← Тафсир

Тафсир · id 755

معالم التوحيد في فاتحة الكتاب

عرفة بن طنطاوي

Полный текст (452 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

سلسلة الرسائل العلمية (١٢) معالم التوحيد في فاتحة الكتاب دراسة تحليلية موضوعية تأليف الدكتور: عرفة بن طنطاوي أستاذ التفسير وعلوم القرآن للدراسات العليا بالجامعة الإسلامية والمعهد العالي للأئمة والخطباء بمنيسوتا

стр. 2

بحوث ورسائل علمية جامعية (١) الموسوعة البحثية التأصلية في الدراسات القرآنية معالم التوحيد في فاتحة الكتاب (رسالة دكتوراه) دراسة تحليلية موضوعية تأليف الدكتور/ عرفة بن طنطاوي أستاذ التفسير وعلوم القرآن للدراسات العليا بالجامعة الإسلامية والمعهد العالي للأئمة والخطباء بمنيسوتا دار المأثور … دار الأمل

стр. 3

أصل الكتاب رسالة نال بها الباحث درجة العالِمية (الدكتوراه) في التفسير وعلوم القرآن بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف الأولى

стр. 4

تنبيه هذا كتاب مفيد قد حوى دُررَا … فيه معالم عن توحيد الله خُذ خبرَا يا مَن يوحد الله فاحظ به … حتى تكون بِذَا القرآن مُدَّكِرَا

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)

стр. 6

ديباجة الكتاب إنَّ الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. أما بعد (١): فإنَّ شرف العلم من شرف المعلوم، وشرف كل علم بشرف متعلقه، وعلم التفسيرِ متعلق بأشرف كتاب ألا وهو كتاب الله تعالى، ولذا يُعَدُّ علمُ التفسيرِ من أجلّ العلوم بل ومن أشرفها وأبركها وأعلاها قدرًا وأزكاها، وأعظمها أثرًا ونفعًا، والبشرية عمومًا والأمة خصوصًا أكثر احتياجًا له على مرِّ العصور والأزمان؛ وذلك لمسيس الحاجة

стр. 7

لفهم معاني آي التنزيل، وإيضاح غريب ومبهم القرآن، وبيان مقاصده وأحكامه، وبيان دلائل هداياته، والجواب عن تساؤلاته، وبيان مجمل معاني آياته. وأهل العلم بتفسير القرآن نالوا شرفًا مرومًا، وعلوَّ قدرٍ وشأنٍ، ورفعةَ مكانةٍ، وسموَّ رتبةٍ. إذْ جعلَهم اللهُ مرجعًا للعباد في الدلالة على إيضاح المراد من كلامه ، وأيُّ شرف يعدل هذا الشرف؟ ولا شك أن هذا من أعظم الدوافع وأعظم المطالب الداعية للتنافس في بذل العمر النفيس والوقت الغالي العزيز لنيل أعظم المراتب وأشرف الأماني، وهذا مما يعين على البذل والتضحية في التنقيب والبحث في علم التفسير بعلو همة وإقبالِ نفسٍ لتحقيق تلك الرتب العالية، والفوز بالمكانة الرفيعة السامية، ونيل تلك المآرب الشريفة الغالية. هذا مع ما يمنُّ الله به على مَن اشتغل بهذا العلم الشريف من التعلق بكتاب ربه وعمارة وقته وحياته به، وينزل الله عليه من السكينة والطمأنينة وشآبيب الرحمة، مع ما يورثه من انشراحٍ لصدره وطمأنينة لنفسه وتزكية لفؤاده وصلاح في معاشه، مع ما أعده له من جزيل عطائه وثوابه في معاده، هذا مع ما يعود نفعه لعباده ببيان وإيضاح معاني تأويل كتابه والكشف عن أسرار تنزيله وبيان معاني آياته. قال سبحانه في شأن كتابه: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]. تلك هي الدوافع الداعية لخوض البحث والتنقيب عن معاني القرآن العظيم عمومًا، وبيان فضائل فاتحته خصوصًا، وإيضاح معانيها وتعلقها بأشرف وأعظم وأجل قضية ينبغي أن تبذل من أجلها الهمم العوالي والمهج الغوالي، ألا وهي قضية التوحيد

стр. 8

الذي هو حق الله على العبيد، فهي أعظم سورة في كتاب الله، وهي أم القرآن وهي السبع المثاني والقرآن العظيم، ما أُنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها. وقد قال الله تعالى في شأنها: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر]. وقَالَ رَسُولُه اللَّهِ ﷺ عنها: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُنْزِلَتْ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الفُرْقَانِ مِثْلُهَا، وَإِنَّهَا سَبْعٌ مِنَ المَثَانِي وَالقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُهُ» (١). خطوات البحث: أولًا-أهمية الموضوع وأسباب اختياره: ١ - بيان مكانة القرآن الكريم وعلو قدره عمومًا، وبيان مكانة وفضل وقدر أفضل سورة فيه، ألا وهي سورة الفاتحة خصوصًا. ٢ - بيان عظمة ما اشتملت عليه السورة الكريمة من تقرير أعظم وأجل قضية ألا وهي قضية التوحيد. ٣ - بيان المقاصد العامة للسورة الكريمة وشموليتها، وإيضاح ما قررته من قضايا كلية (عقدية وتعبدية وسلوكية). ثانيًا-أهداف البحث: ١ - بيان أن المحور الرئيس في السورة الكريمة هو تقرير عبودية الخلق للخالق جل في علاه. ٢ - إن من أهم أهداف البحث بيان عظم قدر التوحيد وعلو شأنه.

