إلا تفرقوا لأن عادة الدنيا الجمع والتفريق
أين الأكاسرة الجبابرةُ الأولى ... كنزوا الكنوزَ فما بقينَ ولا بقوا
الاكاسرة جمع كسرى على غير قياس وهو لقب لملوك العجم والجبابرة جمع جبار والأولى بمعنى الذين ولا واحد لها من لفظها يقول تحقيقا لفقدهم أي هم الذين جمعوا الأموال لم يبقوا هم ولا أموالهم
من كلِّ من ضاقَ الفضاءُ بجيشهِ ... حتى ثوى فحواهُ لحدٌ ضيقُ
من في أول البيت للتفسير يقول اولائك الذين ذكرناهم من كل ملك كثرت جنوده حتى ضاق بهم الفضاء وثوى أقام في قبره فجمعه لحد ضيق يعني انضم عليه اللحد بعد أن كان الفضاء يضيق عنه
خرسٌ إذا نودوا كأن لم يعلموا ... أن الكلام لهم حلالٌ مطلقُ
يريد أنهم موتى لايجيبون من ناداهم كأنهم يظنون أن الكلام محرم عليهم لا يحل لهم أن يتكلموا ولو قال خرس إذا نودوا لعجزهم عن الكلام وعدم القدرة على النطق كان أولى وأحسن مما قال لأن الميت لا يوصف بما ذكره
فالموت آتٍ والنفوسُ نفائسٌ ... والمستغر بما لديهِ الأحمقُ
يقول الموت يأتي على الناس فيهلكهم وإن كانت نفوسهم نفيسة عزيزة والنفيس الشيء الذي ينفس به أي يبخل به والمستغر المغرور يعني أن الكيس لا يغتر بما جمعه من الدنيا لعلمه أنه لا يبقى ولا يدفع عنه شيئاً ومن لم يعلم هذا فهو أحمق وروى عليّ بن حمزة والمستعزّ أي الذي يطلب العز بماله فهو الأحمق
والمرءُ يأملُ والحياةُ شهيةٌ ... والشيبُ أوقرُ والشبيبةُ أنزقُ
يقول المرء يرجو الحياة لطيب الحياة عنده والشهية المشتهاة الطيبة من شهى يشهى وشها يشهو إذا اشتهى الشيء فهي فعيلة بمعنى مفعولة والشيب أكثر وقارا والشبيبة وهي اسمٌ بمعنى الشباب انزقُ أخفّ وأطيش ويريد صاحب الشيب أوقر وصاحب الشبيبة انزق والإشارة في هذا إلى أن الإنسان يكره الشيب وهو خير له لأنه يفيده الحلم والوقار ويحبّ الشباب وهو شرّ له لأنّه يحمله على الطيش والخفّة
ولقد بكيتُ على الشبابِ ولمتي ... مسودةٌ ولماءِ وجهي رونقُ
حذراً عليه قبلَ يومِ فراقهِ ... حتى لكدتُ بماءِ جفني أشرقُ
أي لكثرة دموعي كاد يشرق بها جفني أي يضيق عنها يقال شرق بالماء كما يقال غصَّ بالطعام وإذا شرق جفنه فقد شرق هو ولذلك قال اشرق ويجوز أن يغلبه البُكاء فلا يبلعه ريقه ويكون التقدير بسبب ماء جفني اشرق بريقي
أما بنو أوسِ بن معنِ بن الرضا ... فأعز من تحدى إليه الأينقُ
أما لا تستعمل مفردةً لأن ما بعدها يكون تفصيلا فيقال أما كذا فكذا وأما كذا فكذا كقوله تعالى أما السفينة فكانت لمساكين ثم قال وأما الغلامُ وأما الجدارُ وقد استعمله مفردا وهو قليل وروى الأستاذ أبو بكر الرضا بضم الراء قال وهو اسم صنمٍ واراد ابن عبد الرضا كما قالوا ابن منافٍ في ابن عبد منافٍ وروى غيره بكسر الراء وهو المعروف في اسماء الرجال والأينق جمع على غير قياسٍ وقياسه الانوق غلا أنهم ابدلوا الواو ياءً وقدموها على النون يقول هؤلاء أعز من يقصدهم الناس
كبرتُ حولَ ديارهمُ لما بدت ... منها الشموس وليس فيها المشرقُ
جعلهم كالشموس في علو ذكرهم واشتهارهم أو في حسن وجوههم والمعنى كبرت الله تعالى تعجبا من قدرته حين اطلع شموسا لا من المشرق وكأن منازل الممدوحين في جانب المغرب
وعجبتُ من أرضٍ سحابُ أكفهم ... من فوقها وصخورها لا تورقُ
стр. 22
أي إذا كانوا يسقونها بندى أيديهم فلم لا تورق صخورها لفضل ندى أيديهم على ندى السحاب أي كان من حقها أن تلين حتى تنبت الورق وهذا منقول من قول البحتري، أشرقن حتى كاد يقتبسُ الدجى، ورطبن حتى كاد يجري الجندلُ، ثم هو من قول أبي الشمقمق وكان مع طاهر بن الحسين في سميرية فقال عجبت لحراقة ابن الحسين كيف تعوم ولا تغرق فقال وما أربك يا ابن اللخناء إلى أن تغرق فقال، وحبرانِ من تحتها واحدٌ، وآخرُ من فوقها مطبقُ، وأعجبُ من ذاك عيدانها، وقد مسها كيف لاتورقُ
وتفوحُ من طيبِ الثناءِ روائحٌ ... لهم بكلِّ مكانةٍ تستنشقُ
يقال مكان ومكانة كما يقال منزل ومنزلة ودار ودارة وقال الله تعالى أعلموا على مكانتكم والثناءُ يوصف بطيب الرائحة لأن طيب اخبار الثناء في الآذان مسموعةً كطيب الروائح في الأنوف مشمومةً وتستنشق تطلب رائحتها بالأنوف والمعنى أن أخبار الثناء عليهم تسمع بكل مكان لكثرة المثنين عليهم
مسكيةُ النفحاتِ إلا أنها ... وحشيةٌ بسواهمُ لا تعبقُ
يقول روائح ما يسمع من الثناءِ عليهم مسكيةٌ لها طيبُ المسك إلا أنها نافرةٌ لا تعلق بغيرهم ولا تفوح إلا منهم والمعنى لا يثني على غيرهم كما يثني عليهم
أمريد مثل محمدٍ في عصرنا ... لا تبلنا بطلابِ ما لا يلحقُ
يقول يا من يريد أن يوجد له نظيرٌ لا تمتحنا بطلاب ما لا يدرك والبيت من قول البحتريّ، ولئِن طلبتُ نظيرهُ إني إذا، لمكلفٌ طلب المحال ركابي، ثم أكد بقوله
لم يخلقِ الرحمن مثل محمدٍ ... أحداً وظني أنه لا يخلقُ
أي إذا كان الله تعالى لم يخلق له مثلا كان طلب مثله محالا
يا ذا الذي يهبُ الكثير وعنده ... أني عليه بأخذهِ أتصدقُ
أي يعتقد أني إذا أخذت هبته فقد تصدقت بها عليه ووهبتها له فهو متقلد المنة بذلك ويوجب لي الشكر والتصدق اعطاء الصدقة وقال الله تعالى وتصدق علينا
أمطر على ساحبَ جودك ثرةً ... وأنظر إليّ برحمةٍ لا أغرقُ
الثرة الغزيرة الكثيرة الماء من الثرارة وقال عنترة، جادت عليه كلُّ عينٍ ثرةٍ، فتركن كل قرارةٍ كالدرهمِ، يقول اجعل سحاب جودك ماطراً على مطرا غزيرا ثم ارحمني بان تحفظني من الغرق كيلا أغرق في كثرة مطرك
كذب ابنُ فاعلةٍ يقولُ بجهلهِ ... مات الكرام وأنت حيٌّ ترزقُ
كنى بالفاعلة عن الزانية يقول كذب من قال أن الكرام قد ماتوا ما دمتَ في الأحياء مرزوق ويروى ترزق بفتح التاء أي ترزق الناس تعطيهم أرزاقهم والأول اجود لأنه يقال حيٌّ يرزق وذلك أنه ما دام حيّا كان مرزوقا لن الرزق ينقطع بالموت وقال أيضا في صباه يمدح عليّ ابن أحمد الخراسانيّ
حشاشةُ نفسٍ ودعت يوم ودعوا ... فلم أدر أي الظاعنينِ أشيعُ
يقول لي بقية نفس ودعتني يوم ودعني الاحباب فذهبت في آثارهم فلم ادر أي المرتحلين اشيع منهما يعني الحشاشة والحبيب المودع في جملة من ودعوه وروى الظاعنين على لفظ الجمع للنفس والاحباب الذين ذكرهم في قوله ودعوا
أشاروا بتسليمٍ فجدنا بأنفسٍ ... تسيلُ من الآماقِ والسمُ أدمعُ
يقول اشاروا إلينا بالسلام علينا فجدنا عليهم بأرواح سالت من الآماق واسمها دموع أي أنها كانت ارواحنا سالت من عيوننا في صورة الدموع تفسير هذا قوله، خليليَّ لا دمعاً بكيتُ وإنما، هو الروح من عيني تسيلُ بمخرجِ، والمؤق طرف العين الذي يلي الأنف وجمعه أمأاق وهو مهموز العين ويقلب فيقدم الهمز فيقال آماق مثل بئر وآبار وأصل السم بكسر العين ويقال سُم أيضا ومثل هذا لأبي الطيب، أرواحنا انهملتْ وعشنا بعدها، من بعدِ ما قطرت على الأقدامِ
حشايَ على جمرٍ ذكيٍ من الهوى ... وعينايَ في روضٍ من الحسنِ ترتعُ
الحسا ما في داخل الجوف ويريد به القلب ههنا يقول قلبي على جمرٍ شديدِ التوقد من الهوى لأجل توديعهم وفراقهم وعيناي ترتع من وجه الحبيب في روض من الحسن والبيت من قول أبي تمام، أفي الحقِّ أن يضحي بقلبيَ مأتمٌ، من الشوقِ والبلوى وعينايَ في عُرسِ، وإنما لم يقل ترتعان لأن حكم العينين حكم حاسّة واحدة فلا تكاد تنفرد أحداهما برؤية دون الأخرى فاكتفى بضمير الواحد كما قال الآخرُ بها العينان تنهل
ولو حملتْ صمُّ الجبالِ الذي بنا ... غداةَ افترقنا أوشكتْ تتصدعُ
стр. 23
هذا من قول البحتري، فلو أنَّ الجبالَ فقدنَ ألفاً، لأوشك جامدٌ منها يذوبُ،
بما جنبي التي خاض طيفها ... إلى الدياجي والخليون هجٌ
الدياجي جمع ديجوج وكان القياس دياجيج ولكنهم خففوا الكلمة بحذف الجيم الاخيرة كما قالوا مكوكٌ ومكاكي والخليُّ الذي يخلو قلبه من الهوى والهم يقول أفدى بقلبي المرأة التي أتاني خيالُها في ظلام الليل فقطع الظلمة إليّ والذين خلوا من الحبّ كانوا نياما وهذا كالمتضادّ لأنه أيضا كان نائما حتى رأى خيالها لكنّه يجوز أن يكون نومه نعسةً رأى خيالها في تلك النسعة وغيرُه ممّن خلا نام جميع ليلته
أتت زائراً ما خامرَ الطيبُ ثوبها ... وكالمسكِ من أردانها يتضوعُ
زائراً نعت لمحذوفٍ تقديره أتت خيالا زائراً ما خالط الطيب ثوبها لأنها لم تتعطر وكالمسك أي كرائحة المسك ينفح من ثيابها لأنها طيبة الرائحة طبعا وهذا من كلام امرء القيس، ألم ترياني كلَّما جئتُ طارقا، وجدتُ بها طيباً وإنْ لم تطيبِ.
