← Тафсир

Тафсир · id 755

معالم التوحيد في فاتحة الكتاب

عرفة بن طنطاوي

Полный текст (452 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المبحث الثالث: بيان حقيقة التوحيد وفضائله وعظيم مكانته ١ - حقيقة التوحيد: إنَّ التَّوحيد هو لب دعوة المرُّسلين، وبه أُرسلت جميعُ الرسلِ، وأُنزلت به جميعُ الكتب، وشُرعت كلُ الشرائعِ، وهو خلاصة الرِّسالات السماوية كلها، وعليه أُسِّست الملَّة الحنيفية، ومن أجله نصبت القبلة، ومن أجله سُلت سيوفٌ في سبيل الله فأهرقت دماءٌ وقطعت أشلاء وأزهقت أنفس ورملت نساء وثكلت أمهات ويتم أطفال، ومن أجله قامت سوق الآخرة ففريق في الجنة وفريق في السعير. وإن حقيقة التوحيد هي عبادة الله وترك عبادة ما سواه سبحانه، ولهذا خلق الله تعالى الخلق، وأمرهم بذلك، تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]. وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات]، ومعنى يعبدون أي: يوحدون. قال الطبري ﵀: «حدثني علي قال: ثنا أبو صالح قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس ﵁ قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ إلا ليقروا بالعبودة طوعًا وكرهًا» (١). وقال ابن سعدي ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾: «هذه الغاية، التي خلق الله الجن والإنس لها، وبعث جميع الرسل يدعون إليها، وهي عبادته، المتضمنة لمعرفته ومحبته، والإنابة إليه والإقبال عليه، والإعراض عما سواه، وذلك متوقف على معرفة الله تعالى، فإن تمام العبادة، متوقف على المعرفة

стр. 37

بالله، بل كلما ازداد العبد معرفة بربه، كانت عبادته أكمل، فهذا الذي خلق الله المكلفين لأجله، فما خلقهم لحاجة منه إليهم «(١). فحقيقة التوحيد إذًا: كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «أَنْ نَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ، فَلَا يُدْعَى إلاَّ هُوَ، وَلَا يُخْشَى إِلاَّ هُوَ، وَلَا يُتَّقَى إِلاَّ هُوَ، وَلَا يُتَوَكَّلَ إِلاَّ عَلَيْهِ، وَلَا يَكُونَ الدِّينُ إِلاَّ لَهُ لَا لأَحَدٍ مِنَ الخَلْقِ، وَأَلاَّ نَتَّخِذَ المَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا، فَكَيْفَ بِالأَئِمَّةِ وَالشُّيُوخِ وَالعُلَمَاءِ وَالمُلُوكِ وَغَيْرِهِم؟!» (٢). والتوحيد: هو أصل دعوة النبيين والمرسلين أجمعين. قال الله تعالى في حقهم: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. قال الطبري ﵀: «يقول تعالى ذكره: ولقد بعثنا أيها الناس في كل أمة سلفت قبلكم رسولًا كما بعثنا فيكم بأن اعبدوا الله وحده لا شريك له، وأفردوا له الطاعة، وأخلصوا له العبادة» (٣). وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ … إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء]. ٢ - فضل التوحيد: وكلمة التوحيد: «هِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي قَامَتْ بِهَا الْأَرْضُ وَالسَّمَاوَاتُ، وَفَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهَا جَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَعَلَيْهَا أُسِّسَتِ الْمِلَّةُ وَنُصِبَتِ الْقِبْلَةُ، وَجُرِّدَتْ سُيُوفُ الْجِهَادِ، وَهِيَ مَحْضُ حَقِّ اللَّهِ عَلَى جَمِيعِ الْعِبَادِ، وَهِيَ الْكَلِمَةُ الْعَاصِمَةُ لِلدَّمِ وَالْمَالِ وَالذُّرِّيَّةِ

стр. 38

فِي هَذِهِ الدَّارِ، وَالْمُنْجِيَةُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ، وَهِيَ الْمَنْشُورُ الَّذِي لَا يُدْخَلُ الْجَنَّةُ إِلَّا بِهِ، وَالْحَبْلُ الَّذِي لَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ مَنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِسَبَبِهِ، وَهِيَ كَلِمَةُ الْإِسْلَامِ، وَمِفْتَاحُ دَارِ السَّلَامِ، وَبِهَا انْقَسَمَ النَّاسُ إِلَى شَقِيٍّ وَسَعِيدٍ، وَمَقْبُولٍ وَطَرِيدٍ، وَبِهَا انْفَصَلَتْ دَارُ الْكُفْرِ مِنْ دَارِ الْإِيمَانِ، وَتَمَيَّزَتْ دَارُ النَّعِيمِ مِنْ دَارِ الشَّقَاءِ وَالْهَوَانِ، وَهِيَ الْعَمُودُ الْحَامِلُ لِلْفَرْضِ وَالسُّنَّةِ، وَ مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ. وَرُوحُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ وَسِرُّهَا: إِفْرَادُ الرَّبِّ -جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ، وَتَبَارَكَ اسْمُهُ، وَتَعَالَى جَدُّهُ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ- بِالْمَحَبَّةِ وَالْإِجْلَالِ وَالتَّعْظِيمِ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَتَوَابِعِ ذَلِكَ: مِنَ التَّوَكُّلِ وَالْإِنَابَةِ وَالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ، فَلَا يُحَبُّ سِوَاهُ، وَكُلُّ مَا كَانَ يُحَبُّ غَيْرَهُ فَإِنَّمَا يُحَبُّ تَبَعًا لِمَحَبَّتِهِ، وَكَوْنِهِ وَسِيلَةً إِلَى زِيَادَةِ مَحَبَّتِهِ، وَلَا يُخَافُ سِوَاهُ، وَلَا يُرْجَى سِوَاهُ، وَلَا يُتَوَكَّلُ إِلَّا عَلَيْهِ، وَلَا يُرْغَبُ إِلَّا إِلَيْهِ، وَلَا يُرْهَبُ إِلَّا مِنْهُ، وَلَا يُحْلَفُ إِلَّا بِاسْمِهِ، وَلَا يُنْظَرُ إِلَّا لَهُ، وَلَا يُتَابُ إِلَّا إِلَيْه، وَلَا يُطَاعُ إِلَّا أَمْرُهُ، وَلَا يُتَحَسَّبُ إِلَّا بِهِ، وَلَا يُسْتَغَاثُ فِي الشَّدَائِدِ إِلَّا بِهِ، وَلَا يُلْتَجَأُ إِلَّا إِلَيْهِ، وَلَا يُسْجَدُ إِلَّا لَهُ، وَلَا يُذْبَحُ إِلَّا لَهُ وَبِاسْمِهِ، وَيَجْتَمِعُ ذَلِكَ فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ: أَنْ لَا يُعْبَدَ إِلَّا إِيَّاهُ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ» (١). ٣ - مكانة وعظم قدر التوحيد: أ- التوحيد سبب عزة المؤمن: «والتوحيد الخالص هو الذي يرفع نفوس معتقديه ويخلِّصُها من رقِّ الأغيار ويفك إرادتهم من أسر الرؤساء الروحانيين كما يسمون، وشيوخ الطرق الباطلة والدجل، والضلال والتعلقات بالأحياء والأموات» (٢). ولمكانة التوحيد وعِظم قدره ولترسيخ تلك العزة فإن النبي ﷺ وهو في مرض الموت يودع الدنيا يوصي أمته بصيانة بالتوحيد وحماية جنابه بالتحذير من التشبه

