← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 7553

الانتصار لأهل السنة والحديث في رد أباطيل حسن المالكي

عبد المحسن العباد

Полный текст (236 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ولَمَّا تحالف المأمون مع المعتزلة ـ وكان متشيِّعاً محبًّا لعلي بن أبي طالب وأهل البيت ـ قام الحنابلة خاصة بالانحراف عن الإمام علي وأهل بيته، والتعصب لبني أمية، حتى وصل بهم الأمر ـ كما يُقرِّر ابن الجوزي ـ بالتعصُّب ليزيد بن معاوية، مع ما اشتهر عنه من ظلم وفجور!! ". وأجيب عن ذلك بما يلي: ١ ـ أنَّ ما حصل من أهل السنَّة عند ظهور البدع من مقاومة لها ليس هو مجرَّد كلام في مقابلة كلام، وإنَّما هو من قبيل بيان الحقِّ عند ظهور الباطل، وهذا واجب على أهل السنَّة، قال ابن القيم في تهذيب السنن مع عون المعبود (١٢/٢٩٨ ـ ٢٩٩) : "والذي صحَّ عن النَّبيِّ ﵁ ذمُّهم من طوائف أهل البدع هم الخوارج، فإنَّه قد ثبت فيهم الحديث من وجوه كلّها صحاح؛ لأنَّ مقالتَهم حدثت في زمن النَّبيِّ ﷺ وكلمة رئيسهم، وأمَّا الإرجاء والرفض والقدر والتجهم والحلول وغيرها من البدع، فإنَّها حدثت بعد انقراض عصر الصحابة، وبدعة القدر أدركت آخر عصر الصحابة، فأنكرها مَن كان منهم حيًّا، كعبد الله بن عمر وابن عباس وأمثالهما ﵃، وأكثرُ ما يجيء من ذمِّهم فإنَّما هو موقوف على الصحابة، من قولهم فيه، ثم حدثت بدعة الإرجاء بعد انقراض عصر الصحابة، فتكلَّم فيها كبار التابعين الذين أدركوها كما حكيناه عنهم، ثم حدثت بدعة التجهم بعد انقراض عصر التابعين، واستفحل أمرُها واستطار شرُّها في زمن الأئمَّة كالإمام أحمد، ثم حدثت بعد ذلك بدعةُ الحلول، وظهر أمرُها في زمن الحسين الحلاج، وكلَّما أظهر الشيطانُ بدعةً من هذه البدع وغيرها أقام اللهُ له من حزبه وجنده مَن يردُّها ويُحذِّر المسلمين منها؛ نصيحةً لله ولكتابه ولرسوله ولأهل الإسلام، وجعله ميراثاً يعرف به حزب رسول الله ﷺ وولي سننه من حزب البدعة وناصرها".

стр. 142

وهذه مقتطفات من كلام الخطيب البغدادي في أوصاف أهل السنَّة والحديث من كتاب شرف أصحاب الحديث، قال في (ص: ٨ ـ ٩) : "وقد جعل الله تعالى أهلَه (أي الحديث) أركان الشريعة، وهدم بهم كلَّ بدعة شنيعة، فهُم أمناءُ الله من خليقته، والواسطة بين النبيِّ ﷺ وأمَّته، والمجتهدون في حفظ ملَّته ... وكلُ فئة تتحيَّز إلى هوى ترجع إليه، أو تستحسن رأياً تعكف عليه، سوى أصحاب الحديث، فإنَّ الكتابَ عُدَّتُهم، والسنَّةَ حجَّتُهم، والرسولَ فئتُهم، وإليه نسبتهم، لا يعرِّجون على الأهواء، ولا يلتفتون إلى الآراء، يُقبل منهم ما رووا عن الرسول، وهم المأمونون عليه والعدول، حفظة الدِّين وخزنته، وأوعية العلم وحملتُه". وقال في (ص: ١٠) : "وكم من ملحد يروم أن يخلط بالشريعة ما ليس منها، والله تعالى يذُبُّ بأصحاب الحديث عنها، فهم الحفَّاظ لأركانها، والقوَّامون بأمرها وشأنها، إذا صدف عن الدفاع عنها فهم دونها يناضلون، أولئك حزب الله، ألا إنَّ حزب الله هم المفلحون". وعلى هذا، فإنَّ ردودَ أهل السنَّة على أهل البدع عند ظهور البدع هو من قَبيل بيان الحقِّ عند ظهور الباطل، وليس مجرَّد ردود أفعال كما هو التعبير العصري. ٢ ـ قوله: "لَمَّا قام تيار جهم بن صفوان بنفي الصفات قام الحنابلة والسلفية فجسَّموا". وتعليقاً على ذلك أقول: نفي الجهمية الصفات الذي هو التعطيل يقابله الإثبات، والإثبات ينقسم إلى قسمين: إثباتٌ مع التشبيه، وهو باطل لا شكَّ فيه، وأهل السنَّة برآء منه، وإثبات مع تنزيه، وهو الحقُّ الذي لا ريب فيه، وقد جمع الله بين الإثبات والتنزيه في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ

стр. 143

السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، فأثبت الله لنفسه السمعَ والبصرَ في قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، ونفى مشابهة غيره له في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ، وقد مرَّ قريباً الردُّ على المالكي في زعمه الباطل أنَّ أهل السنَّة مجسِّمة ومشبِّهة. ٣ ـ قوله: "ولَمَّا مدح المعتزلةُ العقلَ، قام الحنابلة وذموا العقل". أقول: أهل السنَّة لا يَذمُّون العقلَ على الإطلاق، وإنَّما يذمُّون العقلَ الذي يعارَض به النقل، والعقل السليم عندهم لا يُعارض النقل الصحيح، ولشيخ الإسلام ابن تيمية كتاب واسع في ذلك، هو درء تعارض العقل والنقل. ٤ ـ قوله: "ولَمَّا توسَّع الأحناف في الرأي والقياس جاء الحنابلة بأحاديث وآثار في ذمِّ الرأي والقياس". أقول: أهل السنَّة ومنهم الحنابلة لا يذمُّون الرأي والقياس على الإطلاق، وإنَّما يذمُّون الرأي والقياس المعارِضَيْن للدليل من الكتاب والسنَّة؛ لأنَّه لا اجتهادَ ولا قياس مع وجود النصِّ، وقال علي ﵁: "لو كان الدِّين بالرأي لكان أسفل الخفِّ أولى بالمسح من أعلاه" رواه أبو داود (١٦٢) وإسناده صحيح. وفي صحيح البخاري (٧٣٠٨) ، ومسلم (١٧٨٥) عن سَهل بن حُنيف ﵁ قال: "يا أيُّها الناس! اتَّهموا رأيَكم على دينكم ... ". وقال الإمام الشافعي كما في الروح لابن القيم (٢/٧٦٩) : "أجمع الناسُ على أنَّ من استبانت له سنَّة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدَعها لقول أحد". ٥ ـ قوله: "وكان أحمد بن حنبل يقول: القرآن كلام الله، لا يزيد على ذلك، فلمَّا قال المعتزلة بخلق القرآن، قال أحمد: القرآن كلام الله غير مخلوق". أقول: نعم! لَمَّا قال المعتزلة: إنَّ كلام الله مخلوق، وهي من البدع المحدثة،

стр. 144

ردَّ أهل السنَّة ومنهم الإمام أحمد هذه البدعة ببيان أنَّ القرآنَ كلامُ الله وأنَّه غير مخلوق، فهو من قبيل ردِّ الباطل عند ظهوره ببيان الحقِّ. ٦ ـ قوله: "ولَمَّا تحالف المأمون مع المعتزلة ـ وكان متشيِّعاً محبًّا لعليِّ بن أبي طالب وأهل البيت ـ قام الحنابلة خاصّة بالانحراف عن الإمام علي وأهل بيته والتعصب لبني أميًَّة!! ". وتعليقاً على هذا أقول: أهل السنَّة والجماعة ـ ومنهم الحنابلة ـ ليسوا منحرفين عن الإمام علي ﵁، بل يُحبُّونه ويتولَّونه، ويعتقدون أنَّه أفضل هذه الأمَّة بعد أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عن الجميع، وكذلك يتولَّون أهل بيت رسول الله ﷺ ، وهم زوجاته وذريَّته وكلُّ مسلم ومسلمة من نسل عبد المطلب بن هاشم، وقد أوضحتُ ذلك في كتابي"فضل أهل البيت وعلوُّ مكانتهم عند أهل السنَّة والجماعة". وأمَّا دولة بني أميَّة فهم لا يتعصَّّبون لها، وهي وإن كان حصل من بعض ولاتها أمورٌ منكرة، فقد انتشر في عهدها الإسلام، وفتحت الفتوحات، واتسعت رقعة البلاد الإسلامية إلى المحيط الأطلسي غرباً، وامتدَّت إلى الصين شرقاً، وكانت قوَّة الإسلام ومنعته في زمن الخلفاء الراشدين، ثم في أكثر مدَّة دولة بني أميَّة، وقد ثبت في صحيح مسلم (١٨٢١) عن جابر بن سمرة ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا يزال الإسلامُ عزيزاً إلى اثني عشر خليفة"، فهؤلاء الخلفاء هم الخلفاء الراشدون الأربعة، وثمانية من بني أميَّة، كما في شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (ص: ٧٣٧) ، وفتح الباري لابن حجر (١٣/٢١٤) .