فما جلستْ حتى أنثنتْ توسِعُ الخطا ... كفاطِمَةٍ عن درها قبلَ ترضِعُ
فشردَ إعظامي لها ما أتَى بها ... من النومِ والتاعَ الفؤادُ المفتجُ
يقول لمّا رأيت خيالها استعظمت رؤيتها فنفى ذلك نومي الذي أتى بها واحترق قلبي لفقد رؤيتها والتأنيث في لها وبها للحبيبة ويقال اعظمته واستعظمته واكبرته واستكبرته والتاع احترق واللوعة الحرقة
فيا ليلةً ما كان أطولَ بتُّها ... وسمُّ الأفاعي عذبُ ما أتجرعُ
أراد ما كان اطولها فحذف المضمر لاقامة الوزن وذلك يجوز في الشعر يقول كان اطول تلك الليلة التي فارقني فيها خيالها فتجرعت من مرارة فراقها ما كان السمّ بالاضافة إليه عذبا
تذلل لها واخضع على القربِ والنوى ... فما عاشقٌ من لا يذلُّ ويخضعُ
يقول أرض بما تحكم منقاداً مطيعا لها والخضوع في القرب الطاعة والانقياد وفي البعد الرضا والتسليم لفعلها وذلك علامة المحب كما قال الحكمي، يا كثير النوحِ في الدمنِ، لا عيها بل على السكنِ، سنةُ العشاقِ واحدةٌ، فإذا أحببتَ فاستكنِ، وكقول الآخر، كن إذا أحببت عبداً، للذي تهوى مطيعا، لن تنال الوصل حتى، تلزمَ النفسَ الخضوعا، وقريب من هذا قول العباس بن الأحنف، تحمل عظيم الذنب ممن تحبه، وإن كنتَ مظلوماً فقل أنا ظالمُ، فإنك إن لم تحملِ الذنبَ في الهوى، يفارقك من تهوى وأنفك راغمِ،
ولا ثوبَ مجدٍ غير ثوبِ ابن أحمدٍ ... على أحدٍ إلاّ بلؤمٍ مرقع
روى ابن جنى يرقع يقول لم يخلص المجد لغيره إنما خلص له ومجد غيره مشوبٌ باللؤم مجده خالص من الذمّ والغيب ومن روى ولا ثوبُ بالرفع فلانه عطف على قوله فما عاشق
وإن الذي حابى جديلة طيىءٍ ... به الله يعطى من يشاءُ ويمنعُ
جديلة رهط الممدوح من طيىءِ والنسبة إليهم جدلي وجميع من فسر شعره قالوا حابى بمعنى حبا من الحباء وهي العطية يقول الذي اعطى بني جديلة هذا الممدوح فجعله منهم هو الله تعالى يعطي من يشاء ويمنع من يشاءُ وابن جنى يجعل يعطي من يشاءُ من صفة الممدوح وحابى لا يكون بمعنى حبا ولا يقال حاباه بكذا إذا اعطاه ومعنى البيت الذي حابى بني جديلة أي غالبهم وباهاهم في العطاء يعني الممدوح به الله يعطي من يشاءُ ويمنع لأنه ملكُ قد فوض الله تعالى إليه أمر الخلق في النفع والضر فقوله به الله خبر أن
بذي كرمٍ ما مرَّ يومٌ وشمسُهُ ... على رأسِ أوفى ذمةٍ منه تطلعُ
بذي كرم بدل من قوله به يقول لم يمر يومٌ وشمسُ ذلك اليوم تطلع على رأس أوفى بالذمم من هذا الممدوح يشير إلى أنه أكثر الناس وفاءً وأكثرهم عهدا
فأرحامُ شعرٍ يتصلنَ لدنه ... وارحامُ مالٍ لا تنى تتقطعُ
стр. 24
قال ابن جنى قولن لدنّه فيه قبح وبشاعة لأن النون إنما تشدد إذا كانت بعدها نونٌ نحو لدنّي ولدُنّا وإذا لم يكن بعدها نون فهي خفيفة كقوله تعالى من لدنهُ وكقوله تعالى من لدنْ حكيمٍ خبيرٍ وأقربُ ما ينصرف إليه هذا إن يقال أنه شبه بعض الضمير ببعضٍ ضرورةً وإن لم يكن في الهاء ما في النون من وجوب الإدغام كما قالوا يعدُ فحذفوا الواور لوقوعها بين ياء وكسرة ثم قالوا أعدُ ونَعِدُ وتعدُ فحذفوا الفاء ايضا وإن لم يكن ما يوجبه قال ويجوزأنيكون ثقلَ النون كما قالوا في القطن القُطنَّ وفي الجبن الجبُنَّ ثمّ روى يتصلن بجوده واتصال ارحام الشعر يحتمل وجين احدهما أنه يقبل الشعر ويثيبُ عليه فيحصل بينه وبين الشعر صلةٌ كصلة الرحم والوجه الآخر إنه يمدح باشعار كثيرة تجتمع عنده فيتصل بعضها ببعض كاتصال الأرحام وكذلك تقطع أرحام الأموال فيه وجهان أحدهما انقطاعها منه بتفريق المال فيصير كأنه قد قطعَ ارحامها والآخر أنها لا تجتمع عنده كما قال " وكلَّما لَقِيَ الدينارُ صاحبهُ " البيت وقولهلا تنى معناه لا تزال من النوى وهو الضعف فوضعه موضع لا تزال لانها إذا لم تفتر عن التقطع يكون بمعنى لا تزال تتقطع
فتًى ألفُ جزءٍ رأيُهُ في زمانِهِ ... أقل جزٍى بعضه الرأيُ أجمعُ
ترتيب الكلام فتى رأيه في زمانه ألف جزءٍ أقل جزىّ من هذه الأجزاءِ الألف بعضه أي بعض أقل جزى من رأيه من رأيه الرأيُ الذي في أيدي الناس كله فألف جزء مرفوعٌ لأنه خبر مبتداءِ قدم عليه وهو قوله رأيه وأقل مرفوعٌ بالابتداء وبعضه مبتدأٌ ثانٍ وهو مضاف إلى ضمير المبتدأ الأول والرأي خبرٌ عن المبتدأ الثاني وأجمع توكيدٌ للرأي وهذا كما يقال زيد أبوه قائمٌ
غمامٌ علينا ممطرٌ ليس يقشع ... ولا البرق فيه خلباً حين يلمعُ
الممطر مثل الماطر يقال مطرت السحابة وامطرت وليس يقشع أي ليس يتفرق ولا يذهب يقال اقشعت السحابة وانقشعت وتقشّعت إذا تفرّقت والبرق الخلّب المخلف
إذا عَرَضتْ حاجٌ إليه فنفسهُ ... إلى نفسهِ فيها شفيعٌ مشفعُ
الحاج جمع حاجة ويقال أيضا في جمعها حاجات وحوجق والمشفع الذي تقضي الحاجة بشفاعته يقال إذا سئل حاجةً شفعت نفسه إلى نفسه في قضائها وحسبك أن يكون المسؤول شفيعا لى نفسه ومثله قول الخريمي، شفعتْ مكارمُهُ لهم فكفتهم، جهد السؤال ولطفَ قولِ المادحِ ومثله لأبي تمام، طوى شيماً كانت تروح وتغتدي، وسائل من أعيت عليه وسائله،
خبت نارُ حربٍ لم تهجها بنانهُ ... وأسمر عريانٌ من القشر أصلعُ
خبت النار إذا سكن لهيبها ومن الأسمر إلى آخر البيت من صفة القلم وجعله اصلع للينه وملاسته كالرأس الأصلع يقول كلّ نار حربٍ أوقدت بغير قلمه وأنامله فإنه منطفئة لا تطول مدّتها يعني أن الحرب التي اوقدها هو لا تنطفىء لقوة عزمه وشدّة نفسه
نحيفُ الشوى يعدو على أمِّ رأسهِ ... ويحفى ويقوى عدوهُ حين يقطعُ
يقول هذا القلم دقيق الاطراف يريد دقة خلقته يعدو على وسط رأسه ويحفى أي يكلّ عن المشي فيقوى عدوه إذا قطع وقطّ
يمجُّ ظلاما في نهارٍ لسانُهُ ... ويفهمُ عمن قال ما ليس يسمعُ
يريد بالظلام وبالنهار القرطاس وبلسانه طرفه المحدد يقول يفهم المكتوب إليه ما لم يسمعه منه وإن شئت يفهم القلم عن الكاتب ما ليس يسمعه الكاتب وهذا من قول الطائيّ، أخذُّ اللفظ ينطقُ عن سواهُ، فيفهمُ وهوَ ليس بذي سماعِ،
ذبابْ حُسامٍ منه أنجى ضريبةً ... وأعصى لمولاه وذا منه أطوعُ
ذباب السيف طرفه المحدد والضريبة اسم للمضروب كالرمية اسم للمرمى يفضل القلم على السيف يقول المضروب بالسيف قد ينجو لأنه ينبو عنه ويعصى صاحبه الضاربَ به لأنه قد لا يقطع ومضروب القلم هو المكتوب بقتله لا ينجو والقلم اطوع من السيف لأنه لا ينبو عن مراد الكاتب
بكفِّ جوادٍ لو حكتها سحابةٌ ... لما فاتها في الشرق والغرب موضعُ
يقول هذا القلم الموصوف يجري بكفّ جواد لو كانت السحابة مثل كفّه في عموم النفع لعمت المشرق والمغرب بالمطر
فصيحٌ متى ينطق تجد كل لفظةٍ ... أصول البراعاتِ التي تتفرَّعُ
يعني أن كل لفظة من ألفاظه أصل من أصول البراعات وهي الكمال في الفصاحة والناس يبنون كلامهم عليها ويرجعون في استعمال الفصاحة إليها
стр. 25
وليس كبحرِ الماءِ يشتقُّ قعرهُ ... إلى حيث يفنى الماءُ حوتٌ وضفدعُ
يقول ليس بحر جوده كبحر الماءِ الذي فيه يغوص الحوت والضفدع حتى ينتهيا إلى قعره
أبحرٌ يضر المعتفين وطعمهُ ... زعاقٌ كبحرٍ لا يضرُّ وينفعُ
المعتفون السائلون يقال فلان عفاه واعتفاه إذا أتاه سائلا والزعاق المر يريد أن يفضل الممدوح على البحر والاستفهام في أول البيت معناه الإنكار يقول ليس بحر يضر من ورده بالغرق وهو مر الطعم لا يمكن شربه كبحر ينفع الواردين بالعطاء ولا يضرهم ولو قال ينفع ولا يضرّ كان احسن حتى لا يتوهم نفى النفع والضرر جميعا لكنه قدم لا يضر لاثبات القافية قال ابن جنيّ وهذا فيه قبح لن المشهور عندهم أن ينسب الممدوح إلى المنفعة لاوليائه والمضرة لأعدائه كما قال، ولكن فتى الفتيانِ من راحَ وأغتدى، لضرِ عدوٍّ أو لنفع صديقِ، وقال الآخر، إذا أنت لم تنفع فضر فإنّما، يرجى الفتى كيما يضر وينفعا، قال ابن فورجة أبو الطيب قال أبحر يضر المعتفين فخصص في المصراع الأول فعلم من لفظه أنه أراد كبحر لا يضر المعتفين لأنه خصص في ابتداء الكلام ولا يكون آخر الكلام خارجا عن أوله وهذا على ما قال
يتيهُ الدقيقُ الفكرِ في بعد غوره ... ويغرق في تياره وهو مصقع
التيار الموج والمصقع الفصيح البليغ لأنه يأخذ في كل صقع من القول والدقيق الفكر الفهم الفطن الذي يدق فكره وخاطره إذا تفكر وهذا هو الرواية الصحيحة بالألف واللام في الدقيق مع الاضافة إلى الفكر وهو جائز في اسماء الفاعلين كالطويل الذيل والحسن الوجه ومن روى دقيق الفكر جعل الدقة نعتا للفكر اراد يتيه الدقيق من الافكار والأول اجود ليكون نعتا للرجل كأنه قال يتيه الرجل الدقيق الفكر ألا تراه يقول وهو مصقع وهذا نعتٌ للرجل لا للفكر
ألا أيها القيلُ المقيمُ بمنبجٍ ... وهمتُهُ فوق السماكين توضع
يريد السماك الرامح والسماك الأعزل والايضاع السير السريع اوضعت الناقة إذا اسرعت
أليس عجيباً أن وصفك معجز ... وأن طنوني في معاليك تظلع
يقال طلعت النقاة تظلع إذا مشت مشية العرجاء من يدها أو رجلها يقول أليس من العجب أني مع جودة خاطري وبلاغة كلامي اعجز عن وصفك ولا يبلغ ظني معاليك فلا ادركها لكثرتها
وأنك في ثوبٍ وصدرك فيكما ... على أنه من ساحةِ الأرضِ أوسعُ
صدرك بالرفع استئناف يقول أو ليس من العجب انك في ثوب قد اشتمل عليك وصدرك فيك وفي الثوب مع أنه أوسع من وجه الأرض
وقلبك في الدنيا ولو دخلت بنا ... وبالجنِ فيه ما درت كيف ترجع
يقول أو ليس من العجب أن قلبك قد احاطت به الدنيا وهو من السعة بحيث لو دخلت الدنيا بمن فيها من الجن والإنس في قلبك لضلت وما اهتدت للرجوع
ألا كل سمحٍ غيرك اليوم باطلٌ ... وكل مديح في سواك مضيع
نصب غيرك كنصب، وما لي إلا أحمد شيعة، وما لي إلا مذهب الحق مذهب، وما في الدار غير زيد أحد لأنه قد تقدم على المستثنى منه والسمح الذي يسمح بماله يقول كل جواد سواك باطل أي بالإضافة إليك وكل مدح مدح به غيرك فهو مضيع لأنه ليس في أهله وفيمن يستحقه.
