Полный текст (236 стр.). Показаны 211–236 · переход к 216.
стр. 211
المسلمين من الافتتان بالقبور والاستغاثة بأهلها، وسؤالهم قضاء الحاجات وكشف الكربات، وأنَّ هذا من الشرك بالله، وهذا ما لا يريده المالكي الذي شنَّع على الإمام ابن تيمية في عنايته واهتمامه بتوحيد الألوهية، وقد مرَّ الردُّ عليه في ذلك قريباً.
وبراعة الصنعاني ﵀ في استهلال كتابه واضحة جليَّة في الدلالة على المقصود؛ حيث قال في مطلع كتابه: "الحمد لله الذي لا يقبل توحيد ربوبيَّته من العباد حتى يُفردوه بتوحيد العبادة كلَّّ الإفراد، ومن اتِّخاذ الأنداد، فلا يتَّخذون له ندًّا، ولا يدعون معه أحداً، ولا يتَّكلون إلاَّ عليه، ولا يفزعون في كلِّ حال إلاَّ إليه، ولا يدعونه بغير أسمائه الحسنى، ولا يتوصَّلون إليه بالشفعاء ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ".
وأنا أنقل من هذا الكتاب جُملاً تُبيِّن أنَّ الصنعانيَّ في واد والمالكي في واد آخر، فمن ذلك قوله (ص: ١٧ ـ ١٨) : "فهذا تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد، وجب عليَّ تأليفُه، وتعيَّن عليَّ ترصيفُه، لِمَا رأيته وعلمته من اتِّخاذ العباد الأنداد، في الأمصار والقرى وجميع البلاد، من اليمن إلى الشام ومصر ونجد وتهامة وجميع ديار الإسلام، وهو الاعتقاد في القبور، وفي الأحياء مِمَّن يدَّعي العلم بالمغيَّبات والمكشفات وهو من أهل الفجور، لا يحضر للمسلمين مسجداً، ولا يُرى لله راكعاً ولا ساجداً، ولا يعرف السنَّة ولا الكتاب، ولا يهاب البعثَ ولا الحساب، فواجبٌ عليَّ أن أُنكرَ ما أوجب اللهُ إنكارَه، ولا أكون من الذين يكتمون ما أوجب اللهُ إظهارَه".
وقوله (ص: ٢٤) : "ثمَّ إنَّ رأسَ العبادة وأساسَها التوحيدُ لله، الذي تفيده كلمته التي إليها دعت جميع الرسل، وهي قول لا إله إلاَّ الله، والمراد اعتقاد معناها والعمل بمقتضاها، لا مجرَّد قولها باللسان، ومعناها إفراد الله
стр. 212
بالعبادة والإلهية، والنفي والبراءة من كلِّ معبود دونه، وقد علم الكفار هذا المعنى؛ لأنَّهم أهلُ اللسان العربي، فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ".
وقوله (ص: ٢٥) : "وإذا تقرَّرت هذه الأمور، فاعلم أنَّ الله تعالى بعث الأنبياءَ عليهم الصلاة والسلام من أوَّلهم إلى آخرهم يدعون العبادَ إلى إفراد الله تعالى بالعبادة، لا إلى إثبات أنَّه خلقهم ونحوه؛ إذ هم مُقرُّون بذلك كما قررناه وكرَّرناه، ولذا قالوا: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ ، أي: لنفردَه بالعبادة ونخصَّه بها من دون آلهتنا؟ فلم يُنكروا إلاَّ طلب الرُّسل منهم إفراد العبادة لله، ولم يُنكروا الله تعالى، ولا قالوا: إنَّه لا يُعبد، بل أقرُّوا بأنَّه يُعبد، وأنكروا كونه يُفرَدُ بالعبادة، فعبدوا مع الله غيرَه، وأشركوا معه سواه، واتَّخذوا معه أنداداً، كما قال تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ، أي: وأنتم تعلمون أنَّه لا ندَّ له، وكانوا يقولون في تلبيتهم للحجِّ: (لبَّيك لا شريك لك إلاَّ شريكاً هو لك، تملكه وما ملك") .
وقوله (ص: ٣٩ ـ ٤٠) : "فهؤلاء القبوريُّون والمعتقدون في جُهَّال الأحياء وضلالهم سلكوا مسالك المشركين حذو القُذَّة بالقُذَّة، فاعتقدوا فيهم ما لا يجوز أن يعتقد إلاَّ في الله، وجعلوا لهم جزءاً من المال، وقصدوا قبورَهم من ديارهم البعيدة للزيارة، وطافوا حول قبورهم، وقاموا خاضعين عند قبورهم، وهتفوا بهم عند الشدائد، وتحروا تقرُّباً إليهم، وهذه هي أنواع العبادات التي عرفناك، ولا أدري هل فيهم مَن يسجد لهم؟ لا أستبعد أنَّ فيهم من يفعل ذلك، بل أخبرني مَن أثق به أنَّه رأى مَن يسجد لهم على عتبة باب مشهد الوليِّ الذي يقصده، تعظيماً له وعبادة، ويُقسمون بأسمائهم، بل إذا حلف مَن عليه حقٌّ باسم الله تعالى لم يقبلوا منه، فإذا حلف باسم وليٍّ
стр. 213
من أوليائهم قبلوه وصدَّقوه، وهكذا كان عبَّادُ الأصنام إذا ذكِر الله وحده اشمأزَّت قلوبُ الذين لا يؤمنون بالآخرة، وإذا ذكِر الذين من دونه إذا هم يستبشرون ...
فإن قلتَ: لا سواء؛ لأنَّ هؤلاء قد قالوا: لا إله إلاَّ الله، وقد قال النَّبيُّ ﷺ : "أُمرتُ أن أقاتل الناسَ حتى يقولوا: لا إله إلاَّ الله، فإذا قالوها عصموا منِّي دماءَهم وأموالَهم إلاَّ بحقِّها"، وقال لأسامة بن زيد: "قتلتَه بعد ما قال: لا إله إلاَّ الله؟! " وهؤلاء يُصلُّون ويصومون ويُزكُّون ويَحجُّون، بخلاف المشركين.