стр. 145

٢٢ ـ زعمه أنَّ أهل السنَّة لا يُدركون معنى الكلام، والردُّ عليه قال في (ص: ١٦٠) : "من السمات الغالبة على مذهبنا العقدي السلفي الحنبلي أنَّنا لا ندرك معاني الألفاظ والمصطلحات التي نتحدَّث بها، فتجد ألفاظاً ضخمة، فإذا سألتَ قائلَها عن معانيها إذا به يبهت، وأذكر ذات مرَّة أنَّ بعضَ الإخوة ـ جزاه الله خيراً ـ نصحني قائلاً: إنَّ ما أثيره من مقالات في التاريخ قد يُخالف عقيدة أهل السنَّة والسَّلف الصالح في الإمساك عمَّا شجر بين الصحابة، ولَمَّا ناقشته في هذه الجملة خرجت بنتيجة مفادها أنَّه لا يعلم معنى عقيدة ولا معنى أهل السنَّة ولا معنى السلف ولا معنى الصلاح ولا معنى الإمساك ولا معنى الصحابة، وهكذا يفعل أكثرنا؛ إذ تجد أحدَهم قد يحتج عليك بصفحات قد لا يعرف المعاني الصحيحة للألفاظ التي يتحدَّث بها، وتتردَّد عندنا في العقائد ألفاظ كثيرة ومصطلحات فضفاضة لا نعرف معناها أو على الأقل يختلف الناس في تحديدها من شخص لآخر، فنطلقها بلا تحديد، مثل: (السلف الصالح ـ أهل السنَّة ـ أهل الأثر ـ أهل الحديث ـ الطائفة المنصورة ـ البدعة ـ الإجماع ـ الضلالة ـ الأمة ـ علماء الأمة ـ الرافضة ـ الجهمية ـ الخوارج ـ النواصب ـ الشيعة ـ الكتاب ـ السنة ... إلخ) . وكذلك قول بعضهم: (عليك بما كان عليه الصحابة) ، نصيحة مطاطة؛ فإن كان يعرف أنَّ الصحابة قد اختلفوا في أمور كثيرة عقدية وفقهية وسياسية، فأيهم نتَّبع؟! فإن كان القائل لا يعرف اختلافهم، فهذه مصيبة، وإن كان يريد إجماعهم فلم يجمعوا إلاَّ على شيء معروف فيه نص شرعي غالباً، لكن أكثر دعاوانا في إجماعهم أنَّهم أجمعوا على أنَّ القرآن غير مخلوق، أو على تقديم أبي بكر أو علي وغير ذلك، إنَّما هي مجرَّد دعاوى تدل على

стр. 146

جهلنا بمعنى الإجماع، وجهلنا بالتاريخ نفسه؛ إذ أنَّ أكثرَ هذا افتراء عليهم، فقد كان الأمر بين غائب عنهم لم يبتوا فيه أو مختلف فيه بينهم!! ". وأجيب على ذلك بما يلي: ١ ـ قوله: "من السمات الغالبة على مذهبنا العقدي السلفي الحنبلي أنَّنا لا ندرك معاني الألفاظ والمصطلحات التي نتحدَّث بها"، قال هذا الكلام متحدِّثاً عن أهل السنَّة بدعوى أنَّه واحد منهم وهو أجنبيٌّ عنهم، وقد أوضحت بطلان دعواه أنَّه من أهل السنَّة وبراءة أهل السنَّة منه، وذلك بإيراد جمل من كلامه توضح بُعدَه عن أهل السنَّة، وبُعدهم عنه. ٢ ـ ما زعمه من التقائه بأحد الإخوة الذي نصحه، وأنَّه تبيَّن له أنَّه لم يفهم معنى الكلام الذي نصحه به، فإن كانت هذه القصةُ صحيحةً، فلماذا لم يشرح له هذه الكلمات؟! ولماذا بخل على قرَّاء قراءته المزعومة في كتب العقائد فلم يفسِّر لهم هذه الكلمات (العقيدة، وأهل السنَّة، والسلف، والصلاح، والإمساك، والصحابة) ؟! وهذا الكلام منه من قبيل التهريج والتلبيس والتشويش. ٣ ـ قوله: "وتتردَّد عندنا في العقائد ألفاظ كثيرة ومصطلحات فضفاضة لا نعرف معناها أو على الأقل يختلف الناس في تحديدها من شخص لآخر، فنطلقها بلا تحديد، مثل: (السلف الصالح ـ أهل السنَّة ـ أهل الأثر ـ أهل الحديث ـ الطائفة المنصورة ـ البدعة ـ الإجماع ـ الضلالة ـ الأمة ـ علماء الأمة ـ الرافضة ـ الجهمية ـ الخوارج ـ النواصب ـ الشيعة ـ الكتاب ـ السنة ... إلخ) !! ". أقول: هذه سبع عشرة كلمة زعم أنَّ أهل السنَّة يُطلقونها دون فهم لمعانيها، وهو كلام لا يحتاج إلى تعليق، لكن مع ذلك أقول: إنَّ لكلِّ خلفٍ

стр. 147

سلفاً، ولكلِّ قوم وارثاً، فأهل السنَّة سلفهم الصحابة ومَن سار على نهجهم، وهؤلاء السلف لأهل السنَّة هم عند المالكي يُذادون عن حوض رسول الله ﷺ ويُؤمَر بهم إلى النار، ولا ينجو منهم إلاَّ القليل مثل هَمَل النَّعم، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، ومع هذا الجفاء في الصحابة والحقد عليهم يكون نصيبُ الجهمية وغيرهم من أهل البدع منه الثناء والمدح، كما سبقت الإشارة إلى ذلك أيضاً، وعلى هذا فالسلف عند أهل السنَّة الصحابة ومَن تبعهم، والسلف عند المالكي أهل البدع كالجهمية الذين تباكى على قتل زعمائهم، وقد مرَّت الإشارة إلى ذلك، ولا ينتهي عجب المتعجِّب من زعم المالكي جهل أهل السنَّة معاني تلك الكلمات، لا سيما (الكتاب والسنة) التي لا يجهل معناها أحد، وليس لها معان متعدِّدة حتى يُجتهد في اختيار واحد منها، لكن قائل هذا الكلام قد شوى قلبَه الحقدُ على أهل السنَّة فقال ما قال. ٤ ـ الصحابةُ ﵃ لم يختلفوا في العقائد كما زعم المالكي، وما جاء عن بعضهم من مثل الاختلاف في رؤية النَّبيِّ ﷺ ربَّه ليلة المعراج لا يعدُّ اختلافاً في رؤية الله، فإنَّهم متَّفقون على رؤية الله في الدار الآخرة، وأمَّا مسألة خلق القرآن التي ابتدعها الجهمية، فالمنقول عمَّن أدركها من السلف ردّها وإنكارها والقول بأنَّ القرآن غير مخلوق، وأهل السنَّة في مختلف العصور يُنكرون مقالة خلق القرآن، ولا خلاف عندهم في ذلك، وكذلك أيضاً فإنَّ الإجماعَ منعقدٌ على خلافة أبي بكر بعد رسول الله ﷺ ، كما سبق بيان ذلك.

стр. 148

٢٣ ـ ما ذكره عن أهل السنَّة من ذمِّ المناظرة والحوار، والجوابُ عن ذلك قال في (ص: ١٦٢) تحت عنوان"ذم المناظرة والحوار": "الحوارُ والمناظرة كانت سائدة عند المعتزلة، وبحوارهم ومجادلتهم جلبوا لجمهورهم كثيراً من الناس، ويبدو أنَّه لَمَّا رأى الحنابلة هذا الأمر قد تفاقم وأنَّهم لا يستطيعون مناظرة المعتزلة قالوا بتحريم ذلك من باب ردة الفعل فقط فقط!! ". والجواب: أنَّ أهل السنَّة والجماعة يُعوِّلون على النصوص الشرعية من الكتاب والسنَّة، وأهل الأهواء والبدع يُعوِّلون على العقول وعلم الكلام المذموم، وهم لا يرغبون مناظرة أهل البدع الذين يُجادلون بالباطل، معوِّلين على العقول مع اتِّهامهم للنقول؛ إمَّا لأنَّها آحاد، أو أنَّها قطعية الثبوت ظنيَّة الدلالة، ومع ذلك فإنَّهم تحصل منهم المناظرة أحياناً، ومن أمثلة ذلك مناظرة عبد العزيز بن يحيى الكناني بشراً المريسي في مسألة خلق القرآن بحضرة المأمون، وتلك المناظرة هي موضوع كتاب الحيدة للكناني، والمالكي نفسه يعلم هذا، وقد ذكَر اسمَ هذا الكتاب في أول الكتب التي أوردها قائلاً إنَّ الحنابلة يعوِّلون عليها، وقد مرَّ ذكر كلامه في الردِّ عليه في قدحه في كتب أهل السنَّة، وقد أبطل الكناني في هذه المناظرة مقالة خلق القرآن من المنقول وبالمعقول، وقد انقطع بشر المريسي وخذله الله بحضرة المأمون، كما هو واضح في كتاب الحيدة. ومن ذلك مناظرة أبي إسحاق الإسفرائيني مع عبد الجبار المعتزلي في مسألة خلق أفعال العباد، قال عبد الجبار: سبحان مَن تنزَّه عن الفحشاء، وقصدُه أنَّ المعاصي كالسرقة والزنا بمشيئة العبد دون مشيئة الله؛ لأنَّ الله

стр. 149

أعلى وأجَلُّ من أن يشاء القبائح في زعمهم، فقال أبو إسحاق: كلمة حقٍّ أُريد بها باطل، ثم قال: سبحان مَن لا يقع في ملكه إلاَّ ما يشاء، فقال عبد الجبار: أتراه يخلقه ويُعاقبني عليه؟ فقال أبو إسحاق: أتراك تفعله جبراً عليه؟ أأنتَ الرّبُّ وهو العبد؟ فقال عبد الجبار: أرأيتَ إن دعاني إلى الهدى وقضى عليَّ بالرَّّدَى، أتراه أحسن إليَّ أم أساء؟ فقال أبو إسحاق: إن كان الذي منعك منه مُلكاً لك فقد أساء، وإن كان له: فإن أعطاك ففضل، وإن منعك فعدل، فبُهت عبد الجبار، وقال الحاضرون: والله، ما لهذا جواب! " (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، لشيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ عند سورة الشمس) .