стр. 39

باليهود والنصارى باتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد فيقول ﷺ : «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». تقول عائشة ﵂: «يُحَذِّرُ مثل الذي صنعوا» (١). ب- التوحيد سبب الفلاح: فعند أحمد المسند، من طريق شيبان عن أشعث بن أبي الشعثاء، قال: حدثني شيخ من بني مالك ابن كنانة، قال: رأيت رسول الله ﷺ بسوق ذي المجاز (٢) يتخللها يقول: «يا أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا» (٣). فعلق النبي ﷺ الفلاح على قول لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، ولا يتحقق ذلك بمجرد النطق بها باللسان، إذ لابد من العمل بلوازمها وما دلت عليه من نفي العبادة عن كل معبود سوى الله تعالى وإثباتها وصرفها لله سبحانه وحده لا شريك له. «وقد تواتر عنه ﷺ أنَّه أوَّل ما دعا الخلق إلى أن يقولوا: لا إله إلاَّ الله» (٤). وَعنْ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ : «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلاَّ الله دَخَلَ الْجَنَّةَ» (٥). وعن أبي هريرة ﵁ في حديث طويل، أن النبي ﷺ بعثه بنعليه فقال: «مَن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة» (٦). فاشترط في دخول الجنة لمن قالها أن يكون قلبه مستيقنًا بها غير شاك فيها، فإذا

стр. 40

انتفى هذا الشرط وهو: كونه (مستيقنًا بها قلبه) انتفى ذاك المشروط وهو: (فبشره بالجنة). ج-التوحيد سبب انشراح الصدر: «فأعظم أسباب شرح الصدر: التوحيد، وعلى حسب كماله، وقوته، وزيادته يكون انشراح صدر صاحبه. قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]. و قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. فالهدى والتوحيد من أعظم أسباب شرح الصدر، والشرك والضّلال من أعظم أسباب ضيق الصّدر وانحراجِه» انتهى (١). «وليس للقلوب سرور ولذة تامة إلا في محبة الله -تعالى-، والتقرب إليه بما يحبه، ولا تتم محبة الله إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه، وهذا حقيقة لا إله إلا الله، وهي ملة إبراهيم الخليل ﵊» (٢). د-وتحقيق التوحيد سبب دفع العقوبات: فمن حقق التوحيد دُفِعَت عنه العقوبات وسلم في الدارين من الشرور والآفات، أما في الدنيا فيُعْصِمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وأما في الآخرة ينجو من النار دار البوار، ويسكن الجنة دار الأبرار جزاء من وحد الله: (في الدنيا). ثبت في الصحيح عن طارق بن أشيم الأشجعي ﵁ عَنْ النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاّ الله، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ الله، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ. وَحِسَابُهُ عَلَى الله » (٣).

стр. 41

وجزاء من وحد الله: (عند الموت). فمن حقق التوحيد وعاش عليه ختم له بخاتمة السعادة. «فالتَّوحيد مفتاحُ دعوة الرُّسل، وهو أوَّل ما يُدْخَلُ به في الإسلام، وآخر ما يُخْرَجُ به من الدُّنيا، قال النَّبيُّ ﷺ : «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ دَخَلَ الجَنَّةَ» (١). فهو أوَّل واجبٍ وآخرُ واجبٍ، فالتَّوحيد أوَّل الأمرِ وآخرُه». وجزاء من وحد الله في الآخرة: «النجاة من النار دار البوار». ثبت في الصحيحين من حديث عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الْأَنْصارِيَّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «فإن اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ» (٢). ومما يدلل على ذلك أيضًا ما ثبت عند البخاري من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: كان غلامٌ يهوديٌّ يخدم النَّبيَّ ﷺ ، فمرض، فأتاه النَّبيُّ ﷺ يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: «أَسْلِم»، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أَطِعْ أبا القاسم ﷺ ؛ فأسلمَ. فخرج النَّبيُّ ﷺ وهو يقول: «الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ» (٣). وكذلك جزاء مَن وحَّدَ الله في الآخرة: الفوز بالجنة. عن أبي موسى الأشعريّ أنّ رسول الله ﷺ قال: «أَبْشِرُوا وَبَشِّرُوا مَنْ وَرَاءَكُمْ، أَنَّهُ مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ صَادِقًا بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (٤). وختامًا فإن التوحيد سبب النجاة من الخلود في النار، فقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ أن الموحدين يخرجون من النار خلافًا للخوارج والمعتزلة.

стр. 42

وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ﵀: «فقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ في أنه يخرج أقوام من النار بعد ما دخلوها وأن النبي ﷺ يشفع في أقوام دخلوا النار، وهذه الأحاديث حجة على الطائفتين: «الوعيدية» الذين يقولون: من دخلها من أهل التوحيد لم يخرج منها، وعلى «المرجئة» الواقفة الذين يقولون: لا ندري هل يدخل من أهل التوحيد النار أحد أم لا؟» (١) ا. هـ.

стр. 43

المبحث الرابع بعض الدلائل على أن القرآن الكريم كله في التوحيد

стр. 44

المبحث الرابع: بعض الدلائل على أن القرآن الكريم كله في التوحيد فإن من رحمته أنه كلما عظُمت حاجة خلقه لأمر ما، تعددت وجوه الحصول عليه والسبل المؤدية إليه، ولنتأمل حاجة البشرية لغذائها، يسر الله حصوله بأشكال وسبل شتى، ولنتأمل حاجة الخلق للماء أشد من حاجتهم إلى الغذاء كانت طرق الوصول إليه والحصول عليه أسهل وأيسر مما يدل على سعة رحمة الخالق بخلقه، ولنمعن التأمل في حاجة البشرية عما لا غنى لهم عنه للحظة أو للحظات ألا وهو الهواء، كان سبيل الوصول إليه لا يحتاج لبذل مال أو جهد أو علم أو طاقة بل هو ميسور لكل كائن حي بلا كلفة ولا نفقة ولا مشقة، ولاريب أن حاجة البشرية لمعرفة حقيقة التوحيد وهدايتهم إليه أعظم من حاجتهم لطعام وغذاء لقوام بدن، أو لماء لارتوائه، أو حتى لهواء يتنفسه وبه حياته، أو لأي أمر به قوام حياة أبدانهم وأجسامهم، لم لا وحياتهم الحقيقية وسعادتهم الأبدية ونجاتهم من مقت الله وسخطه وغضبه وأليم عقابه، والنجاة من عذابه وناره والفوز برضوانه وجنته، كل ذلك منوط بتحقيق التوحيد الذي هو حق الله على جميع العبيد، تحقيق التوحيد الذي به مادة الحياة الحقيقية -حياة القلوب وحياة الأرواح-، وعليه مدار السعادة والنجاة في الدنيا والأخرة. ولما كانت حاجة البشرية إلى دلالة معرفة الله بتوحيد في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته أعظمَ وأجل، كان إنزاله لخاتم كتبه على خاتم رسله كله في التوحيد، وكان تسهيل فهمه وتقريب معانيه والإعانة على تحقيقه ميسور لكل مهتد غير معاند ولا صاد عن سبيل الله وسبيل هدايته، وحول تلك المفاهيم.

