Полный текст (236 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
النجد ما ارتفع من الأرض، وهو خلاف الغور، فإنَّه ما انخفض منها، وتهامة كلُّها من الغور ومكة من تهامة".
وقال قبل ذلك في الفتح (٦/٣٥٢) عند شرح حديث "رأس الكفر نحو المشرق": "وفي ذلك إشارة إلى شدَّة كفر المجوس؛ لأنَّ مملكة الفرس ومَن أطاعهم من العرب كانت من جهة المشرق بالنسبة إلى المدينة، وكانوا في غاية القسوة والتكبُّر والتجبُّر حتى مزَّق مَلِكُهم كتاب النَّبيِّ ﷺ كما سيأتي في موضعه، واستمرَّت الفتنُ من قِبَل المشرق كما سيأتي بيانه واضحاً في الفتن".
وقال النووي في شرح صحيح مسلم (٢/٣٤) : "والمراد بذلك اختصاص المشرق بمزيد من تسلط الشيطان ومن الكفر، كما قال في الحديث الآخر: (رأس الكفر نحو المشرق) ، وكان ذلك في عهده ﷺ حين قال ذلك، ويكون حين يخرج الدجَّال من المشرق، وهو فيما بين ذلك منشأ الفتن العظيمة ومثار الكفرة الترك الغاشمة العاتية الشديدة البأس".
وقد مرَّ في كلام ابن حجر قريباً أنَّ ظهور البدع كان من تلك الجهة أي جهة المشرق، ومن أمثلة ذلك أنَّ الخوارجَ والشيعةَ والقدريةَ والجهميَّةَ كان خروجُهم من تلك الجهة، ومجيء التتارُ للقضاء على الخلافة العباسية وسقوط بغداد كان من المشرق، وفي آخر الزمان خروج الدجال من تلك الجهة، فإنَّه كما جاء في صحيح مسلم (٢١٣٧) يخرج من خلة بين الشام والعراق، وفي صحيحه أيضاً (٢٩٤٤) : "يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفاً عليهم الطيالسة".
وكما أنَّ تلك الجهة منشأ كثير من البدع، ومنها ظهور كثير من الشرور، فإنَّ فيها الكثيرين من أهل العلم الذين ردُّوا على المبتدعة، ومنها محدِّثون وفقهاء كبار، ومن هؤلاء أصحاب الكتب الستة: محمد بن إسماعيل
стр. 107
البخاري، ومسلم بن الحجاج النيسابوري، وأبو داود السجستاني، وأبو عيسى الترمذي، وأبو عبد الرحمن النسائي، وابن ماجه القزويني، وقد ألَّف الشيخ محمد أشرف سندهو المتوفَّى سنة (١٣٧٣هـ) رسالة أوضح فيها ما يتعلَّق بهذا الموضوع، سَمَّاها: "أكمل البيان في شرح حديث نجد قرن الشيطان".
وإنَّما ذكرتُ هنا بيان المراد بـ"نجد" وأنَّه العراق وما وراءه، كما جاء مبيَّناً في بعض الروايات وأقوال بعض أهل العلم؛ لأنَّ بعضَ الحاقدين على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ يُلبِّسون على غيرهم بأنَّ المراد بـ"نجد" نجد اليمامة، ولم تشتهر اليمامةُ باسم"نجد" إلاَّ في أزمان متأخرة، ومن المعلوم أنَّ"نجداً" في اللغة تُطلق على ما ارتفع وعلا من الأرض، وهي ما يُقابل"الغور" و ((تهامة"، والمراد بـ"نجد" التي وقَّت رسول الله ﷺ لأهلها"قرن المنازل" الأماكن المرتفعة التي يأتي أهلُها من الطائف وغيره، وقد ذكر الفيروزآبادي في القاموس المحيط عدداً من النجود، منها نجد الود ببلاد هذيل، ونجد برق باليمامة.
السابع والثامن: قدحُه في ثبوت حديث افتراق الأمَّة إلى ثلاث وسبعين، وحديث العرباض بن سارية "عليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الراشدين"، والردُّ عليه.
عاب في (ص: ١٨٢) على أهل السنَّة تسميتهم أنفسهم بأهل السنَّة لحديث العرباض بن سارية: "عليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الراشدين"، وقال: "علماً بأنَّ الحديث السابق وحديث افتراق الأمَّة محل تنازع في التضعيف والتصحيح داخل أهل السنَّة!! ".
стр. 108
والجواب: أنَّ المالكيَّ هو من أهل الأهواء والبدع، ومن أجل ذلك يقدح في الأحاديث التي لا توافق هواه، كهذين الحديثين، كما أنَّه يحتفي بأهل البدع ويُدافع عنهم، ولا يعتبرهم على باطل، وقد قال في (ص: ٤١ ـ حاشية) : "فقد يكون الحقُّ مع طرف، ولكنَّه نادر خاصة في العقائد، والأصل أنَّ معظمَ الاختلافات بين المسلمين أن يكون كل طرف ممسكاً بطرف من الحقيقة!! ".
فأمَّا حديث العرباض بن سارية، فرواه جماعةٌ كثيرون، ففي تعليق الشيخ شعيب الأرنؤوط وغيره على جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثاً من جوامع الكلم لابن رجب (٢/١٠٩) : "رواه أبو داود (٤٦٠٧) ، والترمذي (٢٦٧٦) ، ورواه أيضاً أحمد (٤/١٢٦ ـ ١٢٧) ، والدارمي (١/٤٤) ، وابن ماجه (٤٣) و (٤٤) ، وابن أبي عاصم في السنة (٢٧) ، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢/٦٩) ، والبغوي (١٠٢) ، والآجري في الشريعة (ص: ٤٦) ، والبيهقي (٦/٥٤١) ، واللالكائي في أصول الاعتقاد (٨١) ، والمروزي في السنة (٦٩) ـ (٧٢) ، وأبو نعيم في الحلية (٥/٢٢٠) ، و (١٠/١١٥) ، والحاكم (١/٩٥ ـ ٩٧) ، وصححه ابن حبان (٥") .
ولفظه عند أبي داود، قال العرباض: "صلَّى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظةً بليغةً ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله! كأنَّ هذه موعظة مودِّع، فماذا تعهد إلينا؟ قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإنْ عبداً حبشيًّا؛ فإنَّه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء المهديين الراشدين، تَمسَّكموا بها وعضُّوا عليها بالنواجذ، وإيَّاكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة".
стр. 109
والحديث صحيح عند أهل السنَّة، قال فيه الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وصححه ابن حبان والحاكم، وقال: "هذا حديث صحيح ليس له علَّة"، ووافقه الذهبي.
وقال الحافظ أبو نعيم: "هو حديث جيِّد من صحيح حديث الشاميين"، كما في جامع العلوم والحكم (٢/١٠٩) ، وحسَّنه البغوي في شرح السنة (١٠٢) ، وصححه الألباني في تعليقه على السنة لابن أبي عاصم (١/١٨ ـ ٢٠) وغيره.
والحديث مشتملٌ على الترغيب في اتِّباع السنَّة والتحذير من البدع، وبيان أنَّها كلَّها ضلالةٌ، ومثل ذلك حديث أنس ﵁ في حديث طويل: "فمَن رغب عن سنَّتي فليس منِّي"، أخرجه البخاري (٥٠٦٣) ، ومسلم (١٤٠١) .
وحديث العرباض ﵁ من جوامع كَلِمِه ﷺ ، وقد أدخله النووي في كتابه الأربعين، وهو الحديث الثامن والعشرون منه، والمعنى في هذا الحديث هو المعنى في قول الله : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ .
وأمَّا حديث افتراق الأمَّة إلى أكثر من سبعين فرقة، فقد جاء عن جماعة من الصحابة، منهم معاوية ﵁، أخرجه أحمد (١٦٩٣٧) ، وأبو داود (٤٥٩٧) وغيرهما، ولفظه عندهما: "إنَّ أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملَّة، وإنَّ هذه الأمَّة ستفترق على ثلاث وسبعين ملَّة يعني الأهواء، كلُّها في النار إلاَّ واحدة، وهي الجماعة".
وقد حسَّنه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٠٤) ، وهو صحيح لشواهده التي جاءت عن أنس وعبد الله بن عمرو بن العاص وعوف بن مالك وأبي أمامة ﵃، وانظر تخريجها في التعليق على المسند لشعيب الأرنؤوط وغيره (١٦٩٣٧) ، وقال الحاكم في المستدرك (١/٦) عن
стр. 110
حديث افتراق الأمة "هذا حديث كبير في الأصول"، وقال أيضاً (١/١٢٨) : "هذه أسانيد تُقام بها الحجة في تصحيح هذا الحديث"، ووافقه الذهبي، ونقل الألباني في السلسلة الصحيحة تحت الرقم السابق تصحيح بعض العلماء للحديث، منهم ابن حجر وابن تيمية والشاطبي والعراقي، وذكر الشيخ الألباني في تعليقه على حديث أنس من كتاب السنة لابن أبي عاصم (٦٤) أنَّ الحديث صحيح قطعاً لطرقه وشواهده.
وفي بعض ألفاظ الحديث عن أنس وعبد الله بن عمرو في بيان الفرقة الناجية: "ما أنا عليه اليوم وأصحابي"، قال الحافظ عن حديث أنس في لسان الميزان (٦/٥٦) : "والمحفوظ في المتن (تفترق أمَّتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلُّها في النار إلاَّ واحدة، قالوا: وما تلك الفرقة؟ قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي") .
وحديث عبد الله بن عمرو عند الترمذي والحاكم، وفي إسناده عبد الرحمن بن أنعم الإفريقي، وهو ضعيف، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب"، وحسَّنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢٦٤١) ، وقال البغوي في شرح السنة (١/٢١٣) : "وثبت عن عبد الله بن عمرو"، فساق الحديث، وفي آخره: "ما أنا عليه وأصحابي"، ويتقوَّى بحديث أنس، وكذلك بالشواهد الأخرى التي فيها ذكر وصف الفرقة الناجية بالجماعة؛ لأنَّ أصحاب رسول الله ﷺ أوَّل الجماعة، وهم خير الجماعة.