قلتُ: قد قال ﷺ : (إلاَّ بحقِّها) ، وحقُّها إفراد الإلهية والعبودية لله تعالى، والقبوريُّون لًم يُفردوا الإلهية والعبادة، فلَم تنفعهم كلمة الشهادة؛ فإنَّها لا تنفع إلاَّ مع التزام معناها، كما لم ينفع اليهود قولها لإنكارهم بعض الأنبياء، وكذلك من جعل غير مَن أرسله الله نبيًّا لم تنفعه كلمة الشهادة، ألا ترى أنَّ بني حنيفة كانوا يشهدون أن لا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمداً رسول الله ويُصلُّون، ولكنَّهم قالوا: إنَّ مسيلمةَ نبيٌّ، فقاتلهم الصحابة وسَبَوْهم، فكيف بمَن يجعل للوليِّ خاصَّة الإلهية ويُناديه للمهمَّات؟! وهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ حرَّق أصحابَ عبد الله بن سبأ، وكانوا يقولون: نشهد أن لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمداً رسول الله، ولكن غلوا في عليٍّ ﵁، واعتقدوا فيه ما يعتقد القبوريُّون وأشباههم، فعاقبهم عقوبةً لم يُعاقب بها أحداً من العُصاة؛ فإنَّه حفر لهم الحفائر، وأجَّج لهم ناراً وألقاهم فيها، وقال:
إنِّي إذا رأيتُ الأمرَ أمراً منكراً ... أججتُ ناري ودعوتُ قُنبرا
وقوله (ص: ٤٥ ـ ٤٦) : "فإن قلتَ: هذا أمرٌ عمَّ البلاد، واجتمعت عليه سكان الأغوار والأنجاد، وطبق الأرض شرقاً وغرباً ويَمَناً وجنوباً وعَدَناً؛
стр. 214
بحيث لا تجد بلدة من بلاد الإسلام إلاَّ وفيها قبور ومشاهد، وأحياء يعتقدون فيها ويُعظِّمونها، ويَنذرون لها ويهتفون بأسمائها ويحلفون بها، ويطوفون بفناء القبور، ويُسرجونها، ويلقون عليها الأوراد والرياحين، ويُلبسونها الثياب، ويصنعون كلَّ أمر يقدرون عليه من العبادة لها، وما في معناها من التعظيم والخضوع والخشوع والتذلُّل والافتقار إليها، بل هذه مساجد المسلمين غالبها لا يخلو عن قبر أو قريب منه، أو مشهد يقصده المصلُّون في أوقات الصلاة، يصنعون فيه ما ذُكر أو بعض ما ذُكر، ولا يسع عقل عاقل أنَّ هذا منكر يبلغ إلى ما ذكرت من الشناعة، ويسكت عليه علماء الإسلام الذين ثبتت لهم الوطأة في جميع جهات الدنيا.
قلت: إن أردتَ الإنصافَ، وتركتَ متابعةَ الأسلاف، وعرفتَ أنَّ الحقَ ما قام عليه الدليل، لا ما اتَّفق عليه العوالم جيلاً بعد جيل، وقبيلاً بعد قبيل، فاعلم أنَّ هذه الأمور التي نُدندن حول إنكارها، ونسعى في هدم منارها صادرة عن العامة الذين إسلامُهم تقليد الآباء بلا دليل، ومتابعتهم لهم من غير فرق بين دنيٍّ ومثيل، ينشأ الواحدُ فيهم فيجدُ أهلَ قريته وأصحابَ بلدته يُلقِّنونه في الطفولية أن يهتف باسم مَن يعتقدون فيه، ويراهم ينذرون عليه ويُعظِّمونه، ويرحلون به إلى محلِّ قبره، ويلطخونه بترابه، ويجعلونه طائفاً بقبره، فينشأ وقد قرَّ في قلبه ما يعظِّمونه، وقد صار أعظم الأشياء عنده مَن يعتقدونه، فنشأ على هذا الصغير، وشاخ عليه الكبير، ولا يسمعون من أحد عليهم من نكير، بل ترى مَن يتَّسم بالعلم، ويدَّعي الفضلَ وينتصب للقضاء والفتيا والتدريس، أو الولاية أو المعرفة، أو الإمارة والحكومة، معظِّماً لِمَا يُعظِّمونه، مُكرماً لِمَا يُكرمونه، قابضاً للنذور، آكلاً ما يُنحَرُ على القبور، فيظنُّ العامَّةُ أنَّ هذا دينُ الإسلام، وأنَّه رأسُ الدين والسَّنام، ولا يخفى على
стр. 215
أحد يتأهَّل للنظر، ويعرف بارقة من علم الكتاب والسنَّة والأثر، أنَّ سكوتَ العالِم أو العالَم على وقوع منكر ليس دليلاً على جواز ذلك المنكر".
ثمَّ ضرب لذلك أمثلةً، بيَّن فيها أنَّ الإنكارَ على ثلاث درجات، وأنَّ الإنكارَ بالقلب أقلُّها، وأقلُّ أحوال العالِم إذا لَم يُمكنه الإنكار بيده ولسانه أن يُنكرَ بقلبه.
وهذه النقول عن الإمام الصنعاني هي بمنزلة الصواعق على هذا المالكي الذي أراد أن يستشهدَ بشيء من كلامه على تأييد باطله، فلَم تقرَّ عينه بذلك.
وهذا الذي قرَّره الإمام الصنعاني في كتابه"تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد" هو الذي شنَّع به هذا الحاقد الضال على الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتابه السيِّء الذي كتبه عنه، مع أنَّ الشيخ محمداً ﵀ نصَّ على إقامة الحجَّة على المفتونين بعبادة أصحاب القبور، وقد ردَّ عليه الشيخ ربيع بن هادي المدخلي في كتابه"دحر افتراءات أهل الزيغ والارتياب عن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ـ أباطيل حسن المالكي".
وأمَّا القاسمي، فإنَّه وإن وُجد له كلامٌ فيه تساهل مع بعض أهل البدع، فإنَّه لا صلة البتَّة للمالكي به؛ لأنَّ المالكيَّ موغلٌ في البدع، ويحتفي بالمبتدعة على مختلف أصنافهم، ولا يُعادي إلاَّ أهل السنَّة والجماعة بدءاً من أصحاب رسول الله ﷺ ومَن سارَ على نهجهم حتى عصرنا، وهذا بخلاف القاسمي تماماً؛ فإنَّه قد ألَّف كتاباً نفيساً بعنوان"إصلاح المساجد من البدع والعوائد"، ذمَّ فيه البدع وحذَّر منها، قال في مقدِّمته (ص: ٧) : "أمَّا بعد، فلمَّا كان الأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، والمهمُّ الذي
стр. 216
ابتعث الله له النبيِّين، وجب على كلِّ مستطيع له أن يقتحمَ لوجه الله سُبلَه، خشيةَ أن تعمَّ البدعةُ وتفشو الضلالة، ويتَّسع الخرقُ وتشيع الجهالةُ، فتموت السنَّةُ ويندرس الهدي النبوي، ويُمحى من الوجود معالم الصِّراط السويِّ، ولَمَّا أضحت البدع الفواشي، كالسحب الغواشي، يتعذَّر على البصير حصرُها، وضبطُ أفرادها وسبرُها، رأيت أن أدلَّ بجزئيٍّ منها على كليَّاتها، وبنبذة منها على بقيَّاتها، وذلك في البدع والعوائد، الفاشية في كثير من المساجد؛ لأنِّي ابتُليتُ كآبائي بإمامة بعض الجوامع في دمشق الشام، وبالقيام بالتدريس العام، فكنتُ أرى من أهمِّ الواجبات إعلام الناس بما ألَمَّ بها من البدع والمنكرات؛ فإنَّ القيِّمَ مسئول عن إصلاح مَن في معيَّته، وفي الحديث (كلُّكم راع وكلُّكم مسئولٌ عن رعيَّته) ، فاستعنتُ بالله تعالى في الشروع، وتوكَّلتُ عليه في إتمام هذا الموضوع، ونقَّبت لأجله عن شوارد الأسفار، وضممتُ إليه ما يُروي البصائر والأبصار، وعزوتُ غالبَ فروعه لأصلها، ردًّا للأمانات إلى أهلها، تطميناً للمرتابين، وتثبيتاً للمؤمنين، فجاء فريداً في بابه، أمنية لطلابه، ولم أجد مَن سبقني إليه، فأعرج بالاحتذاء عليه، بل كان ترتيبه مخترعاً، وتقسيمه مبتدَعاً، وذلك من فضل الله عليَّ، ومننه التي لا أحصي ثناءها لديَّ، وبه المستعان، وعليه التكلان في كلِّ آن".