стр. 9

٣ - إيضاح وإبراز العلاقة الوطيدة بين السورة الكريمة وبين التوحيد بأنواعه الثلاثة. ٤ - ومن أهم أهداف البحث إبراز الجوانب العظيمة التي حوتها السورة الكريمة. ٥ - ومن الأهداف الجليلة للبحث لفت انتباه أنظار المسلمين عمومًا والباحثين والدارسين خصوصًا لعظم شأن السورة وما حوته وتضمنته من قضايا ومباحث، وأن مجال البحث في شأن فاتحة الكتاب ما يزال بابه مفتوحًا لم يوصد، وذلك لعظم شأن كتاب الله ولعظم قدر فاتحته وما حوته وتضمنته من قضايا، ماتزال تحتاج لبحث وتنقيب وإبراز لتلك الجوانب العظيمة التي تدل على عظمة الله، وعظمة كلامه الذي لا منتهى لفضله ولا حصر لقدره وعلو شأنه. ثالثًا-الدراسات السابقة: لعظم شأن فاتحة الكتاب في صدور أهل الإيمان كثُر التصنيفُ والتأليفُ فيما يخص السورة الكريمة، سواء من عموم المصنفين والمؤلفين، أو من عموم الباحثين والدارسين كذلك، ومما قُدِّم من أطروحات وبحوث ودراسات علمية، كلٌّ يتناولها من جانب من الجوانب، فباحث يتناولها من جانب التفسير الموضوعي، وباحث يتناولها من الجانب اللغوي، وباحث يتناولها من جانب الإعجاز البلاغي، وباحث يتناولها من جانب الترابط النصي والوحدة الموضوعية إلى غير ذلك من الموضوعات، ومن ذلك: ١. موضوعات قرآنية في ضوء سورة الفاتحة دراسة موضوعية لعماد يعقوب حمتو. ٢. دلالات سورة الفاتحة التربوية في ضوء التفسير القيم د. حمدان عبد الله الصوفي الجامعة الإسلامية بغزة كلية التربية - قسم أصول التربية. ٣. سورة الفاتحة في ضوء عبادة الدعاء تفسير موضوعي - كريم امصنصف - مدينة مكناس، شمال شرق المملكة المغربية.

стр. 10

٤. التفسير التحليلي للقرآن الكريم: تفسير سورة الفاتحة نموذجاً (٣٥٠) صفحة لـ ناصر الكسواني عن: دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع (٢٠١١). والحقيقة أن ما كُتِب في السورة الكريمة وصُنِّف يصعُب إحصاؤه، إلا أنه في حدود البحث الضيق لم تقف الدراسة على بحث دراسي أو أُطرُوحة علمية تعالج موضوع بحثنا بدراسة تحليلية موضوعية مستقلة بتناول قضية التوحيد وعلاقتها بفاتحة الكتاب. ولعظم وقدر أفضل سورة في كتاب الله، ولمكانة أجل قضية تعالجها السورة الكريمة ويدور عليها محورها الرئيس، ألا وهو موضوع (قضية التوحيد)، كان هذا البحث الموسوم بـ (معالم التوحيد في ضوء فاتحة الكتاب). رابعًا- منهج البحث: ١ - يعتمد منهج البحث على الجمع بين جانبين ونوعين عظيمين جليلين من جوانب التفسير ألا وهما جانبا التفسير التحليلي الموضوعي. ٢ - تقديم فصل تمهيدي مهم بين يدي البحث يتعلق ببيان عظم مكانة التوحيد: (مفهومه ومعناه -حقائقه وفضائله- دلائله ونواقضه)؛ لأنه الموضوع الرئيس الذي تتعلق به السورة الكريمة. ٣ - الحديث عن السورة الكريمة وبيان ما يتعلق بها وما تدعو الحاجة لبيانه، وذكر أهم ما ثبت لها من أسماء، وبيان عدد آياتها وكلماتها وحروفها. ٤ - بيان أبرز موضوعات السورة الكريمة ثم بيان معناها الإجمالي. ٥ - بيان بعض ما ورد في زمن وسبب نزولها، ثم بيان بعض ما ورد في فضائلها وخصائصها. ٦ - بيان أهم المناسبات في السورة الكريمة. ٧ - بيان معالم التوحيد كما وردت في السورة الكريمة ودراستها دراسة موضوعية تحليلية.

стр. 11

٨ - الاستشهاد بالآيات القرآنية، مع عزو كل ما استُدِلَّ به من آيات إلى اسم السورة ورقم الآية. ٩ - الاستدلال بما ثبت من الأحاديث النبوية الشريفة المتعلقة بموضوع البحث، لأن السنة المطهرة مفسرة للقرآن، مبينة لمجمله، ومقيدة لمطلقه، ومخصصة لعمومه، ومفصلة لأحكامه، وموضحة لمشكله. ١٠ - الاستدلال بكلام أئمة التفسير مع تقديمه على كلام غيرهم من أهل العلم، وذلك لتعلق البحث بالتفسير، مع تقديم التفسير بالمأثور على غيره، إلا ما دعت إليه الحاجة. ١١ - إظهار شخصية الباحث بإبداء الرأي فيما ينقل من نصوص والتعليق عليها والترجيح إن اُحْتِيجَ لذلك. ١٢ - العناية التامة بتخريج الأحاديث النبوية الشريفة وعزوها إلى مصادرها الأصلية من غير تطويل ممل ولا تقصير مخل، مع الالتزام بقواعد التخريج والحكم عليها والاكتفاء بالثابت منها ومجانبة الضعيف والموضوع حسب القدرة والطاقة والمستطاع، عدا ما ثبت في الصحيحين، فإنه لا يُحكم عليه، لتلقي الأمة لهما بالقبول. ١٣ - العناية بآثار الصحابة ﵃ وأقوال أهل العلم حسب القدرة والطاقة والإمكان وعزوها لمصادرها. ١٤ - العناية بتراجم الأعلام غير المشاهير، والبلدان غير المعروفة. ١٥ - إعداد مجموعة الفهارس العلمية على ما هو متبع في البحوث والدراسات على النحو التالي: أولًا- فهرس الآيات القرآنية بحسب ترتيبها في المصحف الشريف. ثانيًا- فهرس الأحاديث النبوية الشريفة، مرتبة ترتيبًا هجائيًّا (ألف بائي)