وهذه الفرق هم من المسلمين، ومستحقُّون لدخول النار لبدعهم، وهم تحت مشيئة الله، إلاَّ الفرقة الناجية التي كانت على ما عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃.
стр. 111
١٥ ـ زعمه أنَّ المعوَّل عليه في النصوص ما كان قطعيَّ الثبوت قطعيَّ الدلالة فقط، والردُّ عليه
قال في (ص: ١٨٨) : "لا يظنَّن مغفَّل أنَّ المبالغةَ في صغائر المعتقدات المرتكزة على نصوص ظنيَّة الثبوت أو الدلالة كانت نتيجة لأهميَّة تلك العقائد المتنازَع فيها، وإنَّما كانت المبالغة في تلك المعتقدات نتيجة من نتائج الصراعات السياسية بالدرجة الأولى، ثم الصراعات المذهبية، أو حب العلو في الأرض والتفرد بالزعامة نتيجة التحاسد والتنافس بين العلماء، وبعض هذا نتيجة غفلة الصالحين، مع استغلال سلطوي حتى ينشغل الصالحون في خصومات ثانوية لا أهميَّة لها!! ".
وقال أيضاً: "أصبحت العقائد في الأزمنة المتأخرة لا تعني إلاَّ الانتصار لما شذَّت به الطائفة عن سائر المسلمين، مع التقوقع على هذا وكأنَّه الإسلام ذاته، مع الضيق في ذلك، والتفصيل المبالَغ فيه، والولاء والبراء في ذلك، مع إقناع النفس ـ بجهل وتعصب بمساعدة من الشيطان ـ بأنَّ زمننا هذا زمن فتنة وبلاء، وأنَّنا نحن الغرباء، الذين أخبر النبيُّ (ص) (كذا) بأنَّهم يصلحون إذا فسد الناس، وأنَّ الله قد أمر بالصبر على الحقِّ، ولكننا في الوقت نفسه ننسى أنَّ الله أمر بالتواصي بالحقِّ، ونحن لا نتواصى بل نتآمر ونكيد ونمكر المكر السَّيِّء، وننسى أنَّ الواجب أن نعرف ـ قبل أن نعلن الاختلاف ـ أنَّ ما نفعله حق أو لا، ثم بعد ذلك نتواصى بالصبر، أمَّا أن نتواصى بالصبر على انتقاص علي بن أبي طالب وأهل بيته، وحب ظلمة بني أميَّة، وتكفير أبي حنيفة وسائر المسلمين إلاَّ نحن، ونتواصى بالصبر على الكذب على رسول الله، وتبرير هذا الكذب بأنَّه مندرجٌ تحت أصل، ونتواصى بالتشبيه الصريح لله ﷻ بخلقه بناء على الإسرائيليات والأساطير، فهذا كلُّه ليس من
стр. 112
الحقِّ الذي نُؤجَرُ على الصبر عليه، إنَّما نُؤجَر على الصبر على الحق الواضح المبني على قطعي الثبوت والدلالة من أدلَّة الكتاب والسنَّة، فالحقُّ الذي ذكره الله في كتابه وأخبر به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليس بهذا الخفاء، بحيث لا يهتدي إليه إلاَّ الغلاة، لهذا علينا أن نصحح أوضاعنا العلمية والعملية وفق النصوص الشرعية، لا ما تسوله لنا أنفسنا وغفلتنا وقناعتنا الخادعة بأنَّنا أحسن الناس إيماناً؛ لأنَّ الإيمان ليس بالتحلِّي ولا بالتمنِّي، وإنَّما هو قولٌ وعمل ومنهج عدل وعلم وصدق وتثبت!! ".
وقال (ص: ١٨٦) : "ضرورة العودة للقرآن الكريم والالتزام بما فيه من مجمل الإيمانيات التي يسمُّونها العقائد ومجمل الأوامر الظاهرة والمحرمات الظاهرة والأخلاق الواجبة، وعدم امتحان الناس بالمتشابه منه، ثم العودة لمتواتر السنَّة، ثم الصحيح المشهور، وترك التنازع في المختلف فيه من السنَّة، سواء من حيث الثبوت أو دلالة النصِّ، وفتح حرية الاجتهاد في ذلك ... !! ".
وأجيب عن ذلك بما يلي:
١ ـ هذه الطريقة التي ذكرها المالكي وهي التعويل على ما كان قطعيَّ الثبوت والدلالة من النصوص هي طريقةُ المبتدعة وأهل الأهواء، وهو واحد منهم، ولهذا قرَّر هذه الطريقة، وأُعجب بها، وأمَّا أهل السنَّة والجماعة فهم يُعوِّلون على القرآن والمتواتر والآحاد من السنَّة، ومن أوضح الأدلة على التعويل على أحاديث الآحاد في العقائد وغيرها حديث معاذ بن جبل ﵁ في بعثه ﷺ إلى اليمن ليعلِّم الناس دينهم؛ فإنَّ الحجَّةَ قامت على أهل اليمن بما يُخبرهم به في الأصول والفروع، وهو شخصٌ واحد، وهذا بخلاف طريقة أهل الأهواء الذين لا يأخذون بأحاديث الآحاد؛ بزعمهم أنَّها ظنيَّةُ الثبوت، وأمَّا القرآن ومتواتر السنَّة الذي لا يتمكَّنون من ردِّه لكونه قطعيَّ الثبوت،
стр. 113
يقدحون في ثبوت معناه إذا لم يوافق أهواءَهم؛ زاعمين أنَّه ظنيُّ الدلالة، وليس قطعيًّا فيها.
٢ ـ أمَّا زعمه أنَّ أهل السنَّة يتواصون بانتقاص علي بن أبي طالب ﵁ وأهل بيته وحُبِّ ظلمة بني أميَّة فهو من الإفك المبين؛ فإنَّ أهل السنَّة هم الذين يُحبُّون عليًّا ﵁ وأهل بيته، بل وسائر أهل بيت النَّبيِّ ﷺ ، وهم زوجاته وكلٌُّ مسلم ومسلمة من نسل عبد المطلب بن هاشم، ويتولَّونهم جميعاً دون غلوٍّ أو جفاء، وهذا بخلاف المالكي وأسلافه من الرافضة، الذين يغلون في عليٍّ وفاطمة ﵄، وفي بعض أولادهما، ويجفون في غيرهم من أهل البيت، وفي الصحابة، ومن أبرز أهل البيت الذين جفا فيهم المالكي عمُّ النَّبيِّ ﷺ العباس بن عبد المطلب وابنه عبد الله وغيرهما مِمَّن كان إسلامُهم بعد الحديبية، الذين يزعم المالكي أنَّهم لم يظفروا بصحبة النَّبيِّ ﷺ الصحبة الشرعية، وأنَّ صحبَتهم كصحبة المنافقين والكفار.
٣ ـ وأمَّا زعمه أنَّ أهل السنَّة يتواصون بتكفير أبي حنيفة وسائر المسلمين من غيرهم، فهو من الإفك المبين أيضاً، وقد مرَّ قريباً أنَّ الفِرَق الثنتين والسبعين هم من المسلمين، وهم مستحقُّون للنار لبدعهم، وهم تحت مشيئة الله، إن شاء عفى عنهم وإن شاء عذَّبهم، وأمَّا ما أشار إليه المالكي من قبل عن أحد كتب أهل السنَّة من آثار في تكفير أبي حنيفة في مسألة خلق القرآن، فهي إمَّا غير ثابتة الإسناد، أو أنَّه تاب مِمَّا نُسب إليه، وقد قال الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (١٣/٣٧٧) : "وأمَّا القول بخلق القرآن، فقد قيل: إنَّ أبا حنيفة لم يكن يذهب إليه، والمشهور عنه أنَّه كان يقوله واستُتيب منه"، ثم ذكر نقولاً في هذا وفي هذا، ومنها (ص: ٣٧٨) عن الإمام أحمد أنَّه قال: "لم يصحَّ عندنا أنَّ أبا حنيفة كان يقول: القرآن مخلوق".
стр. 114
وروى اللالكائي في شرح السنة (٢/٢٧٠) بإسناده عن عبد الله بن المبارك أنَّه قال: "والله! ما مات أبو حنيفة وهو يقول بخلق القرآن، ولا يدينُ الله به".
٤ ـ وأمَّا زعمه أنَّ أهل السنَّة يتواصون بالصبر على الكذب على رسول الله ﷺ ويُبرِّرون هذا الكذب بأنَّه مندرجٌ تحت أصل، وأنَّهم يتواصون بالتشبيه الصريح لله ﷻ بخلقه بناء على الإسرائيليات والأساطير، فهو من أفحش الكذب وأبطل الباطل؛ لأنَّ أهل السنَّة هم أبعدُ الناس عن هذه القبائح، وما وُجد في بعض كتب أهل السنَّة من أحاديث وآثار في أسانيدها وضَّاعون، فمراد مَن ذكَر ذلك منهم بإسناده أن يُعلم ورودُه كذلك، وأنَّه لكذبه أو ضعف إسناده لا يُعوَّل عليه، وقد مرَّ بيان ذلك في الردِّ على المالكي في قدحه في كتب أهل السنَّة في العقيدة، وفيه النقل عن ابن تيمية وابن حجر في ذلك.
وسيأتي في المبحث بعد هذا أنَّ أهل السنَّة مثبتةٌ منزِّهةٌ، وليسوا بمشبِّهة ولا معطِّلة.
٥ ـ وقوله بعد ذكر ضرورة العودة إلى القرآن: "ثم العودة لمتواتر السنة، ثم الصحيح المشهور، وترك التنازع في المختلف فيه من السنَّة، سواء من حيث الثبوت أو دلالة النصِّ، وفتح حريَّة الاجتهاد في ذلك ... !! ".
أقول: يريد المالكي بالأخذ بالصحيح المشهور وترك المختلف فيه الأخذ بما يوافق أهواء أهل البدع، وترك الأخذ بما لا يوافق أهواءهم، وقد مرَّ قريباً قدح المالكي في أحاديثَ صحيحة في الصحيحين وغيرهما، منها حديث صلح الحسن؛ لأنَّها لا توافق هواه، ثم هو يعيب على أهل السنَّة أنَّهم
стр. 115
يُطلقون كلمات فضفاضة لا يفهمون معناها، وهنا يقول: إنَّ التعويل على الصحيح المشهور، وهذه الصحة والشهرة المزعومة لا تحديد لها ولا ضوابط، والتعويل فيها عند المالكي إنَّما هو على ما يوافق هواه فقط!