وقال في صباه على لسان بعض التنوخيين وقد سأله ذلك
قضاعة تعلم أني الفتى ال ... ذي ادخرت لصروف الزمان
يقول قبيلتي تعلم أني فتاها الذي يحتاجون إليه فيدخرونه لدفع ما ينزل بهم من الحوادث
ومجدي يدل بني خندف ... على أن كل كريم يماني
يقول شرفي دليل على أن كل كريم يمني أي من قبائل اليمن لأني منهم
أنا أبن اللقاء أنا ابن السخاء ... أنا ابن الضراب أنا ابن الطعان
العرب تقول لكل من لزم شيأ انه ابنه حتى قالوا لطير الماء ابن الماء واللقاء ملاقاة الأقران في الحرب يقول أنا صاحب هذه الأشياء لا أفارقها
أنا ابن الفيافي أنا ابن القوافي ... أنا ابن السروج أنا ابن الرعان
وكان ينشده أيضا بطرح الياء من الفيافي والقوافي اكتفاء بالكسرة كقوله تعالى جابوا الصخر بالواد والرعان جمع الرعن وهو الشاخص من الجبل يقول أنا صاحب الجبال لكثرة سلوكي طرقها
طويل النجاد طويل العماد ... طويل القناة طويل السنان
стр. 26
النجاد حمالة السيف وطولها دليل على طول قامته والعماد عماد الخيمة الذي تقوم به وذلك مما يمدح به لأنه يدل على كثرة حاشيته وزواره وطول القناة يدل على قوة حاملها لأنه لا يقدر على استعمال القناة الطويلة إلا القوي
حديد الحفاظ حديد اللحاظ ... حديد الحسام حديد الجنان
الحفاظ المحافظة على ما يجب حفظه ومعنى حديد اللحاظ أنه يرى مقاتل عدوه في الحرب يقول هذه الأشياء منى حديدة وأنا حديد هذه الأشياء
يسابق سيقي منايا العباد ... إليهم كأنهما في رهان
يقول سيفي يبادر آجال الناس ليسبقها فيقتلهم قبل انقضاء آجالهم وهذا من قول عنترة، وأنا المنية في المواقف كلها، والطعن منى سابق الآجال. ومثله قول الطاعي، يكاد حين يلاقي القرن من حنق، قبل الحمام على حوبائه يرد،
يرى حده غامضات القلوب ... إذا كنت في هبوة لا أراني
غامضات القلوب يريد القلوب الغامضة في الأبدان وإنما خصها دون سائر الأعضاء الغامضة لأنها مقاتل بلا شك يقول يرى حد سيفي قلوب الأعداء فيردها إذا كنت في غبار لا أرى نفسي ولا يجوز أراني بمعنى ارى نفسي وإنما يجوز ذلك في أفعال معدودة نحو ظننتني وخلتني وبابهما ومعنى البيت من قول زيد الخيل، وأسمر مرفوعٍ يرى ما رأيته، بصير إذا صوبتهُ بالمقاتلِ، أي هيأته نحو العدو وقد قال أبو تمام، من كل أرزق نظارٍ بلا نظرٍ، إلى المقاتل ما في متنه أودُ،
سأجعله حكماً في النفوس ... ولو ناب عنه لساني كفاني
الحكم بمعنى الحاكم يقول سأقتل من اعداءي ما شئت ولساني كسيفي في الحدة فلو ناب عنه كفاني السيف لأن أبلغ من التأثير في أعداءي بلساني ما يبلغه السيف ويجوز أن يكون المعنى ولو ناب اللسان عن السيف بأن يطيعوا أمري لم استعمل فيهم السيف وقال أيضا في صباه
قفا تريا ودقي فهاتا المخائل ... ولا تخشيا خلفاً لما أنا قائل
الودق المطر وهاتا بمعنى هذه والمخائل جمع المخيلة وهو السحابة الخليقة بالمطر والخلف اسم من الاخلاف يقول لصاحبيه اصبرا تريا من أمري شأنا عظيما فقد ظهرت مخائله وما يشهد لي بتحقيق ما كنت أعدكما من نفسي من قتل الأعداء وبلوغ الآمال وذكر أنه لا يخلف وعده.
رماني خساسُ الناسِ من صائبِ أستهِ ... وآخر قطنٌ من يديهِ الجنادلُ
الصائب بمعنى المصيب يقال صابه يصوبه واصابه يصيبه وصاب السهم الهدف واصابه يقول عابني الأراذل والاخساء ثم بين تفصيلهم فقال من صائب استه أي ممن يصيب استه ما يرميني به أي يلحقه ما يعيبني به وينقلب عليه وآخر يؤثر في ما يرميني به ولا يرميني به ولا يعلق بي ما يقوله في كأنه يرميني بقطعة قطن لعدم التأثير وقوله من صائب استه كقولهم جاءني القوم من فارسٍ وراحلٍ يعني أنهم من هذين الجنسين
ومن جاهلٍ بي وهو يجهل جهله ... ويجهل علمي أنه بي جاهلُ
يقول ومن رجل آخر لا يعرفني ولا يعرف أنه جاهل بي فهاتان جهالتان ويجهل أني أعلم أنه جاهل بي
ويجهل أني مالكً الأرض معسرٌ ... وأني على ظهر السماكين راجلٌ
يقول ولا يعلم هذا الجاهل أني في الحال التي املك فيها الأرض كلها معسرٌ عند نفسي ومقتضى همتي وأني إذا علوت السماء وركبت السماكين كنت راجلا لاقتضاء همتي ما فوق ذلك ألا تراه يقول
تحقر عندي همتي كل مطلبٍ ... ويقصر في عيني المدى المتطاولُ
يقول همتي تريني كل شيءٍ اطلبه حقيرا والغاية البعيدة قصيرةً في عيني
وما زلت طوداً لا تزول مناكبي ... إلى أن بدت للضيم في زلازلُ
مناكب الجبل أعاليه يقول لم أزل في الثبات والوقار طوداً لا يحركه شيء إلى أن ظُلمت فلم اصبر على الظلم بل تجردت لدفع الظلم عن نفسي وهو قوله
فقلقلتُ بالهم الذي قلقلَ الحشا ... قلاقلَ عيسٍ كلهنَّ قلاقلُ
стр. 27
القلقلة التحريك ويريد بالحشا ما في داخل الجوف والقلاقل الأولى جمع قلقلٍ وهي الناقة الخفيفة ويقال أيضا رجل قلقل وفرس قلقل إذا كانا سريعي الحركة والقلاقل الثانية جمع قلقلةٍ وهي الحركة يقول حركت بسبب الهم الذي حركة قلبي نوقا خفافا في السير يعني سافرت ولم اعرج بالمقام الذي يلحقني في الضيم ويجوز أن يكون القلاقل الثانية ايضا بمعنى الأولى فإذا كان كذلك عادت الكناية من كلهن على العيس لا على القلاقل يقول خفاف إبلٍ كلهن خفاف يعني انهن خفاف الخفاف وسراع السراع كما يقال افضل الفضلاء وعاب الصاحب اسماعيل ابن عباد أبا الطيب بهذا البيت فقال ما له قلقل الله احشاء وهذه القافات باردة ولا يلزمه في هذا عيبٌ فقد جرت عادة الشعراء بمثل هذا سمعت الشيخ أبا منصور الثعالبي ﵀ يقول قال لي أبو نصر بن المرزبان ثلاثة من رؤساء الشعراء شلشل أحدهم وسلسلَ الثاني وقلقلَ الثالث أما الذي شلشل فالأعشى وهو من رؤساء شعراء الجاهلية قال، وقد غدرت إلى الحانوتِ يتبعني، شاوٍ مشلٌّ شلولٌ شولُ، وأما الذي سلسل فمسلم بن الوليد وهو من رؤساء المحدثين وهو الذي قال، سلَّت وسلت ثم سلَّ سليلُها، فأتى سليلُ سليلها مسلولا، وأما الذي قلقل فهو المتنبي وهو من رؤساء العصريين وهو الذي يقول فقلقلت بالهم الذي قلقل الحشا البيت فبلبلْ أنت أيضا فقلت له أخشى أن أكون رابع الشعراء أعني قول من قال، الشعراء فاعلن أربعة، فشاعرٌ يجري ولا يجري معهْ، وشاعرٌ ينشدُ وسطَ المعمعةْ، وشاعرٌ من حقه أن تسمعه، وشاعرٌ من حقه أن تصفعه، فقال بل لا تكون رابع الشعراء قال ثم قلت بعد حينٍ من الدهر، وإذا البلابل أفصحت بلغاتها، فأنفِ البلابلَ باحتساءِ بلابل، وفي هذا ما يبطل انكار ابن عباد علي أبي الطيب
إذا الليل وارانا أرتنا خفافها ... بقدحِ الحصى ما لا ترينا المشاعلُ
المواراة الستر والمشاعل جمع مشعلة وهي النار الموقدة والمشعلة بكسر الميم الآلةُ التي تحمل فيها النار يقول إذا سترنا الليل بظلامه أسرعت هذه الإبل حتى تصطك الحجارة بعضها ببعض وتنقد النار منها فنرى بها ما لا نراه بضوء المشاعل
كأني من الوجناءِ في ظهرِ موجةٍ ... رمتْ بي بحاراً ما لهنَّ سواحلُ
الوجناء الناقة الغليظة الوجنات وقيل هي من الوجين وهو ما غلظ من الأرض جعل الناقة من شدة عدوها كالموج وجعل المفازة كالبحر في سعتها يقول كأني منها إذا ركبتها في هذه المفازة في ظهر موج يرميني في بحرٍ لا ساحلَ له
يخيل لي أن البلاد مسامعي ... وأني فيها ما تقول العواذلُ
يخيل لي أي يشبه واراد بالبلاد المفاوز يقول لا أستقر في البلاد كما لا يستقر في مسامعي كلام العذال وهذا منقول من قول من قال، كأني قذىً في عين كل بلاد، وقد قال البحتري، تقاذفُ بي بلادٌ عن بلادٍ، كأني بينها عيرٌ شرودُ،
ومن يبغ ما أبغي من المجد والعلا ... تساوي المحائي عنده والمقاتلُ
العلا جمع العليا تأنيث الأعلى كالكبر في جمع الكبرى والمحائي جمع المحيا بمعنى الحياة يقول من يطلب ما أطلب من الشرف والرتب العالية استوى عنده الحياة والقتل لأنه علم أن الأمور العالية فيها المخاوف والهلاك فيكون قد وطن نفسه على الهلاك فهو يصبر عليه ولا يبالي به وقوله تساوى إن كان مضيا يثبت بالياء وإن كان بمعنى تتساوى فلا ياءَ لنه في محل الجزم جوابا للشرط
ألا ليست الحاجات إلا نفوسكم ... وليس لنا إلا السيوف وسائل
يقول لملوك عصره لا نطلب إلا أرواحكم ولا نتوسل إلا بسيوفنا
فما وردت روح امرءٍ روحه له ... ولا صدرت عن باخلٍ وهو باخلُ
أي إذا وردت السيوف روح امرءٍ املك لها عنه وإذا صدرت عنه صار وإن كان بخيلا غير بخيلٍ لأن السيف ينال منه ما يطلب منه أو يفتدي روحه بماله
غثاثة عيشي أن تغثَّ كرامتي ... وليس بغثٍ أن تغثَّ المآكلُ
يقال غثّ الشيء يغثّ غثاثة وغثّ يغثّ أيضا يقول هزال عيشي في هزال كرامتي لا في هزال مطاعمي وقال أيضا في صباه
ضيفٌ ألم براسي غير محتشمِ ... والسيفُ أحسنُ فعلاً منه باللمم
стр. 28
عنى بالضيف الشيب كما قال الآخر، أهلاً وسهلاً بضيفٍ نزلْ، واستودعُ الله الفاً رحلْ، يريد الشيب والشباب والمحتشم المنقبض المستحيي يريد أن الشيب ظهر في رأسه شائعا دفعةً من غير أن يظهر في تراخٍ ومهلةٍ هذا معنى قوله غير محتشم ثم فضل فعل السيف بالشعر على فعل الشيب لأن الشيب بيضه وذلك اقبح الوان الشعر ولذلك سن تغيره بالحمرة والسيف يكسوه حمرةً إذا قطع اللحم على أن ظاهر قوله أحسن فعلا منه باللمم يوجب أن الشعر المقطوع بالسيف أحسن من الشعر الأبيض بالشيب لأن السيف إذا صادف الشعر قطعه وإنما يكسوه حمرةً إذا قطع اللحم وقال البحتري، وددتُ بياضَ السيف يومَ لقيتني، مكانَ بياضِ الشيب حل بمفرقي، فجعل نزول السيف برأسه أحب إليه من نزول الشيب برأسه
إبعدْ بعدتَ بياضاً لا بياض له ... لأنت أسودُ في عيني من الظلمِ
يقال بعد يبعد بعداً إذا ذل وهلك وعنى بالبياض الأول بياض الشيب وبالثاني الخصال الحميدة يقول يا بياضاً ليس له بياضٌ يريد معنى قول أبي تمام، له منظرٌ في العين أبيضُ ناصعُ، ولكنه في القلب أسودُ أسفعُ، وقد قال أبو الطيب في بياض الثلج ما يشبه هذا وهو قوله، فكأنها ببياضها سوداءُ، يقول بياض الشيب ليس ببياضٍ فيه نورٌ وسرور وهو اشدّ سواداً من الظلم لما يورى به من قطع الأجل وقطع الأمل وجميع من فسر هذا الشعر قالوا في قوله لأنت اسود في عيني من الظلم أن هذا من الشاذّ الذي أجازه الكوفيون من نحو قوله أبيضُ من أختِ بني إباض وسمعت العروضي يقول اسود هاهنا واحد السود والظلم الليالي الثلاث في أواخر الشهر التي يقال لها ثلاث ظلم يقول لبياض شيبه أنت عندي واحدةٌ من تلك الليالي الظلم على أن أبا الفتح قد قال ما يقارب هذا فقال وقد يمكن أن يكون لأنت اسود في عيني كلاما تاما ثم ابتدأ بصفة فقال من الظلم كما تقول هو كريمٌ من أحرارٍ وهذا يقارب ما ذكره العروضيّ غير أنه لم يجعل الظلم الليالي