стр. 12

ثالثًا- فهرس الأعلام المترجم لهم، معتمدًا على ما اشتهر به العلم من اسم، أو لقب، أو كنية، مرتبة ترتيبًا هجائيًّا (ألف بائي). رابعًا- تراجم البلدان غير المشهورة إن وجد، مرتبة ترتيبًا هجائيًّا (ألف بائي) خامسًا- ثبت لأهم المصادر والمراجع، مرتبة ترتيبًا هجائيًّا (ألف بائي). سادسًا- فهرس الموضوعات. وختامًا: نسأل الله صدقًا في النية، وصلاحًا في الطوية، وإخلاصًا يُراد به رب البرية، والحمد لله رب العالمين. ما دعوة أنفع يا صاحبي … من دعوة الغائب للغائب ناشدتك الرحمن يا ناظرًا … أن تسأل الغفران للكاتب أبو عبد الرحمن عرفة بن طنطاوي arafatantawy@hotmil.com

стр. 13

مخلص البحث سيقسم هذا البحث بإذن الله تعالى إلى مقدمة، وأربعة فصول، ويندرج تحت كل فصل عدة مباحث، وخاتمة، ومجموعة من الفهارس. أما المقدمة فتشمل ما يلي: ١ - أهمية الموضوع وأسباب اختياره. ٢ - أهداف البحث. ٣ - منهج البحث. ٤ - الدراسات السابقة. تليها خطة البحث: وتشتمل على أربعة فصول، ويندرج تحت كل فصل عدة مباحث ثم الخاتمة وفيها: ١ - أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة. ٢ - بيان لأهم توصيات الدراسة. ٣ - ويليها مجموعة الفهارس العلمية.

стр. 14

خطة البحث المقدمة وتشمل على: - خطوات خطة البحث. - مُلَخص البحث. الفصل الأول: بين يدي موضوع السورة الرئيس وفيه مباحث: المبحث الأول: مفهوم التوحيد. المبحث الثاني: بيان معنى كلمة التوحيد وشروطها. المبحث الثالث: بيان حقيقة التوحيد. المبحث الرابع: بعض الدلائل على أن القرآن الكريم كله في التوحيد. المبحث الخامس: بيان ما يناقض التوحيد. الفصل الثاني: وفيه مباحث: المبحث الأول: الاستعاذة والبسملة والتأمين وما يتعلق بها من أحكام. المبحث الثاني: أسماء السورة الكريمة. المبحث الثالث: عدد آياتها وكلماتها وحروفها. المبحث الرابع: أبرز موضوعات السورة الكريمة. المبحث الخامس: بيان المعنى الإجمالي للسورة. المبحث السادس: بيان بعض ما ورد في زمن وسبب نزولها. المبحث السابع: بيان بعض ما ورد في فضائلها وخصائصها. الفصل الثالث: المناسبات في السورة الكريمة، وفيه مباحث: المبحث الأول: مناسبة افتتاح القرآن الكريم بسور الفاتحة.

стр. 15

المبحث الثاني: مناسبة سورة الفاتحة مع تاليتها. المبحث الثالث: مناسبة آيات سورة الفاتحة مع بعضها البعض. المبحث الرابع: علاقة السورة الكريمة بالسور المفتتحة بالحمد لله. الفصل الرابع: معالم التوحيد كما وردت في السورة الكريمة، وفيه مباحث: المبحث الأول: المحور الرئيس في السورة الكريمة (تقرير العبودية لله تعالى). المبحث الثاني: التوحيد وعلاقته بمحور السورة الكريمة. المبحث الثالث: تقرير التوحيد بأنواعه الثلاثة كما ورد في السورة الكريمة. المبحث الرابع: أبرز الموضوعات التي تناولتها السورة الكريمة ودلالتها على قضية التوحيد. خاتمة البحث: أولًا: أبرز النتائج. الختام. مجموعة الفهارس العلمية: أولًا- فهرس: أهم المصادر والمراجع. ثانيًا- فهرس الآيات. ثالثًا- فهرس الأحاديث والآثار. رابعًا- فهرس الأعلام المترجم لهم. خامسًا- فهرس الموضوعات.

стр. 16

الفصل الأول (فصل تمهيدي-مختصر) بين يدي موضوع السورة الرئيس- (التوحيد) (مفهومه ومعناه-حقائقه وفضائله- دلائله ونواقضه) ويشتمل على خمسة مباحث: المبحث الأول: مفهوم التوحيد. المبحث الثاني: بيان معنى كلمة التوحيد وشروطها. المبحث الثالث: بيان حقيقة التوحيد. المبحث الرابع: بعض الدلائل على أن القرآن الكريم كله في التوحيد. المبحث الخامس: بيان ما يناقض التوحيد.

стр. 17

المبحث الأول مفهوم التوحيد

стр. 18

المبحث الأول: مفهوم التوحيد ١ - التوحيد لغة: «التوحيد أصل مادته (وحد) وتدور هذه المادة على الانفراد والاختصاص» (١). ويقول ابن فارس (٢): «الواو والحاء والدال: أصل واحد يدل على الانفراد» (٣). ٢ - التوحيد اصطلاحًا: قال السفاريني ﵀: التوحيد هو: «إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته ذاتًا وصفاتٍ وأفعالًا» (٤). وعرفه العلَّامة الفقيه شيخنا ابن عثيمين (٥) ﵀ بقوله: «التوحيد هو إفراد الله

стр. 19

بالعبادة» أي: أن تعبد الله وحده لا تشرك به شيئًا، لا تشرك به نبيًّا مرسلًا، ولا ملكًا مقربًا ولا رئيسًا ولا ملكًا ولا أحدًا من الخلق، بل تفرده وحده بالعبادة محبة وتعظيمًا، ورغبة ورهبة، وهناك تعريف أعم للتوحيد وهو: «إفراد الله بما يختص به» (١). وعرفه العلَّامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي (٢) ﵀ بقوله: «التوحيد يطلق شرعًا على تفرد الله بالربوبية والإلهية، وكمال الأسماء والصفات» (٣). قال محمد طاهر الفَتَّنِي (٤) ﵀: «توحيد الله تعالى: الإقرار بوحدانيته، واتصافه بالمحامد، وتنزيهه عن النقائص، وطرد الإشراك به عبادة واستعانة وذبحًا ونذرًا