стр. 150

٢٤ ـ تشكيكه في ثبوت السنَّة والإجماع، وزعمه أنَّ أهل السنَّة يُزهِّدون في التحاكم إلى القرآن مع المبالغة في الأخذ بأقوال الرِّجال، والردُّ عليه قال في (١٦٤) تحت عنوان: "التزهيد في التحاكم إلى القرآن الكريم مع المبالغة في الأخذ بأقوال الرجال": "القرآن الكريم أعلى مصدر تشريعي عند المسلمين، فقد اختلف المسلمون في ثبوت السنة وفي الإجماع وفي القياس وفي قول الصحابي وفي غير ذلك، لكن لم يختلفوا أنَّ القرآن هو المصدر الرئيس الشرعي في كلِّ أمر من الأمور الدينية، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ، ففي الآية تحذير للمسلم بأنَّ من لم يرضَ بالتحاكم إلى الله والرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم

стр. 151

فإنَّه يقدح في إيمانه بالله واليوم الآخر، وكان المخالفون للحنابلة أكثر تعظيماً للقرآن واستدلالاً به منهم، فلمَّا رأى الحنابلة ذلك وأنَّ القرآن الكريم تستدلُّ به الطوائف (المبتدعة!!) لجأوا إلى التزهيد من التحاكم إلى القرآن الكريم مع تضخيم الآثار والأقوال المنسوبة لبعض التابعين أو العلماء، بل وبدَّعوا من يعود إلى القرآن الكريم وقدَّموا عليه أقوال الرجال: يقول البربهاري: "إذا سمعت الرجل تأتيه بالأثر فلا يريده ويريد القرآن فلا شكَّ أنَّه رجلٌ قد احتوى على الزندقة، فقُم من عنده ودَعْه". وقال: "وأنَّ القرآن أحوجُ إلى السنَّة من السنَّة إلى القرآن". أقول: السنَّة عظيمة المنزلة، لكن ليست أهمَّ من القرآن، وهي أحوجُ إلى القرآن، فالسنَّة تحاكم إلى القرآن، فيُعرفُ ما ثبت عن رسول الله وما لم يثبت؛ إذ أنَّ من منهج المحدِّثين في معرفة ضعف بعض متون السنة مخالفتها للقرآن الكريم. وقال (ص: ٨٦) : "التكبير على الجنائز أربع، وهو قول مالك بن أنس وسفيان الثوري والحسن بن صالح وأحمد بن حنبل والفقهاء، وهكذا قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم". أقول: انظروا كيف جعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم آخرَ هؤلاء!! وقال البربهاري أيضاً (ص: ١١٥) : "وإذا سمعتَ الرجل يطعن على الآثار أو يردُّ الآثار أو يريد غير الآثار فاتَّهمه على الإسلام، ولا تشك أنَّه صاحب هوى مبتدع". أقول: وهل الذي يطعن على القرآن الكريم، أو لا يريد القرآن الكريم ويريد أقوال الرجال، هل هذا مبتدع أم لا؟

стр. 152

ثم على منهج البربهاري نفسه يُمكن لمعارضه أن يُبدِّعه؛ لأنَّه يترك الأحاديث الصحيحة ويلجأ للضعيفة والموضوعة وأقوال الرجال، ويُعارض بها كتاب الله وسنَّة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الصحيحة!! ". وأجيب عن ذلك بما يلي: ١ ـ إنَّ كتاب المالكي الذي أردُّ عليه وهو"قراءة في كتب العقائد" مملوءٌ بالحقد والغيظ على أهل السنَّة من أوَّله إلى آخره، ولكنَّه في هذا الموضع أظهر منتهى الحقد عليهم، مع الافتراء والكذب وقلب الحقائق. ٢ ـ يصف المالكي أهل السنَّة بالتناقض كما مرَّ ذلك قريباً، وهنا يتناقض فيقول: "السنَّة عظيمة المنزلة" ومع هذا يشكِّك في ثبوتها فيقول: "فقد اختلف المسلمون في ثبوت السنَّة!! ". ٣ ـ طعن في ثبوت السنَّة وزعم أنَّ المسلمين اختلفوا في ثبوتها، فقال: ((فقد اختلف المسلمون في ثبوت السنَّة"، ولَم يُبيِّن هذا الاختلاف، ومن المعلوم المقطوع به أنَّ أهل السنَّة والحديث يُؤمنون بالسنَّة كما يؤمنون بالقرآن، ويعملون بما فيهما، والعمل بالسنَّة قد أمر الله به في القرآن، فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ ، والسنَّةُ هي المتلقاة عن أصحاب رسول الله ﷺ ، وقد اشتملت عليها دواوين السنَّة، وأبرزها الصحيحان للإمامَين البخاري ومسلم رحمهما الله، وقد اشتمل كتاب صحيح البخاري على سبعة وتسعين كتاباً، منها كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، ولعلَّ المالكي يريد بالاختلاف في ثبوت السنة خلاف الرافضة لأهل السنَّة؛ فإنَّ السنَّة عندهم سنَّةُ الأئمَّة المعصومين، وهي غير السنة عند أهل السنَّة،

стр. 153

ويُماثل صحيح البخاري عندهم"الأصول من الكافي"، ومن ضمن أبوابه (١/٣٩٩) : "باب أنَّه ليس شيء من الحقِّ في يد الناس إلاَّ ما خرج من عند الأئمَّة ﵈، وأنَّ كلِّ شيء لم يخرج من عندهم فهو باطل!!! ". وقول المالكي بعد زعمه اختلاف المسلمين في ثبوت السنَّة: "لكن لم يختلفوا أنَّ القرآن الكريم هو المصدر الرئيس الشرعي في كلِّ أمر من الأمور الدينية، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ، ففي الآية تحذير للمسلم بأنَّ من لم يرضَ بالتحاكم إلى الله والرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنَّه يقدح في إيمانه بالله واليوم الآخر". وأقول: إنَّ هذه الآيةَ التي استدلَّ بها تدلُّ على الردِّ إلى القرآن والسنَّة، فالردُّ إلى الله ردٌّ إلى الكتاب، والردُّ إلى الرسول ردٌّ إلى السنَّة، وهي المتلقاة عن أصحابه الكرام الذين هم خيرُ القرون. ٤ ـ زعم أنَّ الإجماع مختلف في ثبوته، ويقصد بذلك اختلاف جميع فرق الضلال مع أهل السنَّة؛ كما أوضح ذلك في كتابه السيِّء عن الصحابة، حيث قال في (ص: ٦١ ـ الحاشية) : "لأنَّ أقوى دليل للذين يرون الإجماع هو الحديث المشهور:"لا تجتمع أمَّتي على ضلالة"، والحديث وإن كان فيه كلام من حيث الثبوت، لكن الأمَّة فيه لا تعني بعض الأمًَّة، وإنَّما كلّ أمَّة الإجابة، كلّ المسلمين باختلاف مذاهبهم الفقهية والعقدية والسياسية، ومن زعم بأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أراد من (أمَّتي) أنَّها تعني المحدِّثين وأصحاب المذاهب الأربعة فقد جازف....!! ". ٥ ـ افترى على أهل السنَّة كذباً وزوراً أنَّهم يُزهِّدون في التحاكم إلى القرآن الكريم مع المبالغة في الأخذ بأقوال الرجال، كما عنون بذلك، وقال:

стр. 154

"وكان المخالفون للحنابلة أكثر تعظيماً للقرآن واستدلالاً به منهم، فلمَّا رأى الحنابلة ذلك وأنَّ القرآن الكريم تستدلُّ به الطوائف (المبتدعة!!) لجأوا إلى التزهيد من التحاكم إلى القرآن الكريم مع تضخيم الآثار والأقوال المنسوبة لبعض التابعين أو العلماء، بل وبدَّعوا من يعود إلى القرآن الكريم وقدَّموا عليه أقوال الرجال". وهذا بهتان بيِّنٌ وإفكٌ مبين، وقد قال الله : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِينا﴾ ً، وهو أيضاً قلبٌ للحقائق، ووضعٌ لِمَن رفعه الله ورفعٌ لِمَن وضعه، وقد قال الله : ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ ، وما أشبه صنيعه في قلب الحقائق بقول الشاعر كما في معجم الأدباء لياقوت الحموي (١٧/١٩٨) : قد قُدِّم العَجْبُ على الرُّوَيس ... وشارف الوهد أبا قُبيسِ وطاول البقل فروعَ المَيْس ... وهبت العنز لقرع التيس وادَّّعت الروم أباً في قيس ... واختلط الناس اختلاط الحيس إذ قرا القاضي حليف الكيس ... معاني الشعر على العبيسي والمعنى في البيت الأول تقديم عَجْب الذنب على الرأس، وأنَّ المكان المنخفض يُطاوِلُ المكان المرتفع، وأبو قُبيس: جبل عال بمكة. ٦ ـ قوله: "بل وبدَّعوا من يعود إلى القرآن الكريم وقدَّموا عليه أقوال الرجال: يقول البربهاري: (إذا سمعت الرجل تأتيه بالأثر فلا يريده ويريد القرآن فلا شكَّ أنَّه رجلٌ قد احتوى على الزندقة، فقُم من عنده ودَعْه) ، وقال: (وأنَّ القرآن أحوجُ إلى السنَّة من السنَّة إلى القرآن") .

стр. 155

وأقول: أهل السنَّة لَم يُبدِّعوا من يعود إلى القرآن الكريم، وإنَّما بدَّعوا مَن يأخذ به ولا يأخذ بالسنَّة، ومِمَّا يدلُّ على ذلك قول الله : ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ، وقول النَّبيِّ ﷺ في حديث المقدام بن معد يكرب: "ألا إنِّي أوتيتُ الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن؛ فما وجدتم فيه من حلال فأحلُّوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرِّموه، ألا لا يَحلُّ لكم لَحمُ الحمار الأهلي، ولا كلُّ ذي ناب من السَّبُع، ولا لقطةُ مُعاهد إلاَّ أن يستغني عنها صاحبُها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يَقْرُوه، فإن لَم يَقرُوه فله أن يُعْقِبَهم بمثل قِراه"، وقوله ﷺ في حديث أبي رافع: "لا أُلفيَنَّ أحدَكم متَّكئاً على أريكتِه، يأتيه الأمرُ من أمري مِمَّا أمرتُ به أو نهيتُ عنه، فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتَّبعناه"، وهما حديثان صحيحان، أخرجهما أبو داود في سننه في"بابٌ في لزوم السنَّة" (٤٦٠٤) ، (٤٦٠٥) ، وأخرجهما أيضاً الترمذي وابن ماجه. وأمَّا قول البربهاري في حاجة القرآن إلى السنَّة فعبارته هكذا: "وأنَّ القرآنَ إلى السنَّة أحوج من السنَّة إلى القرآن"، وليس فيها تزهيدٌ في القرآن، بل المعنى فيها واضح، وهو أنَّ السنَّة هي التي تبيِّن القرآن وتوضحه وتدلُّ عليه، وليس القرآن هو الذي يوضحها ويُبيِّنها، ومن ذلك أنَّ القرآن الكريم جاء فيه الأمر بإقامة الصلاة، ثم جاءت السنَّة مبيِّنة عدد الصلوات وأنَّها خمس، وبيان عدد الركعات في كلِّ صلاة منها، وبيان ما فيها من قيام وركوع وسجود وجلوس، وما يُشرع قراءته وقوله فيها، وقد أرشد إلى ذلك الرسول ﷺ بقوله: "صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي"، وقال مثل ذلك في الحجِّ: "خذوا عنِّي مناسككم"، ومن ذلك الزكاة، فقد جاء القرآن بالأمر بإيتائها، وجاء في السنَّة بيان الأموال التي تُزكَّى ومقدار الأنصباء ومقدار ما يُخرج من الزكاة، وهكذا في العبادات والمعاملات وغير ذلك.