ثم ذكر مقدِّمات في البدع عموماً، من عناوينها:
ـ بيان الميزان الذي يُعرف به الاستقامة على الطريق والجور عنه.
ـ الترهيب من الابتداع.
ـ معنى البدعة.
ـ ردُّ البدعة في الدِّين.
ـ بغض المبتدع.
стр. 217
ـ وعيد مَن سنَّ سنَّة سيِّئة.
ـ مفاسد الإقرار على البدع.
ـ ما يجب على العالِم فيما يرد عليه مِمَّا لا يُؤمَن فيه من البدع.
ـ اجتناب العالم ما يتورَّط بسببه العامة.
ـ فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ـ بيان من هو المستطيع لإزالة البدع في المساجد.
ـ نقم المتعصِّبين على منكر البدع بغياً وجهلاً.
ـ عدوى البدع من شؤم المخالطة.
ـ السعي بإزالة البدع من المساجد.
وفي ثنايا الكتاب ذكر في (ص: ١٦٤) من بدع المساجد دفن الميت في المسجد أو بناء مسجد عليه، وذكر من البدع (ص: ٢٠٩) إسراج الضرائح، وذكر غير ذلك من البدع.
стр. 218
٣٢ ـ تكثُّره بأربعة نوابت حُدثاء الأسنان شاركوه في الضلال، وذِكره شيئاً من أباطيلهم، والردُّ عليه وعليهم
وكما أسَّس المالكي قراءته المزعومة في كتب العقائد على سوء، وبناها على سوء، فقد ختمها بخاتمة سيِّئة، وذلك بذِكر مقالات لأربعة نوابت ضُلاَّل تكثَّر بهم، ووصفهم بأنَّهم باحثون، وهو بذلك استسمن ذا وَرم، والطيورُ على أشكالها تقع، وسأوردُ بعضَ هذيان هؤلاء النوابت مع الردِّ عليهم، وذلك فيما يلي:
стр. 219
ـ فأوَّلُ هؤلاء النوابت الأربعة، مَن سمَّاه المالكي (سعود الصالح) ، وقد ذكر له مقالاً بعنوان: "مسلسل الإضافات على العقيدة فرَّق المسلمين جماعات) ، وقد سبق للمالكيِّ أنَّه عاب على أهل السُّنَّة أنَّهم وسَّعوا جانب العقيدة مع تشدُّد على المخالفين، وأشار إلى مقال هذا النابتة، وقد مرَّ في المبحث (١٠) الردُّ عليهما في بعض هذيانهما، فنكتفي بذلك.
ـ وثاني هؤلاء النَّوابت مَن سمَّاه المالكي (سعود بن عبد الرحمن النَّجدي) ، فقد ذكر له مقالاً بعنوان: "عقيدة الله أم عقيدة المذهب؟! "، وذكر أنَّه نُشر في الانترنت، وإنَّ مَن يقرأ كتاب قراءة المالكي المزعومة في كتب العقائد، ثم يقرأ هذا المقالَ يجد أنَّ المقالَ تلخيصٌ للقراءة المزعومة، مِمَّا يغلب معه على الظنِّ أنَّ مصدرَهما واحدٌ، وقد تباكى هنا على قتل رؤوس المبتدعة كغيلان الدمشقي والجعد والجهم (ص: ٢٢٧) ، كما تباكى المالكي في القراءة المزعومة، ومرَّ الردُّ عليه في ذلك.
وكما أنَّني لَم أردَّّ على كلِّ ما في الأصل من هذيان، فسأقتصرُ هنا على الردِّ على بعض هذا الهذيان، فمِن ذلك قوله في (ص: ٢٢٨) : "وللتقليد في العقائد حديثٌ عجيب؛ فإنَّه لا يخلو منه مذهب من المذاهب، بل لَم ينج منه إلاَّ أفراد قلائل، مثل ابن حزم وابن الوزير والمقبلي!! ".
وقوله (ص: ٢٢٩ ـ ٢٣٠) : " (أهل السُّنَّة والحديث) : وعندهم يظهر التقليد جليًّا، لا سيما وهم لا يرضون أن يفهم أحدٌ الكتابَ والسُّنَّة إلاَّ على ضوء فهم (السلف) ، وطرُقهم في ترسيخ التقليد كثيرة، فمن ذلك تقديس علماء مذهبهم، وأنَّه بهم تُعرف السنَّة ويُوصل إلى الحقِّ، فمَن طعن في حماد ابن سلمة أو الأوزاعي أو الأعمش أو أبي مسهر فهو مبتدع ... وفَهْمُ هؤلاء السلف مقدَّمٌ على فهمنا، ومَن خالفهم فليَتَّهم نفسَه، ومن أوضح النصوص
стр. 220
على هذا، النصُّ المنسوب إلى عمر بن عبد العزيز "وهو في ذمِّ القول بالقدر فتنبَّه! "، وفي هذا النصِّ يقول عمر: "فارضَ لنفسك ما رضي به القوم لأنفسهم، وقِف حيث وقفوا؛ فإنَّهم على علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، ولَهُم كانوا على كشف الأمور أقوى، وبفضل فيه لو كان أحرى، فإنَّهم هم السابقون، ولئن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه (أي وهذا مستحيل!) ، ولئن قلت حدَث بعدهم حدَثٌ، فما أحدثه إلاَّ من تبع غير سبيلهم ورغب بنفسه عنهم، ولقد تكلموا فما دونهم مقصر، وما فوقهم محسر، لقد قصر دونهم قوم فجفوا، وطمح عنهم آخرون فغلوا، وإنَّهم مع ذلك لعلى صراط مستقيم، فلئن قلت: فأين آية كذا؟ ولِمَ قال الله كذا وكذا؟ لقد قرؤوا منه ما قرأتم، وعلموا من تأويله ما جهلتم" انتهى.
ومن شعارات مذهب أهل السُّنَّة والحديث: (اتَّبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتم) .
هذه حال السَّلف عندهم، أمَّا مخالفو هؤلاء السلف فهم مبتدعة أهل سوء، تكتب الكتب والأبواب في ذمِّهم، وزيادة في التنفير من مذاهبهم!!! ".
وأجيب على ذلك بما يلي:
١ ـ أهل السُّنَّة والجماعة عقيدتُهم واحدة، وهي مبنيَّةٌ على علم بالكتاب والسُّنَّة، وهم متَّفقون فيها، وما زعمه هذا الزاعم من أنَّه لم ينجُ من التقليد في العقيدة إلاَّ أفراد قلائل، مثل ابن حزم وابن الوزير والمقبلي، فيه اتِّهامٌ لعلماء أهل السُّنَّة بأنَّ اعتقادَهم ليس عن علم، بل عن تقليد، وقد مرَّ قريباً النقل عن ابن الوزير والمقبلي ما يوافق عقيدة أهل السُّنَّة، وأمَّا ابن حزم فهو ظاهريٌّ في الفروع مؤوِّلٌ في الأصول.