стр. 116
١٦ ـ زعمه أنَّ أهل السنَّة مجسِّمة ومشبِّهة والردُّ عليه
ذكر المالكي (ص: ١٢٩) عنواناً بلفظ: "التجسيم والتشبيه" زاعماً أنَّ أهلَ السنَّة ومنهم الحنابلة يقولون بالتشبيه والتجسيم، وأهل السنَّة لا يقولون بالتشبيه ولا التعطيل، وإنَّما مذهبُهم وعقيدتُهم الإثبات مع التنزيه، كما قال الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، فهم مثبتةٌ غير معطِّلة، ومع إثباتهم ليسوا بمشبِّهة، وأمَّا التجسيمُ فإنَّه لفظٌ مُجملٌ لم يَرِد إثباته لله ولا نفيه عنه في الكتاب والسنة، فإن أريد به ذاتٌ متَّصفةٌ بصفات لا تشبه المخلوقات فهو حقٌّ، وإن أريد به ذاتٌ متَّصفة بصفات تشبه المخلوقات فهو باطل، وهذه طريقة أهل السنَّة في الألفاظ المجملة التي لَم ترِد في الكتاب والسنَّة، يُثبتون المعنى الحق ولا يعبِّرون باللفظ المجمل المحتمل للحقِّ والباطل، وينفون المعنى الباطل واللفظ الذي عُبِّر به عنه، والمعطِّلة يصفون المثبتة للصفات بأنَّهم مشبِّهة؛ لأنَّهم لا يتصوَّرون الإثبات إلاَّ مع التشبيه، قال ابن عبد البر في التمهيد (٧/١٤٥) : "وأمَّا أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلُّها والخوارج، فكلُّهم يُنكرها، ولا يحمل شيئاً منها على الحقيقة، ويزعمون أنَّ مَن أقرَّ بها مشبِّه، وهم عند مَن أثبتها نافون للمعبود"، ونقله عنه الذهبي في العلو (٢/١٣٢٦) ، وعلَّق عليه قائلاً: "صدق والله! فإنَّ مَن تأوَّل سائر
стр. 117
الصفات وحمل ما ورد منها على مجاز الكلام، أدَّاه ذلك السَّلب إلى تعطيل الرَّبِّ وأن يشابه المعدوم، كما نُقل عن حماد بن زيد أنَّه قال: مَثل الجهمية كقوم قالوا: في دارنا نخلة، قيل: لها سَعَف؟ قالوا: لا، قيل: فلها كَرَب؟ قالوا: لا، قيل: لها رُطَب وقِنو؟ قالوا: لا، قيل: فلها ساق؟ قالوا: لا، قيل: فما في داركم نخلة! ".
والمعنى أنَّ من نفى عن الله الصفات، فإنَّ حقيقةَ أمره نفيُ المعبود؛ إذ لا يُتصوَّرُ وجود ذات مجرَّدة من جميع الصفات.
وأذكر هنا نماذج مِمَّا أورده المالكي تحت هذا العنوان"التجسيم والتشبيه" مع الإجابة عنها.
فمِن ذلك قوله (ص: ١٢٩) : "أما الأهوازي (الحسن بن علي بن إبراهيم وهو من غلاة أهل السنة، وغلاة أهل السنَّة حنابلة) الحنبلي، فقد ألَّف كتاباً طويلاً في الصفات أورد فيه أحاديث باطلة، ومنها حديث عرق الخيل الذي نصُّه: (إنَّ الله لَمَّا أراد أن يخلق نفسه خلق الخيلَ فأجراها حتى عرقت، ثم خلق نفسَه من ذلك العرق) تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيراً، والغريب أنَّنا نكفِّر مَن يقول بخلق القرآن أو يسبُّ أحد الصحابة، وفاعل هذا وإن كان مخطئاً، لكنَّه ليس كخطأ مَن يزعم أنَّ الله خلق نفسه من عرق الخيل، فعجباً لِمَن يُكفِّر مَن يقول أنَّ القرآن مخلوق، ولا يُكفِّر مَن يقول إنَّ نفس الله مخلوق!! ".
وقال تعليقاً على كلامه هذا: "وقد اتَّهمه ابن عساكر بأنَّه من الفرقة السالمية المجسِّمة، لكن ابن تيمية عدَّه في أهل السنَّة في الجملة، فاحتمل أمثال هؤلاء داخل أهل السنَّة مع ما ترى من بشاعتهم، ولم يحتمل دخول المعتزلة والجهمية ومعتدلي الشيعة، وهذه مفارقةٌ عجيبة!! ".
стр. 118
وأجيب عن ذلك بما يلي:
١ ـ قال الحافظ ابن حجر في ترجمة الأهوازي في لسان الميزان: "وقال ابن عساكر: جمع كتاباً سمَّاه: (شرح البيان في عقود أهل الإيمان) ، أودعه أحاديث منكرة، كحديث (إنَّ الله لَمَّا أراد أن يخلق نفسه خلق الخيل فأجراها حتى عرقت، ثمَّ خلق نفسه من ذلك العرق) ، وغير ذلك مِمَّا لا يجوز أن يُروى ولا يحلُّ أن يُعتقد، وكان مذهبُه مذهبَ السالمية، يقول بالظاهر ويتمسَّك بالأحاديث الضعيفة لتقوية مذهبه، وحديث إجراء الخيل موضوع، وضعه بعضُ الزنادقة ليشنِّع به على أصحاب الحديث في روايتهم المستحيل، فحمله بعضُ مَن لا عقل له ورواه، هو مِمَّا يُقطع ببطلانه شرعاً وعقلاً".
وفي هذا بيان أنَّ الأهوازي من السالميَّة وليس من أهل السنَّة، وأنَّ الحديث من وضع الزنادقة للتشنيع على أهل الحديث في رواية المستحيل، وقد أورده المالكيُّ للتَّشنيع على أهل السنَّة!
٢ ـ وأمَّا زعم المالكي أنَّ ابن تيمية عدَّه من أهل السنَّة في الجملة، ولم يُبيِّن المصدر لكلام ابن تيمية، وابن تيمية في كتابه منهاج السنة (٥/٢٦١) ذكر أنَّه من السالمية وأنَّه صنَّف كتاباً في مثالب الأشعري، وأنَّ ابن عساكر ألَّف في الردِّ عليه، وذكر مثالبَ السالميَّة، وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (١٦/٢٣ ـ ٢٤) : "وهذا يقوله (يعني عدم قبول توبة الداعي إلى البدعة) طائفةٌ مِمَّن ينتسب إلى السنَّة والحديث وليسوا من العلماء بذلك، كأبي علي الأهوازي وأمثاله، مِمَّن لا يُميِّزون بين الأحاديث الصحيحة والموضوعة، وما يُحتجُّ به وما لا يُحتجُّ به، بل يروون كلَّ ما في الباب مُحتجِّين به".
والخلاصة أنَّ ابن تيمية يرى أنَّه من السالمية وأنَّه ينتسب إلى أهل السنَّة والحديث، وما أشبهَ الليلة بالبارحة، فالمالكي نفسه هو على طريقة الرافضة
стр. 119
الذين يحقدون على الصحابة وأهل السنَّة، مع أنَّه ينتسب إلى أهل السنَّة، وهم بُرآءُ منه.
٣ ـ أهل السنَّة والجماعة يُثبتون لله ما أثبته لنفسه وأثبته له رسولُه ﷺ من الأسماء والصفات، وهم لا يصفون الله بالنفَس؛ لأنَّه لم يثبت وصفه بهذا الوصف في الكتاب والسنَّة، وأمَّا حديث: "إنِّي أجد نفَس الرحمن من ها هنا" وأشار إلى اليمن، وهو حديث صحيح أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٤/٧٠) ، والطبراني في المعجم الكبير (٦٣٥٨) فليس من أحاديث الصفات، وإنَّما هو من النَّفَس، وهو اسم مصدر بمعنى التنفيس، كما في كتب اللغة والنهاية لابن الأثير، وانظر السلسلة الصحيحة للألباني (٣٣٦٧) ، والقواعد المثلى للشيخ ابن عثيمين (ص: ٥١) ، وقال ابن تيمية في المجموع (٦/٣٩٨) : "فقوله (من اليمن) يُبيِّن مقصود الحديث؛ فإنَّه ليس لليمن اختصاص بصفات الله تعالى حتى يُظنَّ ذلك، ولكن منها جاء الذين يُحبُّهم ويُحبُّونه، الذين قال فيهم ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ " إلى أن قال: "وهؤلاء هم الذين قاتلوا أهل الرِّدَّة وفتحوا الأمصار، فبهم نفَّس الرحمن عن المؤمنين الكربات، ومن خصَّص ذلك بأويس فقد أبْعد".
وفي صحيح مسلم (٢٥٤٢) عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: "يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن" الحديث، قال النووي في شرحه (١٦/٩٥) : "أمداد أهل اليمن هم الجماعة الغزاة الذين يمدُّون جيوش الإسلام في الغزو، واحدهم مَدد".
٤ ـ وأمَّا زعم المالكي احتمال دخول الأهوازي وأمثاله في أهل السنَّة، وعدم دخول الجهمية والمعتزلة ومعتدلي الشيعة فيهم، وأنَّها مفارقةٌ عجيبة،
стр. 120
فجوابه أنَّ أهلَ السنَّة يعتبرون السالمية والجهمية والمعتزلة والرافضة من فرق الضلال، ولا يدخل أحد من هؤلاء في أهل السنة، كما أنَّ المالكيَّ نفسه ليس من أهل السنَّة، وإنَّما هو من أعداء أهل السنَّة، وقد مرَّ قريباً ما جاء عن حماد بن زيد وابن عبد البر والذهبي من أنَّ الجهمية المعطلة نافون للمعبود؛ لأنَّه لا يُتصوَّر وجود ذات مجرَّدة من جميع الصفات، وفي (ص: ٩١) من قراءته في كتب العقائد أظهر أسفَه على سنوات أضاعها في بغض ولعن الجهمية والقدرية، وأنَّه لم ينتبه لبراءتهما من أكثر ما نُسب إليهما وظلمه لهما إلاَّ بعد بحثه في الموضوع في فترة متأخرة، فنعوذ بالله من الضلال بعد الهدى.