стр. 45

يوضح الإمام ابن القيم ﵀ الأمر فيقول: «كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد شاهدة به داعية إليه، فإن القرآن إمَّا خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله فهو التوحيد العلمي الخبري، وإمَّا دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع كل ما يعبد من دونه فهو التوحيد الإرادي الطلبي، و إمَّا أمر ونهي وإلزام بطاعته في نهيه وأمره فهي حقوق التوحيد ومكملاته، و إمَّا خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة فهو جزاء توحيده، و إمَّا خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب فهو خبر عمن خرج عن حكم التوحيد، فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم» (١). قال الإمام ابن أبي العز الحنفي (٢) ﵀ في شرحه للعقيدة الطحاوية: «وهذا مما يبرهن على أن القرآن كله في التوحيد وفيما يترتب عليه من جزاء ونعيم لأهله، ومثله أيضًا في نقيضه ألا وهو الشرك» (٣). وما ذكره الإمام ابن القيم ﵀ من أن: «كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد شاهدة به داعية إليه». يدلل على شمولية القرآن للتوحيد من جهة، ويدلل على عظم شأن التوحيد من جهة أخرى، وعلى عظم حاجة البشرية للاهتداء بالتوحيد والاعتصام به والاستمساك بعروته الوثقى التي لا انفصام لها، وما ذاك إلا لأهميته ومسيس حاجة البشرية لتحقيقه، ولتسعد به في أولاها وأخراها.

стр. 46

يقول ابن سعدي ﵀: «ومن كليات القرآن أنه يدعو إلى توحيد الله ومعرفته، بذكر أسماء الله، وأوصافه، وأفعاله الدالة على تفرُّده بالوحدانية، وأوصاف الكمال، وإلى أنه الحقُّ، وعبادته هي الحق، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل، ويبين نقص كل ما عُبِد من دون الله من جميع الوجوه» (١). وما ذكره ابن أبي العز الحنفي وابن سعدي رحمهما الله تعالى يوافق كلام الإمام ابن القيم ﵀، مما يؤكد لدينا أن القرآن كله مشتمل على التوحيد. قال الشيخ العلَّامة بكر بن عبد الله أبو زيد (٢) ﵀: فالقرآن العظيم، كله في التوحيد، وحقوقه، وجزائه، وفي شأن الشرك، وأهله، وجزائهم. ويُنظر إلى أول سورة في كتاب الله تعالى: سورة الفاتحة): فـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾) توحيد في الألوهية، و ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾) توحيد في الربوبية)، و ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ (توحيد في الأسماء والصفات)، و ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ توحيد في الملك؛ لأنه من شأن الرب المعبود، الذي هذه صفته؛ أن يكون مالكًا ليوم الدين وهو يوم الجزاء والحساب. و ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ توحيد في الثناء والقصد، وهذا التوحيد يدفع مرض الرياء، و ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ توحيد في المسألة والطلب، وهذا التوحيد يدفع مرض العجب والكبرياء، وعلى هذه الآية مدار دعوة جميع الرسل والأنبياء. و ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ توحيد في الطريق الموصل إلى الله وهو الذي شرعه سبحانه ونصبه لعباده، وهو طريق أهل التوحيد، وهم المذكورون في قوله بعده:

стр. 47

﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فلا يكون رفيقك في الطريق إلا موحد، وهذا التوحيد في الطريق يدفع أمراض الجهل والضلال والأهواء. وقوله سبحانه: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ تحذير من طريق الذين فارقوا التوحيد. ويُنظر في آخر سورة من كتاب الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ [الناس] (توحيد) و ﴿مَلِكِ النَّاسِ (٢)﴾ [الناس] (توحيد) ﴿إِلَهِ النَّاسِ (٣)﴾ [الناس] (توحيد). وهذا إشعار بأن ما بين اللوحتين من آيات القرآن، وسوره، كله لغاية واحدة:) توحيد العبد لله لا غير) بما شرع الله على لسان رسول الله ﷺ . وهذا مقتضى الشهادتين في الإسلام: ألَّا يُعبد إلا الله، وألَّا يعبد الله إلا بما شرع، وعليها تدور رحى التشريع … ) (١) انتهى. وختامًا: فإن من تأمل كتاب الله من فاتحته إلى خاتمه اتضح له ذلك عيانًا بأن القرآن كله في التوحيد. ولعل في ذلك كفاية، والحمد لله رب العالمين.

стр. 48

المبحث الخامس بيان ما يناقض التوحيد وهو: (الشرك) وما يترتب عليه من أحكام

стр. 49

المبحث الخامس بيان ما يناقض التوحيد وهو: (الشرك) وما يترتب عليه من أحكام من الأهمية بمكان فهم مصطلح التعريف بالشرك، وذلك لفهم ما يترتب عليه من مسائل وأحكام وفهم ما يتفرع عن ذلك، ولا شك أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وهذه قاعدة فقهية مشهورة وأولوا العلم على العمل بمقتضاها، وهي قاعدة فقهية مقررة عند الفقهاء وغيرهم من العلماء. ومفهوم هذه القاعدة أنه قبل الحكم على أمر ما، لا بدَّ من معرفته المعرفة التامة والإحاطة به الإحاطة التامة، وتصوره تصورًا دقيقًا تامًا كذلك، حتى يكون الحكمُ على ذلك الشيء مطابقًا لواقعه. قال شيخنا العلَّامة ابن عثيمين ﵀: «ومن القواعد المعروفة المقررة عند أهل العلم: الحكمُ على الشيء فرعٌ عن تصوره؛ فلا تحكمْ على شيءٍ إلا بعد أن تتصوره تصوُّرًا تامًّا؛ حتى يكون الحكمُ مطابقًا للواقع، وإلا حصل خللٌ كبيرٌ جدًّا» (١). و مما يستدل به على هذه القاعدة من كتاب الله: قول الله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨)﴾ [الكهف]. قال ابن سعدي ﵀ فيما يستنبط من فوائد هذه الآية الكريمة: «ومنها: الأمر بالتأنِّي والتثبُّت، وعدم المبادرة إلى الحكم على الشيء حتى يعرفَ ما يُراد منه، وما هو المقصود» (٢).