стр. 221
٢ ـ أهل السُّنَّة والجماعة بعد الصحابة على عقيدة الصحابة، وهي منهم مبنيَّةٌ على علم، وليس مجرَّد تقليد؛ لأنَّ الصحابةَ ﵃ هم الذين شهدوا التنزيل وأعلم بالتأويل، وقد وصف النَّبيُّ ﷺ الفرقةَ الناجية بأنَّهم الجماعة، وأنَّهم مَن كان على ما عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، والطعنُ في حَمَلة الآثار الثقات طعنٌ في الآثار التي يروونها؛ لأنَّ القدحَ في الناقل قدحٌ في المنقول، وقد سبق الإيضاحُ والبيانُ لكون منهج أهل السُّنَّة والجماعة في العقيدة اتِّباع الكتاب والسنَّة بفهم السلف، وأنَّ المالكيَّ زعم أنَّ ذلك بدعةٌ، وأنَّ السُّنَّة عند المالكي بدعةٌ والبدعةَ سنَّةٌ.
وأمَّا أثر عمر بن عبد العزيز المشار إليه فهو ثابتٌ عنه، أخرجه أبو داود (٤٦١٢) .
وأمَّا قوله: "ومن شعارات مذهب أهل السُّنَّة والحديث: (اتَّبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتم) ، هذه حال السَّلف عندهم، أمَّا مخالفو هؤلاء السلف فهم مبتدعة أهل سوء!! ".
فنعم! هذا من شعار مذهب أهل السُّنَّة، وهذه هي حالُهم، وما أحسن هذا الشعار وهذه الحال المبنيَّة على اتِّباع الكتاب والسنَّة ونبذ البدع، كما قال الله : ﴿أَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ، وقال: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ، وقال ﷺ : "فعليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء المهديِّين الراشدين من بعدي، تَمسَّكوا بها وعضُّوا عليها بالنواجذ، وإيَّاكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كلَّ محدثة بدعة وكلَّ بدعة ضلالة"، وقال ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ"، وفي لفظ آخر: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ"، وهذا الذي قال إنَّه شعارُ مذهب أهل السُّنَّة، وهو
стр. 222
"اتَّبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتُم" هو قول عبد الله بن مسعود ﵁ صاحب رسول الله ﷺ ، أخرجه الدارمي في سننه (٢١١) .
ـ وأمَّا الثالث من هؤلاء النوابت، وهو منصور بن إبراهيم النقيدان، فذكر له مقالاً بعنوان: "ظاهرة التكفير والاتِّهام بالزندقة في الفكر الإسلامي"، وأنا أشير إلى بعض ما في هذا المقال مع التعقيب على ذلك، فمن ذلك قوله في (ص: ٢٣٤ ـ ٢٣٥) : "لقد كان اتهام الناس بالزندقة كاتِّهام الآخرين اليوم بالعلمانية والتبشير بالحداثة والدعوة إلى تحرير المرأة، فسهل اضطهاد أيِّ مفكِّر وعالم بمجرَّد أن يوجَّه إليه الاتِّهام بالزندقة والإلحاد، وزاد الأمر بلاء ما ذهب إليه بعض الفقهاء من قتل الداعي إلى البدعة، فأصبح كلَّما نبغ عالم وبرز مفكِّر يخالف المذاهب المتَّبعة والسياسات المستقرة كان مآله التضليل والتكفير، ثم التضييق والسجن أو القتل!! ".
وأقول: إنَّ من ثبتت عليه الزندقة أو غيرها من الأمور التي ذُكرَت معها وُصف بما ثبت عليه وحُذِرَ وحُذِّرَ منه، ومَن لم يثبت عليه شيءٌ فالأصل السلامة حتى يثبت ما يخالفها، ومَن خالف ما عليه أهل السُّنَّة والجماعة وهو اتِّباع الكتاب والسنَّة، وانحرف عن ذلك وُصف بما يليق به بحسب تلك المخالفة.
ومن ذلك زعمه في (ص: ٢٣٥) أنَّ قتلَ الحلاَّج كان سياسيًّا، ولكنَّه أُظهر أنَّه للزندقة، وهذا نظير ما تقدَّم عن المالكي من زعمه أنَّ قتل الجعد والجهم وغيلان الدمشقي كان سياسيًّا وليس لبدعهم.
ومن ذلك قوله في (ص: ٢٣٥ ـ ٢٣٦) : "ورَاقَ لبعضهم أن يتألَّى على الله ويحجر رحمتَه؛ فقال بعدم قبول توبة الزنديق، وبأنَّ المبتدعَ لا يتوب، ولو
стр. 223
أراد التوبةَ لَم يُوفَّق إليها، فإذاً لا مناص من القتل صيانة للدِّين وذبًّا عن حُرماته!! ".
أقول: أمَّا الزنديق، فقد قال في القاموس المحيط: "الزِّنديق بالكسر، من الثنوية، أو القائل بالنور والظلمة، أو مَن لا يؤمن بالآخرة وبالربوبيَّة، أو من يُبطن الكفرَ ويُظهر الإيمان".
وفي قبول توبة الزنديق بعد القدرة عليه خلاف، فمنهم مَن قال بقبولِها وترك قتله، ومنهم مَن قال: يُقتَل ولا تُقبَل توبتُه، وليس ذلك من قبيل التألِّي على الله كما زعم هذا الزاعم؛ لأنَّه إن كان صادقاً في توبته فيما بينه وبين الله نفعه ذلك، وإن قُتل لدفع ضرره وإفساده، وقد أوضح ابن القيم ﵀ في كتابه إعلام الموقعين (٣/١٤١ ـ ١٤٥) قوَّة القول بعدم قبول توبته مع الاستدلال لذلك.
وأمَّا القول بأنَّ المبتدعَ لا يتوب، ولو أراد التوبة لم يُوفَّق إليها؛ فلأنَّ المبتدعَ يعتقد أنَّه على حقٍّ مع أنَّه على باطل، فلا يتوب، وهذا بخلاف صاحب المعصية، فإنَّه يعلم خطأَه ومعصيتَه، فيتوب من ذلك، وقد سبق الردُّ على المالكي في ذلك في المبحث (٢٥) .
وأمَّا ما ذكره في (ص: ٢٣٦) من ذمِّ أهل السُّنَّة لمناظرة أهل البدع، فقد سبق ذلك في الردِّ على المالكي في المبحث (٢٣) .
ومن ذلك قوله في (ص: ٢٣٧) : "وقال بعض كبار أهل الحديث بأنَّ الله خلق آدم على صورة الرحمن، لحديث يروى في ذلك، فاعتبر هذا أحد القولين عند أهل السُّنَّة، وبالغ عبد الوهاب الوراق، فقال: من لم يقل (إنَّ الله خلق آدم على صورة الرحمن) فهو جهميٌّ، مع أنَّ هذا الحديث مناقض لقوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ، أغلوطة تنبو عن الأفهام!!! ".