стр. 156

٧ ـ قوله: وقال (أي البربهاري) (ص: ٨٦) : "التكبير على الجنائز أربع، وهو قول مالك بن أنس وسفيان الثوري والحسن بن صالح وأحمد بن حنبل والفقهاء، وهكذا قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم". أقول: انظروا كيف جعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم آخرَ هؤلاء!! ". وأقول: انظروا إلى نار الحقد المشتعلة في قلب هذا المالكي على أهل السنَّة، حتى كاد يتميَّز من الغيظ؛ فليس في كلام البربهاري ذكر أسماء جُعل النَّبيُّ ﷺ في آخرها، وإنّما فيه ذكر مسألة التكبير على الجنائز، وبعضُ من قال بأنَّ التكبيرات عليها أربع، ثم ذكر الدليل على ذلك من قوله ﷺ ، ومن ذلك حديث صلاته على النجاشي في المصلى، وتكبيره أربع تكبيرات، أخرجه البخاري (١٣٣٣) ، ومسلم (٩٥١) ، وهذه هي الطريقة التي سلكها العلماء في الاستدلال، فيُذكر القول ومن قال به، ثم الدليل على ذلك، والمالكي لا يخفى عليه ذلك، لكن الحقد على أهل السنَّة دفعه إلى ما قاله، وسبق أنَّه ذكر عند زعمه نقد المذهب الحنبلي في العقيدة أنَّ من أسباب ذلك تعلُّم الإنصاف وتعليمه، وهذا مثال واحد من أمثلة بُعده عن الإنصاف، وأنَّه في وادٍ والإنصافُ في واد آخر، بل هو في الثرى والإنصاف في الثريَّا. ٨ ـ قوله: "وقال البربهاري أيضاً (ص: ١١٥) : "وإذا سمعتَ الرجل يطعن على الآثار أو يردُّ الآثار أو يريد غير الآثار فاتَّهمه على الإسلام، ولا تشك أنَّه صاحب هوى مبتدع". أقول: وهل الذي يطعن على القرآن الكريم، أو لا يريد القرآن الكريم ويريد أقوال الرجال، هل هذا مبتدع أم لا؟! ".

стр. 157

وأقول: هذا اتِّهامٌ واضح لأهل السنَّة بأنَّهم يطعنون في القرآن، وأنَّهم لا يُريدونه ويريدون أقوال الرجال، وهو مثل العنوان الذي ذكره في أوَّل هذا الموضع، وهو"التزهيد في التحاكم إلى القرآن الكريم مع المبالغة في الأخذ بأقوال الرجال"، وإذا كان أهل السنَّة هم الذين يطعنون في القرآن ولا يريدونه، فمَن الذي يأخذ بالقرآن ومن الذي يريده سواهم، لا شكَّ أنَّ هذا من الإفك المبين والظلم الواضح وقلب الحقائق، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ .

стр. 158

٢٥ ـ زعمه أنَّ أهل السنَّة يُزهِّدون في كبائر الذنوب والموبقات، والردُّ عليه قال في (ص: ١٦٦) : "التزهيد والتساهل في كبائر الذنوب والموبقات مع التشدُّد في أمور مختلف فيها، وهذا خلاف نصوص القرآن الكريم فضلاً عن السنَّة: قال البربهاري: "إذا رأيتَ الرجل من أهل السنَّة رديء المذهب والطريق، فاسقاً فاجراً صاحب معاصي ضالاًّ وهو على السنَّة فاصحبه واجلس معه؛ فإنَّه ليس يضرُّك معصيته، وإذا رأيتَ الرَّجلَ مجتهداً في العبادة متقشِّفاً محترقاً بالعبادة صاحب هوى فلا تجالسه ولا تمشي معه في طريق". وقال أيضاً: "لأن تلقى اللهَ زانياً فاسقاً خائناً أحبّ إليَّ من أن تلقاه بقول فلان وفلان". أقول: ويقصد بفلان وفلان علماء الحنفية أو المعتزلة أو المختلفين مع

стр. 159

الحنابلة، لكن البربهاري يلقانا بقوله وقول الأوزاعي وحماد بن زيد، وهم ـ على فضلهم ـ بشر يصحُّ أن يُقال فيهم فلان وفلان، وهذا تناقض، ولا بدَّ من منهج يحمي من التناقض!!! ". والجواب: أنَّ أهل السنَّة لا يُزهِّدون في كبائر الذنوب، وإنَّما الذين يُزهِّدون فيها هم المرجئة، الذين يقولون: لا يضرُّ مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، فيأخذون بنصوص الوعد، ويُهملون نصوص الوعيد، وأمَّا أهل السنَّة فيأخذون بنصوص الوعد والوعيد جميعاً، فلا يأخذون بنصوص الوعد فقط، كما فعلت المرجئة، ولا بنصوص الوعيد فقط كما فعلت الخوارج والمعتزلة، ويقولون عن مرتكب الكبيرة: مؤمن ناقص الإيمان، وليس كاملَ الإيمان كما قالت المرجئة، ولا خارجاً من الإيمان كما قالت الخوارج والمعتزلة. وأمَّا ما جاء عن بعض السلف من التحذير من البدع، وبيان أنَّها أسوأُ من المعاصي، فليس ذلك تزهيداً في المعاصي، بل لبيان التفاوت الكبير بين البدع والمعاصي، وإنَّما كانت البدعُ أشدَّ خطراً من المعاصي؛ لأنَّ المعاصي من أمراض الشهوات، والبدعَ من أمراض الشبهات، ولأنَّ العاصي يَشعُر بأنَّه مذنبٌ فيتوب من معصيته، وأمَّا المبتدع فقد يستمرُّ على بدعته حتى يموت عليها؛ لأنَّه يرى أنَّه على حقٍّ وهو على باطل، كما قال الله : ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ، وقد جاء في السنَّة وأقوال الصحابة ما يوضح ذلك، فعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله حَجَبَ التوبةَ عن كلِّ صاحب بدعة حتى يَدَع بدعتَه"، قال المنذري في الترغيب والترهيب (١/٤٥) : "رواه الطبراني وإسناده حسن"، وقد أورده الألباني في السلسلة الصحيحة (١٦٢٠) ، وعزاه إلى الطبراني في الأوسط وغيره، وذكر أنَّ رجالَه رجال الشيخين إلاَّ

стр. 160

هارون بن موسى، وقد قال فيه النسائي وتبعه الحافظ في التقريب: "لا بأس به"، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: "ثقة". وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "لأن أحلفَ بالله كاذباً أحبُّ إليَّ من أن أحلف بغيره صادقاً"، وهو أثرٌ صحيح، أخرجه الطبراني في الكبير، وأورده الألباني في الإرواء (٢٥٦٢) ، وقال في إسناده: "وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين".

стр. 161

٢٦ ـ زعمه أنَّ أهل السنَّة يتساهلون مع اليهود والنصارى مع التشدُّد مع المسلمين، والردُّ عليه قال في (ص: ١٦٧) : "من سمات كتب العقائد عند غلاة الحنابلة أنَّهم يتساهلون مع اليهود والنصارى، ويُفضِّلون مخالطتهم ومآكلتهم على إخوانهم المسلمين، نقل البربهاري أثراً (ص: ١٣٩) يقول: (آكلُ مع يهودي ونصراني ولا آكل مع مبتدع) !! ". والجواب: أنَّ أهل السنَّة يُحذِّرون من الكفَّار، ويُحذِّرون من المنافقين الذين يكونون بين المسلمين مِمَّن يُظهر الإيمانَ ويُبطن الكفرَ، ويُحذِّرون من أصحاب البدع والأهواء، ولا شكَّ أنَّ أهلَ البدع والأهواء الذين لا تصل بدعتهم إلى الكفر ليسوا مثل اليهود والنصارى؛ لأنَّهم إن دخلوا النارَ لبدعهم يَخرجون منها ويدخلون الجنَّة، بخلاف الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم، فهم خالدون في النار لا يخرجون منها أبداً، لكن المنافقين الذين يُظهرون الإيمان ويُبطنون الكفر شرٌّ من اليهود والنصارى؛ لأنَّهم في الدَّرك

стр. 162

الأسفل من النار، ويُمكن أن يكون في بعض المنتسبين إلى الإسلام مَن هو شرٌّ من اليهود والنصارى في بعض الخصال، ومن أمثلة ذلك أنَّ المالكيَّ نفسَه يزعم أنَّ أصحاب رسول الله ﷺ يُذادون عن حوضه ويُؤخذون إلى النار، ولا ينجو منهم إلاَّ القليل مثل هَمَل النَّعم، كما ذكر ذلك في كتابه السيِّء في الصحابة، وهو في ذلك أسوأ من اليهود والنصارى؛ لأنَّهم لا يقولون في أصحاب موسى وعيسى مثلَ مقالته القبيحة في أصحاب رسول الله ﷺ ، ورضي الله عنهم وأرضاهم، وقد قال شارح الطحاوية (ص: ٤٦٩) : "فمَن أضلُّ مِمَّن يكون في قلبه غِلٌّ على خيار المؤمنين وسادات أولياء الله تعالى بعد النبيِّين، بل قد فضلهم اليهود والنصارى بخصلة؛ قيل لليهود: مَن خيرُ أهل مِلَّتكم؟ قالوا: أصحاب موسى، وقيل للنصارى: مَن خير أهل مِلَّتكم؟ فقالوا: أصحاب عيسى، وقيل للرافضة: مَن شرُّ أهل ملَّتكم؟ فقالوا: أصحاب محمد!! ولم يستثنوا منهم إلاَّ القليل، وفيمَن سبُّوهم مَن هو خيرٌ مِمَّن استثنوهم بأضعاف مضاعفة".