стр. 50

وفي نحو ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (١): «ومعرفة حدود الأسماء واجبة لأنه بها تقوم مصلحة بني آدم في النطق الذي جعله الله رحمة لهم لاسيما حدود ما أنزل الله في كتبه من الأسماء كالخمر والربا، فهذه الحدود هي الفاصلة المميزة بين ما يدخل في المسمى ويتناوله ذلك الاسم وما دل عليه من الصفات، وبين ما ليس كذلك» (٢) ا. هـ. مفهوم الشرك في اللغة والاصطلاح: ١ - مفهوم الشرك لغة: قال ابن فارس: «الشين والراء والكاف أصلان، أحدهما يدلّ على مقارنة وخلافِ انفرادٍ، والآخر يدلّ على امتداد واستقامة. فالأول: الشركة، وهو أن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما، يقال: شاركت فلانًا في الشيء إذا صرت شريكَه، وأشركت فلانًا إذا جعلته شريكًا لك» (٣). وقال الجوهري: «الشريك يجمع على شركاء وأشراك، وشاركت فلانًا صرت شريكه، واشتركنا وتشاركنا في كذا، وشركته في البيع والميراث أشركه شركة، والاسم: الشرك» (٤). وقال أيضًا: «والشرك أيضًا الكفر، وقد أشرك فلان بالله فهو مشرك ومشركيّ» (٥).

стр. 51

وقال الفيروز آبادي: «الشِّرك والِشُّركة بكسرهما وضم الثاني بمعنى، وقد اشتركا وتشاركا وشارك أحدهما الآخر، والشِّرك بالكسر وكأمير: المشارك، والجمع أشراك وشركاء» (١). ٢ - مفهوم الشرك في الاصطلاح: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «أصل الشرك أن تعدل بالله تعالى مخلوقاته في بعض ما يستحقه وحده، فإنه لم يعدل بالله أحد من المخلوقات في جميع الأمور، فمن عبد غيره أو توكل عليه فهو مشرك» (٢). ويقول ابن سعدي ﵀: «حقيقة الشرك أن يُعْبَد المخلوقُ كما يُعْبَد اللهُ، أو يعظَّم كما يعظَّم اللهُ، أو يصرَف له نوع من خصائص الربوبية والإلهية» (٣). ٣ - الفرق بين الشرك والكفر: ١ - أما من جهة اللغة فإن الشرك يكون بمعنى المقارنة، أي: أن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما عن الآخر. أما الكفر فهو بمعنى الستر والتغطية، فيكون الكفر بمعنى جحد الحق وستره. قال ابن فارس: «الكاف والفاء والراء أصل صحيح يدل على معنى واحد، وهو الستر والتغطية»، إلى أن قال: «والكفر ضد الإيمان، سُمّي لأنه تغطية الحق، وكذلك كفران النعمة جحودها وسترها» (٤). وأما من حيث الاستعمال الشرعي فقد يطلقان ويكونا بمعنى واحد، كما في قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ

стр. 52

بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨)﴾ [الكهف]. وإذا أطلق أحدهما دخل الآخر في معناه. كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ [المؤمنون]. وقد يفرق بينهما، قال النووي (١) ﵀: «الشرك والكفر قد يطلقان بمعنى واحد وهو الكفر بالله تعالى، وقد يفرق بينهما فيخص الشرك بعبادة الأوثان وغيرها من

стр. 53

المخلوقات مع اعترافهم بالله تعالى ككفار قريش، فيكون الكفر أعم من الشرك» (١) (٢). ٤ - أنواع الشرك: والشرك نوعان: الأول: شرك أكبر. الثاني: شرك أصغر. قال الإمام ابن القيم ﵀: «أما الشرك فهو نوعان: أكبر وأصغر، فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وهو أن يتخذ من دون الله نِدًّا يحبه كما يحب الله» (٣). تعريف الشرك الأصغر: قال ابن سعدي ﵀: «هو جميع الأقوال والأفعال التي يُتوسلُ بها إلى الشرك كالغلو في المخلوق الذي لا يبلغ رتبة العبادة، كالحلف بغير الله ويسير الرياء ونحو ذلك» (٤). وقال الشيخ عبد العزيز السلمان (٥) ﵀: «هو كلّ وسيلة وذريعة يتطرّق بها إلى الشرك الأكبر» (٦).

стр. 54

الشرك الخفي: أما الشرك الخفي فلا يعد قسمًا ثالثًا مستقلًا وفي هذا الصدد يقول سماحة شيخنا الإمام ابن باز (١) ﵀: «وهناك شرك يقال له: الشرك الخفي … ». والصواب: أن هذا ليس قسمًا ثالثًا، بل هو من الشرك الأصغر، وهو قد يكون خفيًّا لأنه يقوم بالقلوب كما في هذا الحديث، وكالذي يقرأ ويرائي، أو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يرائي، أو يجاهد يرائي أو نحو ذلك … وقد يكون خفيًّا وهو من الشرك الأكبر كاعتقاد المنافقين فإنهم يراؤون بأعمالهم الظاهرة وكفرهم خفي لم يظهروه … وبما ذكرنا يعلم أن الشرك الخفي لا يخرج عن النوعين السابقين: شرك أكبر وشرك أصغر» (٢). تعريف الشرك الخفي: وتعريفه: هو الوارد في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم من المسيح الدجال عندي؟». قال: قلنا: بلى، قال: «الشرك الخفي؛ أن يقوم الرجل يعمل لمكان رجل» (٣). يعني: الرياء.

стр. 55

بيان مفهوم حقيقة الشرك الأكبر: أما الشرك الأكبر: هو أن يجعل الإنسان للّه ندًّا في ربوبيته، أو ألوهيته، أو أسمائه وصفاته. وقد جمع هذه الأنواع الثلاثة كلها حديث من جوامع كلمه ﷺ عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك»، قلت: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك»، قلت: ثم أي؟ قال: «أن تزاني بحليلة جارك» (١). وكما قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ [الإسراء]. يقول السمعاني (٢) ﵀: «الإشراك هو الجمع بين الشيئين في معنى فالإشراك بالله تعالى هو أن يجمع مع الله غير الله فيما لا يجوز إلا لله» (٣). قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ [الرعد: ٣٣]. يقول القرطبي ﵀: «أصل الشرك المحرم اعتقاد شريك لله تعالى في إلهيته، وهو الشرك الأعظم وهو شرك الجاهلية» (٤). يعرف المقريزي الشرك الأكبر بنحو من تعريف القرطبي فيقول: «فمن أحب غير الله تعالى وخافه ورجاه وذل له كما يحب الله ويخافه ويرجوه فهذا هو الشرك الذي لا