بحبِّ قاتلتي والشيبِ تغذيتي ... هواي طفلاً وشيبي بالغ الحلمِ
عني بقاتلته حبيبته يعني أن حبها يقتله والباء في بحب من صلة التغذية يقول تغذيتي بهذين بالحب والشيب ثم فسر ذلك بالنصف الأخير من البيت يقول هويت وأنا طفل وشبت حين احتلمت لشدة ما قاسيت من الهوى فصار غذاءً لي وهواي ابتداءٌ وطفلا حالٌ سدّ مسدّ الخبر كما يقال انطلاقك ضاحكا وإقبالك مسرورا وعلى هذا التقدير أيضا وشيبي بالغ الحلم والمصراع الثاني تفصيل ما إجمله في الأول لأنه بين وقت العشق ووقت الشيب
فما أمر برسمٍ لا أسائله ... ولا بذات خمارٍ لا تريقُ دمي
ارسم أثر الدار مما كان ملاصقا بالأرض والطلل ما كان شاخصا يقول كل رسم يذكرني. رسم دارها فأسأله تسليا وكل ذات خار تذكرنيها فتريق دمي
تنفست عن وفاءِ غيرِ منصدعٍ ... يومَ الرحيل وشعبٍ غير ملتئمِ
يقول تنفست عند الوداع تحسرا على فراقي عن وفاءٍ يعني في قلبها من وفاء صحيح غير منشق وفراق غير مجتمع والمعنى وحزن فراقٍ فحذف المضاف أي أنها كانت منطويةً على وفاء صحيحٍ وهم فراقٍ لا يلتئم ولا يجتمع وكان تنفسها عن هذين ويريد بالشعب الفراق من قولهم شعبته إذا فرقته ويجوز أن يريد بالشعب القبيلة ويكون المعنى عن فراق شعبٍ غير مجتمع لارتحالهم وتفرقهم في كل وجه وهي كانت تشاهد ذلك والمعنى أنا افترقنا بالاجساد لا بالفؤاد لأنها كانت معي على الوفاء
قبلتها ودموعي مزج أدمعها ... وقبلتني على خوفٍ فما لفم
أي بكينا جميعا حتى امتزجت دموعي بدموعها في حال التقبيل والمزج مصدر سمي به الفاعل يقول دموعي مازجة دموعها أي ممتزجة بها ونصب فما لأنه وضعه موضع اسم الحال كما تقول كلمته فاه إلى فيّ أي مشافها
فذقتُ ماءَ حيوةٍ من مقبلها ... لو صاب ترباً لأحيا سالفَ الأممِ
جعل ريقها ماء الحياة على معنى أن العاشق إذا ذاقه حيي به ومعنى لو صاب تربا لو نزل على تراب من قولهم صاب المطر يصوب صوبا ويجوز أن يكون بمعنى اصاب وقد ذكرناه يقول لو وقع على الأرض لأحيى الموتى من الأمم المتقدمة وأول هذا المعنى للأعشى بقوله، لو أسندت ميتاً إلى نحرها، عاش ولم ينقل إلى قابر، فنقل أبو الطيب الأحياء إلى ريقها
ترنو إليَّ بعين الظبي مجشهةً ... وتمسح الطل فوق الورد بالنعمِ
стр. 29
جعل عينها عين الظبي لسوادها ومجهشة متهيئة للبكاء ويريد بالطل دموعها وبالورد خدها وبالعنم اطرافها بنانها محمرة بالخضب والعنم شجرٌ له ثمر أحمر يشبه العناب قال الازهري قد رأيته في عدة مواضع ومعنى البيت من قول أبي نواس وهو ما قرأته على أبي الحسن محمد بن الفضل فقلت أخبركم عن عبد المؤمن بن خلف قال اخبرنا محمد بن زكرياء الغلابي قال سمعت الصلت بن مسعود الجحدري يقول كنت على الصفا وإلى جانبي سفيان بن عيينة فقال لي يا شابُّ من أين أنت فقلت أنا من ناحية العراق فقال ما فعل شاعركم ما فعل ظريفكم قلت من تعني قال الحسن بن هانىء قلت وما الذي استظرفت من شعره قال قوله، يا قمراً أبصرتُ في مأتمٍ، يندب شجواً بين أتراب، يبكي فيلقي الدرَّ من نرجسٍ، ويلطم الوردة بعنابِ، قال فتعجبت من سفيان بن عيينه وانشاده شعر أبي نواس ومثله لابن الرومي، كأن تلك الدموع قطر ندًى، يقطرُ من نرجسٍ على وردِ،
وريد حكمك فينا غير منصفةٍ ... بالناس كلهم أفديك من حكمِ
رويد اسم من أسماء الفعل بمنزلة بمنزلة صه ومهْ وإيهٍ يقال رويدَ رويدا أي دعه وأمهله وغير منصفة نصب على الحال والعامل فيه المصدر وغير منصفة بمعنى ظالمة يقول دعي أو أقلي حكمك علينا وأنت ظالمة لنا ثم قال أفديك بالناس كلهم من حاكم يعني أنت حبيبة إلى أن حكمت بالجور
أبديت مثلَ الذي أبديتُ من جزعٍ ... ولم تجنى الذي أجننتُ من ألم
يقال أجننت الشيء أي سترته وكتمته يقول وافقتني في ظاهر الجزع للفراق ولم تضمري ما اضمرته من وجعه كما قال الناشىء، لفظي ولفظك بالشكوى قد ائتلفا، يا ليت شعري فقلبنا لم اختلفا
إذا لبزك ثوبَ الحسنِ أصغره ... وصرتِ مثلي في ثوبين من سقم
قال الزجاج تأويل إذا أن كان الأمر كما جرى أو كما ذكرت يقول القائل زيد يصير إليك فتقول إذا اكرمه تأويله أن كان المر على ما تصف وقع اكرامه وتأويله ههنا أنه ذكر أنها لم تجن الألم كأنه قال لو اجننت من الألم ما اجننته إذا لبزك أي لسلبك ثوبَ الحسن أقل جزءٍ من اجزاء الألم أي أذهب حسنك وظهر عليك من أثره ما يذهب نضارة حسنك ويكسوك ثوب السقم وإنما ذكر لفظ التثنية لأن العادة في اللباس ثوبان ازارٌ ورداءٌ للعرب ويسمونها الحلة وللعجم قميص وسراويل فكأنه قال وكساك حلة السقم كما كساني
ليس التعللُ بالآمال من أربى ... ولا القناعةُ بالإقلال من شيمي
التعلل ترجية الوقت بالشيء اليسير بعد الشيء يقال فلان يتعلل بكذا أي يمضي به وقته ودهره والإقلال الفقر والحاجة. أقل إذا صار إلى حالة قلة الوجد للشيء وهو ضد الإكثار يقول ليس من عادتي ان أتزجى بالآمال وأدافع الوقت بشيءٍ أرجوه لعله لا يكون ولا أن أقنع باليسير يعني أنه يطلب الكثير ويسافر في طلب المال كما قال أبو الأسود، وما طلبُ المعيشة بالتمني، ولكن ألق دلوك في الدلاءِ،
ولا أظنُ بناتِ الدهرِ تتركني ... حتى تسدَّ عليها طرقها هممي
بنات الدهر حوادثه ونوائبه التي تتولد منه وتحدث فيه يقول لا تدعني النوائب حتى ادفعها عن نفسي بسدّ طريقها إلى وهو أن يتقوى بالمال والانصار
لمِ الليالي التي أخنت على جدتي ... برقةِ الحالِ واعذرني ولا تلمِ
يقول لمن لامه في الفقر لا تلمني ولم الدهر الذي اهلك مالي وسلبني الغني يقال اخنى عليه الدهر إذا اتلفه والجدة الغنى
أرى أناسا ومحصولي على غنمٍ ... وذكر جودٍ ومحصولي على كلمِ
المحصول بمعنى الحصول وقد يكون المفعول مصدرا كالمعقول والميسور وقوله وذكر جود معناه واسمع ذكر جود وهو من باب، علفتها تبنا وماءً بارداً، يقول أرى قوما على صورة الناس غير أنهم عند التحصيل كالنعم لا عقل لهم كما قال السيد الحميري، قد ضيع الله ما جمعتُ من أدبٍ، بين الحميرِ وبين الشاءِ والبقرِ،
وربَّ مالٍ فقيرا من مروتهِ ... لم يثرِ منها كما أثرى من العدم
стр. 30
يقول وأرى رب مال وليست له مروة ولم يستكثر منها كما استكثر من المال حتى اثرى بعد الفقر أي لم يكثر المروة عند كثرة المال وقوله اثرى من العدم هو كما يقال استغنى من الفقر والمروة اصلها الهمز يقال امرءٌ بين المروءة ثم تخفف الهمزة فتلتقي وأوان فتدغم الأولى في الثانية وهذا منقول من قول الطاءي، لا يحسبُ الإقلال عدماً بل يرى، أن المقلَّ من المروةِ معدمُ،
سيصحب النصل مني مثل مضربهِ ... وينجلي خبري عن صمةِ الصممِ
الصمة الشجاع يقول السيف يصحب مني رجلاً كحده في المضاء ويتبين للناس أني اشجع الشجعان يعني إذا قصد الحرب مضى مضاء السيف وعمل عمل الاشجع والانجلاء الانكشاف
لقد تصبرت حتى لات مصطبرٍ ... فالآن أقحم حتى لات مقتحمِ
التاء في لات زائدة ومن الحروف ما يزاد فيه هاء التأنيث نحو ثم وثمت ورب وربت والجر به قليل شاذ وقال ابن جنىّ من العرب من يجر بلات وانشد، طلبوا صلحنا ولات أوانٍ، فأجبنا أن ليس حين بقاءِ، والمصطبر بمعنى الإصطبار وكذلك المقتحم بمعنى الاقتحام وهو الدخول في الشيء ويجوز أن يكونا بمعنى الوقت وبمعنى المكان يقول تكلفت الصبر حتى لم يبق اصطبار فالآن أي أورد نفسي المهالك واوقعها في الحرب حتى ادرك مرادي فلا يبقى اقتحام
لأتركنَّ وجوه الخيل ساهمةً ... والحربُ أقومُ من ساقٍ على قدمِ
ساهمة متغيرة لما يلحقها من شدائد الحرب يقال سهم وسهم وجهه يسهم ويسهم إذا تغير سهوما يقول لأكلفن الخيل من الحرب ما تسهم له ألوانها ولأتركن الحرب قائمةً كانتصاب الساق على القدم
والطعن يحرقها والزجرُ يقلقها ... حتى كأن بها ضرباً من اللمم
أي يعمل فيها الطعن عمل النار حتى كأنه يحرقها ويروي يخرقها والزجر الصياح بها عند اقتحامها في الحرب أو في الماء كأنه بذلك الصياح يزجها عن التأخر ويقلقها يحركها واللمم شبه الجنون يريد أنها تضطرب لما يلحقها من ألم الطعن وخوف الزجر فكأنها مجنونة إلا لا تستقر ولا تثبت
قد كلمتها العوالي فهي كالحةٌ ... كأنها الصابُ معصوبٌ على اللجم
التكليم تفعيل من الكلم الذي هو الجرح يقول هي عابسةٌ لما اصابها من جراح الرماح وكان الصاب وهو نبت مر يقال له الصبر قد شد على لجمها فهي تجد مرارته ويروى معصور من العصر
بكل منصلتٍ ما زال منتظري ... حتى أدلتُ له من دولةِ الخدمِ
يقول لأنكرن الحرب قائمةً بكل رجلٍ ماضٍ في الأمر انتظر خروجي على السلطان حتى أعطيته الدولة من الخدم الذين لا يستحقون الإمارة وعني بها الأنراك الذين تملكوا بالعراق ويقال ادلت له من فلان إذا أعنته عليه حتى جعلت له الدولة
شيخٍ يرى الصلوات الخمس نافلةً ... ويستحلُّ دم الحجاجِ في الحرمِ
شيخ بدل من منصلت يريد أنه يستعين بمثل هذا ممن لا يعتقد الدين حتى يزيل دولة الخدم
وكلما نطحت تحت العجاج به ... أسد الكتائب رامته ولم يرمِ
رامته زالت عنه ولم يزل هو عنها واراد رامت عنه فحذف حرف الجر وأوصل الفعل والأصل استعماله بحرف الجر كما قال الأعشى، أبنا فلا رمتَ من عندنا، فإنا بخيرٍ إذا لم ترمْ، والمعنى أن الأبطال تنهزم عنه ولا تنهزم هو والنطح إنما هو للكباش ولا يستعمل في الأسود ولو قال كلما صدمت أو رميت كان اليق ولكنه أراد بالنطح القتال
تنسى البلاد بروق البحو بارقتي ... وتكتفي بالدمِ البحاري عن الديمِ
يقول إذا أبرقت سيفي لأعداءي في الحرب فإن ضوءه يزيد على ضوء بروق السحاب حتى ينسى الناس البروق ويكثر مع ذلك سيلان الدم حتى تستغني البلاد عن الديم وهي الأمطار بما اصابه من الدماء
ردي حياض الردى يا نفسُ واتركي ... حياض خوفِ الردى للشآء والنعمِ