стр. 163

٢٧ ـ زعمه أنَّ قاعدة (اتِّباع الكتاب والسنة بفهم سلف الأمَّة) باطلة، وأنَّها بدعةٌ، والردُّ عليه قال في (ص: ١٧٨ ـ ١٨١) تحت عنوان: "الاستدراك على الشرع (أو بدعة اشتراط فهم السلف) : "ترى أصحاب العقائد وأخصُّ هنا أصحابنا السلفية يشترطون شروطاً ليس (كذا) في كتاب الله ولا سنَّة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليقطعوا به كلَّ آمال الاتفاق، فالله أرشدنا عند اختلافنا مع المسلمين أن نرجع للكتاب والسنَّة، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ

стр. 164

تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ، فلمَّا رأى أصحاب العقائد ومنهم السلفية الحنابلة أنَّ العودةَ للكتاب والسنَّة سيلغي أكثرَ الشتائم والتكفيرات والتبديعات والمخالفات الموجودة في كتب العقائد لجأوا إلى الزيادة على ما ذكره الله بقولهم: "إنَّ الكتاب والسنَّة لا تكفي فلا خير في كتاب بلا سنَّة، ولا خير في سنَّة بلا فهم السلف الصالح"!! وهكذا نفوا الخيرية عن الكتاب والسنَّة بهذا الشرط البدعي الذي اشترطوه، وانتقصوا به من كتاب الله وسنَّة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أقول: ولا أدري هنا ماذا يقصدون بـ (فهم السلف) إن كانوا يقصدون الصحابة فقد اختلف الصحابة في فهم كثير من العقائد والأحكام فبأيِّ فهم نلتزم؟! وإن كانوا يقصدون اتباع ما فهمه الصحابة كلهم فهذا لا يخالف فيه أحد لكن حصول هذا الإجماع في الفهم صعب بل مستحيل إلاَّ في أمر دليله واضح. وإن قصدوا اتِّباع فهم آحاد السلف فيما لم يختلفوا فيه (كذا) ، قيل لهم اختلافهم في الفهم دليل على أنَّ فهمهم يخطئ ويصيب؟! فإذا كان كذلك فمن يضمن لنا أنَّ فهم الآحاد منهم ليس من القسم الذي أساءوا فهمه؟! وقد فهم عدي بن حاتم من الآية الكريمة: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ فهماً خاطئاً ردَّه عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وفهمت زوجات النَّبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم من قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "أوَّلكنَّ لحوقاً بي أطولكنَّ يداً" على الحقيقة، بينما هذا كان مجازاً فهو كناية عن الإنفاق والصدقة، ففهمت ذلك زينب بنت

стр. 165

جحش فقط، أمَّا بقيَّة أزواج النَّبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلم يفهمن هذا الفهم. وهكذا قصص كثيرة في اختلاف الصحابة ـ فضلاً عن غيرهم ـ في فهم بعض النصوص القرآنية والحديثية. ثم إنَّ هذا الفهمَ لم يقل به أحد من الصحابة، فلم يقل أحد منهم للتابعين: إذا فهمتم من آية كريمة فهماً فلا تأخذوا به حتى تنظروا ماذا نفهم منها؟! فالقاعدة المشهورة (الكتاب والسنة وبفهم سلف الأمَّة) باطلةٌ بإجماع سلف الأمَّة من المهاجرين والأنصار الذين لم يشترطوها واكتفوا بما ذكره الله من التحاكم للقرآن والسنَّة، أمَّا زيادة اشتراط الفهم فهو استدراك قبيح على الآية الكريمة. أمَّا آلية الفهم فلا تتمُّ بتقليد صحابي ولا تابعي، وإنَّما بالنظر في الآيات والأحاديث الصحيحة التي تتحدَّث عن الموضوع نفسه، والعودة بعد ذلك للآثار ولغة العرب وكل ما يساعد في تجلية المعنى وما إلى ذلك. فتحصيل الفهم يتمُّ عبر سبل كثيرة قد يجوز إدخال (فهم آحاد السلف) في هذه السبل للترجيح فقط، لكن لا يجوز الاقتصار عليه، كيف والقرآن الكريم يأمرنا بالتدبُّر والتفكُّر؟ ثم هؤلاء القائلون بفهم السلف هم أوَّل من يُخالف السلف إذا فهموا شيئاً خلاف ما هم عليه!! ومعظم ما كتبوه في العقائد كان خلاف فهم السلف الصالح من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان. راجع المسائل السابقة التي في هذا الكتاب ثم فتِّش في سير الصحابة والتابعين وانظر مَن منهم فضَّل الآثار وأقوال الرجال على القرآن الكريم؟!

стр. 166

ومن منهم جعل المسلمَ شرًّا من اليهودي والنصراني؟! ومن منهم كفَّر المسلمين؟! ومن منهم تسمَّى بغير الإسلام؟! ومن منهم زهَّد في كبائر الذنوب؟! ومن منهم غلا في علمائهم وكبارهم؟! ومن منهم أفتى باغتيال المخالفين له في الرأي؟! ومن منهم شبَّه الله بخلقه؟! ومن منهم ركَّز على الجزئيات وترك الأصول؟! ومن ومن ... إلخ. فنحن لا مع القرآن ولا مع السنَّة ولا مع فهم السلف الصالح!! وكلُّ ما عندنا من الأمور دعاوى نقنع بها العوام لا دليل عليها من كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل ولا السلف الصالح (وهم عندي المهاجرون والأنصار ومن كان على نهجهم فقط) . فالقرآن أوَّلاً والسنَّة الصحيحة ثانياً، هما المقياسان الرئيسان وتأتي بعد ذلك مقاييس أخرى من أقوال جمهرة المهاجرين والأنصار أو قول جمهور الصحابة واختيارات علمائهم الكبار، أمَّا الإجماع فلن يمكن إلاَّ حصوله (كذا) ومعه نص شرعي فيما يظهر، فهذه المقاييس نقيس بها كلَّ الرجال كأحمد بن حنبل وأبا حنيفة (كذا) والشافعي ومالك والبربهاري وغيرهم، كلُّ هؤلاء الرِّجال يجب أن يخضعوا لمعيار القرآن وما صحَّ من السنَّة، كلُّ هؤلاء تحت القرآن والسنَّة لا فوقها، وهذا هو طريق وفهم السلف من الصحابة الكبار، فلم يكن عندهم أحد فوق القرآن وما صحَّ من السنَّة، فمَن لم يكن

стр. 167

على هذا المنهج فليس على منهج الصحابة ولا (السلف الصالح) ولا يجوز أن يدَّعي كذباً وزوراً الانتساب لمنهج المهاجرين والأنصار، ولا يجوز له أن يتشدَّق بمنهج لا يعرفه ولا يضبط معاييره وملامحه ... فالكلام سهل وبسبب الكلام اختلفت فرق الأمَّة وتفاخرت بالألقاب والمناهج!! ورحم الله امرءاً عرف قدر نفسه!! وهذا التخبط عندنا ـ كما أسلفت ـ له علافة بالألفاظ التي نردِّدها ولا نعرف معناها فـ (الفهم) لا نفهمه ولا نعرف معناه ولا معاييره ولا آليات تحصيله، وكذلك السلف الصالح نذهب إلى البربهاري وعبد الله بن أحمد وابن تيمية وننسى الصحابة من المهاجرين والأنصار، فالبربهاري وابن بطة عندنا من السلف بينما الصحابة ليسوا من السلف، ولو كانوا عندنا من السلف الصالح لما خالفناهم في فهم الإسلام وفي الأمور التي سبق شرحها". وأجيب بما يلي: ١ ـ ساق هذا الكلام الكثير المتناقض لبيان عدم اعتبار فهم السلف الصالح لنصوص الكتاب والسنَّة؛ لأنَّ التقيُّدَ بهذا الفهم يمنع من الانفلات في الفهوم الخاطئة، ويُمكِّن من التمرُّد على ما كان عليه سلف هذه الأمَّة من الصحابة ومَن سار على نهجهم، وعلى هذا فالأخذ بالكتاب والسنَّة على فهم السلف يعتبره المالكي بدعةً، ويعتبره أهل السنَّة حقًّا واضحاً جليًّا، فالسنَّة عند المالكي بدعة، والبدعة عنده سنَّة. ٢ ـ ليس فهم نصوص الكتاب والسنَّة وفقاً لفهم السلف استدراكاً على الشرع، وإنَّما هو أخذٌ بالحقِّ واتِّباع لسبيل المؤمنين، وأهل السنَّة لا يقولون بعدم كفاية الكتاب والسنَّة كما زعم، بل هم الذين يقولون بالتعويل عليهما، لكن على فهم السَّلف وليس على فهم غيرهم.