стр. 224
أقول: سبق ذكر هذا الحديث في الردِّ على المالكي، وذلك في مبحث "قدحه في أحاديث صحيحة بعضها في الصحيحين"، وأنَّ الحافظ ابن حجر في الفتح نقل تصحيحه عن الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه، وليس في ثبوته مخالفة للآية، وليس أغلوطة تنبو عن الأفهام كما زعم، وقد تقدَّم إيضاحُ ذلك.
ـ وآخر النوابت الأربعة عبد الرحمن بن محمد الحكمي، وهو أسوؤهم حالاً وأسلطُهم لساناً وأكثرُهم هذياناً، وقد نبت مع المالكيِّ في تربة واحدة، ورضَعَا ألبان أهل البدع، فانحرفَا عن الصراط المستقيم، واتَّبعَا غيرَ سبيل المؤمنين، وهذا الحكمي هو الذي سبق المالكيَّ إلى بدعة قصر الصُّحبة الشرعيَّة للرسول ﷺ على المهاجرين والأنصار قبل الحُديبية فقط، مع الزعم الباطل بأنَّ صُحبةَ غيرِهم كصحبةِ المنافقين والكفار، كما ذكر ذلك المالكي في كتابه السيِّء عن الصحابة، وأوضحتُ الردَّ عليه في ذلك في آخر كتابي "لانتصار للصحابة الأخيار في ردِّ أباطيل حسن المالكي"، وقد أوردَ له هنا مقالاً طويلاً مليئاً بالتَّهكُّم والسخرية بأهل السنَّة والجماعة المتَّبعين لنصوص الكتاب والسنَّة، السائرين على نهج الصحابة ﵃، وعنوانه: "أصحاب العقائد وسياقات النصوص"، قال في أوَّله (ص: ٢٤١) : "مشكلة كتب العقيدة أنَّها جردت شواهدها من سياقاتها، تلكم السياقات التي وردت في الآيات الكريمة ضمن نسق خاص ونظم متناسق، فجاءت كتب العقيدة وانتزعتها من بين تلك السياقات وجردتها منها، ثم ألقت منها عقيدة (الوجه، اليد، النزول ... ) ، لذا أصبحت عندنا عقيدة مجموعة من عدَّة ألفاظ، ولا شكَّ أنَّ هذا الاقتطاع لها من سياقاتها التي جاءت ضمن موضوع مترابط أو معان متراكبة، لا شكَّ أنَّ هذا جعلها تشكل جسداً واحداً، حتى
стр. 225
أخرجها من الفاعلية التي تخاطب العواطف والمشاعر إلى نظام مركب لا يخاطب إلاَّ العقول المحضة التي تذهب في تفسيرها كلَّ مذهب.
وأكثر ما نجد هذا عند أصحاب العقيدة السلفية، فإنَّهم يقتطعون الشواهد من السياقات، ويُبطلون مفعول السياق، ولا يحترمون ذلك الأسلوب وذلك الموضوع التي وردت ضمنه، ويجعلونها مشبعة لاتِّجاهاتهم في تفسيرها!! ".
ثمَّ ضرب لذلك أمثلة تخبَّط فيها حسب فهمه الخاطئ ورأيه الباطل المبنيِّ على متابعة أهل الكلام.
وكما أنَّني لم أرُد على المالكي في كلِّ هذيانه، فكذلك سأقتصرُ على الردِّ على هذا النابتة في بعض هذيانه.
ومن ذلك قوله (ص: ٢٤٨) : "ومن المشاكل التي واجهت قرَّاء كتب العقيدة السلفية أنَّ الاقتطاع للنصوص من سياقها أصبح سِمة عامَّة لها، وذلك أدَّى إلى إبطال مفعولها النفسي وأثرها الروحي على المتلقين، فأصبح المتلقي حين يتلقَّاها ـ وقد اجتثت من سياقها الذي ورد في الترغيب أو الترهيب ضمن معان سامية ـ لا يمكن أن تتوطد في النفس، ولا أن تؤثر في القلب إلاَّ بورود هذه الألفاظ فيها، فعمد السلفيُّون إليها واستخرجوها من ذلك الإطار الكلامي الرائع حتى أصبحت عندهم لا تؤدِّي معنى إلاَّ معنى واحداً فقط، وهو أنَّ لله يداً أو وجهاً، ويكون السياق الذي وردت فيه قد بطل من أوَّله إلى آخره!! ...
اقرأ مثلاً قوله : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ الآية، انظر إلى لفظة ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ في هذا الكلام المفعم بهذا البيان وهذا الإعجاز في
стр. 226
بسطه يديه وقدرته التامَّة في إعطائه مَن يشاء، وهذا الغضب الإلهي الذي انصبَّ في اليهود فصاروا أبخل مَن في العالم، انظر كيف تملأ الآية نفسك رغبة في كرم الله وطمعاً فيما عنده، وما يتحلَّل فيك من الأريحية والسرور في طلب ما عند الله، إلى آخر هذه المعاني، ثم خذها مجرَّدة في كتب أهل العقيدة تجدهم يقولون: وفي إثبات اليدين قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ، بل يبخلون في إكمال قوله تعالى: ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ، ألا ترى أنَّك تشعر بقشعريرة تناقض تلك المعاني التي شعرت بها وأنت تقرؤها في ضمن سياقها في القرآن الكريم؟ فكيف بك إذا رزقك الله مطالعة في القرآن الكريم فقط دون هذه الكتب؟!
وفوق هذا تأمَّل: ألا ترى أنَّ قولَ اليهود: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ لا يقصدون أنَّها مغلولة إلى عنقه، وإنَّما يقصدون البخلَ بالاتفاق؟ فهم أرادوا المجاز، وبالتالي فينبغي أن يكون الردُّ عليهم مشاكلاً لشبهتهم، فتكون اليد المغلولة واليدان اللَّتان ردَّ بهما عليهم كذلك لا حقيقة لهما.
فقوله: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ مقابل لـ ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ، والأول مجاز بالاتفاق، وكذلك ينبغي أن يكون الآخر مجازاً ...
وعلى هذا، فيكون ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ مبنيًّا أو مؤكِّداً أو بدلاً لقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ، وعلى هذا فلا يتأتَّى وجود حقيقة اليدين، وإنَّما معنى بسط يديه أي الإنفاق والكرم، وهذا يعارض قولهم وفهمهم، ولذلك اضطروا إلى اقتطاعهم من سياقها ظلماً وعدواناً، وأسروها في كتبهم مع قريناتها ليتأتَّى لهم تكفير المسلمين!!! ...
ألا ترى فيه ما يشعر به الإنسان وهو يقرؤها في سياقها، وسوء ما يشعر به وهو يقرؤها حبيسة في أقفاصهم التي يقولون أنَّها عقيدة سلفية؟!! ".