ومن ذلك قول المالكيِّ (ص: ١٢٩ ـ ١٣٠) : "وألَّف الهروي الحنبلي كتاباً في الصفات، حشره بأحاديث باطلة من هذا الجنس، وروى عبد الله بن أحمد رواية مقطوعة فيها: (مكث موسى أربعين ليلة لا يراه أحد إلاَّ مات من نور ربِّ العالمين") .
وأجيب عن ذلك: بأنَّ ما ذكره عن كتاب الهروي فهو من الكلام الذي يُطلقه المالكي جزافاً، وقد يكون فيما يعنيه أحاديث صحيحة لا تُناسبُ هواه، وليس فيها تجسيم ولا تشبيه، كما سبق أن مرَّ قريباً بيان قدحه في أحاديث صحيحة، بعضها في الصحيحين، وما كان في كتاب الهروي من أحاديث ضعيفة وهي مسندة، فأهل العلم يعرفون الحكم على الحديث بالوقوف على إسناده.
وأمَّا الأثر المقطوع الذي ذكره عن عبد الله بن الإمام أحمد، فإسناده كما في طبقات الحنابلة (١/١٨٥ ـ ١٨٦) : "قال عبد الله بن أحمد: حدَّثني محمد ابن بكار، حدَّثنا أبو معشر، عن أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية"، وهو مع كونه مقطوعاً من كلام بعض الرواة، فإنَّ في إسناده أبا معشر وهو نجيح
стр. 121
ابن عبد الرحمن السندي، قال فيه الحافظ في التقريب: "ضعيف، من السادسة، أسنَّ واختلط".
ومِمَّا أورده في اتِّهام أهل السنَّة بالتشبيه والتجسيم، ما زعمه في (ص: ١٣١) أنَّهم رووا أنَّ المقام المحمود للنَّبيِّ ﷺ هو قعودُه ﷺ مع ربِّه على العرش!!
والجواب عن ذلك: أنَّه لم يثبت رفعُه إلى رسول الله ﷺ ، بل هو موضوع، كما ذكر ذلك ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل (٥/٢٣٧) ، وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (٨٦٥) : "باطل"، وقد جاء القول بذلك عن مجاهد وبعض السَّلف، والأصل في مثل ذلك أن يُعوَّل على ما جاء به الوحي، وليس المعنى فيه من قبيل التشبيه والتجسيم، كما زعم المالكي، بل هو نظير الكتاب الذي كتبه الله، وهو عنده فوق العرش، ففي صحيح البخاري (٧٥٥٣) وصحيح مسلم (٢٧٥١) عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: "لَمَّا خلق الله الخلقَ كتب كتاباً عنده؛ غلبت ـ أو قال ـ سبقت رحمتي غضبي، فهو عنده فوق العرش".
فلو صحَّ ما ذُكر عن النَّبيِّ ﷺ لكان النَّبيُّ ﷺ عنده فوق العرش، كما كان هذا الكتاب عنده فوق العرش.
وأهل السنَّة يؤمنون بأنَّ الله مُستوٍ على عرشه كما يليق به، كما جاء إثبات ذلك في سبع آيات من كتاب الله، واستواؤه على عرشه حقيقة لا مجاز، وهو سبحانه فوق خلقه مستو على عرشه، وله علوُّ القدر وعلوُّ القهر وعلوُّ الذات، والمبتدعة لا يُثبتون علوَّ الذات؛ لأنَّه بزعمهم تجسيم، والتجسيم إن أُريد به ذات متَّصفة بصفات مشابهة للمخلوقات فهو باطل، وإن أُريد به ذات متَّصفة بصفات لا تشبه المخلوقات
стр. 122
فهو حقٌّ، لكن لا يُعبَّر عن ذلك بالتجسيم؛ لأنَّ لفظَ التجسيم محتملٌ للحقِّ والباطل، وقد ذكر ابن القيم ﵀ في كتاب"الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة"، كما في مختصره لابن الموصلي اثنين وأربعين وجهاً في إبطال قول مَن فسَّر الاستواءَ على العرش بالاستيلاء، وذكر أنَّ كثيراً من المالكية على منهج السلف في العقيدة، فقال في (٢/١٣٢ ـ ١٣٦) : "الوجه الثاني عشر: أنَّ الإجماعَ منعقدٌ على أنَّ الله سبحانه استوى على عرشه حقيقة لا مجازاً، قال الإمام أبو عمر الطلمنكي - أحد أئمَّة المالكية وهو شيخ أبي عمر بن عبد البر - في كتابه الكبير الذي سَمَّاه الوصول إلى معرفة الأصول، فذكر فيه من أقوال الصحابة والتابعين وتابعيهم وأقوال مالك وأئمَّة أصحابه، ما إذا وقف عليه الواقفُ علمَ حقيقةَ مذهب السَّلف، وقال في هذا الكتاب: أجمع أهلُ السنَّة على أنَّ الله تعالى على عرشه على الحقيقة لا على المجاز.
الوجه الثالث عشر: قال الإمام أبو عمر بن عبد البر في كتاب التمهيد في شرح حديث النُزول: وفيه دليلٌ على أنَّ الله تعالى في السماء على العرش من فوق سبع سموات، كما قالت الجماعة وقرَّر ذلك، إلى أن قال: وأهل السُّنَّة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة في القرآن والسُّنَّة، والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلاَّ أنَّهم لا يُكيِّفون شيئاً من ذلك، ولا يَحدُّون فيه صفة مخصوصة، وأمَّا أهل البدع الجهمية والمعتزلة والخوارج، فكلُّهم يُنكرُها ولا يحمل شيئاً منها على الحقيقة، ويزعمون أنَّ مَن أقرَّ بها مشبِّهٌ، وهم عند مَن أقرَّ بها نافون للمعبود.
وقال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره المشهور في قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ : هذه المسألة للفقهاء فيها كلام، ثم ذكر أقوال المتكلمين،
стр. 123
ثم قال: وقد كان السلف الأول لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق به في كتابه، وأخبرت به رسلُه، ولم يُنكر أحدٌ من السلف الصالح أنَّه استوى على عرشه حقيقة، وإنَّما جهلوا كيفية الاستواء، كما قال مالك: الاستواء معلوم والكيف مجهول.
الوجه الرابع عشر: أنَّ الجهمية لَمَّا قالوا إنَّ الاستواءَ مجازٌ صرَّح أهل السُّنَّة بأنَّه مستوٍ بذاته على عرشه، وأكثرُ مَن صرَّح بذلك أئمَّةُ المالكية، فصرَّح به الإمام أبو محمد بن أبي زيد في ثلاثة مواضع من كتبه، أشهرها الرسالة، وفي كتاب جامع النوادر، وفي كتاب الآداب، فمَن أراد الوقوف على ذلك فهذه كتبه، وصرَّح بذلك القاضي عبد الوهاب، وقال: إنَّه استوى بالذات على العرش، وصرَّح به القاضي أبو بكر الباقلاني وكان مالكيًّا، حكاه عنه القاضي عبد الوهاب نصًّا، وصرَّح به أبو عبد الله القرطبي في كتاب شرح أسماء الله الحسنى، فقال: ذكر أبو بكر الحضرمي من قول الطبري يعني محمد بن جرير وأبي محمد بن أبي زيد وجماعة من شيوخ الفقه والحديث، وهو ظاهر كتاب القاضي عبد الوهّاب عن القاضي أبي بكر وأبي الحسن الأشعري، وحكاه القاضي عبد الوهاب عن القاضي أبي بكر نصًّا، وهو أنَّه سبحانه مُستوٍ على عرشِه بذاته، وأطلقوا في بعض الأماكن فوق خلقه.
قال: وهذا قولُ القاضي أبي بكر في تمهيد الأوائل له، وهو قولُ أبي عمر ابن عبد البر، والطلمنكي وغيرهما من الأندلسيّين، وقول الخطّابي في شعار الدِّين.
وقال أبو بكر محمد بن موهب المالكي في شرح رسالة ابن أبي زيد: قوله
стр. 124
إنَّه فوق عرشه المجيد بذاته، معنى (فوق) و (على) عند جميع العرب واحدٌ، وفي كتاب الله تعالى وسنَّة رسوله ﷺ تصديقُ ذلك، ثمَّ ذكر النصوصَ من الكتاب والسنة واحتجَّ بحديث الجارية وقول النبيِّ ﷺ لها: (أين الله؟) وقولها: (في السماء) ، وحكمه بإيمانها، وذَكَر حديثَ الإسراء، ثمَّ قال: وهذا قول مالك فيما فهمه عن جماعةٍ مِمَّن أدرك من التابعين، فيما فهموا من الصحابة فيما فهموا عن نبيِّهم ﷺ : أنَّ اللهَ في السماء بمعنى فوقها وعليها، قال الشيخ أبو محمد: إنَّه بذاته فوق عرشه المجيد، فتبيَّن أنَّ علوَّه على عرشه وفوقه إنَّما هو بذاته، إلاَّ أنَّه بائنٌ من جميع خلقه بلا كيف، وهو في كلِّ مكان من الأمكنة المخلوقة بعلمه لا بذاته، لا تحويه الأماكن؛ لأنَّه أعظمُ منها، إلى أن قال: وقوله: على العرش استوى، إنَّما معناه عند أهل السنَّة على غير معنى الاستيلاء والقهر والغلبة والملك، الذي ظنَّت المعتزلةُ ومَن قال بقولهم أنَّه معنى الاستواء، وبعضُهم يقول إنَّه على المجاز لا على الحقيقة، قال: ويُبيِّن سوءَ تأويلهم في استوائه على عرشه على ما تأوَّلوه من الاستيلاء وغيره، ما قد علمه أهلُ المعقول أنَّه لَم يَزل مستولياً على جميع مخلوقاته بعد اختراعه لها، وكان العرشُ وغيرُه في ذلك سواءً، فلا معنى لتأويلهم بإفراد العرش بالاستواء الذي هو في تأويلهم الفاسد استيلاءٌ وملكٌ وقَهرٌ وغلبةٌ، قال: وذلك أيضاً يبيِّن أنَّه على الحقيقة بقوله ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ ، فلمَّا رأى المصنِّفون إفراد ذكره بالاستواء على العرش بعد خلق السموات وأرضه وتخصيصه بصفة الاستواء علموا أنَّ الاستواءَ غير الاستيلاء، فأقرُّوا بوصفه بالاستواء على عرشه وأنَّه على الحقيقة لا على المجاز؛ لأنَّه الصادقُ في قِيله، ووقفوا عن تكييف ذلك وتمثيله؛ إذ ليس كمثله شيء، هذا لفظه في شرحه.