وكان ينشده أيضا حوباءُ أي يا حوباءُ وهي النفس يقول ردى المهالك والحروب واتركي خوف ورود الهلاك للانعام من الإبل والغنم أي إنها هي التي لا تقاتل عن نفسها ولا تحامي عنها عن الذل ويذكر النعم والمراد به الإبل خاصةً
إن لم أذركِ على الأرماح سائلةً ... فلا دعيتُ ابن أم المجد والكرمِ
يقول لنفسه أن لم اذكر سائلة الدم على الأرماح يعني أن لم احضر الحرب حتى يسيل الدم مني على الأرماح فلا ديعت أخا المجد والكرم
стр. 31
أيملك الملك والأسيافُ ظامئةٌ ... والطير جائعةٌ لحمٌ على وضمِ
الوضم كل شيء يوضع عليه اللحم ويضرب اللحم على الوضم مثلا للضعيف الذي لا امتناع عنده ويقال للمرأة لحم على وضم ومنه قول السنبسي، أحاذر الفقر يوما أن يلم بها، فيهتك الستر عن لحمٍ على وضم، وذلك أن الحيوان فيه نوع امتناع فإذا ذبح ووضع لحمه على الوضم كان عرضةً لكل أحد حتى الطيور والذباب وقوله أيملك الملك استفهامٌ معناه الإنكار يقول لا يملك الملك ضعيفٌ لا يمنع ولا يدفع عن نفسه والإسياف عطاش إلى دمه والطير لم تشبع من لحمه يعنى أنه يقتل ويلقى للطيور ولا يملك
من لو رآني ماءً ماتَ من ظمأٍ ... ولو مثلتُ له في النومِ لم ينمِ
من بدلٌ من قوله لحم على وضم يقول الذي لو كانت ماءً وكان عطشان لم يقدر أن يشرب مني لخوفه حتى يموت عطشا ولو رآني في النوم ماثلا له لهجر النوم خوفا من أن يراني في النوم
ميعاد كل رقيق الشفرتين غداً ... ومن عصى من ملوك العرب والغجمِ
أراد كل سيف رقيق الشفرتين وهو الذي رققت شرفتاه بكثرة الصقل يعني أنه يحاربهم ويقود غليهم الجيش ومن عصى يريد ومن عصاني
فإن أجابوا فما قصدي بها لهمُ ... وإن تولوا فما أرضى لها بهمِ
يقول إن اطاعوني وأجابوا إلى ما أدعوهم إليه فليست بسيوفي ولا اقتلهم بها وإن أدبروا عني فلا اقتصر على مثلهم بل اتعداهم إلى غيرهم قال أيضا في صباه وقد عذله أبو سعيد المخيمري في تركه لقاءَ الملوك
أبا سعيدٍ جنب العتابا ... فربَّ رآءٍ خطأً صوابا
يقول بعد عني عتابك ولا تعاتبني لأنك ترى الخطأ من زيارة الملوك صوابا ويجوز رائي خطأٍ بالإضافة وراء خطأً كما تقول زيد ضاربُ عمروٍ وضاربٌ عمرا إذا كان فيما يستقبل الرؤية ههنا بمعنى الظن والعلم فيجوز أن يتعدّى إلى مفعولين
فإنهم قد أكثروا الحجابا ... واستوقفوا لردنا البوابا
يقول الملوك نصبوا الحجاب الذين يحجبون عنهم الناس واستكثروا منهم وسألوا البواب وهو الذي يقف على الباب أن يقف على أبوابهم لصرف الناس عنهم
وإن حد الصارم القرضابا ... والذابلات السمر والعرابا
ترفع فيما بيننا الحجابا
القرضاب السيف القاطع والذابلات الرماح اللينة والعراب الخيل العربية يريد أنه يتوصل إلى الملوك بالسلاح والخروج عليهم وقال أيضا في صباه ارتجالاً على لسان رجلٍ سأله ذلك
شوقي إليك نفى لذيذ هجوعي ... فارقتني وأقامَ بين ضلوعي
يعني شوقي إليك منعني طيب النوم فارقتني أنت وأقام الشوق في قلبي
أوما وجدتم في الصراةِ ملوحةً ... مما أرقرقُ في الفراتِ دموعي
الصراة نهر يتشعب من الفرات فيصير إلى الموصل ثم إلى الشام وكان حبيبه من جانب الصرة يقول أوما وجدتم طعم ملوحة من دموعي في مائكم لبكاءي في الفرات ويقال رقرق الماء والدمع إذا صبه
ما زلتُ أحذر من وداعك جاهداً ... حتى اغتدى أسفي على التوديع
يقول لم أزل أحذر من وداعك خوف الفراق وأنا اشتاق الآن إلى التوديع واتأسف عليه لأني لقيتكعند الوداع فاتمنى ذلك لألقاك قال ابن جنى كنت أكره الوداع فلما تطاول البين أسفت على التوديع لما يصحبه من النظر والشكوى والبث
رحل العزاء برحلتي فكأنما ... أتبعته الإنفاس للتشييع
يقول ارتجل الصبر عني بارتحالي عنكم فكان أنفاسي تبعت العزاء مشيعةً له فهي صاعدة متصلة دائمة وقال في صباه أيضا ارتجالا
أي محلٍّ أرتقى ... أي عظيمٍ أتقي
يقول لم يبق له محل ولا درجة في العلو إلا وقد بلغها وأي استفهامٌ معناه الانكار أي وليس يخاف عظيما يتقيه
وكل ما قد خلق الل ... هُ وما لم يخلق
محتقرٌ في همتي ... كشعرةٍ في مفرقي
قوله وما لم يخلق ليس معناه ما لا يجوز أن يكون مخلوقا كذات البارىء وصفاته لأنه لو أراد هذا للزمه الكفر بهذا القول وإنما أراد وما لم يخلقه مما سيخلقه وقال أيضا في صباه
إذا لم تجد ما يبتر الفقر قاعدا ... فقم واطلب الشيء الذي يبتر العمرا
البتر القطع وما يبتر الفقر هو المال يقول إذا لم تجد غنى يقطع عنك الفقر فقم وأطلب ما يقطع العمر وهو الحرب أي لتصيب مالا أو تقتل فتستغني عن المال
стр. 32
وقال مجيبا لإنسان قال له سلمت عليك فلم ترد الجواب
أنا عاتبٌ لتعتبك ... متعجبٌ لتعجبك
يقول أنا واجد عليك لتكلفك الموجدة على من غير ذنب واتعجب من تعجبك مني حين لم أرد عليك الجواب
إذ كنت حين لقيتني ... متوجعا لتغيبك
فشغلتُ عن ردِ السلا ... مِ وكان شغلي عنك بك
يقول كنت في تلك الحالة التي لقيتني فيها اتوجع لغيبتك عني واشتغالي بالتوجع لفراقك شغلني عن رد الجواب عليك وكان اشتغالي في الظاهر اشتغالا عنك وفي الباطن اشتغالا بك وقال أيضاً في صباه
أنصر بجودك ألفاظاً تركت بها ... في الشرق والغرب من عاداك مكبوتا
يقول انصر بعطائك اشعاري التي مدحتك بها فكأني كبت بها أعداءك في الشرق والغرب يعني أنها غاظتهم ومعنى نصره إياها أن يصدقها فيما وصفه به من الجود ويعطي المتنبي حتى يزيده منها
فقد نظرتك حتى حان مرتحلي ... وذا الوداع فكن أهلاً لما شيتا
ويروي وقد بالواو ونظرتك معناه انتظرتك والمرتحل الارتحال يقول انتظرت عطاءك حتى حان الارتحال وهذا وقت وداعي إياك فاختر أن تكون أهلا للجود والمدح إن شئت أو للحرمان والذم إن شئت وهذا كقول أحمد بن أبي فننٍ، حان الرحيل فقد أوليتنا حسناً، والآن أحوج ما كنا إلى زادِ
حاشا الرقيب فخانته ضمائره ... وغيض الدمع فأنهلت بوادره
وقال أيضا في صباه ولم ينشدها أحدا
حاشا الرقيب فخانته ضمائره ... وغيض الدمع فانهلت بوادره
حاشاه تجنبه وتوقاه وغيض الدمع حبسه ونقصه وانهلت انصبت وبوادره سوابقه ومسرعاته يقول تباعد عن الرقيب مخافة أن يطلع على هواه فظهر عليه ما يكتمه لأنه لم يقدر على كتمانه فوقف الرقيب على سره والضمائر جمع الضمير وهو ما يضمره الإنسان في قلبه ومعنى خانته ظهرت للرقيب بغير قصده وأرادته وقد أكد هذا فيما بعده وهو قوله
وكاتم الحب يوم البين منتهك ... وصاحب الدمع لاتخفى سرائره
يقول الذي يكتم حبه كيلا يطلع عليه يبدو سره يوم الفراق لأنه يجزع ويبكي فيستدل بجزعه وبكائه على حبه والمصراع الثاني كالتفسير للأول
لولا ظباء عديٍّ ما شقيت بهم ... ولا بربربهم لولا جاذره
كنى بالظباء عن النساء وعدي قبيلة والربرب قيطع من البقر والجاذر جمع جوذر وهو ولد البقرة الوحشية والعرب تكنى بهذه الأشياء عن النسوان الحسان يقول لولا نساء هذه القبيلة اللاتي هن كالظباء في عيونهن واعناقهن لم اشق بهم أي أحتاج إلى مجاملتهم واحتمال الذل لأجل نسائهم الحسان ولا شقيت أيضا بالربرب لولا الصغار يعني لولا الشواب المليحات لم اشق بالكبار في مضايقتهن
من كل أحور في أنيابه شنبٌ ... خمر يخامرها مسك تخامره
ويروى مخامرها يريد من كل ظبي احور وهو شديد سواد العين والشنب صفاء الأسنان ورقة مائها وسئل ذو الرمة عن الشنب فأخذ حبة رمان فقال ذا هو الشنب أشار إلى صفائها ورقة مائها وقال ابن جنى خمرٌ بدل من شنب كأنه قال في أنيابه خمرٌ قد خالطت المسك والمسك قد خالطها وهذا قول جميع من فسر هذا الديوان قالوا الشنب الذي في أنياب هذا الأحور خمرٌ يخالطها مسك تخالط هذه الخمر ذلك المسك ويبعد إبدال الخمر من الشنب لأنه ليس في معنى الخمر والقول فيه أن خمر في معنى الابتداء ومخامرها ابتداء ثان ومسك خبره وهما في محل الرفع بالخبر عن خمر والهاء في تخامره ضمير الشنب يعني أن خمراً قد خامرها المسك تخامر ذلك الشنب وعلى رواية من روى يخامرها مسك هذه الجملة صفة للنكرة التي هي خمر وخبره قوله تخامره
نعج محاجره دعج نواظره ... حمر غفائره سود غدائره
نعج جمع انعج والنعج البياض والدعج السواد والغفائر جمع غفارة وهي خرقة تكون على رأس المرأة يوقى بها الخمار من الدهن وقد يكون اسما للمقنعة التي يغطي بها الرأس والمحجر جمع المحجر وهو ما حول العين جعلها بيضا لبياض الوانهن وإن جعلنا الغفائر المقانع فإنما جعلها حمرا لأنهن شواب كما قال، حمر الحلي والمطايا والجلابيب، وإن جعلناها الخرق فهي حمر لكثرة استعمالهن الطيب من المسك والزعفران والغدائر الذوائب واحدتها غديرة
أعارني قسم جفنيه وحملني ... من الهوى ثقل ما تحوى مآزره
стр. 33
يريد بسقم عينيه الفتور وذلك مما توصف الحسان به كما قال ابن المعتز، ضعيفة أجفانه، والقلب منه حجر، كأنما ألحاظه، من فعله تعتذر، وهو كثير والمآزر جمع المئزر وهو الازار وما تحويه المآزر الكفل وذلك مما يوصف بالثقل والمعنى أنه أمرضني كمرض جفنونه واثقلني بالهوى كثقل اردافه وهذا كقول منصور بن الفرج، حل في جسمي ما كان بعينيك مقيما، ومثله للبحتري، وكأن في جسمي الذي، في ناظريتك من السقم، وقد قال السري، ونواظرٍ وجد المحب فتورها، لما استقل الحي في أعضائه،
يا من تحكم في نفسي فعذبني ... ومن فؤادي على قتلي يضافره
المضافرة المعاونة يعني أن قلبه يعينه على قتله حيث لا يسلو مع ما يرى من كثرة الجفاء وهذا كما يقال قلب العاشق عونٌ عليه مع حبيبه
بعودةِ الدولة الغراءِ ثانيةً ... سلوت عنك ونام الليل ساهره
يعني دولة رجل كان قد عزل ثم ولي ثانيا يقول لما عادت دولته ذهب حبك من قلبي ونمت الليل بعد أن كنت أسهره
من بعد ما كان ليلى لا صباح له ... كأن أول يوم الحشر آخره
يقول من بعد ما كنت أقاسي من الحزن ما يسهرني فيطول على الليل للسهر حتى كأنه متصل بيوم الحشر
غاب الأميرُ فغاب الخيرُ عن بلدٍ ... كادت لفقد اسمه تبكي منابره
هذا من قول أشجع السلمي، فما وجه يحيى وحده غاب عنهم، ولكن يحيى غاب بالخير أجماع ومن قول موسى، بكت المنابر يوم مات وإنما، أبكي المنابر فقد فارسهنه،
قد اشتكت وحشة الأحياء أربعه ... وخبرت عن أسى الموتى مقابره