стр. 227
وقوله في (ص: ٢٤٧) : "وعندما أتوا إلى قوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ ، قيل لهم: فهذه آية من آيات الصفات فأجروها على ظاهرها كما تدَّعون وكما تقتضيه أصولكم، فكاعوا وتزعزعوا عن مواقفهم، وقالوا: إنَّ ﴿يَدَيْ﴾ هنا بمعنى (أمام) ، وقد ورد بلغة العرب، وكذلك في قوله : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ، قالوا: ﴿يَدَيْهِ﴾ هنا بمعنى أمام!! ".
وأجيب عن ذلك بما يلي:
١ ـ هذا الكلام من هذا النابتة كلُّه في تقرير أنَّه ليس لله يدان حقيقة، وأنَّ اليدَ المضافة إلى الله مجاز عن القدرة والنعمة، وهذه طريقة المتكلِّمين المخالفة لطريقة السلف، وأهل السنَّة يُثبتون صفةَ اليدين لله كما أثبتهما لنفسه، ويُثبتون كرمَه وإحسانَه وإنفاقه كيف يشاء، وآيةُ المائدة تدلُّ على هذا وهذا، ولا تنافي بين ذلك.
٢ ـ أهل السُّنَّة يستدلُّون بآية المائدة على إثبات صفة اليدين لله ، وكذلك يستدلُّون بقوله تعالى في سورة ص: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ، فهم يُعوِّلون على النصوص، وإذا كان هذا الزاعم قال عن أهل السُّنَّة إنَّهم انتزعوا ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ عمَّا قبلها وما بعدها، فأيُّ شيء يُنتزَع وأيُّ شيء يُترَك في آية سورة (ص) ؟!
لا شكَّ أنَّ مَن اتَّبع النصوصَ وجمع بينها سلِم، ومَن اتَّبع هواه وفرَّق بين النصوص تخبَّط وظلم، والآيتان واضحتان جليَّتان في إثبات صفة اليدين لله، لا سيما آية (ص) ؛ فإنَّه تعالى ذكر فيها خَلْقَه لآدمَ، وذكر ما كان به الخلق، وهو اليدان، ولهذا عُدَّ ذلك من خصائص آدم، كما جاء في حديث الشفاعة أنَّ أهل الموقف يطلبون منه الشفاعة ويقولون: "يا آدم! أنتَ أبو البشر،
стр. 228
خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، وأسكنك الجنَّة" الحديث، أخرجه البخاري (٣٣٤٠) ، ومسلم (٣٢٧) عن أبي هريرة.
٣ ـ بل إنَّ أبا الحسن الأشعري الذي ينتسب إليه الأشاعرة، فيؤوِّلون أكثرَ الصفات، قد أثبت في كتابه الإبانة (ص: ٩٧) صفة اليدين لله، واستدلَّ لذلك بآيات وأحاديث، منها آيتا المائدة و (ص) ، ثمَّ قال في (ص: ٩٨) : "وليس يجوز في لسان العرب ولا في عادة أهل الخطاب أن يقول القائل: عملت كذا بيدي، ويعني به النعمة، وإذا كان الله إنَّما خاطب العربَ بلغتها وما يجري مفهوماً في كلامها ومعقولاً في خطابها، وكان لا يجوز في لسان أهل البيان أن يقول القائل: فعلتُ بيدي، ويعني النعمة، فبطل أن يكون معنى قوله : ﴿بِيَدَيَّ﴾ ، النعمة".
٤ ـ أمَّا اعتراضه على أهل السُّنَّة بتفسيرهم قوله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ ، وقوله ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ بأنَّ ذلك بمعنى أمام، يريد من ذلك الإلزام بأنَّ كلَّ ما في هذه الآيات الأربع هو من قبيل المجاز، فهو اعتراضٌ باطل؛ لأنَّ الكلَّ حقيقةٌ لا مجاز، فإنَّ معنى"بين يدي الشيء" في اللغة معناه أمامه، وهو حقيقة وليس بمجاز، قال في القاموس المحيط: "وبين يدي الساعة: قدَّامها"، فمعنى"بين يدي الساعة"، و"قدَّامها"، و"أمامها" واحدٌ في اللغة، وإن اختلفت ألفاظها، وإطلاق اليدين صفة لموصوف، وكذا"بين يدي الشيء" بمعنى أمامه، كلُّ ذلك حقيقة لا مجاز، وهو من قبيل المشترك اللفظي، الذي يكون فيه اللفظ واحداً والمعنى متعدِّد، وهو مثل لفظ
стр. 229
"قرء" للحيض والطهر، ولفظ"عسعس" لأقبل وأدبَر، ولفظ"العين" للعين الجارية والعين الباصرة والنقد.
ومن ذلك تهكُّمُه بأهل السنَّة بتعبيرهم عن الصفات التي يُثبتونها لله بأدلَّة الكتاب والسنَّة، بأنَّها كما يليق بجلاله، فيقول في (ص: ٢٤٥ ـ حاشية) : " ... إلى آخر هذه المزاعم التي ينصبونها على مشجب (كما يليق بجلالته وعظمته) !! وما بقي إلاَّ أن ينسبوا لله كلَّ نقيصة ثم يُتبعونها بقاعدة (كما يليق بجلالته وعظمته) !! ".
ويُجاب هذا الحاقد الضال بأنَّ أهل السُّنَّة لا يُثبتون لله إلاَّ ما أثبته لنفسه، وأثبته له رسولُه ﷺ ، وهذا الإثباتُ مبنيٌّ على التنزيه الذي يُعبِّرون عنه بقولهم: "على ما يليق بجلاله"؛ وذلك أنَّ الإثباتَ يكون مع تشبيه وهو باطل، ويكون مع تنزيه وهو الحقُّ، فأهل السنَّة مثبتَةٌ منَزِّهة، ليسوا بمشبِّهة، ولا بمعطِّلة، وهذا الكلام الباطل من هذا الحاقد فيه قلبٌ للحقائق؛ إذ اعتبر هذا التعبير من أهل السُّنَّة مذمَّةً لهم، وهو في الحقيقة مَحمدَة.
ومن ذلك قوله في (ص: ٢٤٦) : "فهم إن أرادوا التأويل أوَّلوا، كما فعلوا في القرآن الكريم أنَّه صفةٌ من صفات الله ، صفة ذاتية كاليد والسمع والبصر، ثم قرؤوا قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "إنَّ القرآن يأتي في صورة شاب شاحب"، فقالوا: يُمرُّ على ظاهره، فيا لله!! كيف تتشكَّل صفة لله ذاتية في صورة شاب؟! وكيف يُقال: ألَّف الرجل كتاباً أنَّه من صفاته؟ فالله خالق وخلق المخلوق، ولا يُقال: أنَّ المخلوق من صفة الخالق، كذلك يقال: أنَّ الله تكلَّم بكلام، ولا يُقال: إنَّ مجموع تلك الكلمات التي تكلَّم بها صفة من صفاته!!! ".
стр. 230
وقوله في (ص: ٢٤٧ ـ ٢٤٨) : "وعندما أتوا إلى قوله : ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ ، و ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً﴾ و ... إلخ من الآيات، قالوا: هذا نزول لأشياء مخلوقة، أي أنَّها نزلت مع الرحمة وبالامتنان بالنعمة.