стр. 168

٣ ـ لم يختلف الصحابةُ في فهم العقيدة، بل هم فيها على صراط مستقيم، كما قال الله : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ، ويتَّضح ذلك من كلام المقريزي الذي سيأتي ذكرُه بعد قليل. ٤ ـ قاعدة التعويل على فهم سلف الأمَّة لنصوص الكتاب والسنَّة لا يؤثِّر فيها ما زعمه المالكي من وجود أخطاء حصلت من بعض الصحابة في فهم النصوص، وهي في الحقيقة ليست بأخطاء، فالذي ذكره عن عديِّ بن حاتم ﵁ من الفهم للخيط الأسود والأبيض كان قبل نزول قوله ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ ، ففي صحيح البخاري (٤٥١١) عن سهل بن سعد ﵁ قال: "أنزلت ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ ولم ينزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ ، وكان رجالٌ إذا أرادوا الصومَ ربط أحدُهم في رجليه الخيطَ الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبيَّن له رؤيتهما، فأنزل الله بعده: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ ، فعلموا أنَّما يعني الليل من النهار". وعلى هذا فعديٌّ ﵁ لم يفهم الآيةَ فهماً خاطئاً كما زعم المالكي، وأوهم أنَّ الآيةَ نزلت كاملة؛ فإنَّ فهمَ عديٍّ ﵁ كان قبل نزول قوله ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ ، كما اتَّضح من سياق الحديث. وأمَّا ما ذكره من فهم أكثر أزواج النَّبيِّ ﷺ قوله ﷺ : "أوَّلكُنَّ لحوقاً بي أطولكنَّ يداً" أنَّ المرادَ اليد الحقيقية، وأنَّ زينبَ بنت جحش ﵂ فهمت طولَ اليد بالصدقة، فليس الأمر كما زعم من أنَّ زينبَ فهمت ذلك، بل قد فهم أزواج الرسول ﷺ لَمَّا ماتت زينب بعده ﷺ أنَّ المراد طول اليد بالصدقة، ففي صحيح مسلم (٢٤٥٢) عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أمِّ المؤمنين ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "أسرعكُنَّ لحاقاً بي

стр. 169

أطولكنَّ يداً، قالت: فكنَّ يتطاولنَّ أيَّتهنَّ أطول يداً، قالت: فكانت أطولنا يداً زينب؛ لأنَّها كانت تعمل بيدها وتصدَّق". وأمَّا ما جاء في صحيح البخاري (١٤٢٠) عن عائشة ﵂: "أنَّ بعضَ أزواج النَّبيِّ ﷺ قلن للنَّبيِّ ﷺ : أيُّنا أسرع بك لحوقاً؟ قال: أطولكنَّ يداً، فأخذوا قصبة يذرعونها، فكانت سودةُ أطولَهنَّ يداً، فعلمنا بعدُ أنَّما كانت طول يدها الصدقة، وكانت أسرعنا لحوقاً به وكانت تحبُّ الصدقة"، فيُفهم منه أنَّ سودةَ ﵂ أطولهنَّ يداً حقيقة، ثمَّ لَمَّا ماتت زينب قبل غيرها من أمَّهات المؤمنين عُلم أنَّ المراد بطول اليد طولها بالصدقة، فكانت رواية مسلم مفسِّرةً لرواية البخاري. وقد قال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث عند البخاري: " (فعَلِمْنا بعدُ) أي: لَمَّا ماتت أولُ نسائه به لحوقاً"، وقال أيضاً: "ويؤيِّده أيضاً ما روى الحاكم في المناقب من مستدركه من طريق يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ لأزواجه: "أسرعكنَّ لحوقاً بي أطولكنَّ يداً، قالت عائشة: فكنَّا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله ﷺ نَمدُّ أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش، وكانت امرأةً قصيرةً ولَم تكن أطولَنا، فعرفنا حينئذ أنَّ النَّبيَّ ﷺ إنَّما أراد بطول اليد الصدقة، وكانت زينبُ امرأةً صنَّاعة باليد، وكانت تدبغ وتخرز وتصدَّق في سبيل الله) ، قال الحاكم: على شرط مسلم، انتهى، وهي رواية مفسِّرة مبيِّنة مرجِّحة لرواية عائشة بنت طلحة في أمر زينب". وقوله ﷺ : "أسرعكنَّ لحوقاً بي أطولكنَّ يداً" هو لفظ محتمل لمعنيين، وهو في أحدهما أظهر من الآخر، والنَّبيُّ ﷺ أراد أحدَهما، وفهم أزواجُه ﷺ المعنى الآخر، ولا يُقال عن فهم أزواج النَّبيِّ ﷺ إنَّه خطأ؛ لأنَّه المتبادَر

стр. 170

من اللفظ، وإنَّما يُقال: تبيَّن فيما بعد عند وفاة زينب ﵂ أنَّ ما فهمنه لم يكن مطابقاً لما أراده رسول الله ﷺ ، وبهذا يتبيَّن أنَّ ما ذكره المالكي من الخطأ في الفهم في المثالَين المذكورين أنَّه ليس بخطأ كما زعم. ٥ ـ نعم! لم يقل الصحابةُ للتابعين: لا تفهموا النصوصَ إلاَّ وفقاً لفهمنا، وإنَّما يُبيِّنون لهم الخطأ في الفهم، ومن أمثلة ذلك ما روى البخاري في صحيحه (٤٤٩٥) بإسناده إلى هشام بن عروة، عن أبيه أنَّه قال: "قلت لعائشة زوج النَّبيِّ ﷺ وأنا يومئذ حديث السنِّ: أرأيتِ قول الله ﵎: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ، فما أرى على أحد شيئاً أن لا يطوَّف بهما، فقالت عائشة: كلاَّ! لو كانت كما تقول كانت: فلا جناح عليه أن لا يطوَّف بهما، إنَّما أنزلت هذه الآية في الأنصار، كانوا يُهلُّون لمناة، وكانت مناة حذو قديد، وكانوا يتحرَّجون أن يطوَّفوا بين الصفا والمروة، فلمَّا جاء الإسلام سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فأنزل الله ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ". وتأمَّل قول عروة ﵀ فيما مهَّد له من العذر لخطئه في الفهم بقوله: "وأنا يومئذ حديث السنِّ"، يتبيَّن لك أنَّ حداثةَ السنِّ مظنَّةُ الخطأ في الفهم، والمالكي ومعه الأربعة الذين شاركوه في الضلال الذين أوردهم في آخر كتابه حُدثاء الأسنان، ولم يكن المالكي مخطئاً في أباطيله التي اشتمل عليها كتابُه هذا وغيره مِمَّا زعمه بحوثاً، ليس مخطئاً فحسب، بل هو من الخاطئين. وأيضاً فإنَّ الصحابة يُرشدون التابعين وغيرَهم إلى الائتساء والاقتداء بأصحاب رسول الله ﷺ ، ففي جامع بيان العلم وفضله (٢/٩٧) عن ابن مسعود ﵁ قال: "مَن كان منكم متأسِّياً فليتأسَّ بأصحاب محمد ﷺ ؛

стр. 171

فإنَّهم كانوا أبرَّ هذه الأمَّة قلوباً، وأعمقَها علماً، وأقلَّها تكلُّفاً، وأقومَها هدياً، وأحسنَها حالاً، قوماً اختارهم الله تعالى لصحبة نبيِّه ﷺ ، فاعرفوا لهم فضلَهم، واتَّبعوهم في آثارهم؛ فإنَّهم كانوا على الهدي المستقيم". وفي سنن الدارمي (٢١١) عنه ﵁ أنَّه قال: "اتَّبعوا ولا تبتدعوا؛ فقد كُفيتم". وفي سنن الدارمي أيضاً (١٤١) عن عثمان بن حاضر، قال: "دخلتُ على ابن عباس، فقلت: أَوْصني، فقال: نعم! عليك بتقوى الله والاستقامة، اتَّبع ولا تبتدع! ". وفي السنَّة لمحمد بن نصر المروزي (٨٠) أنَّ عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "إنَّكم اليوم على الفطرة، وإنَّكم ستحدثون ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدَثةً فعليكم بالهدي الأول". وكذلك العلماء يوصون باتِّباع ما جاء عن الصحابة والسير على منهاجهم، ففي السنة من كتاب السنن لأبي داود (٤٦١٢) عن عمر بن عبد العزيز ﵀ في أثر طويل قوله: "فارضَ لنفسك ما رضي به القومُ لأنفسهم؛ فإنَّهم على علم وقفوا، وببصر نافذ كَفُّوا، وهم على كشف الأمور كانوا أقوى، وبفضل ما كانوا فيه أولى"، وفي السنَّة للالكائي (١/١٥٦) عن الإمام أحمد أنَّه قال: "أصول السنَّة عندنا التمسُّك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ والاقتداء بهم، وترك البدع، وكلُّ بدعة فهي ضلالة ... ". وقال ابن أبي حاتِم في الجرح والتعديل (١/٨٧) : "فأمَّا أصحابُ رسول الله ﷺ فهم الذين شهدوا الوحيَ والتنزيلَ، وعرفوا التفسيرَ والتأويلَ، وهم الذين اختارهم اللهُ لصحبة نبيِّه ﷺ ونصرتِه وإقامةِ دينه وإظهارِ حقِّه، فرضيهم له صحابةً، وجعلهم لنا أعلاماً وقدوةً، فحفظوا

стр. 172

عنه ﷺ ما بلَّغهم عن الله ، وما سنَّ وشرع وحكم وقضى وندب وأمر ونهى وحظر وأدّب، ووعَوْه وأتقنوه، ففقهوا في الدين، وعلموا أمرَ الله ونهيه ومراده بمعاينة رسول الله ﷺ ومشاهدتهم منه تفسيرَ الكتاب وتأويله، وتلقّفهم منه واستنباطهم عنه، فشرَّفهم اللهُ بما مَنَّ عليهم وأكرمهم به من وضعه إيَّاهم موضع القدوة"، إلى أن قال: "فكانوا عدولَ الأمَّة وأئمَّةَ الهدى وحججَ الدِّين ونقلةَ الكتاب والسنة، وندب الله إلى التمسُّك بهديهم والجري على منهاجهم والسلوك لسبيلهم والاقتداء بهم، فقال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ الآية". ٦ ـ قوله (ص: ١٧٩) : "فالقاعدة المشهورة (الكتاب والسنَّة وبفهم سلف الأمة) باطلة بإجماع سلف الأمة من المهاجرين والأنصار الذين لم يشترطوها، واكتفوا بما ذكره الله من (التحاكم للقرآن والسنَّة) ، أمَّا زيادة اشتراط الفهم فهو استدراك قبيح على الآية الكريمة!!! ". أقول: ما ذكره من دعوى بطلان القاعدة المذكورة بإجماع سلف الأمة قولٌ باطلٌ ودعوى لا أساس لها من الصحَّة، كما تبيَّن من آثار عن السلف في الفقرة السابقة، واعتبار فهم الصحابة لنصوص الكتاب والسنَّة لا يُنافي الأخذ بالآية الكريمة في الردِّ إلى الكتاب والسنَّة، وليس استدراكاً عليهما كما زعم؛ فإنَّ في ذلك التنفيذ والتطبيق لما جاء في الكتاب والسنَّة على فهم صحيح، ومِمَّا يوضِّح ذلك أنَّ ما جاء عن السلف في فهم معنى قول الله : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ أنَّه بمعنى علا وارتفع هو الحقُّ، وأنَّ ما جاء عن المتكلِّمين من تفسيره بمعنى استولى باطل واتِّباع لغير سبيل المؤمنين.