стр. 56

يغفره الله» (١) ا. هـ. فالخوف والرجاء والذل والحب والخوف كلها من أعمال العباد، وتوحيد الألوهية إنما هو: توحيد الله بأفعال العباد. ويؤكد ابن كثير تعريفه للشرك بنفس المعنى بعبارة مختصرة فيقول: «الشرك الأعظم [أن] (٢) يُعبَد مع الله غيره» (٣). كما قال تعالى: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا … لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ [الشعراء: ٩٦ - ٩٨]. ويقول سبحانه: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام]. يتبين مما سبق من تعريف أهل العلم للشرك، أن الشرك في عبادة الله هو الشرك الأكبر والأعظم الذي لا يغفره الله أبدًا لمن مات مشركًا. وإذا أردنا أن نتأمل حقيقة الخطب الجلل المترتب على الشرك الأكبر، فلنتدبر دعاء خليل الرحمن ﵇ وتضرعه وإلحاحه على ربه أن يباعده ويجافيه عن الشرك هو وبنيه، ولقد بوَّب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في كتابه «التوحيد» ما يدل على ذلك فقال في الباب الرابع: باب الخوف من الشرك، وذكر هذه الآية: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)﴾ [إبراهيم]. وإبراهيم ﵇ خليل الرحمن ومن هو في قدره ومكانته ودرجته ورتبته، إنه كان أمة، وكان قدوة، اختصه الله تعالى بهذا الوصف، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠)﴾ [النحل].

стр. 57

وكما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل]. خامسًا: بيان عواقب الشرك الأكبر وما يترتب عليه من أحكام. لما كان الشرك الأكبر أظلم الظلم ويترتب على المتلبس به أحكام شرعية عظيمة الخطب، وذلك حفظًا لضرورة الدين، وصيانة لجناب التوحيد، وتحذيرًا للعباد من عواقبه الوخيمة وما يترتب عليه من شر محض في الدنيا، وخلود أبدى سرمدي في النار يوم التناد، كان بيان أهم تلك الأحكام واجب البيان، ومن أهمها وأبينها وأجلها ما يلي: ١ - الشرك محبط لجميع الأعمال بالكلية قال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ [الزمر]. وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾ [الأنعام]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ [المائدة]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ [البقرة]. وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧)﴾ [التوبة]. وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٥]. والآيات في هذا الشأن أكثر من أن تحصى ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق. ٢ - والكافر متى لقي ربه مشركًا كافرًا فليس له مطمع ولا أمل في أن تناله المغفرة أبدًا، وهذا مما يدل على خطورة الشرك وخطورة الوقوع فيه والتلبس به.

стр. 58

فمن مات على الشرك فلا يدخل تحت الوعد بالمغفرة المترتب على مشيئة أرحم الراحمين والتي يدخل تحتها أصحاب سائر الكبائر والموبقات والذين ماتوا دون توبة، جل في علاه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء]. وسبحانه: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٤٨]. وبمفهوم المخالفة إن لم ينتهوا عن الكفر فلن يغفر لهم ما قد سلف. وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩)﴾ [النساء: ١٦٨ - ١٦٩]. ٣ - أن صاحبه محرم عليه الجنة وهو مخلد في النار. فالشرك الأكبر يوجب لصاحبه الخلود في النار، خلودًا دائمًا أي: على وجه التأبيد، ويحرم عليه الجنة ابتداءً وانتهاءً والعياذ بالله، ودلائل التنزيل في الكتاب العزيز والسنة المطهرة على ذلك كثيرة معلومة ومتوافرة، بل هي من الأحكام القطعية الدلالة المعلومة من دين الإسلام بالضرورة، ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)﴾ [البينة]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة]. وعن جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار» (١). ٤ - والشرك يبيح دم المشرك وماله.

стр. 59

وهذا حكم من أحكام الشريعة الثابتة بدلالة الكتاب والسنة مع مراعاة ضوابطه ولوازمه الشرعية، في ضوء أحكام الشريعة الغراء. يُقال ذلك حتى لا يغتر أحد من السفهاء حدثاء الأسنان سفهاء العقول والأحلام ويتجرأ على إراقة الدماء وسفكها واستحلالها بنفسه بسوء فهمٍ للنصوص أو محاولة لي عنقها تبعًا للهوى واتباعًا للشيطان وحزبه، فإن مما عُلِمَ من دين الله بالضرورة: أن إقامة الحدود أمر منوط بالسلطان. قال تعالي: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [التوبة]. وقال ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم إلَّا بحق الإسلام وحسابهم على الله» (١). ولقد اتفق أهل العلم على أن إقامة الحد أمر مختص بالسلطان أو نائبه. وما عليه أهل السنة: أن إقامة الحدود حق للإمام لا غير، ولا يجوز لأحد كائنًا من كان أن ينازعه فيه. قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: «وقسْمة الفيء، وإقامة الحدود؛ إلى الأئمة ماضٍ، ليس لأحد أن يطعن عليهم، ولا ينازعهم». اهـ (٢). يقول القرطبي ﵀: «لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر الذين فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود وغير ذلك لأن الله سبحانه خاطب جميع المؤمنين بالقصاص ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعًا أن يجتمعوا على القصاص

стр. 60

فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود (١). ويقول ابن رشدالحفيد (٢) ﵀: وأما من يقيم هذا الحد-أي: جلد شارب الخمر- فاتفقوا على أن الإمام يقيمه وكذلك الأمر في سائر الحدود (٣). ومن حجج هؤلاء عدم وجود محاكم شرعية تقيم الحدود. وفي ذلك يقول سماحة شيخنا الإمام ابن باز ﵀: جوابًا عن سؤال فيمن يُجافي المستأمنين، فذكر أنهم يحالون للمحكمة الشرعية، فسئل عما لو لم تكن هناك محاكم شرعية؟ فقال ﵀: «إذا لم توجد محاكم شرعية؛ فالنصيحة فقط، النصيحة لولاة الأمور، وتوجيههم للخير، والتعاون معهم، حتى يُحَكِّموا شرع الله، أما أن الآمر والناهي يمد يده، أو يقتل أو يضرب؛ فلا يجوز، لكن يتعاون مع ولاة الأمور بالتي هي أحسن، حتى يحكموا شرع الله في عباد الله، وإلا فواجبه النصح، وواجبه التوجيه إلى الخير، وواجبه إنكار المنكر بالتي هي أحسن، هذا هو واجبه، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. ولأن إنكاره باليد بالقتل أو الضرب؛ يترتب عليه شر أكثر، وفساد أعظم بلا شك ولا ريب، لكل من سَبَرَ هذه الأمور وعرفها» (٤). اهـ.