ولَمَّا أتوا إلى أنَّ القرآن غير مخلوق، ما كان حجتهم التي يحاجُّون بها خصومَهم إلاَّ أن قالوا: إنَّ الله قد قال في القرآن: إنَّه منَزَّلٌ ولم يقل أنَّه مخلوق، وكأنَّ كلمة (أنزل) أصبحت مضادَّة لكلمة (خلق) في قاموسهم، وسبق أن قلنا: أنَّه يجب بناء قاموس لغوي جديد، نجمع فيه شوارد وكلمات هؤلاء القوم لينشأ لنا معجم لغوي، ونستطيع به التخاطب معهم، أوَلَم يقولوا قبل قليل: أنَّ الإنزال يكون للمخلوق كالماء والحديد والأنعام، ثم أصبحت الآن ـ في مسألة القرآن ـ صار معناها عدم الخلق؟! وهذا يدلُّ على أنَّ التركيب المعرفي في العقيدة السلفية مهلهل!!! ".
وأجيب على ذلك بما يلي:
١ ـ هذا الكلام القبيح من هذا المبتدع الضال فيه تقرير لمذهب الجهمية في قولهم بخلق القرآن، وتهكُّم بأهل السنَّة القائلين بأنَّ القرآن منَزَّلٌ غير مخلوق، والعجب أنَّ مِن الناس في هذا الزمان مَن يعيبُ على أهل السُّنَّة تكلُّمَهم في فرق الضلال كالجهميَّة؛ زاعماً أنَّ الكلامَ فيهم محاربةٌ لأناس قد ماتوا، وأنَّ ذلك بمثابة مَن يكون بيده سكِّين يضرب بها على قبر، ومن المعلوم أنَّ الجهميَّة وغيرَهم من أهل البدع لهم وارثون وإن ماتوا، فهذا فرخٌ من فروخ الجهميَّة حيٌّ يَمشي على الأرض، يُقرِّر الباطلَ ويَذُمُّ الحقَّ وأهلَه، وقد مرَّ النقل عن الإمام اللالكائي أنَّ علماء أهل السُّنَّة القائلين إنَّ القرآنَ كلامُ الله غير مخلوق لا يُعدُّون بالمئين فحسب، بل بالألوف، وعلقتُ عليه
стр. 231
بقولي: فمَن العلماء غيرهم، وماذا بعد الحقِّ إلاَّ الضلال؟! وذلك عند الردِّ على المالكي في تشنيعه على الإمام أحمد في مسألة التكفير.
٢ ـ صفةُ الكلام لله عند أهل السُّنَّة ذاتيَّةٌ فعليَّة، ذاتيَّةٌ باعتبار أنَّ الله متكلِّمٌ بلا ابتداء، ويتكلَّم بلا انتهاء، فلَم يكن غيرَ متكلِّم ثم تكلَّم، بل لا بداية لكلامه ولا نهاية لكلامه، كما قال الله : ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ ، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ، والقرآن من كلامه، والتوراة والإنجيل والزبور المنزَّلة من كلامه، وكلُّ كتاب أُنزل على رسول من رسله هو من كلامه.
وهي صفةٌ فعليَّةٌ لتعلُّقها بالمشيئة والإرادة، وهو سبحانه يتكلَّم إذا شاء كيف شاء، قال الله : ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ، وقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ الآية، وغيرها من الآيات الدالة على أنَّ كلامَه متعلِّقٌ بمشيئته.
٣ ـ وأمَّا الحديث المشار إليه، فإنَّما ذكره هذا الضال، ونسبه إلى أهل السُّنَّة، هو من ضلاله وفهمه الخاطئ، والحديث في إسناده مقال، وعلى ثبوته فلا إشكالَ فيه عند أهل السُّنَّة؛ فإنَّ (القرآن) فيه عندهم بمعنى القراءة، وليس بمعنى المقروء، ومن المعلوم أنَّ القراءة عملُ القارئ، وهو يُثاب عليه، والأعمالُ وإن كانت أعراضاً فإنَّها تُقلَب بمشيئة الله أجساماً، كما جاء في العمل الصالح أنَّه يأتي صاحبَه في قبره في أحسن صورة، والعملُ السيِّء يأتيه في أقبح صورة، وكما تُجعل الأعمال أجساماً توضَع في الميزان، وقد أوضح ذلك ابن أبي العز الحنفي شارحُ الطحاوية، فقال في (ص: ١٩١ ـ
стр. 232
١٩٣) : "والقرآن في الأصل: مصدر، فتارة يُذكر ويُراد به القراءة، قال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ ، وقال ﷺ : (زيِّنوا القرآن بأصواتكم) ، وتارة يُذكَرُ ويُراد به المقروء، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ، وقال ﷺ : "إنَّ هذا القرآنَ أُنزل على سبعة أحرف) ، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدَّالَّة على كلٍّ من المعنيين المذكورَين".
وقال في (ص: ٩٣ ـ ٩٥) : "الموتُ صفةٌ وجوديَّة، خلافاً للفلاسفة ومَن وافقهم، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ، والعدمُ لا يُوصَف بكونه مخلوقاً، وفي الحديث: "إنَّه يُؤتَى بالموت يوم القيامة على صورة كبش أملح، فيُذبَح بين الجنَّة والنار"، وهو وإن كان عرَضاً فالله تعالى يقلبُه عيناً، كما ورد في العمل الصالح: أنَّه يأتي صاحبَه في صورة الشاب الحسن، والعمل القبيح على أقبح صورة، وورد في القرآن: "أنَّه يأتي على صورة الشاب الشاحب اللون" الحديث، أي قراءة القارئ، وورد في الأعمال: "أنَّها توضَع في الميزان"، والأعيانُ هي التي تقبل الوزن دون الأعراض، وورد في سورة البقرة وآل عمران أنَّهما يوم القيامة (يُظلاَّن صاحبهما كأنَّهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف) ، وفي الصحيح "أنَّ أعمالَ العباد تصعد إلى السماء".
٤ ـ قوله: "وكيف يُقال: ألَّف الرجل كتاباً أنَّه من صفاته؟ فالله خالق وخلق المخلوق، ولا يُقال: أنَّ المخلوق من صفة الخالق، كذلك يقال: أنَّ الله تكلَّم بكلام، ولا يُقال: إنَّ مجموع تلك الكلمات التي تكلَّم بها صفة من صفاته!! ".
стр. 233
أقول: هذا مِمَّا قرَّر به هذا الضال أنَّ كلامَ الله مخلوق، وعند أهل السُّنَّة أنَّ القرآنَ من كلام الله، وكلامُ الله لا حصر له ولا نهاية له، كما دلَّت على ذلك آيتا الكهف ولقمان، وكلُّ كلام لله فهو من صفته، وكلُّ كلام لمخلوق فهو من صفته، فيُحمَد المخلوق على حسَنه ويُذمُّ على سيِّئه، ومن صفات القرآن الذي هو من كلامه أنَّه في غاية الإعجاز، ومن صفات هذا الكلام القبيح للحكمي أنَّه من أسوأ الكلام وأبطل الباطل.