стр. 20

وحلفًا» (١). قال أبو جعفر الطحاوي ﵀ معرفًا التوحيد: «نقول في توحيد الله -معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره» (٢). قال ابن جرير الطبري ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ … إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء]: «يقول تعالى ذكره: وما أرسلنا يا محمد من قبلك من رسول إلى أمة من الأمم إلا نوحي إليه أنه لا معبود في السماوات والأرض، تصلح العبادة له سواي ﴿فَاعْبُدُونِ﴾ يقول: فأخلصوا لي العبادة، وأفردوا لي الألوهية» (٣). قال ابن كثير ﵀: «قال تعالى مخبرًا أنه الأحد الصمد، الذي لا إله غيره، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ … إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن]. فالأول خَبَرٌ عن التوحيد، ومعناه معنى الطلب، أي: وحدوا الإلهية له، وأخلصوها لديه، وتوكلوا عليه» (٤). وقال ابن كثير -أيضًا- في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ … لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ﴾ [يوسف: ٣٨]: «هذا التوحيد - وهو: الإقرار بأنه لا إله إلا هو وحده لا شريك له» (٥).

стр. 21

المبحث الثاني بيان معنى كلمة التوحيد وشروطها

стр. 22

المبحث الثاني: بيان معنى كلمة التوحيد وشروطها أما كلمة التوحيد فهي قول: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ». ومعناها: لا معبود بحق إلا الله، وهي متضمنة لنفيٍ وإثباتٍ. فأما النفي ففي شقها الأول وهو قول: «لَا إِلَهَ»، فهي تنفي بذلك جميع ما يعبد من دون الله. وأما الإثبات ففي شقها الثاني وهو قول: «إِلَّا اللَّهُ» فهي تثبت بذلك العبودية بأنواعها كلها -الظاهرة منها والباطنة- لله وحده لا شريك له، لا شريك له في عبادته، كما أنه لا شريك له في ملكه وربوبيته، وبذلك تتحقق البراءة من كل ما يعبد من دون الله من الأنداد. كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحج]. وكَلِمَةَ التَّوْحِيدِ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، هِيَ كَلِمَاتٌ لَا تَتِمُّ النِّسْبَةُ الْمَقْصُودَةُ فِيهَا مِنْ حَصْرِ الْإِلَهِيَّةِ فِي الله إِلَّا بِمَجْمُوعِهَا» (١). وكلمة التوحيد أعظم شهادة، من أعظم شاهد وهو الله تعالى وأعظم مشهودٍ وهو القسط به ومشهود عليه وهو كلمة التوحيد؛ كما قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [آل عمران].

стр. 23

قال ابن سعدي (١) ﵀: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» تَأكيدٌ لتفرُّدِه بالألوهيَّةِ، وتقريرٌ لتوحيدِه، وأنَّه لا يستحقُّ العبادةَ غيرُه» (٢). شروط كلمة التوحيد: لقد اجتمع لكلمة التوحيد من الثمار العديدة والفضائل والخصائص ما يعجز المقام عن حصره، إلا أنَّ قائلها لا تنفعه تلك الفضائل بمجرد النطق باللسان، ولا ينتفع بها إلا من عمل بمقتضاها وحقق شروطها وأتى بلوازمها، وعلم مدلولها نفيًا وإثباتًا، واعتقد ذلك اعتقادًا جازمًا لا يعتريه ريب أو شك، وقرن مع الاعتقاد الجازم بها، العمل بمقتضاها. فأما مَن قالها وعمل بها ظاهرًا من غير اعتقاد جازم نابعًا من القلب، فذاك المنافق، وأما من تلفظ بها وعمل بنقيضها ولم يحقق لوازمها من الإشراك بالله في عبادته، فذاك المشرك الكافر، كالذي يتلفظ بها وهو يصرف شيئًا من أنواع العبادات الظاهرة أو الباطنة ويتوجه به لغير الله تعالى المستحق للعبادة وحده لا شريك له؛ كالذبح لأرباب القبور أو الجن أو غيرها من المخلوقين والنذر لغيره سبحانه، ودعاء الأموات والاستغاثة بهم وطالب قضاء الحوائج منهم والتوكل عليهم والإنابة والفزع إليهم ودعائهم من دون الله، ورجائهم وخوفهم ومحبتهم من دون الله ونحو ذلك من العبادات التي لا تصرف إلا لله تعالى، فمن صرف شيئًا من تلك العبادة أو غيرها مما

стр. 24

لا يصلح صرفه إلا له سبحانه، فهو مشرك كافر بالله تعالى، ولا ينفعه التلفظ بكلمة التوحيد حتى يصرف العبادات كلها لله ويعمل بلوازمها ومقتضياتها ويخلص الدين كله لله. ولقد نبه الشيخ حافظ الحكمي ﵀ في كتابه الماتع معارج القبول على ذلك فقال ﵀: «ليس المراد من ذلك عدَّ ألفاظها وحفظها فكم من عاميٍّ اجتمعت فيه والتزمها ولو قيل له اعُددها لم يحسن ذلك، وكم حافظٍ لألفاظها يجري فيها كالسهم وتراه يقع كثيرًا فيما يناقضها، والتوفيق بيد الله» (١) ا. هـ. وقيل للحسن البصري (٢) ﵀: «إن ناسًا يقولون: من قال: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دخل الجنة؛ فقال: «من قال لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فأدَّى حقها وفرضها دخل الجنة» (٣) وقال وهب بن منبه لمن سأله: أليس مفتاح الجنة لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ قال: «بلى؛ ولكن ما من مفتاح إلا له أسنان، إن أتيت بمفتاح له أسنان فُتح لك، وإلا لم يُفتح لك». يشير بالأسنان إلى شروط لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (٤). وحيث إن الانتفاع بهذه الكلمة العظيمة الطيبة لا يتم لمخلوق إلا إذا تحققت فيه شروط سبعة، وهذه الشروط أخذها العلماء المحققون بالتتبع والاستقراء للأدلة من الكتاب والسنة، فوجدوا أن تلك الكلمة قُيِدت في الكتاب والسنة بقيود عظيمة الشأن جليلة القدر، وأن هذه الكلمة لا تنفع قائلها إلا إذا استوفى تلك الشروط مجتمعة