стр. 125
الوجه الخامس عشر: أنَّ الأشعريَّ حكى إجماعَ أهل السنَّة على بُطلان تفسير الاستواء بالاستيلاء، ونحن نذكر لفظَه بعينه الذي حكاه عنه أبو القاسم بن عساكر في كتاب تبيين كذب المفتري، وحكاه قبله أبو بكر بن فَوْرك وهو موجودٌ في كتبه، قال في كتاب الإبانة وهي آخرُ كتبه قال:
(باب ذكر الاستواء) إن قال قائلٌ: ما تقولون في الاستواء، قيل: نقول له: إنَّ اللهَ تعالى مستوٍ على عرشه، كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ، وساق الأدلَّةَ على ذلك، ثمَّ قال: وقال قائلون من المعتزلة والجهميّة والحرورية: إنَّ معنى قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ أنَّه استولى ومَلَكَ وقَهَر، وجحدوا أن يكون اللهُ على عرشه كما قال أهلُ الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القُدرة، ولو كان هذا كما قالوا كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة السُّفلى؛ لأنَّ اللهَ تعالى قادرٌ على كلِّ شيء، والأرض والسموات وكلّ شيء في العالَم، فلو كان اللهُ مستوياً على العرش بمعنى الاستيلاء والقدرة لكان مستوياً على الأرض والحشوش والأنْتَان والأقْذار؛ لأنَّه قادرٌ على الأشياء كلِّها ولم نجد أحداً من المسلمين يقول إنَّ اللهَ مستوٍ على الحشوش والأخْلِيَة، فلا يجوزُ أن يكون معنى الاستواء على العرش على معنى هو عام في الأشياء كلِّها، ووَجَبَ أن يكون معنى الاستواء يَختصُّ بالعرش دون سائر الأشياء، وهكذا قال في كتابه الموجَز وغيره من كتبه".
стр. 126
١٧- ما ذكره من تأثير العقيدة على الجرح والتعديل والردُّ عليه
أورد (ص: ١٣٢) عنواناً بلفظ: "تأثير العقيدة على الجرح والتعديل"، مِمَّا قال فيه: "والعقيدة لها تأثير سيِّء على الجرح والتعديل، ولو لم يكن من أثر إلاَّ التظالم الموجود بسببها لكفى، فتجد كلَّ طائفة من المسلمين تحاول توثيق الرِّجال الذين ينتمون إليها في العقيدة، ويضعفون رجال الطوائف الأخرى ولو كانوا من أوثق الناس وأصلحهم وأضبطهم للرواية، ولعلَّ أبرز آثار العقيدة على الجرح والتعديل عند الحنابلة تضعيف ثقات المخالفين وتوثيق ضعفاء الموافقين، ومن ذلك:
تضعيف ثقات الشيعة، وخاصة فيما يروونه في فضائل علي.
تضعيف سائر المخالفين من العلماء، كعلماء المرجئة والقدرية والمعتزلة.
تضعيف القائلين بخلق القرآن أو المتوقفين.
تضعيف مَن يتوهَّمون فيه أدنى مخالفة، حتى وصل تضعيفهم للبخاري ومسلم والكرابيسي وأبي حنيفة.. إلخ".
وعلَّق على قوله: "ثقات الشيعة...." فقال: "راجع رسالة (الجرح والتعديل) للقاسمي، وكتاب (العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل) للسيد محمد بن عمر بن عقيل العلوي".
وأجيب عن ذلك بما يلي:
١ ـ روى أهل السنَّة في كتبهم الحديثية عمَّن وُصف ببدعة مفسِّقة، قال الحافظ في مقدمة الفتح (ص: ٣٨٥) عن هؤلاء: "فقد اختلف أهل السنَّة في قبول حديث مَن هذا سبيله إذا كان معروفاً بالتحرُّز من الكذب، مشهوراً
стр. 127
بالسلامة من خوارم المروءة، موصوفاً بالديانة والعبادة، فقيل: يُقبل مطلقاً، وقيل: يُردُّ مطلقاً، والثالث التفصيل بين أن يكون داعيةً أو غيرَ داعية، فيُقبل غير الداعية ويُردُّ حديث الداعية، وهذا المذهب هو الأعدل، وصارت إليه طوائف من الأئمَّة، وادَّعى ابن حبان إجماع أهل النقل عليه، لكن في دعوى ذلك نظر"، وفي كتاب التقريب للحافظ ابن حجر وغيره من كتب الرجال الإشارة إلى ذلك في كثير من التراجم.
٢ ـ ما زعمه المالكي من توهين أهل السنَّة ـ ومنهم الحنابلة ـ للبخاري ومسلم مردودٌ؛ فإنَّ أهلَ السنَّة هم الذين يعرفون قدر هذين الإمامَين ويُعوِّلون على ما جاء في الصحيحين لهما، ويَعتبرون صحيحيهما أصحَّ الكتب المصنَّفة في الحديث، بخلاف أهل البدع، كالرافضة فإنَّهم يُعوِّلون على كتب أخرى لهم، ولا يُقيمون وزناً للصحيحين، والمالكي نفسه هو من أهل الأهواء يَقبل منهما ما يوافق هواه، ويقدحُ في غير ذلك، وقد مرَّ قريباً قدحُه في حديث صُلح الحسن ﵁، وحديث تحريق علي ﵁ الزنادقة، وهما في صحيح البخاري، وحديث"خلق الله آدم على صورته" وهو في الصحيحين!
٣ ـ أمَّا ما أشار إليه من الرجوع إلى كتاب"العتب الجميل" لمحمد بن عمر بن عقيل، فإنَّ الطيورَ على أشكالها تقع، ويكفي أن أنقلَ من كتاب "العتب الجميل" المشار إليه ما يدلُّ على خبث صاحبه وغلوِّه في البدع، فقد قال في (ص: ٣١) : "لم أتعرَّض في كتابي هذا لذكر تحامل بعضهم على عالي مقام مولانا أمير المؤمنين علي والحسَنَيْن وأمِّهما البتول عليهم سلام الله، ولا لرد ما مدحوا به زوراً عدوَّهم معاوية وأباه كهف المنافقين وأمَّه
стр. 128
آكلة الأكباد وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وسمرة بن جندب وأبا الأعور السلمي والوليد بن عقبة وأضرابهم، مِمَّن لو مُزجت مياه البحار بذرَّة من كبائر فظائعهم لأنتنت، وذلك لظهور فساده للعاقل المنصف، ولأنِّي قد ذكرتُ شيئاً من ذلك في كتاب (النصائح الكافية) ، ثم في كتاب (تقوية الإيمان) ... ".
ففي كلامه هذا جفاء في عدد من الصحابة، منهم المغيرة بن شعبة ﵁ وهو مِِمَّن قال الله فيهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ ، وقال فيهم الرسول ﷺ : "لا يدخل النارَ إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد، الذين بايعوا تحتها" أخرجه مسلم (٢٤٩٦) من حديث أمِّ مبشِّر ﵂، بل هو من أبرز أهل بيعة الرضوان؛ فإنَّه كان واقفاً على رأس الرسول ﷺ يحرسه، وبيده السيف، وذلك عند مجيء المشركين لعقد الصلح مع النَّبيِّ ﷺ .
وقد نقل ابن عقيل هذا في كتابه العتب الجميل (ص: ٦٠) أبياتاً عن أحد شيوخه، آخرها قوله:
قُلامة من ظفر إبهامه ... تعدل من مثل البخاري مائة
والضمير فيه يرجع إلى الإمام جعفر الصادق ﵀، وهو واضحٌ في غلوِّ ابن عقيل وشيخه فيه، وجفائهما في الإمام البخاري ﵀.
стр. 129
١٨ ـ ثناؤه على المأمون الذي نصر المبتدعة وآذى أهل السنَّة وذمُّه للمتوكِّل الذي نصر السنَّة وأنهى المحنة
ذكر في (ص: ١٣٤) عنواناً بلفظ: "التناقض" أودعه هذياناً كثيراً في تناقض أهل السنَّة بزعمه، وسأقتصر على مثال واحد من ذلك، وهو قوله في (ص: ١٣٤ ـ ١٣٥) : "وتراهم يذمُّون السلطان إذا آذى أحد أتباعهم، وأنَّ هذا سلطان سوء، وينسون كل فضائله، كما فعلوا بالمأمون، وكان من أعدل ملوك بني العباس وأكثرهم علماً، فإذا جاء سلطان آخر أظهر نصرتهم يمدحونه بمبالغة ولو كان مبتدعاً ظالماً كالمتوكِّل، بل ويبدِّعون ويضلِّلون من يخالفه، ويرددون قواعد طاعة ولاة الأمور، وأن من لم يَدْعُ للإمام فهو صاحب بدعة!! ".
وهذا الكلام من المالكي فيه ثناء على المأمون الذي نصر المعتزلة وامتحن الناس بخلق القرآن، وآذى أئمَّة أهل السنَّة، وفي مقدِّمتهم الإمام أحمد بن حنبل ﵀ وفي مقابل ذلك يذمُّ المتوكِّل الذي أنهى المحنة ونصر أهل السنَّة، وقد قال الذهبي في ترجمة المأمون وهو عبد الله بن هارون الرشيد المتوفى سنة (٢١٨هـ) في سير أعلام النبلاء (١٠/٢٧٣) : "ودعا إلى القول بخلق القرآن وبالغ، نسأل الله السلامة"، وقال (١٠/٢٨٣) : "أمَّا مسألة القرآن، فما رجع عنها، وصمَّم على امتحان العلماء في سنة ثماني عشرة وشدَّد عليهم، فأخذه الله".