стр. 61

والواقع الأليم الذي تعيشه الأمة الآن خير شاهد على ذلك، فإن فئة من الشباب، حدثاء أسنانُهم سفهاء عقُولُهم، نصبوا أنفسهم ولاة أمر على العباد، ومنحوا أنفسهم صلاحية ومهام السلطان أو صلاحية الإمامة العظمى في المسلمين، فكل جماعة لها قوة وشكيمة في بقعة من الأرض تعطي لنفسها تلك الصلاحيات، وتقيم الحدود على أن لها الولاية الشرعية والإمامة العظمى، وأنها مخولة بإقامة الحدود والتعزيرات، فحصل من جراء ذلك مفاسد عظيمة مشهودة للعيان. ٥ - والمشرك تحرم مناكحته. يقول تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ الآية: [البقرة: ٢٢١]. ويقول تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]. قال ابن كثير ﵀: «تحريم من الله على عباده المؤمنين نكاح المشركات، والاستمرار معهن» (١). ا. هـ ٦ - والمشرك يحرم أكل ذبيحته. يقول تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية [الأنعام: ١٢١]. ويستثنى من ذلك أهل الكتاب، فحرائر نسائهم إن كن عفيفات طاهرات غير محاربات، وذبائحهم، حلال لأهل ملتنا. يقول سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ الآية [المائدة: ٥]. ٧ - من مات مشركًا فإنه لا يرث ولا يورث بل إن ماله يفيء إلى بيت مال المسلمين، لحديث أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» (٢).

стр. 62

٨ - من مات مشركًا فلا يغسَّل ولا يكفن ولا يصلى عليه، ولا يستغفر له، ولا يترحم عليه، ولا يقبر في مقابر المسلمين، قال سبحانه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا … عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ … فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾ [التوبة: ١١٣ - ١١٤]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)﴾ [التوبة]. ٩ - المشرك يُحرم نعمتي الأمن والاهتداء، ويقرر هذه الحقيقة قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام]. والظلم هنا هو الشرك كما مر معنا في آية لقمان، وبمفهوم المخالفة فالذين خالطوا إيمانهم بشرك ليس لهم الأمن وليسوا بمهتدين. وقوله سبحانه: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [آل عمران: ١٥١]. قال ابن القيم ﵀: «والمقصود أن الشرك لما كان أظلم الظلم وأقبح القبائح وأنكر المنكرات كان أبغض الأشياء إلى الله وأكرهها له وأشدها مقتًا لديه، ورتّب عليه من عقوبات الدنيا والآخرة ما لم يرتبه على ذنب سواه، وأخبر أنه لا يغفره، وأن أهله نجس، ومنعهم من قربان حَرَمِه، وحرّم ذبائحهم ومناكحتهم، وقطع الموالاة بينهم وبين المؤمنين، وجعلهم أعداءً له سبحانه ولملائكته ورسله وللمؤمنين، وأباح لأهل التوحيد أموالهم ونساءهم وأبناءهم وأن يتخذوهم عبيدًا، وهذا لأن الشرك هضم لحقّ الربوبية، وتنقيص لعظمة الألوهية» (١). ١ - والمشرك المتلبّس بالشرك ظن بربّه ظن السوء كما قال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ

стр. 63

اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)﴾ [الفتح]. قال ابن القيم ﵀: «فلم يجمع على أحد من الوعيد والعقوبة ما جمع على أهل الإشراك، فإنهم ظنّوا به ظنّ السوء حتى أشركوا به، ولو أحسنوا به الظنّ لوحّدوه حقّ توحيده» (١). وقال أيضًا: «فالشرك ملزوم لتنقّص الربّ سبحانه، والتنقّص لازم له ضرورة، شاء المشرِك أم أبى، ولهذا اقتضى حمدُه سبحانه وكمال ربوبيته ألا يغفره، وأن يخلّدَ صاحبَه في العذاب الأليم ويجعله أشقى البرية، فلا تجد مشركًا إلا وهو متنقّص لله سبحانه» (٢). ١١ - والشرك يفسد العقول، فالمشركون من أفسد الناس عقولًا، وقد قال الله فيهم: ﴿وَقَالُوا لَوْ … كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ … نَعْقِلُ مَا كُنَّا … فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ … (١٠)﴾ [الملك]. تأَمّل في نبات الأَرض وانظر … إلى آثار ما صَنع المليكُ عيونٌ من لُجَينٍ فاتراتٌ … على أَحداقها ذهبٌ سَبِيك على قُضُب الزَّبَرْجَدِ شاهدات … بأَنَّ الله ليس له شريكُ» (٣)، (٤) ا. هـ. وبذلك ينتهي الفصل الأول- والحمد لله رب العالمين.

стр. 64

الفصل الثاني بين يدي السورة الكريمة ويشتمل على سبعة مباحث: المبحث الأول: الاستعاذة والبسملة والتأمين وما يتعلق بها من أحكام. المبحث الثاني: أسماء السورة الكريمة. المبحث الثالث: عدد آياتها وكلماتها وحروفها. المبحث الرابع: أبرز موضوعات السورة الكريمة. المبحث الخامس: بيان المعنى الإجمالي للسورة. المبحث السادس: بيان بعض ما ورد في زمن وسبب نزولها. المبحث السابع: بيان بعض ما ورد في فضائلها وخصائصها.

стр. 65

المبحث الأول الاستعاذة والبسملة والتأمين وما يتعلق بها من أحكام

стр. 66

المبحث الأول: الاستعاذة والبسملة والتأمين وما يتعلق بها من أحكام ويشتمل على ما يلي: ١ - مفهوم ومعنى الاستعاذة الاستعاذة هي قولك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل]. معنى الاستعاذة لغة: قال القرطبي ﵀: «الاستعاذة في كلام العرب: الاستجارة والتحيز إلى الشيء على معنى الامتناع به من المكروه، يقال عذت بفلان واستعذت به؛ أي: لجأت إليه، وهي عياذي، أي: ملجئي» (١). فمعناها إذًا: «الالتجاء والاعتصام والتحصُّن». معنى الاستعاذة اصطلاحًا: ولفظ يحصل به الالتجاء إلى الله تعالى، والاعتصام والتحصن به من الشيطان الرجيم، وهي ليست من القرآن بالإجماع، ولفظها لفظ الخبر، ومعناه الإنشاء، أي: اللهم أعذني من الشيطان الرجيم (٢). وقال ملَّا علي القاري ﵀ (٣): «يعني: اللهم احفظني من وسوسته وإغوائه

стр. 67

وخطواته وخطراته وتسويله وإضلاله، فإنه السبب في الضلالة والباعث على الغواية والجهالة» (١) ا. هـ. الاستعاذة لا تكون إلَّا بالله تعالى. قال ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: «الاستعاذة لا تكون إلا بالله في مثل قول النبي ﷺ «أعوذ بوجهك» (٢) و «أعوذ بكلمات الله التامات» (٣) و «أعوذ برضاك من سخطك» (٤) ونحو ذلك وهذا أمر متقرر عند العلماء» (٥) ا. هـ. معنى الشيطان لغة: الشيطان مشتق من (شَطَنَ)؛ بمعنى: بَعُد عن الحقِّ، فهو من: شَطَنَه يَشْطُنُه شَطْنًا: إذا خالفه عن وجهته ونيَّته، وشَطَّت الدار: بَعُدَت، والشاطن: الخبيث، وتشيطن الرجل: إذا صار كالشيطان وفعل فعله، ومنه الشيطنة: التي هي مرتبة كلية عامَّة لمظاهر الاسم المضل، وعلى هذا الاشتقاق تكون كلمة شيطان على وزن (فيعال)، والنون فيه أصلية (٦). قال ابن كثير ﵀: «والشيطان معناه في لغة العرب مشتق من شطن إذا بعد، فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر، وبعيد بفسقه عن كل خير» (٧).