стр. 25

وهذه الشروط هي: العلم، اليقين، القبول، الانقياد، الصدق، الإخلاص، المحبة. وقد جمعها العلَّامة حافظ حكمي ﵀ فقال: وبشروط سبعة قد قيدت … وفي نصوص الوحي حقًّا وردت فإنه لم ينتفع قائلها … بالنطق إلا حيث يستكملها العلم واليقين والقبول … والانقياد فادر ما أقول والصدق والإخلاص والمحبة … وفقك الله لما أحبه (١) الشرط الأول: العلم بمعناها المراد منها-نفيًا وإثباتًا-ويكون ذلك نطقًا باللسان وعملًا بما تقتضيه تلك الكلمة العظيمة بالجوارح والأركان. ولا يتحقق ذلك إلا بنفي جميع أنواع العبادة الظاهرة والباطنة عن كل من سوى الله وإثباتها لله وحده لا شريك له تعالى في فاتحة كتابه المجيد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾. فكلمة ﴿إِيَّاكَ﴾ في الجملتين مفعول به حقه التأخير، لكنها تقدمت فعلي ﴿نَعْبُدُ﴾ و ﴿نَسْتَعِينُ﴾ لتفيد الحصر والاختصاص، وتقديم المعمول في اللغة كما هو معلوم يفيد الحصر والاختصاص، فتحصر العبادة لله ولا يختص به سواه سبحانه، وكذلك الاستعانة، فيكون المعنى: لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك. ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾ [البقرة]. ومثله أيضًا قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾ [البقرة]. وقال الله ﵎: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد]. قال الطبري ﵀: «يقول-تعالى ذكره- لنبيه محمد ﷺ : فاعلم يا محمد، أنه لا

стр. 26

معبود تنبغي أو تصلح له الألوهة، ويجوز لك وللخلق عبادته؛ إلا الله الذي هو خالق الخلق، ومالك كل شيء، يدين له بالربوبية كل ما دونه» (١). وكما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ [الزخرف]. وقال الطبري أيضًا في قوله ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف: ٨٦] قال: «كلمة الإخلاص» (٢). وعَنْ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ : «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلاَّ الله دَخَلَ الْجَنَّةَ» (٣). قال القرطبي ﵀ في قوله ﷺ : «وَهُوَ يَعْلَمُ»: «حقيقة العلم هي وضوح أمرٍ ما وانكشافه على غايته، بحيث لا يبقى له بعد ذلك غاية في الوضوح» (٤). الشرط الثاني: اليقين المنافي للشك. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات]. قال الطبري: «يقول -تعالى ذكره- للأعراب الذين قالوا آمنا ولمَّا يدخل الإيمان في قلوبهم: إنما المؤمنون أيها القوم الذين صدقوا الله ورسوله، ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾، يقول: ثم لم يشكوا في وحدانية الله، ولا في نبوة نبيه ﷺ » (٥). وعن أبي هريرة ﵁، قال رسول الله ﷺ : «أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى اللهَ بها عبدٌ غير شاكٍّ فيهما إلا دخل الجنة» (٦).

стр. 27

الشرط الثالث: القبول لما تقتضيه كلمة التوحيد بقلبه ولسانه، غير مستكبر عنها. قال تعالى في وصف حال المجرمين إذا دُعوا إلى هذه الكلمة الطيبة: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا … إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾ [الصافات: ٣٥]. قال الطبري ﵀: «يقول -تعالى ذكره-: وإن هؤلاء المشركين بالله الذين وصف صفتهم في هذه الآيات كانوا في الدنيا إذا قيل لهم: قولوا: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾. يقول: يتعظمون عن قيل ذلك ويتكبرون، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل» (١). قال البغوي ﵀ في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾: «يتكبرون عن كلمة التوحيد، ويمتنعون منها» (٢). والأمر كما ذكر الطبري شيخ المفسرين وكما بين البغوي، في تعاظم المشركين وتكبرهم وامتناعهم عن قولها والنطق بها، هو عدم القبول لهذه الكلمة كما تبين معنا في الشرط الثالث المذكور آنفًا. الشرط الرابع: الانقياد والاستسلام المنافي للترك لما دلت عليه كلمة التوحيد ويكون ذلك ظاهرًا وباطنًا. فينقاد لما دلت عليه، ويعبد الله وحده لا شريك له، ويؤمن بشريعته ويعمل بها ويعتقد أنها الحق، ولعل الفرق بينه وبين القبول: أن الانقياد هو الاتباع بالأفعال والقبول إظهار صحة معنى ذلك بالقول ويلزم منهما جميعًا الاتباع ولكن الانقياد هو الاستسلام والإذعان وعدم الترك لشيء (٣) من شروط لا إله إلا الله. قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ

стр. 28

الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾ [لقمان]. قال القرطبي ﵀: «قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾. أي: يخلص عبادته وقصده إلى الله تعالى» (١). قال البغوي ﵀: «قوله تعالى: ﴿اللَّهِ﴾ يعني: لله، أي: يخلص دينه لله، ويفوض أمره إلى الله» (٢). وكلام القرطبي والبغوي إنما عنيا به وقصدا الانقياد والاستسلام. وقال أبو جعفر النحَّاس ﵀: «قوله جل وعز: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا … إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾ [الصافات] أي: عن توحيد الله » (٣). الشرط الخامس: الصدق المنافي للكذب المانع من النفاق فمن نطقها بلسانه وأنكر حقيقتها ومدلولها بجنانه فإنها لا تنفعه ولا تنجيه، بل هو في جملة وتعداد المنافقين، الذين ذكرهم الله في كتابه فقال سبحانه في وصفهم: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١]. فرد الله دعواهم تلك وأبطل زعمهم الكاذب بقوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ [المنافقون]. قال الطبري ﵀: «﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾، إنما كذب ضميرهم لأنهم أضمروا النفاق، فكما لم يقبل إيمانهم، وقد أظهروه، فكذلك جعلهم كاذبين، لأنهم أضمروا غير ما أظهروا» (٤). وقال سبحانه أيضًا في وصفهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ

стр. 29

بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ [البقرة]. وقال جل في علاه في وصفهم أيضًا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)﴾ [البقرة]. ومن الحجج والبينات الصريحة على اشتراط التصديق بالجنان مع الإقرار باللسان ومن اشتراط الصدق في الشهادة ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال ﷺ : «ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صدقًا من قلبه؛ إلا حرمه على النار» (١). هذا جزاء من قالها صدقًا من قلبه، وبمفهوم المخالفة أن من قالها كاذبًا غير صادقٍ في قوله، لا يدخل الجنة، بل هو من أهل النار. الشرط السادس: الإخلاص المنافي للشرك، وهو تصفية العمل بصالح النية عن جميع شوائب الشرك والنفاق والرياء والسمعة. فيخلص العبد لربه جميع عباداته القولية والفعلية، وإذا صرف شيئًا منها لغير الله، لأي مخلوق كائنًا من كان، لملك مقرب أو لنبي مرسل، أو لولي من الأولياء، أو لجني، أو لوثن، أو لأي أحد من دون الله تعالى فقد أشرك بالله تعالى وانتفى عنه الاخلاص. كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: الآيتان: ٢ - ٣]. وقال سبحانه: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣]. وقال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]. ومن السنة ما ثبت في الصحيحين وفي مسند أحمد من حديث مَحْمُودُ بْنُ رَبِيعٍ (٢)

стр. 30

عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ في قصة مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُنِ ﵃ قال: قال ﷺ : «فإن الله قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» (١). وفي لفظ: «لن يوافي عبد يوم القيامة يقول: لا إله إلا الله، يبتغي بها وجه الله إلا حرم الله عليه النار» (٢). وفي لفظ: «ألا تقولوه (٣): يقول لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله؟ قال: بلى، قال: فإنه لا يوافي عبد يوم القيامة به إلا حرم الله عليه النار» (٤). وثبت عند البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه» (٥). الشرط السابع: المحبة لكلمة التوحيد ولما اقتضته ودلّت عليه، محبة منافية للبغضاء والكره. فمن شروط صحة تحقيق كلمة التوحيد، محبتها ومحبة لوازمها ومحبة ما اقتضته وأوجبته ومحبة أهلها، وبغض أعدائها وبغض ما ينافيها من الشرك بالله تعالى بكل صوره؛ ومن لوازم محبة كلمة التوحيد أيضًا، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله. قال ابن القيم ﵀: «فالله تعالى إنما خلق الخلق لعبادته الجامعة لكمال محبته،

стр. 31

مع الخضوع له والانقياد لأمره» (١). وأن تكون محبته لله محبة ذاتية منفردة لا يشرك في محبته سواه جل في علاه، لأنه لا يُحبُ لذاته إلا الله تعالى، ويحب ما أحب اللهُ ورسولهُ، ويبغض ما أبغض اللهُ ورسولهُ، وأما كل ما سوى الله من المخلوقين فمحبته لما فيه من خير، ولا يُحِب مع الله أحدًا وإنما يُحب في الله ولله؛ ولهذا قال ﷺ : «مَنْ أحبَّ لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان» (٢). قال العلَّامة حافظ الحكمي ﵀: «وعلامة حب العبد ربه تقديم محابه وإن خالفت هواه، وبغض ما يبغض ربه وإن مال إليه هواه، وموالاة من والى الله ورسوله ومعاداة من عاداه، واتباع رسوله ﷺ واقتفاء أثره وقبول هداه» (٣). كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. قال الشوكاني (٤) ﵀: «هؤلاء الكفار لم يقتصروا على مجرد عبادة الأنداد، بل أحبوها حبًّا عظيمًا وأفرطوا في ذلك إفراطا بالغًا، حتى صار حبهم لهذه الأوثان ونحوها متمكنًا في صدورهم كتمكن حب المؤمنين لله سبحانه» (٥). وقال ﷺ : «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن

стр. 32

أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار» (١). وزاد بعض أهل العلم شرطًا ثامنًا وهو: (الكفر بالطاغوت). بيان معنى الطاغوت: ١ - الطاغوت لغة: قال ابن منظور ﵀: «الطاغوتُ: ما عُبِدَ من دون الله ، وكلُّ رأْسٍ في الضلالِ طاغوتٌ» (٢). ٢ - الطاغوت اصطلاحًا: قال الإمام ابن القيم (٣) ﵀: «والطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع» (٤). وقال شيخنا العلَّامة الفقيه ابن عثيمين ﵀: «وأجمع ما قيل في تعريف الطاغوت: هو ما ذكره ابن القيم ﵀ بأنه: «ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع» (٥) (٦). والكفر بالطاغوت هو: الكفر بكل ما يعبد من دون الله، وهي زيادة تفصيلية، وذلك لأنها تدخل ضمنًا في الشروط السبعة السالفة الذكر والبيان.