الوحشة الحزن يجده الإنسان في قلبه ند وحدته عن الناس وأربع جمع ربع وهو المنزل والأسى الحزن يقول لما غاب الأمير عن البلد حزن لغيبته الأحياء حتى أحست بذلك دورهم ومنازلهم وكذلك الموتى حزنوا حتى اخبرت المقابر عن حزنهم والضمير في الأربع والمقابر للبلد
حتى إذا عقدت فيه القباب له ... أهل لله باديه وحاضره
يعني القباب التي تتخذ للزينة والنثار وأهل لله أي رفعوا اصواتهم بالدعاء أهل البادية وأهل الحضر سرورا بعوده
وجددت فرحاً لا الغم يطرده ... ولا الصبابة في قلبٍ تجاوره
أي أن عودة دولته جددت فرحا لا يغلبه الغم ولا تجاوره شدة الشوق بعد هذا الفرح في قلب أي لا تسكنه أي لامتلاء كل قلب بهذا الفرح لا يكون فيه موضع للعشق
إذا خلت منك حمص لا خلت أبداً ... فلا سقاها من الوسمي باكره
حمص بلد بالشام ولد به الممدوح وقوله لا خلت أبدا دعاء له أي إذا خلت منك هذه البلدة فلا نزل بها المطر ولا سقاها باكر الوسمي وهو أول مطر في السنة والولي ثانية
دخلتها وشعاع الشمس متقد ... ونور وجهك بين الخيل باهره
متقد مثل متوقد يقول دخلت هذه البلدة في وقت اشراق الشمس حين كان يتوقد ضياؤها ونور وجهك قد بهر ضوء الشمس أي غلبه
في قيلقٍ من حديدٍ لو قذفت به ... صرف الزمان لما دارت دوائره
الفيلق العسكر وجعله من حديد لكثرته فيهم وعليهم يقول لو حاربت به الزمان ما دارت على الناس دوائره وهي حركاته وصروفه التي تدور على الناس وتأتي حالا بعد حال
تمضي المواكبُ والأبصارُ شاخصة ... منها إلى الملك الميمونِ طائره
الطائر الفأل والعرب يتفاءلون في الخير والشر بما طار فيسمون الفأل الطائر يقول العيون ذاهبة في نظرها إلى الملك لا تنظر إلى غيره من عساكره
قد حرن في بشرٍ في تاجه قمر ... في درعه أسد تدمى أظافره
حرن تحيرن يعني الإبصار وارد بالبشر الممدوح وبالقمر وجهه وجعله أسدا في الدرع لشجاعته والأظافر جمع اظفار وقوله تدمي أن تتلطخ بالدم بافتراسه اعداءه
حلو خلائقه شوسٍ حقائقه ... تحصى الحصى قبل أن تحصى مآثره
الخلائق جمع الخليقة بمعنى الخلق والشوس جمع الأشوس وهو الذي ينظر نظر المتكبر والحقيقة ما يحق على الرجل حفظه من الجار والولد يقال فلان حامى الحقيقة يقول اخلاقه حلوة وحقائقه محمية لا يحوم حولها أحد فهي ممتنعة امتناع المتكبر وهو كثير المآثر
تضيق عن جيشه الدنيا ولو رحبت ... كصدره لم تبن فيها عساكره
الكناية في عساكره تعود إلى الممدوح وهذا من قول أبي تمام، ورحب صدر لو أن الأرض واسعة، كوسعه لم يضق عن أهله بلد
стр. 34
إذا تغلغل فكر المرء في طرف ... من مجده غرقت فيه خواطره
التغلغل الدخول في الشيء يقول أدنى مجده يستغرق الفكر والخواطر لمن أراد أن يصفهد
تحمى السيوف على أعدائه معه ... كأنهن بنوه أو عشائره
يقال حمى الشيء يحمى حمًى فهو حامٍ وحمٍ إذا أشتد حره يقول إذا حارب اعداءه واشتد حر غضبه غضبت سيوفه علهيم معه حتى كان اقاربه وادانيه الذين يغضبون لغضبه وهو من قول أبي تمام، كأنها وهي في الأرواح والغةٌ، وفي الكلى تجد الغيظ الذي تجد، وقد قال البحتري، ومصلتاتٍ كأن حقداً، بها على الهام والرقاب،
إذا انتضاها لحرب لم تدع جسدا ... إلا وباطنه للعين ظاهره
يقول إذا أخرجها من أغمادها ليحارب بها لم تدع جسدا إلا قطعته إربا حتى تبدوا بواطن ذلك الجسد
فقد تيقن أن الحق في يده ... وقد وثقن بأن الله ناصره
يقول علمت سيوفه أن الحق في يده ووثقتبنصر الله إياه لكثرة ما رأت ذلك وتعودت والمعنى أنها لو كانت ممن يعلم لعلمت هذا
تركن هام بني عوفٍ وثعلبةٍ ... على رؤوس بلا ناس مغافرة
ويروى بني بحرٍ وهؤلاء قو اوقع بهم والمغافر جمع مغفر وهو ما يغفر الرأس أي يغطيه يقول سيوفه فرقت بين رؤوس هؤلاء القوم وبين ابدانهم حتى صارت مغافرهم على رؤوس بلا ابدان والهام جمع هامة وهي أعلى الرأس ومستقر الدماغ والكناية في مغافرة تعود إلى الهام يقول مغافر هام هؤلاء على رؤوس بلا ابدان لأن سيوفه فرقت بين الرؤوس والأبدان وقال ابن جنى لأنه جاء برؤوسهم لما قتلهم وعليها المغافر وعنى بالناس الابدان ومغافره رفع بالابتداء وخبره على رؤوس
فخاض بالسيفِ بحر الموت خلفهم ... وكان منه إلى الكعبين زاخره
الزاخر الممتلىء يقال زخر النهر يزخر زخورا إذا امتلأ وعنى ببحر الموت والمعركة الممتلئة بالدم كالبحر الزاخر يقول خاض ذلك البحر خلف هؤلاء إلا أنه لم يغرق ولم يبلغ ماؤه فوق كعبيه وقال ابن جنى أي ركب منهم أمرا عظيما عليهم صغيرا عليه هذا كلامه وعلى ما قال بحر الموت مثل للأمر العظيم وقرب غوره له مثل لصغره عنده
كم من دمٍ رويت منه أسنته ... ومهجةٍ ولغت فيها بواتره
المهجة دم القلب وولغت شربت وأصل الولغ شرب السباع الماء بألسنتها يقال ولغ الكلب في الماء يلغ ولوغا وولغا والبواتر القواطع
وحائن لعبت سمر الرماح به ... والعيش هاجره والنسر زائرة
يقول وكم من حائن أي هالك لعبت رماحك به أي قتلته فهجره عيشه وفارقه وزاره النسر ليأكل لحمه ومعنى لعب الرماح به تمكنها منه وقدرتها عليه
من قال لست بخير الناس كلهم ... فجهله بك عند الناس عاذره
يقول من لم يفضلك على جميع الناس فذلك لأنه جاهل بك وعذره في ذلك جهله بك
أو شك أنك فرد في زمانهم ... بلا نظير ففي روحي أخاطره
أخاطره من الخطر الذي يكون بين المتراهنين يقال خاطر فلان فلانا على كذا أي راهنه عليه يقول من شك في كونك فردا بلا نظير فأنا لا أشك في ذلك واجعل الخطر بيني وبينه روحي حتى إن وجد لك نظير استحق روحي فقتلني وإنما يقول هذا لثقته بكونه فردا
يا من ألوذ به فيما أومله ... ومن أعوذ به مما أحاذره
يقول يا من الجأ إليه في آمالي لأني لا ابلغها إلا به والجأ إليه مما أخافه لأني به انجو منه يعني أنه يدرك به ما يرجوه ويأمن ما يخافه
ومن توهمت أن البحر راحته ... جوداص وأن عطاياها جواهره
يقول يا من ظننت كفه البحر لجوده وإن ما يعطيه جواهر ذلك البحر
لا يجبر الناس عظماً أنت كاسرهُ ... ولا يهيضون عظماً أنت جابرهُ
الجبر اصلاح الكس والهيض الكسر بعد الجبر يقال هضت العظم فهو مهيض وانهاض إذا انكسر بعد الجبر يقول إذا افسدت أمرا لم يقدر الناس على اصلاحه وإذا اصلحت أمرا لم يقدروا على افساده والمعنى انهم لا يقدرون على خلافك في حالٍ من الأحوال قال ابن جنى وهذا بيت آخر بعينه:
لا يجبر الناس عظم ما كسروا ... ولا يهيضون عظم ما جبروا
ويروى بعده بيت منحول وهو
إرحم شباب فتى اودت بجدته ... يد البلا وذنى في السجن ناضره
يقول تسلط عليه البلى حتى اذهب جدته وذبلت نضارته في السجن وقال يمدح شجاع بن محمد بن عبد العزيز الطاءي المنبجي
стр. 35
عزيز أسى من داؤه الحدق النجلُ ... عياء به مات المحبون من قبل
العزيز الشيء الذي يقل وجوده والأسى بضم الألف الصبر والأسى بفتح الألف العلاج يقال أسوت الجرح آسوه أسواً وأسًى ومنه قول الأعشى، عنده البر والتقى وأسى الشق وحملٌ ممضلع الأثقال، والنجل جمع الأنجل وهو الواسع العين والعياء الداء الذي لا علاج له وقد أعيا الأطباء يقول يعز علاج من داؤه هوى الحدق النجل وهو عياء به مات العشاق من قبلنا فلما حذف المضاف إليه بنى قبل رفعا على الغاية
فمن شاء فلينظر إلى فمنظري ... نذيرٌ إلى من ظن أن الهوى سهل
يقول من اراد أن يعرف حال الهوى فلينظر إليّ فمنظري أي موضع النظر مني ويجوز أن يكون مصدرا مضافا إلى المفعول يقول منظري منذر من ظن أن أمر الهوى سهلٌ
وما هي إلا لحظة بعد لحظة ... إذا نزلت في قلبه رحل العقل
هي كناية عن لحظات العاشق يقول ما هي إلا أن يلحظ مرة بعد أخرى فاذا تمكنت النظرة من قلبه زال عقله لأن الهوى والعقل لا يجتمعان
جرى حبها مجرى دمي في مفاصلي ... فأصبح لي عن كل شغل بها شغل
يقول جرى الدم في عروقي مجرى الدم لشدة امتزاجه بي فشغلني عن كل ما سواها ويروي به أي بالحب ويروى ههنا بيتان منحولان وهما
سبتني بدلٍّ ذات حسن يزينها ... تكحل عينيها وليس لها كحل
كأن لحاظ العين في فتكه بنا ... رقيب تعدى أو عدو له دخل
ومن جسدي لم يترك السقم شعرةً ... فما فوقها إلا وفيها له فعل
فما فوقها أي فما هو أعظم منها ويجوز أن يريد فما دونها في الصغر وقد ذكر في قوله تعالى ما بعوضةً فما فوقها الوجهان يقول سقم الهوى قد أثر في كل شيء من بدني فظهر فيه فعله ويروى إلا وفيه على عود الكناية إلى ما
إذا عذلوا فيها أجبت بأنةٍ ... حبيبتا قلبا فؤادا هيا جمل
إذا لاموني فيها وفي حبها أجبتهم بانة وهي فعلةٌ من الأنين والحبيبة تصغير الحبيبة والألف فيها وفي قلبا وفؤادا بدل عن ياء الاضافة وكلها في موضع نصب لأنه نداء مصاف اراد يا حبيبتي يا قلبي يا فؤادي يا جمل والقلب والفؤاد هما الحبيبة جعلها قلبه والمراد بالتصغير التقريب من قلبه وهذا كما يقال أخى سيدي مولاي يا فلان تجعل كلامك كله نداء بعد نداء وحذفت حرف النداء وتقول في النداء يا زيد وأيا زيد وهيا زيد وأي زيد وأزيد وزيد هذا الذي ذكرناه كله معنى قول أبي الفتح ويجوز أن تكون الألف فيها للندبة اراد يا حبيبتاه يا قلباه يا فواداه فحذف الهاء للدرج وقال ابن فورجة اراد حبيبتاه فاسقط الهاء لدرج الكلام وقوله قلبا فؤادا يدعوهما لأنه يتشكاهما شكوى العليل كما قال ديسم بن شاذلويه الكردي، أنيني أنيسي وشجوي وسادي، وعيني كحيل بشوك القتاد، إذ قيل ديسم ما تشتكي، أقول بشجوٍ فؤادي فؤادي، فهذا أيضا يقول قلبي فؤادي أي هو الذي اتشكاه ومعنى البيت أني إذا عذلت في حبها اجبتهم بأنة ثم قلت قلبي فؤادي يا جمل يريد أني لا ألتفت إلى العذل ولا أزيد على الانين ودعاء المحبوب ليغيثني ما أنا فيه وقال غيرهما قلبا فوادا في محل الرفع على تقدير حبيبتي قلبي فؤادي أي هي لي بمنزلة القلب وعلى هذا جمل اسم واحدة من العواذل أي أقول لها هي قلبي فلا افارقها ولا اسمع عذلك فيها
كأن رقيباً منك سد مسامعي ... عن العذل حتى ليس يدخلها العذل
أول هذا البيت للعباس بن الاحنف في قوله، أقامت على قلبي رقيباً وناظري، فليس يؤدي عن سواها إلى قلبي، ثم محمد بن داود قال، كأن رقيباً منك يرعى خواطري، وآخر يرعى ناظري ولساني،
كأن سهاد العين يعشق مقلتي ... فبينهما في كل هجرٍ لنا وصلُ
يقول إذا تهاجرنا واصل السهاد عيني يعني لم أنم وجدا لفقدها وهذا كقوله، إني لأبغض طيف من أحببته، إذ كان يهجرنا زمان وصاله، فجعل الطيف يهجر عند الوصال كما أن السهاد يصل عند الهجران