وقال ابن كثير في البداية والنهاية (١٤/٢١٧ ـ ٢١٨) : "أمَّا كونه على مذهب الاعتزال، فإنَّه اجتمع بجماعة، منهم بشر بن غياث المريسي، فأخذ عنهم هذا المذهب الباطل، وكان يحب العلم ولم يكن له بصيرة نافذة فيه،
стр. 130
فدخل عليه بسبب ذلك الداخل، وراج عنده الباطل، ودعا إليه وحمل الناس قهراً عليه، وذلك في آخر أيامه وانقضاء دولته".
أقول: وصدق الشاعر في قوله:
ومَن جعل الغراب له دليلاً ... يَمر به على جيَف الكلاب
وذكر ابن كثير (١٤/٢٢٢ ـ ٢٢٣) أنَّ فيه تشيعاً، وأنَّه يفضِّل عليًّا على أبي بكر وعمر وعثمان دون سبٍّ لهم، ولتشيُّعه وقوله بخلق القرآن قال فيه الذهبي في العبر: "وكان شيعيًّا جهميًّا".
وهذا هو الذي أعجب المالكي منه؛ لأنَّه يوالي فرق الضلال ويُعادي أهل السنَّة، وقد أفصح المالكي عن سبب إعجابه بالمأمون وهو تشيعه، فقال (ص: ١٥٩) : "ولَمَّا تحالف المأمون مع المعتزلة ـ وكان متشيِّعاً محبًّا لعليِّ بن أبي طالب وأهل البيت ـ قام الحنابلة خاصّة بالانحراف عن الإمام علي وأهل بيته والتعصب لبني أميًَّة!! ".
وأهل السنَّة ـ ومنهم الحنابلة ـ يُحبُّون عليًّا ﵁ وأهل البيت جميعاً، بخلاف بعض أهل البدع فإنَّهم يغلون في علي وبعض أولاده، ويَجفون في غيرهم، ومنهم المالكي الذي زعم أنَّ العباس بن عبد المطلب وابنه عبد الله ليسَا من أصحاب النَّبيِّ ﷺ ، وأنَّ صحبتَهما كصحبة المنافقين والكفار، كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
وأمَّا المتوكِّل وهو جعفر بن المعتصم، المتوفى سنة (٢٤٧هـ) ، فقد قال الذهبي في ترجمته في السير (١٢/٣١) : "قال خليفة بن خياط: استُخلف المتوكِّل، فأظهر السنَّةَ، وتكلَّم بها في مجلسه، وكتب إلى الآفاق برفع المحنة وبسط السنَّة ونصر أهلها"، وقال (١٢/٣٢) : "وكان قاضي البصرة إبراهيم بن محمد التيمي، يقول: الخلفاء ثلاثة: أبو بكر يوم الرِّدَّة، وعمر بن
стр. 131
عبد العزيز في ردِّ المظالم من بني أميَّة، والمتوكِّل في مَحو البدع وإظهار السنَّة"، وقال ابن كثير في البداية والنهاية (١٤/٤٥٤) : "وقد كان المتوكِّل محبَّباً إلى رعيَّته، قائماً بالسنَّة فيهم، وقد شبَّهه بعضُهم بالصدِّيق في ردِّه على أهل الرِّدَّة حتى رجعوا إلى الدِّين، وبعمر بن عبد العزيز حين ردَّ مظالم بني أميَّة، وهو أظهر السُّنَّة بعد البدعة، وأخمد البدعة بعد انتشارها واشتهارها، فرحمه الله".
ومع هذا النصر للسنَّة وردِّ المظالم، يصفُ المالكيُّ المتوكِّلَ بأنَّه مبتدعٌ ظالِمٌ، وفي المقابل يصف المأمون الذي نصر المبتدعة وامتحن أهل السنَّة وآذاهم بأنَّه من أعدل الملوك، فالسنَّة عند المالكي بدعة، والبدعة سنَّة، بعد هذا أقول: أيُّ تناقض عند أهل السنَّة إذا ذمُّوا مَن أظهر البدعةَ ونصر أهلَها، وآذى أهلَ السنَّة وعذّب علماءَهم، ومنهم الإمام أحمد الذي يزعم المالكي أنَّه حنبلي نسبة إليه، وهو بريء منه، وفي مقابل ذلك مدحوا مَن أظهر السنَّة ونصر أهلَها، وأنهى المحنة بخلق القرآن؟! هل يريد المالكي من أهل السنَّة أن يعكسوا القضية، فيمدحون مَن آذاهم ويَذّمون مَن نصرهم، أو ماذا يريد منهم؟!!
ولا شكَّ أنَّ الحامل للمالكي على هذا الكلام الذي مدح فيه من آذى أهل السنَّة وذمَّ مَن نصرهم، لا شكَّ أنَّ الحاملَ له على ذلك هو الحقد الذي تأجَّج في قلبه على أهل السنَّة، والمحبَّة والمولاة لأهل البدع والأهواء، بل إنَّ التناقض على الحقيقة من سمات أهل البدع والأهواء، ومنهم المالكي؛ فإنَّه يحصل منه التناقض في الكلام القليل، فيناقض آخرُه أوَّلَه، مثال ذلك قوله عن الاختلاف الذي حصل يوم السقيفة (ص: ٤٣ ـ حاشية) : "ويرى البعض أنَّ هناك أسباباَ قبليَّةً وتعصُّباً لفئات وأشخاص، وليس اختلافهم لمصلحة الإسلام، ورغم عدم تسليمنا بل وإنكارنا لهذا القول من ناحية بحثيَّة
стр. 132
بحتة؛ إذ لم يثبت هذا من حيث الرواية، إلاَّ أنَّه ليس هناك دليلٌ شرعي ولا عقلي يمنع من هذا؛ فالصحابة يعتريهم ما يعتري سائر البشر!!! ".
فهذا الكلام لا يتجاوز ثلاثة أسطر، وآخره يناقض أوَّلَه، وهو مع ذلك فيه سوء ظنٍّ واضح بأصحاب رسول الله ﷺ ، نعوذ بالله من الخذلان!
стр. 133
١٩ ـ قدحُه في أهل السنَّة بعدم فهم حجَّة الآخرين والردُّ عليه
ذكر المالكي في (ص: ١٣٧) عنواناً لفظه: "عدم فهم حجَّة الآخر" قال فيه: "مثل شبهتهم (يعني أهل السنَّة ومنهم الحنابلة) في النهي عن علم الكلام والجدل، مع أنَّهم يتناقضون ويُجادلون إذا تمكَّنوا من ذلك، لكن لهم شبهاً ضعيفة يَمنعون بها العلماء من الخوض في علم الكلام، بينما يعلِّمون العوام مصطلحات مستحدثة من علم الكلام، ويحسن أن أسردَ هنا نموذجاً للحوار معهم في جدوى علم الكلام للإمام أبي الحسن الأشعري، وكان يردُّ على غلاة الحنابلة في عصره الذين يحرِّمون علم الكلام نتيجة عدم فهمهم لوظيفة علم الكلام نفسه أو عدم فهمهم لحُجج الآخرين من المعتزلة وأصحاب الأشعري والكلابية وغيرهم، يقول أبو الحسن الأشعري في رسالته في (استحسان الخوض في علم الكلام) يرد على الحنابلة!! ".
ثم نقل كلاما كثيراً من هذه الرسالة لأبي الحسن الأشعري.
وأجيب عن ذلك من وجهين:
الوجه الأول: أنَّ أبا الحسن الأشعري كان على مذهب المعتزلة في تأويل الصفات كلِّها، ثم صار إلى القول بإثبات بعضها وتأويل أكثرها، وهو
стр. 134
المذهب الذي اشتهر بالنسبة إليه، ثم في آخر أمره كان على مذهب أهل السنَّة، يعوِّل على النصوص لا على علم الكلام، ومن ذلك ما جاء في كتابه الإبانة فيما يتعلَّق بصفة الاستواء على العرش حيث قال في (ص: ٨٦) : ((وقد قال قائلون من المعتزلة والجهميّة والحرورية: إنَّ قول الله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ أنَّه استولى ومَلَكَ وقَهَر، وأنَّ الله في كلِّ مكان، وجحدوا أن يكون اللهُ على عرشه كما قال أهلُ الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القُدرة، ولو كان هذا كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة؛ فالله سبحانه قادرٌ عليها وعلى الحشوش وعلى كلِّ ما في العالَم، فلو كان اللهُ مستوياً على العرش بمعنى الاستيلاء ـ وهو مستوٍ على الأشياء كلِّها ـ لكان مستوياً على العرش وعلى الأرض وعلى السماء وعلى الحشوش والأقْذار؛ لأنَّه قادرٌ على الأشياء مستولٍ عليها، وإذا كان قادراً على الأشياء كلِّها ولَم يَجُزْ عند أحد من المسلمين أن يقول إنَّ اللهَ مستوٍ على الحشوش والأخْلِيَة، لم يَجُز أن يكون الاستواءُ على العرش الاستيلاء الذي هو عامٌّ في الأشياء كلِّها، ووَجَبَ أن يكون معناه استواء يَختصُّ العرش دون الأشياء كلِّها".
وعلى هذا فإنَّ المنقول من رسالة استحسان الخوض في علم الكلام لأبي الحسن الأشعري ﵀ محمولٌ على ما كان عليه قبل صيرورته في آخر أمره إلى ما كان عليه أهل الحقِّ أهل السنَّة والجماعة.