стр. 33

وأمَّا من جعل الكُفر بالطاغوت شرطًا ثامنًا، فقد نظم فيها أيضًا (في هذه الشروط الثمانية) بيتان وهما: عِلْمٌ يَقِينٌ وَإِخْلَاصٌ وَصِدْقُكَ مَعَ … مَحَبَّةٍ وَاِنْقِيَادٍ وَالقَبُولِ لَهَا وَزِيدَ ثَمِنُهَا الكُفِرَانُ مِنْكَ بِمَا … سِوَى الإِلَهِ مِنَ الأَوْثَانِ قَدْ أُلِهَ (١) وقد ثبت في صحيح مسلم عن طارق بن أشيم الأشجعي ﵁ عن النبي ﵊ أنه قال: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله» (٢). وفي لفظ آخر عند أحمد في المسند: «من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه» (٣). فلابد مع النطق بكلمة التوحيد الإتيان بجميع لوازمها، ومن أهم لوازمها الكفر بالطاغوت (وهو الكفر بكل ما عُبِدَ من دون الله). كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: ٢٥٦]. ولهذا قال ابن القيم ﵀ في نونيته: شرط المحبة أن توافق من … تحب على محبته بلا عصيان فإذا ادعيت له المحبة مع خلا … فك ما يحب فأنت ذو بهتان أتحب أعداء الحبيب وتدعي … حبًّا له ما ذاك في إمكان وكذا تعادي جاهدًا أحبابه … أين المحبة يا أخا الشيطان

стр. 34

ليس العبادة غير توحيد المحبة … مع خضوع القلب والأركان والحب نفس وفاقه فيما يحبه … وبغض ما لا يرتضي بجنان (١)

стр. 35

المبحث الثالث بيان حقيقة التوحيد وفضائله وعظيم مكانته

стр. 36

المبحث الثالث: بيان حقيقة التوحيد وفضائله وعظيم مكانته ١ - حقيقة التوحيد: إنَّ التَّوحيد هو لب دعوة المرُّسلين، وبه أُرسلت جميعُ الرسلِ، وأُنزلت به جميعُ الكتب، وشُرعت كلُ الشرائعِ، وهو خلاصة الرِّسالات السماوية كلها، وعليه أُسِّست الملَّة الحنيفية، ومن أجله نصبت القبلة، ومن أجله سُلت سيوفٌ في سبيل الله فأهرقت دماءٌ وقطعت أشلاء وأزهقت أنفس ورملت نساء وثكلت أمهات ويتم أطفال، ومن أجله قامت سوق الآخرة ففريق في الجنة وفريق في السعير. وإن حقيقة التوحيد هي عبادة الله وترك عبادة ما سواه سبحانه، ولهذا خلق الله تعالى الخلق، وأمرهم بذلك، تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]. وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات]، ومعنى يعبدون أي: يوحدون. قال الطبري ﵀: «حدثني علي قال: ثنا أبو صالح قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس ﵁ قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ إلا ليقروا بالعبودة طوعًا وكرهًا» (١). وقال ابن سعدي ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾: «هذه الغاية، التي خلق الله الجن والإنس لها، وبعث جميع الرسل يدعون إليها، وهي عبادته، المتضمنة لمعرفته ومحبته، والإنابة إليه والإقبال عليه، والإعراض عما سواه، وذلك متوقف على معرفة الله تعالى، فإن تمام العبادة، متوقف على المعرفة

стр. 37

بالله، بل كلما ازداد العبد معرفة بربه، كانت عبادته أكمل، فهذا الذي خلق الله المكلفين لأجله، فما خلقهم لحاجة منه إليهم «(١). فحقيقة التوحيد إذًا: كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «أَنْ نَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ، فَلَا يُدْعَى إلاَّ هُوَ، وَلَا يُخْشَى إِلاَّ هُوَ، وَلَا يُتَّقَى إِلاَّ هُوَ، وَلَا يُتَوَكَّلَ إِلاَّ عَلَيْهِ، وَلَا يَكُونَ الدِّينُ إِلاَّ لَهُ لَا لأَحَدٍ مِنَ الخَلْقِ، وَأَلاَّ نَتَّخِذَ المَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا، فَكَيْفَ بِالأَئِمَّةِ وَالشُّيُوخِ وَالعُلَمَاءِ وَالمُلُوكِ وَغَيْرِهِم؟!» (٢). والتوحيد: هو أصل دعوة النبيين والمرسلين أجمعين. قال الله تعالى في حقهم: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. قال الطبري ﵀: «يقول تعالى ذكره: ولقد بعثنا أيها الناس في كل أمة سلفت قبلكم رسولًا كما بعثنا فيكم بأن اعبدوا الله وحده لا شريك له، وأفردوا له الطاعة، وأخلصوا له العبادة» (٣). وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ … إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء]. ٢ - فضل التوحيد: وكلمة التوحيد: «هِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي قَامَتْ بِهَا الْأَرْضُ وَالسَّمَاوَاتُ، وَفَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهَا جَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَعَلَيْهَا أُسِّسَتِ الْمِلَّةُ وَنُصِبَتِ الْقِبْلَةُ، وَجُرِّدَتْ سُيُوفُ الْجِهَادِ، وَهِيَ مَحْضُ حَقِّ اللَّهِ عَلَى جَمِيعِ الْعِبَادِ، وَهِيَ الْكَلِمَةُ الْعَاصِمَةُ لِلدَّمِ وَالْمَالِ وَالذُّرِّيَّةِ