أحب التي في البدر منها مشابهٌ ... وأشكو إلى من لا يصاب له شكل
стр. 36
المشابه جمع شبه كالمحاسن جمع حسن والمشائخ جمع شيخ وقد خرج في هذا البيت من النسيب إلى المدح مفضلا للممدوح بالكمال على المعشوق في الجمال فذكر أن في البدر انواعا من شبه الحبيبة منها الحسن والضياء والعلو والبعد عن الناس ثم قال واشكو هواها إلى من لا يوجد له نظير ولا مثل وإنما يشكو إليه ليعطيه من المال ما يتوصل به إليها
إلى واحد الدنيا إلى ابن محمد ... شجاع الذي لله ثم له الفضل
أراد شجاع الذي بالتنوين وحذفه لسكونه وسكون اللام الأولى من الذي وذالك جائز في الشعر كما قال، عمرو الذي هشم الثريد لقومه، ورجال مكة مسنتون عجاف، وهو كثير
إلى الثمر الحلو الذي ضيء له ... فروع وقحان بن هودٍ لها أصل
قحطان أبو قبائل اليمن وعدنان أبو قبائل العرب واراد بالثمر الحلو الممدوح جعله كالثمر الحلو في جوده وحسن خلقه وقوله لها يعني لهذه الفروع ومن روى له رد الكناية إلى الثمر
إلى سيدٍ لو بشر الله أمة ... بغير نبي بشرتنا به الرسل
يقول الله تعالى لا يبشر عباده بأحد من الخلق إلا ن يكون نبيا فلو كان يبشر بغير نبي لبشرنا به على لسان الرسل وروي لو بشر الله خلقه
إلى القابض الأرواح والضيغم الذي ... تحدث عن وقفاته الخيل والرجل
الضيغم الأسد لأنه يضغم الناس إي يعضهم واراد وقفاته بفتح القاف فسكن للضرورة وفعلة إذا كانت اسما جمعت على فعلات وإذا كانت صفة جمعت على فعلات بسكون العين يقول الخيل والرجال ويخبرون عن حسن مواقفه في القتال واراد بالخيل اصحابها
إلى رب مالٍ كلما شت شمله ... تجمع في تشتيته للعلي شمل
شت تفرق والشمل الاجتماع يقول كلما تفرق جمع ماله اجتمع شمل معاليه
همام إذا ما فارق الغمد سيفه ... وعاينته لم تدر أيهما النصل
يقول أنه يمضي في الأمور مضاء سيفه فإذا فارق سيفه الغمد لم تدر أيهما نصل السيف كما قال أبو تمام، يمدون بالبيض القواطع أيدياً، وهن سواء والسيوف القواطع،
رأيت ابن أم الموتِ لو أن بأسه ... فشى بين أهل الأرض لا نقطع النسل
أراد بابن أم الموت أخا الموت وإنما جعله أخا للموت لكثرة قتله اعداءه وخص الأم دون الأب لأن الأمر أخص بالمولود من الأب ألا ترى أن عيسى ﵇ ولد من غير اب ولم يولد أحد من غير أم ولان اكثر الحيوانات تعرف أمهاتها ولا تعرف أباءها والمعنى لو كان بأسه في الناس فاشيا لكان لكل أحد قتالا فينقطع النسل لكثرة القتل
على سابح موج المنايا بنحره ... غداة كأن النبل في صدره وبل
يعني بالسابح فرسه الذي كان يسبح من حسن جريه ولما سمى فرسه سابحا استعار للمنايا موجا واراد في موج المنايا فحذف حرف الجر واوصل سابحا إلى الموج فنصبه كما قال، باسرع الشد مني يوم لا إنةٍ، لما لقيتهم واهتزت اللمم، أراد بأسرع في الشد فحذف حرف الجر واضاف غداة إلى الجملة التي بعدها لأن ظروف الزمان تضاف إلى الجمل تقول رأيتك يوم قدم زيد والمعنى رأيت الممدوح على فرسٍ يسبح في موج البحر الحرب أي يسرع الجري فيه يوم كثرت سهام الاعداء في صدر فرسه كما يكثر الوبل وهو المطر السريع يقال وبل المطر يبل وبلا فهو وابلٌ
وكم عين قرنٍ حذقت لنزاله ... فلم تغض غلا والسنان لها كحل
يريد بالنزال القتال وأصله من منازلة الأقران وهو أن ينزل بعضهم إلى بعض إذا أشتد القتال وعظم الأمر للمضاربة بالسيف والمعانقة للصراع ويقال أصله من أنهم كانوا يركبون الإبل ويجنبون الخيل إذا غزوا اجماما لها فإذا وصلوا إلى العدو تداعوا نزال فينزلون من الإبل ويركبون الخيل وبهذا فسر قوله، فدعوا نزال فكنت أول نازل، هذا هو الأصل ثم يسمى القتال نزالا والمقاتلة منازلة وان لم يكن هناك نزول من الإبل والتحديق شدة النظر يقول كم عين قرن شددت النظر نحو قصدا لقتاله فلم يغمض عينه إلا وقد أدخل فيها سنانه فجعله لعينه بمنزلة الكحل
إذا قيل رفقا قال للحلم موضع ... وحلم الفتى في غير موضعه جهل
стр. 37
أي أنه إذا أمر بالرفق بالاقران وقيل له ارفق رفقا قال موضع الحلم غير الحرب يعني أن الرفق والحلم يستعملان في السلم وأما الحرب فلا رفق فيها بالأقران والمتحلم فيها جاهل واضع الشيء في غير موضعه وقد أكثر الناس في هذا المعنى فمن اشهر ما فيه قول الفند الزماني، وبعض الحلم عند الجهل للذلة إذعان، وقول سالم بن وابضة، إن من الحلم ذلا أنت عارفه، والحلم عن قدرةٍ فضل من الكرم، وقال الخريمي، أرى الحلم في بعض المواضع ذلة، وفي بعضها عزا يسود صاحبه، وقال الأعور الشني، خذ العفو وأعفر أيها المرء إنني، أرى الحلم ما لم تخش منقصة غنما، وقد ذكره أبو الطيب وقال، من الحلم أن تستعمل الجهل دونه، وقال، كل حلم أتى بغير اقتدار، البيت وقال، أني أصاحب حلمي، البيت
ولولا تولي نفسه حمل حلمه ... عن الأرض لأنهدت وناءَ بها الحمل
وصف حلمه بالرزانة يقول لولا أنه باشر بنفسه حمل حلمه عن الأرض لانكسرت الأرض بثقل حمله وأثقلها ذلك الحمل وهو ما يحمل على الظهر ويقال ناء به إذا اثقله فجعله ينوء بثقل ما حمله وهذا الوجه احسن ما فسر به قوله تعالى ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة الآية ولما كان الحلم يوصف بالرزانة والثقل والحليم يشبه بالطود صاغ في وصف حلم الممدوح هذا الكلام والمعنى إنه لو كان جسما لكان من الثقل بهذه الصفة
تباعدت الآمال عن كل مقصدٍ ... وضاق بها إلا إلى بابك السبل
يقول تباعدت آمال الناس عن جميع المقاصد يعني إنها قصدتك وتوجهت نحوك دون غيرك وهو قوله وضاق بها البيت أي لا سبيل لها إلا إلى بابك
ونادى الندى بالنائمين عن السرى ... فاسمعهم هبوا فقد هلك البخل
يقول إن شيوع نداه يحث القاعدين عنه على طلبه فكأنه يناديهم ويقول لهم استيقظوا من نومكم واسروا إليه فقد هلك بجوده البخل ويروي فقد رقد البخل
وحالت عطايا كفه دون وعده ... فليس له إنجاز وعدٍ ولا مطل
يقال حال دون الشيء إذا منع منه يقول حصول عطائه عاجلا يمنع من الوعد وإذا لم يكن وعد لم يكن إنجاز ولا مطل كما قال أشجع السلمي، يسبق الوعد بالنوال كما يسبق برق الغيوث صوب الغمام، ومثله لأبي الطيب، لقد حال بالسيف، البيت
وأقرب من تحديدها رد فائت ... وأيسر من إحصائها القطر والرمل
يقول لاتحد عطاياه ولا يمكن ذكر حدها ونهايتها كما لا يرد ما فات بل رد الفائت أسهل وأقرب وأيسر من احصائها إحصاء القطر والرمل وهو من باب حذف المضاف
وما تنقم الأيام ممن وجوهها ... لأخمصه في كل نائبة نعل
يقال نقمت الشيء إذا كرهته وعبته ومنه قوله تعالى وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا أي ما كرهوا وما عابوا إلا إيمانهم يريد أنه غلب الأيام بعزه وذلت له الأيام ذل من يطأه بأخمصه حتى يصير تحت رجله كالنعل في الذلة فالأيام لا تقدر أن تخالفه أو تعيب فعله وما تنقم استفهام معناه الإنكار ويجوز أن يكون نفيا واخبارا
وما عزة فيها مراد أراده ... وإن عز إلا أن يكون له مثل
عزه معناه غلبه من قولهم من عز بز وقوله وإن عز أي قل وجوده يقول لم يمتنع عليه مراد في الأيام وإن كان قليل الوجود إلا أن يكون له نظير فإنه يمتنع ولايوجد لعدم نظيره وهذا كقول البحتري، كل الذي تبغي الرجال تصيبه، حتى تبقى أن يرى شرواه، وكقوله أيضا، ولئن طلبت شبيهه إني إذا، لمكلف لب المحال ركابي، وأبو الطيب جمع وجهين من المدح وصفه بالاقتدار والانفراد عن الامثال واقتصر في موضع آخر على أحدهما فقال، أمريد مثل محمدٍ في عصرنا، لا تبلنا بطلاب ما لا يلحق،
كفى ثعلاً فخراً بأنك منهم ... ودهر لأن أمسيت من أهله أهل
ثعل بطن من طيء وهم رهط الممدوح يقول كفاهم من الفخر أنك منهم قال ابن جنى وارتفع دهر بفعل مضمر دل عليه أول الكلام كأنه قال وليفخر دخر أهل لأن امسيت من أهله وأهل صفة للدهر وروى ابن فورجة ودهراً عطفا على ثعلا قال وأهل رفع لأنه خبر مبتدأ محذوف أي هو أهل لأن أمسيت من أهله قال وللرفع في ودهر وجه آخر وهو العطف على فاعل كفى كأنه قال وكفى دهر أهل لأن أمسيت من أهله ثعلاً فخراً أي كفاهم دهرك فخرا لهم وأهل الأخير في البيت معناه مستأهل لذلك مستحق
وويل لنفسٍ حاولت منك غرة ... وطوبى لعين ساعة منك لا تخلو
стр. 38
فما بفقيرٍ شام برقك فاقةٌ ... ولا في بلاد أنت صيبها محل
الفاقة الحاجة والصيب المطر الشديد والمحل الجدب يقول لا فاقة بفقير يرجو عطاءك لأنك تحقق رجاءه ولا جدب حيث كنت هناك لأن جودك خصب حيث كان وشيم البرق مثل لتوجيه الأمل إليه كما يشام برق الساحب إذا رجى مطره وقال أيضا يمدح شجاع بن محمد الطاءي المنبجي
أليوم عهدكم فأين الموعد ... هيهات ليس ليوم عهدكم غد
العهد اللقاء يقول للأحبة عند الوداع اليوم ألقاكم فأين موعد لقائكم ثم التفت إلى سلطان البين فقال هيهات أي بعد ما اطلبه ليس لهذا اليوم غدا أي لا أعيش بعد فراقكم فلا غد لي بعد هذا اليوم ولم قال فمتى الموعد كان أليق بما ذكر بعده لأن أين سؤال عن المكان ومتى سؤال عن الزمان يريد بقوله ليس ليوم عهدكم غد يوم عهدهم للوداع
الموت أقرب مخلباً من بينكم ... والعيش أبعد منكم لا تبعدوا
المخلب يكون للمفترسة من الجوارح والسباع فاستعاره للموت لأنه باهلاكه الحيوان كأنه يفترسه يقول مخلب الموت أقرب إلى من فراقكم الذي يقع غدا أي أموت خوفا لبينكم قبل أن تفارقوني ويروي مطلبا والمعنى اطلب الموت قبل فراقكم أي لو خيرت بينهما لطلبت الموت ولم أطلب فراقكم وقوله والعيش أبعد منكم قال ابن جنى لأنه يعدم البتة وأنتم موجودون وإن كنتم بعداء عني والمعنى أن بعد العيش بالفناء وبعدكم بشسوع الدار وقوله لا تبعدوا دعاء لهم أي لا بعدتم عني ولا فارقتموني أبدا ومن روى بفتح العين فهو من البعد بمعنى الهلاك أي لا أهلككم الله ولا فرق بيني وبينكم
إن التي سفكت دمي بجفونها ... لمتدر أن دمي الذي تتقلدُ
يقول إن التي قتلتني لما نظرت إليّ ليست تدري أن دمي في عنقها وإنها باءت بإثم قتلي
قالت وقد رأت اصفراري من به ... وتنهدت فأجبتها المتنهدُ