стр. 68

والشيطان هو إبليس: وإبليس مشتقٌّ من أَبلَس الرجل: إذا انقطع ولم تكن له حجَّة، وأَبلَس الرجل: قُطِع به، وأبلس أيضًا: سكَتَ، وأبلس مِن رحمة الله: يئس، والإبلاس: الحزن المعترض من شدَّة البأس، وقد استخدم العربُ هذه المعاني فقالوا: ناقة مِبلاس: إذا كانت لا تَرغو من الخوف، وفلان أبلس: إذا سكَت من شدَّة الخوف (١). الشيطان اصطلاحًا: يُطلق الشيطان من ناحية الاصطلاح على: كلِّ متمرِّد من الجنِّ والإنس والدواب (٢). أمَّا إبليس: فهو علَمٌ على مَخلوق خلَقه الله من النَّار، وجعله في عداد الملائكة، وقام بعمله ما شاء الله أن يقوم، ثمَّ نازع ربَّه الكبرياء والعظمة، فاستكبر عن طاعته، وعصى ربَّه، فطرده من رحمته ومن وظيفته، فهبط إلى الأرض، وأصبحت الشيطنة صفة له (٣). فاسم إبليس: هو علَمٌ على هذا المخلوق المتمرِّد العاتي المتجبر الفاسق عن أمر ربه، الذي خلقه الله من نار، والشيطان وصفٌ له ولمن تمرد وعتا وتجبر وفسق من ذريته. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾ [الكهف]. وهو علم مفرد، ويجمع على أباليس وأبالسة، وهو للجن كآدم للإنس.

стр. 69

وهو العدو اللدود الذي حذر الله عباده من عداوته، وأمرهم باتخاذه عدوًّا سبحانه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر]. من ثمار الاستعاذة: ١ - ومن ثمار الاستعاذة: التبرؤ من الحول والقوة فيه معنى من معاني تحقيق العبودية، فحينما يستعيذ العبد بالله من الشيطان الرجيم فهو بذلك يعلن فقره وذله لخالقه، ويبرأ من حوله وقوته ويلجأ إلى من بيده ملكوت كل شيء، سائلًا ربه أن يعيذه من شر عدوه. وفي نحو ذلك يقول البجيرمي ﵀ (١): «ومن لطائف الاستعاذة أن قوله: أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم إقرار من العبد بالعجز والضعف، واعتراف من العبد بقدرة الباري وأنه الغني القادر على رفع جميع المضرات والآفات، واعتراف العبد أيضًا بأن الشيطان عدوّ مبين. ففي الاستعاذة التجاء إلى الله تعالى القادر على دفع وسوسة الشيطان الغويّ الفاجر وأنه لا يقدر على دفعه عن العبد إلا الله تعالى» (٢) ا. هـ. ٢ - ومن ثمار الاستعاذة: حضور القلب وخشوع الجوارح وحصول أثر القرآن والانتفاع بمواعظه وزواجره ونواهيه لأن عدوه قد خنس بسبب الاستعاذة منه، فالاستعاذة منه من أعظم أسباب زجره ودحره. ٣ - ومن ثمار الاستعاذة: حضور الملائكة لاستماع القرآن، فإذا اندحر الشيطان بالاستعاذة حضرت الملائكة لتستمع لآي القرآن، وهي تحب الاستماع للقرآن؛ لأنها

стр. 70

ما أعطيت خاصية التلاوة، فلذلك تحب الاستماع إليه؛ ولأن الملائكة والشياطين لا يجتمعان. مثال لما ثبت في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «وَتَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ» (١). كما قال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ … مَشْهُودًا (٧٨)﴾ [الإسراء]. قال ابن جرير الطبري ﵀: «يقول: إن ما تقرأ به في صلاة الفجر من القرآن كان مشهودًا، يشهده فيما ذكر ملائكة الليل وملائكة النهار، وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وجاءت الآثار عن رسول الله ﷺ » (٢). وقال القرطبي ﵀: «وعبر عنها بالقرآن خاصة دون غيرها من الصلوات؛ لأن القرآن هو أعظمها، إذ قراءتها طويلة مجهور بها حسبما هو مشهور مسطور» (٣) ا. هـ. ٤ - ومن ثمار الاستعاذة: تعظيم قدر القرآن في نفس المؤمن التالي له، فالاستعاذة فيها معنى تطهير المحل التالي لكلامه سبحانه، ولذا استحب التسوك عند التلاوة. وحول هذا المعنى يقول ابن كثير ﵀: «وَمِنْ لَطَائِفِ الِاسْتِعَاذَةِ: أَنَّهَا طَهَارَةٌ لِلْفَمِ مِمَّا كَانَ يَتَعَاطَاهُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَتَطْيِيبٌ لَهُ وَتَهَيُّؤٌ لِتِلَاوَةِ كَلَامِ اللَّهِ وَهِيَ اسْتِعَانَةٌ بِاللَّهِ وَاعْتِرَافٌ لَهُ بِالْقُدْرَةِ وَلِلْعَبْدِ بِالضَّعْفِ وَالْعَجْزِ عَنْ مُقَاوَمَةِ هَذَا الْعَدُوِّ الْمُبِينِ الْبَاطِنِيِّ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى مَنْعِهِ وَدَفْعِهِ إِلَّا اللَّهُ الَّذِي خَلَقَهُ، وَلَا يَقْبَلُ مُصَانَعَةً، وَلَا يُدَارَى بِالْإِحْسَانِ، بِخِلَافِ الْعَدُوِّ مِنْ نَوْعِ الْإِنْسَانِ كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ» (٤). ولعل في هذا كفاية والحمد لله رب العالمين.

стр. 71

٢ - بيان ومفهوم معنى البسملة البسملة: اسم. ولفظة (بسملة): مصدرها بسمل. وبسملَ فِعل: أي: يبسمل، بَسْمَلَةً، فهو مُبسمِل، فالبسملة اسم بُنيَ من فعل، وهو من بسمل الشخص إذا قال: بسم الله، كقولهم: حوقل إِذا قال: لا حول ولا قوَّة إِلا بالله، وحمدل إِذا قال: الحمد لله (١). وهي من الكلام المنحوت المجموع من كلمتين (٢). والعرب تفعل هذا إِذا كثر استعمالهم للكلمتين ضموا بعض حروف إِحداهما إِلى بعض حروف الأُخرى منه (٣). والبسملة هي قول: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. والاسم: كلمة يستدل بها على مُسَمًّى بذاته وعينه، يعرف به، ويتميّز به عن غيره. ولفظ الجلالة: ﴿اللَّهِ﴾ اسم علم على الذات الإلهية لربّ العزة والجلال ﵎ وهو غني عن تعريف خلقه جل في علاه. والإله هو المألوه الذي تألهه القلوب وتحبه وتخضع له، وتعبده خوفًا وطمعًا، وتدعوه رغبًا ورهبًا، وتعظمه تذللًا وتزلفًا، وتتوكل عليه وتنطرح بين يديه افتقارًا واضطرارًا إليه . ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ أي: أبدأ وأستهل بسم الله تعالى، وهي بركة واستعانة.