стр. 38

فِي هَذِهِ الدَّارِ، وَالْمُنْجِيَةُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ، وَهِيَ الْمَنْشُورُ الَّذِي لَا يُدْخَلُ الْجَنَّةُ إِلَّا بِهِ، وَالْحَبْلُ الَّذِي لَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ مَنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِسَبَبِهِ، وَهِيَ كَلِمَةُ الْإِسْلَامِ، وَمِفْتَاحُ دَارِ السَّلَامِ، وَبِهَا انْقَسَمَ النَّاسُ إِلَى شَقِيٍّ وَسَعِيدٍ، وَمَقْبُولٍ وَطَرِيدٍ، وَبِهَا انْفَصَلَتْ دَارُ الْكُفْرِ مِنْ دَارِ الْإِيمَانِ، وَتَمَيَّزَتْ دَارُ النَّعِيمِ مِنْ دَارِ الشَّقَاءِ وَالْهَوَانِ، وَهِيَ الْعَمُودُ الْحَامِلُ لِلْفَرْضِ وَالسُّنَّةِ، وَ مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ. وَرُوحُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ وَسِرُّهَا: إِفْرَادُ الرَّبِّ -جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ، وَتَبَارَكَ اسْمُهُ، وَتَعَالَى جَدُّهُ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ- بِالْمَحَبَّةِ وَالْإِجْلَالِ وَالتَّعْظِيمِ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَتَوَابِعِ ذَلِكَ: مِنَ التَّوَكُّلِ وَالْإِنَابَةِ وَالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ، فَلَا يُحَبُّ سِوَاهُ، وَكُلُّ مَا كَانَ يُحَبُّ غَيْرَهُ فَإِنَّمَا يُحَبُّ تَبَعًا لِمَحَبَّتِهِ، وَكَوْنِهِ وَسِيلَةً إِلَى زِيَادَةِ مَحَبَّتِهِ، وَلَا يُخَافُ سِوَاهُ، وَلَا يُرْجَى سِوَاهُ، وَلَا يُتَوَكَّلُ إِلَّا عَلَيْهِ، وَلَا يُرْغَبُ إِلَّا إِلَيْهِ، وَلَا يُرْهَبُ إِلَّا مِنْهُ، وَلَا يُحْلَفُ إِلَّا بِاسْمِهِ، وَلَا يُنْظَرُ إِلَّا لَهُ، وَلَا يُتَابُ إِلَّا إِلَيْه، وَلَا يُطَاعُ إِلَّا أَمْرُهُ، وَلَا يُتَحَسَّبُ إِلَّا بِهِ، وَلَا يُسْتَغَاثُ فِي الشَّدَائِدِ إِلَّا بِهِ، وَلَا يُلْتَجَأُ إِلَّا إِلَيْهِ، وَلَا يُسْجَدُ إِلَّا لَهُ، وَلَا يُذْبَحُ إِلَّا لَهُ وَبِاسْمِهِ، وَيَجْتَمِعُ ذَلِكَ فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ: أَنْ لَا يُعْبَدَ إِلَّا إِيَّاهُ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ» (١). ٣ - مكانة وعظم قدر التوحيد: أ- التوحيد سبب عزة المؤمن: «والتوحيد الخالص هو الذي يرفع نفوس معتقديه ويخلِّصُها من رقِّ الأغيار ويفك إرادتهم من أسر الرؤساء الروحانيين كما يسمون، وشيوخ الطرق الباطلة والدجل، والضلال والتعلقات بالأحياء والأموات» (٢). ولمكانة التوحيد وعِظم قدره ولترسيخ تلك العزة فإن النبي ﷺ وهو في مرض الموت يودع الدنيا يوصي أمته بصيانة بالتوحيد وحماية جنابه بالتحذير من التشبه

стр. 39

باليهود والنصارى باتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد فيقول ﷺ : «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». تقول عائشة ﵂: «يُحَذِّرُ مثل الذي صنعوا» (١). ب- التوحيد سبب الفلاح: فعند أحمد المسند، من طريق شيبان عن أشعث بن أبي الشعثاء، قال: حدثني شيخ من بني مالك ابن كنانة، قال: رأيت رسول الله ﷺ بسوق ذي المجاز (٢) يتخللها يقول: «يا أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا» (٣). فعلق النبي ﷺ الفلاح على قول لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، ولا يتحقق ذلك بمجرد النطق بها باللسان، إذ لابد من العمل بلوازمها وما دلت عليه من نفي العبادة عن كل معبود سوى الله تعالى وإثباتها وصرفها لله سبحانه وحده لا شريك له. «وقد تواتر عنه ﷺ أنَّه أوَّل ما دعا الخلق إلى أن يقولوا: لا إله إلاَّ الله» (٤). وَعنْ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ : «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلاَّ الله دَخَلَ الْجَنَّةَ» (٥). وعن أبي هريرة ﵁ في حديث طويل، أن النبي ﷺ بعثه بنعليه فقال: «مَن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة» (٦). فاشترط في دخول الجنة لمن قالها أن يكون قلبه مستيقنًا بها غير شاك فيها، فإذا

стр. 40

انتفى هذا الشرط وهو: كونه (مستيقنًا بها قلبه) انتفى ذاك المشروط وهو: (فبشره بالجنة). ج-التوحيد سبب انشراح الصدر: «فأعظم أسباب شرح الصدر: التوحيد، وعلى حسب كماله، وقوته، وزيادته يكون انشراح صدر صاحبه. قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]. و قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. فالهدى والتوحيد من أعظم أسباب شرح الصدر، والشرك والضّلال من أعظم أسباب ضيق الصّدر وانحراجِه» انتهى (١). «وليس للقلوب سرور ولذة تامة إلا في محبة الله -تعالى-، والتقرب إليه بما يحبه، ولا تتم محبة الله إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه، وهذا حقيقة لا إله إلا الله، وهي ملة إبراهيم الخليل ﵊» (٢). د-وتحقيق التوحيد سبب دفع العقوبات: فمن حقق التوحيد دُفِعَت عنه العقوبات وسلم في الدارين من الشرور والآفات، أما في الدنيا فيُعْصِمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وأما في الآخرة ينجو من النار دار البوار، ويسكن الجنة دار الأبرار جزاء من وحد الله: (في الدنيا). ثبت في الصحيح عن طارق بن أشيم الأشجعي ﵁ عَنْ النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاّ الله، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ الله، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ. وَحِسَابُهُ عَلَى الله » (٣).
следующие страницы →