стр. 173

ومِمَّا يوضح بطلان قول المالكي هذا أنَّ الخوارجَ لَمَّا ركبوا رؤوسَهم وخالفوا الصحابة في فهم الكتاب والسنَّة انحرفوا عن الحقِّ، وقصَّة مناظرة ابن عباس ﵄ لهم في مستدرك الحاكم (٢/١٥٠ ـ ١٥٢) ، وهي بإسناد صحيح على شرط مسلم، وفيها قول ابن عباس: "أتيتُكم من عند صحابة النَّبيِّ ﷺ من المهاجرين والأنصار، لأبلِّغكم ما يقولون، المخبرون بما يقولون، فعليهم نزل القرآن، وهم أعلمُ بالوحي منكم، وفيهم أنزل، وليس فيكم منهم أحد، فقال بعضُهم: لا تخاصموا قريشاً، فإنَّ الله يقول: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ ، قال ابن عباس: وأتيتُ قوماً لم أرَ قوماً قطُّ أشدَّ اجتهاداً منهم، مسهمة وجوههم من السَّهر، كأنَّ أيديهم وركبهم تثنى عليهم، فمضى من حضر، فقال بعضُهم: لنكلِّمنَّه ولننظرنَّ ما يقول، قلت: أخبروني ماذا نقمتم على ابن عمِّ رسول الله ﷺ وصهره والمهاجرين والأنصار؟ قالوا: ثلاثاً، قلت: ما هنَّ؟ قالوا: أمَّا إحداهنَّ فإنَّه حكم الرِّجالَ في أمر الله، وقال الله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ﴾ ، وما للرِّجال وما للحكم، فقلت: هذه واحدة، قالوا: وأمَّا الأخرى فإنَّه قاتَلَ ولَم يسْب ولَم يغنَم، فلئن كان الذي قاتل كفَّاراً لقد حلَّ سبيُهم وغنيمتهم، ولئن كانوا مؤمنين ما حلَّ قتالُهم، قلت: هذه ثنتان، فما الثالثة؟ قال: إنَّه مَحا نفسَه من أمير المؤمنين، فهو أمير الكافرين، قلت: أعندكم سوى هذا؟ قالوا: حسبنا هذا، فقلت لهم: أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله ومن سنَّة نبيِّه ﷺ ما يُردُّ به قولُكم أتَرضَون؟ قالوا: نعم! فقلت: أمَّا قولكم: حكَّم الرِّجال في أمر الله، فأنا أقرأ عليكم ما قد رُدَّ حكمُه إلى الرِّجال في ثمن ربع درهم، في أرنب ونحوها من الصيد، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ إلى قوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ، فنشدتكم الله: أحُكم الرِّجال في أرنب ونحوها من

стр. 174

الصيد أفضل أم حكمهم في دمائهم وصلاح ذات بينهم؟! وأن تعلموا أنَّ الله لو شاء لَحَكم ولَم يُصيِّر ذلك إلى الرِّجال، وفي المرأة وزوجها قال الله : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ ، فجعل الله حكم الرِّجال سنة مأمونة، أخَرَجتُ من هذه؟ قالوا: نعم! قال: وأمَّا قولكم: قاتَل ولم يسْب ولم يغنم، أَتَسبُون أمَّكم عائشة، ثمَّ تستحلُّون منها ما يُستحلُّ من غيرها؟! فلئن فعلتم لقد كفرتُم، وهي أمُّكم، ولئن قلتُم: ليست أمَّنا لقد كفرتُم؛ فإنَّ الله يقول: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ ، فأنتم تدورون بين ضلالَتين، أيّهما صرتُم إليها صرتُم إلى ضلالة، فنظر بعضُهم إلى بعض، قلت: أخرجتُ من هذه؟ قالوا: نعم! وأمَّا قولكم: مَحا اسمَه من أمير المؤمنين، فأنا آتيكم بمَن ترضَون وأريكم، قد سمعتُم أنَّ النَّبيَّ ﷺ يوم الحُديبية كاتَبَ سُهيل بن عمرو وأبا سفيان بن حرب، فقال رسول الله ﷺ لأمير المؤمنين: اكتب يا علي: هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله، فقال المشركون: لا والله! ما نعلم أنَّك رسول الله، لو نعلم أنَّك رسول الله ما قاتلناك، فقال رسول الله ﷺ : اللَّهم إنَّك تعلمُ أنِّي رسول الله، اكتب يا علي: هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله، فوالله لرسول الله خيرٌ من علي، وما أخرجه من النبوة حين محا نفسَه، قال عبد الله بن عباس: فرجع من القوم ألفان وقُتل سائرُهم على ضلالة". ٧ ـ قوله في (ص: ١٧٩) : "ثم هؤلاء القائلون بفهم السلف هم أوَّل من يُخالف السلف إذا فهموا شيئاً خلاف ما هم عليه!! ومعظم ما كتبوه في العقائد كان خلاف فهم السلف الصالح من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان!! ".

стр. 175

أقول: أهل السنَّة الذين يحقد عليهم المالكي ويُطلق لسانَه في ثلبهم والنَّيل منهم هم المتَّبعون لسلف هذه الأمَّة من الصحابة ومَن تبعهم بإحسان؛ لأنَّهم يُعوِّلون على النصوص الشرعيَّة بفهم السَّلف الصالح، بخلاف غيرهم من المتكلِّمين الذين نصيبُهم من المالكي السلامة، فإنَّهم يُعوِّلون على العقول لا على النقول، وما دوَّنه أهلُ السنَّة في كتب العقائد مِمَّا عوَّلوا فيه على النصوص لا يُعجبُ المالكي؛ لأنَّه لا يريد ذكر أيِّ مسألة في العقيدة فيها مخالفة أهل السنَّة لأيِّ فرقة من فرق الضلال، بل يريد عقيدة تقتصر على الأخذ بأصول الإسلام الجامعة والابتعاد عن الجزئيات المفرِّقة، مع إعذار مَن اجتهد فأخطأ من سائر الطوائف الإسلامية، كما هو نصُّ كلامه من قراءته (ص: ٢٨ ـ حاشية) . ٨ ـ قوله: "فنحن لا مع القرآن ولا مع السنَّة ولا مع فهم السلف الصالح!! وكلُّ ما عندنا من الأمور دعاوى نقنع بها العوام لا دليل عليها من كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل ولا السلف الصالح وهم عندي المهاجرون والأنصار ومن كان على نهجهم فقط". أقول: نعم! أنت ومعك الأربعة الذين ذكرتهم في آخر كتابك لستُم مع الكتاب والسنَّة، ولا مع فهم السَّلف الصالح، بل أنتم مع أهل البدع والأهواء، وكيف يكون مع الكتاب والسنَّة وفهم السلف الصالح مَن يقدح بالسَّلف الصالح؟! وهم أصحاب رسول الله ﷺ ، فيزعم أنَّهم يُذادون عن حوض رسول الله ﷺ ويُؤخذون إلى النار، ولا ينجو منهم إلاَّ القليل مثل هَمَل النَّعم، كما جاء ذلك في كتاب المالكي السيِّء عن الصحابة، والقدحُ في الصحابة قدحٌ في الكتاب والسنَّة؛ لأنَّ القدحَ في الناقل قدحٌ في المنقول، وقد قال أبو زرعة الرازي ﵀ كما في الكفاية للخطيب البغدادي

стр. 176

(ص: ٤٩) : "إذا رأيت الرجلَ ينتقصُ أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنَّه زنديقٌ؛ وذلك أنَّ رسول الله ﷺ عندنا حقٌّ والقرآن حقٌّ، وإنَّما أدَّى إلينا هذا القرآنَ والسننَ أصحابُ رسول الله ﷺ ، وإنَّما يريدون أن يجرحوا شهودَنا ليُبطلوا الكتاب والسنة، والجرحُ بهم أولى، وهم زنادقةٌ". وأمَّا أهل السنَّة الذين يتحدَّث عنهم المالكي وكأنَّه واحد منهم، فهم بريئون منه براءة الشمس من اللمس. ٩ ـ قوله: "وهم ـ يعني السلف الصالح ـ عندي المهاجرون والأنصار، ومن كان على نهجهم فقط". أقول: هذا من المالكي قصرٌ للصحابة على المهاجرين والأنصار ومَن كان على نهجهم فقط، ومن المعلوم أنَّ الهجرةَ انتهت بفتح مكة، فمَن أسلَم بعد الفتح وصحب الرسول ﷺ فليس من الصحابة عند المالكي، بل إنَّه أخرج من الصحبة الشرعيَّة كلَّ مَن أسلَم وصحب الرسول ﷺ بعد الحُديبية، وهذا هو الذي قرَّره في كتابه السيِّء في الصحابة، ورددتُ عليه فيه بكتابي "الانتصار للصحابة الأخيار في ردِّ أباطيل حسن المالكي"، وذكرتُ فيه أنَّ ما زعمه من قصْر الصُّحبة الشرعية على المهاجرين والأنصار قبل الحُديبية هو من محدثات القرن الخامس عشر، وتأمَّل قوله هنا: "عندي"؛ فإنَّ ذلك يزيد في بيان اختصاصه بهذه البدعة، وأنَّه لَم يُسبق إليها طيلة القرون الماضية، ومن أجل أن يَسْلَم له مثل هذا الفهم الخاطئ الذي انفرد به، زعم أنَّ الأخذ بالكتاب والسنَّة بفهم السلف الصالح، زعم أنَّ ذلك بدعةٌ، نعوذ بالله من الخذلان. ١٠ ـ ما ذكره (ص: ١٨٠) عن أحمد بن حنبل وأبي حنيفة والشافعي ومالك والبربهاري من وجوب أن يخضعوا لمعيار القرآن وما صحَّ من السنَّة،