٥ ـ لا تنافي ولا تناقض بين قول أهل السُّنَّة: إنَّ القرآنَ منَزَّلٌ غيرُ مخلوق، وبين قولهم: إنَّ إنزالَ المطر والحديد وأولاد الأنعام منَزَّلةٌ مِمَّا هو مخلوق؛ فإنَّ إنزالَ المطر جاء مقيَّداً بأنَّه من المُزن وهو السحاب، وإنزال أولاد الأنعام جاء مقيَّداً بأنَّه إنزالٌ من الأنعام، وإنزال الحديد يكون من الجبال، وكلُّ ذلك إنزال مخلوق من مخلوق، أمَّا القرآن فقد جاء مقيَّداً بأنَّه منَزَّلٌ من الله، كما قال : ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ ، ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ، وغير ذلك من الآيات، وهذا يدلُّ على الفرق بين إنزال القرآن، وأنَّه من الله وأنَّه غير مخلوق، وبين تلك المخلوقات التي جاءت مقيَّدَة بإنزال مخلوق من مخلوق، وقد أوضح هذه الفروق شارح الطحاوية في (ص: ١٩٦ ـ ١٩٧) ، وعلى هذا فيكون الكلام المهلهل كلام هذا الضال، حيث قال مشنِّعاً على أهل السُّنَّة: "أوَلَم يقولوا قبل قليل: أنَّ الإنزال يكون للمخلوق كالماء والحديد والأنعام، ثم أصبحت الآن ـ في مسألة القرآن ـ صار معناها عدم الخلق؟! وهذا يدلُّ على أنَّ التركيب المعرفي في العقيدة السلفية مهلهل!!! ".
ومن ذلك قوله (ص: ٢٤٤ ـ ٢٤٥) : "أثبتوا لله ظلاًّ؛ لأنَّه ورد نصٌّ (يظلُّهم الله في ظلِّه) ، مع أنَّه قد ورد في بعض الروايات أنَّه ظلُّ العرش،
стр. 234
وورد في روايات أنَّه ظل من خلقه، كبيت الله وناقة الله، ومع ذلك غلَّبوا ذلك المحمل الضعيف، فأثبت بعضُهم أنَّ لله ظلاًّ وهم يقرؤون قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ، والظلُّ لا بدَّ أن يشبه صاحبَه، أو أنَّ هذا ـ بزعمهم ـ ظلٌّ على وجه الكمال خاصٌّ به على ما يليق بجلاله!!
والذي يظهر أنَّ التفاهمَ مع هذه الطائفة صعب المنال؛ لأنَّه يقتضي بناء قاموس لغوي آخر واختراع لغة جديدة، ثم نتعلَّمها سنوات طويلة، ثم نتفاهم معهم! والعجيب أنَّ بعضهم يرى أنَّ الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليس له ظلٌّ؛ لأنَّه مُنَزَّه عن ذلك، وفي المقابل يرى أنَّ لله ظلاًّ!! فيا لله العجب! كيف أصبحت العقيدة لا تملأ العقل إلاَّ شكًّا، ولا القلب إلاَّ ظنًّا!! ".
وأجيب عن ذلك بما يلي:
١ ـ حديث"سبعة يظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلاَّ ظلُّه" أخرجه البخاري (٦٦٠) ومسلم (١٠٣١) عن أبي هريرة ﵁، وعند البخاري أيضاً (٦٨٠٦) بلفظ: "سبعة يظلُّهم الله يوم القيامة في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلاَّ ظلُّه"، وجاء في حديث سلمان عند سعيد بن منصور بلفظ: "سبعةٌ يُظلُّهم الله في ظلِّ عرشه"، ذكره الحافظ في الفتح (٢/١٤٤) ، وقال: "بإسناد حسن"، ولم أقف على رواية بلفظ"ظل من خلقه" التي أشار إليها الحكمي، وإضافة الظلِّ إلى الله إضافة تشريف، وهو من قبيل إضافة المخلوق إلى الخالق، كبيت الله وناقة الله ونحو ذلك، ولم أقف لأحد من أهل السُّنَّة على قول بأنَّه من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف.
٢ ـ وأمَّا قوله: "والعجيب أنَّ بعضهم يرى أنَّ الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليس له ظلٌّ؛ لأنَّه مُنَزَّه عن ذلك، وفي المقابل يرى أنَّ لله
стр. 235
ظلاًّ!! فيا لله العجب! كيف أصبحت العقيدة لا تملأ العقل إلاَّ شكًّا، ولا القلب إلاَّ ظنًّا!! ".
فهو من الكذب البيِّن والإفك المبين؛ فإنَّ أهلَ السُّنَّة أبعدُ الناس عن القول بأنَّ الرسول ﷺ لا ظلَّ له، والذي يقول مثلَ هذا الكلام بعضُ الصوفية، الذين يقولون: إنَّ الرسولَ ﷺ نورٌ فلا يكون له ظلٌّ، وهو قول باطل؛ لأنَّ نورَ النَّبيِّ ﷺ نورُ هداية، نظيرُ النور الذي وصف الله به القرآن بقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ ، ولو كان نورُ الرسول ﷺ حسيًّا كما يزعمون يعكس نورَ الشمس فلا يكون له ظلّ، لَم يحتج إلى الجلوس في ظلِّ الكعبة، والذي جاء في البخاري (٣٨٥٢) عن خبَّاب ﵁، وفي مسلم (٩٩٠) عن أبي ذر ﵁، ومثل ذلك ما جاء في حديث جابر في صحيح مسلم (٨٤٣) ، وفيه قال: "كنَّا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله ﷺ "، وقد قالت أمُّ المؤمنين عائشةُ ﵂: "كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزَني فقبضتُ رجليَّ، فإذا قام بسطتُهما، قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح" رواه البخاري (٣٨٢) ، ومسلم (٥١٢) ، فلو كان نورُ النَّبيِّ ﷺ حسيًّا لا يكون معه ظلام الليل لم تحتج عائشة إلى أن تقول"والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح"، وعلى هذا فالقول بأنَّ النَّبيَّ ﷺ لا ظلَّ له قول بعض الصوفية، وهو من الغلوِّ والإطراء للرسول ﷺ ، وأهل السنَّة والجماعة هم أبعدُ الناس من هذا القول، لكن هذا الحكمي الضال لا يُميِّز بين مبتدع ومُهتد، فيُضيف هذا القولَ للصوفية إلى أهل السُّنَّة وهم بُرآءُ منه، والنور الذي يُثبتونه للرسول ﷺ وللقرآن معناه الهداية، كما قال الله : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
стр. 236
وإلى هنا انتهى هذا الردُّ وأسأل الله أن ينفعَ به المردودَ عليهم وغيرَهم وأن يفقِّهَ المسلمين بدينهم وأن يسلِّمَهم من البدع وأن يوفقهم لما تُحمد عاقبته في الدنيا والآخرة، إنَّه سميع مُجيب.
وصلَّى الله وسلَّم وبارَك على عبده ورسوله نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وكان الفراغ من كتابة هذا الردِّ في اليوم الخامس عشر من شهر الله المحرم
سنة (١٤٢٤هـ) ، والحمد لله رب العالمين.