الوجه الثاني: أنَّ المالكيَّ نفسه من المخالفين لأهل السنَّة والجماعة، وقد أنكر عدالة الصحابة، وأنكر أن يكون كلُّ مَن أسلم بعد الحُديبية من أصحاب النَّبيِّ ﷺ ، ومنهم عمُّ النَّبيِّ ﷺ العباس وابنه عبد الله، وزعم أنَّ
стр. 135
صحبة هؤلاء كصحبة المنافقين والكفار، وقد عرفتُ حُجَجَه المزعومة التي هي شُبَهٌ واهية، ورددتُها في كتابي"الانتصار للصحابة الأخيار في ردِّ أباطيل حسن المالكي"، كما اشتمل كتاب"الانتصار لأهل السنة والحديث" هذا على ذكر أباطيله وشبهه وردِّها.
стр. 136
٢٠ ـ زعمه غلوَّ أهل السنَّة في مشايخهم وأئمَّتهم والردُّ عليه
أورد المالكي في (ص: ١٥١) عنواناً بلفظ: "الغلو في شيوخهم وأئمَّتهم"، يريد بذلك أهل السنَّة ومنهم الحنابلة، قال في بدايته: "الغلوُّ ننكرُه على الصوفية إذا مدحوا الأولياء، ونُنكرُه على الشيعة عندما يغلون في أئمَّتهم الذين يدَّعون فيهم العصمةَ، ونُنكره على الأشاعرة عندما يُبالغون في مدح أبي الحسن الأشعري".
ثمَّ ذكر أنَّهم يقعون في الذي عابوا به غيرهم، وذلك بغلوِّهم في شيوخهم وأئمَّتهم، وقد كان المالكي أتعب نفسه في قراءة ما أمكنه قراءتَه من كتب أهل السنَّة، خاصَّة الحنابلة؛ للبحث عن مثالب ومعايب ينفِّس عن نفسه بإبرازها والتنويه بها، وكان من جملة ما اصطاده وظفر به في هذه الجولة حكايات نقلها من مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي، فيها غلوٌّ في الإمام أحمد ﵀، ولا أدري هل غاب عن ذهن المالكي أو لم يغب أنَّ هناك فرقاً كبيراً بين مثل هذه الحكايات التي نقلها من مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي وبين ما هو موجود في كتب الرافضة من الغلو في أئمَّتهم؛ فإنَّ كتابَ ابن الجوزي ليس مرجعاً من مراجع أهل السنَّة، ولا يعرفه كثيرٌ من أهل السنَّة،
стр. 137
وإنَّما المراجع لأهل السنَّة في العقيدة وغيرها الكتاب العزيز وما صحَّ من السنَّة، وفي مقدِّمة ذلك صحيح البخاري الذي هو أهمُّ الكتب الحديثية الصحيحة عند أهل السنَّة، يُماثله عند الرافضة الذين هم قدوة المالكي كتاب أصول الكافي للكليني، الذي اشتمل على مبالغة في الغلوِّ في الأئمَّة الاثني عشر، حيث وَصَفوهم بصفات لا يُوصَف بها النَّبيُّ ﷺ ، ومن الأبواب التي اشتمل عليها كتاب الكافي:
ـ باب أنَّ الأئمة ﵈ خلفاء الله في أرضه، وأبوابه التي منها يُؤتى (١/١٩٣) .
ـ باب أنَّ الأئمَّة ﵈ هم العلامات التي ذكرها في كتابه (١/٢٠٦) .
ـ باب أنَّ الأئمَّة ﵈ نور الله (١/١٩٤) .
ـ باب أنَّ الآيات التي ذكرها الله في كتابه هم الأئمَّة (١/٢٠٧) .
ـ باب أنَّ أهل الذِّكر الذين أمر الله الخلقَ بسؤالهم هم الأئمَّة ﵈ (١/٢١٠) .
ـ باب أنَّ القرآن يهدي للإمام (١/٢١٦) .
ـ باب أنَّ النعمة التي ذكرها الله في كتابه الأئمة ﵈ (١/٢١٧) .
ـ باب عرض الأعمال على النبي صلى الله عليه وآله والأئمة ﵈ (١/٢١٩) .
ـ باب أنَّ الأئمَّة ﵈ عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله ، وأنَّهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها (١/٢٢٧) .
стр. 138
ـ باب أنَّه لم يجمع القرآن كلَّه إلاَّ الأئمَّة ﵈، وأنَّهم يعلمون علمه كلَّه (١/٢٢٨) .
ـ باب أنَّ الأئمَّة ﵈ يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل ﵈ (١/٢٥٥) .
ـ باب أنَّ الأئمَّة ﵈ يعلمون متى يموتون وأنَّهم لا يموتون إلاَّ باختيار منهم (١/٢٥٨) .
ـ باب أنَّ الأئمَّة ﵈ يعلمون علم ما كان وما يكون، وأنَّه لا يخفى عليهم الشيء صلوات الله عليهم (١/٢٦٠) .
ـ باب أنَّ الله لم يعلِّم نبيَّه علماً إلاَّ أمره أن يعلِّمه أمير المؤمنين ﵇، وأنَّه كان شريكَه في العلم (١/٢٦٣) .
ـ باب أنَّه ليس شيء من الحقِّ في يد الناس إلاَّ ما خرج من عند الأئمَّة ﵈، وأنَّ كل شيء لم يخرج من عندهم فهو باطل (١/٣٩٩) .
ومع هذه الطوام الكبرى عند الرافضة في كتاب من أصولهم المعتمدة يكون نصيبُهم من المالكي السلامة، بينما يكون نصيبُ أهل السنَّة منه الحقد وسلاطة اللسان وتصيد المثالب من كتاب مغمور لا يعرفه الكثيرون من أهل السنَّة.
والإمام ابن تيمية له نصيب كبير من حقد المالكي، وقد غاظه وأزعجه إطلاق لقب شيخ الإسلام عليه، واعتبر ذلك من غلوِّ أهل السنَّة ـ ومنهم الحنابلة ـ في مشايخهم وأئمَّتهم، وأقول: إنَّه اشتهر تلقيبه بهذا اللقب لفضله وسعة علمه وكثرة نفعه، ولم يكن مختصًّا بإطلاق هذا اللقب عليه، بل أطلقه بعضُ العلماء على أئمَّة هدى قبله، وفي مقدِّمتهم خليفة رسول الله ﷺ أبو بكر الصديق ﵁، وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، فقد وصف ثعلب ـ أحد أئمَّة اللغة المتوفى سنة (٢٩١هـ) ـ أبا بكر ﵁ بشيخ الإسلام كما في
стр. 139
تاريخ دمشق لابن عساكر (٢٩/١٠) ، ووصف ابن القيم أبا بكر وعمر بشيخي الإسلام في كتابه إعلام الموقعين (١/٢١٦) ، وكذلك وصفهما بهذا المناوي في كتابه فيض القدير شرح الجامع الصغير (٥/٤٦٠) ، (٦/١٣٣) ، ووصف الإمام أحمدُ بهذا الوصف أحمد بنَ عبد الله بن يونس أحد رجال الكتب الستة المتوفى سنة (٢٢٧هـ) ، كما في ترجمته من تهذيب الكمال للمزي.
ومع اكتئابه وغيظه لوصف ابن تيمية بهذا الوصف، فإنَّه لا يحرِّك ساكناً لوصف بعض أئمَّة الضلال من الرافضة بالآيات العظمى وحُجج الإسلام والمسلمين، وقد قال الشاعر:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما أنَّ عين السخط تبدي المساويا
стр. 140
٢١ ـ زعمه أنَّ نقضَ أهل السنَّة كلام غيرهم ردودُ أفعال، والردُّ عليه
ذكر في (ص: ١٥٩) عنواناً بلفظ: "ردود الأفعال"، قال فيه: "لَمَّا قام تيار جهم بن صفوان بنفي الصفات قام الحنابلة والسلفية فجسَّموا، كما رأيتم في الفقرة الخاصة بالإسرائيليات والتجسيم، ولَمَّا مدح المعتزلةُ العقلَ قام الحنابلة وذمُّوا العقل، ولَمَّا توسَّع الأحناف في الرأي والقياس جاء الحنابلة بأحاديث وآثار في ذمِّ الرأي والقياس، وكان أحمد بن حنبل يقول: القرآن كلام الله، لا يزيد على ذلك، فلمَّا قال المعتزلة بخلق القرآن، قال أحمد: القرآن كلام الله غير مخلوق، وقال الحنابلة: إذا قلنا: القرآن كلام الله، ثم لا نقول مخلوق ولا غير مخلوق، لم يكن بيننا وبين هؤلاء الجهمية خلاف، أقول: وكأنَّ الخلاف مطلب وفضيلة نبحث عنها!
стр. 141
ولَمَّا تحالف المأمون مع المعتزلة ـ وكان متشيِّعاً محبًّا لعلي بن أبي طالب وأهل البيت ـ قام الحنابلة خاصة بالانحراف عن الإمام علي وأهل بيته، والتعصب لبني أمية، حتى وصل بهم الأمر ـ كما يُقرِّر ابن الجوزي ـ بالتعصُّب ليزيد بن معاوية، مع ما اشتهر عنه من ظلم وفجور!! ".
وأجيب عن ذلك بما يلي:
١ ـ أنَّ ما حصل من أهل السنَّة عند ظهور البدع من مقاومة لها ليس هو مجرَّد كلام في مقابلة كلام، وإنَّما هو من قبيل بيان الحقِّ عند ظهور الباطل، وهذا واجب على أهل السنَّة، قال ابن القيم في تهذيب السنن مع عون المعبود (١٢/٢٩٨ ـ ٢٩٩) : "والذي صحَّ عن النَّبيِّ ﵁ ذمُّهم من طوائف أهل البدع هم الخوارج، فإنَّه قد ثبت فيهم الحديث من وجوه كلّها صحاح؛ لأنَّ مقالتَهم حدثت في زمن النَّبيِّ ﷺ وكلمة رئيسهم، وأمَّا الإرجاء والرفض والقدر والتجهم والحلول وغيرها من البدع، فإنَّها حدثت بعد انقراض عصر الصحابة، وبدعة القدر أدركت آخر عصر الصحابة، فأنكرها مَن كان منهم حيًّا، كعبد الله بن عمر وابن عباس وأمثالهما ﵃، وأكثرُ ما يجيء من ذمِّهم فإنَّما هو موقوف على الصحابة، من قولهم فيه، ثم حدثت بدعة الإرجاء بعد انقراض عصر الصحابة، فتكلَّم فيها كبار التابعين الذين أدركوها كما حكيناه عنهم، ثم حدثت بدعة التجهم بعد انقراض عصر التابعين، واستفحل أمرُها واستطار شرُّها في زمن الأئمَّة كالإمام أحمد، ثم حدثت بعد ذلك بدعةُ الحلول، وظهر أمرُها في زمن الحسين الحلاج، وكلَّما أظهر الشيطانُ بدعةً من هذه البدع وغيرها أقام اللهُ له من حزبه وجنده مَن يردُّها ويُحذِّر المسلمين منها؛ نصيحةً لله ولكتابه ولرسوله ولأهل الإسلام، وجعله ميراثاً يعرف به حزب رسول الله ﷺ وولي سننه من حزب البدعة وناصرها".