стр. 72

والجار والمجرور -على التعظيم والإجلال- في ﴿بِسْمِ﴾ متعلق بفعل مقدر، تقديره: «أبدأ». ومعناها: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ وحده أقرأ كلامه وأتلوه متبركًا. أي: أبتدأ قراءتي حال كوني متبركًا ومستعينًا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وهي مشروعة ومستحبة في أحوال شتى منها على سبيل البيان لا الحصر: عند الوضوء، وعند المأكل والمشرب، وعند الوقاع، وعند الخروج من البيت والولوج فيه، وعند غلق الأبواب، وعند النوم، وعند التخلي، وعند الصيد، وعند الذبح، وعند التألم والتوجع يرقي بها نفسه، وفي أذكار طرفي النهار، وعند السفر وعند ركوب الدابة وعند تعثرها، وعند ركوب البحر، وعند قتال العدو، وعند المكاتبات كما فعل النبي ﷺ عند مكاتبة الملوك يدعوهم إلى الإسلام، وعند لحد المسلم في قبره، وفي غيرها من المواضع التي لا يسع المجال لذكرها بل ولا لحصرها. قال الجصاص (١) ﵀: «وَالأَحْكَامُ الَّتِي يَتَضَمَّنُهَا قَوْلُهُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الأَمْرُ بِاسْتِفْتَاحِ الأُمُورِ لِلتَّبَرُّكِ بِذَلِكَ، وَالتَّعْظِيمُ لِلَّهِ بِهِ، وَذِكْرُهَا عَلَى الذَّبِيحَةِ شِعَارٌ وَعَلَمٌ مِنْ أَعْلامِ الدِّينِ وَطَرْدِ الشَّيْطَانِ؛ وَفِيهِ إظْهَارُ مُخَالَفَةِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَفْتَتِحُونَ أُمُورَهُمْ بِذِكْرِ الأَصْنَامِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْمَخْلُوقِينَ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَهُوَ مَفْزَعٌ لِلْخَائِفِ، وَدَلالَةٌ مِنْ قَائِلِهِ عَلَى انْقِطَاعِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلُجُوئِهِ إلَيْه، وَأُنْسٌ لِلسَّامِعِ، وَإِقْرَارٌ بِالأُلُوهِيَّةِ، وَاعْتِرَافٌ بِالنِّعْمَةِ، وَاسْتِعَانَةٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَعِيَاذَةٌ بِهِ، وَفِيهِ اسْمَانِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَخْصُوصَةِ بِهِ لا يُسَمَّى بِهِمَا غَيْرُهُ، وَهُمَا اللَّهُ وَالرَّحْمَنُ» (٢).

стр. 73

و ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اسمان كريمان عظيمان من أسماء الله تعالى الحسنى، يدلان على اتصاف الله تعالى بالرحمة الواسعة، و ﴿الرَّحْمَنِ﴾ دال على صفة ذاتية، و … ﴿الرَّحِيمِ﴾ دال على صفة فعلية. و ﴿الرَّحْمَنِ﴾ وصفٌ بالرحمة، و ﴿الرَّحِيمِ﴾ هو الذي يرحم بتلك الرحمة، سبحانه: ﴿ … كَتَبَ … رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]، كما قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ … وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا … هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة]، والرحمن من الأسماء الخاصة به جل في علاه والتي لا يجوز ولا يصح أن يوصف بها سواه ، تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]. و ﴿الرَّحْمَنِ﴾ على وزن فعلان، وهو يدل على الشمول والسعة والامتلاء، وهو اسم من أسماء الله تعالى الحسنى مشتق من الرحمة، وهي رحمة عامة لجميع الخلق. ومما يدل على ذلك ذكر الله للاستواء باسم ﴿الرَّحْمَنِ﴾ ليعم الرحمن جميع خلقه برحمته الواسعة الشاملة، فكما أن عرشه يعم جميع خلقه فكذلك رحمته. كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]. ﴿الرَّحْمَنِ﴾ على وزن فعيل، اسم من أسماء الله الحسنى، الواصلة لخلقه، وقد تكون أخص بالمؤمنين في الآخرة. قال ابن القيم ﵀: «الرحمن دال على الصفة القائمة به سبحانه، والرحيم دال على تعلقها بالمرحوم، فكان الأول للوصف والثاني للفعل فالأول دال على أن الرحمة صفته، والثاني دال على أنه يرحم خلقه برحمته، وإذ ا أردت فهم هذا فتأمل قوله ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب] وقوله ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾ [التوبة] ولم يجئ قط (رحمن بهم) فعلم أن رحمن هو الموصوف بالرحمة، ورحيم هو الراحم برحمته» (١) ا. هـ.

стр. 74

وكلام ابن القيم ﵀ وكلام غيره من أهل العلم يؤكد أن ﴿الرَّحِيمِ﴾ رحمة خاصة يرحم الله بها من شاء من عباده المؤمنين وهذا ما دلت عليه الآية: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب]. وقد تكون أخص بالمؤمنين في الآخرة كما مرَّ معنا آنفًا، ويؤيد ذلك أيضًا القرطبي (١).

стр. 75

٣ - هل البسملة آية من الفاتحة لقد أجمع المسلمون على أن القرآن الكريم محفوظ من التحريف والتبديل ومن الزيادة أو النقصان، كما أجمعوا على أن كل من زعم أن كتاب الله تعالى زيد فيه ما ليس منه، أو أنقص منه ما أنزل الله فيه فقد كفر. يقول الله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحِجر]. وزيادة للإيضاح نسوق أقوال أئمة التفسير في معنى الآية الكريمة من سورة الحجر. يقول الطبري ﵀: «يقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ وهو القرآن، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ قال: وإنا للقرآن لحافظون من أن يزاد فيه باطل ما، ليس منه، أو ينقص منه ما هو منه من أحكامه وحدوده وفرائضه. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل» (١). ويقول البغوي ﵀: «﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾، يعني: القرآن، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ أي: نحفظ القرآن من الشياطين يزيدوا فيه، أو ينقصوا منه، أو يبدلوا. قال الله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] والباطل: هو إبليس، لا يقدر أن يزيد فيه ما ليس منه ولا أن ينقص منه ما هو منه» (٢). ويقول القرطبي ﵀: «﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ من أن يزاد فيه أو ينقص منه» (٣). ويقول الشنقيطي (٤) ﵀: «بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه هو الذي نزَّل القرآن
следующие страницы →