стр. 177

وأنَّهم تحت القرآن والسنَّة لا فوقها، وأنَّ هذا طريقُ وفهم السلف من الصحابة الكبار؛ إذ لم يكن عندهم أحدٌ فوق القرآن وما صحَّ من السنَّة. أقول: هو كلام حقٍّ أُريد به باطل، وهو التشنيع والتهويل على أهل السنَّة بأنَّهم يجعلون الرِّجال فوق الكتاب والسنَّة، وهذا من أقبح الكذب وأشدِّ الإفك، فمَن من أهل السنَّة فهم هذا الفهم الخاطئ وقال هذه المقالةَ القبيحة، بل إنَّ أهل السنَّة هم المتمسِّكون بالكتاب والسنَّة، المقدِّمون لهما على قول كلِّ أحد، قال الإمام الشافعي ﵀ كما في كتاب الروح لابن القيم (ص: ٣٩٦) : "أجمع الناسُ على أنَّ مَن استبانت له سنَّةُ رسول الله ﵌ لم يكن له أن يَدَعها لقول أحد". وأمَّا غير أهل السنَّة من أهل البدع أسلاف المالكي فهم الذين يُعوِّلون على العقول ويتَّهمون النقول، فإن كان النقلُ آحاداً فهو عندهم ظنيُّ الثبوت فلا يُعوَّل عليه في أصول الدِّين، وإن كان قرآناً أو سنَّةً متواترةً ـ وهو لا يتفق مع أهوائهم الفاسدة ـ قالوا: قطعي الثبوت ظنيُّ الدلالة، فلا يُعوَّلُ عليه!! ١١ ـ وقال في (ص: ١٧٩ ـ ١٨٠) : "راجع المسائل السابقة التي في هذا الكتاب ثم فتِّش في سير الصحابة والتابعين وانظر مَن منهم فضَّل الآثار وأقوال الرجال على القرآن الكريم؟! ومن منهم جعل المسلمَ شرًّا من اليهودي والنصراني؟! ومن منهم كفَّر المسلمين؟! ومن منهم تسمَّى بغير الإسلام؟! ومن منهم زهَّد في كبائر الذنوب؟! ومن منهم غلا في علمائهم وكبارهم؟! ومن منهم أفتى باغتيال المخالفين له في الرأي؟!

стр. 178

ومن منهم شبَّه الله بخلقه؟! ومن منهم ركَّز على الجزئيات وترك الأصول؟! ومن ومن ... إلخ". والجواب: أنَّ هذا من المالكي اتِّهام لأهل السنَّة بهذه العظائم، وسبق له أن اتَّهمهم بأكثر من ذلك، ومرَّت الإجابة على بعض هذه الأمور التي ذكرها هنا، وبعضها لم تسبق الإجابة عليه، وفيما يلي الإجابة باختصار عنها: ـ أمَّا زعم المالكي أنَّ الحنابلةَ وغيرَهم من أهل السنَّة يُفضِّلون الآثار وأقوال الرِّجال على القرآن الكريم، فهو قولٌ في غاية البطلان؛ لأنَّ أهل السنَّة وحدَهم هم الذين كانوا على ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، وهم الذين يُعظِّمون النصوصَ الشرعية ويُعوِّلون عليها، ويذكرون الآثار التي توافقها أو تبيِّنها، ولا يقولون بتقديم الآراء على النصوص؛ لأنَّ تقديمَ الآراء على النصوص شأنُ أهل البدع، الذين تعويلُهم على علم الكلام وأقوال الرِّجال، وليس على النصوص الشرعيّة. ـ وأمَّا زعمه أنَّ أهل السنَّة يجعلون المسلمَ شرًّا من اليهودي والنصراني، فقد مرَّت الإجابة عن ذلك قريباً. ـ وأمَّا زعمه أنَّ أهل السنَّة يُكفِّرون المسلمين، فهو زعمٌ في غاية البطلان؛ لأنَّ أهل السنَّة لا يُكفِّرون إلاَّ مَن كفَّره الله ورسوله ﷺ ، بل إنَّ أهل السنَّة يعتبرون الفرقَ الثنتين والسبعين التي جاء في حديث رسول الله ﷺ أنَّها في النار، يعتبرونهم مسلمين من أمَّة الإجابة، فكيف يزعم هذا الحاقدُ على أهل السنَّة أنَّهم يُكفِّرون المسلمين، وهذه عقيدتُهم في فرق الضلال المختلفة؟! ـ وأمَّا زعمه أنَّ أهل السنَّة تسمَّوا بغير الإسلام، حيث قالوا: إنَّهم أهل سنَّة، وإنَّهم على منهج السلف، وهذا من إفكه وتلبيسه، فهم متسمُّون

стр. 179

بالإسلام كما تسمَّى به غيرهم من المبتدعة، ولكنَّهم يتميَّزون عنهم بانتسابهم إلى السنَّة واتِّباع سلف الأمَّة، والإسلامُ يشمل أهل السنَّة وغيرهم من فرق الضلال التي لم تصل بدعُهم إلى الكفر، لكنَّهم يمتازون عنهم بنسبتهم إلى السنَّة واتِّباع سلف الأمَّة من الصحابة ومَن تبعهم بإحسان، فيُقال: مسلم سنِيٌّ، ومسلم بدعيٌّ. ـ وأمَّا زعمه أنَّ أهل السنَّة يُزهِّدون في كبائر الذنوب، فهذا كذبٌ عليهم؛ لأنَّهم يُحذِّرون منها، ويعتبرون مَن وقع فيها مؤمناً ناقصَ الإيمان، فلا يصفونه بالإيمان المطلق كما هو شأن المرجئة، الذين يقولون: لا يضرُّ مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة؛ وذلك لتغليبهم جانبَ الوعد، ولا يَسلبون عنه مطلقَ الإيمان كما هو شأن الخوارج والمعتزلة؛ وذلك لتغليبهم جانبَ الوعيد، فأهل السنَّة يعملون بنصوص الوعد والوعيد معاً، ولا يهملون شيئاً منها، ويقولون عن مرتكب الكبيرة: مؤمن بإيمانه، فاسقٌ بكبيرته، وأمَّا في الآخرة فأمرُه إلى الله، إن شاء عذَّبه وإن شاء عفى عنه، وإن حصل له العذاب فإنَّه يخرج من النار، ولا يخلد في النار إلاَّ الكفَّار الذين لا سبيل لهم إلى الخروج منها. ـ وأمَّا زعمه أنَّ أهل السنَّة يغلون في علمائهم وكبارهم، فهذا من تهويله وحقده على أهل السنَّة، والغلوُّ في العلماء والكبار هو ديدنُ أهل البدع، وخاصَّة الرافضة منهم، وأمَّا أهل السنَّة فإن وُجد من فرد أو أفراد مبالغة في أحد من علمائهم فلا يُسوِّغ ذلك نسبة الغلوِّ إلى أهل السنَّة عموماً. ـ وأمَّا زعمه أنَّ أهل السنَّة يُفتون باغتيال المخالفين لهم في الرأي، فهذا من الكذب على أهل السنَّة؛ فإنَّ علماءهم لا يُفتون بقتل إلاَّ مَن كان مستحقًّا للقتل، ولعلَّ مرادَه في ذلك ما يتباكى عليه من قتل أئمَّة الضلال،

стр. 180

كالجعد بن درهم والجهم بن صفوان وغيلان الدمشقي وغيرهم، وقد زعم أنَّ قتلَهم كان سياسيًّا، ولم يكن من أجل بدعهم. ـ وأمَّا زعمه أنَّ أهل السنَّة يُشبِّهون اللهَ بخلقه، فهذا من أقبح ما افتراه على أهل السنَّة، فأهل السنَّة أثبتوا لله الصفات ولم يُشبِّهوه بالمخلوقات، فجمعوا بين الإثبات والتنزيه، كما جمع الله بينهما في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، بخلاف المشبِّهة الذين أثبتوا وشبَّهوا، وبخلاف النفاة، فإنَّهم أرادوا التنزيه لكنَّهم عطَّلوا ولم يُنزِّهوا. ـ وأمَّا زعمه أنَّ أهل السنَّة ركَّزوا على الجزئيات وتركوا الأصول، فهذا كذبٌ عليهم؛ فهم يُركِّزون على الكليَّات والجزئيات، ومستندهم في ذلك ما جاءت به نصوص الكتاب والسنَّة، وذلك بخلاف أهل البدع الذين يُعوِّلون على العقول وعلم الكلام في الكليَّات والجزئيات. ١٢ ـ قوله (ص: ١٨٠) : "فالبربهاري وابن بطة عندنا من السلف بينما الصحابة ليسوا من السلف، ولو كانوا عندنا من السلف الصالح لما خالفناهم في فهم الإسلام وفي الأمور التي سبق شرحها". أقول: السلفُ الصالح عند أهل السنَّة والجماعة هم الصحابة ﵃ ومَن سلك سبيلَهم، ومنهجُهم في العقيدة اتِّباعُ الكتاب والسنَّة بفهم السلف الصالح، والتقييد بفهمهم يُسمِّيه المالكي بدعة، وأهل السنَّة هم الذين يأخذون بنصوص الوحي وفقاً لفهم السلف من الصحابة ومَن تبعهم بإحسان، ولا يُخالفون الصحابة، بل الذين يخالفونهم هم أهل البدع الذين يُعوِّلون على علم الكلام، ولا يُعوِّلون على النصوص. وقد ذكرتُ بين يدي شرحي مقدِّمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني عشر فوائد في العقيدة، الفائدة الأولى: منهج أهل السنَّة والجماعة في العقيدة: اتِّباع
следующие страницы →