стр. 142
وهذه مقتطفات من كلام الخطيب البغدادي في أوصاف أهل السنَّة والحديث من كتاب شرف أصحاب الحديث، قال في (ص: ٨ ـ ٩) : "وقد جعل الله تعالى أهلَه (أي الحديث) أركان الشريعة، وهدم بهم كلَّ بدعة شنيعة، فهُم أمناءُ الله من خليقته، والواسطة بين النبيِّ ﷺ وأمَّته، والمجتهدون في حفظ ملَّته ... وكلُ فئة تتحيَّز إلى هوى ترجع إليه، أو تستحسن رأياً تعكف عليه، سوى أصحاب الحديث، فإنَّ الكتابَ عُدَّتُهم، والسنَّةَ حجَّتُهم، والرسولَ فئتُهم، وإليه نسبتهم، لا يعرِّجون على الأهواء، ولا يلتفتون إلى الآراء، يُقبل منهم ما رووا عن الرسول، وهم المأمونون عليه والعدول، حفظة الدِّين وخزنته، وأوعية العلم وحملتُه".
وقال في (ص: ١٠) : "وكم من ملحد يروم أن يخلط بالشريعة ما ليس منها، والله تعالى يذُبُّ بأصحاب الحديث عنها، فهم الحفَّاظ لأركانها، والقوَّامون بأمرها وشأنها، إذا صدف عن الدفاع عنها فهم دونها يناضلون، أولئك حزب الله، ألا إنَّ حزب الله هم المفلحون".
وعلى هذا، فإنَّ ردودَ أهل السنَّة على أهل البدع عند ظهور البدع هو من قَبيل بيان الحقِّ عند ظهور الباطل، وليس مجرَّد ردود أفعال كما هو التعبير العصري.
٢ ـ قوله: "لَمَّا قام تيار جهم بن صفوان بنفي الصفات قام الحنابلة والسلفية فجسَّموا".
وتعليقاً على ذلك أقول: نفي الجهمية الصفات الذي هو التعطيل يقابله الإثبات، والإثبات ينقسم إلى قسمين: إثباتٌ مع التشبيه، وهو باطل لا شكَّ فيه، وأهل السنَّة برآء منه، وإثبات مع تنزيه، وهو الحقُّ الذي لا ريب فيه، وقد جمع الله بين الإثبات والتنزيه في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ
стр. 143
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، فأثبت الله لنفسه السمعَ والبصرَ في قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، ونفى مشابهة غيره له في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ، وقد مرَّ قريباً الردُّ على المالكي في زعمه الباطل أنَّ أهل السنَّة مجسِّمة ومشبِّهة.
٣ ـ قوله: "ولَمَّا مدح المعتزلةُ العقلَ، قام الحنابلة وذموا العقل".
أقول: أهل السنَّة لا يَذمُّون العقلَ على الإطلاق، وإنَّما يذمُّون العقلَ الذي يعارَض به النقل، والعقل السليم عندهم لا يُعارض النقل الصحيح، ولشيخ الإسلام ابن تيمية كتاب واسع في ذلك، هو درء تعارض العقل والنقل.
٤ ـ قوله: "ولَمَّا توسَّع الأحناف في الرأي والقياس جاء الحنابلة بأحاديث وآثار في ذمِّ الرأي والقياس".
أقول: أهل السنَّة ومنهم الحنابلة لا يذمُّون الرأي والقياس على الإطلاق، وإنَّما يذمُّون الرأي والقياس المعارِضَيْن للدليل من الكتاب والسنَّة؛ لأنَّه لا اجتهادَ ولا قياس مع وجود النصِّ، وقال علي ﵁: "لو كان الدِّين بالرأي لكان أسفل الخفِّ أولى بالمسح من أعلاه" رواه أبو داود (١٦٢) وإسناده صحيح.
وفي صحيح البخاري (٧٣٠٨) ، ومسلم (١٧٨٥) عن سَهل بن حُنيف ﵁ قال: "يا أيُّها الناس! اتَّهموا رأيَكم على دينكم ... ".
وقال الإمام الشافعي كما في الروح لابن القيم (٢/٧٦٩) : "أجمع الناسُ على أنَّ من استبانت له سنَّة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدَعها لقول أحد".
٥ ـ قوله: "وكان أحمد بن حنبل يقول: القرآن كلام الله، لا يزيد على ذلك، فلمَّا قال المعتزلة بخلق القرآن، قال أحمد: القرآن كلام الله غير مخلوق".
أقول: نعم! لَمَّا قال المعتزلة: إنَّ كلام الله مخلوق، وهي من البدع المحدثة،
стр. 144
ردَّ أهل السنَّة ومنهم الإمام أحمد هذه البدعة ببيان أنَّ القرآنَ كلامُ الله وأنَّه غير مخلوق، فهو من قبيل ردِّ الباطل عند ظهوره ببيان الحقِّ.
٦ ـ قوله: "ولَمَّا تحالف المأمون مع المعتزلة ـ وكان متشيِّعاً محبًّا لعليِّ بن أبي طالب وأهل البيت ـ قام الحنابلة خاصّة بالانحراف عن الإمام علي وأهل بيته والتعصب لبني أميًَّة!! ".
وتعليقاً على هذا أقول: أهل السنَّة والجماعة ـ ومنهم الحنابلة ـ ليسوا منحرفين عن الإمام علي ﵁، بل يُحبُّونه ويتولَّونه، ويعتقدون أنَّه أفضل هذه الأمَّة بعد أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عن الجميع، وكذلك يتولَّون أهل بيت رسول الله ﷺ ، وهم زوجاته وذريَّته وكلُّ مسلم ومسلمة من نسل عبد المطلب بن هاشم، وقد أوضحتُ ذلك في كتابي"فضل أهل البيت وعلوُّ مكانتهم عند أهل السنَّة والجماعة".
وأمَّا دولة بني أميَّة فهم لا يتعصَّّبون لها، وهي وإن كان حصل من بعض ولاتها أمورٌ منكرة، فقد انتشر في عهدها الإسلام، وفتحت الفتوحات، واتسعت رقعة البلاد الإسلامية إلى المحيط الأطلسي غرباً، وامتدَّت إلى الصين شرقاً، وكانت قوَّة الإسلام ومنعته في زمن الخلفاء الراشدين، ثم في أكثر مدَّة دولة بني أميَّة، وقد ثبت في صحيح مسلم (١٨٢١) عن جابر بن سمرة ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا يزال الإسلامُ عزيزاً إلى اثني عشر خليفة"، فهؤلاء الخلفاء هم الخلفاء الراشدون الأربعة، وثمانية من بني أميَّة، كما في شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (ص: ٧٣٧) ، وفتح الباري لابن حجر (١٣/٢١٤) .
стр. 145
٢٢ ـ زعمه أنَّ أهل السنَّة لا يُدركون معنى الكلام، والردُّ عليه
قال في (ص: ١٦٠) : "من السمات الغالبة على مذهبنا العقدي السلفي الحنبلي أنَّنا لا ندرك معاني الألفاظ والمصطلحات التي نتحدَّث بها، فتجد ألفاظاً ضخمة، فإذا سألتَ قائلَها عن معانيها إذا به يبهت، وأذكر ذات مرَّة أنَّ بعضَ الإخوة ـ جزاه الله خيراً ـ نصحني قائلاً: إنَّ ما أثيره من مقالات في التاريخ قد يُخالف عقيدة أهل السنَّة والسَّلف الصالح في الإمساك عمَّا شجر بين الصحابة، ولَمَّا ناقشته في هذه الجملة خرجت بنتيجة مفادها أنَّه لا يعلم معنى عقيدة ولا معنى أهل السنَّة ولا معنى السلف ولا معنى الصلاح ولا معنى الإمساك ولا معنى الصحابة، وهكذا يفعل أكثرنا؛ إذ تجد أحدَهم قد يحتج عليك بصفحات قد لا يعرف المعاني الصحيحة للألفاظ التي يتحدَّث بها، وتتردَّد عندنا في العقائد ألفاظ كثيرة ومصطلحات فضفاضة لا نعرف معناها أو على الأقل يختلف الناس في تحديدها من شخص لآخر، فنطلقها بلا تحديد، مثل: (السلف الصالح ـ أهل السنَّة ـ أهل الأثر ـ أهل الحديث ـ الطائفة المنصورة ـ البدعة ـ الإجماع ـ الضلالة ـ الأمة ـ علماء الأمة ـ الرافضة ـ الجهمية ـ الخوارج ـ النواصب ـ الشيعة ـ الكتاب ـ السنة ... إلخ) .
وكذلك قول بعضهم: (عليك بما كان عليه الصحابة) ، نصيحة مطاطة؛ فإن كان يعرف أنَّ الصحابة قد اختلفوا في أمور كثيرة عقدية وفقهية وسياسية، فأيهم نتَّبع؟! فإن كان القائل لا يعرف اختلافهم، فهذه مصيبة، وإن كان يريد إجماعهم فلم يجمعوا إلاَّ على شيء معروف فيه نص شرعي غالباً، لكن أكثر دعاوانا في إجماعهم أنَّهم أجمعوا على أنَّ القرآن غير مخلوق، أو على تقديم أبي بكر أو علي وغير ذلك، إنَّما هي مجرَّد دعاوى تدل على
следующие страницы →