أي لما رأت صفرة لوني وجدا بفراقها قالت من به أي من فعل به هذا الذي أراه وقال ابن جنى أي من المطالب به.. وتنهدت أي علا صدرها لشدة تنفسها وزفرت استعظاما لما رأت فأجبتها عن سؤالها المتنهد أي المطالب بي والفاعل بي هذا الشخص أو الإنسان المتنهد
فمضت وقد صبغ الحياءُ بياضها ... لوني كما صبغ اللجين العسجد
يعني أنها استحيت فاصفر لونها والحياء لا يصفر اللون بل يحمره ولكن هذا الحياء كان مختلطا بالخوف لأنها خافت الفضيحة على نفسها أو خافت أن يسمع الرقيب هذا الكلام أو خافت إن تطالب بدمه فاستشعارها خوف ما جنت من القتل غلب سلطان الحياء فأورث صفرةً وإنما عدي الصبغ إلى مفعولين لنه تضمن معنى الإحالة كأنه قال أحال الحياء بياضها لوني وقوله كما صبغ اللجين العسجد من قول ذي الرمة، كأنها فضةٌ قد مسها ذهب،
فرأيت قرن الشمس في قمر الدجى ... متأوداً غصنٌ به يتأودُ
جعل بياض لونها قمرا وعارض الصفرة فيها قرن الشمس وهذا أول ما يبدو منها اصفر قال ابن جنى أي قد جمعت حسن الشمس والقمر وقوله متأوداً حال لقرن الشمس ومعناه متثنيا متمائلا ثم ذكر سبب تثنيه فقال غصن به يتأود يعني قامتها تتمايل بوجهها في حال مشيتها
عدويةٌ بدويةٌ من دونها ... سلب النفوس ونار حرب توقد
يقول هي من بني عديّ من أعراب البادية والنسبة إلى عديّ عدويٌّ كالنسبة إلى عليّ علويٌ والبدوية منسوبة إلى بداء والبداء بمعنى البدو والبادية والنسبة إلى البدو بدوي بجزم الدال وإلى البادية باديٌّ والمعنى إنها منيعةٌ في قومها فقبل الوصول إليها تسلب أرواح طالبيها وتوقد نيران الحروب فمن طلبها صلى بنار الحرب
وهواجلٌ وصواهلٌ ومناصلٌ ... وذوابلٌ وتوعدٌ وتهدد
الهواجل الأرض الواسعة والصواهل الخيل والمناصل السيوف والذوابل الرماح يقول دون الوصال إليها هذه الإشياء
أبلت مودتها الليالي بعدنا ... ومشى عليها الدهر وهو مقيد
стр. 39
أي أبلاها بعد العهد وأنساها مودتها أيانا ويروي مودتنا الليالي عندها وقوله ومشى عليها الدهر وهو مقيد مبالغة في الإبادة أي وطئها وطأ ثقيلا كوطأ المقيد وذلك إن المقيد لا يقدر على خفة المشي ورفع الرجلين فهو يطأ وطأ ثقيلا كما قال، وطأ المقيد نابت الهرم، وقال ابن جنى هذا مثل واستعارة وذلك أن المقيد يتقارب خطوه فيريد إن الدهر دب إليها فغيرها وهذا الذي قاله يفسد بقوله عليها ولو أراد ما قال لقال ومشى إليها الدهر كما قال أبو تمام، فيا حسن الرسوم وما تمشى، إليها الدهر في صور البعاد،
أبرحت يا مرض الجفون بممرض ... مرض الطبيب له وعيد العود
يقال ابرح به وبرح به أي اشتد عليه والبرح والبرحاء الشدة وقال ابن جنى أبرحت تجاوزت الحد وعني بالممرض جفنها ومرض الطبيب له وعيد العود مثل أي تجاوزت يا مرض الجفون الحد حتى أحوجته إلى طبيب وعود يبالغ في شدة مرض جفنها هذا كلامه وقال ابن فورجة ابرح أبو الفتح في التعسف ومن الذي جعل مرض الجفون متناهيا وإنما يستحسن من مرض الجفون ما كان غير مبرح كقول أبي نواس، ضعيفة كر الطرف تحسب أنها، قريبة عهد بالإناقة من سقمو، ولو أراد تناهيه لقال تحسبها في برسام أو نزع روح وإنما عنى بالممرض نفسه وأنه ابرح به حبه لذلك الجفن المريض وأنه بلغ ابراحه به إن مرض طبيبه وعيد عوده رحمةً له على طريقتهم المعروفة بالتناهي في الشكوى هذا كلامه وهو على ما قال ومعنى مرض الطبيب له أي لأجله مرض الطبيب حين هاله مرضه ويدل على أن المراد بالممرض المتنبي لا الجفن قوله
فله بنو عبد العزيز بن الرضى ... ولكل ركبٍ عيسهم والفدفد
أي للممرض المذكور وهو المتنبي هؤلاء أي هم الذين يقصدهم ويبلغ بهم آماله ولسائر الناس من الراكبين المسافرين إلى غيرهم الإبل والمفازة أي لا يحصلون من سفرهم على شيء سوى التعب وقطع الطريق
الناس كلهم رووا من فيك شأم لأن اسم البلد شأم وإما زيادة الألف بعد الهمزة فإنما تزاد في النسبة يقال رجل شآم كما يقال رجل يمانٍ على أن أبا الطيب قد قال في غير النسبة والعراقان بالقنا والشآم، ومن استفهام معناه الإنكار أي ليس في الخلق كلهم مقصود يمدح غير شجاع ولا تقل من فيك يا شأم أي لا تخصها بهذا الكلام فإنه ليس أوحدها فقد بل هو أوحد جميع الخلق
أعطى فقلت لجوده ما يقتني ... وسطا فقلت لسيفه ما يولد
يقول لما أخذ في العطاء أكثر حتى قلت في نفسي أنه سيعطي جميع ما يقتنيه الناس ولما سطا على الأعداء أكثر القتل حتى قلت أنه سيقتل كل مولود ويجوز أن يكون المعنى أعطى فقلت لجوده مخاطبا إياه لا يقتني أحد مالا لأنهم يستغنون بكل عن نالجمع والإدخار وسطا فقلت لسيفه انقطع النسل فقد الفنيت العباد ومعنى أخر أعطى فقلت جميع ما يقتنيه الناس من جوده وهباته وسطا فقلت لسيفه ما يولد بعد هذا يشير إلى إبقائه على من أبقى مع اقتداره على الافناء فجعلهم طلقاءه وعقتاءه
وتحيرت فيه الصفات لأنها ... ألفت طرائقه عليها تبعد
يقول تحيرت فيه أوصاف المادحين له لانها وجدت طرائق الممدوح ومسالكه التي تحمد بعيدةً على الصفات لا تبلغها ولا تدركها
في كل معترك كلي مفرية ... يذممن منه ما الأسنة تحمد
المعترك موضع الحرب والمفرية المشقوقة يقول هو يقطع كلى المحاربين فالكلى تذم من الممدوح ما تحمده الاسنة وهو الاصابة في الطعن وجودة الشق والكلى تذم هذا
نقم على نقم الزمان يصبها ... نعم على النعم التي لا تجحد
نقم على نقم الزمان يصبها الممدوح على أعدائه وهي في اوليائه نعم على نعم لا تجحد لأنه ما لم ينكب الأعداء لم يفد الأولياء ومن روى بفتح التاء جاز أن يكون خطابا وإن يكون للتأنيث
في شأنه ولسانه وبنانه ... وجنانه عجب لمن يتفقد
أسد دم الأسد الهزبر خضابه ... موت فريص الموت منه يرعد
يقول هو شجاع يتلطخ بدم الأسد حتى يصير كالخضاب له وهو موت لأعدائه فيخافه الموت وترتعد فرائصه وهي لحمات عند الكتف تضطرب عند الخوف
ما منبج مذ غبت إلا مقلةٌ ... سهدت ووجهك نومها والإثمدُ
يقول هذه البلدة مذ غبت عنها كالمقلة الساهدة ووجهك لها بمنزلة النوم والكحل وهما اللذان تصلح بهما العين أي صلاحها بحضورك
стр. 40
فالليل حين قدمت فيها أبيض ... والصبح منذ رحلت عنها أسود
يقول أبيض الليل في هذه البلدة بنورك وضيائك حين قدمت وأسود صباحها منذ خرجت منها وهذا من قول أبي تمام، وكانت وليس الصبح فيها بأبيض، فأضحت وليس الليل فيها بأسود،
مازلت تدنو وهي تعلو عزة ... حتى توارى في ثراها الفرقدُ
ويروي رفعة يقول لم تزل تقرب من منبج وهي تزداد عزة ورفعة لقربك منها حتى علت النجوم فصارت فوق الفرقدين
أرض لها شرف سواها مثلها ... لو كان مثلك في سواها يوجد
أرض سوى منبج لها شرف مثل شرف منبج لو وجد فيها مثلك أي إنما شرفها بك فهو وجد مثلك في غيرها لكانت تساويها في الشرف
أبدى العداة بك السرور كأنهم ... فرحوا وعندهم المقيم المقعد
أي أظهروا السرور لقدومك خوفا منك لا فرحا بك وعندهم من الحسد والخوف ما يزعجهم
قطعتهم حسداً أراهم ما بهم ... فتقطعوا حسداً لمن لا يحسد
يردي أنهم حسدوك فماتوا بشدة حسدهم إياك فكأنك قطعتهم إرباً حتى تقطعوا حسداً لمن لا يحسد أحدا لأنه ليس فوقه أحد فيحسده ولن نالحسد ليس من اخلاقه وقوله قطعتهم حسدا هو كقولك أهلكته ضربا وأفنيته قتلا وقوله أراهم ما بهم من التقصير عنك والنقص دونك أي كشف لهم عن احوالهم وما في محل النصب لأنه مفعول أرى وقول من قال ما بهم من قولهم فلان لما به إذا اشرف على الموت ليس بشيء ولا يلتفت إليه
حتى انثنوا ولو أن حر قلوبهم ... في قلب هاجرةٍ لذاب الجلمد
أي انصرفوا عنك وعن مباهاتك عالمين بنقصهم وفي قلوبهم من حرارة الحسد والغيظ ما لو كان في هاجرة لذاب الحجر واستعار للهاجرة قلبا لما ذكر قلوبهم
نظر العلوج فلم يروا من حولهم ... لما رأوك وقيل هذا السيد
العلوج غلاظ الأجسام من الروم والعجم يقول شغلوا بالنظر إليك عن النظر إلى غيرك فصاروا كأنهم لا يرون أحدا سواك من القوم الذين حولهم ورأوا منك ما دلهم على سيادتك فقالوا هذا هو السيد وعنى بالعلوج القادة من الروم
بقيت جموعهم كأنك كلها ... وبقيت بينهم كأنك مفرد
قال ابن جنى أي كنت وحدك مثلهم كلهم لأن ابصارهم لم تقع إلا عليك وشغلت وحدك أعينهم فقمت مقام الجماعة هذا كلامه والمعنى أنهم لصغرهم في جنبك كأنه لا وجود لهم وإذا فقدوا كنت كل من بذلك المكان ثم حقق هذا المعنى بالمصراع الثاني وأتى بكاف التشبيه دلالة على أن هذا تمثيل لا حقيقة ومعنى لا وجود
لهفان يستوبي بك الغضب الورى ... لو لم ينهنهك الحجي والسودد
اللهف حرارة الجوف من شدة وكرب ويستوبي يستفعل من الوباء وأصله يستوبىء بالهمزة ويقال نهنهه إذا رده وكفه ويريد باللهفان المغتاظ والغضبان وهو حالٌ للممدوح من قوله وبقيت وتقدير الكلام يسوبىء الورى الغضب بك يعني الغضب الذي بك يجدونه وباءٌ مهلكا لهم لو لم ينهك سوددك وحلمك عن إهلاكهم
كن حيث شئت تسر إليك ركابنا ... فالأرض واحدةٌ وأنت الأوحد
يقول كن في أي موضع شئت من البلاد فأنا نقصدك وأن بعدت المسافة فإن الأرض واحدة وأنت أوحدها أي فأنت الذي تزار وتقصد دون غيرك قال ابن جنى قوله فالأرض واحدة أي ليس للسفر علينا مشقة لإلفنا إياه قال العروضي ليست شعري أي مدح للممدوح في أن يألف المتنبي السفر ولكن يقول الأرض هذه التي نراها ليس أرضا غيرها وأنت اوحدها لا نظير لك في جميع الأرض وإذا كان كذلك لم يبعد السفر إليه وإن طال لعدم غيره ممن يقصد
وصن الحسام ولا تذله فإنه ... يشكو يمينك والجماجم تشهد
قال ابن جنى صنه لأن به يدرك الثأر ويحمى الذمار قال ابن فورجة كيف أمن أن يقول ما أذلته إلا لأدرك به ثأري وأحمي ذماري وهذا تعليل لو سكت عنه كان أحب إلى أبي الطيب وإنما يعني أنك قد أكثرت القتل فحسبك وأغمد سيفك فقال صن صيفك وإنما يريد اغمده وهذا كقوله، شم ما انتضيت، البيت
يبس النجيع عليه وهو مجرد ... من غمده وكأنما هو مغمد
يقول أن الدم الجاسد عليه صار كالغمد له حتى يرى مجردا كالمغمود وهذا من قول البحتري، سلبوا وأشرقت الدماء عليهم، محمرةً فكأنهم لم يسلبوا، وهو من قول الآخر، وفرقت بين أبني هشيم بطعنةٍ، لها عاند يكسو السليب إزارا،
ريان لو قذف الذي أسقيته ... لجرى من المهجات بحر مزبد
следующие страницы →